منتديات برشين  

يتقدم موقع قرية برشين بكافة صفحاته بجزيل الشكر و الامتنان الى ادارة فريق الاشراف على بازار برشين الاول ممثلة بالأخت غيداء بدرا . لقيامهم بالتبرع بمبلغ / 25000 / لمشروع جر مياه البئر الارتوازي >>::<< كما يدعو الموقع كافة الفعاليات و الشـركات و الاخوة المغتربين ( المقتدرين منهم ) الى دعم المشروع ماديا ليتم انهاءه و ضم مياه البئر للخزان الرئيسي للقرية نظرا لقلة المياه هذه السنة ...:::... و يطرح الموقع للشركات بمقابل هذا الدعم اعلانات مجانية على كافة صفحاته ..

ياربنا يسوع المسيح بشفاعة القديس العظيم مارجرجس شفيع قريتنا افرج يارب شدة كل اولادك المتضايقين اذكر يا ربنا ابناء قريتنا المغيبن عنها ... اذكر يا رب الأخوة ... تمام عبود ... فايز عيسى ... ... و فرج عنهم ... آمين .... :: ....


الرئيسية المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة
العودة   منتديات برشين > القسم التاريخي و الجغرافي > التاريخ القديم و المعاصر
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

التاريخ القديم و المعاصر كل شيء عن التاريخ القديم و التاريخ المعاصر و ما بينهما

إنشاء موضوع جديد  رد  
 
أدوات الموضوع
قديم 15-04-11, 12:29 مساء   رقم المشاركة : [31]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص, أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً, ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة» وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار, حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني, حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة» رواه الطبراني. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي عن أبي المدله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال: «لبنة ذهب ولبنة فضة, وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وترابها الزعفران. من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت, لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» وروي عن ابن عمر مرفوعاً نحوه, وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها» فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي ؟ فقال: «لمن طيب الكلام, وأطعم الطعام, وأدام الصيام, وصلى بالليل والناس نيام» ثم قال: حديث غريب ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وكل من الإسنادين جيد وحسن, وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري, فالله أعلم.
وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل من مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها, هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز, وقصر مشيد, ونهر مطرد, وثمرة نضيجة, وزوجة حسناء جميلة. وحلل كثيرة, ومقام في أبد في دار سليمة, وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها, قال: «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله, رواه ابن ماجه. وقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} أي رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم, كما قال الإمام مالك رحمه الله عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك, فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» أخرجاه من حديث مالك, وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرجائي, حدثنا الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل هل تشتهون شيئاً فأزيدكم ؟ قالوا يا ربنا ما خير مما أعطيتنا ؟ قال: رضواني أكبر» ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري, وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح, والله أعلم.


** يَأَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لّهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ
أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم, كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين, وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الاَخرة, وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} وسيف لكفار أهل الكتاب {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وسيف للمنافقين {جاهد الكفار والمنافقين} وسيف للبغاة {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} قال: بيده فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم, وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم, وعن مقاتل والربيع مثله, وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم, وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال, والله أعلم. وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري فعلا الجهني على الأنصاري, فقال عبد الله للأنصار ألا تنصروا أخاكم ؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك, وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل, فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله, فأنزل الله فيه هذه الاَية, وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار» وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول لهرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفى الله له بإذنه» قال: وذلك حين سمع رجلاً من المنافقين يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب: لئن كان صادقاً فنحن شر من الحمير, فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجحده القائل فأنزل الله هذه الاَية تصديقاً لزيد, يعني قوله: {يحلفون بالله ما قالوا} الاَية, رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ـ إلى قوله ـ هذا الذي أوفى الله له بإذنه, ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة, وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده: ثم قال قال ابن شهاب فذكر ما بعده عن موسى عن ابن شهاب.
والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق فلعل الراوي وهم في ذكر الاَية, وأراد أن يذكر غيرها فذكرها,والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض العلة ثم يكون ذنباً تستغفر الله منه, وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس بن سويد بن الصامت, وكان على أم عمير بن سعد, وكان عمير في حجره, فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير ؟ فسمعها عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزهم عليّ أن يصله شيء يكرهه, ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني, ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى, فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجلاس, فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ولقد كذب علي, فأنزل الله عز وجل فيه {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} إلى آخر الاَية, فوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع.
هكذا جاء هذا مدرجاً في الحديث متصلاً به وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك, وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الاَية في الجلاس بن سويد بن الصامت, أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء, فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها, فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته, فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك, قال: فدعا الجلاس فقال «يا جلاس أقلت الذي قاله مصعب ؟» فحلف فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا} الاَية وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها, فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني, وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم, حدثنا عبد الله بن رجاء, حدثنا إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: «إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم ـ بعيني الشيطان ـ فإذا جاء فلا تكلموه» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك ؟» فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم, فأنزل الله عز وجل {يحلفون بالله ما قالوا} الاَية, وقوله {وهموا بما لم ينالوا} قيل أنزلت في الجلاس بن سويد وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقيل في عبد الله بن أبي, هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد أن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك, في بعض تلك الليالي في حال السير, وكانوا بضعة عشر رجلاً, قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الاَية, وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها, قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم, فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل عرفتم القوم ؟» قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا ؟» قلنا: لا, قال: «أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها» قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال: «لا, أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ـ ثم قال ـ اللهم ارمهم بالدبيلة» قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك, وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة فلا يأخذها أحد فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عمار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هبط نزل ورجع عمار فقال يا عمار: «هل عرفت القوم ؟» قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا ؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «أرادوا أن ينفروا برسول اللهـ صلى الله عليه وسلم ـ راحلته فيطرحوه» قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال: أربعة عشر رجلاً فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر قال فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة, فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة, فأطلع الله على مرادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين, وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة وعماراً بأسمائهم وما كانوا هموا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم, وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق, إلا أنه سمى جماعة منهم, فا لله أعلم.
وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي, ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو أحمد الكوفي, حدثنا الوليد بن جميع, حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس, فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك ؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر, وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علمنا بما أراد القوم ؟ وقد كان في حرة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد, فوجد قوماً قد سبقوه فلعنهم يومئذ, وما رواه مسلم أيضاً من حديث قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» ولهذا كان حذيفة يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره, والله أعلم, وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة, ثم روي عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشيرة ووديعة بن ثابت وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف والحارث بن يزيد الطائي وأوس بن قيظي والحارث بن سويد وسعد بن زرارة وقيس بن فهد وسويد بن داعس من بني الحبلى وقيس بن عمرو بن سهل وزيد بن اللصيت وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.
وقوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} أي وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته, ولو تمت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمنّ. وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب, كقوله: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله} الاَية. وقوله عليه السلام «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال {فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والاَخرة} أي وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا أي بالقتل والهم والغم, والاَخرة أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} أي وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيراً ولا يدفع عنهم شراً.


** وَمِنْهُمْ مّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الصّالِحِينَ * فَلَمّآ آتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلّواْ وّهُمْ مّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىَ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنّ اللّهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ
يقول تعالى ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين, فما وفى بما قال ولا صدق فيما ادعى, فأعقبهم هذا الصنيع نفاقاً سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله عز وجل يوم القيامة عياذاً بالله من ذلك, وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الاَية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري, وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا, وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري, أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ـ فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضةً لسارت» قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم ارزق ثعلبة مالاً» قال فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما, ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة, وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة, فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل ثعلبة ؟» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة, فأخبروه بأمره, فقال: «يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة».
وأنزل الله جل ثناؤه {خذ من أموالهم صدقة} الاَية, ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين رجلاً من جهينة ورجلاً من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين, وقال لهما: «مرا بثعلبة وبفلان ـ رجل من بني سليم ـ فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا ؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما, فلما رأوها قالوا ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك, فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لله, فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي, فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة» قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي, فأنزل الله عز وجل {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الاَية, قال وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا, فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته, فقال: ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثو على رأسه التراب, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل صدقته رجع إلى منزله, فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً, ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي, فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يقبلها, فقبض أبو بكر ولم يقبلها.
فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك ؟ فقبض ولم يقبلها, فلما ولي عثمان رضي الله عنه أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان, وقوله تعالى: {بما أخلفوا الله ما وعدوه} الاَية, أي أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم كما في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» وله شواهد كثيرة, والله أعلم. وقوله: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} الاَية, يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى, وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم, لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة وكل سر ونجوى ويعلم ما ظهر وما بطن.


** الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وهذا أيضاً من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم, إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء, وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا, كما روى البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد, حدثنا أبو النعمان البصري, حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا, فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي, وجاء رجل فتصدق بصاع: فقالوا إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت {الذين يلمزون المطوعين} الاَية. وقد رواه مسلم أيضاً في صحيحه من حديث شعبة به, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا الجريري عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وهو يقول: «من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة» قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما, فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي, فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه سواداً ولا أصغر منه ولا أدم, ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال: يا رسول الله أصدقة ؟ قال: «نعم» قال: دونك هذه الناقة, قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فو الله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «كذبت بل هو خير منك ومنها» ثلاث مرات, ثم قال: «ويل لأصحاب المئين من الإبل» ثلاثاً قالوا إلا من يا رسول الله ؟ قال: «إلا من قال بالمال هكذاوهكذا» وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: «قد أفلح المزهد المجهد» ثلاثا. المزهد في العيش, المجهد في العبادة, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام, فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء, وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع.
وقال العوفي عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم, فجمع الناس صدقاتهم, ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر, فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما وأتيتك بالاَخر, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات, فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء, ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقي أحد من أهل الصدقات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبق أحد غيرك» فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات, فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمجنون أنت ؟ قال ليس بي جنون, قال أفعلت ما فعلت ؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأماأربعة آلاف فلي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» ولمزه المنافقون فقالوا والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعاً, فأنزل الله عز وجل عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} الاَية, وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة وحض عليها فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء, وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف, أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد, حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً» قال فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله: عندي أربعة آلاف, ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت», وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي, قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء, وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم} الاَية, ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه مرسلا, قال ولم يسنده أحد إلا طالوت, وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة, حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه, قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر, فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالاَخر أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته, فقال: «انثره في الصدقة» قال فسخر القوم وقالوا لقد كان الله غنياً عن صدقة هذا المسكين, فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين} الاَيتين, وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به, وقال: اسم أبي عقيل حباب ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة, وقوله: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين, لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصاراً للمؤمنين في الدنيا, وأعد للمنافقين في الاَخرة عذاباً أليماً لأن الجزاء من جنس العمل.


** اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافيقين ليسوا أهلاً للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم, وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم, لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها, ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها, وقيل بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزلت هذه الاَية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فو الله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم» فقال الله من شدة غضبه عليهم: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} الاَية. وقال الشعبي لما ثقل عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك ؟» قال: الحباب بن عبد الله قال: «بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان», فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلى عليه فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق ؟ فقال: «إن الله قال {إن تستغفر لهم سبعين مرة} ولأستغفرن لهم سبعين و سبعين وسبعين» وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة ورواه ابن جرير بأسانيده.


** فَرِحَ الْمُخَلّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوَاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّاً لّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
يقول تعالى ذاماً للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, وفرحوا بقعودهم بعد خروجه {وكرهوا أن يجاهدوا} معه {بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا} أي بعضهم لبعض {لا تنفروا في الحر} وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار, فلهذا قالوا {لا تنفروا في الحر} قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قل} لهم {نار جهنم} التي تصيرون إليها بمخالفتكم {أشد حراً} مما فررتم منه من الحر بل أشد حراً من النار,كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية ؟ فقال: «فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به, وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم, وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وهذاأيضاً إسناده صحيح, وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري, وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت, ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت, ثم أوقد عليها ألف سنة, حتى اسودت, فهي سوداء كالليل المظلم» ثم قال الترمذي: لا أعلم أحداً رفعه غير يحيى, كذا قال, وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه, عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد الله بن سعد عن عمه عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به.
وروى أيضاً ابن مردويه, من رواية مبارك بن فضالة عن ثابت بن أنس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناراً وقودها الناس والحجارة» قال: «أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت, وألف عام حتى احمرت, وألف عام حتى اسودت, فهي سوداء كالليل لا يضيء لهبها, وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نجيج, وقد اختلف فيه عن الحسن عن أنس رفعه «لو أن شرارة بالمشرق ـ أي من نار جهنم ـ لوجد حرها من بالمغرب» وروى الحافظ أبو يعلى, عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه» غريب, وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل, لا يرى أن أحداً من أهل النار أشد عذاباً منه وإنه أهونهم عذاباً» أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش, وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا يحيى بن أبي كثير, حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه», وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن ابن عجلان, سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن أدنى أهل النار عذاباً رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه» وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط مسلم والله أعلم, والأحاديث والاَثار النبوية في هذا كثيرة, وقال الله تعالى في كتابه العزيز {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} وقال تعالى: {يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} وقال تعالى {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} وقال تعالى في هذه الاَية الكريمة {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} أي لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم كما قال الاَخر:
كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الاَخر:
عمرك بالحمية أفنيتهخوفاً من البارد والحار
وكان أولى لك أن تتقيمن المعاصي حذر النار
ثم قال تعالى جل جلاله متوعداً هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: {فليضحكوا قليلاً} الاَية, قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا, فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً, وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم, وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش, حدثنا محمد بن جبير عن ابن المبارك عن عمران بن زيد, حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون, فلو أن سفناً أزجيت فيها لجرت» ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به, وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس, حدثنا حماد الجزري عن زيد بن رفيع رفعه, قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً ثم بكوا القيح زماناً, قال: فتقول لهم الخزنة يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به ؟ قال: فيرفعون أصواتهم يا أهل الجنة يا معشر الاَباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً وكنا طول الموقف عطاشاً ونحن اليوم عطاش, فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله, فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم, ثم يجيبهم {إنكم ماكثون} فييأسون من كل خير».


** فَإِن رّجَعَكَ اللّهُ إِلَىَ طَآئِفَةٍ مّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوّلَ مَرّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ
يقول تعالى آمراً لرسوله عليه الصلاة السلام {فإن رجعك الله} أي ردك الله من غزوتك هذه {إلى طائفة منهم} قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً {فاستأذنوك للخروج} أي معك إلى غزوة أخرى {فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً} أي تعزيراً لهم وعقوبة, ثم علل ذلك بقوله: {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} وهذا كقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} الاَية, فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها, كقوله في عمرة الحديبية {سيقول المخلفون إِذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} الاَية. وقوله تعالى: {فاقعدوا مع الخالفين} قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة, وقال قتادة {فاقعدوا مع الخالفين} أي مع النساء قال ابن جرير وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ولو أريد النساء لقال فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات, ورجح قول ابن عباس رضي الله عنهما.


** وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مّنْهُم مّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات, وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروابا لله ورسوله وماتوا عليه وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه, وإن كان سبب نزول الاَية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي «جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه, ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه, فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنما خيرني الله فقال {استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وسأزيده على السبعين» قال إنه منافق. قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل آية {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره}, وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة به, ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به, وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} الاَية. وهكذا رواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله به.
وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضاً بنحو من هذا, فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس, قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لما توفي عبد الله بن أبي, دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه, فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا وكذا يعدد أيامه, قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم, حتى إذا أكثرت عليه فقال: «أخر عني يا عمر, إِني خيرت فاخترت, قد قيل لي استغفر لهم» الاَية. لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» قال ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه, قال فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. قال فوا لله ما كان إِلا يسيرا حتى نزلت هاتان الاَيتان {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} الاَية. فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل. وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به, وقال حسن صحيح, ورواه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري به فذكر مثله, قال: «أخر عني يا عمر» فلما أكثرت عليه قال: «إِني خيرت فاخترت ولو أعلم أني إِن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها» قال فصلى عليه رسول الله ثم انصرف, فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت الاَيتان من براءة {ولاتصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} الاَية, فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عبيد, حدثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا, فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته فقال: «أفلا قبل أن تدخلوه» فأخرج من حفرته وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه, ورواه النسائي عن أبي داود الحراني عن يعلى بن عبيد عن عبدالملك وهو ابن أبي سليمان به, وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان, أخبرنا ابن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه والله أعلم.
وقد رواه أيضاً في غير موضع مسلم والنسائي من غير وجه, عن سفيان بن عيينة به. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي, حدثنا يحيى, حدثنا مجالد, حدثنا عامر, حدثنا جابر «ح» وحدثنا يوسف بن موسى, حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي, حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين قال يحيى بن سعيد بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء, قال يحيى في حديثه: فصلى عليه وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فأعطاه إياه ومشى فصلى عليه وقام على قبره, فأتاه جبريل عليه السلام لما ولى قال {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق, حدثنا أحمد, حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذ جبريل بثوبه وقال {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف. وقال قتادة أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أهلكك حب يهود» قال: يارسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني, ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره, فأنزل الله عز وجل {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} الاَية, وقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي لأنه كان ضخماً طويلاً ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة له فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الاَية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره, كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي عن أبيه, حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي إلى جنازة سأل عنها, فإن أثني عليها خيراً قام فصلى عليها, وإن كان غير ذلك قال لأهلها «شأنكم بها» ولم يصل عليها, وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين, قد أخبره بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.
وقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر, أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع, ولما نهى الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم, كان هذه الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك, وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط, ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل وما القيراطان ؟ قال «أصغرهما مثل أحد» وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات, فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي, أخبرنا هشام عن عبد الله بن بحير عن هانىء, وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان عن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الاَن يسأل» انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله.


** وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
قد تم تفسيرنظير هذه الاَية الكريمة ولله الحمد والمنة.


** وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ
يقول تعالى منكراً وذاماً للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول. واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا {ذرنا نكن مع القاعدين} ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء, وهن الخوالف بعد خروج الجيش, فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس, وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاماً, كما قال تعالى عنهم في الاَية الأخرى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت, فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن, وفي الحرب أجبن شيء, وكما قال الشاعر:
أفي السلم أعيار أجفاء وغلظةوفي الحرب أشباه النساء الفوارك ؟
وقال تعالى في الاَية الأخرى {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة, فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم} الاَية, وقوله {وطبع على قلوبهم} أي بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله {فهم لا يفقهون} أي لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.


** لَـَكِنِ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدّ اللّهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
لما ذكر تعالى ذنب المنافقين وبين ثناءه على المؤمنين ومالهم في آخرتهم, فقال {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا} إلى آخر الاَيتين من بيان حالهم ومآلهم, وقوله: {وأولئك لهم الخيرات} أي في الدار الاَخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى.


** وَجَآءَ الْمُعَذّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك عن ابن عباس, إنه كان يقرأ {وجاء المعذرون} بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر. وكذا روى ابن عيينة عن حميد عن مجاهد سواء, قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة, وهذا: القول هو الأظهر في معنى الاَية, لأنه قال بعد هذا {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي لم يأتوا فيعتذروا, وقال ابن جريج عن مجاهد {وجاء المعذرون من الأعراب} قال: نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله, وكذا قال الحسن وقتادة ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر والله أعلم, لما قدمنا من قوله بعده {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} أي وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}.


** لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلّوْا وّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ * إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال, فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد, ومنه العمى والعرج ونحوهما, ولهذا بدأ به ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب, فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا, ولهذا قال: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة رضي الله عنه قال: قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله ؟ قال الذي يؤثر حق الله على حق الناس, وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الاَخرة, بدأ بالذي للاَخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.
وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال, يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة ؟ قالوا اللهم نعم, فقال اللهم إنا نسمعك تقول: {ما على المحسنين من سبيل} اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا, ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا, وقال قتادة نزلت هذه الاَية في عائذ بن عمرو المزني, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي, حدثنا ابن جابر عن ابن فروة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أكتب براءة, فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه, إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟ فنزلت {ليس على الضعفاء} الاَية, وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه, فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا: يارسول الله احملنا فقال لهم: «والله لا أجد ما أحملكم عليه»} فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملاً. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال {ليس على الضعفاء} إلى قوله {فهم لا يعلمون} وقال مجاهد في قوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} نزلت في بني مقرن من مزينة, وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير, ومن بني واقف حرمي بن عمرو, ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى, ومن بني المعلى سلمان بن صخر, ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني, وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم, من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلية بن زيد أخو بني حارثة, وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار, وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله بن المغفل المزني, وبعض الناس يقول بل هو عبد الله بن عمرو المزني, وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعياض بن سارية الفزاري, فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة فقال {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي, حدثنا وكيع عن الربيع عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً ولا نلتم من عدو نيلاً إلا وقد شركوكم في الأجر» ثم قرأ {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} الاَية, وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم» قالوا وهم بالمدينة ؟ قال: «نعم حبسهم العذر», وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سلكتم طريقاً إلا شركوكم في الأجر, حبسهم المرض» ورواه مسلم وابن ماجه من طرق عن الأعمش به ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء, وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون}.


** يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاّ تَعْتَذِرُواْ لَن نّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمّ تُرَدّونَ إِلَىَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يَرْضَىَ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} أي لن نصدقكم {قد نبأنا الله من أخباركم} أي قد أعلمنا الله أحوالكم {وسيرى الله عملكم ورسوله} أي سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} أي فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها, ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم فأعرضوا عنهم احتقاراً لهم إنهم رجس أي خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم, ومأواهم في آخرتهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون أي من الاَثام والخطايا, وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله, فإن الفسق هو الخروج, ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للإفساد, ويقال فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها)


** الأعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأعْرَابِ مَن يَتّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبّصُ بِكُمُ الدّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَتّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلآ إِنّهَا قُرْبَةٌ لّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
أخبر تعالى أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين, وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد وأجدر, أي أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند, فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني, وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال ؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن أبي موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سكن البادية جفا, ومن اتبع الصيد غفل, ومن أتى السلطان افتتن» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به, وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري, ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولاً, وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي, قال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي» لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن, فهم ألطف أخلاقاً من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء.
(حديث الأعرابي في تقبيل الولد) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة وابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم ؟ قالوا نعم, قالوا لكنا والله ما نقبل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة» وقال ابن نمير: «من قلبك الرحمة». وقوله {والله عليم حكيم} أي عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم, حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق, لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته, وأخبر تعالى أن منهم {من يتخذ ما ينفق} أي في سبيل الله {مغرماً} أي غرامة وخسارة {ويتربص بكم الدوائر} أي ينتظر بكم الحوادث والاَفات {عليهم دائرة السوء} أي هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم {والله سميع عليم} أي سميع لدعاء عباده عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان, وقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الاَخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب, وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم {ألا إنها قربة لهم} أي ألا إن ذلك حاصل لهم {سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم}.


** وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان, ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم, قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية, وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة, هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الاَية, {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا ؟ فقال: أبي بن كعب, فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه, فلما جاءه قال عمر أنت أقرأت هذا هذه الاَية هكذا ؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا, فقال أبي تصديق هذه الاَية في أول سورة الجمعة {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} وفي سورة الحشر {والذين جاءوا من بعدهم} الاَية, وفي الأنفال {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا معكم} الاَية, ورواه ابن جرير, قال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفاً على والسابقون الأولون, فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان, فياويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم, ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه, فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم. عياذاً بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة, فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم ؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ويسبون من سبه الله ورسوله, ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون, ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.


** وَمِمّنْ حَوْلَكُمْ مّنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذّبُهُم مّرّتَيْنِ ثُمّ يُرَدّونَ إِلَىَ عَذَابٍ عَظِيمٍ
يخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقون, وفي أهل المدينة أيضاً منافقون {مردوا على النفاق} أي مرنوا واستمروا عليه, ومنه يقال شيطان مريد, ومارد ويقال تمرد فلان على الله أي عتا وتجبر, وقوله: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} لا ينافي قوله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول} لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها, لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين, وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً وإن كان يراه صباحاً ومساء, وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن رجل عن جبير بن مطعم رضي الله عنه, قال قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب» وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال «إن في أصحابي منافقين» ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم, وتقدم في تفسير قوله {وهموا بما لم ينالوا} أنه صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقاً, وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم, والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا ابن جابر, حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر, أظنه حدثني عن أبي الدرداء أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه, والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه, ولم يذكر الله إلا قليلاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل له لساناً ذاكراً, وقلباً شاكراً, وارزقه حبي وحب من يحبني, وصير أمره إلى خير» فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأساً فيهم أفلا آتيك بهم ؟ قال: «من أتانا استغفرنا له, ومن أصر فالله أولى به, ولا تخرقن على أحد ستراً», قال وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في هذه الاَية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس, فلان في الجنة وفلان في النار, فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس, ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك, قال نبي الله نوح عليه السلام {وما علمي بما كانوا يعملون} وقال نبي الله شعيب عليه السلام {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لا تعلمهم نحن نعلمهم} وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الاَية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق, واخرج يا فلان إنك منافق» فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم, فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا, واختبأوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم, فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا, فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم, قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد, والعذاب الثاني عذاب القبر, وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا.
وقال مجاهد في قوله {سنعذبهم مرتين} يعني القتل والسبي, وقال في رواية بالجوع وعذاب القبر, ثم يردون إلى عذاب عظيم, وقال ابن جريج عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم النار, وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر, وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد, وقرأ قوله تعالى {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر, وعذاب في الاَخرة في النار {ثم يردون إلى عذاب عظيم} قال النار, وقال محمد بن إسحاق {سنعذبهم مرتين} قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة, ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها, ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الاَخرة والخلد فيه, وقال سعيد عن قتادة في قوله: {سنعذبهم مرتين} عذاب الدنيا وعذاب القبر {ثم يردّون إلى عذاب عظيم} وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين, فقال ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره, وستة يموتون موتاً, وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم, نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه, وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك الله أمنهم أنا ؟ قال لا ولا أومن منها أحداً بعدك.


** وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
لما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيباً وشكاً, شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق, فقال {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم, ولهم أعمال أخر صالحة خلطوا هذه بتلك فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه, وهذه الاَية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين, وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه, وقال ابن عباس {وآخرون} نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه, وقيل وسبعة معه, وقيل وتسعة معه, فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أنزل الله هذه الاَية {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم, وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام, حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عوف, حدثنا أبو رجاء, حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا «أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء, وشطر كأقبح ما أنت راء, قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة, قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك, قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح, فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم» هكذا رواه البخاري مختصراً في تفسير هذه الاَية.


** خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصّدَقَاتِ وَأَنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ
أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون, وإنما كان هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم, ولهذا احتجوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} الاَية, وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد, أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقاً ـ وفي رواية عقالاً ـ كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه, وقوله {وصل عليهم} أي ادع لهم واستغفر لهم كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» وفي الحديث الاَخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي, فقال «صلى الله عليك وعلى زوجك» وقوله: {إن صلاتك سكن لهم} قرأ بعضهم صلواتك على الجمع وآخرون قرأوا إن صلاتك على الإفراد {سكن لهم} قال ابن عباس: رحمة لهم, وقال قتادة وقار, وقوله: {والله سميع} أي لدعائك {عليم} أي بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له, قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا أبو العميس عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن حذيفة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده, ثم رواه عن أبي نعيم عن مسعر عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن لحذيفة, قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده.
وقوله {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها, وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه, ومن تصدق بصدقة من كسب حلال, فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أحد, كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور عن القاسم بن محمد, أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه قيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره, حتى أن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} وقوله: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وقال الثوري والأعمش, كلاهما عن عبد الله بن السائب عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل, ثم قرأ هذه الاَية {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} وقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي وأصله حمصي, وكان أحد الفقهاء, روى عن معاوية وغيره, وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية رضي الله عنه وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد, فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة, فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك, فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبىعليه, فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع, فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له ما يبكيك ؟ فذكر له أمره, فقال له: أو مطيعي أنت ؟ فقال: نعم, فقال اذهب إلى معاوية فقل له اقبل مني خمسك فادفع إليه عشرين ديناراً وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش, فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم, ففعل الرجل, فقال معاوية رضي الله عنه: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه, أحسن الرجل.


** وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدّونَ إِلَىَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
قال مجاهد: هذا وعيد يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} وقال تعالى: {يوم تبلى السرائر} وقال: {وحصل ما في الصدور} وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا, كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان» وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ, كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم, فإن كان خيراً استبشروا به, وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» وقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنساً يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا».
وقال البخاري قالت عائشة رضي الله عنها: إذا أعجبك حسن عمل امرىء مسلم فقل {اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقد ورد في الحديث شبيه بهذا, قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له, فإن العامل يعمل زماناً من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً, وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً, وإذا أراد الله بعبده خيراً استعمله قبل موته» قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله ؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.


** وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا أي عن التوبة, وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية, قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكاً ونفاقاً, فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه, وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون, فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة, حتى نزلت الاَية الاَتية وهي قوله {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} الاَية, {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} الاَية, كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك, وقوله {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} أي هم تحت عفو الله إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك, ولكن رحمته تغلب غضبه {والله عليم حكيم} أي عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو, حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه.


** وَالّذِينَ اتّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَىَ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَىَ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ
سبب نزول هذه الاَيات الكريمات, أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب, وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب, وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير, فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر, شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها, وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش, يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد, فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله عز وجل, وكانت العاقبة للمتقين, وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين, فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه, وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته, فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله, ونالوا منه وسبوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن, فأبى أن يسلم وتمرد, فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيداً طريداً فنالته هذه الدعوة, وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد, ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور, ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده, وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه, وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك, فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك, وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته, وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية, فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل عليه السلام راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم, نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة, كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية, هم أناس من الأنصار بنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمداً وأصحابه, فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة, فأنزل الله عز وجل {لا تقم فيه أبداً} إلى قوله: {الظالمين} وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة وغير واحد من العلماء, وقال محمد بن إسحاق بن يسار, عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم, قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار, وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية, وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه, فقال: «إني على جناح سفر وحال شغل» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه» فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف, ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه» فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف, وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي, فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله, فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه, ونزل فيهم من القرآن ما نزل {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً} إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف, ومن داره أخرج مسجد الشقاق, وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد, ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد, وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد, وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف, وحارثة بن عامر وابناه مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة ومخرج, وهم من بني ضبيعة, وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة, ووديعة بن ثابت, وموالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر. وقوله {وليحلفن} أي الذين بنوه {إن أردنا إلا الحسنى} أي ما أردنا ببنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس, قال الله تعالى: {والله يشهد إنهم لكاذبون} أي فيما قصدوا وفيما نووا, وإنما بنوه ضراراً لمسجد قباء وكفراً بالله وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل, وهو أبو عامر الفاسق الذي يقال له الراهب لعنه الله, وقوله {لا تقم فيه أبداً} نهي له صلى الله عليه وسلم والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه أي يصلي فيه أبداً. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى, وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعاً لكلمة المؤمنين ومعقلاً وموئلاً للإسلام وأهله, ولهذا قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء, ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة», وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة, فالله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء, حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت هذه الاَية في أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} ـ قال ـ كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الاَية». ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف, وقال الترمذي غريب من هذا الوجه, وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري, حدثنا محمد بن حميد الرازي, حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الاَية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟» فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه أو قال مقعدته, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هو هذا».
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد, حدثنا أبو أويس, حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري, أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم, فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟» فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً, إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا, ورواه ابن خزيمة في صحيحه, وقال هشيم عن عبد الحميد المدني عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة: «ما هذا الذي أثنى الله عليكم {فيه رجال يحبون أن يتطهروا ؟»} الاَية, قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء, وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي, حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الاَية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} قال كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم, حدثنا مالك يعني ابن مغول, سمعت سياراً أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قباء, فقال «إن الله عز وجل قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني ؟» يعني قوله {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} فقالوا يا رسول الله إنا نجده مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء.
وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف, رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير, وقال عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة, وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى, وهذا صحيح. ولا منافاة بين الاَية وبين هذا, لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم, فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى, ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم, حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس, عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا» تفرد به أحمد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال الاَخر هو مسجد قباء, فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: «هو مسجدي هذا» تفرد به أحمد أيضاً.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ليث عن عمران بن أبي أنس عن سعيد بن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, فقال أحدهما هو مسجد قباء, وقال الاَخر هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هو مسجدي هذا» تفرد به أحمد.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا ليث حدثني عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, فقال رجل هو مسجد قباء, وقال الاَخر هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هو مسجدي» وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث وصححه الترمذي ورواه مسلم كما سيأتي.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن أنيس بن أبي يحيى, حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف, في المسجد الذي أسس على التقوى, فقال الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال العمري هو مسجد قباء, فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال في ذلك يعني مسجد قباء.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حميد الخراط المدني سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى ؟ فقال إني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أسس على التقوى ؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا» ثم قال سمعت أباك يذكره, رواه مسلم منفرداً به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به, ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به, وقد قال بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف, وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب, واختاره ابن جرير, وقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له, وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير, سمعت شبيباً أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ الروم فيها فأوهم فلما انصرف قال: «إنه يلبس علينا القرآن إن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء, فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» ثم رواه من طريقين آخرين عن عبد الملك بن عمير عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع, أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فذكره, فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {والله يحب المطهرين} إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المطهرون من الذنوب. وقال الأعمش التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك, وقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء: «قد أثنى الله عليكم في الطهور فماذا تصنعون ؟» فقالوا نستنجي بالماء, وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب, حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال نزلت هذه الاَية في أهل قباء




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:30 مساء   رقم المشاركة : [32]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

{فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا إنا نتبع الحجارة بالماء رواه البزار, ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز عن الزهري ولم يرو عنه سوى ابنه, {قلت} وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم, والله أعلم.


** أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ تَقْوَىَ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مّنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَن تَقَطّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يقول تعالى لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ومن بنى مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين, وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل, فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار, أي طرف حفيرة, مثاله {في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدخان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالاً حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه, وكذا قال قتادة, وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة, رواه ابن جرير رحمه الله. وقوله تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} أي شكاً ونفاقاً, بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع أورثهم نفاقاً في قلوبهم كما أشرب عابدو العجل حبه, وقوله: {إلا أن تقطع قلوبهم} أي بموتهم, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف, {والله عليم} أي بأعمال خلقه {حكيم} في مجازاتهم عنها من خير وشر.


** إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الّجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة, وهذا من فضله وكرمه وإحسانه, فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة, وفى بها أو مات عليها ثم تلا هذه الاَية. ولهذا يقال من حمل في سبيل الله بايع الله أي قبل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره, قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت, فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال «الجنة» قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل, فنزلت {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} الاَية, وقوله: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} أي سواء قتلوا أو قتلوا, أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة.
ولهذا جاء في الصحيحين «وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة» وقوله: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن} تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار, وهي التوراة المنزلة على موسى, والإنجيل المنزل على عيسى, والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: {ومن أوفى بعهده من الله} فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: {ومن أصدق من الله حديثاً} {ومن أصدق من الله قيلاً} ولهذا قال {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم.


** التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدونَ الاَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ
هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة {التائبون} من الذنوب كلها التاركون للفواحش {العابدون} أي القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها وهي الأقوال والأفعال, فمن أخص الأقوال الحمد, فلهذا قال: {الحامدون} ومن أفضل الأعمال الصيام وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع, وهو المراد بالسياحة ههنا, ولهذا قال: {السائحون} كما وصف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى: {سائحات} أي صائمات, وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة, ولهذا قال: {الراكعون الساجدون} وهم مع ذلك ينفعون خلق الله ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه, وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علماً وعملاً, فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق, ولهذا قال: {وبشر المؤمنين} لأن الإيمان يشمل هذا كله, والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.
(بيان أن المراد بالسياحة الصيام) قال سفيان الثوري: عن عاصم عن زِرّ عن عبد الله بن مسعود قال {السائحون} الصائمون وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون, وكذا قال الضحاك رحمه الله, وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام, وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم, أن المراد بالسائحين الصائمون, وقال الحسن البصري: {السائحون} الصائمون شهر رمضان, وقال أبو عمرو العبدي: {السائحون} الذين يديمون الصيام من المؤمنين, وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا, وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, حدثنا حكيم بن حزام, حدثنا سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السائحون هم الصائمون» وهذا الموقوف أصح, وقال أيضاً حدثني يونس عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين, فقال «هم الصائمون» وهذا مرسل جيد وهذا أصح الأقوال وأشهرها.
وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة, أخبرني عمارة بن غزية أن السياحة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف» وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون, رواهما ابن أبي حاتم, وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري, فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين, كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {والحافظون لحدود الله} قال القائمون بطاعة الله, وكذا قال الحسن البصري وعنه رواية {الحافظون لحدود الله} قال: لفرائض الله, وفي رواية القائمون على أمر الله.


** مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاّ عَن مّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق, حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية, فقال «أي عم, قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} قال ونزلت فيه {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} أخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم, أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان, فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان ؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الاَية, قال لما مات فلا أدري, قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في الحديث لما مات, (قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال لما مات. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى, حدثنا زهير, حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في سفر, فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب, فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان, فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال: يا رسول الله مالك ؟ قال «إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار, وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم زيارتها خيراً. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم, ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكراً».
وروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة, أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبراً, فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت. قال: «إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي» فما رئي باكياً أكثر من يومئذ. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي, حدثنا خالد بن خداش, حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أيوب بن هانىء عن مسروق عن عبد الله بن مسعود, قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها, فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه, ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا, فقال «ما أبكاكم ؟» فقلنا بكينا لبكائك. قال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة, وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي» ثم أورده من وجه آخر, ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريباً منه, وفيه «وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي {ما كان للنبي والذين آمنوا} الاَية, فأخذني ما يأخذ الولد للوالد, وكنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها فإنها تذكر الاَخرة».
(حديث آخر) في معناه. قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي, حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب, حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان, عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر, فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم, فذهب فنزل على قبر أمه فناجى ربه طويلاً, ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه, وقالوا ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث الله في أمته شيئاً لا تطيقه, فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال: «ما يبكيكم ؟» قالوا يا نبي الله بكينا لبكائك, فقلنا لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه, قال: «لا, وقد كان بعضه, ولكن نزلت على قبر أمي فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة فأبى الله أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت, ثم جاءني جبريل فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه, فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه, فرحمتها وهي أمي ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعاً فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين, ودعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض, فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج» وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم, وهذا حديث غريب وسياق عجيب, وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة, أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت, وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون: إن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به. وقد قال الحافظ ابن دحية في هذا الاستدلال, بما حاصله أن هذه حياة جديدة كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها, فصلى علي العصر, قال الطحاوي: وهو حديث ثابت يعني حديث الشمس, قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلاً ولا شرعاً, قال وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب فآمن به, (قلت) وهذا كله متوقف على صحة الحديث فإذا صح فلا مانع منه, والله أعلم.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الاَية, أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله عز وجل عن ذلك, فقال «إن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه» فأنزلالله {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة عدها إياه} الاَية, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية, كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الاَية, فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا, ثم أنزل الله {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} الاَية, وقال قتادة في الاَية: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم ؟ قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم «بلى والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} حتى بلغ قوله {الجحيم} ثم عذر الله تعالى إبراهيم عليه السلام, فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} الاَية, قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أوحى الله إليّ كلمات فدخلن في أذني وقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً, ومن أعطى فضل ماله فهو خير له, ومن أمسك فهو شر له, ولا يلوم الله على كفاف».
وقال الثوري عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه, فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حياً, فإذا مات وكله إلى شأنه, ثم قال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ـ إلى قوله ـ تبرأ منه} لم يدع. ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي رضي الله عنه, لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله: إن عمك الشيخ الضال قد مات, قال: «اذهب فواره ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني» فذكر تمام الحديث, وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: «وصلتك رحمة يا عم» وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة,ولو كانت حبشية حبلى من الزنا, لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين, يقول الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الاَية.
وروى ابن جرير, عن ابن وكيع عن أبيه عن عصمة بن زامل عن أبيه, قال: سمعت أبا هريرة يقول رحم الله رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه, قلت ولأبيه. قال لا. قال إن أبي مات مشركاً, وقوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات, فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه, وفي رواية لما مات تبين له أنه عدو لله, وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم رحمهم الله, وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه يوم القيامة حتى يلقى أباه, وعلى وجه أبيه القترة والغبرة, فيقول: يا إبراهيم إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك, فيقول أي رب ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون, فأي خزي أخزى من أبي الأبعد, فيقال انظر إلى ما وراءك فإذا هو بذيخ متلطخ, أي قد مسخ ضبعاً ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار. وقوله: {إن إبراهيم لأواه حليم} قال سفيان الثوري وغير واحد: عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود, أنه قال الأواه الدعاء, وكذا روي من غير وجه: عن ابن مسعود, وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا الحجاج بن منهال, حدثني عبد الحميد بن بهرام, حدثنا شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد بن الهاد, قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس قال: رجل يا رسول الله ما الأواه ؟ قال: «المتضرع» قال: {إن إبراهيم لأواه حليم} ورواه ابن أبي حاتم: من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام به, ولفظه قال الأواه المتضرع الدعاء. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي الغدير, أنه سأل ابن مسعود عن الأواه فقال هو الرحيم, وبه قال مجاهد وأبو ميسرة عمر بن شرحبيل والحسن البصري وقتادة وغيرهما أي الرحيم أي بعباد الله.
وقال ابن المبارك عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس, قال: الأواه الموقن بلسان الحبشة, وكذا قال العوفي عن ابن عباس أنه الموقن, وكذا قال مجاهد والضحاك, وقال علي بن أبي طلحة ومجاهد عن ابن عباس: الأواه المؤمن, زاد علي بن أبي طلحة عنه: هو المؤمن التواب, وقال العوفي عنه هو المؤمن بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج هو المؤمن بلسان الحبشة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى, حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين «إنه أواه» وذلك أنه رجل كان إذا ذكر الله في القرآن رفع صوته بالدعاء, ورواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأواه المسبح, وقال ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأواه, وقال شفي بن مانع عن أبي أيوب, الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها, وعن مجاهد الأواه الحفيظ الوجل يذنب الذنب سراً ثم يتوب منه سراً, ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا المحاربي عن حجاج عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن بيان, أن رجلاً كان يكثر ذكر الله ويسبح, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «إنه أواه».
وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب, حدثنا ابن هانىء, حدثنا المنهال بن خليفة عن حجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس, أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتاً فقال: «رحمك الله إن كنت لأواها» يعني تلاء للقرآن, وقال شعبة عن أبي يونس الباهلي, قال سمعت رجلاً بمكة وكان أصله رومياً وكان قاصاً يحدث عن أبي ذر, قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: أوه أوه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «إنه أواه» قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلاً ومعه المصباح, هذا حديث غريب رواه ابن جرير. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت {إن إبراهيم لأواه} قال كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار, وقال ابن جريج عن ابن عباس {إن إبراهيم لأواه} قال: فقيه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: وأولى الأقوال قول من قال إنه الدعاء وهو المناسب للسياق, وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه, وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليماً عمن ظلمه وأناله مكروهاً, ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً} فحلم عنه مع أذاه له ودعا له واستغفر, ولهذا قال تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم}.


** وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتّىَ يُبَيّنَ لَهُم مّا يَتّقُونَ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ
يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم, حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة, كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} الاَية, وقال مجاهد في قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} الاَية, قال بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة, وفي بيانه لهم من معصيته وطاعته عامة, فافعلوا أو ذروا. وقال ابن جرير: يقول الله تعالى وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله, حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا, فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليه بالضلال, فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي, وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.
وقوله تعالى: {إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير} قال ابن جرير, هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر, وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض ولا يرهبوا من أعدائه, فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي, حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم: «هل تسمعون ما أسمع ؟» قالوا ما نسمع من شيء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها يرفع علم ذلك إلى الله, وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب, وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام.


** لَقَدْ تَابَ الله عَلَىَ النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رّحِيمٌ
قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الاَية في غزوة تبوك, وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء, قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد, أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما, وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها, فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم, وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس, أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة, فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد, فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع, وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده, فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا, فقال «تحب ذلك ؟» قال نعم, فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت, فملؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر, وقال ابن جرير: في قوله {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} أي من النفقة والطهر والزاد والماء {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} أي عن الحق, ويشك في دين الرسول صلى الله عليه وسلم ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم {ثم تاب عليهم} يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه {إنه بهم رؤوف رحيم}.


** وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُواْ حَتّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنّوَاْ أَن لاّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ * يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله, عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك, أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي, قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزاة تبوك, غيرأني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها, وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد, ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام, وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر, وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز, واستقبل عدواً كثيراً فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم, فأخبرهم وجهه الذي يريد, والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير, لا يجمعهم كتاب حافظ ـ يريد الديوان ـ قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل, وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أصعر, فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه, فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا, فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر بالناس الجد, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً, ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت, ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله عز وجل, ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك, فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك» فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه, فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك, حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب, وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي, فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً, زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً, فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس, فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً, فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى, حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب, ثم قال لي «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه, فقال لي: «ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهراً» فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر, لقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي, ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل والله ما كان لي عذر, والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون, فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك, قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي, قال ثم قلت لهم هل لقي معي هذا أحد ؟ قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت, وقيل لهما مثل ما قيل لك, فقلت فمن هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي, فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة, قال: فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه, فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف, فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدافي بيوتهما يبكيان, وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم, فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد, وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصّلي قريباً منه وأسارقه النظر, فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ, فإِذا التفتُ نحوه أعرض عنّي, حتّى إِذا طال علّي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتّى تسوّرت حائط أبي قتادة وهوابن عمي وأحب الناس إليّ, فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام, فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال فسكت, قال فعدت له فنشدته فسكت, فعدت له فنشدته فسكت, فقال الله ورسوله أعلم.
قال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار, فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك, قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً, فإِذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة, فالحق بنا نواسك, قال: فقلت حين قرأته وهذا أيضاً من البلاء, قال: فتيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين, إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني يقول: يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل امرأتك, قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها, قال وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك, قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء, قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه, قال «لا ولكن لا يقربنّك» قالت وإنه والله ما به من حركة إلى شيء, وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا, قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لا مرأة هلال بن أمية أن تخدمه, قال فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب.
قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا, قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا, فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت, سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك, قال: فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا, فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر, فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبيّ مبشرون, وركض إلي رجل فرساً وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس, فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته, والله ما أملك يومئذ غيرهما, واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنوني بتوبة الله, يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد والناس حوله, فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره, قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة, قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت أمن عندك رسول الله أم من عند الله ؟ قال «لا بل من عند الله» قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه, فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إِن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله, قال «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله: إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت, قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى, والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا, وإِني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي.
(قال) وأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤ وف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجاً من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وكونوا مع الصاديقين} إلى آخر الاَيات. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ, أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه, فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد, فقال الله تعالى: {سيحلفون با لله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإِن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم, وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه, فلذلك قال عز وجل {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس تخليفه إِيانا وارجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو, وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم, من حديث الزهري بنحوه, فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الاَية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها, وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها, كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: هم كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن الربيع, وكلهم من الأنصار, وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال مرارة بن ربيعة, وكذا في مسلم ابن ربيعة في بعض نسخه, وفي بعضها مرارة بن الربيع, وفي رواية عن الضحاك مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب, وقوله فسموا رجلين شهدا بدراً قيل إنه خطأ من الزهري, فإِنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدراً, والله أعلم.
ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحواً من خمسين ليلة بأيامها, وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت, أي مع سعتها فسدت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون, فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم, وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم, فكان عاقبة صدقهم خيراً لهم وتوبة عليهم, ولهذا قال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك, ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش, عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإِن الصدق يهدي إلى البر, وإن البر يهدي إلى الجنة, ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً, وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار, ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» أخرجاه في الصحيحين, وقال شعبة عن عمرو بن مرة: سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل, اقروءا إن شئتم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} هكذا قرأها, ثم قال فهل تجدون لأحد فيه رخصة, وعن عبد الله بن عمرو في قوله {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وقال الضحاك مع أبي بكر وعمر وأصحابهما, وقال الحسن البصري إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.


** مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعْرَابِ أَن يَتَخَلّفُواْ عَن رّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نّيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
يعاتب تبارك وتعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب, ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له من المشقة, فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر لأنهم {لا يصيبهم ظمأ} وهو العطش {ولا نصب} وهو التعب {ولا مخمصة} وهي المجاعة {ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار}. أي ينزلون منزلاً يرهب عدوهم {ولا ينالون} منه ظفراً وغلبة عليه {إلا كتب لهم} بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالاً صالحة وثواباً جزيلاً {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} كقوله {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً}.


** وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقول تعالى: {ولا ينفقون} هؤلاء الغزاة في سبيل الله {نفقة صغيرة ولا كبيرة} أي قليلاً ولا كثيراً {ولا يقطعون وادياً} أي في السير إلى الأعداء {إلا كتب لهم} ولم يقل ههنا به, لأن هذه أفعال صادرة عنهم, ولهذا قال: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه من هذه الاَية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم, وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة, كما قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى الغنزي, حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, حدثني سليمان بن المغيرة, حدثني الوليد بن أبي هشام, عن فرقد أبي طلحة, عن عبد الرحمن بن خباب السلمي, قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها, قال ثم حث, فقال عثمان: عليّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها, قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث, فقال عثمان بن عفان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بيده هكذا يحركها, وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» وقال عبد الله أيضاً: حدثنا هارون بن معروف, حدثنا ضمرة, حدثنا عبد الله بن شوذب, عن عبد الله بن القاسم عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة عن عبد الرحمن بن سمرة, قال: جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حتى جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة, قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» يرددها مراراً, وقال قتادة في قوله تعالى: {ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم} الاَية. ما ازداد قوم في سبيل الله بعداً من أهليهم إلا ازدادوا قرباً من الله.


** وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ
هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {انفروا خفاقاً وثقالاً} وقال {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب} الاَية, قال فنسخ ذلك بهذه الاَية. وقد يقال إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم, ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو, فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين, وبعده صلى الله عليه وسلم تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد, فإنه فرض كفاية على الأحياء, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيروا إلا بإذنه, فإذا رجعت السرايا وقد أنزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون مع النبي صلى الله عليه وسلم, وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم قرآناً وقد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ويبعث سرايا أخرى, فذلك قوله: {ليتفقهوا في الدين} يقول: ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم, {لعلهم يحذرون} وقال مجاهد: نزلت هذه الاَية في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً, ومن الخصب ما ينتفعون به, ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى, فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا ؟ فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال الله عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يبغون الخير {ليتفقهوا في الدين} وليستمعوا ما في الناس وما أنزل الله فعذرهم {ولينذروا قومهم} الناس كلهم إذا رجعوا إليهم {لعلهم يحذرون} وقال قتادة في الاَية: هذا إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش أمرهم الله أن يغزوا بنبيه صلى الله عليه وسلم, وتقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين, وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.
وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار, وكان إذا قام وأسرى السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه, وكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه, فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآناً فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين, وهو قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول إذا أقام رسول الله {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعاً ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد, ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس. وقال علي بن أبي طلحة أيضاً عن ابن عباس في الاَية, قوله {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} إنها ليست في الجهاد, ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين, أجدبت بلادهم وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها, حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون, فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم, فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين, فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم, فذلك قوله: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} الاَية.
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتقفهون في دينهم, ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تأمرنا أن نفعله ؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم, قال فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله ورسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة, وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا: إن من أسلم فهو منا وينذرونهم, حتى إن الرجل ليفارق أباه, وأمه, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم, فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة, وقال عكرمة لما نزلت هذه الاَية {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} و{ما كان لأهل المدينة} الاَية, قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه, وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم فأنزل الله عز وجل {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الاَية, ونزلت{والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} وقال الحسن البصري في الاَية: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة, وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.


** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ
أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً, فأولاً الأقرب فالأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام, ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب, فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب, ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً, شرع في قتال أهل الكتاب, فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب, فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال, وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام, ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع, ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوماً, فاختاره الله لما عنده وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه, وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته الله تعالى به, فوطد القواعد وثبت الدعائم, ورد شارد الدين وهو راغم, ورد أهل الردة إلى الإسلام, وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة, وبين الحق لمن جهله, وأدى عن الرسول ما حمله, ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان, وإلى الفرس عبدة النيران, ففتح الله ببركة سفارته البلاد, وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الله, وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده, وولي عهده الفاروق الأواب, شهيد المحراب, أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين, وقمع الطغاة والمنافقين واستولى على الممالك شرقاً وغرباً. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعداً وقرباً. ففرقها على الوجه الشرعي. والسبيل المرضي. ثم لما مات شهيداً وقد عاش حميداً. أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار.
فكسى الإسلام رياسته حلة سابغة. وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة. فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار, امتثالاً لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} وقوله تعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} أي وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم, فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً لأخيه المؤمن غليظاً على عدوه الكافر, كقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا الضحوك القتال} يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه, وقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إِذا اتقيتموه وأطعتموه, وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم. ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار, ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها, فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض, ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة, ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ولله الأمر من قبل ومن بعد, فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم.


** وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَـَذِهِ إِيمَاناً فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىَ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ
يقول تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة} فمن المنافقين {من يقول أيكم زادته هذه إيماناً} أي يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيماناً قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون} وهذه الاَية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيدوينقص, كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري رحمه الله {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم} أي زادتهم شكاً إلى شكهم وريباً إلى ريبهم كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء} الاَية, وقوله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمىً أولئك ينادون من مكان بعيد} وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سبباً لضلالهم ودمارهم كما أن سيء المزاج لو غذي به لا يزيده إلا خبالاً ونقصاً.


** أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مّرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ ثُمّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذّكّرُونَ * وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ ثُمّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُون
يقول: تعالى أو لا يرى هؤلاء المنافقون {أنهم يفتنون} أي يختبرون {في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} أي لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم, قال مجاهد يختبرون بالسنة والجوع وقال قتادة بالغزو في السنة مرة أو مرتين, وقال شريك عن جابر: هو الجعفي عن أبي الضحى عن حذيفة في قوله: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير رواه ابن جرير وفي الحديث عن أنس: لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شحاً وما من عام إلا والذي بعده شر منه, سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم وقوله: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} هذا أيضاً إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم {نظر بعضهم إلى بعض} أي تلفتوا {هل يراكم من أحد ثم انصرفوا} أي تولوا عن الحق وانصرفوا عنه وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة} وقوله تعالى: {فمالِ الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمن وعن الشمال عزين} أي ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يميناً وشمالاً هروباً من الحق وذهاباً إلى الباطل وقوله: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} كقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} أي لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.


** لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ * فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَهُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
يقول تعالى ممتناً على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} وقال تعالى: {لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولاً منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال صلى الله عليه وسلم «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء» وقوله تعالى: {عزيز عليه ما عنتم} أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» وفي الصحيح «إن هذا الدين يسر وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه» {حريص عليكم} أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم, وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن فِطْن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» وقال الإمام أحمد: حدثنا فطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن عبدة الهذلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب».
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والاَخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء تتبعوني ؟ فقالوا: نعم قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضاً معشبة وحياضاً رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني ؟ فقالوا بلى فقال: فإن بين أيديكم رياضاً هي أعشب من هذه وحياضاً هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة صدق والله لنتبعه, وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه, وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: «أحسنت إليك» قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال: «إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت» فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً وقال: «أحسنت إليك ؟» فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت. وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» فقال: نعم فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن صاحبكم كان جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال, وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي, كذلك يا أعرابي ؟» فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً. فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار» رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه (قلت) وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم, وقوله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} كقوله {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم} وهكذا أمره تعالى في هذه الاَية الكريمة وهي قوله تعالى {فإن تولوا} أي تولوا عما جئتم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة {فقل حسبي الله لا إله إلا هو} أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً} {وهو رب العرش العظيم} أي هو مالك كل شيء وخالقه, لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى, وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل, قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الاَية {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر السورة, وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا روح بن عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الاَية من سورة براءة {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} الاَية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ألا أنا فاعبدون} وهذا غريب أيضاً.
وقال أحمد حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الاَيتين من آخر براءة {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى عمر بن الخطاب فقال: من معك على هذا ؟ قال: لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها, فوضعوها في آخر براءة, وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك, وفي الصحيح أن زيداً قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة, وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم, وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبد الرزاق بن عمر ـ وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمه, وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق عن عمر, هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حليس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقاً كان بها أو كاذباً إلا كفاه الله ما أهمه. وهذه زيادة غريبة, ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر, والله أعلم.





( سورة يونس )
مقدمة تفسير سورة يونس
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة يونس مكية وآياتها تسع ومئة
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ {1} أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً
أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا
لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ {2}
أما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة وقال أبو الضحى عن بن عباس في قوله تعالى ( الر ) أي أنا الله أرى وكذلك قال الضحاك وغيره ( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) وقال الحسن التوراة والزبور وقال قتاده ( تلك آيات الكتاب ) قال الكتب التي كانت قبل القرآن وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه وقوله ( أكان للناس عجبا ) الآية يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم ( أبشر يهدوننا ) وقال هود وصالح لقومهما ( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) وقال الضحاك عن بن عباس لما بعث الله تعالى محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد قال فأنزل الله عز وجل ( أكان للناس عجبا ) الآية وقوله ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) اختلفوا فيه فقال علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ) يقول سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وقال العوفي عن بن عباس ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) يقول أجرا حسنا بما قدموا وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا كقوله تعالى ( لينذر بأسا شديدا ) الآية وقال مجاهد ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) قال الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم قال ومحمد يشفع لهم وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقال قتادة سلف صدق عند ربهم واختار بن جرير قول مجاهد أنها الأعمال الصالحة التي قدموها كما يقال له قدم في الإسلام كقول حسان
لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع
وقول ذي الرمة لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر
وقوله تعالى ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم رجلا من جنسهم بشيرا ونذيرا ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي ظاهر وهم الكاذبون في ذلك
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ
إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ {3}



يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قيل كهذه الأيام وقيل كل يوم كألف سنة مما تعدون كما سيأتي بيانه ثم استوى على العرش والعرش أعظم المخلوقات وسقفها قال بن أبي حاتم حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا أبو أسامة حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت سعدا الطائي يقول العرش ياقوتة حمراء وقال وهب بن منبه خلقه الله من نوره وهذا غريب وقوله ( يدبرالأمر ) أي يدبر الخلائق ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) ولا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) الآية ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب أنه قال حين نزلت هذه الآية ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) الآية لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم من أنتم قالوا من الجن خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية رواه بن أبي حاتم وقوله ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) كقوله تعالى ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) وكقوله تعالى ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) وقوله ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) وقوله ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ) أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ( أفلا تذكرون ) أي أيها المشركون في أمركم تعبدون مع الله إلها غيره وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) وقوله ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ) وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ
أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ {4}
يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) أي بالعدل والجزاء الأوفى ( والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) أي بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب من سموم وحميم وظل من يحموم ( هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج ) ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن )
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ
وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {5}
إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ
اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ {6}
يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وجعل شعاع القمر نورا هذا فن وهذا فن آخر ففاوت بينهما لئلا يشتبها وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل وقدر القمر منازل فأول ما يبدو صغيرا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ثم يشرع في النقص 2حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر كقوله تعالى ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) وقوله تعالى ( والشمس والقمر حسبانا ) الآية وقوله في هذه الآية الكريمة ( وقدره ) أي القمر ( منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) أي لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة كقوله تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) وقال تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) وقوله ( نفصل الآيات ) أي نبين الحجج والأدلة ( لقوم يعلمون ) وقوله ( إن في اختلاف الليل والنهار ) أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئا كقوله تعالى ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) وقال ( لاالشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) الآية وقال تعالى ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) الآية وقوله ( وما خلق الله في السماوات والأرض ) أي من الآيات الدالة على عظمته تعالى كما قال ( وكأين من آية في السماوات والأرض ) الآية وقوله ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وماتغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) وقال ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) وقال ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) أي العقول وقال ها هنا ( لآيات لقوم يتقون ) أي عقاب الله وسخطه وعذابه
إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ
بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ {7} أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ
النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ {8}
يقول تعالى مخبرا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاه الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئا ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم قال الحسن والله مازينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها والشرعية فلا يأتمرون بها فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ماكانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ماهم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن
تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ {9} دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:31 مساء   رقم المشاركة : [33]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ {10}
( 10 9 10 )
هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم يحتمل أن تكون الباء ها هنا سببية فتقديره بسب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة ويحتمل أن تكون للإستعانة كما قال مجاهد في قوله ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) قال يكون لهم نورا يمشون به وقال بن جريج في الآية يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت فيقول أنا عملك فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة فذلك قوله تعالى ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلزم صاحبه ويلاده حتى يقذفه في النار وروي نحوه عن قتادة مرسلا فالله أعلم وقوله ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) أي هذا حال أهل الجنة قال بن جريج أخبرت بأن قوله ( دعواهم فيها سبحانك اللهم ) قال إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا سبحانك اللهم وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله ( وتحيتهم فيها سلام ) قال فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم فذلك قوله ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) وقال مقاتل بن حيان إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم ( سبحانك اللهم ) قال فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى قال فيأكل منهن كلهن وقال سفيان الثوري إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال ( سبحانك اللهم ) وهذه الآ ية فيها شبه من قوله ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) الآية وقوله ( لايسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) وقوله ( سلام قولا من رب رحيم ) وقوله ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) الآية وقوله ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) هذا فيه دلالة على إنه تعالى هو المحمود أبدا المعبود على طول المدى ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره وفي ابتداء كتابه وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها وإنه المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة في جميع الأحوال ولهذا جاء في الحديث إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد فلا إله إلا هو ولا رب سواه
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ
اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ {11}
يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في الشر في حال ضجرهم وغضبهم وإنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء ولهذا قال ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) الآية أي لو استجاب لهم كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد حدثنا جابر قال قال رسول الله لا تدعوا على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم ورواه أبو داود 1532 من حديث حاتم بن إسماعيل به وقال البزار وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه وهذا كقوله تعالى ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) الآية وقال مجاهد في تفسير هذه الآية ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) الآية هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه اللهم لا تبارك فيه والعنه فلو يعجل لهم الإستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم
وَإِذَا مَسَّ
الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {12}
يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر كقوله وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) أي كثير وهما في معنى واحد وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء ( مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال ( كذلك زين للمسرفين ماكانوا يعملون ) فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك كقوله تعالى ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) وكقول رسول الله عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمنين م2999
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ {13} ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ
خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {14}


أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له وإتباعهم رسوله وفي صحيح مسلم 2742 من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء وقال بن جرير حدثني المثنى حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد أنبأنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى إن عوف بن مالك قال لأبي بكر رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلى من السماء فانتشط رسول الله ثم أعيد فانتشط أبو بكر ثم ذرع الناس حول المنبر ففضل عمر بثلاث أذرع حول المنبر فقال عمر دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال يا عوف رؤياك قال وهل لك في رؤياي من حاجة أولم تنتهرني قال ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله نفسه فقص عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع قال أما إحداهن فإنه كان خليفة وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم ؤاما الثالثة فإنه شهيد قال فقال يقول الله تعالى ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) فقد استخلفت يا بن أم عمر فانظر كيف تعمل وأما قوله فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله وأما قوله ( شهيد ) فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ
لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي
أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ {15} قُل لَّوْ شَاء
اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ
فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {16}

يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه إنهم إذا قرأ عليهم الرسول كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له ائت بقرآن غير هذا أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) أي ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) أي هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته والدليل على إني لست أتقوله من عندي ولا افتريته إنكم عاجزون عن معارضته وإنكم تعلمون صدقي ؤامانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به ولهذا قال ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي قال هرقل لأبي سفيان هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قال أبو سفيان فقلت لا وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق والفضل ما شهدت به الأعداء
فقال له هرقل فقد أعرف إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة وعن سعيد بن المسيب ثلاثا وأربعين سنة والصحيح المشهور الأول
فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ
لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ {17}

يقول تعالى لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما ( ممن افترى على الله كذبا ) وتقول على الله وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا فلابد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهرمن الشمس فإن الفرق بين محمد وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي قال عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة إنجفل الناس فكنت فيمن إنجفل فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب قال فكان أول ما سمعته يقول يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ولما وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له من رفع هذه السماء قال الله قال ومن نصب هذه الجبال قال الله قال ومن سطح هذه الأرض قال الله قال فبالذي رفع هذه السماء ونصب هذه الجبال وسطح هذه الأرض ألله أرسلك إلى الناس كلهم قال اللهم نعم ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين ويحلف له رسول الله فقال له صدقت والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه وقال حسان بن ثابت
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لامحاله بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة وكم من فرق بين قوله تعالى ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم ) إلى آخرها وبين قول مسيلمة قبحه الله ولعنه ياضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لاالماء تكدرين ولاالشارب تمنعين وقوله قبحه الله لقد أنعم الله على الحبلى إذ أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى وقوله خلده الله في نار جهنم وقد فعل الفيل وما أدراك ماالفيل له خرطوم طويل وقوله أبعده الله عن رحمته والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما إهالة وسمنا إن قريشا قوم يعتدون إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والإستهزاء ولهذا أرغم الله أنفه وشرب يوم حديقة الموت حتفه ومزق شمله ولعنه صحبه وأهله وقدموا على الصديق تائبين وجاءوا في دين الله راغبين فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرأوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ماهم عليه من الهدى والعلم فقرأوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه فلما فرغوا قال لهم الصديق رضي الله عنه ويحكم أين كان يذهب بعقولكم والله إن هذا لم يخرج من إل وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة وكان صديقا له في الجاهلية وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة ويحك ياعمرو ماذا أنزل على صاحبكم يعني رسول الله في هذه المدة فقال لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة فقال وماهي فقال ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال وأنا قد أنزل علي مثله فقال وماهو فقال ياوبر ياوبر إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر كيف ترى ياعمرو فقال له عمرو والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب فاذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد وصدقه وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه فكيف بأولي البصائر والنهى وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى ولهذا قال الله تعالى ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) وقال في هذه الآية الكريمة ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ) وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وقامت عليه الحجج لا أحد أظلم منه كمافي الحديث أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا أو قتله نبي

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ
مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا
عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ
فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {18} وَمَا كَانَ
النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
{19}

ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا ولايقع شيء مما يزعمون فيها ولايكون هذا أبدا ولهذا قال تعالى ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولافي الأرض ) وقال بن جرير معناه أتخبرون الله بمالا يكون في السماوات ولافي الأرض ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام قال بن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الإختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) وقوله ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) الآية أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضي بينهم فيما اختلفوا فيه فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا
الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ {20}
أي ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون لولا أنزل على محمد آية من ربه يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة أو أن يحول لهم الصفا ذهبا أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا أو نحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالى ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) وكقوله ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) الآية يقول تعالى إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا فان آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة ولهذا لما خير رسول الله بين إعطائهم ما سألوا فان آمنوا وإلا عذبوا وبين إنظارهم اختار إنظارهم كما حلم عنهم غير مرة رسول الله ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه إلى الجواب عما سألوا ( فقل إنما الغيب لله ) أي الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) أي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره فانشق اثنين فرقة من وراء الجبل وفرقة من دونه وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا ومالم يسألوا ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبتا لأجابهم ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا فتركهم فيما رابهم وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كقوله تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) الآية وقوله تعالى ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) الآية ولما فيهم من المكابرة كقوله تعالى ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ) الآية وقوله تعالى ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ) الآية وقال تعالى ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوا لأنه لافائدة في جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم ولهذا قال ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين )
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي
آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
{21} هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ
اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ {22}

يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة والخصب بعد الجدب والمطر بعد القحط ونحو ذلك ( إذا لهم مكر في آياتنا ) قال مجاهد إستهزاء وتكذيب كقوله ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ) الآية وفي الصحيح أن رسول الله صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل أي مطر ثم قال هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب وقوله ( قل الله أسرع مكرا ) أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير النقير والقمطير ثم أخبر تعالى أنه ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ) أي بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك إذ ( جاءتها ) أي تلك السفن ( ريح عاصف ) أي شديدة ( وجاءهم الموج من كل مكان ) أي اغتلم البحر عليهم ( وظنوا أنهم أحيط بهم ) أي هلكوا ( دعوا الله مخلصين له الدين ) أي لا يدعون معه صنما ولا وثنا بل يفردونه بالدعاء والإبتهال كقوله تعالى ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ) وقال ها هنا ( دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه ) أي هذه الحال ( لنكونن من الشاكرين ) أي لا نشرك بك أحدا ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ها هنا قال الله تعالى ( فلما أنجاهم ) أي من تلك الورطة ( إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) أي كأن لم يكن من ذلك شيء ( كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ثم قال تعالى ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم كما جاء في الحديث ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم وقوله ( متاع الحياة الدنيا ) أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ( ثم إلينا مرجعكم ) أي مصيركم ومآلكم ( فننبئكم ) أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {23}
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ
بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {24} وَاللّهُ
يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {25}

ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي زينتها الفانية ( وازينت ) أي حسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها ولهذا قال تعالى ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي يابسا بعد الخضرة والنضارة ( كأن لم تغن بالأمس ) أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك وقال قتادة كأن لم تغن كأن لم تنعم وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ولهذا جاء في الحديث يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول لا وقال تعالى إخبارا عن المهلكين ( فأصبحوا في دارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ) ثم قال تعالى ( كذلك نفصل الآيات ) أي نبين الحجج والأدلة ( لقوم يتفكرون ) فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعا مع اغترارهم بها وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها وتفلتها عنهم فإن من طبعها الهرب ممن طلبها والطلب لمن هرب منها وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال في سورة الكهف ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا وقال بن جرير حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال سمعت مروان يعني بن الحكم يقرأ على المنبر وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكهم إلا بذنوب أهلها قال قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس هكذا يقرؤها بن عباس فارسلوا إلى بن عباس فقال هكذا أقرأني أبي بن كعب وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير وقوله تعالى ( والله يدعو إلى دار السلام ) الآية لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها رغب في الجنة ودعااليها وسماها دار السلام أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) قال أيوب عن أبي قلابة عن النبي قال قيل لي لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني ثم قيل لي مثلي ومثل ماجئت كمثل سيد بنى داراثم صنع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار
وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد والله السيد والدار الاسلام والمأدبة الجنة والداعي محمد وهذا حديث مرسل وقد جاء متصلا من حديث الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله يوما فقال إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يامحمد الرسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها رواه بن جرير وقال قتادة حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء مرفوعا قال قال رسول الله مامن يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى قال وأنزل في قوله يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ( والله يدعو إلى دار السلام ) الآية رواه بن أبي حاتم وبن جرير
لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ
وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {26}
يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) وقوله ( وزيادة ) هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم وما أخفاه لهم من قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فانه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي فمن ذلك مارواه الإمام أحمد 4333 حدثنا عفان أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله تلا هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) وقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وماهو ألم يثقل موازيننا ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم وهكذا رواه مسلم 181 وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به وقال بن جرير حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال أخبرني شبيب عن أبان عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم إن الله وعدكم الحسنى وزيادة فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل ورواه أيضا بن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي به وقال بن جرير أيضا حدثنا بن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن بن جريج عن عطاء عن كعب بن عجرة عن النبي في قوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال النظر إلى وجه الرحمن عز وجل وقال أيضا حدثنا بن عبد الرحيم حدثنا عمر بن أبي سلمة سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية حدثنا أبي بن كعب أنه سأل رسول الله عن قول الله عز وجل ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل ورواه بن أبي حاتم أيضا من حديث زهير به وقوله تعالى ( ولا يرهق وجوههم قتر ) أي قتام وسواد في عرصات المحشر كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ( ولا ذلة ) أي هوان وصغار أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال

تعالى في حقهم ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين
وَالَّذِينَ
كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ
اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {27}
لما أخبر تعالى عن حال السعداءالذين يضاعف لهم الحسنات ويزدادون على ذلك عطف بذكر حال الأشقياء فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك ( وترهقهم ) أي تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها كما قال ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ) الآية وقال تعالى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم ) الآيات وقوله ( ما لهم من الله من عاصم ) أي مانع ولا واق يقيهم العذاب كقوله تعالى ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لاوزر إلى ربك يومئذ المستقر ) وقوله ( كأنما أغشيت وجوههم ) الآية إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة كقوله تعالى ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) وقوله تعالى ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ) الآية
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا
بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ {28} فَكَفَى بِاللّهِ
شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ {29}
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ
الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ {30}
يقول تعالى ( ويوم نحشرهم ) أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر كقوله ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) ( ثم نقول للذين أشركوا ) الآية أي الزموا أنتم وهم مكانا معينا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين كقوله تعالى ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) وقوله ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) وفي الآية الأخرى ( يومئذ يصدعون ) أي يصيرون صدعين وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء ولهذا قيل ذلك يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا وفي الحديث الآخر نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخبارا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة ( مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم ) الآية أنهم أنكروا عبادتهم وتبرءوا منهم كقوله ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) الآية وقوله ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) وقوله ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) الآية وقوله في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ) الآية أي ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم والله شهيد بيننا وبينكم أنا مادعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولارضينا منكم بذلك وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده بل تبرأ منهم وقت أحوج ما يكونون إليه وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء العليم بكل شيء وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له ناهيا عن عبادة ما سواه كما قال تعالى ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة
وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) وقال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) والمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد وقوله تعالى ( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) أي في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر كقوله تعالى ( يوم تبلى السرائر ) وقال تعالى ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) وقال تعالى ( ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) وقد قرأ بعضهم ( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) وفسرها بعضهم بالقراءة وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمت من خير وشر وفسرها بعضهم بحديث لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت الحديث وقوله ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) أي ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ( وضل عنهم ) أي ذهب عن المشركين ( ماكانوا يفترون ) أي ماكانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم
مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ
فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ {31} فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ {32} كَذَلِكَ
حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {33}
يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلاهيته فقال تعالى ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقا بقدرته ومشيئته فيخرج منها حبا ( وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكها وأبا ) ( أإله مع الله ) ( فسيقولون الله ) ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) وقوله ( أمن يملك السمع والأبصار ) أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة والقوة الباصرة ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها كقوله تعالى ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار ) الآية وقال ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ) الآية وقوله ( ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك وأن الآية عامة لذلك كله وقوله ( ومن يدبر الأمر ) أي من بيده ملكوت كل شيء وهو يجيرولا يجار عليه وهو المتصرف الحاكم الذي لامعقب لحكمه ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ( يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ) فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه ( فسيقولون الله ) أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به ( فقل أفلا تتقون ) أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم وقوله ( فذلكم الله ربكم الحق ) الآية أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له ( فأنى تصرفون ) أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء وقوله ( كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ) الآية أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار كقوله ( قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين )
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ {34} قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي
إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن
يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ {35}
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ
عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ {36}
وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره وعبدوا من الأصنام والأنداد ( قل هل من شركائكم من يبدؤ الخلق ثم يعيده ) أي من بدأ خلق هذه السماوات والأرض ثم ينشىء ما فيهما من الخلائق ويفرق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقا جديدا ( قل الله ) هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له ( فأنى تؤفكون ) أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ) أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لاإله إلا هو ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي ) أي أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) وقال لقومه ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) إلى غير ذلك من الآيات وقوله ( فما لكم كيف تحكمون ) أي فما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين خلقه وعدلتم هذا بهذا وعبدتم هذا وهذا وهلا أفردتم الرب جل جلاله المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا وإنما هو ظن منهم أي توهم وتخيل وذلك لا يغني عنهم شيئا ( إن الله عليم بما يفعلون ) تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء
وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ
اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ {37} أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ
مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {38}
بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ {39}
وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
بِالْمُفْسِدِينَ {40}
هذا بيان لإعجاز القرآن وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني العزيزة والغريزة النافعة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولهذا قال تعالى ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ولايشبه هذا كلام البشر ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) أي من الكتب المتقدمة ومهيمنا عليه ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل وقوله ( وتفصيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين ) أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا حقا لامرية فيه من الله رب العالمين كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب فيه خبر ما قبلكم ونبأ مابعدكم وفصل مابينكم أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه وقوله ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) أي إن إدعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله وقلتم كذبا ومينا إن هذا من عند محمد فمحمد بشر مثلكم وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن فأتوا أنتم بسورة مثله أي من جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان وهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بمن شاءوا وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك ولاسبيل لهم إليه فقال تعالى ( قل لئن إجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا ) ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ) الآية هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليه السلام لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله وكذلك عيسى عليه السلام بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى فكان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ومثل هذا لامدخل للعلاج والدواء فيه فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله أنه قال مامن نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ماآمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا وقوله ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه ( ولما يأتهم تأويله ) أي ولم يحصلوا مافيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي من الأمم السالفة ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم وقوله ( ومنهم من يؤمن به ) الآية أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يامحمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ( ومنهم من لا يؤمن به ) بل يموت على ذلك ويبعث عليه ( وربك أعلم بالمفسدين ) أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة فيضله وهو العادل الذي لا يجور بل يعطي كلا ما يستحقه تبارك وتعالى وتقدس وتنزه لاإله إلا هو
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ {41} وَمِنْهُم مَّن
يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ {42}
وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ
لاَ يُبْصِرُونَ {43} إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ
النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {44}يقول تعالى لنبيه وإن كذبك هؤلاءالمشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ( فقل لي عملي ولكم عملكم ) كقوله تعالى ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخرها وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ) الآية وقوله ( ومنهم من يستمعون إليك ) أي يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان وفي هذا كفاية عظيمة ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاءالله ( ومنهم من ينظر إليك ) أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الإحتقار ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ) الآية ث م أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأضل به عن الإيمان آخرين فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون لعلمه وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي فيما يرويه عن ربه عز وجل ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم
محرما فلا تظالموا إلى أن قال في آخره ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه رواه مسلم 2577 بطوله
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ
سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ
وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ {45}
يقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة ( ويوم يحشرهم ) الآية كقوله ( كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) وكقوله ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) وقال تعالى ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ) وقال تعالى ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة ) الآيتين وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كقوله ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسئل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ) وقوله ( يتعارفون بينهم ) أي يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض كما كانوا في الدنيا ولكن كل مشغول بنفسه ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ) الآية وقال تعالى ( ولا يسأل حميم حميما ) الآيات وقوله ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) كقوله تعالى ( ويل للمكذبين ) لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ {46} وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ
لاَ يُظْلَمُونَ {47}




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:32 مساء   رقم المشاركة : [34]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

يقول تعالى مخاطبا لرسوله ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم ) أي ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم ( أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ) أي مصيرهم ومنقلبهم والله شهيد على أفعالهم بعدك وقد قال الطبراني 3055 حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا داود بن الجارود عن أبي السليل عن حذيفة بن أسيد عن النبي قال عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها فقال رجل يا رسول الله عرض عليك من خلق فكيف من لم يخلق فقال صوروا لي في الطين حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه ورواه 3054 عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن زياد بن المنذر عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد به نحوه وقوله ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ) قال مجاهد يعني يوم القيامة ( قضي بينهم بالقسط ) الآية كقوله تعالى ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) الآية فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله أنه قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين
وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
{48} قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ
أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ {49}
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ
الْمُجْرِمُونَ {50} أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ
تَسْتَعْجِلُونَ {51} ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ {52}
يقول تعالى مخبرا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل التعيين مما لا فائدة لهم فيه كقوله ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ) أي كائنة لامحالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينا ولهذا أرشد تعالى رسوله إلى جوابهم فقال ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ) الآية أي لا أقول إلا ماعلمني ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه فأنا عبده ورسوله إليكم وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة ولم يطلعني على وقتها ولكن ( لكل أمة أجل ) أي لكل قرن مدة من العمر مقدرة فإذا انقضى أجلهم ( فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) كقوله ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) الآية ثم أخبر أن عذاب الله سيأتيهم بغتة فقال ( قل أرأيتم أن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ( أي ليلا أو نهارا ( ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون ) يعني أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) الآية وقال تعالى ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) ( ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ) أي يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعا كقوله ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون )
وَيَسْتَنبِئُونَكَ
أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ {53}
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ
النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ
لاَ يُظْلَمُونَ {54}
يقول تعالى ويستخبرونك ( أحق هو ) أي المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابا ( قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) أي ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم ف ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ) وفي التغابن ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط ) أي بالحق ( وهم لا يظلمون )
أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ
وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {55} هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {56}
يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض وأن وعده حق كائن لا محالة وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
{57} قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ {58}
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم أي زاجر عن الفواحش ( وشفاء لما في الصدور ) أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) وقوله ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) الآية وقوله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ( هو خير مما يجمعون ) أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لامحالة كما قال بن أبي حاتم في تفسير هذه الآية وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك فجعل عمر يقول الحمد لله تعالى ويقول مولاه هذا والله من فضل الله ورحمته فقال عمر كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته ) الآية وهذا مما يجمعون وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية فذكره
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ
تَفْتَرُونَ {59} وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لاَ يَشْكُرُونَ {60}
قال بن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل كقوله تعالى ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآيات وقال الإمام أحمد 3473 حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال أتيت رسول الله وأنا رث الهيئة فقال هل لك مال قلت نعم قال من أي المال قال قلت من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم فقال إذا آتاك الله مالا فلير عليك قال هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول هذه بحر وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك قال نعم قال فإن ماآتاك الله لك حل ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك وذكر تمام الحديث ثم رواه 4136 عن سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو عن عمه أبي الأحوص و 3473 عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص به وهذا حديث جيد قوي الإسناد وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لامستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال ( وماظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ) أي ماظنهم إن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة وقوله ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال بن جرير في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا قلت ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم وقال بن أبي حاتم في تفسير هذه الآية حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا رباح حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا موسى بن الصباح في قوله عز وجل ( إن الله لذو فضل على الناس ) قال إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله عز وجل فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أصناف فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول عبدي لماذا عملت فيقول يارب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليها قال فيقول الله تعالى عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة قال ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول عبدي لماذا عملت فيقول يارب خلقت نارا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفا منها فيقول عبدي إنما عملت ذلك خوفا من ناري فإني قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول عبدي لماذا عملت فيقول رب حبا لك وشوقا إليك وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليك وحبا لك فيقول تبارك وتعالى عبدي إنما عملت حبا لي وشوقا إلي فيتجلى له الرب جل جلاله ويقول ها أنا ذا فانظر إلي ثم يقول من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ
وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ
فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي
السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {61}

يخبر تعالى نبيه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم الاية وقال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) الآية وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة كما قال تعالى ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) ولهذا قال تعالى ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون ولهذا قال لما سأله جبريل عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
{62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ {63} لَهُمُ الْبُشْرَى
فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {64}
يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم بهم فكل من كان تقيا كان لله وليا ف ( لا خوف عليهم ) أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة ( ولاهم يحزنون ) على ما وراءهم في الدنيا وقال عبد الله بن مسعود وبن عباس وغير واحد من السلف أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار 3626 حدثنا علي بن حرب الرازي حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رجل يا رسول الله من أولياء الله قال الذين إذا رؤوا ذكر الله ثم قال البزار وقد روي عن سعيد مرسلا وقال بن جرير حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا أبو فضيل حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير البجلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ثم رواه 11132 أيضا أبو داود 3527 من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي بمثله وهذا أيضا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب والله أعلم وفي حديث الإمام أحمد 5343 عن أبي النضر عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها يفزع الناس ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والحديث مطول وقال الإمام أحمد 6445 حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان بن أبي صالح عن رجل عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي في قوله ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له
وقال بن جرير حدثني أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء في قوله ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة ثم رواه بن جرير عن سفيان عن بن المنكدر عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية فذكر نحو ما تقدم ثم قال بن جرير حدثني المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح قال سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية ( الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى ) فذكر نحوه سواء وقال الإمام أحمد 5315 حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله فقال يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فقال لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو قال أحد قبلك تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له وكذا رواه أبو داود الطيالسي 583 عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير فذكره ورواه علي بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة قال نبئنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله عن هذه الآية فذكره وقال بن جرير حدثني أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال أتى رجل عبادة بن الصامت فقال آية في كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) فقال عبادة ما سألني عنها أحد قبلك سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو ترى له ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة فما بشرى الدنيا قال الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا أو سبعين جزءا من النبوة وقال الإمام أحمد أيضا 5156 حدثنا بهز حدثنا حماد حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه قال يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به فقال رسول الله تلك عاجل بشرى المؤمن رواه مسلم 2642 وقال أحمد أيضا 2219 حدثنا حسن يعني الأشيب حدثنا بن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله أنه قال ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) قال الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليكبر ولا يخبر بها أحدا لم يخرجوه وقال بن جرير حدثني يونس أنبأنا بن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله أنه قال لهم البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وقال أيضا بن جرير حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب حدثنا عمار بن محمد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي من المبشرات هكذا رواه من هذه الطريق موقوفا وقال أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر حدثنا هشام عن بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له وقال بن جرير حدثني أحمد بن حماد الدولابي حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كريز الكعبية سمعت رسول الله يقول ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وهكذا روي عن بن مسعود وأبي هريرة وبن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة وقيل المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كقوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) وفي حديث البراء رضي الله عنه أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) وقال تعالى ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم )
وقوله ( لا تبديل لكلمات الله ) أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ( ذلك هو الفوز العظيم )
وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {65} أَلا إِنَّ لِلّهِ
مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ {66} هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ {67}
يقول تعالى لرسوله ( ولا يحزنك ) قول هؤلاء المشركين واستعن بالله عليهم وتوكل عليه فإن العزة لله جميعا أي جميعها له ولرسوله وللمؤمنين ( هو السميع العليم ) أي السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئا لا ضرا ولا نفعا ولا دليل لهم على عبادتها بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه أي يستريحون فيه من نصبهم وكلامهم وحركاتهم ( والنهار مبصرا ) أي مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) أي يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها
قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً
سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ
إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا
لاَ تَعْلَمُونَ {68} قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
لاَ يُفْلِحُونَ {69} مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ
نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ {70}
يقول تعالى منكرا على من ادعى أن له ولدا ( سبحانه هو الغني ) أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه ( له ما في السماوات ومافي الأرض ) أي فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له ( إن عندكم من سلطان بهذا ) أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا ( ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ ) كما قال تعالى ها هنا ( متاع في الدنيا ) أي مدة قريبة ( ثم إلينا مرجعهم ) أي يوم القيامة ( ثم نذيقهم العذاب الشديد ) أي الموجع المؤلم ( بما كانوا يكفرون ) أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوه من الإفك والزور
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم
مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ
أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ
إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ {71} فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ
أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {72}
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ
{73}
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ( واتل عليهم ) أي أخبرهم واقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ( نبأ نوح ) أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك ( إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ) أي عظم عليكم ( مقامي ) أي فيكم بين أظهركم ( وتذكيري ) إياكم ( بآيات الله ) أي بحججه وبراهينه ( فعلى الله توكلت ) أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أولا ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا بل أفصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي ولا تنظرون أي ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ) الآية وقوله ( فإن توليتم ) أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ( فما سألتكم من أجر ) أي لم أطلب منكم نصحي إياكم شيئا ( إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل والإسلام هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) قال بن عباس سبيلا وسنة فهذا نوح يقول ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) وقال تعالى عن إبراهيم الخليل ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وقال يوسف ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) وقال موسى ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) وقالت السحرة ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) وقالت بلقيس ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) وقال تعالى ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) وقال تعالى ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) وقال خاتم الرسل وسيد البشر ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) أي من هذه الأمة ولهذا قال في الحديث الثابت عنه نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولادي علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد وقوله تعالى ( فكذبوه فنجيناه ومن معه ) أي على دينه ( في الفلك ) وهي السفينة ( وجعلناهم خلائف ) أي في الأرض ( وأغرقنا الذين كذبوا باياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) أي يامحمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ
فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ
الْمُعْتَدِينَ {74}
يقول تعالى ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات أي بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كقوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) الآية وقوله ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح عليه السلام فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقال بن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وقال الله تعالى ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) الآية وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ {75}
فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ {76}
قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ
السَّاحِرُونَ {77} قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ {78}
يقول تعالى ( ثم بعثنا ) من بعد تلك الرسل ( موسى وهارون إلى فرعون وملئه ) أي قومه ( بآياتنا ) أي حججنا وبراهيننا ( فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) أي استكبروا عن اتباع الحق والإنقياد له وكانوا قوما مجرمين ( فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين ) كأنهم قبحهم الله أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان كما قال تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) الآية ( قال ) لهم ( موسى ) منكرا عليهم ( أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا ) أي تثنينا ( عما وجدنا عليه آباءنا ) أي الدين الذي كانوا عليه ( وتكون لكما ) أي لك ولهارون ( الكبرياء ) أي العظمة والرياسة ( في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) وكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كتابه العزيز لأنها من أعجب القصص فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم ورزقه النبوة والرسالة والتكليم وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية وقوى رأسه وتولى بركنه وادعى ما ليس له وتجهرم على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل والله تعالى يحفظ رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئا بعد شيء ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله ( وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) وصمم فرعون وملؤه قبحهم الله على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ {79} فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ
قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ {80} فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ
مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ
عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ {81} وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُجْرِمُونَ {82}
ذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى عليه السلام في سورة الأعراف وقد تقدم الكلام عليها هناك وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يتهرج على الناس ويعارض ما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين بزخارف السحرة والمشعبذين فانعكس عليه النظام ولم يحصل له من ذلك المرام وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام ( وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) فظن فرعون أنه يستنصر بالسحار على رسول عالم الأسرار فخاب وخسر الجنة واستوجب النار ( وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ( قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا ) فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ماصنعوا ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ( فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) فعند ذلك قال موسى لما ألقوا ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) وقال بن أبي حاتم حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا عبد الرحمن يعني الدشتكي أخبرنا أبو جعفر الرازي عن ليث وهو بن أبي سليم قال بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي من
( فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) والآية الأخرى ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) إلى آخر أربع آيات وقوله ( إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى )
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى
خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ
فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ {83}
يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر لأن فرعون لعنه الله كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد والعتو وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفا شديدا قال العوفي عن بن عباس ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ) قال فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) يقول بني إسرائيل وعن بن عباس والضحاك وقتادة الذرية القليل وقال مجاهد في قوله ( إلا ذرية من قومه ) قال هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم واختار بن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل
لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام واستبشروا به وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يجد عنه شيئا ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى و ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ( على خوف من فرعون وملئهم ) أي وأشراف قومهم أن يفتنهم ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون فإنه كان من قوم موسى فبغى عليهم لكنه كان طاويا إلى فرعون متصلا به متعلقا بحباله ومن قال إن الضمير في قوله وملئهم عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه فقد أبعد وإن كان بن جرير قد حكاهما عن بعض النحاة ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين )
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ
آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ {84} فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ
تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {85} وَنَجِّنَا
بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {86}
يقول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) أي فإن الله كاف من توكل عليه ( أليس الله بكاف عبده ) ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه ) ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك ( فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) أي لا تظفرهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى وقال بن أبي نجيح وغيره عن مجاهد لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا بنا وقال عبد الرزاق أنبأنا بن عيينة عن بن أبي نجيح عن مجاهد ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) لا تسلطهم علينا فيفتنونا وقوله ( ونجنا برحمتك ) أي خلصنا برحمة منك وإحسان ( من القوم الكافرين ) أي الذين كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ
أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ {87}
يذكر تعالى سبب انجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوآ أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتا واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) فقال الثوري وغيره عن خصيف عن عكرمة عن بن عباس ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال أمروا أن يتخذوها مساجد وقال الثوري أيضا عن بن منصور عن إبراهيم ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال كانوا خا ئفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد بن أسلم وكأن هذا والله أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) وفي الحديث كان رسول الله إذا حزبه أمر صلى أخرجه أبو داود 1319 ولهذا قال تعالى في هذه الآية ( واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ) أي بالثواب والنصر القريب وقال العوفي عن بن عباس في تفسير هذه الآية قال قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة وقال مجاهد ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا وكذا قال قتادة والضحاك وقال سعيد بن جبير ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) أي يقابل بعضها بعضا
وَقَالَ مُوسَى
رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ {88}
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ
الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ {89}
هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا قال موسى ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ) أي من أثاث الدنيا ومتاعها ( وأموالا ) أي جزيلة كثيرة ( في ) هذه ( الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) بفتح الياء أي أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم كقوله تعالى ( لنفتنهم فيه ) وقرأ آخرون ليضلوا بضم الياء أي ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ليظن من أغويته أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم ( ربنا اطمس على أموالهم ) قال بن عباس ومجاهد أي أهلكها وقال الضحاك وابو العالية والربيع بن أنس جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت وقال قتادة بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة وقال محمد بن كعب القرظي جعل سكرهم حجارة وقال بن أبي حاتم حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا يحيى بن أبي بكير عن أبي معشر حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ) إلى قوله ( ربنا اطمس على أموالهم ) الآية فقال عمر يا أبا حمزة أي شيء الطمس قال عادت أموالهم كلها حجارة فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له ائتني بكيس فجاءه بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة وقوله ( واشدد على قلوبهم ) قال بن عباس أي اطبع عليها ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح عليه السلام فقال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى ( قد أجيبت دعوتكما ) قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس دعا موسى وأمن هارون أي قد أجبنا كما فيما سألتما من تدمير آل فرعون وقد يحتج بهذه الآية من يقول إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمن وقال تعالى ( قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ) الآية أي كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري قال بن جريج عن بن عباس فاستقيما فامضيا لأمري وهي الإستقامة قال بن جريج يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين أربعين يوما
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ
الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90} آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ {91} فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ
خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ {92}


يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى عليه السلام وهم فيما قيل ست مئة ألف مقاتل سوى الذرية وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا فخرجوا به معهم فاشتد حنق فرعون عليهم فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته فلحقوهم وقت شروق الشمس ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر وفرعون وراءهم ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان وألح أصحاب موسى عليه السلام عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه فيقول إني أمرت أن أسلك ها هنا ( كلا إن معي ربي سيهدين ) فعندما ضاق الأمر اتسع فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار اثني عشر طريقا لكل سبط واحد وأمر الله الريح فنشفت أرضه ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا وجاوزت بنو إسرائيل البحر فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى وهو في مئة ألف أدهم سوى بقية الألوان فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرجوع وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر واستجيبت الدعوة وجاء جبريل عليه السلام على فرس وديق حائل فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها واقتحم جبريل البحر فاقتحم الحصان وراءه ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا فتجلد لأمرائه وقال لهم ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم لا يترك منهم أحدا إلا ألحقه بهم فلما استوسقوا فيه وتكاملوا وهم أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم فلم ينج منهم أحد وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال ( آلآن وقد عصيت قبل ) أي أهذا الوقت تقول وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه ( وكنت من المفسدين ) أي في الأرض الذين أضلوا الناس ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله 1309 حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن بن عباس قال قال رسول الله لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال قال لي جبريل لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة ورواه الترمذي 3107 وبن جرير وبن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حديث حسن وقال أبو داود الطيالسي 2618 حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضا 3108 وبن جرير أيضا من غير وجه عن شعبة به فذكر مثله وقال الترمذي حسن غريب صحيح ووقع في رواية عند بن جرير عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عطاء وعدي عن سعيد عن بن عباس رفعه أحدهما فكأن الآخر لم يرفع فالله أعلم وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) قال فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه وكذا رواه بن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبي خالد به موقوفا وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا فقال بن جرير حدثنا بن حميد حدثنا حكام عن عنبسة هو بن أبي سعيد عن كثير بن زاذان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له يعني فرعون كثير بن زاذان هذا قال بن معين لا أعرفه وقال أبو زرعة وأبو حاتم مجهول وباقي رجاله ثقات وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران ونقل عن الضحاك بن قيس أنه خطب بهذا للناس فالله أعلم وقوله ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) قال بن عباس وغيره من السلف إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح وعليه درعه المعروفة على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع ليتحققوا موته وهلاكه ولهذا قال تعالى ( فاليوم ننجيك ) أي نرفعك على نشز من الأرض ( ببدنك ) قال مجاهد بجسدك وقال الحسن بجسم لا روح فيه وقال عبد الله بن شداد سويا صحيحا أي لم يتمزق ليحققوه ويعرفوه وقال أبو صخر بدرعك وكل هذه الأقوال لا منافاة بينهما كما تقدم والله أعلم وقوله ( لتكون لمن خلفك آية ) أي لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده وأنه لا يقوم لغضبه شيء ولهذا قرأ بعضهم ( لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها وقد كان إهلاكهم يوم عشوراء كما قال البخاري 4680 حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قدم النبي المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا اليوم الذي تصومونه فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون فقال النبي لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموه
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {93}
يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية الدنيوية وقوله ( مبوأ صدق ) قيل هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها كما قال الله تعالى ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) وقال في الآية الأخرى ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) وقال ( كم تركوا من جنات وعيون ) الآيات ولكن استمروا مع موسى عليه السلام طالبين إلى بلاد بيت المقدس وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس وكان فيه قوم من العمالقة فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة ومات فيه هارون ثم موسى عليهما السلام وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ففتح الله عليهم بيت المقدس واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر ثم عادت إليهم ثم أخذها ملوك اليونان فكانت أحكامهم مدة طويلة وبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام في تلك المدة فاستعانت اليهود قبحهم الله على معاداة عيسى عليه السلام بملوك اليونان وكانت تحت أحكامهم ووشوا عندهم وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه فرفعه الله إليه وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو ( وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) ثم بعد المسيح عليه السلام بنحو ثلاث مئة سنة دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان في دين النصرانية وكان فيلسوفا قبل ذلك فدخل في دين النصارى قيل تقية وقيل حيلة ليفسده فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة بدعوها وأحدثوها فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان واشتهر على مافيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامه والقفار واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية والقمامة وبيت لحم وكنائس ببلاد بيت المقدس ومدن حوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة وعبدوا الصليب من حينئذ وصلوا إلى الشرق وصوروا الكنائس وأحلوا لحم الخنزير وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ووضعوا له الأمانة الحقيرة التي يسمونها الكبيرة وصنفوا له القوانين وبسط هذا يطول والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة رضي الله عنهم وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولله الحمد والمنة وقوله ( ورزقناهم من الطيبات ) أي الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا وقوله ( فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) أي مااختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم أي ولم يكن لهم أن يختلفوا وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس وقد ورد في الحديث إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل من هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي رواه الحاكم في مستدركه 1129 بهذا اللفظ وهو في السنن والمسانيد ولهذا قال الله تعالى ( إن ربك يقضي بينهم ) أي يفصل بينهم ( يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ {94} وَلاَ تَكُونَنَّ
مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
{95} إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
{96} وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ {97}
قال قتادة بن دعامة بلغنا أن رسول الله قال لا أشك ولا أسأل وكذا قال بن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم ولهذا قال تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) أي لا يؤمنون إيمانا ينفعهم بل حين لا ينفع نفسا إيمانها ولهذا لما دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئه قال ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) كما قال تعالى ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) ثم قال تعالى ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعنهاهم إلى حين )
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا
آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ
إِلَى حِينٍ {98}




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:34 مساء   رقم المشاركة : [35]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

يقول تعالى فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم كقوله تعالى ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) وفي الحديث الصحيح عرض علي الأنبياء فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس والنبي يمر معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي ليس معه أحد ثم ذكر كثرة أتباع موسى عليه السلام ثم ذكر كثرة أمته صلوات الله وسلامه عليه كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس وهم أهل نينوى وما كان إيمانهم إلا تخوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعد ما عاينوا أسبابه وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم فعندها رحمهم الله وكشف عنهم العذاب وأخروا كما قال تعالى ( إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) واختلف المفسرون هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط على قولين أحدهما إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية والثاني فيهما لقوله تعالى ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) فأطلق عليهم الإيمان والإيمان منقذ من العذاب الأخروي وهذا هو الظاهر والله أعلم وقال قتادة في تفسير هذه الآية لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم قال قتادة وذكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل وكذا روي عن بن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف وكان بن مسعود يقرؤها ( فهلا كانت قرية آمنت ) وقال أبو عمران عن أبي الجلد قال لما نزل بهم العذاب جعل يدور على رؤوسهم كقطع الليل المظلم فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا علمنا دعاء ندعوا به لعل الله أن يكشف عنا العذاب فقال قولوا ياحي حين لا حي يا حي محيي الموتى ياحي لا إله إلا أنت قال فكشف عنهم العذاب وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله
وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ
جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ {99} وَمَا
كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ
عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ {100}
يقول تعالى ( ولو شاء ربك ) يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلهم ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كقوله تعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وقال تعالى ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) ولهذا قال تعالى ( أفأنت تكره الناس ) أي تلزمهم وتلجئهم ( حتى يكونوا مؤمنين ) أي ليس ذلك عليك ولا إليك بل الله ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) ( لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ) ( إنك لا تهدي من أحببت ) ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد الهادي من يشاء المضل لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ) وهو الخبال والضلال ( على الذين لا يعقلون ) أي حجج الله وأدلته وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل
قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ {101}
فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ
قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ {102} ثُمَّ نُنَجِّي
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ
{103}
يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلآئه وما خلق الله في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب مما في السماوات من كواكب نيرات ثوابت وسيارات والشمس والقمر والليل والنهار واختلافهما وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا ثم يقصر هذا ويطول هذا وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب وما في البحر من العجائب والأمواج وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) أي وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها عن قوم لا يؤمنون كقوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) الآية وقوله ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) أي فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ) أي ونهلك المكذبين بالرسل ( كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين ) حقا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة كقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله أي أنه قال إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {104} وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {105} وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ
مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ {106}
وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {107}
يقول تعالى لرسوله محمد قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله وحده لا شريك له وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه مرجعكم فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقا فأنا لا أعبدها فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له وأمرت أن أكون من المؤمنين وقوله ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) الآية أي أخلص العبادة لله وحده حنيفا أي منحرفا عن الشرك ولهذا قال ( ولا تكونن من المشركين ) وهو معطوف على قوله ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) وقوله ( وإن يمسسك الله بضر ) الآية فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له روى الحافظ بن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم من طريق عبد الله بن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك أن رسول الله قال اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم ثم رواه من طريق الليث عن عيسى بن موسى عن صفوان عن رجل من أشجع عن أبي هريرة مرفوعا بمثله سواء وقوله ( وهو الغفور الرحيم ) أي لمن تاب إليه وتوكل عليه ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ
الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن
ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ {108} وَاتَّبِعْ
مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ {109}

يقول تعالى آمر لرسوله أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية
فيه ولا شك فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الإتباع على نفسه ومن ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه ( وما أنا عليكم بوكيل ) أي وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين وإنما أنا نذير لكم والهداية على الله تعالى وقوله ( واتبع ما يوحى إليك واصبر ) أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ( حتى يحكم الله ) أي يفتح بينك وبينهم ( وهو خير الحاكمين ) أي خير الفاتحين بعدله وحكمته


سورة هود
قال الحافظ أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شيبك ؟ قال «شيبتني هود والواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» وفي رواية «هود وأخواتها» وقال الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا حجاج بن الحسن حدثنا سعيد بن سلام حدثنا عمر بن محمد عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود وأخواتها: الواقعة والحاقة وإذا الشمس كورت» وفي رواية «هود وأخواتها» وقد روي من حديث ابن مسعود نحوه فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن طارق الرائشي حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أبا بكر قال: يا رسول الله ما شيبك ؟ قال: «هود والواقعة». عمرو بن ثابت متروك وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود والله أعلم.
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


** الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ اللّهَ إِنّنِي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوَاْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مّتَاعاً حَسَناً إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وبالله التوفيق, وأما قوله: {أحكمت آياته ثم فصلت} أي هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها فهو كامل صورة ومعنى, هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير ومعنى قوله {من لدن حكيم خبير} أي من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه خبير بعواقب الأمور {ألا تعبدوا إلا الله} أي نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له كقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقوله {إنني لكم منه نذير وبشير} أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه, وبشير بالثواب إن أطعتموه كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا فقال: «يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبحكم ألستم مصدقي ؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذباً قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» وقوله: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله عز وجل فيما تستقبلونه, وأن تستمروا على ذلك {يمتعكم متاعاً حسناً} أي في الدنيا {إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي في الدار الاَخرة قاله قتادة كقوله: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} الاَية.
وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك» وقال ابن جرير: حدثني المسيب بن شريك عن أبي بكر عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات, ثم يقول هلك من غلب آحاده على أعشاره, وقوله: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى وكذب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة {إلى الله مرجعكم} أي معادكم يوم القيامة {وهو على كل شيء قدير} أي هو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه, وإعادة الخلائق يوم القيامة, وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.


** أَلا إِنّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ
قال ابن عباس كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم فأنزل الله هذه الاَية, رواه البخاري من طريق ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عباس قرأ ألا إنهم تثنوني صدورهم, الاَية فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم ؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي فنزلت: {ألا إنهم تثنوني صدورهم}. وفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم ثم قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال قرأ ابن عباس: {ألا إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم}.
قال البخاري وقال غيره عن ابن عباس {يستغشون} يغطون رؤوسهم, وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الاَية: يعني به الشك في الله وعمل السيئات وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل {يعلم ما يسرون} من القول {وما يعلنون * إنه عليم بذات الصدور} أي يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر, وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:
فلا تكتمن الله ما في قلوبكمليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخرليوم حساب أو يعجل فينقم
فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة, وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك, وعود الضمير إلى الله أولى لقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} وقرأ ابن عباس ألا إنهم تثنوني صدورهم برفع الصدور على الفاعلية وهو قريب المعنى.


** وَمَا مِن دَآبّةٍ فِي الأرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ
أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها وأنه يعلم مستقرها ومستودعها أي يعلم أين منتهى سيرها في الأرض وأين تأوي إليه من وكرها وهو مستودعها, وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس {ويعلم مستقرها} أي حيث تأوي {ومستودعها} حيث تموت, وعن مجاهد {مستقرها} في الرحم {ومستودعها} في الصلب كالتي في الأنعام, وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة, وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا كما ذكره عند تلك الاَية فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كقوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} وقوله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو, ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.


** وَهُوَ الّذِي خَلَق السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنّكُمْ مّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنّ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ * وَلَئِنْ أَخّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىَ أُمّةٍ مّعْدُودَةٍ لّيَقُولُنّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا, فأعطنا, قال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان ؟ قال: «كان الله قبل كل شيء, وكان عرشه على الماء, وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء» قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها, قال: فخرجت في إثرها فلا أدري ما كان بعدي, وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال: «كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية ـ غيره ـ وفي رواية ـ معه ـ وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء, ثم خلق السموات والأرض.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» وقال البخاري في تفسير هذه الاَية: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل أنفق أنفق عليك» وقال: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار» وقال: «أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وكان عرشه على الماء, وبيده الميزان يخفض ويرفع».
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي قال: قلت: يارسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء, ثم خلق العرش بعد ذلك» وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي: هذا حديث حسن, وقال مجاهد {وكان عرشه على الماء} قبل أن يخلق شيئاً, وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد, وقال قتادة في قوله {وكان عرشه على الماء} ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض, وقال الربيع بن أنس {وكان عرشه على الماء} فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفاً تحت العرش وهو البحر المسجور.
وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه, وقال إسماعيل بن أبي خالد سمعت سعداً الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء, وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} فكان كما وصف نفسه تعالى إذ ليس إلا الماء وعليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام, والعزة والسلطان, والملك والقدرة, والحلم والعلم, والرحمة والنعمة الفعال لما يريد, وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: {وكان عرشه على الماء} على أي شيء كان الماء ؟ قال على متن الريح, وقوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} أي خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولم يخلق ذلك عبثاً كقوله {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الاَية وقوله {ليبلوكم} أي ليختبركم {أيكم أحسن عملاً } ولم يقل أكثر عملاً, بل أحسن عملاً ولا يكون العمل حسناً حتى يكون خالصاً لله عز وجل على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمتى فقد العمل واحداً من هذين الشرطين حبط وبطل.
وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت} الاَية يقول تعالى ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} وقولهم: {إن هذا إلا سحر مبين} أي يقولون كفراً وعناداً ما نصدقك على وقوع البعث, وما يذكر ذلك إلا من سحرته فهو يتبعك على ما تقول, وقوله: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} الاَية. يقول تعالى ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور وأوعدناهم إلى مدة مضروبة ليقولن تكذيباً واستعجالاً, ما يحبسه أي يؤخر هذا العذاب عنا فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة فيراد بها الأمد كقوله في هذه الاَية {إلى أمة معدودة}.
وقوله في يوسف: {وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة} وتستعمل في الإمام المقتدى به كقوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين} وتستعمل في الملة والدين كقوله إخباراً عن المشركين إنهم قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وتستعمل في الجماعة كقوله: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} والمراد من الأمة ههنا الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم كما في صحيح مسلم «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» وأما أمة الأتباع فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وفي الصحيح «فأقول أمتي أمتي» وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة كقوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} وكقوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} الاَية.


** وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرّآءَ مَسّتْهُ لَيَقُولَنّ ذَهَبَ السّيّئَاتُ عَنّيَ إِنّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال كأنه لم ير خيراً ولم يرج بعد ذلك فرجاً. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة {ليقولن ذهب السيئآت عني} أي يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء {إنه لفرح فخور} أي فرح بما في يده بطر فخور على غيره, قال الله تعالى: {إلا الذين صبروا} أي على الشدائد والمكاره {وعملوا الصالحات} أي في الرخاء والعافية {أولئك لهم مغفرة} أي بما يصيبهم من الضراء {وأجر كبير} بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه» وفي الصحيحين «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له, وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له, وليس ذلك لأحد غير المؤمن» ولهذا قال الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً} الاَيات.


** فَلَعَلّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاّ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ
يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره ولا يصدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} الاَية, وقال ههنا {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا} أي لقولهم ذلك فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل, ثم بين تعالى إعجاز القرآن وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله ولا بسورة من مثله لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات. وذاته لا يشبهها شيء تعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو ولا رب سواه ثم قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم} فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك وأن هذا الكلام منزل من عند الله متضمن علمه وأمره ونهيه {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون}.


** مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاّ النّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً يقول من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا وهو في الاَخرة من الخاسرين: وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد, وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى, وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء, وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الاَخرة وليس له حسنة يعطىَ بها جزاء وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الاَخرة, وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا, وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الاَخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاَخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} وقال تعالى: {من كان يريد حرث الاَخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاَخرة من نصيب}.


** أَفَمَن كَانَ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىَ إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ إِنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها} الاَية وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟» الحديث. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم, وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» وفي المسند والسنن «كل مولود يولد على هذه الملة حتى يعرب عنه لسانه» الحديث, فالمؤمن باق على هذه الفطرة, قوله: {ويتلوه شاهد منه} أي وجاءه شاهد من الله وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه}: إنه جبريل عليه السلام.
وعن علي رضي الله عنه والحسن وقتادة هو محمد صلى الله عليه وسلم وكلاهما قريب في المعنى لأن كلاً من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلغ رسالة الله تعالى فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة, وقيل هو عليّ وهو ضعيف لا يثبت له قائل والأول والثاني هو الحق, وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة والتفاصيل تؤخذ من الشريعة والفطرة تصدقها وتؤمن بها, ولهذا قال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته, ثم قال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى} أي ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة {إماماً ورحمة} أي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إماماً لهم وقدوة يقتدون بها ورحمة من الله بهم فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن, ولهذا قال تعالى: {أولئك يؤمنون به} ثم قال تعالى متوعداً لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} أي ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركهم وكافرهم وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن كما قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}.
وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» وقال أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه في القرآن فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار» فجعلت أقول أين مصداقه في كتاب الله ؟ قال وقلما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقاً في القرآن حتى وجدت هذه الاَية {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال من الملل كلها وقوله {فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك} الاَية, أي القرآن حق من الله لا مرية ولا شك فيه كما قال تعالى: {ألم, تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} وقال تعالى: {الم, ذلك الكتاب لا ريب فيه} وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} كقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين}.


** وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىَ رَبّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَـَؤُلآءِ الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىَ رَبّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ * الّذِينَ يَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَـَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ * أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنّهُمْ فِي الاَخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ
يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الاَخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان كما قال الإمام أحمد حدثنا بهز وعفان أخبرنا همام حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة ؟ قال: سمعته يقول: «إن الله عز وجل يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم» ثم يعطى كتاب حسناته, وأما الكفار والمنافقون فيقول: {الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} الاَية أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة به وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم الجنة {ويبغونها عوجاً} أي ويريدون أن يكون طريقهم عوجاً غير معتدلة {وهم بالاَخرة هم كافرون} أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي بل كانوا تحت قهره وغلبته وفي قبضته وسلطانه وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الاَخرة {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}.
وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب} الاَية أي يضاعف عليهم العذاب, وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم بل كانوا صماً عن سماع الحق عمياً عن اتباعه كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار كقوله: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب} الاَية, ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه وعلى كل نهي ارتكبوه ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الاَخرة وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا ناراً حامية فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيراً} {وضلّ عنهم} أي ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئاً بل ضرتهم كل الضرر كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}.
وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً} وقال الخليل لقومه {إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وقوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على خسرهم ودمارهم ولهذا قال: {لا جرم أنهم في الاَخرة هم الأخسرون} يخبر تعالى عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الاَخرة لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات, واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم وعن الحور العين بطعام من غسلين وعن القصور العالية بالهاوية, وعن قرب الرحمن, ورؤيته بغضب الديان وعقوبته, فلا جرم أنهم في الاَخرة هم الأخسرون.


** إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوَاْ إِلَىَ رَبّهِمْ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ الجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَىَ وَالأصَمّ وَالْبَصِيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكّرُونَ
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات فآمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولاً وفعلاً من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات وبهذا ورثوا الجنات, المشتملة على الغرف العاليات, والسرر المصفوفات, والقطوف الدانيات, والفرش المرتفعات والحسان الخيرات, والفواكه المتنوعات, والمآكل المشتهيات والمشارب المستلذات, والنظر إلى خالق الأرض والسموات, وهم في ذلك خالدون لا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون ولا ينامون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون, إن هو إلا رشح مسك يعرقون, ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: {مثل الفريقين} أي الذين وصفهم أولاً بالشقاء والمؤمنين بالسعادة فأولئك كالأعمى والأصم وهؤلاء كالبصير والسميع, فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والأخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه, أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} الاَية.
وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق يميز بينه وبين الباطل فيتبع الخير ويترك الشر سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج عليه باطل, فهل يستوي هذا وهذا ؟ {أفلا تذكرون} أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء كما قال في الاَية الأخرى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ؟ أصحاب الجنة هم الفائزون} وكقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات, إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}.


** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ * أَن لاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ اللّهَ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلاُ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاّ بَشَراً مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتّبَعَكَ إِلاّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرّأْيِ وَمَا نَرَىَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنّكُمْ كَاذِبِينَ
يخبر تعالى عن نوح عليه السلام وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه {إني لكم نذير مبين} أي ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله, ولهذا قال: {أن لا تعبدوا إلا الله} وقوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً شاقاً في الدار الاَخرة {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم {ما نراك إلا بشراً مثلنا} أي لست بملك ولكنك بشر فكيف أوحي إليك من دوننا ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ولهذا قالوا {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} أي في أول بادىء الرأي {وما نرى لكم علينا من فضل} يقولون ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق ولا رزق ولا حال لما دخلتم في دينكم هذا {بل نظنكم كاذبين} أي فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة والسعادة في الدار الاَخرة إذا صرتم إليها, هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه, فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء ثم الواقع غالباً أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس, والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته كما قال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}.
ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم. قال: بل ضغفاؤهم, فقال هرقل هم أتباع الرسل, وقولهم {بادي الرأي} ليس بمذمة ولا عيب لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء بل لا يفكر ههنا إلا غبي أو عيي, والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم» أي ما تردد ولا تروى لأنه رأى أمراً جلياً عظيماً واضحاً فبادر إليه وسارع وقوله: {وما نرى لكم علينا من فضل} هم لا يرون ذلك لأنهم عمي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون بل هم في ريبهم يترددون في ظلمات الجهل يعمهون وهم الأفاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون وهم في الاَخرة هم الأخسرون.


** قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ
يقول تعالى مخبراً عما رد به نوح على قومه في ذلك: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم {فعميت عليكم} أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها {أنلزمكموها} أي نغضبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.


** وَيَقَوْمِ لآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّهُمْ مّلاَقُو رَبّهِمْ وَلَـَكِنّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتّهُمْ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ
يقول لقومه لا أسألكم على نصحي لكم مالاً: أجرة آخذها منكم إنما أبتغي الأجر من الله عز وجل {وما أنا بطارد الذين آمنوا} كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاماً ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلساً خاصاً فأنزل الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} الاَية وقال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين} الاَيات.


** وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلّذِينَ تَزْدَرِيَ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنّيَ إِذاً لّمِنَ الظّالِمِينَ
يخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك ولا يسألهم على ذلك أجراً بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع فمن استجاب له فقد نجا, ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه وليس هو بملك من الملائكة بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم الله أعلم بما في أنفسهم فإن كانوا مؤمنين باطناً كما هو الظاهر من حالهم فلهم جزاء الحسنى ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا لكان ظالماً قائلاً ما لا علم له به.


** قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قَالَ إِنّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيَ إِنْ أَرَدْتّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه, والبلاء موكل بالمنطق. {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك {فأتنا بما تعدنا} أي من النقمة والعذاب ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به {إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} أي إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي {إن كان الله يريد أن يغويكم} أي إغواؤكم ودماركم {هو ربكم وإليه ترجعون} أي هو مالك أزمة الأمور المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور, له الخلق وله الأمر وهو المبدىء المعيد مالك الدنيا والاَخرة.


** أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيَءٌ مّمّا تُجْرَمُونَ
هذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها. مقرر لها يقول تعالى لمحمد: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون افترى هذا وافتعله من عنده {قل إن افتريته فعلي إجرامي} أي فإثم ذلك علي {وأنا بريء مما تجرمون} أي ليس ذلك مفتعلاً ولا مفترى لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.


** وَأُوحِيَ إِلَىَ نُوحٍ أَنّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنّهُمْ مّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلّمَا مَرّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مّقِيمٌ
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبراً عنه أنه قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} فعند ذلك أوحى الله إليه {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم {واصنع الفلك} يعني السفينة {بأعيننا} أي بمرأى منا {ووحينا} أي تعليمنا لك ما تصنعه {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه فكان ذلك في مائة سنة ونجرها في مائة سنة أخرى وقيل في أربعين سنة والله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج وأن يجعل طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار وأن يجعل لها جؤجؤاً أزورا يشق الماء, وقال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين وعن الحسن طولها ستمائة ذارع وعرضها ثلثمائة وعنه مع ابن عباس طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة وقيل طولها ألفا ذارع وعرضها مائة ذراع فالله أعلم, قالوا كلهم وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعاً ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للإنس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثراً غريباً من حديث علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها قال فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال فضرب الكثيب بعصاه قال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام: أهكذا هلكت ؟ قال: لا. ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت, قال حدثنا عن سفينة نوح ؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحوش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر روث الدواب أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر, فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال فقلنا يا رسول الله: ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال فقال له: عد بإذن الله فعاد تراباً, وقوله: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} أي يهزءون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق {قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم} الاَية وعيد شديد وتهديد أكيد {من يأتيه عذاب يخزيه} أي يهينه في الدنيا {ويحل عليه عذاب مقيم} أي دائم مستمر أبداً.


** حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التّنّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ
هذه موعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر, بل هو كما قال تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} وأما قوله {وفار التنور} فعن ابن عباس التنور وجه الأرض, أي صارت الأرض عيوناً تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف, وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه التنور فلق الصبح وتنوير الفجر, وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة, وعن ابن عباس عين بالهند, وعن قتادة عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة وهذه أقوال غريبة فحينئذ أمر الله نوحاً عليه السلام أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح, قيل وغيرها من النباتات اثنين ذكراً وأنثى فقيل كان أول من أدخل من الطيور الدرة وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه فجعل يقول له نوح عليه السلام: مالك ويحك ادخل فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة, وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الأرض, ثم شكوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس, فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها».
وقوله {وأهلك إلا من سبق عليه القول} أي واحمل فيها أهلك وهم أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله, وقوله {ومن آمن} أي من قومك {وما آمن معه إلا قليل} أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً, فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفساً منهم نساؤهم, وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفساً. وقيل كانوا عشرة, وقيل إنما كان نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام, وقيل بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة وهذا فيه نظر, بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها, والله أعلم وأحكم.


** وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنّ رَبّي لَغَفُورٌ رّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىَ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَبُنَيّ ارْكَبَ مّعَنَا وَلاَ تَكُن مّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِيَ إِلَىَ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَن رّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
يقول تعالى إخباراً عن نوح عليه السلام أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة {اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها} أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء, وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها, وقرأ أبو رجاء العطاردي {بسم الله مجريها ومرسيها} وقال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل ربّ أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين} ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابة كما قال تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره} الاَية, وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه كما سيأتي في سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا بسم الله الملك {وما قدروا الله حق قدره} ـ الاَية ـ {بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم}.) وقوله {إن ربي لغفور رحيم} مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين فذكر أنه غفور رحيم كقوله: {إن ربك لسريع العقاب * وإنه لغفور رحيم} وقال: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} إلى غير ذلك من الاَيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه وقوله: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} أي السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رؤوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعاً وقيل بثمانين ميلاً, وهذه السفينة جارية على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه كما قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} وقال تعالى: {وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر} وقوله: {ونادى نوح ابنه} الاَية, هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافراً دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} وقيل إنه اتخذ له مركباً من زجاج وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته, والذي نص عليه القرآن أنه قال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال, وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق, فقال له أبوه نوح عليه السلام: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} أي ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله, وقيل إن عاصماً بمعنى معصوم كما يقال طاعم وكاس بمعنى مطعوم ومكسو {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.


** وَقِيلَ يَأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْداً لّلْقَوْمِ الظّالِمِينَ
يخبر تعالى أنه لما اغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها, وأمر السماء أن تقلع عن المطر {وغيض الماء} أي شرع في النقص {وقضي الأمر} أي فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار {واستوت} السفينة بمن فيها {على الجودي} قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله عز وجل فلم يغرق وأرسَت عليه سفينة نوح عليه السلام وقال قتادة: استوت عليه شهراً حتى نزلوا منها, قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رماداً.
وقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل وقال بعضهم: هو الطور, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا محمد بن عبيد عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك فسألته إنك لكثير الصلاة ههنا يوم الجمعة قال بلغني أن سفينة نوح أرست من ههنا. وقال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوماً وإن الله وجه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوماً ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين فعرف نوح عليه السلام أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية, وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحدها اللسان العربي, فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي, وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوماً واستقرت بهم على الجودي شهراً وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم, وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير وأنهم صاموا يومهم ذلك والله أعلم.
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال «ما هذا الصوم ؟ قالوا هذا اليوم الذي نجى الله به موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم» فصام وقال لأصحابه: «من كان أصبح منكم صائماً فليتم صومه, ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه» وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شاهد في الصحيح, وقوله: {وقيل بعداً للقوم الظالمين} أي هلاكاً وخساراً لهم وبعداً من رحمة الله فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أم الصبي» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يعني وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري ؟ قال سوف تعلمون فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا, فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي» وهذا حديث غريب من هذا الوجه, وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.


** وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنّ وَعْدَكَ الْحَقّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَنُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبّ إِنّيَ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيَ أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ
هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق {قال رب إن ابني من أهلي} أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} أي الذين وعدت إنجاءهم لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك, ولهذا قال: {وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحاً عليه السلام, وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية, ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جرير, واحتج بعضهم بقوله: {إنه عمل غير صالح} وبقوله: {فخانتاهما} فممن قاله الحسن البصري احتج بهاتين الاَيتين وبعضهم يقول ابن امرأته وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن أو أراد أنه نسب إليه مجازاً لكونه كان ربيباً عنده فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط قال: وقوله: {إنه ليس من أهلك} أي الذين وعدتك نجاتهم, وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ولهذا قال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم * لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ـ إلى قوله ـ إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم}.
وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة وغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية قال عكرمة في بعض الحروف إنه عمل عملاً غير صالح, والخيانة تكون على غير باب, وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بذلك فقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {إنه عمل غير صالح} وسمعته يقول: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} ولا يبالي {إنه هو الغفور الرحيم} وقال أحمد أيضاً حدثنا وكيع حدثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها {إنه عمل غير صالح} أعاده أحمد أيضاً في مسنده, أم سلمة هي أم المؤمنين والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك أيضاً. وقال عبد الرزاق أيضاً أنبأنا الثوري عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قبة قال سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله: {فخانتاهما} قال: أما إنه لم يكن بالزنا ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون, وكانت هذه تدل على الأضياف ثم قرأ {إنه عمل غير صالح} قال ابن عيينة وأخبرني عمار الدهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح إن الله لا يكذب. قال تعالى: {ونادى نوح ابنه} قال وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط. وكذا روي عن مجاهد أيضاً وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر بن جرير وهو الصواب الذي لا شك فيه.


** قِيلَ يَنُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مّنّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَ أُمَمٍ مّمّن مّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمّ يَمَسّهُمْ مّنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجودي من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة وقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحاً على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء يقول الله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} الاَية فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعاً فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه {قيل يا نوح اهبط بسلام منا} الاَية.


** تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـَذَا فَاصْبِرْ إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه القصة وأشباهها: {من أنباء الغيب} يعني من أخبارالغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها نوحيها إليك أي نعلمك بها وحياً منا إليك {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والاَخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا} الاَية وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون} الاَية وقال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين}.


** وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ * يَقَوْمِ لآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الّذِي فَطَرَنِيَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوَاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوّةً إِلَىَ قُوّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلّوْاْ مُجْرِمِينَ
يقول تعالى {و} لقد أرسلنا {إلى عاد أخاهم هوداً} آمراً لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهياً لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الاَلهة وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره أفلا تعقلون من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والاَخرة من غير أجرة ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون, ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه ولهذا قال: {يرسل السماء عليكم مدراراً} وفي الحديث «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب».


** قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نّقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنّيَ أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوَاْ أَنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُمْ مّا مِن دَآبّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنّ رَبّي عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم {ما جئتنا ببينة} أي بحجة وبرهان على ما تدعيه {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي بمجرد قولك اتركوهم نتركهم {وما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقولون: ما نظن إلا أن بعض الاَلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها {قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه} يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام {فكيدوني جميعاً} أي أنتم وآلهتكم إن كانت حقاً {ثم لا تنظرون} أي طرفة عين وقوله: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي تحت قهره وسلطانه وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} قال: فيأخذ بنواصي عباده فيلقن المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده ويقول: {ما غرك بربك الكريم} وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر بل هي جماد لا تسمع ولاتبصر ولا توالي ولا تعادي وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك وله التصرف وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله إلا هو ولا رب سواه.


** فَإِن تَوَلّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرّونَهُ شَيْئاً إِنّ رَبّي عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * وَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجّيْنَا هُوداً وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنّا وَنَجّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتّبَعُوَاْ أَمْرَ كُلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـَذِهِ الدّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلآ إِنّ عَاداً كَفَرُواْ رَبّهُمْ أَلاَ بُعْداً لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها {ويستخلف ربي قوماً غيركم} يعبدونه وحده لا يشركون به ولا يبالي بكم فإنكم لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم ويجزيهم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر {ولما جاء أمرنا} وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم ونجى هوداً وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} كفروا بها وعصوا رسل الله وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} تركوا اتباع رسولهم الرشيد ؟ واتبعوا أمر كل جبار عنيد, فلهذا أتبعوا في الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد {ألا إِن عاداً كفروا ربهم} الاَية قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.


** وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمّ تُوبُوَاْ إِلَيْهِ إِنّ رَبّي قَرِيبٌ مّجِيبٌ
يقول تعالى: {و} لقد أرسلنا {إِلى ثمود} وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم {أخاهم صالحاً} فأمرهم بعبادة الله وحده ولهذا قال: {هو أنشأكم من الأرض} أي ابتدأ خلقكم منها خلق منها أباكم آدم {واستعمركم فيها} أي جعلكم عماراً تعمرونها وتستغلونها {فاستغفروه} لسالف ذنوبكم {ثم توبوا إليه} فيما تستقبلونه {إن ربي قريب مجيب} كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الاَية.


** قَالُواْ يَصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـَذَا أَتَنْهَانَآ أَن نّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنّنَا لَفِي شَكّ مّمّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةً مّن رّبّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح عليه السلام وبين قومه وما كان من الجهل والعناد في قولهم {قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} أي كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} وما كان عليه أسلافنا {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} أي شك كثير {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان {وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته} وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده, فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني {غير تخسير} أي خسارة.


** وَيَقَوْمِ هَـَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَ أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجّيْنَا صَالِحاً وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنّ رَبّكَ هُوَ الْقَوِيّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الّذِينَ ظَلَمُواْ الصّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبّهُمْ أَلاَ بُعْداً لّثَمُودَ
تقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا وبالله التوفيق.


** وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَىَ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَىَ قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوَاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنّهُ حَمِيدٌ مّجِيدٌ
يقول تعالى: {ولقد جاءت رسلنا} وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى قيل تبشره بإسحاق وقيل بهلاك قوم لوط ويشهد للأول قوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} {قالوا سلاماً قال سلام} أي عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيوه به لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي ذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر, حنيذ: مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد كما قال في الاَية الأخرى {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون} وقد تضمنت هذه الاَية آداب الضيافة من وجوه كثيرة وقوله: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم}تنكرهم {وأوجس منهم خيفة} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم {وأوجس منهم خيفة} قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه, فلما رآهم أجلهم {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول ـ وامرأته قائمة وهو جالس ـ في قراءة ابن مسعود {فقربه إليهم قال ألا تأكلون ؟} قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن, قال فإن لهذا ثمناً, قالوا: وما ثمنه ؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة, فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا.
وقال ابن حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا نصر بن علي حدثنا نوح بن قيس عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل. قال نوح بن قيس فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار, وقوله تعالى إخباراً عن الملائكة: {قالوا لا تخف} أي قالوا لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم, فضحكت سارة استبشاراً بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس, وقال قتادة ضحكت وعجبت أن قوماً يأتيهم العذاب وهم في غفلة, وقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال العوفي عن ابن عباس فضحكت أي حاضت, وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط. وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعيفان ووجداً وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}.
ومن ههنا استدل من استدل بهذه الاَية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل, وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه, فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه و لله الحمد {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً} الاَية حكى قولها في هذه الاَية كما حكى فعلها في الاَية الأخرى فإنها {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز} وفي الذاريات {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب {قالوا أتعجبين من أمر الله} أي قالت الملائكة لها لا تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزاً عقيماً وبعلك شيخاً كبيراً فإن الله على ما يشاء قدير {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته, ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله ؟» «قال قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم, وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد».


** فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ * يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـَذَآ إِنّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبّكَ وَإِنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
يخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه لما ذهب عنه الروع وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا وبشروه بعد ذلك بالولد وأخبروه بهلاك قوم لوط أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الاَية قال: لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: {إنا مهلكو أهل هذه القرية} قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن ؟ قالوا: لا, قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن ؟ قالوا: لا, قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمناً ؟ قالوا: لا, قال ثلاثون ؟ قالوا: لا, حتى بلغ خمسة قالوا: لا, قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل مسلم واحد أتهلكونها ؟ قالوا: لا, فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: {إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته} الاَية. فسكت عنهم واطمأنت نفسه, وقال قتادة وغيره قريباً من هذا زاد ابن إسحاق أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟ قالوا: لا, قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب قالوا: {نحن أعلم بمن فيها} الاَية, وقوله: {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} مدح لإبراهيم بهذه الصفات الجميلة, وقد تقدم تفسيرها, وقوله تعالى: {يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك} الاَية, أي أنه قد نفذ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين.


** وَلَمّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيَءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَـَؤُلآءِ بَنَاتِي هُنّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رّشِيدٌ * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة فانطلقوا من عنده فأتوا لوطاً عليه السلام وهو على ما قيل في أرض له وقيل في منزله ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه ابتلاء من الله وله الحكمة والحجة البالغة فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم وخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء {وقال هذا يوم عصيب} قال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك. وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلاً ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات, قال قتادة وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار ولقوا بنت لوط تستقي فقالوا يا جارية هل من منزل ؟ فقالت مكانكم حتى آتيكم وفرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدرك فتياناً على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك وكان قومه نهوه أن يضيف رجلاً فقالوا خل عنا فلنضيف الرجال فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاءوا يهرعون إليه وقوله: {يهرعون إليه} أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على ذلك الحال وقوله: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والاَخرة كما قال لهم في الاَية الأخرى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} وقوله في الاَية الأخرى: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} أي ألم ننهك عن ضيافة الرجال {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وقال في هذه الاَية الكريمة: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال مجاهد لم يكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته وكذا روي عن قتادة وغير واحد.
وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء ولم يعرض عليهم سفاحاً, وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم ويقال في بعض القراءات {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم} وكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقوله: {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} أي اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم {أليس منكم رجل رشيد} أي فيه خير يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} أي إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا)نشتهيهن {وإنك لتعلم ما نريد} أي ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك ؟ قال السدي {وإنك لتعلم ما نريد} إنما نريد الرجال.


** قَالَ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةً أَوْ آوِيَ إِلَىَ رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُواْ يَلُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُوَاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الْلّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاّ امْرَأَتَكَ إِنّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنّ مَوْعِدَهُمُ الصّبْحُ أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ
يقول تعالى مخبراً عن نبيه لوط عليه السلام إن لوطاً توعدهم بقوله: {لو أن لي بكم قوة} الاَية أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي, ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إِلى ركن شديد ـ يعني الله عز وجل ـ فما بعث الله بعده من نبي إِلا في ثروة من قومه» فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إِليهم وأنهم لا وصول لهم إليه {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل وأن يتبع أدبارهم أي يكون ساقة لأهله {ولا يلتفت منكم أحد} أي إِذا سمعت ما نزل بهم ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة ولكن استمروا ذاهبين {إِلا امرأتك} قال الأكثرون هو استثناء من المثبت وهو قوله: {فأسر بأهلك} تقديره {إِلا امرأتك} وكذلك قرأها ابن مسعود, ونصب هؤلاء امرأتك لأنه من مثبت فوجب نصبه عندهم, وقال آخرون من القراء والنحاة هو استثناء من قوله {ولا يلتفت منكم أحد إِلا امرأتك} فجوزوا الرفع والنصب.
وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة التفتت وقالت: واقوماه فجاءها حجر من السماء فقتلها ثم قربوا له هلاك قومه تبشيراً له لأنه قال لهم أهلكوهم الساعة فقالوا {إِن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف قد جاءوا يهرعون إِليه من كل جانب ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه فعند ذلك خرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر} الاَية وقال معمر عن قتادة عن حذيفة بن اليمان قال: كان إِبراهيم عليه السلام يأتي قوم لوط فيقول أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إِذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إِلى لوط وهو يعمل في أرض له فدعاهم إِلى الضيافة فقالوا إِنا ضيوفك الليلة وكان الله قد عهد إِلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر فمشى معهم ساعة ثم التفت إِليهم فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض شراً منهم أين أذهب بكم ؟ إِلى قومي وهم أشر خلق الله, فالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله فالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال احفظوها هاتان اثنتان, فلما انتهى إِلى باب االدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إِن قومي أشر خلق الله ؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شراً منهم.
فقال جبريل للملائكة احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب فلما دخلوا ذهبت عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعاً قالوا ما عندك ؟ قالت ضيف لوط قوماً ما رأيت قط أحسن وجوهاً منهم ولا أطيب ريحاً منهم فهرعوا يسارعون إِلى الباب فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلاً وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} فقام الملك فلز بالباب ـ يقول فشده ـ واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء, فنشر جناحه ـ ولجبريل جناحان ـ وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلى الخضرة فقال: يا لوط {إِنا رسل ربك لن يصلوا إِليك} امض يا لوط عن الباب ودعني وإِياهم, فتنحى لوط عن الباب فخرج إِليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم شدخ أعينهم فصاروا عميا لا يعرفون الطريق, ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا)


** فَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مّنْضُودٍ * مّسَوّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
يقول تعالى: {فلما جاء أمرنا} وكان ذلك عند طلوع الشمس {جعلنا عاليها} وهي سدوم {سافلها} كقوله: {فغشاها ماغشى} أي أمطرنا عليها حجارة من سجيل وهي بالفارسية حجارة من طين قاله ابن عباس وغيره وقال بعضهم أي من سنك وهو الحجر وكل وهو الطين وقد قال في الاَية الأخرى حجارة من طين أي مستحجرة قوية شديدة, وقال بعضهم مشوية, وقال البخاري سجيل: الشديد الكبير, سجيل وسجين اللام والنون أختان, وقال تميم بن مقبل:
ورجلة يضربون البيض صاحبةضرباً تواصت به الأبطال سجينا




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:35 مساء   رقم المشاركة : [36]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

وقوله: {منضود} قال بعضهم: في السماء أي معدة لذلك وقال آخرون: {منضود} أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم وقوله: {مسوّمة} أي معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه وقال قتادة وعكرمة: {مسومة} مطوقة بها نضح من حمرة وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث إِذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد, وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم, وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن قال ولما قلبها كان أول ما سقط منها شرفاتها, وقال قتادة بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إِلى جو السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم ثم دمر بعضهم على بعض ثم أتبع شذاذ القوم صخراً قال وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى في كل قرية مائة ألف وفي رواية ثلاث قرى الكبرى منها سدوم, قال وبلغنا أن إِبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم ويقول: سدوم يوم هالك وفي رواية عن قتادة وغيره قال وبلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه ثم صعد بها إِلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب وكانوا أربعة آلاف ثم قلبها فأرسلها إِلى الأرض منكوسة ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم أتبعها حجارة من سجيل, وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات سدوم وهي العظمى وصعبة وصعود وغمة ودوما احتملها جبريل بجناحه ثم صعد بها حتى إِن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله بالحجارة, يقول الله تعالى: {جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات, وقال السدي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك قوله: {والمؤتفكة أهوى} ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة ومن كان منهم شاذاً في الأرض يتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله عز وجل: {وأمطرنا عليهم} أي في القرى حجارة من سجيل هكذا قال السدي(1) وقوله: {وما هي من الظالمين ببعيد} أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه, وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعاً «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إِلى أن اللائط يقتل سواء كان محصناً أو غير محصن عملاً بهذا الحديث, وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.


** وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنّيَ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مّحِيطٍ
يقول تعالى ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريباً من معان. بلاداً تعرف بهم يقال لها مدين فأرسل الله إِليهم شعيباً وكان من أشرفهم نسباً, ولهذا قال: {أخاهم شعيباً} يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان {إِني أراكم بخير} أي في معيشتكم ورزقكم وإِني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} أي في الدار الاَخرة.


** وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
ينهاهم أولاً عن نقص المكيال والميزان إِذا أعطوا الناس, ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق, وقوله: {بقية الله خير لكم} قال ابن عباس: رزق الله خير لكم وقال الحسن رزق الله خير لكم من بخسكم الناس, وقال الربيع بن أنس وصية الله خير لكم, وقال مجاهد: طاعة الله وقال: قتادة حظكم من الله خير لكم, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة, وقال أبو جعفر بن جرير {بقية الله خير لكم} أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس قال وقد روي هذا عن ابن عباس قلت ويشبه قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} الاَية, وقوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} أي برقيب ولا حفيظ أي افعلوا ذلك لله عز وجل لا تفعلوه ليراكم الناس بل لله عز وجل.


** قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نّفْعَلَ فِيَ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرّشِيدُ
يقولون له على سبيل التهكم قبحهم الله {أصلواتك} قال الأعمش أي قراءتك {تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤ نا} أي الأوثان والأصنام {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} فتترك التطفيف علىَ قولك وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد, قال الحسن في قوله: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} أي والله إِن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم, وقال الثوري في قوله: {أو أن نفعل في أموالنا مانشاء} يعنون الزكاة {إِنك لأنت الحليم الرشيد} قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء قبحهم الله ولعنهم عن رحمته وقد فعل.


** قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
يقول لهم هل رأيتم يا قوم إِن كنت {على بينة من ربي} أي على بصيرة فيما أدعو إِليه {ورزقني منه رزقاً حسناً} قيل أراد النبوة وقيل أراد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين, وقال الثوري {وماأريد أن أخالفكم إِلى ما أنهاكم عنه} أي لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم كما قال قتادة في قوله {وماأريد أن أخالفكم إِلى ما أنهاكم عنه} يقول: لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه {إِن أريد إِلا الإِصلاح ما استطعت} أي فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إِصلاحكم جهدي وطاقتي {وماتوفيقي} أي في إصابة الحق فيما أريده {إِلابالله عليه توكلت} في جميع أموري }وإليه أنيب} أي أرجع قاله مجاهد وغيره قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن أخاه مالكاً: قال يا معاوية إِن محمداً أخذ جيراني فانطلق إِليه فإِنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا فأعرض عنه فقام مغضباً فقال: أما والله لئن فعلت إِن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إِلى غيره وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماتقول ؟» فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال «أو قد قالوها ـ أي قائلهم ـ ولئن فعلت ما ذاك إِلا عليّ وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه» وقال أيضاً: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناساً من قومي في تهمة فحبسهم فجاء رجل من قومي إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال: يا محمد علام تحبس جيراني ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِن ناساً ليقولون إِنك تنهى عن الشيء وتستخلي به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تقول ؟» قال: فجعلت أعرض بينهما كلاماً مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبداً فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فهمها فقال: «قد قالوها أو قائلها منهم والله لو فعلت لكان عليّ وما كان عليهم خلوا عن جيرانه» ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: «إِذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم, وتلين له أشعاركم وأبشاركم, وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به, وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه» إِسناده صحيح. وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث «إِذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك, وإذا خرج فليقل اللهم إِني أسألك من فضلك» ومعناه والله أعلم مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به. ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه {وما أريد أن أخالفكم إِلى ما أنهاكم عنه} وقال قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال: جاءت امرأة إِلى ابن مسعود فقالت تنهى عن الواصلة ؟ قال نعم, قالت: فعله بعض نسائك, فقال ما حفظت وصية العبد الصالح إِذاً {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} وقال عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي سليمان العتبي قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي فيكتب في آخرها وما كنت من ذلك إِلا كما قال العبد الصالح: {وما توفيقي إِلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}.


** وَيَقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنّكُمْ شِقَاقِيَ أَن يُصِيبَكُم مّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوَاْ إِلَيْهِ إِنّ رَبّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
يقول لهم {وياقوم لا يجرمنكم شقاقي} أي لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من النقمة والعذاب وقال قتادة {وياقوم لا يجرمنكم شقاقي} يقول: لا يحملنكم فراقي, وقال السدي عداوتي, على أن تمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد ابن عوف الحمصي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا ابن أبي غنية حدثني عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إِذ أشرف علينا من داره فقال: {يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح} يا قوم لا تقتلوني إِنكم إِن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه, وقوله: {وما قوم لوط منكم ببعيد} قيل المراد في الزمان, قال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس, وقيل في المكان ويحتمل الأمران {واستغفروا ربكم} من سالف الذنوب {ثم توبوا إِليه} فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة وقوله: {إِن ربي رحيم ودود} لمن تاب.


** قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مّمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِيَ أَعَزّ عَلَيْكُم مّنَ اللّهِ وَاتّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنّ رَبّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
يقولون {ياشعيب ما نفقه} ما نفهم {كثيراً} من قولك {وإِنا لنراك فينا ضعيفاً} قال سعيد بن جبير والثوري وكان ضرير البصر, وقال الثوري كان يقال له خطيب الأنبياء, قال السدي {وإِنا لنراك فينا ضعيفاً} قال: أنت واحد, وقال أبو روق: يعنون ذليلاً لأن عشيرتك ليسوا على دينك {ولولا رهطك لرجمناك} أي قومك لولا معزتهم علينا لرجمناك قيل بالحجارة وقيل لسببناك {وما أنت علينا بعزيز} أي ليس عندنا لك معزة {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} يقول: أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إِعظاماً لجناب الرب تبارك وتعالى أن تنالوا نبيه بمساءة وقد اتخذتم كتاب الله {وراءكم ظهرياً} أي نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه {إِن ربي بما تعملون محيط} أي هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها.


** وَيَقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَىَ مَكَانَتِكُمْ إِنّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوَاْ إِنّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجّيْنَا شُعَيْباً وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنّا وَأَخَذَتِ الّذِينَ ظَلَمُواْ الصّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
لما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال يا قوم {اعملوا على مكانتكم} أي طريقتكم وهذا تهديد شديد {إِني عامل} على طريقتي {سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} أي مني ومنكم {وارتقبوا} أي انتظروا {{إِني معكم رقيب} قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} وقوله جاثمين اي هامدين لا حراك بهم. وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة, وفي الأعراف رجفة وفي الشعراء عذاب يوم الظلة وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها, وإِنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي الأعراف لما قالوا {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} ناسب أن يذكر الرجفة الرجفة فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إِخراج نبيهم منها, وههنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ذكر الصيحة التي استلبثتهم وأخمدتهم, وفي الشعراء لما قالوا {فأسقط علينا كسفاً من السماء إِن كنت من الصادقين} قال {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} وهذا من الأسرار الدقيقة ولله الحمد والمنة كثيراً دائماً, وقوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي يعيشوا في دارهم قبل ذلك {ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود} وكانوا جيرانهم قريباً منهم في الدار وشبيهاً بهم في الكفر وقطع الطريق وكانوا عرباً مثلهم.


** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ * إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتّبَعُوَاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرّفْدُ الْمَرْفُودُ
يقول تعالى مخبراً عن إِرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إِلى فرعون ملك القبط وملئه {فاتبعوا أمر فرعون} أي منهجه ومسلكه وطريقته في الغي {وما أمر فرعون برشيد} أي ليس فيه رشد ولا هدى. وإِنما هو جهل وضلال وكفر وعناد, وكما أنهم اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم فأوردهم إِياها وشربوا من حياض رداها, وله في ذلك الحظ الأوفر, من العذاب الأكبر, كما قال تعالى: {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً} وقال تعالى: {فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أناربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الاَخرة والأولى * إِن في ذلك لعبرة لمن يخشى} وقال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار, وبئس الورد المورود} وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفورين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: {لكل ضعف ولكن لا تعلمون} وقال تعالى إِخباراً عن الكفرة أنهم يقولون في النار: {ربنا إِنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب} الاَية, وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار» وقوله: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة} الاَية, أي أتبعناهم زيادة على عذاب النار لعنة في الدنيا {ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك لعنتان, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {بئس الرفد المرفود} قال: لعنة الدنيا والاَخرة وكذا قال الضحاك وقتادة وهو كقوله {وجعلناهم أئمة يدعون إِلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} وقال تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.


** ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَىَ نَقُصّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـَكِن ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لّمّا جَآءَ أَمْرُ رَبّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ
لما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين قال: {ذلك من أنباء القرى} أي أخبارهم {نقصه عليك منها قائم} أي عامر {وحصيد} أي هالك {وما ظلمناهم} أي إِذ أهلكناهم {ولكن ظلموا أنفسهم} بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم {فما أغنت عنهم آلهتهم} أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها {من دون الله من شيء} ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإِهلاكهم {وما زادوهم غير تتبيب} قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير تخسير وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إِنما كان باتباعهم تلك الاَلهة فلهذا خسروا في الدنيا والاَخرة.


** وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىَ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
يقول تعالى وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم {إن أخذه أليم شديد} وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِن الله ليملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إِذا أخذ القرى وهي ظالمة} الاَية.


** إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مّجْمُوعٌ لّهُ النّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاّ لأجَلٍ مّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ
يقول تعالى إن في إِهلاكنا الكافرين وإِنجائنا المؤمنين {لاَية} أي عظة واعتباراً على صدق موعودنا في الاَخرة {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} الاَية. وقوله: {ذلك يوم مجموع له الناس} أي أولهم وآخرهم كقوله: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} {وذلك يوم مشهود} أي عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها, وقوله {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أي لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} أي يوم يأتي يوم القيامة لا يتكلم أحد إلا بإذن الله كقوله: {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً} وقال: {وخشعت الأصوات للرحمن} الاَية. وفي الصحيحين من حديث الشفاعة «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم» وقوله: {فمنهم شقي وسعيد} أي فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد كما قال {فريق في الجنة وفريق في السعير} وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيّان حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا سليمان أبو سفيان حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر قال: لما نزلت {فمنهم شقي وسعيد} سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: علام نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه, فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام, ولكن كل ميسر لما خلق له» ثم بيّن تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:)


** فَأَمّا الّذِينَ شَقُواْ فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَآءَ رَبّكَ إِنّ رَبّكَ فَعّالٌ لّمَا يُرِيدُ
يقول تعالى {لهم فيها زفير وشهيق} قال ابن عباس الزفير في الحلق والشهيق في الصدر أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق, لما هم فيه من العذاب عياذاً بالله من ذلك {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت هذا دائم دوام السموات والأرض, وكذلك يقولون هو باق ما اختلف الليل والنهار, وما سمر أبناء سمير وما لألأت العير بأذنابها يعنون بذلك كله أبداً فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} (قلت): ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض الجنس لأنه لا بد في عالم الاَخرة من سموات وأرض كما قال تعالى {يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات} ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {ما دامت السموات والأرض} قال: يقول: سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم ذكر عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قوله: {ما دامت السموات والأرض} قال: لكل جنة سماء وأرض, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء. وقوله {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} كقوله {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه زاد المسير, وغيره من علماء التفسير, ونقل كثيراً منها الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضاً أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين, من الملائكة والنبيين والمؤمنين, حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيراً قط وقال يوماً من الدهر لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها, وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديماً وحديثاً في تفسير هذه الاَية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة, وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين, وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي ولكن سنده ضعيف والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه, وقال السدي هي منسوخة بقوله {خالدين فيها أبداً}.


** وَأَمّا الّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَآءَ رَبّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
يقول تعالى: {وأما الذين سعدوا} وهم أتباع الرسل {ففي الجنة} أي فمأواهم الجنة {خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً {ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى فله المنة عليهم دائماً ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وقال الضحاك والحسن البصري هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها وعقب ذلك بقوله {عطاء غير مجذوذ} أي غير مقطوع قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية وغير واحد لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعاً أو لبساً أو شيئاً بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائماً مردود إلى مشيئته وأنه بعدله وحكمته عذبهم ولهذا قال {إن ربك فعال لما يريد} كما قال: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: {عطاء غير مجذوذ} وقد جاء في الصحيحين «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا)موت, ويا أهل النار خلود فلا موت, وفي الصحيح أيضاً «فيقال يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً».


** فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّمّا يَعْبُدُ هَـَؤُلآءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مّن قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنّهُمْ لَفِي شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنّ كُـلاّ لّمّا لَيُوَفّيَنّهُمْ رَبّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يقول تعالى: {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء} المشركون إنه باطل وجهل وضلال فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل أي ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا إتباع الاَباء في الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء فيعذب كافرهم عذاباً لا يعذبه أحداً وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الاَخرة. قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} قال ما وعدوا من خير أو شر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة فلا يغيظنك تكذيبهم لك ولا يهمنك ذلك {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} قال ابن جرير لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} فإنه قد قال في الاَية الأخرى: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى * فاصبر على ما يقولون} ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والاَخرين من الأمم ويجزيهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر فقال: {وإن كلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير} أي عليم بأعمالهم جميعها جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها وفي هذه الاَية قراءات كثيرة يرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه كما في قوله تعالى: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون}.


** فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء.
وقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تداهنوا وقال العوفي عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا وهذا القول حسن أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم {فتمسكهم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} أي ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ولا ناصر يخلصكم من عذابه.


** وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىَ لِلذّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال يعني الصبح والمغرب وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم هي الصبح والعصر وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار والظهر والعصر من آخره {وزلفاً من الليل} قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم يعني صلاة العشاء وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه {وزلفاً من الليل} يعني المغرب والعشاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما زلفتا الليل المغرب والعشاء» وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء, وقد يحتمل أن تكون هذه الاَية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها, وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ثم نسخ في حق الأمة وثبت وجوبه عليه ثم نسخ عنه أيضاً في قول والله أعلم.
وقوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} يقول إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه وإذا حدثني عنه أحد استحلفته فإذا حلف لي صدقته, وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له} وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه توضألهم كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال: «من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» وروى الإمام أحمد وأبو جعفر ابن جرير من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إِناء أظنه سيكون فيه قدر مد فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال «من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إِن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات» وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً ؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: «كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا» وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون ابن سعيد قالا: حدثنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إِلى الجمعة ورمضان إِلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» وقال الإمام أحمد حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إِسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد أن أبارهم السمعي كان يحدث أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إِن كل صلاة تحط ما بين يديهامن خطيئة» وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعلت الصلوات كفارات لما بينهن» فإِن الله قال {إِن الحسنات يذهبن السيئات}.
وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} فقال الرجل يا رسول الله ألي هذا ؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» هكذا رواه في كتاب الصلاة وأخرجه في التفسير عن مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إِلا أبا داود من طرق عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل به. ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طرق عن سماك بن حرب أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال جاء رجل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إِني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فذهب الرجل. فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه, فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره ثم قال: «ردوه علي» فردوه عليه فقرأ عليه {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إِن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فقال معاذ وفي رواية عمريا رسول الله أله وحده أم للناس كافة ؟ قال: «بل للناس كافة» وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإِن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إِلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله ؟ قال: «غشه وظلمه ولا يكسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إِلا كان زاده إِلى النار إِن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن إِن الخبيث لا يمحو الخبيث» وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إِبراهيم قال: كان فلان ابن معتب رجلاً من الأنصار فقال يا رسول الله دخلت عليّ امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إِلا أني لم أواقعها فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه حتى نزلت هذه الاَية {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إِن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فدعاه رسول الله فقرأها عليه وعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار وقال مقاتل هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر كعب بن عمرو. وقال الإمام أحمد حدثنا يونس وعفان قالا: حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن علي بن زيد قال عفان أنبأنا علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رجلاً أتى عمر فقال إن امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدولج فأصبت منها ما دون الجماع, فقال ويحك لعلها مغيبة في سبيل الله ؟ قال أجل, قال فائت أبا بكر فسله. قال فأتاه فسأله فقال لعلها مغيبة في سبيل الله ؟ فقال مثل قول عمر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل ذلك قال «فلعلها مغيبة في سبيل الله» ونزل القرآن {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إِن الحسنات يذهبن السيئات} إِلى آخر الاَية, فقال يا رسول الله لي خاصة أم للناس عامة ؟ فضرب يعني عمر صدره بيده وقال لا ولا نعمة عين بل للناس عامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق عمر» وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمراً فقلت إِن في البيت تمراً أجود من هذا فدخلت فأهويت إِليها فقبلتها فأتيت عمر فسألته فقال اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته فقال اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً قال فلم أصبر حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا» حتى ظننت أني من أهل النار حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة فنزل جبريل فقال أبو اليسر فجئت فقرأ عليّ رسول الله {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إِن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فقال إِنسان: يا رسول الله له خاصة أم للناس عامة ؟ قال «للناس عامة» وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئاً الرجل يصيبه من امرأته إِلا قد أصاب منها غير أنه لم يجامعها ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأ وضوءاً حسناً ثم قم فصلّ» فأنزل الله عز وجل هذه الاَية يعني قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار} فقال معاذ أهي له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ قال: «بل للمسلمين عامة» ورواه ابن جرير من طرق عن عبد الملك بن عمير به. وقال عبد الرزاق حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه لحاجة فأذن له فذهب يطلبها فلم يجدها فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة فقام نادماً حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع فقال له: «استغفر ربك وصل أربع ركعات» قال: وتلا عليه {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} الاَية.
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه حدثنا إسحاق بن إِبراهيم حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة يقول إِن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقم فيّ حد الله ـ مرة أو اثنتين ـ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: «أين هذا الرجل القائل أقم فيّ حد الله ؟» قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً ؟ قال: نعم. قال: «فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد» وأنزل الله على رسول الله {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي عثمان قال كنت: مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ منها غصناً يابساً فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا قلت ولم تفعله ؟ قال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق. وقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ «أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» وقال أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شمر بن عطية عن أشياخه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أوصني, قال: «إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها» قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال: «هي أفضل الحسنات» وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ولد سعد بن أبي وقاص عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات» عثمان بن عبد الرحمن يقال له الوقاصي فيه ضعف. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا مستور بن عباد عن ثابت عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله ما تركت من حاجة ولا داجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟» قال: بلى. قال «فإن هذا يأتي على ذلك» تفرد به من هذا الوجه مستور.


** فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مّمّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىَ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
يقول تعالى فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض, وقوله: {إلا قليلاً} أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} وفي الحديث «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» ولهذا قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم} وقوله: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} أي استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب {وكانوا مجرمين} ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين كما قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} وقال: {وما ربك بظلام للعبيد}.


** وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَن رّحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ
يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لاَمن من في الأرض كلهم جميعاً} وقوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم, وقال عكرمة: مختلفين في الهدى وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضاً, والمشهور الصحيح الأول. وقوله: {إلا من رحم ربك} أي إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين, أخبرتهم به رسل الله إليهم ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي وخاتم الرسل والأنبياء فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والاَخرة لأنهم الفرقة الناجية كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً «إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة, قالوا: ومن هم يا رسول الله ؟ قال «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة, وقال عطاء: {ولا يزالون مختلفين} يعني اليهود والنصارى والمجوس {إلا من رحم ربك} يعني الحنيفية وقال قتادة أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم, وقوله: {ولذلك خلقهم} قال الحسن البصري في رواية عنه وللاختلاف خلقهم, وقال مكي بن أبي طلحة عن ابن عباس: خلقهم فريقين كقوله: {فمنهم شقي وسعيد} وقيل للرحمة خلقهم قال ابن وهب أخبرني مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن طاوس: أن رجلين اختصما إليه فأكثرا فقال طاوس اختلفتما وأكثرتما فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا فقال طاوس: كذبت فقال أليس الله يقول: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب, وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقيل بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال الناس مختلفون على أديان شتى {إلا من رحم ربك} فمن رحم ربك غير مختلف فقيل له لذلك خلقهم قال خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره وخلق لعذابه وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش, وقال ابن وهب سألت مالكاً عن قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال فريق في الجنة وفريق في السعير, وقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيد الفراء وعن مالك فيما روينا عنه من التفسير {ولذلك خلقهم} قال للرحمة وقال قوم للاختلاف. وقوله: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة ومنهم من يستحق النار وأنه لا بد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين الجن والإنس وله الحجة البالغة والحكمة التامة, وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً يسكن فضل الجنة وأما النار فلا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول قط قط وعزتك.


** وَكُـلاّ نّقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـَذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين. كل هذا مما نثبت به فؤادك أي قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة, وقوله: {وجاءك في هذه الحق} أي هذه السورة قال ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف, وعن الحسن في رواية عنه وقتادة في هذه الدنيا والصحيح في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين جاءك فيها قصص حق ونبأ صدق وموعظة يرتدع بها الكافرون وذكرى يتذكر بها المؤمنون.


** وَقُل لّلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَىَ مَكَانَتِكُمْ إِنّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوَاْ إِنّا مُنتَظِرُونَ
يقول تعالى آمراً رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد {اعملوا على مكانتكم} أي على طريقتكم ومنهجكم {إنا عاملون} أي على طريقتنا ومنهجنا {وانتظروا إنا منتظرون} أي {فستعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} وقد أنجز الله لرسوله وعده ونصره وأيده وجعل كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز حكيم.


** وَللّهِ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبّكَ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ
يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض وأنه إليه المرجع والمآب, وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب, فله الخلق والأمر, فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه. فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه, وقوله: {وما ربك بغافل عما تعملون} أي ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد بل هو عليم بأحوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والاخرة وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين, وقال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا زيد بن الحباب عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن رباح عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود.آخر تفسير سورة هود عليه السلام ولله الحمد والمنة.



سورة يوسف
روى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم, ويقال: سليم المدائني, وهو متروك عن هارون بن كثير, وقد نص على جهالته أبو حاتم, عن زيد بن أسلم, عن أبيه, عن أبي أمامة, عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «علموا أرقاكم سورة يوسف, فإنه أيما مسلم تلاها أو علمها أهله أو ما ملكت يمينه, هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه من القوة أن لا يحسد مسلماً», وهذا من هذا الوجه لا يصح لضعف إسناده بالكلية, وقد ساقه الحافظ ابن عساكر متابعاً من طريق القاسم بن الحكم, عن هارون بن كثير به, ومن طريق شبابة عن محمد بن عبد الواحد النضري, عن علي بن زيد بن جدعان, وعن عطاء بن أبي ميمونة, عن زر بن حبيش, عن أبي بن كعب, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه, وهو منكر من سائر طرقه, وروى البيهقي في الدلائل أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم, وهو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


** الَر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: {تلك آيات الكتاب} أي هذه آيات الكتاب, وهو القرآن المبين, أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة, ويفسرها ويبينها {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس, فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات, على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة, وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض, وابتدىء إنزاله في أشرف شهور السنة, وهو رمضان, فكمل من كل الوجوه, ولهذا قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.
وقد ورد في سبب نزول هذه الاَية ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي, حدثنا حكام الرازي عن أيوب, عن عمرو هو ابن قيس الملائي, عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قصصت علينا ؟ فنزلت {نحن نقص عليك أحسن القصص}, ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلاً. وقال أيضاً. حدثنا محمد بن سعيد القطان, حدثنا عمرو بن محمد, أنبأنا خالد الصفار عن عمرو بن قيس, عن عمرو بن مرة, عن مصعب بن سعد, عن أبيه قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. قال: فتلاه عليهم زماناً, فقالوا: يارسول الله لو قصصت علينا ؟ فأنزل الله عز وجل {الر تلك آيات الكتاب المبين} إلى قوله: {لعلكم تعقلون} ثم تلاه عليهم زماناً, فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا, فأنزل الله عز وجل {الله نزل أحسن الحديث} الاَية, وذكر الحديث, ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به, وروى ابن جرير بسنده عن المسعودي, عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا, فأنزل الله {الله نزل أحسن الحديث} ثم ملوا ملة أخرى, فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث, ودون القرآن يعنون القصص, فأنزل الله عز وجل {الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص} الاَية, فأرادوا الحديث, فدلهم على أحسن الحديث, وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص.
ومما يناسب ذكره عند هذه الاَية الكريمة المشتملة على مدح القرآن, وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان, أنبأنا هشيم, أنبأنا مجالد عن الشعبي, عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب, فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فغضب وقال: «أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده, لقد جئتكم بها بيضاء نقية, لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه, أو بباطل فتصدقونه, والذي نفسي بيده, لو أن موسى كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني». وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أنبأنا سفيان عن جابر, عن الشعبي, عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة, فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً, وبمحمد رسولاً. قال: فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «والذي نفس محمد بيده, لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم, إنكم حظي من الأمم, وأنا حظكم من النبيين».
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير, حدثنا علي بن مسعر عن عبد الرحمن بن إسحاق, عن خليفة بن قيس, عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالساً عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس, فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي ؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس ؟ قال: نعم, فضربه بقناة معه, قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين ؟ فقال له عمر: اجلس فجلس, فقرأ عليه {بسم الله الرحمن الرحيم * آلر * تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص ـ إلى قوله ـ لمن الغافلين} فقرأها عليه ثلاثاً, وضربه ثلاثاً, فقال له الرجل: ما لي ياأمير المؤمنين ؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال. قال: مرني بأمرك أتبعه, قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة, ثم قال, له اجلس فجلس بين يديه, فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب, ثم جئت به في أديم, فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا في يدك يا عمر ؟» قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه, ثم نودي بالصلاة جامعة, فقالت الأنصار: أغضب نبيكم الله صلى الله عليه وسلم ؟ السلاح السلاح, فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه, واختصر لي اختصاراً, ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية, فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون» قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً, وبك رسولاً, ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصراً من حديث عبد الرحمن بن إسحاق به وهذا حديث غريب من هذا الوجه, وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الواسطي, وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه, قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر, فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان, حدثنا يعقوب بن سفيان, حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي, حدثني عمرو بن الحارث, حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي, حدثنا سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه, فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص, وكانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة, وإن نهانا عنها رفضناها, فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب, وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا, أفنأخذ منه أو نترك ؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئاً ؟ فقالا: لا, قال سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيت خيبر, فوجدت يهودياً يقول قولاً أعجبني, فقلت: هل أنت مكتبي مما تقول ؟ قال: نعم فأتيت بأديم, فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع, فلما رجعت قلت: يا نبي الله وأخبرته. قال «ائتني به» فانطلقت أرغب عن الشيء رجاء أن أكون جئت رسول الله ببعض ما يحب, فلما أتيت به قال: «اجلس اقرأ علي» فقرأت ساعة, ثم نظرت إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا هو يتلون, فتحيرت من الفرق, فما استطعت أن أجيز منه حرفا, فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقه, وهو يقول: «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكوا وتهوكوا» حتى محا آخره حرفاً حرفاً. قال عمر رضي الله عنه: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئاً جعلتكما نكالاً لهذه الأمة, قالا: والله ما نكتب منه شيئاً أبداً, فخرجا بصلاصفتهما, فحفرا لها, فلم يألوا أن يعمقا ودفناها, فكان آخر العهد منها, وهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد)الجعفى عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن عمر بن الخطاب بنحوه, وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه, والله أعلم.


** إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه, وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام, كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار, عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» انفرد بإخراجه البخاري, فرواه عن عبد الله بن محمد عن عبد الصمد به, وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد, أنبأنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد, عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي الناس أكرم ؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك, قال: «فعن معادن العرب تسألوني ؟» قالوا: نعم. قال «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ثم قال: تابعه أبو أسامة عن عبيد الله.
وقال ابن عباس رؤيا الأنبياء وحي, وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكباً عبارة عن إخوته, وكانوا أحد عشر رجلاً سواه, والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه. روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة, وقيل: ثمانين سنة, وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره وإخوته بين يديه {وخرّوا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكباً, فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني علي بن سعيد الكندي, حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط, عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له بستانة اليهودي, فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له, ما أسماؤها ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة فلم يجبه بشيء. ونزل عليه جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها, قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: «هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها ؟» فقال: نعم. قال «جريان, والطارق, والذيال, وذو الكنفات, وقابس, ووثاب, وعمودان, والفيلق, والمصبح, والضروح, وذو الفرغ, والضياء, والنور» فقال اليهودي: إي وا لله إنها لأسماؤها.
ورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما, وابن أبي حاتم في تفسيره, أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير به, وزاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد, ـ قال ـ والشمس أبوه والقمر أمّه» تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة وتركه الأكثرون, وقال الجوزجاني: ساقط وهو صاحب حديث حسن, ثم ذكر الحديث المروي عن جابر أن يهودياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكواكب التي رآها يوسف, ما أسماؤها ؟ وأنه أجابه, ثم قال: تفرد به الحكم بن ظهير, وقد ضعفه الأربعة.


** قَالَ يَبُنَيّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنّ الشّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّ مّبِينٌ
يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له, وتعظيمهم إياه تعظيماً زائداً بحيث يخرون له ساجدين إجلالاً واحتراماً وإكراماً, فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام, أحداً من إخوته فيحسدونه على ذلك, فيبغون له الغوائل حسداً منهم له, ولهذا قال له: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً} أي يحتالوا لك حيلة يردونك فيها, ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به, وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الاَخر, وليتفل عن يساره ثلاثاً, وليستعذ بالله من شرها, ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره» وفي الحديث الاَخر الذي رواه الإمام أاحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة, القشيري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر, فإذا عبرت وقعت» ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر, كما ورد في حديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها, فإن كل ذي نعمة محسود».


** وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ وَيُعَلّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىَ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمّهَآ عَلَىَ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنّ رَبّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك {كذلك يجتبيك ربك} أي يختارك ويصطفيك لنبوته {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا {ويتم نعمته عليك} أي بإرسالك والإيحاء إليك, ولهذا قال: {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم} وهو الخليل {وإسحاق} ولده وهو الذبيح في قول, وليس بالرجيح {إن ربك عليم حكيم} أي هو أعلم حيث يجعل رسالته, كما قال في الاَية الأخرى.


** لّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لّلسّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبّ إِلَىَ أَبِينَا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السّيّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات, أي عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه, فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} أي حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه, يعنون بنيامين وكان شقيقه لأمه {أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} أي جماعة, فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة {إنّ أبانا لفي ضلال مبين} يعنون في تقديمهما علينا, ومحبته إياهما أكثر منا.
واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف, وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك, ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك, وفي هذا نظر, ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل, ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط, كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب, يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون, ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف, ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم, والله أعلم, {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم} يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم, ليخلو لكم وحدكم, إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه, وتخلوا أنتم بأبيكم {وتكونوا من بعده قوماً صالحين} فأضمروا التوبة قبل الذنب {قال قائل منهم} قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك, يهوذا. وقال مجاهد هو شمعون الصفا {لا تقتلوا يوسف} أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله, ولم يكن لهم سبيل إلى قتله لأن الله تعالى كان يريد منه أمراً لا بد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة, ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها, فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس {يلتقطه بعض السيارة} أي المارة من المسافرين فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله {إن كنتم فاعلين} أي إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم, وعقوق الوالد, وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له, وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل, وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده, ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه, مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلاً صغيراً, وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه, يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين, فقد احتملوا أمراً عظيماً رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه.


** قَالُواْ يَـأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنّا عَلَىَ يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
لما تواطأوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار به عليهم أخوهم الكبير روبيل, جاءوا أباهم يعقوب عليه السلام فقالوا: ما بالك {لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} وهذه توطئة ودعوى, وهم يريدون خلاف ذلك لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له {أرسله معنا} أي ابعثه معنا {غداً نرتع ونلعب} وقرأ بعضهم بالياء {يرتع ويلعب} قال ابن عباس: يسعى وينشط, وكذا قال قتادة والضحاك والسدي وغيرهم {وإنا له لحافظون} يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.


** قَالَ إِنّي لَيَحْزُنُنِيَ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّآ إِذَاً لّخَاسِرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء {إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع, وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون, فأخذوا من فمه هذه الكلمة, وجعلوها عذرهم فيما فعلوه, وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة {لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون} يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة إنا إذاً لهالكون عاجزون.


** فَلَمّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوَاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} هذا فيه تعظيم لما فعلوه, أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراماً له, وبسطاً وشرحاً لصدره, وإدخالاً للسرور عليه, فيقال إن يعقوب عليه السلام لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له, وذكر السدي وغيره أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه, ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه, والفعل من ضرب ونحوه, ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه, فربطوه بحبل ودلوه فيه, فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه, وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه, ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة, فسقط في الماء فغمره, فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها الراغوفة, فقام فوقها.
وقوله: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}, يقول تعالى ذاكراً لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييباً لقلبه وتثبيتاً له, إنك لا تحزن مما أنت فيه, فإن لك من ذلك فرجاً ومخرجاً حسناً, وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع, وقوله: {وهم لا يشعرون}. قال مجاهد وقتادة: {وهم لا يشعرون} بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك, وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك, كما قال ابن جرير: حدثني الحارث, حدثنا عبد العزيز, حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه, سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون, قال: جيء بالصواع فوضعه على يده, ثم نقره فطن, فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف, يدنيه دونكم, وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب, قال: ثم نقره فطن, قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب, قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الاَية نزلت إلا فيهم {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}.


** وَجَآءُوَا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ يَأَبَانَا إِنّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لّنَا وَلَوْ كُنّا صَادِقِينَ * وَجَآءُوا عَلَىَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىَ مَا تَصِفُونَ
يقول تعالى مخبراً عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب, ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم, وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا {إنا ذهبنا نستبق} أي نترامى, {وتركنا يوسف عند متاعنا} أي ثيابنا وأمتعتنا, {فأكله الذئب}, وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه. وقوله: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه, يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين, فكيف وأنت تتهمنا في ذلك, لأنك خشيت أن يأكله الذئب, فأكله الذئب, فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع, وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي مكذوب مفترى, وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيده, وهو أنهم عمدوا إلى سخلة فيما ذكره مجاهد والسدي وغير واحد, فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها, موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب, وقد أصابه من دمه, ولكنهم نسوا أن يخرقوه, فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب, بل قال لهم معرضاً عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه {بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} أي فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه {والله المستعان على ما تصفون} أي على ما تذكرون من الكذب والمحال.
وقال الثوري عن سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وجاءوا على قميصه بدم كذب} قال: لو أكله السبع لخرق القميص, وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه. وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى, عن حبان بن أبي جبلة, قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فصبر جميل} فقال: صبر لا شكوى فيه, وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق: قال الثوري, عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك, ولا بمصيبتك, ولا تزكي نفسك وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}.


** وَجَاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىَ دَلْوَهُ قَالَ يَبُشْرَىَ هَـَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ
يقول تعالى مخبراً عما جرى ليوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيداً فريداً, فمكث في البئر ثلاثة أيام فيما قاله أبو بكر بن عياش, وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك, ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به, فساق الله له سيارة, فنزلوا قريباً من تلك البئر, وأرسلوا واردهم وهو الذي يتطلب لهم الماء, فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها, تشبث يوسف عليه السلام فيها فأخرجه واستبشر به, وقال: {يا بشرى هذا غلام}. وقرأ بعض القراء يا بشراي, فزعم السدي أنه اسم رجل, ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلماً له أنه أصاب غلاماً, وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس, والله أعلم, وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى, ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة, وهو يريدها كما تقول العرب: يا نفس اصبري ويا غلام أقبل, بحذف حرف الإضافة, ويجوز الكسر حينئذ والرفع, وهذا منه, وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي, والله أعلم.
وقوله: {وأسروه بضاعة} أي وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره, قاله مجاهد والسدي وابن جرير: هذا قول, وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {وأسروه بضاعة} يعني إخوة يوسف أسروا شأنه, وكتموا أن يكون أخاهم, وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته, واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم, فنادى أصحابه {يا بشرى هذا غلام} يباع فباعه إخوته.
وقوله: {والله عليم بما يعملون} أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه, وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه, ولكن له حكمة وقدر سابق, فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك, وأنا قادر على الإنكار عليهم, ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم, كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.
وقوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله مجاهد وعكرمة والبخس: هو النقص, كما قال تعالى: {فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل, ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه, بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله: {وشروه} عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. والأول أقوى, لأن قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة, لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة, ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه, فترجح من هذا أن الضمير في {شروه} إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله {بخس} الحرام. وقيل: الظلم, هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا, لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم, وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما, أي إنهم إخوته وقد باعوه, ومع هذا بأنقص الأثمان, ولهذا قال {دراهم معدودة}, فعن ابن مسعود رضي الله عنه: باعوه بعشرين درهماً, وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي, وزاد اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهماً. وقال الضحاك في قوله {وكانوا فيه من الزاهدين} وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل, وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق, حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر ؟ فاشتراه الملك وكان مسلماً.


** وَقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىَ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكّنّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه, وأوصى أهله به, وتوسم فيه الخير والصلاح, فقال لامرأته {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير. حدثنا العوفي عن ابن عباس وكان اسمه قطفير, وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز, وكان على خزائن مصر, وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق, قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل, وقال غيره: اسمها زليخا, وقال محمد بن إسحاق أيضاً, عن محمد بن السائب, عن أبي صالح, عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم, فالله أعلم. وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: {أكرمي مثواه}, والمرأة التي قالت لأبيها {يا أبت استأجره} الاَية, وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. يقول تعالى: كما أنقذنا يوسف من إخوته {كذلك مكنا ليوسف في الأرض} يعني بلاد مصر {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}.
قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا {والله غالب على أمره} أي إذا أراد شيئاً فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف, بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: {والله غالب على أمره}: أي فعال لما يشاء. وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يقول: لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد, وقوله: {ولما بلغ} أي يوسف عليه السلام {أشده} أي استكمل عقله وتم خلقه {آتيناه حكماً وعلماً} يعني النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام {وكذلك نجزي المحسنين} أي إنه كان محسناً في عمله عاملاً بطاعة الله تعالى, وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده, فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون, وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشد الحلم, وقيل غير ذلك, والله أعلم.


** وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نّفْسِهِ وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنّهُ رَبّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر, وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه, فراودته عن نفسه, أي حاولته على نفسه ودعته إليها, وذلك انها أحبته حباً شديداً لجماله وحسنه وبهائه, فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها, {وقالت هيت لك} فامتنع من ذلك أشد الامتناع, و{قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير, أي إن بعلك ربي أحسن مثواي أي منزلى, وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله {إنه لا يفلح الظالمون}, قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقد اختلف القراء في قوله: {هيت لك} فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء, وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: هيت لك, تقول هلم لك, وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة. قال عمرو بن عبيد عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية, أي عليك. وقال السدي: هيت لك, أي هلم لك, وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها. وقال البخاري: وقال عكرمة: هيت لك, أي هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقاً.
وقد أسنده الإمام جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سهل الواسطي, حدثنا قرة بن عيسى, حدثنا النضر بن عربي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {هيت لك} قال: هلم لك, قال: هي بالحورانية, وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة, يعني هيت لك, ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز, ومعناها تعال. وقال أبو عبيدة: سألت شيخاً عالماً من أهل حوران, فذكر أنها لغتهم يعرفها, واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أبلغ أمير المؤمنــين أذى العراق إذا أتينا
إن العراق وأهلهعنق إليك فهيت هيتا
يقول: فتعال واقترب, وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء, بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هئة, وممن روى عنه هذه القراءة: ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة, وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة, وقرأ عبد الله بن إسحاق: هيت بفتح الهاء وكسر التاء, وهي غريبة, وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء, وأنشد قول الشاعر:
ليس قومي بالأبعدين إذا ماقال داع من العشيرة هيت
قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري, عن الأعمش, عن أبي وائل, قال: قال ابن مسعود وقد سمع القراء: سمعتهم متقاربين, فاقرءوا كما علمتم, وإياكم والتنطع والاختلاف, وإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم قرأ عبد الله: هيت لك, فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناساً يقرءونها هيت. قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحب إليّ. وقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع, حدثنا ابن عيينة عن منصور, عن أبي وائل, قال: قال عبد الله: هيت لك, فقال له مسروق: إن ناساً يقرءونها: هيت لك, فقال: دعوني فإني أقرأ كما أقرئت, أحب إليّ, وقال أيضاً: حدثني المثنى, حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا شعبة عن شقيق, عن ابن مسعود, قال: هيت لك بنصب الهاء والتاء, ولا نهمز. وقال آخرون: هيت لك بكسر الهاء, وإسكان الياء, وضم التاء. قال أبو عبيد معمر بن المثنى: هيت لا تثنى, ولا تجمع, ولا تؤنث, بل يخاطب الجميع بلفظ واحد, فيقال: هيت لك, وهيت لكم, وهيت لكما, وهيت لكن, وهيت لهن.


** وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلآ أَن رّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام, وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره, والله أعلم. وقيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس, حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق, ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة, فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها, وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة, فإنما تركها من جرائي, فإن عملها فاكتبوها بمثلها», وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: هم بها لولا أن رأى برهان ربه أي فلم يهم بها, وفي هذا القول نظر من حيث العربية, حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضاً, فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك يعني سيده, وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن أبي مودود, سمعت من محمد بن كعب القرظي. قال رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت, فإذا كتاب في حائط البيت {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً}, وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد, عن أبي صخر, قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله {إن عليكم لحافظين} الاَية, وقوله: {وما تكون في شأن} الاَية, وقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي, وزاد آية رابعة {ولا تقربوا الزنا}. وقال الأوزاعي رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به, وجائز أن يكون صورة يعقوب, وجائز أن يكون صورة الملك, وجائز أن يكون ما رآه مكتوباً من الزجر عن ذلك, ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك, فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} أي كما أريناه برهاناً صرفه عما كان فيه, كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: {إنه من عبادنا المخلصين} أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار, صلوات الله وسلامه عليه.


** وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصّادِقِينَ * فَلَمّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنّهُ مِن كَيْدِكُنّ إِنّ كَيْدَكُنّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب, والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت, فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه, فقدّتْه قداً فظيعاً, يقال: إنه سقط عنه واستمر يوسف هارباً ذاهباً, وهي في أثره, فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب, فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها, وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها {ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً} أي فاحشة {إلا أن يسجن} أي يحبس, {أو عذاب أليم} أي يضرب ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق, وتبرأ مما رمته به من الخيانة, و{قال} باراً صادقاً {هي راودتني عن نفسي} وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل} أي من قدامه {فصدقت} أي في قولها إنه راودها عن نفسها, لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره, فقدّت قميصه فيصح ما قالت {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته, أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه, وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير ؟ على قولين لعلماء السلف, فقال عبد الرزاق, أخبرنا إسرائيل عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس {وشهد شاهد من أهلها} قال ذو لحية, وقال الثوري, عن جابر, عن ابن أبي مليكة, عن ابن عباس: كان من خاصة الملك, وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلاً. وقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله {وشهد شاهد من أهلها} قال: كان صبياً في المهد, وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه كان صبياً في الدار, واختاره ابن جرير: وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد, حدثنا عفان, حدثنا حماد هو ابن سلمة, أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكلم أربعة وهم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف, ورواه غيره عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن سعيد, عن ابن عباس أنه قال «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون, وشاهد يوسف, وصاحب جريج, وعيسى ابن مريم». وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى, ولم يكن إنسياً وهذا قول غريب.
وقوله: {فلما رأى قميصه قدّ من دبر} أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به {قال إنه من كيدكن} أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن {إن كيدكن عظيم}, ثم قال آمراً ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع {يوسف أعرض عن هذا} أي اضرب عن هذا صفحاً, أي فلا تذكره لأحد.
{واستغفري لذنبك} يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلاً أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه {إنك كنت من الخاطئين}.


** وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئاً وَآتَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مّنْهُنّ سِكّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنّ وَقُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا هَـَذَا بَشَراً إِنْ هَـَذَآ إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنّ الّذِي لُمْتُنّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتّهُ عَن نّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنّ وَلَيَكُوناً مّن الصّاغِرِينَ * قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبّ إِلَيّ مِمّا يَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنّ أَصْبُ إِلَيْهِنّ وَأَكُن مّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنّ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز, شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس {وقال نسوة في المدينة} مثل نساء الكبراء والأمراء, ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير ويعبن ذلك عليها {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها {قد شغفها حباً} أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه. قال الضحاك عن ابن عباس: الشغف الحب القاتل, والشغف دون ذلك, والشغاف حجاب القلب «إنا لنراها في ضلال مبين} أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه, {فلما سمعت بمكرهن} قال بعضهم: بقولهن ذهب الحب بها, وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف, فأحببن أن يرينه, فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته, فعند ذلك {أرسلت إليهن} أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن {وأعتدت لهن متكأ}. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم: هو المجلس المعد فيه مفارش, ومخاد, وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه, ولهذا قال تعالى: {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته {وقالت اخرج عليهن} وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر {فلما} خرج {ورأينه أكبرنه} أي أعظمنه أي أعظمن شأنه, وأجللن قدره, وجعلن يقطعن أيديهن دهشاً برؤيته, وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين, والمراد أنهن حززن أيديهن بها, قاله غير واحد, وعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها, فالله أعلم.
وقد ذكر غير واحد أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن, ثم وضعت بين أيديهن أترجاً وآتت كل واحدة منهن سكيناً: هل لكن في النظر إلى يوسف ؟ قلن: نعم, فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن, فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن, ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلاً ومدبراً, فرجع وهن يحززن في أيديهن, فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن, فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا, فكيف ألام أنا ؟ {وقلن حاشى لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم} ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا, لأنهن لم يرين في البشر شبيهه ولا قريباً منه, فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة, قال «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن» وقال حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن». وقال سفيان الثوري, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. وقال أبو إسحاق أيضاً, عن أبي الأحوص, عن عبد الله, قال: كان وجه يوسف مثل البرق, وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:37 مساء   رقم المشاركة : [37]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

تفتتن به. ورواه الحسن البصري مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا, وأعطي الناس الثلثين», أو قال «أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث». وقال سفيان, عن منصور, عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن, والنصف الاَخر بين سائر الخلق.
وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف عليه السلام كان على النصف من حسن آدم عليه السلام, فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها, ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله, وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه, فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته {حاشى لله}. قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله {ما هذا بشراً}, وقرأ بعضهم ما هذا بشري أي بمشترى بشراء {إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله, {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي فامتنع. قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن, وهي العفة مع هذا الجمال, ثم قالت تتوعده {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين} فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام من شرهن وكيدهن, و{قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} أي من الفاحشة {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضراً ولا نفعاً إلا بحولك وقوتك, أنت المستعان وعليك التكلان, فلا تكلني إلى نفسي {أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه} الاَية, وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة, وحماه فامتنع منها أشد الامتناع, واختار السجن على ذلك, وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته, وهي امرأة عزيز مصر, وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة, ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه.
ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه, ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه, ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله, ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».


** ثُمّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الاَيَاتِ لَيَسْجُنُنّهُ حَتّىَ حِينٍ
يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين, أي إلى مدة, وذلك بعد ما عرفوا براءته وظهرت الاَيات, وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته, وكأنهم ـ والله أعلم ـ إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاماً أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة. فلما تقرر ذلك, خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه. وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه, ويبرأ عرضه فيفضحها.


** وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الاَخَرُ إِنّي أَرَانِيَ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك, والاَخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبوا والاَخر مجلث. قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالاَ على سمه في طعامه وشرابه, وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة, وصدق الحديث, وحسن السمت, وكثرة العبادة, صلوات الله عليه وسلامه. ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن, وعيادة مرضاهم, والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حباً شديداً وقالا له: والله لقد أحببناك حباً زائداً. قال: بارك الله فيكما, إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر, أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها, وأحبني أبي فأوذيت بسببه, وأحبتني امرأة العزيز فكذلك, فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك, ثم إنهما رأيا مناماً فرأى الساقي أنه يعصر خمراً يعني عنباً, وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: إني أراني أعصر عنباً.
ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان, عن يزيد بن هارون, عن شريك, عن الأعمش, عن زيد بن وهب, عن ابن مسعود أنه قرأها: أعصر عنباً: وقال الضحاك في قوله {إني أراني أعصر خمراً} يعني عنباً, قال: وأهل عمان يسمون العنب خمراً, وقال عكرمة: قال له: إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب, فنبتت فخرج فيها عناقيد, فعصرتهن ثم سقيتهن الملك, فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمراً, وقال الاَخر وهو الخباز {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطيرمنه نبئنا بتأويله} الاَية, والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناماً وطلبا تعبيره. وقال ابن جرير: حدثنا وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئاً, إنما كان تحالماً ليجربا عليه.


** قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاّ نَبّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمّا عَلّمَنِي رَبّيَ إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَآئِـيَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في المنام من حلم فإنه عارف بتفسيره يخبرهما بتأويله قبل وقوعه, ولهذا قال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله}. ومجاهد: يقول {لا يأتيكما طعام ترزقانه} في يومكما {إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما}, وكذا قال السدي. وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا محمد بن العلاء, حدثنا محمد بن يزيد شيخ له, عن الحسن بن ثوبان, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف عليه السلام كان يعتاف وهو كذلك, لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} قال: إذا جاء الطعام حلواً أو مراً اعتاف عند ذلك. ثم قال ابن عباس: إنما علم فعلم, وهذا أثر غريب, ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي, لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الاَخر, فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} الاَية, يقول: هجرت طريق الكفر والشرك, وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى, واتبع طريق المرسلين, وأعرض عن طريق الضالين, فإن الله يهدي قلبه, ويعلمه ما لم يكن يعلم, ويجعله إماماً يقتدى به في الخير, وداعياً إلى سبيل الرشاد {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له {من فضل الله علينا} أي أوحاه إلينا وأمرنا به. {وعلى الناس} إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك {ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون} أي لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم, بل {بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية, حدثنا حجاج عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أباً ويقول: والله فمن شاء لاعنته عند الحجر, ما ذكر الله جداً ولا جدة, قال الله تعالى يعني إخباراً عن يوسف: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب}.


** يَصَاحِبَيِ السّجْنِ أَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مّآ أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
ثم إنّ يوسف عليه السلام أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له, وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما, فقال: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} أي الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه, ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم, وتسمية من تلقاء أنفسهم, تلقاها خلفهم عن سلفهم, وليس لذلك مستند من عند الله, ولهذا قال: {ما أنزل الله بها من سلطان} أي حجة ولا برهان, ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله, وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه, ثم قال تعالى: {ذلك الدين القيم} أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له, هو الدين المستقيم الذي أمر الله به, وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي فلهذا كان أكثرهم مشركين, {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}. وقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا, لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما, فأحب أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها. فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة, وفي هذا الذي قاله نظر, لأنه قد وعدهما أولاً بتعبيرها, ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسبباً إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام, لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه, ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال:)


** يَصَاحِبَيِ السّجْنِ أَمّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْراً وَأَمّا الاَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطّيْرُ مِن رّأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
يقول لهما {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} وهو الذي رأى أنه يعصر خمراً, ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك, ولهذا أبهمه في قوله {وأما الاَخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً, ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه, وهو واقع لا محالة, لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت, وقال الثوري: عن عمارة بن القعقاع, عن إبراهيم عن عبد الله قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما, قالا: ما رأينا شيئاً, فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ورواه محمد بن فضيل عن عمارة, عن إبراهيم, عن علقمة, عن ابن مسعود به, وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم, وحاصله أن من تحلم بباطل, وفسره فإنه يلزم بتأويله, والله تعالى أعلم, وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر, فإذا عبرت وقعت» وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي, عن أنس مرفوعاً «الرؤيا لأول عابر».


** وَقَالَ لِلّذِي ظَنّ أَنّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبّكَ فَأَنْسَاهُ الشّيْطَانُ ذِكْرَ رَبّهِ فَلَبِثَ فِي السّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج, قال له يوسف خفية عن الاَخر, والله أعلم ـ لئلا يشعره أنه المصلوب ـ قال له {اذكرني عند ربك} يقول: اذكر قصتي عند ربك, وهو الملك, فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك, وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن, هذا هو الصواب أن الضمير في قوله {فأنساه الشيطان ذكر ربه} عائد على الناجي, كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد. ويقال: إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضاً وعكرمة وغيرهم, وأسند ابن جرير ههنا حديثاً فقال: حدثنا ابن وكيع, حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس مرفوعاً, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم يقل ـ يعني يوسف ـ الكلمة التي قال, ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله», وهذا الحديث ضعيف جداً, لأن سفيان بن وكيع ضعيف, وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي أضعف منه أيضاً. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلاً عن كل منهما, وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن, والله أعلم.
وأما البضع فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعاً, ويوسف في السجن سبعاً, وعذب بختنصر سبعاً, وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {فلبث في السجن بضع سنين} قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.


** وَقَالَ الْمَلِكُ إِنّيَ أَرَىَ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوَاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلاَمِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادّكَرَ بَعْدَ أُمّةٍ أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيّهَا الصّدّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لّعَلّيَ أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مّمّا تَأْكُلُونَ * ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدّمْتُمْ لَهُنّ إِلاّ قَلِيلاً مّمّا تُحْصِنُونَ * ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سبباً لخروج يوسف عليه السلام من السجن, معززاً مكرماً, وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا, فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها, فجمع الكهنة والحذاة وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها, فلم يعرفوا ذلك, واعتذروا إليه بأنها {أضغاث أحلام} أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها, وهو تعبيرها, فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف, وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك, فعند ذلك تذكر بعد أمة, أي مدة, وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان, فقال لهم, أي للملك والذين جمعهم لذلك {أنا أنبئكم بتأويله} أي بتأويل هذا المنام, {فأرسلون} أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن, ومعنى الكلام فبعثوه فجاءه, فقال: {يوسف أيها الصديق أفتنا} وذكر المنام الذي رآه الملك, فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به, ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك, بل قال: {تزرعون سبع سنين دأباً} أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع, وهن السنبلات الخضر, ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين, فقال {فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون} أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب, فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه, وليكن قليلاً قليلاً, لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد, وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات, وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان, لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب, وهن السنبلات اليابسات, وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئاً, وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء, ولهذا قال: {يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون} ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس, أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد, ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه, وسكر ونحوه, حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضاً. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وفيه يعصرون} يحلبون.


** وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جَآءَهُ الرّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىَ رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّسْوَةِ اللاّتِي قَطّعْنَ أَيْدِيَهُنّ إِنّ رَبّي بِكَيْدِهِنّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنّ إِذْ رَاوَدتُنّ يُوسُفَ عَن نّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوَءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن نّفْسِهِ وَإِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَآ أُبَرّىءُ نَفْسِيَ إِنّ النّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسّوَءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبّيَ إِنّ رَبّي غَفُورٌ رّحِيمٌ
يقول تعالى إخباراً عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه, فعرف فضل يوسف عليه السلام, وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه, وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه, فقال: {ائتوني به} أي أخرجوه من السجن وأحضروه, فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز, وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه, بل كان ظلماً وعدواناً, فقال: {ارجع إلى ربك} الاَية. وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره, صلوات الله وسلامه عليه, ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال {رب أرني كيف تحيي الموتى} الاَية, ويرحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد, ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي», وفي لفظ لأحمد: حدثنا عفان, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت أنا, لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر».
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار, عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان, ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني, ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه, والله يغفر له حين أتاه الرسول, ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب, ولكنه أراد أن يكون له العذر», هذا حديث مرسل. وقوله تعالى: {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز, فقال مخاطباً لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره, وهو العزيز, قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن {ما خطبكن} أي شأنكن وخبركن {إذ راودتن يوسف عن نفسه} يعني يوم الضيافة, {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} أي قالت النسوة جواباً للملك: حاش لله أن يكون يوسف متهماً, والله ما علمنا عليه من سوء, فعند ذلك {قالت امرأة العزيز الاَن حصحص الحق} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول الاَن تبين الحق وظهر وبرز, {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} أي في قوله: {هي راودتني عن نفسي} {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر, ولا وقع المحذور الأكبر, وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع, فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرىء نفسي} تقول المرأة: ولست أبرىء نفسي, فإن النفس تتحدث وتتمنى, ولهذا راودته لأن {النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} أي إلا من عصمه الله تعالى: {إن ربي غفور رحيم} وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.
وقد حكاه الماوردي في تفسيره, وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله, فأفرده بتصنيف على حدة, وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول: {ذلك ليعلم أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب} الاَيتين, أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي, وليعلم العزيز {أني لم أخنه} في زوجته {بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} الاَية, وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الاَن حصحص الحق} الاَية, قال يوسف {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فقال جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به ؟ فقال {وما أبرىء نفسي} الاَية, وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي, والقول الأول أقوى وأظهر, لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك, ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم, بل بعد ذلك أحضره الملك.


** وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلّمَهُ قَالَ إِنّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىَ خَزَآئِنِ الأرْضِ إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
يقول تعالى إخباراً عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه, قال {ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي أجعله من خاصتي وأهل مشورتي {فلما كلمه} أي خاطبه الملك, وعرفه, ورأى فضله وبراعته, وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال, قال له الملك {إنك اليوم لدينا مكين أمين} أي إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة, فقال يوسف عليه السلام {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} مدح نفسه, ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة, وذكر أنه {حفيظ} أي خازن أمين, {عليم} ذو علم وبصيرة بما يتولاه. وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني, عليم بسني الجدب, رواه ابن أبي حاتم, وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ولما فيه من المصالح للناس, وإنما سأله أن يجعله على خزائن الأرض, وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات, لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها, فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد, فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له ولهذا قال تعالى:)


** وَكَذَلِكَ مَكّنّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلأجْرُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ لّلّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتّقُونَ
يقول تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} أي أرض مصر, {يتبوأ منها حيث يشاء} قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلاً حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار, {نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} أي وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز, فلهذا أعقبه الله عز وجل السلام والنصر والتأييد, {ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الاَخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام في الدار الاَخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا, كقوله في حق سليمان عليه السلام {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} والغرض أن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته, وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام, قاله مجاهد.
وقال محمد بن إسحاق: لما قال يوسف للملك: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} قال الملك: قد فعلت, فولاه فيما ذكروا عمل اطفير, وعزل اطفير عما كان عليه, يقول الله عز وجل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} قال: فذكر لي ـ والله أعلم ـ أن اطفير هلك في تلك الليالي, وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة اطفير راعيل, وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين ؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق لا تلمني, فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا, وكان صاحبي لا يأتي النساء, وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت, فيزعمون أنه وجدها عذراء, فأصابها, فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف, وميشا بن يوسف, وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون, ورحمة امرأة أيوب عليه السلام, وقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف, فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته, والملوك عبيداً بمعصيته.


** وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمّا جَهّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّيَ أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِن لّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انْقَلَبُوَاْ إِلَىَ أَهْلِهِمْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ
ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر, أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع السنين المخصبة, ثم تلتها السبع السنين المجدبة, وعم القحط بلاد مصر بكمالها, ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده, وحينئذ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلاتهم, وجمعها أحسن جمع, فحصل من ذلك مبلغ عظيم وهدايا متعددة هائلة, وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات, يمتارون لأنفسهم وعيالهم, فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة, وكان عليه السلام, لا يشبع نفسه, ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار, حتى يتكفا الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين, وكان رحمة من الله على أهل مصر.
وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال, وفي الثانية بالمتاع, وفي الثالثة بكذا, وفي الرابعة بكذا, حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون, ثم أعتقهم ورد عليهم أموالهم كلها, الله أعلم بصحة ذلك, وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب, والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك, فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه, فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاماً, وركبوا عشرة نفر, واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف عليه السلام, وكان أحب ولده إليه بعد يوسف, فلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته, عرفهم حين نظر إليهم, وهم له منكرون أي لا يعرفونه, لأنهم فارقوه وهو صغير حدث, وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به, ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه, فلهذا لم يعرفوه, وأما هو فعرفهم. فذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم, فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي ؟ فقالوا: أيها العزيز إنا قدمنا للميرة, قال: فلعلكم عيون ؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم ؟ قالوا من بلاد كنعان, وأبونا يعقوب نبي الله. قال: وله أولاد غيركم ؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر, فذهب أصغرنا, هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه, وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه, فأمر بإنزالهم وإكرامهم {ولما جهزهم بجهازهم} أي أوفى لهم كيلهم, وحمل لهم أحمالهم, قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ؟} يرغبهم في الرجوع إليه, ثم رهبهم فقال: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} الاَية, أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة, {ولا تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن, ولا نبقي مجهوداً لتعلم صدقنا فيما قلناه, وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم, وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيراً, وهذا لحرصه على رجوعهم, {وقال لفتيانه} أي غلمانه {اجعلوا بضاعتهم} أي التي قدموا بها ليمتاروا عوضاً عنها {في رحالهم} أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون, {لعلهم يرجعون} بها, قيل: خشي يوسف عليه السلام أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها. وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضاً عن الطعام, وقيل أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجاً وتورعاً, لأنه يعلم ذلك منهم والله أعلم.


** فَلَمّا رَجِعُوا إِلَىَ أَبِيهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مُنِعَ مِنّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىَ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ
يقول الله تعالى عنهم: إنهم رجعوا إلى أبيهم {قالوا يا أبانا منع منا الكيل} يعنون بعد هذه المرة, إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين لا نكتل, فأرسله معنا نكتل, وإنا له لحافظون, قرأ بعضهم بالياء أي يكتل هو, {وإنا له لحافظون} أي لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك, وهذا كما قالوا له في يوسف {أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون} ولهذا قال لهم: {هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل} أي هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل, تغيبونه عني, وتحولون بيني وبينه ؟ {فا لله خير حافظاً} وقرأ بعضهم حفظاً {وهو أرحم الراحمين} أي هو أرحم الراحمين بي, وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي, وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي به, إنه أرحم الراحمين.


** وَلَمّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّىَ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مّنَ اللّهِ لَتَأْتُنّنِي بِهِ إِلاّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَىَ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم, وجدوا بضاعتهم ردت إليهم, وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم, فلما وجدوها في متاعهم {قالوا يا أبانا ما نبغي} أي ماذا نريد {هذه بضاعتنا ردت إلينا}, كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا, إن بضاعتنا ردت إلينا, وقد أوفى لنا الكيل, {ونمير أهلنا} أي إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا, {ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير} وذلك أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل رجل حمل بعير, وقال مجاهد: حمل حمار, وقد يسمى في بعض اللغات بعيراً, كذا قال {ذلك كيل يسير} هذا من تمام الكلام وتحسينه, أي إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا {قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله} أي تحلفون بالعهود والمواثيق {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم} إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه {فلما آتوه موثقهم} أكده عليهم, فقال: {الله على ما نقول وكيل}, قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بداً من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها, فبعثه معهم.


** وَقَالَ يَبَنِيّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ * وَلَمّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلّمْنَاهُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
يقول تعالى إخباراً عن يعقوب عليه السلام, إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد, وليدخلوا من أبواب متفرقة, فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد إنه: خشي عليهم العين, وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة, ومنظر وبهاء, فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم, فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه, وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله {وادخلوا من أبواب متفرقة} قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب. وقوله {وما أغني عنكم من الله من شيء} أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه, فإن الله إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع, {إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون * ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} قالوا: هي دفع إصابة العين لهم {وإنه لذو علم لما علمناه} قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه. وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


** وَلَمّا دَخَلُواْ عَلَىَ يُوسُفَ آوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنّيَ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين, وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته, وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان, واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له, وعرفه أنه أخوه, وقال له: لا تبتئس, أي لا تأسف على ما صنعوا بي, وأمره بكتمان ذلك عنهم, وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه, وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززاً مكرّماً معظماً.


** فَلَمّا جَهّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمّ أَذّنَ مُؤَذّنٌ أَيّتُهَا الْعِيرُ إِنّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ
لما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعاماً, أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية, وهي إناء من فضة في قول الأكثرين, وقيل: من ذهب, قال ابن زيد, كان يشرب فيه, ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد, وقال شعبة عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: صواع الملك, قال: كان من فضة يشربون فيه, وكان مثل المكوك, وكان للعباس مثله في الجاهلية, فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد, ثم نادى مناد بينهم {أيتها العير إنكم لسارقون} فالتفتوا إلى المنادي وقالوا {ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك} أي صاعه الذي يكيل به {ولمن جاء به حمل بعير} وهذا من باب الجعالة, {وأنا به زعيم} وهذا من باب الضمان والكفالة.


** قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ * قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة, قال لهم إخوة يوسف {تا لله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا, لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا {ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة, فقال لهم الفتيان {فما جزاؤه} أي السارق إن كان فيكم {إن كنتم كاذبين} أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه ؟ {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين} وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام, أن السارق يدفع إلى المسروق منه, وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام, ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه, أي فتشها قبله تورية, {ثم استخرجها من وعاء أخيه} فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم, وإلزاماً لهم بما يعتقدونه, ولهذا قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف} وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه, لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.
وقوله: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره, وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه, وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم, ولهذا مدحه الله تعالى فقال: {نرفع درجات من نشاء} كما قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم} الاَية, {وفوق كل ذي علم عليم} قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل, وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري, عن عبد الأعلى الثعلبي, عن سعيد بن جبير, قال: كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب, فتعجب رجل فقال: الحمد لله فوق كل ذي علم عليم, فقال ابن عباس: بئس ما قلت: الله العليم فوق كل عالم, وكذا روى سماك عن عكرمة, عن ابن عباس {وفوق كل ذي علم عليم} قال: يكون هذا أعلم من هذا, وهذا أعلم من هذا, والله فوق كل عالم, وهكذا قال عكرمة, وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم, حتى ينتهي العلم إلى الله, منه بدىء, وتعلمت العلماء, وإليه يعود, وفي قراءة عبد الله, وفوق كل عالم عليم.


** قَالُوَاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرّ مّكَاناً وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ
وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} يتنصلون إلى العزيز من التشبه به, ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل, يعنون به يوسف عليه السلام. قال سعيد بن جبير, عن قتادة: كان يوسف عليه السلام قد سرق صنماً لجده أبي أمه فكسره, وقال محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق, وكانت أكبر ولد إسحاق, وكانت عندها منطقة إسحاق, وكانوا يتوارثونها بالكبر, فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلماً لا ينازع فيه, يصنع فيه ما يشاء, وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته, وكان لها به وله, فلم تحب أحداً حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات, تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام, فأتاها فقال: يا أخية سلمي إليّ يوسف, فو الله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فو الله ما أنا بتاركته, ثم قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إليه, وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه, أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه, ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام, فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتمست, ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم, فوجدوها مع يوسف, فقالت: والله إنه لي لسلم, أصنع فيه ما شئت, فأتاه يعقوب, فأخبرته الخبر, فقال لها: أنت وذلك, إن كان فعل ذلك فهو سلم لك, ما أستطيع غير ذلك, فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت, قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}. وقوله: {فأسرها يوسف في نفسه} يعني الكلمة التي بعدها, وهي قوله: {أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون} أي تذكرون, قال هذا في نفسه ولم يبده لهم, وهذامن باب الإضمار قبل الذكر, وهو كثير, كقول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبروحسن فعل كما يجزي سنمار
وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها. قال العوفي عن ابن عباس {فأسرها يوسف في نفسه}, قال: أسر في نفسه {أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون}.


** قَالُواْ يَأَيّهَا الْعَزِيزُ إِنّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نّأْخُذَ إِلاّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنّـآ إِذاً لّظَالِمُونَ
لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم, شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم {فقالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً} يعنون وهو يحبه حباً شديداً ويتسلى به عن ولده الذي فقده {فخذ أحدنا مكانه} أي بدله يكون عندك عوضاً عنه, {إنا نراك من المحسنين} أي العادلين المنصفين القابلين للخير, {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} أي كما قلتم واعترفتم {إنا إذاً لظالمون} أي إن أخذنا بريئاً بسقيم.


** فَلَمّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوَاْ أَنّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مّوْثِقاً مّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتّىَ يَأْذَنَ لِيَ أَبِيَ أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوَاْ إِلَىَ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَأَبَانَا إِنّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الّتِيَ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنّا لَصَادِقُونَ
يخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه, وعاهدوه على ذلك, فامتنع عليهم ذلك {خلصوا} أي انفردوا عن الناس {نجياً} يتناجون فيما بينهم {قال كبيرهم} وهو روبيل, وقيل: يهوذا, وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله, قال لهم: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله} لتردنه إليه فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه {فلن أبرح الأرض} أي لن أفارق هذه البلدة {حتى يأذن لي أبي} في الرجوع إليه راضياً عني {أو يحكم الله لي} قيل: بالسيف, وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي {وهو خير الحاكمين}, ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع, حتى يكون عذراً لهم عنده, ويتنصلوا إليه ويبرؤا مما وقع بقولهم وقوله: {وما كنا للغيب حافظين} قال قتادة وعكرمة: ما علمنا أن ابنك سرق. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه سرق له شيئاً, إنما سألنا ما جزاء السارق ؟ {واسأل القرية التي كنا فيها}: قيل المراد مصر, قاله قتادة, وقيل غيرها, {والعير التي أقبلنا فيها} أي التي رافقناها, عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا, {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته.


** قَالَ بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّىَ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنّمَآ أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب {بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى, اتهمهم فظن أنها كفعلتهم بيوسف, قال: {بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتباً على فعلهم الأول, سحب حكم الأول عليه, وصح قوله: {بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل} ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه, إما أن يرضى عنه أبوه, فيأمره بالرجوع إليه, وإما أن يأخذ أخاه خفية, ولهذا قال: {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم} أي العليم بحالي, {الحكيم} في أفعاله وقضائه وقدره, {وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف} أي أعرض عن بنيه, وقال متذكراً حزن يوسف القديم الأول {يا أسفا على يوسف} جدد له حزن الابنين الحزن الدفين, قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن سفيان العصفري, عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع, ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام {يا أسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق, قاله قتادة وغيره. وقال الضحاك: فهو كظيم كئيب حزين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي. حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن, عن الأحنف بن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن داود عليه السلام قال: يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب, فاجعلني لهم رابعاً, فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر, وتلك بلية لم تنلك, وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر, وتلك بلية لم تنلك, وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر, وتلك بلية لم تنلك». وهذا مرسل وفيه نكارة, فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح, ولكن علي بن زيد بن جدعان له, مناكير وغرائب كثيرة, والله أعلم, وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس رحمه الله حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما, والله أعلم, فإن بني إسرائيل ينقلون أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رد ابنه, ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء, فإبراهيم ابتلي بالنار, وإسحاق بالذبح, ويعقوب بفراق يوسف, في حديث طويل لا يصح, والله أعلم, فعند ذلك رق له بنوه, وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: {تالله تفتؤ تذكر يوسف} أي لا تفارق تذكر يوسف {حتى تكون حرضاً} أي ضعيف القوة {أو تكون من الهالكين} يقولون إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} أي أجابهم عما قالوا بقوله: {إنما أشكو بثي وحزني} أي همي وما أنا فيه {إلى الله} وحده, {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أرجو منه كل خير, وعن ابن عباس {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يعني رؤيا يوسف أنها صدق, وأن الله لا بد أن يظهرها, وقال العوفي عنه في الاَية: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية عن حفص بن عمر بن أبي الزبير, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان ليعقوب النبي عليه السلام أخ مؤاخ له, فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك, وقوس ظهرك ؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف, وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين, فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري ؟ فقال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله, فقال جبريل عليه السلام: الله أعلم بما تشكو» وهذا حديث غريب فيه نكارة.


** يَبَنِيّ اذْهَبُواْ فَتَحَسّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رّوْحِ اللّهِ إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رّوْحِ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ * فَلَمّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَأَيّهَا الْعَزِيزُ مَسّنَا وَأَهْلَنَا الضّرّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدّقْ عَلَيْنَآ إِنّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدّقِينَ
يقول تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين, والتحسس يكون في الخير, والتجسس يكون في الشر, ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه, فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وقوله {فلما دخلوا عليه} تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر, ودخلوا على يوسف {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام, {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره, وهو ثمن قليل, قاله مجاهد والحسن وغير واحد. وقال ابن عباس: الرديء لا ينفق مثل خلق الغرارة والحبل والشيء, وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان, وكذا قال قتادة والسدي. وقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول. وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء, وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر, وأصل الإخاء الإزجاء لضعف الشيء, كما قال حاتم طيء:
لبيك على ملحان ضيف مدافعوأرملة تزجي مع الليل أرملا
وقال أعشى بني ثعلبة:
الواهب المائة الهجان وعبدهاعوذاً تزجي خلفها أطفالها
وقوله إخباراً عنهم {فأوف لنا الكيل} أي أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك, وقرأ ابن مسعود: فأوقر ركابنا وتصدق علينا. وقال ابن جريج: وتصدق علينا برد أخينا إلينا. وقال سعيد بن جبير والسدي {وتصدق علينا} يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة, وتجوز فيها. وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ألم تسمع قوله: {فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ؟} رواه ابن جرير عن الحارث, عن القاسم عنه. وقال ابن جرير: حدثنا الحارث, حدثنا القاسم, حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود, سمعت مجاهداً وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق علي ؟ قال: نعم, إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.


** قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوَاْ أَإِنّكَ لأنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـَذَا أَخِي قَدْ مَنّ اللّهُ عَلَيْنَآ إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ
يقول تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام, أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب, وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة, فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته, وبدره البكاء فتعرف إليهم, فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته, وكان فيها شامة, وقال {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} يعني كيف فرقوا بينه وبين أخيه {إذ أنتم جاهلون} أي إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه, كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل, وقرأ {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} الاَية, والظاهر ـ والله أعلم ـ أن يوسف عليه السلام إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك, كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك, والله أعلم ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر, فرج الله تعالى من ذلك الضيق, كما قال تعالى: {فإن مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً} فعند ذلك قالوا {أئنك لأنت يوسف ؟} وقرأ أبي بن كعب {إنك لأنت يوسف}, وقرأ ابن محيصن {أنت يوسف}, والقراءة المشهورة هي الأولى, لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه, فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: {أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي}.
وقوله: {قد منّ الله علينا} أي بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا} الاَية, يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضاً, على قول من لم يجعلهم أنبياء, وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه {قال لا تثريب عليكم اليوم} يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم, ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم, ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: {لا تثريب عليكم اليوم} يقول: لا أذكر لكم ذنبكم: وقال ابن إسحاق والثوري {لاتثريب عليكم} أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم, {يغفر الله لكم} أي يستر الله عليكم فيما فعلتم {وهو أرحم الراحمين}.


** اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىَ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ * قَالُواْ تَاللّهِ إِنّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ
يقول: اذهبوا بهذا القميص {فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً} وكان قد عمي من كثرة البكاء, {وأتوني بأهلكم أجمعين} أي بجميع بني يعقوب, {ولما فصلت العير} أي خرجت من مصر {قال أبوهم} يعني يعقوب عليه السلام لمن بقي عنده من بنيه {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} تنسبوني إلى الفند والكبر قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان, عن عبد الله بن أبي الهذيل, قال: سمعت ابن عباس يقول: ولما فصلت العير, قال: لما خرجت العير هاجت ريح, فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف, فقال {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام, وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخاً, وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة.
وقوله {لولا أن تفندون} قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير تسفهون وقال مجاهد أيضاً والحسن: تهرمون. وقولهم {إنك لفي ضلالك القديم} قال ابن عباس: لفي خطئك القديم. وقال قتادة: أي من حب يوسف لا تنساه ولاتسلاه, قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم, وكذا قال السدي وغيره.


** فَلَمّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىَ وَجْهِهِ فَارْتَدّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ إِنّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يَأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّيَ إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ
قال ابن عباس والضحاك: {البشير} البريد. وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب, قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب, فأحب أن يغسل ذلك بهذا, فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيراً, وقال لبنيه عند ذلك {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم أن الله سيرده إلي, وقلت لكم: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون} فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} أي من تاب إليه تاب عليه, قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب, حدثنا ابن إدريس, سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبت, وأمرتني فأطعت, وهذا السحر فاغفر لي. قال فاستمع الصوت, فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود, فسأل عبد الله عن ذلك, فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله {سوف أستغفر لكم ربي} وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة, كما قال ابن جرير أيضاً: حدثني المثنى, حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أيوب الدمشقي, حدثنا الوليد, أنبأنا ابن جريج عن عطاء, وعكرمة عن ابن عباس, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {سوف أستغفر لكم ربي} يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة, وهو قول أخي يعقوب لبنيه «وهذا غريب من هذا الوجه, وفي رفعه نظر, والله أعلم».


** فَلَمّا دَخَلُواْ عَلَىَ يُوسُفَ آوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّواْ لَهُ سُجّدَاً وَقَالَ يَأَبَتِ هَـَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نّزغَ الشّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيَ إِنّ رَبّي لَطِيفٌ لّمَا يَشَآءُ إِنّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
يخبر تعالى عن ورود يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام, وقدومه بلاد مصر, لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين, فتحملوا عن آخرهم, وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر, فلما أخبر يوسف عليه السلام باقترابهم, خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب عليه السلام, ويقال: إن الملك خرج أيضاً لتلقيه, وهو الأشبه, وقد أشكل قوله: {آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر} على كثير من المفسرين, فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر, ومعنى الكلام {وقال اخلوا مصر إن شاء الله آمنين} وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش, ورد ابن جرير هذا, وأجاد في ذلك, ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما, ثم لما وصلوا باب البلد قال: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} وفي هذا نظر أيضا, لأن الإيواء إنما يكون في المنزل, كقوله {آوى إليه أخاه} وفي الحديث «من آوى محدثاً» وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر, وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين, أي مما كنتم فيه من الجهد والقحط, ويقال ـ والله أعلم ـ إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم, كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة حين قال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه, وأرسلوا أبا سفيان في ذلك, فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليه السلام.
وقوله: {آوى إليه أبويه} قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته, وكانت أمه قد ماتت قديماً. وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان, قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أمه, وظاهر القرآن يدل على حياتها, وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق. وقوله: {ورفع أبويه على العرش} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني السرير, أي أجلسهما معه على سريره, {وخروا له سجداً} أي سجد له أبواه وإخوته الباقون. وكانوا أحد عشر رجلاً, {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} أي التي كان قصها على أبيه من قبل, {إني رأيت أحد عشر كوكباً} الاَية, وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له, ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام, فحرم هذا في هذه الملة, وجعل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى, هذا مضمون قول قتادة وغيره.
وفي الحديث أن معاذاً قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم, فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ما هذا يا معاذ ؟» فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم, وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله, فقال: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد, لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة, وكان سلمان حديث عهد بالإسلام, فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تسجد لي يا سلمان, واسجد للحي الذي لا يموت», والغرض أن هذا كان جائزاً في شريعتهم, ولهذا خروا له سجداً, فعندها قال يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} أي هذا ما آل إليه الأمر, فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر, كما قال تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} أي يوم القيامة يأتيتهم ما وعدوا به من خير وشر.
وقوله: {قد جعلها ربي حقاً} أي صحيحة صدقاً يذكر نعم الله عليه, {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} أي البادية. قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية, وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام, قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى, وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل, {من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء} أي إذا أراد أمراً قيض له أسباباً وقدره ويسره {إنه هو العليم} بمصالح عباده, {الحكيم} في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال أبو عثمان النهدي, عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة, قال عبد الله بن شداد: وإليها ينتهي أقصى الرؤيا, رواه ابن جرير, وقال أيضاً: حدثنا عمر بن علي, حدثنا عبد الوهاب الثقفي, حدثنا هشام عن الحسن قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة, لم يفارق الحزن قلبه, ودموعه تجري على خديه, وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب.
وقال هشيم, عن يونس, عن الحسن: ثلاث وثمانون سنة, وقال مبارك بن فضالة, عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة, فغاب عن أبيه ثمانين سنة, وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة, فمات وله عشرون ومائة سنة, وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة. وقال محمد بن إسحاق: ذكر ـ والله أعلم ـ أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة, قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها, وأن يعقوب عليه السلام بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة, ثم قبضه الله إليه. وقال أبو إسحاق السبيعي, عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود, قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنساناً, وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً, وقال أبو إسحاق, عن مسروق: دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون بين رجل وامرأة, فا لله أعلم. وقال موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنساناً: صغيرهم وكبيرهم, وذكرهم وأنثاهم, وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف.


** رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنتَ وَلِيّي فِي الدّنُيَا وَالاَخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ
هذا دعاء من يوسف الصديق, دعا به ربه عز وجل لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته, وما منّ الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الاَخرة, وأن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه, قاله الضحاك: وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام, قاله عند اختصاره, كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: {اللهم في الرفيق الأعلى} ثلاثاً, ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله, وانقضى عمره, لا أنه سأله ذلك منجزاً كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام, ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين, وتوفنا مسلمين, وألحقنا بالصالحين, ويحتمل أنه سأل ذلك منجزاً, وكان ذلك سائغاً في ملتهم, كما قال قتادة قوله: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} لما جمع الله شمله وأقر عينه, وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها, اشتاق إلى الصالحين قبله.
وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام, وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك , وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام, كما أن نوحاً أول من قال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً} ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك, وهو ظاهر سياق قول قتادة, ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنياً الموت, فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» وأخرجاه في الصحيحين, وعندهما «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسناً فيزداد, وإِما مسيئاً فلعله يستعتب, ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إِذا كانت الوفاة خيراً لي».
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا معان بن رفاعة, حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا, فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء, وقال: يا ليتني مت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟» فردد ذلك ثلاث مرات, ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة, فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك» وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا أبو يونس, وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله, فإِنه إِذا مات أحدكم انقطع عنه عمره, وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً» تفرد به أحمد, وهذا فيما إذا كان الضر خاصاً به, وأما إِذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت, كما قال الله تعالى إِخباراً عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل {قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين} وقالت مريم لما أجاءهاالمخاض, وهو الطلق, إلى جذع النخلة: {يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً} لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة, لأنها لم تكن ذات زوج, وقد حملت ووضعت, وقد قالوا: {يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمّك بغياً} فجعل الله لها من ذلك الحال فرجاً ومخرجاً, وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله, فكان آية عظيمة, ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه «وإِذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون».
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة, أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة, عن محمود بن لبيد مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتن, ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت, ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ولا يزداد الأمر إِلا شدة, فقال: اللهم خذني إليك, فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله: لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى, قال: اللهم توفني إِليك. وفي الحديث «إن الرجل ليمربالقبر ـ أي في زمان الدجال ـ فيقول: يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن. والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون. قال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بَني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا, استغفر لهم أبوهم, فتاب الله عليهم, وعفا عنهم, وغفر لهم ذنوبهم.

(ذكر من قال ذلك)
حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثني حجاج عن صالح المري, عن يزيد الرقاشي, عن أنس بن مالك قال: إِن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله بعينيه خلا ولده نجيا, فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم ؟ وما لقي منكم الشيخ, وما لقي منكم يوسف ؟ قالوا: بلى. قال فيغركم عفوهما عنكم, فكيف لكم بربكم ؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ, فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جانب أبيه قاعد, قالوا: يا أبانا إِنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط, ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط حتى حركوه, والأنبياء عليهم السلام أرحم البرية, فقال: ما لكم يا بني ؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إِليك وما كان منا إِلى أخينا يوسف ؟ قال: بلى قالوا: أولستما قد غفرتما لنا ؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئاً, إِن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني ؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا, فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عنا, قرت أعيننا, واطمأنت قلوبنا, وإِلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبداً. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه, وقاموا خلفهما أذلة خاشعين, قال: فدعا وأمن يوسف, فلم يجب فيهم عشرين سنة, قال صالح المري يخيفهم, قال: حتى إِذا كان على رأس العشرين نزل جبريل عليه السلام, على يعقوب عليه السلام, فقال: إِن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا, وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة. هذا الأثر موقوف عن أنس. ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جداً. وذكر السدي أن يعقوب عليه السلام لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إِبراهيم وإِسحاق, فلما مات صبره وأرسله إلى الشام, فدفن عندهما عليهم السلام.


** ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوَاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَآ أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ
يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قص عليه نبأ إِخوة يوسف, وكيف رفعه الله عليهم, وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم, مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام, هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة {نوحيه إِليك} ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك, والاتعاظ لمن خالفك {وما كنت لديهم} حاضراً عندهم ولا مشاهداً لهم {إِذ أجمعوا أمرهم} أي على إِلقائه في الجب {وهم يمكرون} به, ولكنا أعلمناك به وحياً إِليك وإِنزالاً عليك, كقوله: {وما كنت لديهم إِذ يلقون أقلامهم} الاَية, وقال تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إِذ قضينا إِلى موسى الأمر} الاَية, إِلى قوله: {وما كنت بجانب الطور إِذ نادينا} الاَية, وقال: {وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا} الاَية, وقال {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إِذ يختصمون * إِن يوحى إلي إِلا أنما أنا نذير مبين} يقول تعالى: إِنه رسوله وإِنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق, مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم, ومع هذا ما آمن أكثر الناس, ولهذا قال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وقال: {وإِن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} كقوله: {إِن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين} إِلى غير ذلك من الاَيات. وقوله: {وما تسألهم عليه من أجر} أي ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إِلى الخير والرشد من أجر, أي من جعالة ولا أجرة على ذلك, بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحاً لخلقه {إِن هو إِلا ذكر للعالمين} يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والاَخرة.


** وَكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَهُمْ مّشْرِكُونَ * أَفَأَمِنُوَاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت, وسيارات وأفلاك دائرات, والجميع مسخرات, وكم في الأرض من قطع متجاورات, وحدائق وجنات, وجبال راسيات, وبحار زاخرات, وأمواج متلاطمات, وقفار شاسعات, وكم من أحياء وأموات, وحيوان ونبات, وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات, فسبحان الواحد الأحد, خالق أنواع المخلوقات, المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات, وغير ذلك.
وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال ابن عباس: من إِيمانهم أنهم إِذا قيل لهم: من خلق السموات, ومن خلق الأرض, ومن خلق الجبال ؟ قالوا: الله, وهم مشركون به. وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وفي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك, تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إِذا قالوا: لبيك لا شريك لك, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد قد» أي حسب حسب, لا تزيدوا على هذا. وقال الله تعالى: {إِن الشرك لظلم عظيم} وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره, كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم ؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك».
وقال الحسن البصري في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إِلا وهم مشركون} قال: ذلك المنافق يعمل إِذا عمل رياء الناس, وهو مشرك بعمله ذلك يعني قوله تعالى: {إِن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإِذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إِلا قليلا} وثمّ شرك آخر خفي لا يشعر به غالباً فاعله, كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً فقطعه ـ أو انتزعه ـ ثم قال {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وفي الحديث «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر, وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن سعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك», وفي لفظ لهما «الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل» ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة, عن يحيى الجزار عن ابن أخي زينب, عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه, قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير, قالت: فدخل فجلس إلى جانبي, فرأى في عنقي خيطاً فقال: ما هذا الخيط ؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه, فأخذه فقطعه ثم قال: إِن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِن الرقى والتمائم والتولة شرك» قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف, فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها, فكان إذا رقاها سكنت, فقال إنما ذاك من الشيطان كان ينخسها بيده, فإذا رقاها كف عنها, إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أذهب الباس, رب الناس, اشف وأنت الشافي, لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً».
وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد عن وكيع, عن ابن أبي ليلى, عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده, فقيل له, لو تعلقت شيئاً, فقال: أتعلق شيئاً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلق شيئاً وكل إِليه» ورواه النسائي عن أبي هريرة, وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من علق تميمة فقد أشرك», وفي رواية «من تعلق تميمة فلا أتم الله له, ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له», وعن العلاء عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» رواه مسلم.
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع الله الأولين والاَخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله, فليطلب ثوابه من عند غير الله, فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» رواه الإمام أحمد وقال أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد يعني ابن الهادي, عن عمرو, عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال: «الرياء, يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا الى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً ؟» وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب, عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, أنبأنا ابن لهيعة, أنبأنا ابن هبيرة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: يا رسول الله, ما كفارة ذلك ؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إِلا خيرك, ولا طير إِلا طيرك, ولا إِله غيرك».
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير, حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن أبي علي ـ رجل من بني كاهل ـ قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك, فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت, أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأوذن. قال: بل أخرج مما قلت, خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك, فإنه أخفى من دبيب النمل» فقال له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه, ونستغفرك لما لا نعلمه». وقد روي من وجه آخر, وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق, كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم, عن ليث بن أبي سليم, عن أبي محمد, عن معقل بن يسار, قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال: حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل», فقال أبو بكر: وهل الشرك إِلا من دعا مع الله إِلهاً آخر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» ثم قال: «ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره ؟ قل: اللهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم, وأستغفرك مما لا أعلم».
وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ, عن يحيى بن كثير, عن الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن قيس بن أبي حازم, عن أبي بكر الصديق, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا» قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله, فكيف النجاة والمخرج من ذلك ؟ فقال: «ألا أخبرك بشيء إِذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره ؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «قل: اللهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم, وأستغفرك لما لا أعلم». قال الدارقطني: يحيى بن كثير هذا, يقال له أبو النضر, متروك الحديث, وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء, سمعت عمرو بن عاصم, سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله, علمني شيئاً أقوله إِذا أصبحت وإِذا أمسيت, وإِذا أخذت مضجعي, قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, رب كل شيء ومليكه, أشهد أن لا إله إِلا أنت, أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه», رواه أبو داود والنسائي وصححه, وزاد الإمام أحمد في رواية له: من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد, عن أبي بكر الصديق, قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول ـ فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره ـ «وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إِلى مسلم».
وقوله: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب لله} الاَية, أي أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون, كما قال تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم}. وقوله: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إِلا القوم الخاسرون}.


** قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن, آمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته, وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له, يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: {وسبحان الله} أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير, تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً, {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إِلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إِنه كان حليماً غفوراً}.


** وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ الْقُرَىَ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ لّلّذِينَ اتّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء, وهذا قول جمهور العلماء, كما دل عليه سياق هذه الاَية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إِلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع. وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأم موسى ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات, واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب, وبقوله: {وأوحينا إِلى أمّ موسى أن أرضعيه} الاَية, وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى عليه السلام, وبقوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم, إِن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين * يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}, وهذا القدر حاصل لهن, ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك, فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف, فهذا لا شك فيه, ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا ؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة, وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في النساء نبية, وإنما فيهن صديقات, كما قال تعالى مخبراً عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: {ما المسيح ابن مريم إِلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية, فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام, فهي صدّيقة بنص القرآن.




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:38 مساء   رقم المشاركة : [38]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {وما أرسلنا من قبلك إِلا رجالاً} الاَية, أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم, وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إِلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} الاَية, وقوله تعالى: {وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين * ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين}. وقوله تعالى: {قل ما كنت بدعاً من الرسل} الاَية. وقوله: {من أهل القرى} المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً, وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعاً وألطف من أهل سوادهم, وأهل الريف والسواد أقرب حالاً من الذين يسكنون في البوادي, ولهذا قال تعالى: {الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً} الاَية. وقال قتادة في قوله {من أهل القرى} لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور. وفي الحديث الاَخر أن رجلاً من الأعراب أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن لا أتهب هبة إِلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي».
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج, حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب, عن شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأعمش: هو ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم. وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أي من الأمم المكذبة للرسل, كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها, كقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} الاَية, فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أنالله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين, وهذه كانت سنته تعالى في خلقه, ولهذا قال تعالى: {ولدار الاَخرة خير للذين اتقوا} أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الاَخرة وهي خير لهم من الدنيا بكثير, كقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} وأضاف الدار إلى الاَخرة, فقال: {ولدار الاَخرة} كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع, وعام أول, وبارحة الأولى, ويوم الخميس. وقال الشاعر:
أتمدح فقعساً وتذم عبساًألا لله أمك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبسعرفت الذل عرفان اليقين

** حَتّىَ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرّسُلُ وَظَنّوَاْ أَنّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّيَ مَن نّشَآءُ وَلاَ يُرَدّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه, كقوله تعالى: {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} الاَية, وفي قوله: {كذبوا} قراءتان إحداهما بالتشديد قد كذبوا, وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرؤها, قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل} قال: قلت: أكذبوا أم كذبوا ؟ قالت عائشة كذبوا. قلت فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن ؟: قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك, فقلت لها: {وظنوا أنهم قد كذبوا} قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت: فما هذه الاَية ؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم, فطال عليهم البلاء, واستأخر عنهم النصر {حتى إذا استيأس الرسل} ممن كذبهم من قومهم, وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم, جاء نصر الله عند ذلك, حدثنا أبو اليمان, أنبأنا شعبة عن الزهري قال: أخبرنا عروة فقلت لها: لعلها قد كذبوا مخففة ؟ قالت: معاذ الله. انتهى ما ذكره.
وقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها {وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة. قال عبد الله هو ابن أبي مليكة ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشراً, ثم تلا {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة, وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته, وقالت: ما وعد الله محمداً صلى الله عليه وسلم من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات, ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة, كانت عائشة تقرؤها {وظنوا أنهم قد كذبوا} مثقلة من التكذيب. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أنبأنا ابن وهب, أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي قرأ هذه الاَية {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} تقول: كذبهم أتباعهم إسناد صحيح أيضاً.
والقراءة الثانية بالتخفيف, واختلفوا في تفسيرها, فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله أنه قرأ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} محففة, قال عبد الله: هو الذي تكره, وهذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما, مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس, فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: لماأيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم, جاءهم النصر على ذلك {فنجي من نشاء} وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد, حدثنا شعيب, حدثنا إبراهيم بن أبي حرّة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له: يا أبا عبد الله كيف هذا الحرف, فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} ؟ قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم, وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا, فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكأ, ولو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلاً, ثم روى ابن جرير أيضاً من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك, فأجابه بهذا الجواب, فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني, وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك, وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف حتى إن مجاهداً قرأها {وظنوا أنهم قد كذبوا} بفتح الذال. رواه ابن جرير إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله {وظنوا أنهم قد كذبوا} إلى أتباع الرسل من المؤمنين, ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم, أي وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما وعدوا به من النصر. وأما ابن مسعود, فقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا محمد بن فضيل عن جحش بن زياد الضبي عن تميم بن حَذْلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الاَية {حتى إذا استيأس الرسل} من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا بالتخفيف ـ فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس, وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك, وانتصر لها ابن جرير, ووجه المشهور عن الجمهور وزيف القول الاَخر بالكلية, ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه , والله أعلم.


** لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىَ وَلَـَكِن تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم, وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين {عبرة لأولي الألباب} وهي العقول, {ما كان حديثاً يفترى} أي وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله, أي يكذب ويختلق {ولكن تصديق الذي بين يديه} أي: من الكتب المنزلة من السماء وهو يصدق ما فيها من الصحيح, وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير, ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير {وتفصيل كل شيء} من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه, وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات, والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات, والإخبار عن الأمور الجلية, وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية, والإخبار عن الرب تبارك وتعالى وبالأسماء والصفات, وتنزهه عن مماثلة المخلوقات, فلهذا كان {هدى ورحمة لقوم يؤمنون} تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد, ومن الضلال إلى السداد, ويبتغون به الرحمة من رب العباد, في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد, فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والاَخرة, يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة, ويرجع المسودّة وجوههم بالصفقة الخاسرة. آخر تفسير سورة يوسف عليه السلام ولله الحمد والمنة وبه المستعان.


سورة الرعد
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
** الَمَر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ الْحَقّ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور, فقد تقدم في أول سورة البقرة, وقدمنا أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب, ولهذا قال: {تلك آيات الكتاب} أي هذه آيات الكتاب, وهو القرآن, وقيل: التوراة والإنجيل, قاله مجاهد وقتادة, وفيه نظر بل هو بعيد, ثم عطف على ذلك عطف صفات فقال: {والذي أنزل إليك} أي يا محمد {من ربك الحق} خبر تقدم مبتدؤه, وهو قوله: {والذي أنزل إليك من ربك} هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة, واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا, واستشهد بقول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهماموليث الكتيبة في المزدحم
وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} كقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق)


** اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّـى يُدَبّرُ الأمْرَ يُفَصّلُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ بِلِقَآءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمدٍ, بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا تدرك مداها, فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها, مرتفعة عليها من كل جانب على السواء, وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام, وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام, ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت, وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام, وسمكها خمسمائة عام, وهكذا السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة, كما قال تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} الاَية.
وفي الحديث «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة». وفي رواية «والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل» وجاء عن بعض السف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة, وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة, وهو من ياقوتة حمراء. وقوله: {بغير عمد ترونها} روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى. وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة, يعني بلا عمد, وكذا روي عن قتادة, وهذا هو اللائق بالسياق, والظاهر من قوله تعالى: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} فعلى هذا يكون قوله: {ترونها} تأكيداً لنفي ذلك, أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها, وهذا هو الأكمل في القدرة, وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره, وكفر قلبه كما ورد في الحديث, ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه:
وأنت الذي من فضل منّ ورحمةبعثت إلى موسى رسولاً مناديا
فقلت له: فاذهب وهارون فادعواإلى الله فرعون الذي كان طاغياً
وقولا له:
هل أنت سويت هذهبلا وتد حتى استقلت كما هيا ؟
وقولا له:
أأنت رفعت هذهبلا عمد أو فوق ذلك بانيا ؟
وقولا له:
هل أنت سويت وسطهامنيراً إذا ما جنك الليل هاديا ؟
وقولا له: من يرسل الشمس غدوة,فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا ؟
وقولا له: من أنبت الحب في الثرىفيصبح منه العشب يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رؤوسه ؟ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
وقوله تعالى: {ثم استوى على العرش} تقدم تفسيره في سورة الأعراف وأنه يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل, ولا تمثيل, تعالى الله علواً كبيراً. وقوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة, كقوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} وقيل: المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الاَخر, فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش, لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه, وليس بمحيط كسائر الأفلاك, لأن له قوائم وحملة يحملونه, ولا يتصور هذا في الفلك المستدير, وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الاَيات والأحاديث الصحيحة, ولله الحمد والمنة.
وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت, فإذا كان قد سخر هذه , فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى, كما نبه بقوله تعالى: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} مع أنه صرح بذلك بقوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}. وقوله: {يفصل الاَيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون} أي يوضح الاَيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو, وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه.


** وَهُوَ الّذِي مَدّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي الْلّيْلَ النّهَارَ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ * وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىَ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىَ بَعْضٍ فِي الاُكُلِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
لما ذكر تعالى العالم العلوي, شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي, فقال: {وهو الذي مد الأرض} أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض, وأرساها بجبال راسيات شامخات, وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون, ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح {من كل زوجين اثنين} أي من كل شكل صنفان {يغشي الليل النهار} أي جعل كلاً منهما يطلب الاَخر طلباً حثيثاً, فإذا ذهب هذا غشيه هذا, وإذا انقضى هذا جاء الاَخر, فيتصرف أيضاً في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان, {إن في ذلك لاَيات لقوم يتفكرون} أي في آلاء الله وحكمه ودلائله.
وقوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} أي أراض يجاور بعضها بعضاً, مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً, هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الاَية اختلاف ألوان بقاع الأرض, فهذه تربة حمراء, وهذه بيضاء, وهذه صفراء, وهذه سوداء, وهذه محجرة, وهذه سهلة, وهذه مرملة, وهذه سميكة, وهذه رقيقة, والكل متجاورات, فهذه بصفتها, وهذه بصفتها الأخرى, فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل} يحتمل أن تكون عاطفة على جنات, فيكون {وزرع ونخيل} مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفاً على أعناب, فيكون مجروراً, ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة.
وقوله: {صنوان وغير صنوان} الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد, كالرمان والتين, وبعض النخيل ونحو ذلك, وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد, كسائر الأشجار, ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه, كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه». وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه: الصنوان هي النخلات في أصل واحد, وغير الصنوان المتفرقات, وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد.
وقوله: {تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} قال «الدقل, والفارسي, والحلو, والحامض», رواه الترمذي وقال: حسن غريب, أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها, وطعومها وروائحها, وأوراقها وأزهارها, فهذا في غاية الحلاوة, وهذا في غاية الحموضة, وذا في غاية المرارة, وذا عفص, وهذا عذب, وهذا جمع هذا وهذا, ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى, وهذا أصفر, وهذا أحمر, وهذا أبيض, وهذا أسود, وهذا أزرق, وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء, مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعياً, وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء, وخلقها على ما يريد, ولهذا قال تعالى: {إن في ذلك لاَيات لقوم يعقلون}.


** وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغْلاَلُ فِيَ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
شايقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وإن تعجب} من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد, مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء, ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً, ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقاً جديداً, وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به, فالعجب من قولهم {أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد}, وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس, وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل, كما قال تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} ثم نعت المكذبين بهذا فقال: {أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم} أي يسحبون بها في النار {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} أي ماكثون فيها أبداً لا يحولون عنها ولا يزولون.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسّيّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنّاسِ عَلَىَ ظُلْمِهِمْ وَإِنّ رَبّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
يقول تعالى: {ويستعجلونك} أي هؤلاء المكذبون {بالسيئة قبل الحسنة} أي بالعقوبة كما أخبر عنهم في قوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون, لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين, ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين}, وقال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب} الاَيتين, وقال تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع}, وقال: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} الاَية, أي عقابنا وحسابنا, كما قال مخبراً عنهم: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الاَية, فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم يطلبون أن يأتيهم بعذاب الله قال الله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات} أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم.
ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}, وقال تعالى في هذه الاَية الكريمة: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار, ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف, كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} وقال: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم}, وقال: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} إلى أمثال ذلك من الاَيات التي تجمع الرجاء والخوف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الاَية {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} الاَية, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش, ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي أنه رأى رب العزة في النوم, ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته, فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} قال: ثم انتبهت.


** وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ إِنّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ
يقول تعالى إخباراً عن المشركين أنهم يقولون كفراً وعناداً: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون, كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهباً, وأن يزيح عنهم الجبال, ويجعل مكانها مروجاً وأنهاراً, قال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالاَيات إلا أن كذب بها الأولون} الاَية, قال الله تعالى: {إنما أنت منذر} أي إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها, {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} وقوله: {ولكل قوم هاد} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لكل قوم داع. وقال العوفي عن ابن عباس في الاَية: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر, وأنا هادي كل قوم, وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. وعن مجاهد {ولكل قوم هاد} أي نبي, كقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}, وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو صالح ويحيى بن رافع {ولكل قوم هاد} أي قائد. وقال أبو العالية: الهادي القائد, والقائد الإمام, والإمام العمل. وعن عكرمة وأبي الضحى {لكل قوم هاد} قالا: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مالك: {ولكل قوم هاد} يدعوهم إلى الله عز وجل.
وقال أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن يحيى الصوفي, حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري, حدثنا معاذ بن مسلم, حدثنا الهروي عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: لما نزلت {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه على صدره وقال: «أنا المنذر, ولكل قوم هاد» وأومأ بيده إلى منكب علي, فقال «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي» , وهذا الحديث فيه نكارة شديدة, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا المطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي {ولكل قوم هاد} قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك.


** اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنثَىَ وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء, وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات, كما قال تعالى: {ويعلم ما في الأرحام} أي ما حملت من ذكر أو أنثى, أو حسن أو قبيح, أو شقي أو سعيد, أو طويل العمر أو قصيره, كقوله تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة} الاَية, وقال تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث} أي خلقكم طوراً من بعد طور, كما قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خلق إحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات, بكتب رزقه, وعمره, وعمله, وشقي أو سعيد». وفي الحديث الاَخر «فيقول الملك أي رب أذكر أم أنثى ؟ أي رب أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيقول الله, ويكتب الملك}.
وقوله {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس, لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله, ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله, ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله, ولا تدري نفس بأي أرض تموت, ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» وقال العوفي عن ابن عباس {وما تغيض الأرحام} يعني السقط,{وما تزداد} يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً, وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر, ومن تحمل تسعة أشهر, ومنهن من تزيد في الحمل, ومنهن من تنقص, فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها, وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين, وولدتني وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل, وقال مجاهد {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما ترى من الدم في حملها, وما تزداد على تسعة أشهر, وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك, وقال مجاهد أيضاً: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة, زاد على التسعة مثل أيام الحيض, وقاله عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد. وقال مجاهد أيضاً: {وما تغيض الأرحام} إراقة الدم حتى يخس الولد, {وما تزداد} إن لم تهرق المرأة, تم الولد وعظم. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم, وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها, فمن ثم لا تحيض الحامل, فإذا وقع إلى الأرض, استهل, واستهلاله استنكاره لمكانه, فإذا قطعت سرته, حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم, ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله, فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق ؟ فيقول مكحول ياويلك: غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير, حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق, ثم قرأ مكحول {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} الاَية.
وقال قتادة: {وكل شيء عنده بمقدار} أي بأجل, حفظ أرزاق خلقه وآجالهم, وجعل لذلك أجلاً معلوماً. وفي الحديث الصحيح أن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم بعثت إليه أن ابناً لها في الموت, وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: «إن لله ما أخذ, وله ما أعطى, وكل شيء عنده بأجل مسمى, فمروها فلتصبر ولتحتسب» الحديث بتمامه. وقوله: {عالم الغيب والشهادة} أي يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم, ولا يخفى عليه منه شيء {الكبير} الذي هو أكبر من كل شيء, {المتعال} أي على كل شيء {قد أحاط بكل شيء علماً} وقهر كل شيء, فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعاً وكرهاً.


** سَوَآءٌ مّنْكُمْ مّنْ أَسَرّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْلّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنّهَارِ * لَهُ مُعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوَءًا فَلاَ مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه, وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به, فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء, كقوله: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}, وقال: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون}, قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات, والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنا في جنب البيت, وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها, فأنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} وقوله {ومن هو مستخف بالليل} أي مختف في قعر بيته في ظلام الليل, {وسارب بالنهار} أي ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه, فإن كليهما في علم الله على السواء, كقوله تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم} الاَية.
وقوله تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.
وقوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه, حرس بالليل وحرس بالنهار, يحفظونه من الأسواء والحادثات, كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر, ملائكة بالليل وملائكة بالنهار, فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال, صاحب اليمين يكتب الحسنات, وصاحب الشمال يكتب السيئات, وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه, واحد من ورائه وآخر من قدامه, فهو بين أربعة أملاك بالنهار, وأربعة أملاك بالليل, بدلاً حافظان وكاتبان, كما جاء في الصحيح «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار, ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر, فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون, وتركناهم وهم يصلون». وفي الحديث الاَخر «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع, فاستحيوهم وأكرموهم».
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} والمعقبات من الله هي الملائكة, وقال عكرمة عن ابن عباس {يحفظونه من أمر الله} قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه, فإذا جاء قدر الله خلوا عنه, وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل, يحفظه فينومه ويقظته من الجن والإنس والهوام, فما منها شيء يأتيه يريده, إلا قال له الملك وراءك, إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه.
وقال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا, له حرس من دونه حرس, وقال العوفي عن ابن عباس: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} يعني ولي الشيطان يكون عليه الحرس. وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب بين يديه ومن خلفه, وقال الضحاك في الاَية: هو السلطان المحروس من أمر الله, وهم أهل الشرك, والظاهر ـ والله أعلم ـ أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير ههنا حديثاً غريباً جداً, فقال حدثني المثنى, حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري, حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ فقال «ملك على يمينك على حسناتك, وهو أمير على الذي على الشمال, فإذا عملت حسنة كتبت عشراً, وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أكتبها ؟ قال: لا, لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات, فإذا قال ثلاثاً, قال: اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين, ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا, يقول الله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وملكان من بين يديك ومن خلفك, يقول الله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} الاَية وملك قابض على ناصيتك, فإِذا تواضعت لله رفعك, وإذا تجبرت على الله قصمك, وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك, وملكان على عينيك, فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي, ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار, لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار, فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي, وإبليس بالنهار وولده بالليل».
وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أسود بن عامر, حدثنا سفيان, حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه, عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يارسول الله ؟ قال: «وإياي, ولكن الله أعانني عليه, فلا يأمرني إلا بخير», انفرد بإخراجه مسلم. وقوله: {يحفظونه من أمر الله} قيل: المراد حفظهم له من أمر الله, رواه علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس, وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال قتادة: {يحفظونه من أمر الله} قال: وفي بعض القراءات يحفظونه بأمر الله, وقال كعب الأحبار: لو تجلى لابن لاَدم كل سهل وكل حزن, لرأى كل شيء من ذلك شياطين, لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذاً لتخطفتم. وقال أبو أمامة: ما من آدمي ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له, وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه وهو يصلي فقال: احترس: فإن ناساً من مراد يريدون قتلك, فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر, فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه, إن الأجل جنة حصينة.
وقال بعضهم {يحفظونه من أمر الله} بأمر الله, كما جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله, أرأيت رقىَ نسترقي بها, هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ فقال «هي من قدر الله». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن جهم, عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله, إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون, ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. وقد ورد هذا في حديث مرفوع, فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش: حدثنا الحسن بن علي, حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي, حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني, وإذا سألته عن الخبر أنبأني, وإنه حدثني عن ربه عز وجل قال: «قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي, ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي, إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي», وهذا غريب, وفي إسناده من لا أعرفه.


** هُوَ الّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ السّحَابَ الثّقَالَ * وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق, وهو ما يرى من النور اللامع ساطعاً من خلل السحاب. وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق, فقال: البرق الماء. وقوله: {خوفاً وطمعاً} قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته, وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله, {وينشىء السحاب الثقال} أي ويخلقها منشأة جديدة, وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء, قال: {ويسبح الرعد بحمده} كقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا إبراهيم بن سعد, أخبرني أبي قال: كنت جالساً إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد, فمر شيخ من بني غفار, فأرسل إليه حميد, فلما أقبل قال: ياابن أخي, وسع فيما بيني وبينك, فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه, فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له الشيخ: سمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق, ويضحك أحسن الضحك» والمراد ـ والله أعلم ـ أن نطقها الرعد وضحكها البرق. وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكاً, ولا آنس منه منطقاً, فضحكه البرق, ومنطقه الرعد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان, ووجه ثور, ووجه نسر, ووجه أسد, فإذا مصع بذنبه فذاك البرق. وقال الإمام أحمد, حدثنا عفان, حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثنا الحجاج, حدثنا أبو مطر عن سالم, عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال «اللهم لا تقتلنا بغضبك, ولا تهلكنا بعذابك, وعافنا قبل ذلك», ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب, والنسائي في اليوم والليلة, والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة, عن أبي مطر ولم يسم به. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد, حدثنا إسرائيل عن أبيه, عن رجل, عن أبي هريرة رفعه, أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده», وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبحت له, وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد, أنهم كانوا يقولون ذلك. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده, لم تصبه صاعقة, وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته, ويقول: إِن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض, رواه مالك في موطئه, والبخاري في كتاب الأدب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي, حدثنا صدقة بن موسى حدثنا محمد بن واسع عن شتير بن نهار, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال ربكم عز وجل: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل, وأطلعت عليهم الشمس بالنهار, ولما أسمعتهم صوت الرعد». وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي, حدثنا أبو كامل الجحدري, حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر, حدثنا عبد الكريم, حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكراً» وقوله تعالى: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء, ولهذا تكثر في آخر الزمان, كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب, حدثنا عمارة عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم الغداة ؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».
وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق, حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني, حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب, فقال: «اِذهب فادعه لي». قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له: من رسول الله, وما الله, أمن ذهب هو, أم من فضة هو, أم من نحاس هو ؟ قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره, فقال: يا رسول الله, قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك, قال لي كذا وكذا, فقال لي: «ارجع إليه الثانية» فذهب فقال له مثلها, فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك, فقال: «ارجع إليه فادعه» فرجع إليه الثالثة, قال: فأعاد عليه ذلك الكلام, فبينما هو يكلمه إذ بعث الله عز وجل سحابة حيال رأسه, فرعدت فوقعت منها صاعقة, فذهب بقحف رأسه, فأنزل الله عز وجل {ويرسل الصواعق} الاَية, ورواه ابن جرير من حديث علي بن أبي سارة به.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون, عن ديلم بن غزوان, عن ثابت, عن أنس فذكر نحوه, وقال: حدثنا الحسن بن محمد, حدثنا عفان, حدثنا أبان بن يزيد, حدثنا أبو عمران الجوني عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو ؟ أم فضة هو ؟ أم لؤلؤ هو ؟ قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت, فأرسل عليه صاعقة, فذهبت بقحف رأسه, ونزلت هذه الاَية. وقال أبو بكر بن عياش عن ليث بن أبي سليم, عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك, من أي شيء هو ؟ من نحاس هو, أم من لؤلؤ أو ياقوت ؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته, وأنزل الله {ويرسل الصواعق} الاَية.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً أنكر القرآن, وكذب النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل الله صاعقة فأهلكته, وأنزل الله {ويرسل الصواعق} الاَية, وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة, لما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر, فأبى عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له عامر بن الطفيل ـ لعنه الله ـ: أما والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة» يعني الأنصار, ثم إنهما هما بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يخاطبه, والاَخر يستل سيفه ليقتله من ورائه, فحماه الله تعالى منهماوعصمه, فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه عليه الصلاة والسلام, فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته, وأما عامر بن الطفيل, فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة, فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر, وموت في بيت سلولية, حتى ماتا لعنهما الله, وأنزل الله في مثل ذلك {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله}, وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه:
أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بالــفارس يوم الكريهة النجد
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار, حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي, حدثني عبد العزيز بن عمران, حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما, عن عطاء بن يسار, عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب, وعامر بن الطفيل بن مالك, قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه, فقال عامر بن الطفيل: يا محمد, ما تجعل لي إن أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك لك ولا لقومك, ولكن لك أعنة الخيل» قال: أنا الاَن في أعنة خيل نجد, اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا», فلما قفلا من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمنعك الله», فلما خرج أربد وعامر, قال عامر: يا أربد, أنا أشغل عنك محمداً بالحديث فاضربه بالسيف, فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب, فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل, فأقبلا راجعين إليه, فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك, فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلسا إلى الجدار, ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه, وسل أربد السيف, فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف, فلم يستطع سل السيف, فأبطأ أربد على عامر بالضرب, فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع, فانصرف عنهما, فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة ـ حرة راقم ـ نزلا, فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير, فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله, فقال عامر: من هذا يا سعد ؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب, فخرجا حتى إِذا كانا بالرقم, أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته, وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته, فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول, فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية, ترغب أن يموت في بيتها, ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعاً, فأنزل الله فيهما {الله يعلم ما تحمل كل أنثى ـ إلى قوله ـ وما لهم من دونه من وال} قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر أربد وما قتله به, فقال {ويرسل الصواعق} الاَية.
وقوله {وهم يجادلون في ا لله} أي يشكون في عظمته, وأنه لا إله إلا هو, {وهو شديد المحال} قال ابن جرير: شديدة مما حلته في عقوبة من طغى عليه, وعتا وتمادى في كفره, وهذه الاَية شبيهة بقوله: {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين}, وعن علي رضي الله عنه {وهو شديد المحال} أي شديد الأخذ, وقال مجاهد: شديد القوة.


** لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاّ كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه {له دعوة الحق} قال: التوحيد, رواه ابن جرير. وقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر {له دعوة الحق} لا إله إلا الله {والذين يدعون من دونه} الاَية, أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله {كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه}. قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبداً بيده, فكيف يبلغ فاه ؟ وقال مجاهد {كباسط كفيه} يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبداً, وقيل: المراد كقابض يده على الماء, فإنه لا يحكم منه على شي, كما قال الشاعر:
فإني وإِياكم وشوقاً إليكمكقابض ماء لم تسقه أنامله
وقال الاَخر:
فأصبحت مما كان بيني وبينهامن الودّ مثل القابض الماء باليد
ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضاً وإما متناولاً له من بعد كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلاً للشرب, فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهاً غيره, لا ينتفعون بهم أبداً في الدنيا ولا في الاَخرة, ولهذا قال {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.


** وَللّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ
يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه, الذي قهر كل شيء, ودان له كل شيء, ولهذا يسجد له كل شيء طوعاً من المؤمنين وكرهاً على الكافرين {وظلالهم بالغدوّ} أي البكر {والاَصال} وهو جمع أصيل, وهو آخر النهار, كقوله تعالى: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله} الاَية.


** قُلْ مَن رّبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَىَ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظّلُمَاتُ وَالنّورُ أَمْ جَعَلُواْ للّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ
يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو, لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض, وهو ربها ومدبرها, وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم, وأولئك الاَلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعاً ولا ضراً, أي لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة, فهل يستوي من عبد هذه الاَلهة مع الله, ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه ؟ ولهذا قال: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء, ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له, عبيد له, كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك, إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك, وكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك, وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} {وكم من ملك في السموات} الاَية, وقال {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} فإذا كان الجميع عبيداً, فلم يعبد بعضهم بعضاً بلا دليل ولا برهان, بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع, ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم, تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله, فكذبوهم وخالفوهم, فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة {ولا يظلم ربك أحداً}.


** أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ
اشتملت هذه الاَية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه, والباطل في اضمحلاله وفنائه, فقال تعالى: {أنزل من السماء ماء} أي مطراً {فسالت أودية بقدرها} أي أخذ كل واد بحسبه, فهذا كبير وسع كثيراً من الماء, وهذا صغير وسع بقدره, وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها, فمنها ما يسع علماً كثيراً, ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها {فاحتمل السيل زبداً رابياً} أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه, هذا مثل.
وقوله: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع} الاَية, هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية, أي ليجعل حلية نحاس أو حديد, فيجعل متاعاً, فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه {كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي إذا اجتمعا, لا ثبات للباطل ولا دوام له, كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة, ونحوهما مما يسبك في النار, بل يذهب ويضمحل, ولهذا قال: {فأما الزبد فيذهب جفاء} أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق, ويذهب في جانبي الوادي, ويعلق بالشجر, وتنسفه الرياح, وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس, يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء, وذلك الذهب ونحوه ينتفع به, ولهذا قال: {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} كقوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وقال بعض السلف: كنت إِذا قرأت مثلاً من القرآن فلم أفهمه, بكيت على نفسي, لأن الله تعالى يقول {وما يعقلها إلا العالمون}.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} الاَية, هذا مثل ضربه الله, احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها, فأما الشك فلا ينفع معه العمل, وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله: {فأما الزبد} وهو الشك, {فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} وهو اليقين, وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار, فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك, وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً} يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة {ومما يوقدون عليه في النار} فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد, فللنحاس والحديد خبث, فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء, فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة, وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت, فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله, والعمل السيء يضمحل عن أهله, كما يذهب هذا الزبد, وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله, فمن عمل بالحق كان له وبقي, كما بقي ما ينفع الناس في الأرض, وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار, فتأكل خبثه, ويخرج جيده فينتفع به, فكذلك يضمحل الباطل, فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال, فيزيغ الباطل ويهلك, وينتفع أهل الحق بالحق, وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة, وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: نارياً ومائياً وهما قوله {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله} الاَية, ثم قال {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} الاَية, وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين (أحدهما) قوله {والذين كفروا أعمالهم كسراب} الاَية, والسراب إنما يكون في شدة الحر, ولهذا جاء في الصحيحين: فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون ؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون ؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضاً. ثم قال تعالى في المثل الاَخر: {أو كظلمات في بحر لجي} الاَية, وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم, كمثل غيث أصاب أرضاً, فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكانت منها أجادب أمسكت الماء, فنفع الله بها الناس, فشربوا, ورعوا, وسقوا, وزرعوا, وأصابت طائفة منها أخرى, إِنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به, فعلم وعلم, ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» فهذا مثل مائي. وقال في الحديث الاَخر الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله, جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها, وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ـ قال ـ: فذلكم مثلي ومثلكم, أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار, فتغلبوني فتقتحمون فيها» وأخرجاه في الصحيحين أيضاً, فهذا مثل ناري.


** لِلّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ الْحُسْنَىَ وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنّ لَهُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ سُوَءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: {للذين استجابوا لربهم} أي أطاعوا الله ورسوله, وانقادوا لأوامره, وصدقوا أخباره الماضية والاَتية, فلهم {الحسنى} وهو الجزاء الحسن, كقوله تعالى مخبراً عن ذي القرنين أنه قال: {أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً}, وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. وقوله: {والذين لم يستجيبوا له} أي لم يطيعوا الله, {لو أن لهم ما في الأرض جميعاً} أي في الدار الاَخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهباً ومثله معه لافتدوا به, ولكن لا يقبل منهم, لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً {أولئك لهم سوء الحساب} أي في الدار الاَخرة. أي يناقشون على النقير والقطمير, والجليل والحقير, ومن نوقش الحساب عذب, ولهذا قال {ومأواهم جهنم وبئس المهاد}.


** أَفَمَن يَعْلَمُ أَنّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الْحَقّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُواْ الألْبَابِ
يقول تعالى لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي {أنزل إليك} يا محمد {من ربك} هو الحق الذي لا شك فيه, ولا مرية, ولا لبس فيه, ولا اختلاف فيه, بل هو كله حق يصدق بعضه بعضاً, لا يضاد شيء منه شيئاً آخر, فأخباره كلها حق, وأوامره ونواهيه عدل, كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} أي صدقاً في الإخبار, وعدلاً في الطلب, فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد, ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه, ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة, أصحاب الجنة هم الفائزون} وقال في هذه الاَية الكريمة: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} أي أفهذا كهذا ؟ لا استواء. وقوله: {إنما يتذكر أولو الألباب} أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة, جعلنا الله منهم.


** الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السّيّئَةَ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عُقْبَىَ الدّارِ * جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدّارِ
يقول تعالى مخبراً عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار, وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والاَخرة: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} وليسوا كالمنافقين الذين إِذا عاهد أحدهم غدر, وإذا خاصم فجر, وإذا حدث كذب, وإذا ائتمن خان {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} من صلة الأرحام والإحسان إليهم, وإلى الفقراء والمحاويج, وبذل المعروف, {ويخشون ربهم} أي فيما يأتون وما يذرون من الأعمال, ويراقبون الله في ذلك, ويخافون سوء الحساب في الدار الاَخرة, فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم, وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} أي عن المحارم والمآثم, ففطموا أنفسهم عنها لله عز وجل ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه {وأقاموا الصلاة} بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها, على الوجه الشرعي المرضي {وأنفقوا مما رزقناهم} أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين {سراً وعلانية} أي في السر والجهر, لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال, آناء الليل وأطراف النهار {ويدرءون بالحسنة السيئة} أي يدفعون القبيح بالحسن, فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبراً واحتمالاً وصفحاً وعفواً, كقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}, ولهذا قال مخبراً عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار, ثم فسر ذلك بقوله: {جنات عدن} والعدن الإقامة, أي جنات إقامة يخلدون فيها, وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصراً يقال له عدن, حوله البروج والمروج, فيه خمسة آلاف باب, على كل باب خمسة آلاف حبرة, لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وقال الضحاك في قوله: {جنات عدن}: مدينة الجنة, فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى, والناس حولهم بعد والجنات حولها, رواهما ابن جرير. وقوله: {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الاَباء والأهلين والأبناء, ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين, لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتناناً من الله وإحساناً من غير تنقيص للأعلى عن درجته, كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} الاَية.
وقوله {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} أي وتدخل عليهم الملائكة من ههنا ومن ههنا للتهنئة بدخول الجنة, فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين, مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن, حدثني سعيد بن أبي أيوب, حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري, عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور, وتتقى بهم المكاره, ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء, فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم, فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك, أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم ؟ فيقول: إنهم كانوا عباداً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً, وتسد بهم الثغور, وتتقى بهم المكاره, ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ـ قال ـ : فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}».
رواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين, عن أحمد بن صالح, عن عبد الله بن وهب, عن عمرو بن الحارث, عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره, وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا, وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره, وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها, فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي, وأوذوا في سبيلي,وجاهدوا في سبيلي ؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار, ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي, وأوذوا في سبيلي, فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}.
وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر, سمعت رجلاً من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة, وعنده سماطان من خدم, وعند طرف السماطين باب مبوب, فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن, ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن, حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا, فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له, ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له, حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب, فيفتح له, فيدخل فيسلم ثم ينصرف, رواه ابن جرير. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش, عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الإلهاني قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.


** وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ اللّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ الدّارِ
هذا حال الأشقياء وصفاتهم, وذكر ما لهم في الاَخرة, ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون, كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا, فأولئك كانوا يوفون بعهد الله, ويصلون ما أمر الله به أن يوصل, وهؤلاء {ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} كما ثبت في الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان». وفي رواية «وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر», ولهذا قال {أولئك لهم اللعنة} وهي الإبعاد عن الرحمة, {ولهم سوء الدار} وهي سوء العاقبة والمآل, {ومأواهم جهنم وبئس المهاد}. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {والذين ينقضون عهد الله} الاَية, قال: هي ست خصال في المنافقين, إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا, وإذا وعدوا أخلفوا, وإذا ائتمنوا خانوا, ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه, وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل, وأفسدوا في الأرض, وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا, وإذا وعدوا أخلفوا, وإذا اؤتمنوا خانوا.


** اللّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا فِي الاَخِرَةِ إِلاّ مَتَاعٌ * وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء, ويقتر على من يشاء, لما له في ذلك من الحكمة والعدل, وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً, كما قال: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الاَخرة, فقال: {وما الحياة الدنيا في الاَخرة إلا متاع}, كما قال: {قل متاع الدنيا قليل والاَخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً}. وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والاَخرة خير وأبقى}. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد, قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس, عن المستودر أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الاَخرة إلا كما يجعل احدكم أصبعه هذه في اليم, فلينظر بم ترجع» وأشار بالسبابة, رواه مسلم في صحيحه. وفي الحديث الاَخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدي أسك ميت, والأسك الصغير الأذنين, فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه».


** الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ * الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ طُوبَىَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
يخبر تعالى عن قيل المشركين {لولا} أي هلا {أنزل عليه آية من ربه}, كقولهم {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة, وأن الله قادر على إجابة ما سألوا, وفي الحديث إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهباً, وأن يجري لهم ينبوعاً, وأن يزيح الجبال من حول مكة, فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك, فإن كفروا أعذبهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين, وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة, فقال: «بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة», ولهذا قال لرسوله: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أي هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم, فإن الهداية والإضلال ليس منوطاً بذلك ولا عدمه, كما قال: {وما تغني الاَيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} وقال: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} وقال: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون}, ولهذا قال: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أي ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي تطيب وتركن إلى جانب الله, وتسكن عند ذكره, وترضى به مولى ونصيراً, ولهذا قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} أي هو حقيق بذلك.
وقوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم. وقال قتادة: هي كلمة عربية, يقول الرجل: طوبى لك, أي أصبت خيراً. وقال في رواية: طوبى لهم حسنى لهم, {وحسن مآب} أي مرجع, وهذه الأقوال شيء واحد, لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس {طوبى لهم} قال: هي أرض الجنة بالحبشية, وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية, وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة, وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها, قال: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} وذلك حين أعجبته.
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد, حدثنا يعقوب عن جعفر, عن شهر بن حوشب قال: طوبى شجرة في الجنة, كل شجر الجنة منها, أغصانها من وراء سور الجنة, وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سليمان وأبي إسحاق السبيعي, وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها. وذكر بعضهم أن الرحمن تبارك وتعالى غرسها بيده من حبة لؤلؤة, وأمرها أن تمتد, فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى, وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد الخدري, مرفوعاً «طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة, ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها».
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, سمعت عبد الله بن لهيعة, حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله: طوبى لمن رآك وآمن بك, قال: «طوبى لمن رآني وآمن بي, وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» قال له رجل: وما طوبى ؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». وروى البخاري ومسلم جميعاً عن إسحاق بن راهويه, عن مغيرة المخزومي عن وهيب عن أبي حازم, عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي, فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها».
وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع عن سعيد, عن قتادة, عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {وظل ممدود} قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها». وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج, حدثنا فليح عن هلال بن علي, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة, اقرأوا إن شئتم {وظل ممدود}. أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ لأحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج, قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين ـ أو مائة سنة ـ هي شجرة الخلد». وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير, عن أبيه, عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر سدرة المنتهى, فقال: «يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة ـ أو قال ـ يستظل في الفنن منها مائة راكب, فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال» رواه الترمذي.
وقال إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى, فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء, إن شاء أبيض وإن شاء أحمر, وإن شاء أصفر, وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن», وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, حدثنا محمد بن ثور عن معمر, عن أشعث بن عبد الله, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: طوبى شجرة في الجنة, يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء, فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها, وعن الإبل بأزمتها, وعما شاء من الكسوة.
وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ههنا أثراً غريباً عجيباً, قال وهب رحمه الله: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى, يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها, زهرها رياط, وورقها برود, وقضبانها عنبر, وبطحاؤها يا قوت, وترابها كافور, ووحلها مسك, يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل, وهي مجلس لأهل الجنة, فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجباً مزمومة, بسلاسل من ذهب, وجوهها كالمصابيح حسناً, ووبرها كخز المرعزي من لينه, عليها رحال ألواحها من ياقوت, ودفوفها من ذهب, وثيابها من سندس وإستبرق, فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر, وأوطأ من الفراش, نجباً من غير مهنة, يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه, لا تصيب أذن راحلة منها أذن الاَخرى, ولا برك رحلة برك الأخرى, حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه, قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه, فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام, قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي, مرحباً بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري, قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك, ولم نقدرك حق قدرك, فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة, ولكنها دار ملك ونعيم, وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة, فسلوني ما شئتم, فإن لكل رجل منكم أمنيته, فيسألونه حتى أن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا, فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك, ولقد سألت دون منزلتك, هذا لك مني, وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد, قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم, ولم يخطر لهم على بال, قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم, فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة, على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة, على كل سرير منها قبة من ذهب, مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة, متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين, على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة, وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما, ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما, ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة, يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل, ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه, ويقبلانه, ويتعلقان به, ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له, وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه, وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم, فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى, وغرف مبنية من الدر والمرجان, أبوابها من ذهب, وسررها من ياقوت, وفرشها من سندس وإستبرق, ومنابرها من نور يفور من أبوابها, وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء, وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها, فلولا أنه مسخر إذاً لالتمع الأبصار, فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض, وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر, وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر, وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر, مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء, قوائمها وأركانها من الجوهر, وشرفها قباب من لؤلؤ, وبروجها غرف من المرجان, فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم, قربت لهم براذين من ياقوت أبيض, منفوخ فيها الروح, تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين, ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت, سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق, فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم ببطن رياض الجنة, فلما انتهوا إلى منازلهم, وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم, فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم, وما سألوا وتمنوا, وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان, وجنتان مدهامتان, وفيهما عينان نضاختان, وفيهما من كل فاكهة زوجان, وحور مقصورات في الخيام, فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم, قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ قالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم ؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال: برضاي عنكم حللتم داري, ونظرتم إلى وجهي, وصافحتكم ملائكتي, فهنيئاً لكم, {عطاء غير مجذوذ} ليس فيه تنغيص ولا تصريد, فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن, وأدخلنا دار المقامة من فضله, لا يمسنا فيها نصب, ولا يمسنا فيها لغوب, إن ربنا لغفور شكور, وهذا سياق غريب, وأثر عجيب, ولبعضه شواهد, ففي الصحيحين أن الله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولاً الجنة: تمنّ, فيتمنى, حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: تمن من كذا, وتمن من كذا, يذكره, ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». الحديث بطوله, وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى, لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة, وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة, فيبعث ابن أربعين سنة, رواه ابن أبي حاتم.


** كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيَ أُمّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرّحْمَـَنِ قُلْ هُوَ رَبّي لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ
يقول تعالى : وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} أي تبلغهم رسالة الله إليهم, كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله, وقد كذب الرسل من قبلك بهم أسوة, وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك, فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم, فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين, قال الله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} الاَية, وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} أي كيف نصرناهم, وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والاَخرة.
وقوله: {وهم يكفرون بالرحمن} أي هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به, لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم, ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم, وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم, قاله قتادة, والحديث في صحيح البخاري. وقد قال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعو فله الأسماء الحسنى}. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» {قل هو ربي لا إله إلا هو} أي هذا الذي تكفرون به, أنا مؤمن به معترف, مقر له بالربوبية والألوهية, هو ربي لا إله إلا هو {عليه توكلت} أي في جميع أموري, {وإليه متاب} أي إليه أرجع وأنيب, فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.


** وَلَوْ أَنّ قُرْآناً سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ الْمَوْتَىَ بَل للّهِ الأمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الّذِينَ آمَنُوَاْ أَن لّوْ يَشَآءُ اللّهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلّ قَرِيباً مّن دَارِهِمْ حَتّىَ يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
يقول تعالى مادحاً للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ومفضلاً له على سائر الكتب المنزلة قبله {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها, أو تقطع به الأرض وتنشق, أو تكلم به الموتى في قبورهم, لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره, أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله, ولا بسورة من مثله, ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به, جاحدون له {بل لله الأمر جميعاً} أي مرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل, ما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن, ومن يضلل الله فلا هادي له, ومن يهد الله فما له من مضل, وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة, لأنه مشتق من الجميع.




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:39 مساء   رقم المشاركة : [39]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خففت على داود القراءة فكان يأمر بدابته أن تسرج, فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته, وكان لا يأكل إلا من عمل يديه» انفرد بإخراجه البخاري. والمراد بالقرآن هو الزبور. وقوله {أفلم ييأس الذين آمنوا} أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا, أو يتبينوا {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر, وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي, فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة», معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته, وهذا القرآن حجة باقية على الاَباد لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا منجاب بن الحارث, أنبأنا بشر بن عمارة, حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال: قلت له: {ولو أنّ قرآناً سيرت به الجبال} الاَية, قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع, فنحرث فيها, أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح, أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه, فأنزل الله هذه الاَية, قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم, وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الاَية, والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم.
وقوله {بل لله الأمر جميعاً} قال ابن عباس: أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل, رواه ابن إسحاق بسنده عنه, وقاله ابن جرير أيضاً. وقال غير واحد من السلف في قوله {أفلم ييأس الذين آمنوا}: أفلم يعلم الذين آمنوا, وقرأ آخرون: أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا, ولو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم} أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم, ليتعظوا ويعتبروا, كما قال تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الاَيات لعلهم يرجعون} وقال {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون}. قال قتادة عن الحسن {أو تحل قريباً من دارهم} أي القارعة وهذا هو الظاهر من السياق.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: سرية, {أو تحل قريباً من دارهم} قال محمد صلى الله عليه وسلم: {حتى يأتي وعد الله} قال «فتح مكة», وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية, وقال العوفي عن ابن عباس {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال: عذاب من السماء ينزل عليهم {أو تحل قريباً من دارهم} يعني نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم, وكذا قال مجاهد وقتادة. وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس {قارعة} أي نكبة. وكلهم قال {حتى يأتي وعد الله} يعني فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة, وقوله: {إن الله لا يخلف الميعاد} أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والاَخرة {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام}.


** وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلّذِينَ كَفَرُواْ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: {ولقد استهزىء برسل من قبلك} أي فلك فيهم أسوة {فأمليت للذين كفروا} أي أنظرتهم وأجلتهم, {ثم أخذتهم} أخذة رابية, فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم, كما قال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.


** أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمّوهُمْ أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدّواْ عَنِ السّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
يقول تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر, ولا يخفى عليه خافية {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه}, وقال تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}, وقال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين}, وقال: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}, وقال: {يعلم السر وأخفى}, وقال: {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها, لا تسمع ولا تبصر, ولا تعقل, ولا تملك نفعاً لأنفسها ولا لعابديها, ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله: {وجعلوا لله شركاء} أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان {قل سموهم} أي أعلمونا بهم, واكشفوا عنهم حتى يعرفوا, فإنهم لا حقيقة لهم, ولهذا قال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} أي لا وجود له, لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها, لأنه لا تخفى عليه خافية {أم بظاهر من القول} قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول, أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان * إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى, بل زين للذين كفروا مكرهم} قال مجاهد: قولهم أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كقوله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم} الاَية, {وصدوا عن السبيل} من قرأها بفتح الصاد معناه أنه لما زين لهم ما هم فيه, وأنه حق دعوا إليه, وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل, ومن قرأها بالضم أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه, صدوا به عن سبيل الله, ولهذا قال: {ومن يضلل الله فما له من هاد} كما قال {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} وقال {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين}.


** لّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلَعَذَابُ الاَُخِرَةِ أَشَقّ وَمَا لَهُم مّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ * مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ الْمُتّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلّهَا تِلْكَ عُقْبَىَ الّذِينَ اتّقَواْ وّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النّارُ
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار, فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك {لهم عذاب في الحياة الدنيا} أي بأيدي المؤمنين قتلاً وأسراً, {ولعذاب الاَخرة} أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا {أشق} أي من هذا بكثير, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاَخرة» وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه, فإن عذاب الدنيا له انقضاء, وذاك دائم أبداً في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفاً, ووثاق لا يتصور كثافته وشدته, كما قال تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه احد}, وقال تعالى: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً * وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هناك ثبوراً * لا تدعو اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً * قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءً ومصيراً}, ولهذا قرن هذا بقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي صفتها ونعتها {تجري من تحتها الأنهار} أي سارحة في أرجائها وجوانبها, وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيراً, أي يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا, كقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة} الاَية.
وقوله: {أكلها دائم وظلها} أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لاانقطاع ولا فناء, وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف, وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا, ثم رأيناك تكعكعت, فقال: «إني رأيت الجنة ـ أو أريت الجنة ـ فتناولت منها عنقوداً, ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا». وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا عبيد الله, حدثنا أبو عقيل عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا, ثم تناول شيئاً ليأخذه ثم تأخر, فلما قضى الصلاة, قال له أبي بن كعب: يا رسول الله, صنعت اليوم في الصلاة شيئاً ما رأيناك كنت تصنعه, فقال: «إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة, فتناولت منها قطفاً من عنب لاَتيكم به, فحيل بيني وبينه, ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه». وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهداً لبعضه, وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة, فقال: فيها عنب ؟ قال: «نعم». قال: فما عظم العنقود ؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر», رواه الإمام أحمد.
وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى, حدثنا علي بن المديني, حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور, عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء, عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى». وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأكل أهل الجنة ويشربون, ولا يتمخطون ولا يتغوطون, ولا يبولون, طعامهم جشاء كريح المسك, ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس» رواه مسلم, وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة, سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال: «نعم, والذي نفس محمد بيده, إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة». قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة, وليس في الجنة أذى ؟ قال: «تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه» رواه الإمام أحمد والنسائي.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة, فيخر بين يديك مشوياً» وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائراً كما كان بإذن الله تعالى, وقد قال الله تعالى: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة}, وقال { ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً} وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص, كما قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلاً}.
وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها» ثم قرأ {وظل ممدود} وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار, ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده: {تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار}. كما قال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة, أصحاب الجنة هم الفائزون}. وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله, هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئاً من عبادتكم تقبلت منكم, أو أن شيئاً من خطاياكم غفرت لكم ؟ {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}, والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لا ستقللتم كلكم ما افترض عليكم, أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة {أكلها دائم} رواه ابن أبي حاتم.


** وَالّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلآ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ وَاقٍ
يقول تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب} وهم قائمون بمقتضاه {يفرحون بما أنزل إليك} أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به, كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} الاَية, وقال تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ـ إلى قوله ـ إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أي إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لحقاً وصدقاً مفعولاً لا محالة وكائناً, فسبحانه ما أصدق وعده, فله الحمد وحده {ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً}, وقوله {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} أي ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد {ومن الأحزاب} أي اليهود والنصارى {من ينكر بعضه} أي بعض ما جاءك من الحق, وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وهذا كما قال تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الاَية, {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} أي إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له, كما أرسل الأنبياء من قبلي {إليه أدعو} أي إلى سبيله أدعو الناس {وإليه مآب} أي مرجعي ومصيري.
وقوله: {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً} أي وكما أرسلناقبلك المرسلين, وأنزلنا عليهم الكتب من السماء, كذلك أنزلنا عليك القرآن محكماً معرباً, شرفناك به, وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}. وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} أي آراءهم {بعدما جاءك من العلم} أي من الله سبحانه {مالك من الله من وليّ ولا واق} وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية, على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.


** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرّيّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرياً, كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشراً, يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق, ويأتون الزوجات, ويولد لهم, وجعلنا لهم أزواجاً وذرية, وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم {قل إنماأنا بشر مثلكم يوحى إليّ} وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما أنا فأصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وآكل اللحم, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني». وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح. والسواك, والحناء». وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غياث, عن الحجاج, عن مكحول, عن أبي الشمال, عن أبي أيوب فذكره, ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشمال.
وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه, ليس ذلك إليه بل إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, {لكل أجل كتاب} أي لكل مدة مضروبة, كتاب مكتوب بها, وكل شيء عنده بمقدار {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {لكل أجل كتاب} أي لكل كتاب أجل, يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله, ومقدار معين, فلهذا {يمحو الله ما يشاء} منها, {ويثبت} يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صوات الله وسلامه عليه. وقوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت} اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير! عن ابن عباس: يدبر أمر السنة, فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت, وفي رواية {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة, فإنهما قد فرغ منهما.
وقال مجاهد {يمحو الله ما يشاء ويثبت} إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران. وقال منصور: سألت مجاهداً, فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم, وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم, واجعله في السعداء ؟ فقال: حسن: ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر, فسألته عن ذلك فقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} الاَيتين, قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة, ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء, فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير, وقال الأعمش, عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء, فامحه واكتبنا سعداء, وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت, وعندك أم الكتاب, رواه ابن جرير, وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام, حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة, عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنباً فامحه, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت, وعندك أم الكتاب, فاجعله سعادة ومغفرة.
وقال حماد عن خالد الحذاء, عن أبي قلابة, عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضاً. ورواه شريك عن هلال بن حميد, عن عبد الله بن عكيم, عن ابن مسعود بمثله. وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا حجاج, حدثنا خصاف عن أبي حمزة, عن إبراهيم, أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين, لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي ؟ قال: قول الله تعالى: {يمحو الله ما يشاء} الاَية, ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها, ويثبت منها ما يشاء, وقد يستأنس لهذا القول بما ورواه الإمام احمد: حدثنا وكيع, وحدثنا سفيان هو الثوري, عن عبد الله بن عيسى, عن عبد الله بن أبي الجعد, عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه, ولا يرد القدر إلا الدعاء, ولا يزيد في العمر إلا البر», ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به.
وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر «إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض». وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا ابن جرير عن عطاء, عن ابن عباس قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت ـ والدفتان: لوحان ـ لله عز وجل, كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة, يمحو ما يشاء ويثبت, وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد عن زيادة بن محمد, عن محمد بن كعب القرظي, عن فضالة بن عبيد, عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل, في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت» وذكر تمام الحديث, رواه ابن جرير.
وقال الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت, قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه, ويمحو من الأجل ويزيد فيه, فقيل له: من حدثك بهذا ؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب, عن النبي صلى الله عليه وسلم, ثم سئل بعد ذلك عن هذه الاَية, فقال: يكتب القول كله حتى إذ كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب, مثل قولك: أكلت وشربت, ودخلت وخرجت, ونحو ذلك من الكلام, وهو صادق, ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب, وقال عكرمة عن ابن عباس: الكتاب كتابان, فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت, وعنده أم الكتاب,
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله, فيموت على ضلالة, فهو الذي يمحو, والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله, وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت, وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يمحو الله ما يشاء ويثبت} يقول: يبدل ما يشاء فينسخه, ويثبت ما يشاء فلا يبدله, {وعنده أم الكتاب} وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ, وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب, وقال قتادة في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} كقوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} الاَية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال: قالت كفار قريش لما نزلت {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}: ما نرى محمداً يملك شيئاً وقد فرغ من الأمر, فأنزلت هذه الاَية تخويفاً ووعيداً لهم, إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا, ونحدث في كل رمضان, فيمحو ما يشاء, ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم.
وقال الحسن البصري {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال: من جاء أجله يذهب, ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله, وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير رحمه الله, وقوله: {وعنده أم الكتاب} قال: الحلال والحرام, وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله, وقال الضحاك {وعنده أم الكتاب} قال: كتاب عند رب العالمين, وقال سنيد بن داود: حدثني معتمر عن أبيه, عن يسار, عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أم الكتاب, فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون, ثم قال لعلمه: كن كتاباً فكان كتاباً, وقال ابن جريج عن ابن عباس {وعنده أم الكتاب} قال: الذكر.


** وَإِن مّا نُرِيَنّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفّيَنّكَ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
يقول تعالى لرسوله {وإما نرينك} يا محمد, بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا {أو نتوفينك} أي قبل ذلك, {فإنما عليك البلاغ} أي إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله, وقد فعلت ما أمرت به {وعلينا الحساب} أي حسابهم وجزاؤهم, كقوله تعالى: {فذكر إنما انت مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذ به الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم}, وقوله: {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال ابن عباس: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض, وقال في رواية: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية. وقال مجاهد وعكرمة: ننقصها من أطرافها, قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال العوفي عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك, ولكن تنقص الأنفس والثمرات, وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكاناً تقعد فيه, ولكن هو الموت. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها, وكذا قال مجاهد أيضاً: هو موت العلماء, وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان, حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق, أنشدنا أبو بكر الاَجري بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه:
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمهامتى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بهاوإن أبى عاد في أكنافها التلف
والقول الأول أولى, وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية, كقوله: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} الاَية, وهذا اختيار ابن جرير.


** وَقَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ
يقول تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم} برسلهم, وأرادوا إخراجهم من بلادهم, فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين, كقوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله, والله خير الماكرين}, وقوله تعالى: {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} الاَيتين. وقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله {وسيعلم الكافر}, والقراءة الأخرى الكفار, {لمن عقبى الدار} أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل, كلا, بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والاَخرة, ولله الحمد والمنة.


** وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ
يقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: {لست مرسلا} أي ما أرسلك الله {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم. شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة, وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان, وقوله: {ومن عنده علم الكتاب} قيل: نزلت في عبد الله بن سلام, قاله مجاهد, وهذا القول غريب, لأن هذه الاَية مكية, وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة, والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى, وقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري, وقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى, وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية, وكان يقرؤها {ومن عنده عُلِمَ الكتاب} ويقول: من عند الله, وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري.
وقد روى ابن جرير من حديث هارون الأعور عن الزهري عن سالم, عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها {ومن عنده عُلِمَ الكتاب}, ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات, قلت, وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا, عن سليمان بن أرقم, وهو ضعيف, عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً كذلك ولا يثبت, والله أعلم, والصحيح في هذا أن {ومن عنده} اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به, كما قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} الاَية: وقال تعالى: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} الاَية, وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني, حدثنا عبدان بن أحمد, حدثنا محمد بن مصفى, حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة يوسف بن عبد الله بن سلام, عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيداً, فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة, فوافاهم وقد انصرفوا من الحج, فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى والناس حوله, فقام مع الناس, فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنت عبد الله بن سلام ؟» قال قلت: نعم, قال «ادن». قال: فدنوت منه. قال: «أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام, أما تجدني في التوراة رسول الله ؟» فقلت له: انعت ربنا, قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: {قل هو الله أحد الله الصمد} إلى آخرها, فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة, فكتم إسلامه, فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها, فألقيت نفسي, فقالت أمي: لله أنت, لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة, فقلت: والله لأنا أسر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من موسى بن عمران إذ بعث, وهذا حديث غريب جداً. آخر تفسير سورة الرعد, و لله الحمد والمنة.


سورة إبراهيم
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
** الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الّذِينَ يَسْتَحِبّونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا عَلَى الاَخِرَةِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور {كتاب أنزلناه إليك} أي هذا كتاب أنزلناإليك يا محمد, وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء, على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد, كما قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور, والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} الاَية. وقال تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} الاَية.
وقوله: {بإذن ربهم} أي هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم {إلى صراط العزيز}, أي العزيز الذين لا يمانع ولا يغالب, بل هو القاهر لكل ما سواه, {الحميد} أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه الصادق في خبره. وقوله: {الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} قرأ بعضهم مستأنفاً مرفوعاً وقرأ آخرون على الإتباع صفة للجلالة, كقوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض} الاَية. وقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد} أي ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك, ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الاَخرة, أي يقدمونها ويؤثرونها عليها ويعملون للدنيا, ونسوا الاَخرة وتركوها وراء ظهورهم {ويصدون عن سبيل الله} وهي اتباع الرسل {ويبغونها عوجاً} أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة عائلة, وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها, ولا من خذلها فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق, لا يرجى لهم والحالة هذه صلاح.


** وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ فَيُضِلّ اللّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم, ليفهموا عنهم ما يريدون, وما أرسلوا به إليهم, كما روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد عن أبي ذر: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبعث الله عز وجل نبياً إلا بلغة قومه». وقوله: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} أي بعد البيان وإقامة الحجة عليهم, يضل الله من يشاء عن وجه الهدى, ويهدي من يشاء إلى الحق {وهو العزيز} الذي ما شاء كان, وما لم يشأ لم يكن, {الحكيم} في أفعاله, فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو أهل لذلك, وقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبياً في أمة إلا أن يكون بلغتهم, فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم, واختص محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة إلى سائر الناس, كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وله شواهد من وجوه كثيرة. وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}.


** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَذَكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ
يقول تعالى: {وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم, تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور, كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا}, قال مجاهد: هي التسع الاَيات {أن أخرج قومك} أي أمرناه قائلين له {أخرج قومك من الظلمات إلى النور} أي ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان, {وذكرهم بأيام الله} أي بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه, وإنجائه إياهم من عدوهم, وفلقه لهم البحر, وتظليله إياهم بالغمام, وإنزاله عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من النعم, قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد, وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم, حدثنا محمد بن أبان الجعفي عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وذكرهم بأيام الله} قال: بنعم الله, ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان به, ورواه عبد الله ابنه أيضاً موقوفاً وهو أشبه.
وقوله: {إن في ذلك لاَيات لكل صبار شكور} أي إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة لكل صبار, أي في الضراء شكور أي في السراء, كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر, وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمر المؤمن كله عجب, لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له, إن أصابته ضراء صبر, فكان خيراً له, وإن أصابته سراء شكر, فكان خيراً له».


** وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُوَاْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرْضِ جَمِيعاً فَإِنّ اللّهَ لَغَنِيّ حَمِيدٌ
يقول تعالى مخبراً عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم, إذ أنجاهم من آل فرعون, وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال, حيث كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم, ويتركون إناثهم, فأنقذهم الله من ذلك, وهذه نعمة عظيمة, ولهذا قال: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} أي نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك, أنتم عاجزون عن القيام بشكرها وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل {بلاء} أي اختبار عظيم, ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا, والله أعلم, كقوله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}. وقوله: {وإذ تأذن ربكم} أي آذنكم وأعلمكم بوعده لكم, ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه, كقوله تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة}.
وقوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم} أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها, {ولئن كفرتم} أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها {إن عذابي لشديد}, وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها, وقد جاء في الحديث «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». وفي المسند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, مر به سائل فأعطاه تمرة, فسخطها ولم يقبلها, ثم مر به آخر فأعطاه إياها, فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمر له بأربعين درهماً, أو كما قال: قال الإمام أحمد: حدثنا أسود, حدثنا عمارة الصيدلاني عن ثابت عن أنس, قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها ـ قال ـ: وأتاه آخر فأمر له بتمرة, فقال: سبحان الله تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال للجارية: «اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها» تفرد به الإمام أحمد, وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به, ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه, وعن أحمد أيضاً أنه قال: روى أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك وضعفه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه.
وقوله تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد} أي هو غني عن شكر عباده, وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره, كقوله: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} الاَية. وقوله: {فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد}. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم, ما زاد ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم, ما نقص ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد, فسألوني, فأعطيت كل إنسان مسألته, ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» فسبحانه وتعالى الغني الحميد.


** أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاّ اللّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَرَدّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوَاْ إِنّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكّ مّمّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ
قال ابن جرير: هذا من تمام قول موسى لقومه يعني وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل, وفيما قال ابن جرير نظر, والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة, فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة, فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم, لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة, والله أعلم, وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل {جاءتهم رسلهم بالبينات} أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات, وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله أنه قال في قوله: {لا يعلمهم إلا الله} كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يعرف ما بعد معد بن عدنان.
وقوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} اختلف المفسرون في معناه, قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل بأمرهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله عز وجل. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل. وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: ومعناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم. قال ابن جرير: وتوجيهه أن في هنا بمعنى الباء, قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة, وقال الشاعر:
وأرغب فيها عن لقيط ورهطهولكنني عن سنبس لست أرغب
يريد أرغب بها. قلت: ويؤيد مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} فكأن هذا ـ والله أعلم ـ تفسير لمعنى {فردوا أيديهم في أفواههم}. وقال سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} قال: عضوا عليها غيظاً. وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة بن يريم, عن عبد الله أنه قال ذلك أيضاً. وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, ووجهه ابن جرير مختاراً له بقوله تعالى عن المنافقين {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيط}. وقال العوفي عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم, وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به الاَية, يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به, فإن عندنا فيه شكاً قوياً.


** قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكّ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَـمّـى قَالُوَاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدّونَا عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نّحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَمُنّ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَآ أَلاّ نَتَوَكّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ
يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة, وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له, قالت الرسل: {أفي الله شك} وهذا يحتمل شيئين (أحدهما) أفي وجوده شك, فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به, فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة, ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب, فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده, ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه {فاطر السموات والأرض} الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق, فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما, فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا الله هو خالق كل شيء وإلاهه ومليكه¹ (والمعنى الثاني) في قولهم: {أفي الله شك} أي أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك, وهو الخالق لجميع الموجودات, ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له, فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع, ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى, وقالت لهم رسلهم: {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} أي في الدار الاَخرة {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي في الدنيا كما قال تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} الاَية, فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول, وحاصل ما قالوه {إن أنتم إِلا بشر مثلنا} أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولما نر منكم معجزة, {فأتونا بسلطان مبين} أي خارق نقترحه عليكم {قالت لهم رسلهم إِن نحن إِلا بشر مثلكم} أي صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية {ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده} أي بالرسالة والنبوة {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} على وفق ما سألتم {إِلا بإِذن الله} أي بعد سؤالنا إِياه وإِذنه لنا في ذلك {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي في جميع أمورهم, ثم قالت الرسل: {وما لنا أن لا نتوكل على الله} أي وما يمنعنا من التوكل عليه, وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها {ولنصبرن على ما آذيتمونا} أي من الكلام السيء والأفعال السخيفة {وعلى الله فليتوكل المتوكلون}.


** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبّهُمْ لَنُهْلِكَنّ الظّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنّـكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ * مّن وَرَآئِهِ جَهَنّمُ وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم, كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} الاَية. وكما قال قوم لوط: {أخرجوا آل لوط من قريتكم} الاَية, وقال تعالى إِخباراً عن مشركي قريش: {وإِن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإِذاً لا يلبثون خلافك إِلا قليلاً}. وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره, وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصاراً وأعواناً وجنداً يقاتلون في سبيل الله تعالى, ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته, ومكن له فيها, وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً, وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان, ولهذا قال تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} وكما قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إِنهم لهم المنصورون وإِن جندنا لهم الغالبون}, وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إِن الله قوي عزيز}, وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} الاَية, {وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}, وقال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} وقوله: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} أي وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي كما قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى} وقال {ولمن خاف مقام ربه جنتان}.
وقوله: {واستفتحوا} أي استنصرت الرسل ربها على قومها, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها كما قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} ويحتمل أن يكون هذا مراداً وهذا مراداً, كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنصر, وقال الله تعالى للمشركين: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم} الاَية, والله أعلم, {وخاب كل جبار عنيد} أي متجبر في نفسه عنيد معاند للحق, كقوله تعالى: {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد, مناع للخير معتد مريب, الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد} وفي الحديث «إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة, فتنادي الخلائق, فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد» الحديث أي خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.
وقوله: {ومن ورائه جهنم} وراء هنا بمعنى أمام, كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أمامهم ملك, أي من وراء الجبار العنيد جهنم, أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلداً يوم المعاد, ويعرض عليها غدواً وعشياً إلى يوم التناد {ويسقى من ماء صديد} أي في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق, فهذا حار في غاية الحرارة, وهذا بارد في غاية البرد والنتن, كما قال: {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم. وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده, وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم. وفي حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت يا رسول الله ما طينة الخبال ؟ قال «صديد أهل النار». وفي رواية «عصارة أهل النار».
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق, أنبأنا عبد الله, أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر, عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال: «يقرب إليه فيكرهه, فإذا أدني منه شوىَ وجهه, ووقعت فروة رأسه, فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله تعالى: {وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم} ويقول: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه} الاَية, وهكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن المبارك به. ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو به.
وقوله: {يتجرعه} أي يتغصصه ويتكرهه, أي يشربه قهراً وقسراً لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد, كما قال تعالى: {ولهم مقامع من حديد} {ولا يكاد يسيغه} أي يزدرده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع {ويأتيه الموت من كل مكان} أي يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. قال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق. وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره, وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة, أي من جسده حتى من أطراف شعره. وقال ابن جرير: {ويأتيه الموت من كل مكان} أي من أمامه وخلفه, وفي رواية: وعن يمينه وشماله, ومن فوقه ومن تحت أرجله, ومن سائر أعضاء جسده.
وقال الضحاك عن ابن عباس {ويأتيه الموت من كل مكان} قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم, ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت, ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} ومعنى كلام ابن عباس رضي الله عنه أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت, ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال, ولهذا قال تعالى: {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت}.
وقوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ, أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله, وأدهى وأمر, وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رؤوس الشياطين * فإنهم لاَكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم * ثم إن مرجعهم لاإلى الجحيم} فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم, وتارة في شرب حميم, وتارة يردون إلى جحيم, عياذاً بالله من ذلك, وهكذا قال تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن}, وقال تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم, كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم, خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم, ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم, ذق إنك أنت العزيز الكريم, إن هذا ما كنتم به تمترون}, وقال: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم}, وقال تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب, جهنم يصلونها فبئس المهاد, هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على تنوع العذاب عليهم, وتكراره وأنواعه, وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله عز وجل جزاءً وفاقاً {وما ربك بظلام للعبيد}.


** مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضّلاَلُ الْبَعِيدُ
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره, وكذبوا رسله, وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح, فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها, فقال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم} أي مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى, لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدو شيئاً, ولا ألفوا حاصلاً إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة {في يوم عاصف} أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية, فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم, كقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}, وقوله تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله. ولكن أنفسهم يظلمون}, وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاَخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين}, وقوله في هذه الاَية {ذلك هو الضلال البعيد} أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة, حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه {ذلك هو الضلال البعيد}.


** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ
يقول تعالى مخبراً عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس, أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها, وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات, والحركات المختلفات, والاَيات الباهرات, وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد, وبراري وصحارى, وقفار وبحار, وأشجار ونبات, وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى, بلى إنه على كل شيء قدير} وقال تعالى: {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ؟ * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} وقوله {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} أي بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} وقال: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم * ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقال: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً}.


** وَبَرَزُواْ للّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضّعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُوَاْ إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مّغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مّحِيصٍ
يقول تعالى: {وبرزوا} أي برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار, أي اجتمعوا له في براز من الأرض وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحداً {فقال الضعفاء} وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم {للذين استكبروا} عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم: {إنا كنا لكم تبعاً} أي مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} أي فهل تدفعون عنا شيئاً من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا, فقالت القادة لهم: {لو هدانا الله لهديناكم} ولكن حق علينا قول ربنا, وسبق فينا وفيكم قدر الله, وحقت كلمة العذاب على الكافرين, {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص} أي ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عز وجل, تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر, تعالوا حتى نصبر فصبروا صبراً لم ير مثله, فلم ينفعهم ذلك, فعند ذلك قالوا {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} الاَية, قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها, كما قال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار, قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار, قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}, وقال تعالى: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا, ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً} وأما تخاصمهم في المحشر, فقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول, يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم, بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}.


** وَقَالَ الشّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إِنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ وَوَعَدتّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ مّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيّ إِنّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ
يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده, فأدخل المؤمنين الجنات, وأسكن الكافرين الدركات, فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيباً ليزيدهم حزناً إلى حزنهم, وغبناً إلى غبنهم, وحسرة إلى حسرتهم, فقال: {إن الله وعدكم وعد الحق} أي على ألسنة رسله, ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة, وكان وعداً حقاً وخبراً صدقاً, وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم, كما قال الله تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}, ثم قال: {وما كان لي عليكم من سلطان} أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} بمجرد ذلك, هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به, فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه {فلا تلوموني} اليوم {ولوموا أنفسكم} فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل {ما أنا بمصرخكم} أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه, {وما أنتم بمصرخيّ} أي بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل, وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكاً لله عز وجل, وهذا الذي قاله هو الراجح, كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}, قال: {كلاّ سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً}.
وقوله: {إن الظالمين} أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل, لهم عذاب أليم, والظاهر من سياق الاَية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا, ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم, وهذا لفظه, وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والاَخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء, قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا, فمن يشفع لنا ؟ فيقولون, انطلقوا بنا إلى آدم, وذكر نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي, فيأتوني, فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط, حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي, ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم, فمن يشفع لنا ؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا, فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم, فقم أنت فاشفع لنا, فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط, ثم يعظم نحيبهم {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} وهذا سياق ابن أبي حاتم, ورواه المبارك عن رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن نعيم, عن دخين عن عقبة به مرفوعاً.
وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله: لما قال أهل النار {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قال لهم إبليس {إن الله وعدكم وعد الحق} الاَية, فلما سمعوا مقالته, مقتوا أنفسهم فنودوا {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس, يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟} إلى قوله {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال: ويقوم إبليس لعنه الله فيقول {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} الاَية. ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال, وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء, فقال {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا {خالدين فيها} ماكثين أبداً لا يحولون ولا يزولون {بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام}, كما قال تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم}, وقال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}, وقال تعالى: {ويلقون فيها تحية وسلاماً}, وقال تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.


** أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ * تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {ومثل كلمة طيبة} شهادة أن لا إله إلا الله {كشجرة طيبة} وهو المؤمن, {أصلها ثابت} يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن, {وفرعها في السماء} يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء, وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن, وقوله الطيب, وعمله الصالح, وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء, وهكذا رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: هي النخلة, وشعبة عن معاوية بن قرة عن أنس: هي النخلة. وحماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع بسر فقرأ {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال: هي النخلة, وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفاً, وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة, عن عبيد الله عن نافع, عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني عن شجرة تشبه ـ أو ـ كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفاً ولا شتاء, وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة, ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان, فكرهت أن أتكلم, فلما لم يقولوا شيئاً, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة», فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه, والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تتكلم ؟ قلت: لم أركم تتكلمون, فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً, قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا.
وقال أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار, فقال: «من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم» فأردت أن أقول هي النخلة, فنظرت فإذا أنا أصغر القوم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة», أخرجاه. وقال مالك وعبد العزيز عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: «إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن». قال: فوقع في شجر الوادي, ووقع في قلبي أنها النخلة, فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة», أخرجاه أيضاً.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبان يعني ابن زيد العطار, حدثنا قتادة أن رجلاً قال: يا رسول الله, ذهب أهل الدثور بالأجور, فقال: «أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء, أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء ؟» قال: ما هو يا رسول الله ؟ قال: «تقول لا إله إلا الله, والله أكبر, وسبحان الله, والحمد لله, عشر مرات في دبر كل صلاة, فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء». وعن ابن عباس {كشجرة طيبة} قال: هي شجرة في الجنة. وقوله: {تؤتي أكلها كل حين} قيل: غدوة وعشياً, وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة, والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار, كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين {بإذن ربها} أي كاملاً حسناً كثيراً طيباً مباركاً {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون}.
وقوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات, مشبه بشجرة الحنظل, ويقال لها الشريان, رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك: أنها شجرة الحنظل وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد السكن, حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع, حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس أحسبه رفعه, قال {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة} قال: هي النخلة, {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} قال: هي الشريان, ثم رواه عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة, عن معاوية عن أنس موقوفاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد هو ابن سلمة عن شعيب بن الحبحاب, عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} هي الحنظلة» فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به.
ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا غسان عن حماد عن شعيب, عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع عليه بسر, فقال: {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} فقال «هي النخلة» {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} قال: «هي الحنظل» قال شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع. وقوله: {اجتثت} أي استؤصلت {من فوق الأرض ما لها من قرار} أي لا أصل لها ولا ثبات, كذلك الكفر لا أصل له ولافرع, ولا يصعد للكافر عمل, ولا يتقبل منه شيء.


** يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَيُضِلّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَآءُ
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد, حدثنا شعبة, أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة}» ورواه مسلم أيضاً وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو, عن زاذان عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار, فانتهينا إلى القبر ولما يلحد, فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم, وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير, وفي يده عود ينكت به الأرض, فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثاً, ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الاَخرة, نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه, كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه, فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال ـ: فتخرج تسيل, كما تسيل القطرة من في السقاء, فيأخذها, فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط, ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض, فيصعدون بها فلا يمرون بها, يعني على ملأ من الملائكة, إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة ؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له, فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها, حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة, فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض, فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم, ومنها أخرجهم تارة أخرى قال: فتعاد روحه في جسده, فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك ؟ فيقول: ربي الله, فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام, فيقولان له: ما هذا الرجل الذين بعث فيكم ؟ فيقول: هو رسول الله, فيقولان له: وما علمك ؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت, فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة, وألبسوه من الجنة, وافتحوا له باباً إلى الجنة ـ قال ـ: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه, حسن الثياب, طيب الريح, فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد, فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير ؟ فيقول: أنا عملك الصالح, فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة, حتى أرجع إلى أهلي ومالي ـ قال ـ: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الاَخرة, نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح, فجلسوا منه مد البصر, ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه, فيقول: أيتها النفس الخبيثة, اخرجي إلى سخط من الله وغضب ـ قال ـ: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول, فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح, فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض, فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة ؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا, فيستفتح له فلا يفتح له ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً ـ ثم قرأ {ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري, فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري, فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري, فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار, فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه, ويأتيه رجل قبيح الوجه, قبيح الثياب, منتن الريح, فيقول: أبشر بالذي يسوؤك, هذا يومك الذي كنت توعد, فيقول: ومن أنت, فوجهك الوجه يجيء بالشر ؟ فيقول: أنا عملك الخبيث, فيقول: رب لا تقم الساعة» ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو به.)وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن يونس بن حبيب عن المنهال بن عمرو, عن زاذان عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة, فذكر نحوه, وفيه «فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء, وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله عز وجل أن يعرج بروحه من قبلهم», وفي آخره «ثم يقيض له أعمى أصم أبكم, وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان تراباً, فيضربه ضربة فيصير تراباً, ثم يعيده الله عز وجل كما كان, فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين» قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار, وقال سفيان الثوري عن أبيه, عن خيثمة عن البراء في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة} قال عذاب القبر.
وقال المسعودي عن عبد الله بن مخارق عن أبيه عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له: ما ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله, وديني الإسلام, ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم, وقرأ عبد الله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة} وقال الإمام عبد بن حميد رحمه الله في مسنده حدثنا يونس بن محمد, حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة, حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه, وإنه ليسمع قرع نعالهم, فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة», قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيراهما جميعاً», قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً, ويملأ عليه خضراً إلى يوم القيامة, رواه مسلم عن عبد بن حميد, وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج, أخبرني أبو الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر, فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها, فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه, جاءه ملك شديد الانتهار, فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبده, فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة, فيراهما كليهما, فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له: اسكن, وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول: لا أدري, أقول كما يقول الناس, فيقال له: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار» قال جابر: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات, المؤمن على إيمانه, والمنافق على نفاقه» إسناده صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر, حدثنا عباد بن راشد عن داود بن أبي هند, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدري, قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها, فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه, جاءه ملك في يده مطراق من حديد فأقعده, فقال: ما تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, فيقول له: صدقت ثم يفتح له باباً إلى النار, فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك, فأما إذ آمنت فهذا منزلك, فيفتح له باباً إلى الجنة, فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره, وإن كان كافراً أو منافقاً فيقول له: ما تقول في هذا الرجل ؟ فيول: لا أدري, سمعت الناس يقولون شيئاً, فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت, ثم يفتح له باباً إلى الجنة, فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك, فأما إذ كفرت به فإن الله عز وجل أبدلك به هذا, فيفتح له باباً إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق, فيصيح صيحة يسمعها خلق الله عز وجل كلهم غير الثقلين, فقال بعض القوم: يا رسول الله, ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} وهذا أيضاً إسناد لا بأس به, فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقروناً, ولكن ضعفه بعضهم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد عن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت تحضره الملائكة, فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب, اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال فلا يزال يقال لها ذلك, حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا ؟ فيقال: فلان, فيقولون: مرحباً بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب, ادخلي حميدة, وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق, وآخر من شكله أزواج, فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج, ثم يعرج بها إلى السماء, فيستفتح لها فيقال: من هذا ؟ فيقال: فلان, فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء, فيرسل من السماء ثم يصير إلى القبر, فيجلس الرجل الصالح, فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول, ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول. ورواه النسائي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب بنحوه.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إِذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك ـ قال ـ: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه, فينطلق به إلى ربه عز وجل, فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه ـ قال حماد ـ وذكر من نتنها, وذكر مقتاً, ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض, فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل ـ قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا.
وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الهمداني, حدثنا زيد بن أخرم, حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي عن قتادة, عن قسام بن زهير, عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن المؤمن إذا قبض, أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء, فيقولون: اخرجي إلى روح الله, فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً يشمونه حتى يأتوا به باب السماء, فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض, ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين, فلهم أشد فرحاً به من أهل الغائب بغائبهم, فيقولون: ما فعل فلان ؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم, فيقول: قد مات أما أتاكم ؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية, وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله, فتخرج كأنتن ريح جيفة, فيذهب به إلى باب الأرض».
وقد روي أيضاً من طريق همام بن يحيي عن أبي الجوزاء, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, قال «فيسأل: ما فعل فلان, ما فعل فلان, ما فعلت فلانة ؟ قال: وأما الكافر فإذا قبضت نفسه, وذهب بها إلى باب الأرض, تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحاً أنتن من هذه, فيبلغ بها الأرض السفلى». قال قتادة وحدثني رجل عن سعيد بن المسيب, عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية, وأرواح الكفار تجتمع ببرهوت سبخة بحضرموت, ثم يضيق عليه قبره. وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله: حدثنا يحيى بن خلف, حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا قبر الميت ـ أو قال: أحدكم ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان, يقال لأحدهما منكر والاَخر نكير, فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله, أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا, ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين, وينور له فيه, ثم يقال له: نم, فيقول: أرجع الى أهلي فأخبرهم, فيقولان: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك, وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون: فقلت مثلهم لا أدري, فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا, فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه, فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو, عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة لدنيا وفي الاَخرة} ـ قال ـ : ذلك إِذا قيل له في القبر من ربك, وما دينك, ومن نبيك ؟ فيقول: ربي الله, وديني الإسلام, ونبيي محمد جاءنا بالبينات من عند الله, فآمنت به وصدقت, فيقال له: صدقت, على هذا عشت, وعليه مت, وعليه تبعث».وقال ابن جرير: حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد, قالا: حدثنا يزيد, أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده, إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين, فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه, فيؤتى من قبل رأسه, فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل, فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل, فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل, فيؤتى عند رجليه فيقول: فعل الخيرات ما قبلي مدخل, فيقال له: اجلس, فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب, فيقال له: أخبرنا عما نسألك, فيقول: دعني حتى أصلي, فيقال له: إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك, فيقول: وعم تسألوني ؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول به, وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول: أمحمد ؟ فيقال له: نعم, فيقول: أشهد أنه رسول الله, وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه, فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت, وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه, ويفتح له باب إلى الجنة فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها, فيزداد غبطة وسروراً, ثم تجعل نسمته في النسم الطيب, وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة, ويعاد الجسد إلى ما بدىء من التراب», وذلك قول الله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة}, رواه ابن حبان من طريق المعتمر بن سليمان عن محمد بن عمر, وذكر جواب الكافر وعذابه.
وقال البزار: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي, حدثنا الوليد بن القاسم, حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم, عن أبي هريرة أحسبه رفعه, قال: «إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين, فيود لو خرجت, يعني نفسه, والله يحب لقاءه وإن المؤمن يصعد بروحه الى السماء, فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض, فإِذا قال: تركت فلاناً في الأرض, أعجبهم ذلك, وإِذا قال: إِن فلاناً قد مات, قالوا: ما جيء به إلينا, وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل, من ربك ؟ فيقول: ربي الله, ويسأل: من نبيك ؟ فيقول: محمد نبيي, فيقال: ماذا دينك ؟ قال: ديني الإسلام, فيفتح له باب في قبره فيقول ـ أو يقال ـ انظر إلى مجلسك, ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة, وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين, فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبداً, والله يبغض لقاءه, فإذا جلس في قبره أو أجلس, فيقال له: من ربك ؟ فيقول: لا أدري, فيقال: لا دريت, فيفتح له باب إلى جهنم ثم يضرب ضربة تسمعها كل دابة إلا الثقلين, ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش». قلت لأبي هريرة: ما المنهوش ؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات, ثم يضيق عليه قبره, ثم قال: لا نعلم من رواه إلا الوليد بن القاسم.




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
قديم 15-04-11, 12:41 مساء   رقم المشاركة : [40]
ميرا أحمد
معلم
 

الملف الشخصي





ميرا أحمد غير متواجد حالياً
 


افتراضي

وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا حجين بن المثنى, حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء, يعني بنت الصديق رضي الله عنها, تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال: «إذا دخل الإنسان قبره, فإن كان مؤمناً أحف به عمله الصلاة والصيام, قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده, قال: فيناديه اجلس فيجلس, فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل, يعني النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: من ؟ قال: محمد, قال: أشهد أنه رسول الله, قال: وما يدريك, أدركته ؟ قال: اشهد أنه رسول الله, قال: يقول على ذلك عشت, وعليه مت, وعليه تبعث وإن كان فاجراً أو كافراً جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه, فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل ؟ قال: أي رجل ؟ قال: محمد ؟ قال: يقول: والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته, قال له الملك: على ذلك عشت, وعليه مت, وعليه تبعث, قال ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط, ثمرته جمرة مثل غرب البعير, تضربه ما شاء الله, صماء لا تسمع صوته فترحمه».
وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الاَية قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة, فسلموا عليه وبشروه بالجنة, فإذا مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس, فإِذا دفن أجلس في قبره, فيقال له: من ربك ؟ فيقول: ربي الله, فيقال له: من رسولك ؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم, فيقال له: ما شهادتك ؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله, فيوسع له في قبره مد بصره, وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم, والبسط هو الضرب, {يضربون وجوههم وأدبارهم} عند الموت, فإذا أدخل قبره أقعد, فقيل له: من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئاً, وأنساه الله ذكر ذلك, وإذا قيل: من الرسول الذي بعث إليك ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً {كذلك يضل الله الظالمين}.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي حدثنا شريح بن مسلمة, حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق, عن عامر بن سعد البجلي عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة} الاَية, قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره, فيقال له: من ربك ؟ فيقول: الله, فيقال له: من نبيك ؟ فيقول: محمد بن عبد الله, فيقال له ذلك مرات, ثم يفتح له باب إلى النار, فيقال له: انظر إلى منزلك من النار لو زغت, ثم يفتح له باب إلى الجنة, فيقال له: انظر إلى منزلك من الجنة إذا ثبت, وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك ؟ من نبيك ؟ فيقول: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون, فيقال له: لا دريت, ثم يفتح له باب إلى الجنة, فيقال له: انظر إلى منزلك إذا ثبت, ثم يفتح له باب إلى النار, فيقال له: انظر إلى منزلك إِذ زغت, فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة}.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس, عن أبيه {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا} قال: لا إله إلا الله, {وفي الاَخرة} المسألة في القبر, وقال قتادة أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح, {وفي الاَخرة} في القبر وكذا روي عن غير واحد من السلف. وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول: حدثنا أبي, حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي فديك عن عبدالرحمن بن عبد الله عن سعيد بن المسيب, عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة, فقال: «إني رأيت البارحة عجباً, رأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه, فجاءه بره بوالديه, فرد عنه, ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر, فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك, ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين, فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم, ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب, فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم, ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً منع منه, فجاءه صيامه فسقاه وأرواه, ورأيت رجلاً من أمتي والنبيون قعود حلقاً حلقاً, كلما دنا لحلقة طردوه, فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي, ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة, ومن خلفه ظلمة, وعن يمينه ظلمة, وعن شماله ظلمة, ومن فوقه ظلمة, ومن تحته ظلمة, وهو متحير فيها, فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور, ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه, فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين, كلموه فكلموه, ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه, فجاءته صدقته فصارت له ستراً على وجهه وظلاً على رأسه, ورأيت رجلاً من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان, فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة, ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه بينه وبين الله حجاب, فجاءه حسن خلقه, فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل, ورأيت رجلاً من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله, فجاءه خوفه من الله, فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه, ورأيت رجلاً من أمتي قد خف ميزانه, فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه, ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم, فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى, ورأيت رجلاً من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا, فاستخرجته من النار, ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يزحف أحياناً ويحبو أحياناً, فجاءته صلاته عليّ, فأخذت بيده, فأقامته ومضى على الصراط, ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى باب الجنة, فغلقت الأبواب دونه, فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة», قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالاً خاصة تنجي من أهوال خاصة, أورده هكذا في كتابة التذكرة.
وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثاً غريباً مطولاً فقال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النكري, حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان, حدثنا أبو عاصم الحبطي, وكان من أخيار أهل البصرة, وكان من أصحاب حزم, وسلام بن أبي مطيع, حدثنا بكر بن خنيس عن ضرار بن عمرو, عن يزيد الرقاشي, عن أنس بن مالك عن تميم الداري, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به, فإِني قد ضربته بالسراء والضراء, فوجدته حيث أحب, ائتني به فلأريحنه, فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة, ومعهم ضبائر الريحان أصل الريحانة واحد, وفي رأسها عشرون لوناً لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه, ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر, فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة, ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه, ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه, ويفتح له باب إلى الجنة, فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة تارة بأزواجها, وتارة بكسوتها, ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى, قال: إِن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشاً, قال: وتبرز الروح, قال البرساني: يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب, قال: ويقول ملك الموت, اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود, وطلح منضود, وظل ممدود, وماء مسكوب, قال: ولملك الموت أشد به لطفاً من الوالدة بولدها, يعرف أن تلك الروح حبيب لربه, فهو يتلمس بلطفه تحبباً لديه, رضاء للرب عنه, فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين, قال: وقال الله عز وجل: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين}, وقال: {فأما إن كان من المقّربين فروح وريحان وجنة نعيم} قال: روح من جهة الموت, وريحان يتلقى به, وجنة نعيم تقابله, قال: فإذا قبض ملك الموت روحه, قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيراً, فقد كنت سريعاً بي إلى طاعة الله, بطيئاً بي عن معصية الله, فقد نجيت وأنجيت, قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك, قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها, وكل باب من السماء يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة, قال: فإذا قبض ملك الموت روحه, أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده, فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم, وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم, وحنوط قبل حنوط بني آدم, ويقوم من باب بيته إلى قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار, فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده, قال: ويقول لجنوده: الويل لكم كيف خلص هذا العبد منكم ؟ فيقولون: إن هذا كان عبداً معصوماً, قال: فإذا صعد ملك الموت بروحه يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة, كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه, قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش, خر الروح ساجداً, قال: يقول الله عز وجل لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود, وطلح منضود وظل ممدود, وماء مسكوب, قال: فإذا وضع في قبره جاءته الصلاة فكانت عن يمينه, وجاءه الصيام فكان عن يساره, وجاءه القرآن فكان عند رأسه, وجاءه مشيه الى الصلاة فكان عند رجليه, وجاءه الصبر فكان ناحية القبر, قال: فيبعث الله عز وجل عنقاً من العذاب, قالوا: فيأتيه عن يمينه, قال: فتقول الصلاة وراءك: والله ما زال دائباً عمره كله وإنما استراح الاَن حين وضع في قبره قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك, قال: ثم يأتيه من عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك قال: ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك, فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغاً إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته, قال: فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج, قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي, إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه, فأما إذا أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان, قال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف, وأصواتهما كالرعد القاصف, وأنيابهما كالصياصي, وأنفاسهما كاللهب, يطآن في أشعارهما بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا, وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة, يقال لهما منكر ونكير, في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها, قال: فيقولان له: اجلس, قال: فيجلس فيستوي جالساً, قال: وتقع أكفانه في حقويه, قال: فيقولان له: من ربك, ومادينك, ومن نبيك ؟ قال قالوا: يا رسول الله ومن يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاَخرة * ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} قال فيقول: ربي الله وحده لا شريك له, وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة, ونبيي محمد خاتم النبيين, قال: فيقولان له: صدقت, قال: فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعاً, وعن يمينه أربعين ذراعاً, وعن شماله أربعين ذراعاً, ومن عند رأسه أربعين ذراعاً, ومن عند رجليه أربعين ذراعاً, قال: فيوسعان له مائتي ذراع, قال البرساني: فأحسبه وأربعين ذراعاً تحاط به, قال: ثم يقولان له: انظر فوقك, فإذا باب مفتوح إلى الجنة, قال فيقولان له: ولي الله هذا منزلك إذ أطعت الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده, إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً» ثم يقال له: انظر تحتك, قال: فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار ـ قال ـ فيقولان: ولي الله نجوت آخر ما عليك ـ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً» قال: قالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون باباً إلى الجنة, يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله عز وجل.
وبالإسناد المتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى عدوي فأتني به, فإني قد بسطت له رزقي, ويسرت له نعمتي, فأبى إلا معصيتي فأتني به, لأنتقم منه, قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط, له ثنتا عشر عيناً, ومعه سفود من النار, كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم, ومعهم سياط من نار لينهالين السياط, وهي نار تأجج, قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر, قال: ثم يلويه لياً شديداً, قال: فينزع روحه من أظفار قدميه, قال: فيلقيها في عقبيه. قال: فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه, قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط, قال: فيشده ملك الموت شدة فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه, ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه, قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط, قال: فيشده ملك الموت شدّة فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه, فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه, قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط, قال كذلك: إلى صدره ثم كذلك إلى حلقه, قال: ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه, قال: ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة إلى سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ـ قال: فإذا قبض ملك الموت روحه, قال الروح للجسد: جزاك الله عني شراً فقد كنت سريعاً بي إلى معصية الله, بطيئاً بي عن طاعة الله, فقد هلكت وأهلكت ـ قال ـ ويقول الجسد للروح مثل ذلك, وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها, وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من ولد آدم النار, قال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى, قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهماً كأعناق الإبل, يأخذن بأرنبته وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه, قال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف, وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا, قد نزعت منهما الرأفة والرحمة, يقال لهما منكر ونكير, في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها, قال فيقولان له اجلس فيستوي جالساً وتقع أكفانه في حقويه, قال فيقولان له: من ربك, وما دينك, ومن نبيك ؟ فيقول: لا أدري, فيقولان له: لا دريت ولا تليت, فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ثم يعودان, قال: فيقولان: انظر فوقك فينظر, فإذا باب مفتوح من الجنة, فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو أطعت الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبداً». ـ قال ـ ويقولان له: انظر تحتك فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار ـ فيقولان له: عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبداً» قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها. هذا حديث غريب جداً, وسياق عجيب, ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات, وهو ضعيف الرواية عند الأئمة, والله أعلم, ولهذا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي, حدثنا هشام هو ابن يوسف عن عبد الله بن بحير عن هانى مولى عثمان, عن عثمان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الاَن يسأل» تفرد به أبو داود, وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} الاَية, حديثاً مطولاً جداً من طرق غريبة عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً, وفيه غرائب أيضاً.


** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ للّهِ أَندَاداً لّيُضِلّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتّعُواْ فَإِنّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ
قال البخاري: قوله {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً} ألم تعلم, كقوله: {ألم تر كيف} {ألم تر إلى الذين خرجوا} البوار الهلاك, بار يبور بوراً, {وقوماً بوراً} هالكين. حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء. سمع ابن عباس {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم كفار أهل مكة, وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية, هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم, والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول: وإن كان المعنى يعم جميع الكفار, فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ونعمة للناس, فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة, ومن ردها وكفرها دخل النار, وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة, عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن {الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار} قال: هم كفار قريش يوم بدر, حدثنا المنذر بن شاذان, حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا بسام هو الصيرفي عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفراً, وأحلوا قومهم دار البوار ؟ قال: منافقو قريش وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل عن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن, فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني وإن كان من وراء البحار لأتيته, فقام عبد الله بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار ؟ قال: مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان فبدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.
وقال السدي في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} الاَية, ذكر مسلم المستوفى, عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة, فأما بنو المغيرة, فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر, وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد, وكان أبو جهل يوم بدر, وأبو سفيان يوم أحد, وأما دار البوار فهي جهنم.
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى, حدثنا الحارث أبو منصور, عن إسرائيل عن أبي إسحاق, عن عمرو بن مرة قالا: سمعت علياً قرأ هذه الاَية {وأحلوا قومهم دار البوار} قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية, وبنو المغيرة, فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر, وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين, ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة عن علي, نحوه, وروي من غير وجه عنه. وقال سفيان الثوري عن علي بن زيد عن يوسف بن سعد, عن عمر بن الخطاب في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة, وبنو أمية, فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر, وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين, وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه الاَية {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار} ؟ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك, فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر, وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين, وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر, وكذا رواه مالك في تفسيره عن نافع عن ابن عمر.
وقوله: {وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله} أي جعلوا له شركاء عبدوهم معه, ودعوا الناس إلى ذلك, ثم قال تعالى مهدداً لهم ومتوعداً لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} أي مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا, فمهما يكن من شيء {فإن مصيركم إلى النار} أي مرجعكم وموئلكم إلينا كما قال تعالى: {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}, وقال تعالى: {متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}.


** قُل لّعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ
يقول تعالى آمراً عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة, وهي عبادة الله وحده لا شريك له, وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب, والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها, وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر أي في الخفية والعلانية وهي الجهر, وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم {من قبل أن يأتي يوم} وهو يوم القيامة {لابيع فيه ولا وخلال} أي ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه, كما قال تعالى: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} وقوله: {ولا خلال} قال ابن جرير: يقول ليس هناك مخالة خليل فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته, بل هناك العدل والقسط, والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلاناً فأنا أخاله مخالة وخلالاً, ومنه قول امرىء القيس:
رفت الهوى عنهن من خشية الردى
ولست بمقل للخلال ولا قالي
وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا, فينظر رجل من يخالل وعلام يصاحب, فإن كان لله فليداوم, وإن كان لغير الله فسيقطع عنه, قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحداً بيع ولا فدية, ولو افتدى بملء الأرض ذهباً لو وجده, ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافراً, قال الله تعالى: {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون}.


** اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ وَسَخّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ * وَسَخّر لَكُمُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخّرَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ * وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ
يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفاً محفوظاً والأرض فرشاً {وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع. وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى, وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك, وما هناك إلى هنا, وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقاً للعباد من شرب وسقي, وغير ذلك من أنواع المنافع {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} أي يسيران لا يفتران ليلاً ولا نهاراً {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر, تبارك الله رب العالمين} فالشمس والقمر يتعاقبان, والليل والنهار يتعارضان, فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول, ثم يأخذ الاَخر من هذا فيقصر {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار}.
وقوله {وآتاكم من كل ما سألتموه} يقول هيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه, وقرأ بعضهم {وآتاكم من كل ما سألتموه} وقوله {وإن تعدوانعمة الله لا تحصوها} يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلاً عن القيام بشكرها, كما قال طلق بن حبيب رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد, وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد, ولكن أصبحوا تائبين. وأمسوا تائبين, وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا».
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث, حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي, عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح, وديوان فيه ذنوبه, وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه, فيقول الله تعالى لأصغر نعمه ـ أحسبه قال في ديوان النعم ـ خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله, ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم, فإذا أراد الله أن يرحمه قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك ـ أحسبه قال: ووهبت لك نعمي ـ» غريب وسنده ضعيف. وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ ؟ فقال الله تعالى: الاَن شكرتني يا داود, أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم, وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها, وقال القائل في ذلك:
لو كل جارحة مني لها لغةتثني عليك بما أوليت من حسن
لكان ما زاد شكري إذ شكرت بهإليك أبلغ في الإحسان والمنن
)

** وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ * رَبّ إِنّهُنّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مّنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّكَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
يذكر تعالى في هذا المقام محتجاً على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له, وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله, وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: {رب اجعل هذا البلد آمناً} وقد استجاب الله له فقال تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً} الاَية, وقال تعالى: {إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً} وقال في هذه القصة {رب اجعل هذا البلد آمناً} فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها, ولهذا قال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة, فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضاً فقال: {رب اجعل هذا البلد آمناً} كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلاً.
وقوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته, ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس, وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم, كقول عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك. وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جرير, عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم عليه السلام {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} الاَية, وقول عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الاَية, ثم رفع يديه ثم قال: «اللهم, أمتي, اللهم أمتي, اللهم أمتي» وبكى فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد, وربك أعلم, وسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله, فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال, فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.


** رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ
وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها, وذلك قبل بناء البيت, وهذا كان بعد بنائه تأكيداً ورغبة إلى الله عز وجل, ولهذا قال: {عند بيتك المحرّم}. وقوله: {ربنا ليقيموا الصلاة} قال ابن جرير: هو متعلق بقوله {المحرّم} أي إنما جعلته محرماً ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم, ولكن قال: {من الناس} فاختص به المسلمون وقوله: {وارزقهم من الثمرات} أي ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك, وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل له ثماراً يأكلونها, وقد استجاب الله ذلك كما قال: {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا} وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل عليه السلام.


** رَبّنَآ إِنّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىَ عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ * الْحَمْدُ للّهِ الّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنّ رَبّي لَسَمِيعُ الدّعَآءِ * رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاَةِ وَمِن ذُرّيَتِي رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ * رَبّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
قال ابن جرير: يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم خليله أنه قال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} أي أنت تعلم قصدي في دعائي, وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد, وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك, فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها, لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء, ثم حمد ربه عز وجل على ما رزقه من الولد بعد الكبر, فقال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} أي إنه يستجيب لمن دعاه, وقد استجاب لي فيما سألته من الولد, ثم قال: {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي محافظاً عليها مقيماً لحدودها {ومن ذرّيتي} أي واجعلهم كذلك مقيمين لها {ربنا وتقبل دعاء} أي فيما سألتك فيه كله {ربنا اغفر لي ولوالدي} وقرأ بعضهم: ولوالدي بالإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله عز وجل {وللمؤمنين} أي كلهم {يوم يقوم الحساب} أي يوم تحاسب عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.


** وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ
يقول تعالى: ولا تحسبن الله يا محمد غافلاً عما يعمل الظالمون, أي لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم, بل هو يحصي ذلك ويعده عليهم عداً {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} أي من شدة الأهوال يوم القيامة, ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر, فقال: {مهطعين} أي مسرعين, كما قال تعالى: {مهطعين إلى الداع} الاَية, وقال تعالى: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ـ إلى قوله ـ وعنت الوجوه للحي القيوم}, وقال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً} الاَية. وقوله {مقنعي رؤوسهم} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم {لا يرتد إليهم طرفهم} أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر, لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم, عياذاً بالله العظيم من ذلك, ولهذا قال: {وأفئدتهم هواء} أي وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف, ولهذا قال قتادة وجماعة: إن أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال بعضهم: هي خراب لا تعي شيئاً لشدة ما أخبر به تعالى عنهم, ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:)


** وَأَنذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ رَبّنَآ أَخّرْنَآ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتّبِعِ الرّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوَاْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـَكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
يقول تعالى مخبراً عن الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} كقوله {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} الاَية, وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم} الاَيتين, وقال تعالى مخبراً عنهم في حال محشرهم {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم} الاَية, وقال: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} الاَية, وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها} الاَية, قال تعالى رداً عليهم في قولهم هذا {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذلك, قال مجاهد وغيره {ما لكم من زوال} أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الاَخرة, كقوله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} الاَية, {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} أي قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر, ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر {حكمة بالغة فما تغني النذر} وقد روى شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن أن علياً رضي الله عنه قال في هذه الاَية {وإِن كان مكرهم لتزول منه الجبال} قال: أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين, فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبا, قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوعهما, وقعد هو ورجل آخر في التابوت, قال: ورفع في التابوت عصاً على رأسه اللحم فطارا, وجعل يقول لصاحبه: انظر ما ترى ؟ قال: أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوب العصا, فصوبها فهبطا جميعاً, قال: فهو قوله عز وجل: {وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال}.
قال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله {وإن كاد مكرهم} قلت: وكذا روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنهما قرآ {وإن كاد} كما قرأ علي, وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أذنان عن علي فذكر نحوه, وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر, كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا, وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر, وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها, نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه, فصوب الرماح فصوبت النسور, ففزعت الجبال من هدتها, وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك, فذلك قوله: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}.
ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها {لتزول منه الجبال} بفتح اللام الأولى وضم الثانية, وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال, وكذا قال الحسن البصري, ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به, ما ضر شيئاً من الجبال ولا غيرها, وإِنما عاد وبال ذلك عليهم, قلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً}, والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} يقول: شركهم كقوله: {تكاد السموات يتفطرن منه} الاَية, وهكذا قال الضحاك وقتادة.


** فَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ
يقول تعالى مقرراً لوعده ومؤكداً: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} أي من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب, وذو انتقام ممن كفر به وجحده {ويل يومئذ للمكذبين}, ولهذا قال: {يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات} أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض, وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة, كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ ليس فيها معلم لأحد».
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق, عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاَية {يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات} قالت: قلت أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: «على الصراط», رواه مسلم منفرداً به دون البخاري, والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به, وقال الترمذي: حسن صحيح, ورواه أحمد أيضاً عن عفان عن وهيب عن داود, عن الشعبي عنها, ولم يذكر مسروقاً. وقال قتادة عن حسان بن بلال المزني عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات} قالت: قلت يا رسول الله, فأين الناس يومئذ ؟ قال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي, ذاك أن الناس على جسر جهنم».
وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة عن مجاهد, عن ابن عباس حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: «هم على متن جهنم». وقال ابن جرير: حدثنا الحسن, حدثنا علي بن الجعد, أخبرنا القاسم, سمعت الحسن قال: قالت عائشة: يا رسول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} فأين الناس يومئذ ؟ قال: «إن هذا شيء ما سألني عنه أحد ـ قال ـ على الصراط يا عائشة», ورواه أحمد عن عفان عن القاسم بن الفضل, عن الحسن به.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني, حدثني أبو توبة الربيع بن نافع, حدثنا معاوية بن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام, حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال: كنت نائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاءه حبر من أحبار اليهود, فقال: السلام عليك يا محمد, فدفعته دفعة كاد يصرع منها, فقال: لم تدفعني ؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله ؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي» فقال اليهودي: جئت أسألك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينفعك شيئاً إن حدثتك ؟» قال: أسمع بأذني, فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال: «سل» فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم في الظلمة دون الجسر» قال: فمن أول الناس إجازة ؟ فقال: «فقراء المهاجرين», فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال: «زيادة كبد النون» قال: فما غذائهم في أثرها ؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه ؟ قال «من عين فيها تسمى سلسبيلاً». قال: صدقت, قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال «أينفعك إن حدثتك ؟} قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد, قال: «ماء الرجل أبيض, وماء المرأة أصفر, فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل منيّ المرأة, أذكرا بإِذن الله تعالى, وإذا علا منيّ المرأة مني الرجل, أنثا بإذن الله» قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه, وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به».
قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حدثنا ابن عوف, حدثنا أبو المغيرة, حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي, عن أبي أيوب الأنصاري أن حبراً من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} فأين الخلق عند ذلك ؟ فقال: «أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه» ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به. وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق, سمعت عمرو بن ميمون, وربما قال: قال عبد الله, وربما لم يقل, فقلت له عن عبد الله فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: أرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة, ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا, قال: أراه قال قياماً حتى يلجمهم العرق. وروي من وجه آخر عن شعبة عن إسرائيل عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود بنحوه, وكذا رواه عاصم عن زر عن ابن مسعود به. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: لم يخبر به, أورد ذلك كله ابن جرير.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل, حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب, حدثنا جرير بن أيوب عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: أرض بيضاء لم يسفك عليها دم, ولم يعمل عليها خطيئة» ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب, وليس بالقوي, ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا معاوية بن هشام عن سنان عن جابر الجعفي, عن أبي جبيرة عن زيد قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فقال: «هل تدرون لم أرسلت إليهم ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: «فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة» فلما جاءوا سألهم, فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي, وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر أنها تبدل يوم القيامة بأرض بيضاء من فضة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: تصير الأرض فضة والسموات ذهباً. وقال الربيع عن أبي العالية بن كعب, قال: تصير السموات جناناً. وقال أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي أو عن محمد بن قيس في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم, وكذا روى وكيع عن عمر بن بشير الهمداني عن سعيد بن جبير في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.
وقال الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود: الأرض يوم القيامة كلها نار, والجنة من ورائها ترى كواعبها, وأكوابها, ويلجم الناس العرق أو يبلغ منهم العرق, ولم يبلغوا الحساب. وقال الأعمش أيضاً عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة, والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها, والذي نفس عبد الله بيده, إن الرجل ليفيض عرقاً حتى ترسخ في الأرض قدمه, ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب, قالوا: مم ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: مما يرى الناس ويلقون. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن كعب في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: تصير السموات جناناً, ويصير مكان البحر ناراً, وتبدل الأرض غيرها. وفي الحديث الذي رواه أبو داود «لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر, فإن تحت البحر ناراً ـ أو تحت النار بحراً ـ» وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي, لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً, ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة». وقوله: {وبرزوا لله} أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله {الواحد القهار} أي الذي قهر كل شيء وغلبه ودانت له الرقاب وخضعت له الألباب.


** وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مّقَرّنِينَ فِي الأصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىَ وُجُوهَهُمْ النّارُ * لِيَجْزِيَ اللّهُ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
يقول تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} وتبرز الخلائق لديانها, ترى يا محمد يومئذ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم {مقرنين} أي بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف, كما قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} وقال: {وإذا النفوس زوّجت} وقال: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً} وقال: {والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد} والأصفاد هي القيود, قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد, وهو مشهور في اللغة, قال عمرو بن كلثوم:
آبوا بالثياب وبالسبايا
وأبنا بالملوك مصفدينا
وقوله: {سرابيلهم من قطران} أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران, وهو الذي تهنأ به الإبل أي تطلى, قال قتادة: وهو ألصق شيء بالنار. ويقال فيه: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها, وبكسر القاف وتسكين الطاء, ومنه قول أبي النجم:
كأن قطراناً إذا تلاهاترمي به الريح إلى مجراها
وكان ابن عباس يقول: القطران هنا النحاس المذاب, وربما قرأها {سرابيلهم من قطران} أي من نحاس حار قد انتهى حره, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقوله: {وتغشى وجوههم النار} كقوله: {تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن إسحاق, أنبأنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام, عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من أمر الجاهلية لا يتركن: الفخر بالأحساب, والطعن في الأنساب, والاستسقاء بالنجوم, والنياحة على الميت, والنائحة إذا لم تتب قبل موتها, تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» انفرد بإخراجه مسلم. وفي حديث القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار».
وقوله: {ليجزي الله كل نفس ما كسبت} أي يوم القيامة كما قال: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} الاَية {إن الله سريع الحساب} يحتمل أن يكون كقوله تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء, ولا يخفى عليه خافية, وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم, كقوله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} وهذا معنى قول مجاهد {سريع الحساب} إحصاء ويحتمل ان يكون المعنيان مرادين, والله أعلم.


** هَـَذَا بَلاَغٌ لّلنّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوَاْ أَنّمَا هُوَ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذّكّرَ أُوْلُواْ الألْبَابِ
يقول تعالى هذا القرآن بلاغ للناس كقوله: {لأنذركم به ومن بلغ} أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة: {الر * كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} الاَية, {ولينذروا به} أي ليتعظوا به {وليعلموا أنما هو إله واحد} أي يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو {وليذكر أولو الألباب} أي ذوي العقول.
آخر تفسير سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام, والحمد لله رب العالمين.


سورة الحجر
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
** الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مّبِينٍ * رّبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى {ربما يود الذين كفروا} الاَية, إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر, ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين, ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة, أن كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل: إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمناً. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة, كقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل, عن أبي الزعراء, عن عبد الله في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار, وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا مسلم, حدثنا القاسم, حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الاَية {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار, قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا, قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيخرجهم, فذلك حين يقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن حماد عن إبراهيم, وعن خصيف عن مجاهد قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم ؟ فإذا قالوا ذلك, قال الله: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان, قال: فعند ذلك قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}, وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم, وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة, فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم, حدثنا محمد بن منصور الطوسي, حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ وابن علية يحيى بن موسى, حدثنا معروف بن واصل عن يعقوب بن نباتة عن عبد الرحمن الأغر, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم, فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار ؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة, فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه, ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين», فقال رجل: يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» نعم أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا, ثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ.) (الحديث الثاني) ـ قال الطبراني أيضاً: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي, حدثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه, عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة, قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا: بلى, قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها, فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: ياليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا ـ قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {ألر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين * ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}» ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به, وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة.
(الحديث الثالث) قال الطبراني أيضاً: حدثنا موسى بن هارون, حدثنا إسحاق بن راهويه, قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم أبو روق واسمه عطية بن الحارث حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الاَية {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ؟ قال: نعم سمعته يقول: «يخرج الله ناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم» وقال: «لما أدخلهم الله النار مع المشركين, قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فيما بلاكم معنا في النار, فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم, فتشفع لهم الملائكة والنبيون, ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله, فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: ياليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم ـ قال ـ فذلك قول الله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم, فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم, فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم» فأقرّ به أبو أسامة وقال نعم.
(الحديث الرابع) قال ابن أبي حاتم, حدثنا علي بن الحسين, حدثنا العباس بن الوليد النرسي, حدثنا مسكين أبو فاطمة, حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن جبر عن محمد بن علي, عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه, ومنهم من تأخذه إلى حجزته, ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه, على قدر ذنوبهم وأعمالهم, ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها, ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها, وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى, فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء, فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء فيما مضى, فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}». وقوله: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} تهديد شديد لهم ووعيد أكيد, كقوله تعالى: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار}. وقوله: {كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون}, ولهذا قال: {ويلههم الأمل} أي عن التوبة والإنابة {فسوف يعلمون} أي عاقبة أمرهم.


** وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَهَا كِتَابٌ مّعْلُومٌ * مّا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها, وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم, وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.


** وَقَالُواْ يَأَيّهَا الّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَمَجْنُونٌ * لّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * مَا نُنَزّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مّنظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ
يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي الذي تدعي ذلك {إنك لمجنون} أي في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا {لو ما} أي هلا {تأتينا بالملائكة} أي يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين, كما قال فرعون {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين}, {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً}, وكذا قال في هذه الاَية: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} وقال مجاهد في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} بالرسالة والعذاب, ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن, وهو الحافظ له من التغيير والتبديل, ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {له لحافظون} على النبي صلى الله عليه وسلم, كقوله {والله يعصمك من الناس} والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق.


** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مّن رّسُولٍ إِلاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنّةُ الأوّلِينَ
يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به, ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى قال أنس والحسن البصري {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} يعني الشرك. وقوله {قد خلت سنة الأولين} أي قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار, وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والاَخرة.


** وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ
يخبر تعالى عن قوّة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم باباً من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك, بل قالوا: {إنما سكرت أبصارنا} قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا. وقال قتادة عن ابن عباس: أخذت أبصارنا. وقال العوفي عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا. وقال الكلبي: عميت أبصارنا. وقال ابن زيد: {سكرت أبصارنا}, السكران الذي لا يعقل.


** وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ * إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مّبِينٌ * وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت والسيارات, لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والاَيات الباهرات, ما يحار نظره فيه, وبهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ههنا هي الكواكب. (قلت): وهذا كقوله تبارك وتعالى {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً} الاَية. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر. وقال عطية العوفي: البروج ههنا هي قصور الحرس. وجعل الشهب حرساً لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى, فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه, فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الاَخر ويأتي بها إلى وليه, كما جاء مصرحاً به في الصحيح.
كما قال البخاري في تفسير هذه الاَية: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة, عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان» قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك, فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير, فيسمعها مسترقو السمع, ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر, ووصف سفيان بيده, وفرج بين أصابع يده اليمنى, نصبها بعضها فوق بعض, فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه, وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض, وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق, فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا, فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء, ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها, وما جعل فيها من الجبال الرواسي, والأودية والأراضي والرمال, وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.
وقال ابن عباس {من كل شيء موزون} أي معلوم, وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة, ومنهم من يقول: مقدر بقدر. وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر, وقال ابن زيد: ما يزنه أهل الأسواق. وقوله: {وجعلنا لكم فيها معايش} يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة. وقوله: {ومن لستم له برازقين} قال مجاهد: هي الدواب والأنعام. وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام, والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش, وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها, والأنعام التي يأكلونها, والعبيد والإماء التي يستخدمونها, ورزقهم على خالقهم لا عليهم, فلهم هم المنفعة, والرزق على الله تعالى.


** وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنّ رَبّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه, وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف {وما ننزله إلا بقدر معلوم} كما يشاء وكما يريد, ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام, ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاماً ههنا وعاماً ههنا, ثم قرأ {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} الاَية, رواه ابن جرير, وقال أيضاً: حدثنا القاسم, حدثنا هشيم, أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عتيبة في قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} قال: ما عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل, ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر, قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس, وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت.
وقال البزار: حدثنا داود هو ابن بكير, حدثنا حيان بن أغلب بن تميم, حدثني أبي عن هشام, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خزائن الله الكلام, فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان» ثم قال: لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي, وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين, ولم يروه عنه إلا ابنه. وقوله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} أي تلقح السحاب فتدر ماء, وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها, وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم, فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج, لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعداً.
وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو, عن قيس بن السكن, عن عبد الله بن مسعود في قوله: {وأرسلنا الرياح لواقح} قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء, ثم تمرى السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة, وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة. وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلىء ماء. وقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قماً, ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب, ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب, ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر, ثم تلا {وأرسلنا الرياح لواقح}.
وقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الريح الجنوب من الجنة, وهي التي ذكر الله في كتابه, وفيها منافع للناس» وهذا إسناد ضعيف, وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده. حدثنا سفيان, حدثنا عمرو بن دينار, أخبرني يزيد بن جعدية الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق في الجنة ريحاً بعد الريح بسبع سنين, وإن من دونها باباً مغلقاً, وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب, ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء, وهي عند الله الأذيب, وهي فيكم الجنوب».
وقوله: {فأسقيناكموه} أي أنزلناه لكم عذباً يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجاً, كما نبه على ذلك في الاَية الأخرى في سورة الواقعة, وهو قوله تعالى: {أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟ * لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون}, وفي قوله: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون}. وقوله: {وما أنتم له بخازنين} قال سفيان الثوري: بما نعين, ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين, بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معيناً وينابيع في الأرض, ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به, ولكن من رحمته أنزله وجعله عذباً, وحفظه في العيون والاَبار والأنهار وغير ذلك, ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.
وقوله: {وإنا لنحن نحيي ونميت} إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته, وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم, ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع, وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها, وإليه يرجعون, ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم, فقال: {ولقد علمنا المستقدمين منكم} الاَية, قال ابن عباس رضي الله عنهما: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام, والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة, وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم, وهو اختيار ابن جرير رحمه الله.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, عن رجل, عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء, فأنزل الله {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين}, وقد ورد فيه حديث غريب جداً, فقال ابن جرير: حدثني محمد بن موسى الجرشي, حدثنا نوح بن قيس, حدثنا عمرو بن قيس, حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء, قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط, وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا, يعني لئلا يروها, وبعض يستأخرون, فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم, فأنزل الله {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين}, وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره, ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما, وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني, وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما, وحكي عن ابن معين تضعيفه, وأخرجه مسلم وأهل السنن, وهذا الحديث فيه نكارة شديدة, وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: {ولقد علمنا المستقدمين منكم} في الصفوف في الصلاة {والمستأخرين} فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط, ليس فيه لابن عباس ذكر, وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس, و الله أعلم, وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر, عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} وأنها في صفوف الصلاة, فقال محمد بن كعب: ليس هكذا {ولقد علمنا المستقدمين منكم} الميت والمقتول {والمستأخرين} من يخلق بعد {وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيراً.


** وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ * وَالْجَآنّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نّارِ السّمُومِ
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس, والظاهر أنه كقوله تعالى: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار, وخلق الجان من مارج من نار} وعن مجاهد أيضاً {الصلصال} المنتن, وتفسير الاَية بالاَية أولى. قوله: {من حمأ مسنون} أي الصلصال من حمأ, وهو الطين. والمسنون: الأملس, كما قال الشاعر:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضـراء تمشي في مرمر مسنون
أي أملس صقيل, ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب, وعن ابن عباس ومجاهد أيضاً والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون ههنا المصبوب. وقوله: {والجان خلقناه من قبل} أي من قبل الإنسان {من نار السموم} قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل, وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار, ومنهم من يقول: السموم بالليل والحرور بالنهار. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمر الأصم أعوده, فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من عبد الله بن مسعود, يقول هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان, ثم قرأ {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار, وفي رواية: من أحسن النار. وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح «خلقت الملائكة من نور, وخلقت الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم». والمقصود من الاَية التنبيه على شرف آدم عليه السلام وطيب عنصره وطهارة محتده.


** وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مّن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ أَن يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قَالَ يَإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ
يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه وتشريفه إياه بأمر الملائكة بالسجود له, ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسداً وكفراً وعناداً واستكباراً وافتخاراً بالباطل, ولهذا قال: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماءٍ مسنون} كقوله {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} وقوله: {أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ} الاَية, وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: {إِني خالق بشراً من طين, فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} قالوا: لا نفعل, فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم, ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك, فقالوا: لا نفعل, فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم, ثم خلق ملائكة أخرى فقال: إني خالق بشراً من طين, فإِذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا, فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم, ثم خلق ملائكة فقال: إني خالق بشراً من طين, فإِذا أنا خلقته فاسجدوا له, قالوا: سمعنا وأطعنا, إِلا إِبليس كان من الكافرين الأولين, وفي ثبوت هذا عنه بعد, والظاهر أنه إسرائيلي, و الله أعلم.


** قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيمٌ * وَإِنّ عَلَيْكَ اللّعْنَةَ إِلَىَ يَوْمِ الدّينِ * قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىَ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
يذكر تعالى أنه أمر إِبليس أمراً كونياً لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى, وأنه رجيم أي مرجوم, وأنه قد أتبعه لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إِبليس, تغيرت صورته عن صورة الملائكة, ورن رنة, فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها, رواه ابن أبي حاتم, وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له, سأل من تمام حسده لاَدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة, وهو يوم البعث, وأنه أجيب إلى ذلك استدراجاً له وإِمهالاً, فلما تحقق النظرة قبحه الله.


** قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لاُزَيّنَنّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلاُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيّ مُسْتَقِيمٌ * إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنّ جَهَنّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ
يقول تعالى مخبراً عن إِبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: {بما أغويتني} قال بعضهم: أقسم بإِغواء الله له. {قلت} ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني {لأزينن لهم} أي لذرية آدم عليه السلام {في الأرض} أي أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأؤزهم إليها, وأزعجهم إليها إزعاجاً {ولأغوينهم أجمعين} أي كما أغويتني وقدرت عليّ ذلك {إلا عبادك منهم المخلصين} كقوله: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} {قال} الله تعالى له متهدداً ومتوعداً {هذا صراط عليّ مستقيم} أي مرجعكم كلكم إليّ, فأجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر, كقوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد}. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى, وإليه تنتهي, قاله مجاهد والحسن وقتادة كقوله: {وعلى الله قصد السبيل} وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة {هذا صراط عليّ مستقيم} كقوله: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} أي رفيع والمشهور القراءة الأولى.
وقوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي الذي قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم ولا وصول لك إليهم {إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع. وقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن موهب, حدثنا يزيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم, فإذا أراد النبي أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له, ثم سأله ما بدا له, فبينا نبي في مسجده إِذ جاء عدو الله ـ يعني إِبليس ـ حتى جلس بينه وبين القبلة, فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, قال: فردد ذلك ثلاث مرات, فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني ؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين ؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه, فقال النبي: إن الله تعالى يقول: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}. قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم}, وإني و الله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني, فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم ؟ قال آخذه عند الغضب والهوى.
قوله: {وإِن جهنم لموعدهم أجمعين} أي جهنم موعد جميع من اتبع إِبليس, كما قال عن القرآن {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}, ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه, أجارنا الله منها, وكل يدخل من باب بحسب عمله, ويستقر في درك بقدر عمله. قال إسماعيل بن علية وشعبة, كلاهما عن أبي هارون الغنوي عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا ـ قال أبو هارون ـ أطباقاً بعضها فوق بعض. وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يريم, عن علي رضي الله عنه قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض, فيمتلىء الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلىء كلها.
وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق, وقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جنهم, ثم لظى, ثم الحطمة, ثم السعير, ثم سقر, ثم الجحيم, ثم الهاوية. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه: وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضاً, وقال قتادة: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} هي و الله منازل بأعمالهم, رواهن ابن جرير, وقال جويبر عن الضحاك {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: باب لليهود, وباب للنصارى, وباب للصابئين, وباب للمجوس, وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب, وباب للمنافقين, وباب لأهل التوحيد, فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك أبداً.
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن جنيد, حدثنا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن حميد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لجهنم سبعة أبواب, باب منها لمن سل السيف على أمتي ـ أو قال على أمة محمد} ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عباس بن الوليد الخلال, حدثنا زيد ـ يعني ابن يحيى ـ حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال «إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه, وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته, ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه, منازلهم بأعمالهم, فذلك قوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم}.


** إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ * نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ
لما ذكر تعالى حال أهل النار, عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات وعيون. وقوله: {ادخلوها بسلام} أي سالمين من الاَفات, مسلم عليكم {آمنين} أي من كل خوف وفزغ, ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء, وقوله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين} روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن, حتى إِذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل, ثم قرأ {ونزعنا ما في صدورهم من غل} هكذا في هذه الرواية, والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف, وقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فضالة عن لقمان عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري. وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة: حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخلص المؤمن من النار, فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إِذا هذبوا ونقوا, أذن لهم في دخول الجنة».
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن, حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا هشام عن محمد هو ابن سيرين قال: استأذن الأشتر على علي رضي الله عنه, وعنده ابن لطلحة فحبسه ثم أذن له, فلما دخل قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا, قال: أجل, قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني, قال: أجل إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابيلن} وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا الحسن, حدثنا أبو معاوية الضرير, حدثنا أبو مالك الأشجعي, عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل, فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين}.
وقال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط, فقالا: الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخواناً, فقال علي رضي الله عنه: قوماً أبعد أرض وأسحقها, فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة ؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله, وروى وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن نعيم بن أبي هند, عن ربعي بن جراش عن علي نحوه, وقال فيه فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين, قال: فصاح به علي صيحة فظننت أن القصر تدهده لها, ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم ؟
وقال سعيد بن مسروق عن أبي طلحة, وذكره وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك, فقام إليه علي رضي الله عنه فضربه بشيء كان في يده في رأسه, وقال:فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن ؟ وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي رضي الله عنه فحجبه طويلاً ثم أذن له فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم, فقال علي: بفيك التراب إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين} وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بنحوه. وقال سفيان بن عيينة عن إسرائيل عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الاَية {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين} وقال كثير النواء: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم, وسلمي سلمكم, وعدوي عدوكم, وحربي حربكم, أنا أسألك بالله)أتبرأ من أبي بكر وعمر فقال: {قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين} تولهما يا كثير فما أدركك فهو في رقبتي هذه, ثم تلا هذه الاَية {إخواناً على سرر متقابلين} قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين, وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح في قوله: {إخواناً على سرر متقابلين} قال: هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة, والزبير وعبد الرحمن بن عوف, وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين. وقوله: {متقابلين} قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض, وفيه حديث مرفوع.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني, حدثنا حسان بن حسان, حدثنا إبراهيم بن بشير, حدثنا يحيى بن معين عن إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل, عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الاَية {إخواناً على سرر متقابلين} في الله ينظر بعضهم إلى بعض. وقوله: {لا يمسهم فيها نصب} يعني المشقة والأذى, كما جاء في الصحيحين «أن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». وقوله: {وما هم منها بمخرجين} كما جاء في الحديث «يقال يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبداً, وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً, وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً, وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبداً». وقال الله تعالى: {خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً}.
وقوله: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم, وقد تقدم ذكر نظير هذه الاَية الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف, وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال «اذكروا الجنة واذكروا النار» فنزلت {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} رواه ابن أبي حاتم وهو مرسل.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا إسحاق, أخبرنا ابن المكي, أخبرنا ابن المبارك, أخبرنا مصعب بن ثابت, حدثنا عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رياح, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال «ألا أراكم تضحكون» ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقول لك لم تقنط عبادي {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم}» وقال شعبة عن قتادة في قوله: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم} قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام, ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه».


** وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشّرْتُمُونِي عَلَىَ أَن مّسّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشّرُونَ * قَالُواْ بَشّرْنَاكَ بِالْحَقّ فَلاَ تَكُن مّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رّحْمَةِ رَبّهِ إِلاّ الضّآلّونَ




التوقيع :
طوبى لكم / طوبى لكم
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد  رد  


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

اخر المشاركات و المواضيع
الشهيد الطفل سينار غيث مطانيوس [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : سلوى أم طوني ] [ عدد الزوار : 24 ] [ عدد الردود : 2 ]
طب و صحة>>دراسة تحذر من الانعكاسات الصحية السلبية لاستخدام الانترنت [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 7 ] [ عدد الردود : 0 ]
رياضة>>استشهاد لاعب الوثبة ومنتخب سورية للناشئين طارق غرير [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 12 ] [ عدد الردود : 0 ]
Dentist Nj [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamCowl ] [ آخر مشاركة : WilliamCowl ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
معايدة الفصح 2014 [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 16 ] [ عدد الردود : 0 ]
رىîًٍهٍü ٌىهّيûه âèنهî ïًî êîٍîâ [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : TabPlestPoots ] [ آخر مشاركة : TabPlestPoots ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
lainaa heti fin lainaa [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : RxXShardJsj ] [ آخر مشاركة : RxXShardJsj ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
رياضة>>برشلونة يواصل نتائجه السيئة ويخسر أمام غرناطة [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 7 ] [ عدد الردود : 0 ]
ماهو الشعر ( كاتب الموضوع نزار كوسا ) [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : جوني وسوف ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 24707 ] [ عدد الردود : 695 ]
الشهيد المرحوم جورج سمعان [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 6 ] [ عدد الردود : 0 ]
أضغط على الصورة هنا للذهاب للصفحة الرئيسية للموقع :
جميع الأوقات بتوقيت برشين

عدد الزيارات :




النسخة الماسية الإصدار Powered by  vBulletin 3.6.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات برشين ملتقى شباب و صبايا برشين .... جميع المشاركات والمواضيع في منتديات برشين لا تعبر عن رأي الإداره بل تمثل وجهة نظر كاتبها