منتديات برشين  

سألت القمر نورك إجا من وين يضّوي العتم بليل تـشــــريني؟؟ قَلي بفخر رافع لفوق جبين رح جاوبك تكرم على عيني نوري أنا ولون الدهب تخمين عطية إجتنا من عند الله ومن حِمرتك تفاح برشيني ...::... فريق الإدارة في موقع قرية برشين يرحب بزوارنا الكرام و يتمنى لهم كل الفائدة من مواضيع منتدانا ... اهلا بكم في برشين

ياربنا يسوع المسيح بشفاعة القديس العظيم مارجرجس شفيع قريتنا افرج يارب شدة كل اولادك المتضايقين اذكر يا ربنا ابناء قريتنا المغيبن عنها ... اذكر يا رب الأخ ... فايز عيسى ... ... و فرج عنه ... آمين .... :: ....


الرئيسية المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة
العودة   منتديات برشين > القسم التاريخي و الجغرافي > التاريخ القديم و المعاصر
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

التاريخ القديم و المعاصر كل شيء عن التاريخ القديم و التاريخ المعاصر و ما بينهما

إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  
 
أدوات الموضوع
قديم 29-03-11, 09:23 مساء   رقم المشاركة : [391]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


يقول روسو أن هناك عقداً اجتماعياً، لا كتعهد من المحكومين بإطاعة الحاكم، كما جاء في كتاب هويز (اللوياثان) "الوحش"، بل كاتفاق الأفراد على أن يخضعوا رأيهم؛ وحقوقهم، وسلطاتهم لحاجات ورأي مجتمعهم ككل. وكل شخص يدخل ضمناً في مثل هذا العقد بقبوله حماية القوانين العامة. والسلطة العليا في أي دولة لا تستقر في أي حاكم-فرداً كان أو جماعة-بل في "الإرادة العامة" للمجتمع، وتلك السيادة لا يمكن التخلي عنها أبداً وإن جاز تفويضها جزئياً إلى حين.
ولكن ما هذه "الإرادة العامة"؟ أهي إرادة جميع المواطنين؛ أم إرادة الأغلبية فقط؟ ومن الذين يعتبرون مواطنين؟ إنها ليست إرادة الجميع، لأنها قد تناقض كثيراً من الإرادات الفردية. ولا هي دائماً إرادة الأغلبية الذين يعيشون (أو يصوتون) في لحظة بعينها، بل عي إرادة المجتمع باعتباره صاحب حياة وواقع مضافين إلى حيوات وإرادات الأعضاء الأفراد. (وروسو، كمفكر واقعي من العصر الوسيط، ينسب للجماعة مجتمعة، أو للفكرة العامة، واقعاً بالإضافة إلى واقع أعضائها الأفراد. فالإرادة العامة أو "روح الجماعة" يجب أن تكون الصوت المعبر لا عن المواطنين الأحياء فحسب، بل الأموات أو الذين لم يولدوا بعد، ومن ثم فالذي يعطيها طابعها ليس هو الإرادات الراهنة فحسب، بل تاريخ الجماعة الماضي وأهدافها المستقبلة. وما أشبهها بأسرة عريقة تفكر في نفسها على أنها واحدة على مر الأجيال، وتكرم أسلافها، وتحمي أخلاقها-(بمعنى أن أباً من الآباء قد يدفعه التزامه قبل حفدته الذين لم يولدوا بعد إلى مناقضة رغبات أبنائه الأحياء، وأن سياسياً ما قد يشعر بأنه ملتزم بالتفكير لا بلغة انتخاب واحد بل أجيال كثيرة). ومع ذلك فإن (صوت الأغلبية ملزم دائماً للباقين جميعاً(4)). ومن له حق التصويت؟ كل مواطن(5). ومن المواطن؟ واضح أنه ليس كل بالغ ذكر. وروسو غامض جداً في هذه النقطة، ولكنه يمتدح دالامبير لتفريقه بين




صفحة رقم : 13101




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


"طبقات الناس الأربعة...الذين يسكنون مدينتنا (جنيف)، وطبقتان من هؤلاء فقط تؤلفان الشعب. ولم يفهم كاتب فرنسي آخر...المعنى الحقيقي لكلمة المواطن(6).
يقول روسو أن القانون، في الحالة المثالية، ينبغي أن يكون التعبير عن الإرادة العامة. فالإنسان بفطرته يغلب عليه الخير، ولكن له غرائز يجب التحكم فيها ليصبح المجتمع أمراً ممكناً. وليس العقد الاجتماعي تمجيد "حالة الطبيعة" فروسو يتكلم لحظة كما يتكلم لوك أو مونتسيكو لا بل فولتير:
"إن الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية يتمخض عن تغير ملحوظ جداً في الإنسان، لأنه يحل القانون محل الغريزة في سلوكه، ويضفي على أفعاله، الفضيلة التي كانت تعوزها من قبل. ومع أنه في هذه الحالة (المدنية) يحرم نفسه من بعض المنافع التي تلقاها من الطبيعة. إلا أنه يكسب نظير ذلك منافع أخرى عظيمة جداً؛ فقدراته تحفر حفراً شديداً وتطور تطويراً كبيراً، وأفكاره توسع كثيراً وروحه كلها تسمو سمواً عظيماً. ولولا أن مساوئ حالته الجديدة كثيراً ما تهبط به إلى مستوى أدنى من ذلك الذي تركه، لكان عليه أن يبارك على الدوام تلك اللحظة السعيدة التي نقلته من حالته الأولى إلى غير رجعة، والتي جعلته كائناً-ذكياً وإنساناً بدلاً من أن يظل حيواناً غبياً عديم الخيال(7).
وهكذا نجد روسو (الذي تكلم يوماً ما كما يتكلم فوضوي لا يفلسف كلامه تماماً) يناصر بكليته قداسة القانون عن الإرادة العامة. فإذا لم يتفق فرد ما كما يحدث في حالات كثيرة-مع تلك الإرادة كما يعبر عنها في القانون، حق للدولة إكراهه على الخضوع(8). وليس هذا انتهاكاً للحرية لا صيانة لها، حنى للفرد المقاوم، لأنه بفضل القانون وحده يستطيع الفرد في الدولة المدنية أن يتمتع بتحرره من العدوان، والسرقة، والاضطهاد، وتشويه السمعة، وعشرات الشرور الأخرى. ومن ثم فإن المجتمع بإكراهه الفرد على إطاعة القانون إنما "يكرهه على أن يكون حراً" في




صفحة رقم : 13102




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


الواقع(9). وهذه هي الحالة على الأخص في الجمهوريات، لأن "طاعة القانون الذي نضعه لأنفسنا هي الحرية"(10).
الحكومة جهاز تنفيذي تفوض فيه الإرادة العامة مؤقتاً بعض سلطاتها. وينبغي أن تكون فكرتنا عن الدولة لا على أنها الحكومة فقط، بل الحكومة، والمواطنين، والإرادة العامة أو روح الجماعة. والدولة تكون جمهورية إذا حكمتها القوانين لا المراسيم الأوتقراطية، وبهذا المعنى يمكن حتى اعتبار الملكية جمهورية إذا حكمتها القوانين لا المراسيم الأوتقراطية، وبهذا المعنى يمكن حتى اعتبار الملكية جمهورية. أما إذا كانت الملكية مستبدة-أي إذا كان الملك يضع القوانين وينفذها-فليست هناك جمهورية أو دولة، بل طاغية يحكم عبيداً. ومن ثم رفض روسو الانضمام إلى أولئك الفلاسفة الذين امتدحوا "الاستبداد المستنير"-استبداد فردريك الثاني أو كاترين الثانية سبيلاً لدفع الحضارة والإصلاح قدماً. وكان رأيه إن الشعوب التي تعيش في أجواء قطبية أو مدارية قد تحتاج إلى الحكم المطلق حفاظاً على الحياة والنظام(11)، أما في المناطق المعتدلة فيحسن المزج بين الأرستقراطية والديمقراطية. والأرستقراطية الوراثية "أسوأ الحكومات قاطبة"، والأرستقراطية الانتخابية أفضلها(12)، أي أن أفضل حكومة هي تلك التي تضع القوانين وتنفذها فيها أقلية من الرجال ينتخبون دورياً لتفوقهم الفكري والخلقي.
أما الديمقراطية بوصفها حكماً مباشراً بواسطة الشعب كله فقد بدت لروسو مستحيلة.
"لو أخذنا هذا اللفظ بمعناه الدقيق لم نجد قط ديمقراطية حقيقية، ولن توجد أبداً هذه الديمقراطية. فما يناقض النظام الطبيعي أن تكون الكثرة حاكمة والقلة محكومة. ومما لا يمكن تصوره أن يظل الناس مجتمعين بصفة مستمرة ليتفرغوا للشؤون العامة، وواضح أنهم لا يستطيعون إنشاء لجان لهذا الغرض دون تغيير في شكل الحكومة".
ثم كم من الظروف التي يصعب الجمع بينها تفترض لهذه الحكومة؟




صفحة رقم : 13103




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


أولاً دولة صغيرة جداً يمكن جمع الشعب فيها عاجلاً، ويمكن لكل مواطن فيها أن يعرف سائر المواطنين بسهولة؛ ثانياً، الباسطة التامة في العادات، منعاً لتكاثر الأعمال وإثارة المشاكل الشائكة، ثم قدر كبير من المساواة في الرتب والثروات بدونه لا تستطيع المساواة في الحقوق والسلطة البقاء طويلاً، وأخيراً قلة الترف أو انعدامه، لأن الترف مفسدة للأغنياء والفقراء جميعاً-للأغنياء بالاقتناء، وللفقراء بالاشتهاء..وهذا هو ما حدا كاتباً شهيراً (مونتسكيو) إلى اعتبار الفضيلة المبدأ الأساسي للجمهوريات، لأن هذه الظروف كلها لا يمكن توافرها بغير الفضيلة..ولو كان هناك شعب من الآلهة لكانت حكومة ديمقراطية أما البشر فليست هذه الحكومة البالغة الكمال مما يناسبهم(13).
وقد تغري هذه الفقراء بسوء التفسير. فروسو يستخدم لفظ "الديمقراطية" بمعنى ندر أن ينسب له في السياسة أو التاريخ، وهو أنها حكومة تشرع فيها كل القوانين بواسطة الشعب كله المجتمع في مجالس قومية. والواقع أن "الأرستقراطية الانتخابية" التي فضلها هي ما يجب أن نسميه الديمقراطية النيابية-أي الحكومة التي يتولاها موظفون يختارهم الشعب لما يفترض فيهم من صلاحية عليا. على أن روسو يرفض الديمقراطية النيابية على أساس أن الممثلين أو النواب سرعان ما يشرعون لمصلحتهم لا للخير العام. "أن الشعب الإنجليزي يعتبر نفسه حراً ولكنه يخطئ بذلك خطأ فاحشاً؛ فهو حر فقط خلال انتخاب أعضاء البرلمان؛ وما إن يتم انتخابهم حتى تسيطر العبودية على الشعب فلا يعود له وزن"(14). فالممثلون يجب أن ينتخبوا ليشغلوا المناصب الإدارية والقضائية لا ليشرعوا، ويجب أن تشرع جميع القوانين بواسطة الشعب في جمعية عامة، وأن يكون لتلك الجمعية سلطة إقالة الموظفين المنتخبين(15). ومن ثم وجب أن تكون الدولة المثالية من الصغر بحيث تسمح لجميع المواطنين بالاجتماع مراراً كثيرة. "وكلما اتسعت الدولة تقلصت الحرية"(16).
أكان روسو اشتراكياً؟ إن "المقال" الثاني نسب جميع رذائل الحضارة إلى إقرار الملكية الخاصة، ولكن حتى ذلك المقال رأى أن هذا النظام أعمق




صفحة رقم : 13104




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


جذوراً من البنيان الاجتماعي من أن يتيح للقضاء عليه دون ثورة فوضوية مدمرة. "والعقد الاجتماعي" يسمح بالملكية الخاصة بشرط رقابة الجماعة، فيجب أن تحتفظ الجماعة بكل الحقوق الأساسية، ولها أن تستولي على الأملاك الخاصة لخير المجتمع، ويجب أن تحدد أقصى ما يسمح للأسرة الواحدة بتملكه(17). ولها أن تؤمن على توريث الملكية، ولكن إذا رأت الثورة تنحو إلى تركز ممزق فلها أن تستخدم ضرائب التركات لإعادة توزيع الثروة والتخفيف من عدم المساواة الاجتماعي والاقتصادي. "يجب أن يتجه التشريع دائماً إلى الحفاظ على المساواة بالضبط لأن قوة الأشياء تتجه دائماً إلى القضاء عليها(18). ومن أهداف "العقد الاجتماعي" أن يصبح الأفراد الذين قد يكونون مختلفين قوة أو ذكاء متساوين في الحقوق الاجتماعية والقانونية(19). ويجب أن تفرض الضرائب العالية على الكماليات. "إن الحالة الاجتماعية لا تقيد الناس إلا إذا ملك كل فرد شيئاً ولم يملك أحد فوق ما ينبغي(20)". ولم يورط روسو نفسه في القول بالجماعية، ولا خطرت بباله قط (دكتاتورية البرولتاريا)، وكان يحتقر البرولتاريا الوليدة في المدن، واتفق مع فولتير على تسميتها (الرعاع أو حثالة المجتمع)(21). وكان مثله الأعلى طبقة فلاحين تعيش مستقلة رخية الحال، وطبقة وسطى فاضلة تتألف من أسر كأسر فولمار في "هلويز الجديدة" وسيتهمه بيير-جوزف برودون بتمجيد "لبرجوازية"(22).
ترى أي مكان للدين في الدولة؟ لقد شعر روسو أن ديناً ما لا عنى عنه للفضيلة، "ما قامت دولة قط دون أساس ديني"(23).
"إن الحكماء أن حاولوا الكلام بلغتهم إلى القطيع العام بدلاً من لغته لن يستطيعوا إيصال ما يريدون إلى إفهامهم...ولكي يمكن شعب ناشئ من إيثار الأصول السليمة للنظرية السياسية...يجب أن تصبح النتيجة سبباً: فالروح الاجتماعية التي ينبغي أن تخلقها هذه المؤسسات يجب أن تسود أساسها نفسه، ويجب أن يكون الناس أمام القانون ما يجب أن يصبحوه بالقانون. إذن فالمشرع لعجزه عن الالتجاء إلى القوة أو للعقل




صفحة رقم : 13105




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


يجب أن يلجأ إلى سلطة من نوع مختلف، قادراً على الكبح دون عنف..هذا ما دعا آباء الأمم في جميع العصور إلى الالتجاء للتدخل الإلهي، ونسبة حكمتهم هم لآلهتهم، حتى، تطيع الشعوب بخضوعها لقوانين الدولة كما تخضع لقوانين الطبيعة... دون عائق، وتحتمل نير الخير العام عن طيب خاطر"(24).
ولن يتشبث روسو دائماً بهذا الرأي السياسي القديم في الدين، ولكنه في "العقد الاجتماعي" جعل من الإيمان فوق الطبيعي أداة للدولة، واعتبر القساوسة على أفضل تقدير ضرباً من الشرطة السماوية. على أنه رفض اعتبار الكهنة الكاثوليك الرومان كذلك، لأن الكنيسة زعمت أنها فوق الدولة، فهي إذن قوة مفسحة، تقسم ولاء المواطن(25). وفضلاً عن ذلك فإن المسيحي-كما زعم-إذا أخذ لاهوته مأخذ الجد؛ يركز اهتمامه على الحياة الآخرة، ولا يقيم وزناً يذكر لهذه الحياة الدنيا، فهو إلى هذا الحد مواطن ضعيف. ومثل هذا المسيحي يكون جندياً وسطاً؛ قد يقاتل دفاعاً عن وطنه، ولكنه لا يفعل إلا تحت إكراه وإشراف مستمرين، وهو لا يؤمن بشن الحرب دفاعاً عن الدولة؛ لأن له وطناً واحداً فقط-هو الكنيسة. والمسيحية تبشر بالعبودية والتبعية الطيعة؛ ومن ثم كانت روحها مواتية جداً للاستبداد بحيث أن الطغاة يرحبون بتعاونها. "إن المسيحيين الحقيقيين خلقوا ليكونوا عبيداً(26)". وهكذا اتفق روسو مع ديدرو، واستبق جيون، وكان في تلك الفترة أشد عنفاً في عدائه للكاثوليكية من فولتير؛ ومع ذلك شعر بأن ديناً ما لا غنى عنه؛ "ديناً مدنياً" تصيغه الدولة وتفرضه فرضاً على جميع سكانها. أما عن العقيدة:
"فأن عقائد الدين المدني يجب أن تكون قليلة؛ بسيطة؛ دقيقة العبارة؛ دون شروح أو تعليقات. فوجود إله قادر؛ ذكي؛ خير؛ ذي بصيرة وتدبر؛ ثم حياة أخرى؛ وسعادة الأبرار؛ وعقاب الأشرار؛ وقداسة العقد الاجتماعي والقوانين؛ تلك عي عقائد الدين الإيجابية(27)".
وهكذا اعترف روسو بعقائد المسيحية الأساسية؛ على الأقل لأغراض




صفحة رقم : 13106




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


سياسية؛ على حين رفض أخلاقياتها لغلوها في المسالمة والدولية-على العكس تماماً ومما درج عليه الفلاسفة من الاحتفاظ بأخلاقيات المسيحية مع رفض لاهوتها. وقد سمح بأديان أخرى في دولته الوهمية؛ بشرط عدم تعارضها مع العقيدة الرسمية. وهو يتسامح مع الأديان "التي تتسامح مع غيرها"؛ أما من يجسر على القول "بأنه لا خلاص خارج الكنيسة" فيجب طرده من الدولة، إلا أن تكون الدولة هي الكنيسة، والملك هو حبرها الأعظم(28)". ولا يسمح بإنكار البنود الواردة في ديانة الدولة.
"وإذا كانت الدولة لا تستطيع إكراه أحد على الإيمان بهذه البنود، فإن في استطاعتها أن تنفيه، لا لزندقته، بل بوصفه كائناً أرستقراطياً، عاجزاً عن محبة القوانين والعدالة محبة صادقة، وعن بذل حياته عند الحاجة في سبيل الواجب. وإذا سلك إنسان-بعد إقراره بهذه العقائد علانية-مسلك من لا يؤمن بها، كان عقابه الموت(29)".
وهذه الجملة الأخيرة هي أشهر الجمل في "العقد الاجتماعي" بعد "ولد الإنسان حراً وهو في كل مكان مكبل بالأغلال" وإذا أخذت بمنطوقها الحرفي كان معناها إعدام كل مكن يسلك مسلك من لا يؤمن بالله، أو الجنة أو النار، ولو طبقت على باريس ذلك الزمان لأنضبت تلك العاصمة من أهلها. ولعل حب روسو للعبارات المسرفة التي تهز القراء طوح به إلى أن يقول أكثر مما يعني. ولعله تذكر مجمع أوجزنورج (1555) الذي وافق فيه كل الأمراء الموقعين على قراراته على أن يكون لكل منهم الحق في أن ينفي من أملاكه أي شخص لا يقبل مذهب الأمير. وفي قوانين جنيف إذا أخذت حرفياً (كما حدث في حالة سرفيتوس) سابقة لوحشية روسو المفاجئة. وقد اعتبرت أثينا القديمة "رفض الاعتراف بالآلهة الرسميين" جريمة كبرى، كما حدث في نفي أناكساجوراس وقتل سقراط بالسم، وكان هذا بالمثل القذر الذي بررت به روما الإمبراطورية اضطهادها للمسيحيين، وأخذ برأي روسو هذا في معاملة المجرمين يمكن أن يوصف الأمر باعتقاله ب،ه من أفعال المحبة المسيحية.




صفحة رقم : 13107




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


أكان "العقد الاجتماعي" كتاباً ثورياُ؟ لا ونعم. فهناك وهناك، وسط مطالبة روسو بحكومة مسئولة أمام الإرادة العامة، تهدئ ثائرته لحظات من الحذر، كما في قوله: "لا شيء يمكن أن يعدل خطر تغيير النظام العام غير الأخطار الكبرى، ويجب أن تعطل السلطة المقدسة للقوانين إطلاقاً ما لم تكن حياة الوطن في خطر"(30). ومع أنه حمل الملكية الخاصة اللوم على كل الشرور تقريباً، إلا أنه دعا إلى صيانتها لأنها ضرورة يدعو إليها ما آل إليه الإنسان من فساد لا صلاح له. وتساءل ألا تعيد طبيعة الإنسان، بعد أن يقوم بثورة، نظماً وعبوديات قديمة تحت أسماء جديدة؟ "إن قوماً تعودوا الخضوع لسادة لن يدعوا السيادة تتوقف...فهم إذ يحسبون الإباحية حرية، تسلمهم ثوراتهم إلى أيدي مضللين لا يزيدونهم إلا رسوفاً في أغلالهم(31)".
ومع ذلك كان صوت روسو أكثر أصوات العهد ثورية. ففي هذا الكتاب كان خطابه موجهاً لكثرة الشعب، وإن غض من شأن الجماهير ولم يثق بها في غيره من كتبه. لقد كان يعلم إنه لا مناص من عدم المساواة، ولكنه أدانه بقوة وبلاغة. وأعلن في غير لبس أو غموض أن من حق الشعب أن يطيح بحكومة تصر على مخالفة الإرادة العامة. وبينما كان فولتير، وديدرو ودالامبير، ينحنون للملوك أو الإمبراطوريات، أطلق روسو على الحكومات القائمة صرخة احتجاج قدر لها أن تسمع من أقصى أوربا إلى أقصاها. وبينما اقتصر جماعة الفلاسفة، الغارقين في "الحالة الراهنة" على الدعوة لإصلاح تدريجي لشرور معينة، هاجم جان-جاك النظام الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي بحملته، وبشمول بدا معه كل علاج مستحيلاً إلا على الثورة. ثم أعلن أنها آتية: "محال أن تعمر ممالك أوربا الكبرى أكثر مما عمرت. لقد كان لكل منها فترة مجدها، ومآلها بعدها إلى الاضمحلال...إن الأزمة تقترب، ونحن على شفا ثورة(32)". وتنبأ بوقوع تغييرات بعيدة المدى بعد أن تنشب هذه الثورة: "ستتطلع إمبراطورية روسيا إلى غزو أوربا، وستغزي هي نفسها. وسيصبح التتار-رعاياها أو جيرانها-سادتها وسادتنا، بثورة أراها آتية لا ريب فيها(33)".




صفحة رقم : 13108




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


على أن "العقد الاجتماعي" الذي نرى في نظرة مؤخرة أنه كان أكثر كتب روسو ثورية، أثار ضجة أقل كثيراً مما أثارته "هلويز الجديدة". فلقد كانت فرنسا مهيأة للانفراج العاطفي والحب الرومانسي، ولكنها لم تتهيأ لمناقشة الإطاحة بالملكية. وكان هذا الكتاب أكثر ما أنتج روسو إلى ذلك الحين من حجج مدعمة، ولم يكن تتبعه سهلاً كتتبع دعايات فولتير المتألقة. ونحن الذين راعنا ما لقي من ذيوع متأخر، يدهشنا أن نعلم أن شعبيته وتأثيره بدأ بعد الثورة لا قبلها(34). ومع ذلك نرى دالامبير يكتب لفولتير في 1762 قائلاً: "لا جدوى من مهاجمة جان-جاك أو كتابه بصوتٍ عالٍ جداً، فهو أشبه بملك في السوق" ("ليزال"(35)-أي بين العمال الغلاظ في سوق باريس المركزية، و-بالتضمين-بين جماهير الشعب). ولعل هذا كان غلواً في القول، ولكن لنا أن نعتبر عام 1762 تاريخاً لتحول الفلسفة من مهاجمة المسيحية إلى نقد الدولة.
وقل من الكتب ما أثار مثل هذا النقد الكثير. وقد أشر فولتير على نسخة من "العقد الاجتماعي" بردود على الهامش، فرداً على ما أشار به روسو من إعدام من يذنب بالكفر الإيجابي كتب "كل إكراه في العقيدة مرذول(36)". ويذكرنا العلماء بقدم الدعوى بأن السيادة مستقرة في الشعب، فقد قدم مارسيليوس البادوادي، ووليم أوكيم، وحتى اللاهوتيون الكاثوليك أمثال بيللارمين، وماريانا، وسواريز، هذه الدعوى كأنها الضربة خلف ركب الملوك. وقد ظهرت من قبل في كتابات جورج بوكانان وجروتيوس، وملتن، والجرنون سدني، ولوك، وبوفندورف...إن "العقد الاجتماعي" شأنه شأن فلسفة روسو السياسية والأخلاقية كلها تقريباً، هو صدى وانعكاس لجنيف بقلم مواطن على بعد كافٍ يتيح له تمجيدها دون أ، يحس بمخالبها. لقد كان الكتاب مزيجاً من جنيف وإسبرطة، من "قواعد" كلفن و "قوانين" أفلاطون.
وبين عشرات النقاد ذلك التناقض بين النزعة الفردية في مقالي "روسو" وحرفية القانونية في "العقد الاجتماعي". لقد رفض فيلمر في كتابه Parriarcha




صفحة رقم : 13109




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


(1642) قبل مولد روسو بزمن طويل الفكرة التي تزعم أن الناس ولدوا متساوين، فهم في ميلادهم خاضعون للسلطان الأبوي ولقانون الجماعة وعاداتها. وروسو نفسه، بعد الصرخة الأولى للدفاع عن الحرية، أخذ يبتعد عن الحرية أكثر فأكثر متجهاً إلى النظام-إلى خضوع الفرد للإرادة العامة. والتناقضات التي تلحظها في مؤلفاته هي أساساً بين خلقه وفكره، فلقد كان فردياً متمرداً بحكم مزاجه، وعلته، وافتقاره إلى الانضباط، وكان بيئياً (لا شيوعياً إطلاقاً، ولا حتى جماعياً) بحكم إدراكه المتأخر لاستحالة تكوين المجتمع الفعال من الخوارج. وعلينا أن نحسب حساباً للتطور، فأفكار إنسان ما هي دالة خبرته وعمره، ومن الطبيعي للمفكر أن يكون فردي النزعة في شبابه-فيحب الحرية ويبحث عن المثل العليا-وأن يكون معتدلاً حين ينضج، فيحب النظام ويرتضي الممكن. وقد ظل روسو من الناحية العاطفية طفلاً طوال حياته، ينكر العرف، والمحظورات، والقوانين، ولكنه حين فكر تفكيراً منطقياً أدرك أن في الإمكان بقاء الكثير من الحريات في نطاق القيود الضرورية للنظام الاجتماعي، وانتهى إلى أن يدرك أن الحرية في مجتمع ما ليست ضحية القانون بل ثمرته-وأنها تتسع ولا تضيق بطاعة الجميع لقيود يفرضونها على أنفسهم جماعة. وفي وسع الفوضويين الفلسفيين والشموليين السياسيين جميعاً أن يستشهدوا بروسو تأييداً لدعواهم(37)، وكلا الفريقين لا حق له في الاستشهاد، لأنه اعترف بأن النظام أول قوانين الحرية، والنظام الذي دافع عنه يجب أن يكون التعبير عن الإرادة العامة.
وقد نفى روسو أي تناقضات حقيقية في فلسفته فقال "كل أفكاري متسعة، ولكني لا أستطيع عرضها كلها مرة واحدة(38)". وسلم بأن كتابه "في حاجة إلى أن يكتب من جديد، ولكني لست أملك من العافية ولا الوقت ما يسمح لي بذلك(39)"، فحين كانت العافية متاحة له سلبه الاضطهاد وقته، وحين كف الاضطهاد وأتيح له الفراغ، كانت العافية قد تضاءلت. وفي تلك السنوات الأخيرة بات يتشكك في حججه، "أن الذين يفاخرون بأنهم فهموا "العقد الاجتماعي" فهماً تاماً أذكى مني". وقد أغفل تماماً، من الناحية العملية، المبادئ التي وضعها فيه، ولم يخطر بباله قط أن




صفحة رقم : 13110




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> العقد الاجتماعي


يطبقها حين طلب إليه وضع دستور لبولندا أو كورسيكا. ولو أنه مضى في خط التغير الذي اتبعه بعد عام 1762 لانتهى به المطاف إلى حضن الأرستقراطية، والكنيسة، وبما تحت سكين الجيلوتين.




صفحة رقم : 13111




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل



2- إميل




أ - تربيته


في وسعنا أن نغتفر الكثير لكاتب استطاع في خمسة عشر شهراً أن يصدر "هلويز الجديدة" (فبراير 1761) و "العقد الاجتماعي" (إبريل 1762)، و "إميل" (مايو 1762). وقد نشر ثلاثتها في أمستردام، ولكن "إميل" نشر في باريس أيضاً بإذن من الحكومة حصل عليه مالزيرب العطوف بمخاطرة كبيرة. ومن حق مارك-ميشيل راي، الناشر الأمستردامي، علينا أن نحييه تحية عابرة، ذلك أنه بعد أن كسب أرباحاً لم يتوقعها من هلويز أوقف على تريز معاشاً سنوياً مدى الحياة قدره 300 جنيه، وإذ تنبأ لإميل برواج أعظم من "العقد الاجتماعي" (الذي كان قد اشتراه بألف جنيه) دفع لجان-جاك ستة آلاف جنيه نظير المخطوطة الجديدة الأطول من سابقتها.
أما الكتاب فكان بعضه ثمرة مناقشاته مع مدام ديينيه عن تربية ولدها، واتخذ أول شكل له في مقال صغير كتب-ليسر أمة قادرة على أن تفكر-وهي مدام دشنونسو، ابنة مدام دويان. وقد قصد به روسو أن يكون تذليلاً لقصته "هلويز الجديدة": فكيف ينبغي أن ينشأ أبناء جولي؟ وخامره الشك لحظة في صلاحية رجل أودع كل أطفاله في ملجأ للقطاء، وفشل معلماً خاصاً في أسرة مابليه، للكلام في موضوع الأبوة والتربية. ولكن كعادته وجد لذة في إطلاق حبل خياله على غاربه دون أن يعوقه معوق من التجربة. ودرس مقالات "مونتيني" و "تليماك فينيلون"، ورسالة في الدراسات لرولان، وكتاب لوك "خواطر في التربية". وكان "مقاله" الأول تحدياً له، لأنه صور الإنسان خيراً بفطرته ولكن أفسدته الحضارة بما فيها التربية. فهل في الإمكان الاحتفاظ بهذا الخير الفطري وتنميته بالتربية




صفحة رقم : 13112




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


الصحيحة؟ لقد أجاب هلفتيوس قبيل ذلك بأن هذا ممكن، وذلك في كتابه "عن العقل" (1758)، ولكنه قدم حجة لا مخططاً.
أما روسو فقد أستهل كتابه بفرض الطرق القائمة لأنها تلقن، بالصم عادة، أفكاراً بالية فاسدة، وتحاول جعل الطفا آلة طيعة في مجتمع منحل، وتمنع الطفل من التفكير والحكم لنفسه، وتشوهه فتهبط بمستوى قدراته، وتلوح بملاحظات تافهة وأقوال قديمة مبتذلة. وقد أخمد هذا التعليم المدرسي كل الحوافز الفطرية، وجعل، التربية عذاباً يتوق كل طفل إلى تجنبه. ولكن التعليم يحب أن يكون عملية سعيدة فيها تفتح طبيعي، وتعلم من الطبيعة والتجربة، وتنمية حرة لقدرات الطفل نحو حياة فياضة لذيذة. يجب أن تكون "فن تدريب الناس(41)" والإرشاد الواعي للجسم النامي ليبلغ الصحة، وللخلق ليبلغ الفضيلة، وللذهن ليبلغ الذكاء، وللوجدان ليبلغ ضبط النفس وحب العشرة والسعادة.
وكان روسو يؤثر أن يكون هناك نظام تعليم عام تقوم عليه الدولة، ولكن بما أن التعليم كان يومها في يد الكنيسة فقد أوصى بتعليم خاص يضطلع بع معلم أعزب ينقد أجراً نظير تكريس سنين كثيرة من حياته لتلميذه. وعلى هذا المعلم أن يبعد الطفل ما أمكن عن أبويه وأقاربه مخافة أن تصل إليه العدوى من رذائل الحضارة المتراكمة. وأضفى روسو على بحثه صبغة إنسانية بتخيله أنه قد فوض بكامل السلطة تقريباً ليربي غلاماً طيباً جداً يدعى إميل. وهي فكرة لا يمكن تصديقها، ولكن روسو وفق في أن يجعل هذه الصفحات-وعددها 450-أمتع كتاب ألف في التربية إطلاقاً. وقد تناول كانت "إميل" لقرأه فاستغرق في قراءته استغراقاً أنساه الخروج للتمشي في نزهته اليومية(42).
وما دامت الطبيعة ستكون الهادي والمرشد للمعلن، فسيعطى الطفل كل الحرية التي تسمح بها سلامته. وسيبدأ بإقناع مربيته بأن تحرر الرضيع من أقمطته لأنها تعوق نموه وتطور أطرافه تطوراً سليماً. ثم يقنع أمه بإرضاع طفلها بدلاً من أن تعهد به لمرضعة، لأن المرضعة قد تؤذيه بالقسوة أو الإهمال،




صفحة رقم : 13113




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


أو قد تظفر منه-بفضل عنايتها الصادقة به-بتلك المحبة التي يجب بالطبيعة أن توجه للأم باعتبارها أول مصدر ورباط لوحة الأسرة والنظام الأخلاقي. وهنا ساق روسو عبارات كان لها تأثير جدير بالإعجاب على الأمهات الشابات في الجيل الجديد:
"أتريدون أن تردوا الناس جميعاً إلى واجباتهم الفطرية؟ ابدؤوا بالأم إذن، وسوف تدهشكم النتائج. فكل الشرور تأتي في أعقاب هذه الخطيئة الأولى...والأم التي يغيب أطفالها عن بصرها لا تكتسب الاحترام الكثير، فليس هنا حياة أسرية، وروابط الطبقة لا تتقوى بروابط العادة، وليس هناك وجود بعد للآباء والأمهات والأخوة والأخوات. فهم أغراب تقريباُ، فكيف يحب بعضهم بعضاً؟ إن كلاً منهم يفكر في نفسه.
"أما إذا تنازلت الأمهات بإرضاع أطفالهن، فسيكون هناك إصلاح في الخلق سينتعش الشعور الفطري في كل قلب، ولن تشكو الدولة فقراً في عدد المواطنين. وهذه الخطوة الأولى وحدها ستعيد المحبة المتبادلة ومباهج البيت خير ترياق للرذيلة. عندها يغدو لعب الأطفال الصاخب متعة بعد أن كنا نحسبه شديد الإرهاق لنا، ويزداد إعزاز الأم والأب بعضهما لبعض ويقوى رباط الزواج...وهكذا يأتي الشفاء من هذا الشر الواحد بإصلاح شامل، فتستعيد الطبيعة حقوقها. وإذا أصبحت النساء أمهات صالحات أصبح الرجال أزواجاً وآباء صالحين(43).
هذه الفقرات المأثورة جعلت إرضاع الأمهات لأطفالهن شطراً من تغير العادات الذي بدأ في العقد الأخير من حكم لويس الخامس عشر. وكان بوفون قد أذاع مثل هذا النداء في العقد السابع ولكنه لم يصل إلى نساء فرنسا. وبدأ الآن ظهور أجمل الصدور في باريس أعضاء للأمومة فضلاً عن كونها مفاتن جسمية ساحرة.
وقسم روسو حياة تلميذه التعليمية إلى ثلاث فترات، اثنتي عشرة سنة طفولة، وثماني سنوات صبى، وعمر غير محدود للإعداد للزواج والأبوة، وللحياة




صفحة رقم : 13114




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


الاقتصادية والاجتماعية. ففي الفترة الأولى يكون التعليم كله تقريباً بدنياً وخلقياً، وعلى الكتب والتعلم من الكتب، وحتى الديانة أن تنتظر نمو العقل، فإلى أن يبلغ إميل الثانية عشرة لن يعرف كلمة في التاريخ، ولا يكاد يسمع ذكر الله(44). فتربية الجسم يجب أن يشرع فيها أولاً. ومن ثم يربى إميل في الريف لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن تكون الحياة فيه صحية طبيعية:
ولم يخلق البشر ليتكدسوا في كثبان نمل، بل لينتشروا على الأرض ليفلحوها. وكلما حشدوا معاً فسدوا. والمرض والرذيلة هما النتيجتان المحتومتان للمدن المكتظة..فأنفاس الإنسان تفتك بإخوانه البشر...والإنسان تفترسه مدننا، ولن تنقضي أجيال قليلة حتى ينقرض النوع الإنساني أو ينحط. فهو في حاجة إلى التجديد، وتجديده يكون دائماً من الريف. فأرسلوا أطفالكم إلى الخلاء ليجدوا أنفسهم. أرسلوهم ليستعيدوا في الحقل المكشوف تلك العافية التي فقدوها في الهواء الفاسد الذي يملأ مدننا المزدحمة(45).
وشجعوا الصبي على حب الطبيعة والخلاء، وعلى تربية عادات البساطة وعلى العيش على الأطعمة الطبيعية. وأي طعام ألذ من ذلك الذي زرعه المرء في حديقته؟ أن الغذاء النباتي أصح الأغذية ومن شأنه أن يقلل كثيراً من الأمراض والعلل(46).
إن عدم اكتراث الأطفال باللحم من الأدلة على أن الميل لأكل اللحم غير طبيعي. وهم يؤثرون الأطعمة النباتية واللبن والفاكهة الخ..فحذار أن تغيروا هذا الميل الفطري وتجعلوا أطفالكم أكلة للحوم. افعلوا هذا من أجل أخلاقهم إن لم تفعلوه من أجل صحته، إذ كيف نعلل أن كبار أكلة اللحوم هم في العادة أشد ضراوة وقسوة من غيرهم من البشر(47).
وبعد الغذاء الصحيح، والعادات الطيبة يعلم إميل البكور في الاستيقاظ. "رأينا الشمس تشرق في منتصف الصيف وسنراها تشرق في عيد الميلاد..




صفحة رقم : 13115




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


لستا تؤومي الضحى، فنحن نلتذ بالبرد(48). وإميل يكثر من الاستحمام وكلما اشتد عوده قلل من حرارة الماء إلى أن يستحم أخيراً بالماء البارد، بل المثلج، صيف شتاء. وتفادياً للخطر يكون هذا التغير بطيئاً، تدريجياً، غير محسوس(49). ونادراً ما يلبس على رأسه أي غطاء، وهو يمشي حافياً طوال السنة إلا إذا خرج من بيته وحديقته. "يجب أن يعود الأطفال على البرد لا على الحر، فالبرد الشديد لا يضرهم إطلاقاً إذا تعرضوا له في بواكير حياتهم"(50). وشجعوا محبة الطفل الطبيعية للنشاط والحركة "فلا تتركوه على السكون إن أراد الجري، ولا على الجري إن أراد القعود...فليجر، وليقفز، وليزعق ما شاء(51). وابعدوا عنه الأطباء ما استطعتم(52). ودعوه يتعلم بالممارسة لا بالكتب ولا حتى بالتعليم. والمعلم الذكي يرتب المسائل والواجبات، ويدع تلميذه يتعلم من ضربة تصيب إبهامه أو صدمة تصيب قدمه، وهو يحميه من الأذى البالغ لا من الآلام التي تربيه.
إن الطبيعة خير هادٍ، ويجب أن تتبع في أمر الأذى الذي نعرفه في هذه الحياة:
"فلتكن قاعدتنا التي لا نزاع عليها أن الدوافع الأولى للطبيعة صواب دائماً. ليس في القلب البشري خطيئة أصلية..فلا تعاقب تلميذك أبداً، لأنه لا يعرف معنى الخطأ. ولا تجعله يقول "سامحني"...فهو في أفعاله التي لا صبغة أخلاقية لها لا يمكن أن يأتي خطأ من الناحية الأخلاقية، ولا يستحق عقاباً ولا تقريعاً...فابدأ بترك بذرة شخصيته حرة في الإفصاح عن نفسها، ولا تقسره على شيء، وبهذا يتكشف لك على حقيقته(53)".
على أنه سيحتاج إلى التربية الخلقية، فبغيرها يصبح إنساناً خطراً تعساً. ولكن لا تعظه. فأن أردت لتلميذك أن يتعلم العدل والرحمة كن أنت عادلاً رحيماً فليقلدك. "القدوة القدوة! فبدونها لن تنجح في تعليم أي شيء للأطفال(54)". وهنا أيضاً قد تجد أساساً طبيعياً. فالخير والشر (من وجهة نظر المجتمع) كلاهما فطري في الإنسان، وعلى التربية أن تشجع الخير




صفحة رقم : 13116




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


وتثبط الشر. ومحبة الذات عامة، ولكن في الإمكان تعديلها حتى لتدفع الإنسان إلى اقتحام الأخطار الداهمة حفاظاً على أسرته، أو وطنه، أو عرضه. فهناك غرائز اجتماعية تحفظ الأسرة والجماعة كما أن هناك غرائز أنانية تحفظ الفرد(55). والرحمة قد تنبع من محبة الذات (كما يحدث حين نحب الأبوين الذين يغذواننا ويحمياننا)، ولكنها قد تؤتي ثماراً شتى في السلوك الاجتماعي والمعونة المتبادلة. ومن ثم فإن نوعاً من الضمير يبدو أنه عام وغريزي.
"ألقِ ببصركَ إلى كل أمة في الأرض، وأقرأ كل سفر من أسفار تاريخها، ففي جميع ألوان العبادة العجيبة القاسية هذه، وفي هذا التنوع المذهل من العادات والتقاليد، ستجد في كل مكان نفس الأفكار (الأساسية) أفكار الخير والشر...ففي أعماق قلوبنا مبدأ فطري للعدل والفضيلة نحكم بمقتضاه-رغم قواعدنا-على أفعالنا؛ أو أفعال غيرنا، أخير هي أم شر، وهذا المبدأ هو الذي نسميه الضمير"(56).
ومن ثم ينطلق روسو في مناجاة سنجدها تتردد حرفياً تقريباً في كانت:
"إيه أيها الضمير! أيها الضمير! أيها الفطرة المقدسة، والصوت الخالد الآتي من السماء، الهادي الأمين لإنسان هو جاهل محدود حقاً، ولكنه ذكي حر؛ أيها القاضي المعصوم والفيصل بين الخير والشر، الذي يجعل الإنسان شبيهاً بالله، فيك يكمن سمو طبيعة الإنسان وفضيلة أفعاله، لست أجد في نفسي إذا انفصلت عنك شيئاً يرفعني فوق البهائم-لا شيء إلا امتياز مؤسف-هو قدرته على أن يهيم من خطأ إلى خطأ بمعونة ذكاء طليق من كل قيد وعقل لا يعرف له مبدأ(57)".
إذن فالتربية العقلية يجب ألا تبدأ إلا بعد تكوين الخلق الفاضل، ويسخر روسو من نصيحة لوك بمناقشة الأطفال منطقياً:
"إن الأطفال الذين كانوا يناقشون عقلياً باستمرار يبدون لي غاية في البلاهة. فالعقل هو آخر ما ينمو من قدرات الإنسان وأسماها-وأنت تريد أن تستخدمه لتدريب الطفل المبكر؟ وجعل الإنسان منطقياً هو الحجر الأعلى




صفحة رقم : 13117




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


في التربية الحسنة، ومع ذلك تريد أن تربي الطفل عن طريق عقله. إنك إذن تبدأ من الطرف الخطأ(58)".
كلا، بل يجب أن تؤجل التربية العقلية. "أبقِ ذهن الطفل (فكره) عاطلاً أطول ما تستطيع(59)"، فإذا كانت له آراء قبل أن يبلغ الثانية عشرة فثق أنها ستكون سخيفة. ولا تزعجه في هذه السن بالعلم، بهذا سباق لا نهاية له، كل ما نكتشفه فيه إنما يزيدنا جهلاً وغروراً أحمق(60). فدع تلميذك يتعلم حياة الطبيعة وأساليبها بالتجربة، دعه يستمتع بالنجوم دون الزعم بأنه يتتبع تاريخها.
ويمكن أن تبدأ التربية العقلية في الثانية عشرة، ويجوز لإميل أن يقرأ بعض الكتب. ويستطيع أن ينتقل من الطبيعة إلى الأدب بقراءة روبنسن كروزو، لأنها قصة رجل جاز-على جزيرة-بمختلف المراحل التي جاز بها الناس من الهمجية إلى المدنية. ولكن إميل لا يكون قد قرأ كتباً كثيرة حين يبلغ الثانية عشرة، وسيضرب صفحاً عن الصالونات والفلاسفة، ولن يكترث للفنون، لأن الجمال الحق الوحيد كائن في الطبيعة(61). ولن يصبح أبداً "موسيقياً، أو ممثلاً، أو مؤلفاً(62)"، بل سيكون قد اكتسب مهارة كافية في حرفة ما ليكسب قوته بعمل يديه أن اقتضته الظروف يوماً ما (وبعد ثلاثين عاماً سيندم الكثير من المهاجرين الذين لا حرفة لهم على أنهم سخروا كما سخر فولتير من النجار النبيل)(63). على أية حال يجب أن يخدم إميل المجتمع بيديه أو بعقله (رغم أنه وارث لثروة متواضعة)، "فالرجل الذي يأكل وهو عاطل ما لم يكسبه بجهده ليس إلا لصاً(64)".


ب - ديانته


وأخيراً نستطيع أن نحدث إميل عن الله إذا بلغ الثامنة عشرة:
"إني عليم أن الكثير من قرائي سيدهشهم أن يجدوني متتبعاً سير تلميذي خلال سنيه الأولى دون أن أحدثه في الدين. إنه وهو في الخامسة عشرة لن يعرف حتى أن له نفساً، وقد لا يكون في الثامنة عشرة مهيئاً بعد للإلمام




صفحة رقم : 13118




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


بهذه الحقيقة....ولو كان عليّ أن أصور الغباوة في أفجع أشكالها لصورت معلماً متحذلقاً يلقن التعليم الديني للأطفال، ولو أردت أن أخرج طفل عن طوره لطلبت إليه أن يشرح ما تعلمه في دروسه الدينية...لا شك أننا يجب أن لا نضيع لحظة واحدة إن وجب أن نكون مستحقين للخلاص الأدبي، ولكن إذا كان تكرار ألفاظ معينة يكفي للحصول على هذا الخلاص فلست أرى لم لا نملأ السماء بالزرازير العقاعق كما نملؤها بالأطفال(65)".
ثم جرد روسو أمضى سهامه على جماعة الفلاسفة، رغم إعلانه هذا الذي أثار غضب رئيس أساقفة باريس. وليتصور القارئ فولتير أو ديدرو يقرءان هذا الكلام:
"لقد استشرت جماعة الفلاسفة، فوجدتهم كلهم سواء في الغرور، والجزم، والدجماطية، يتظاهرون-حتى في شكوكيتهم المزعومة-بأنهم عليمون بكل شيء، لا يثبتون شيئاً، ويهزأ بعضهم ببعض. وقد بدت لي....هذه الخاصة الأخيرة، النقطة الوحيدة التي أصابوا فيها. فهم ضعاف في الدفاع رغم تبجحهم في الهجوم. زن حججهم تجدها كلها مدمرة، وأحصِ أصواتهم تجد كلاً منهم يتحدث عن نفسه وحده....وما من واحد فيهم-إن تصادف واكتشف الفرق بين الباطل والحق-لا يؤثر باطله على الحق الذي اكتشفه غيره من قبله. فأين الفيلسوف الذي يعفُ عن خداع الدنيا بأسرها في سبيل مجده(66)".
ومع أ، روسو واصل تنديده بالتعصب، فإنه على نقيض بيل أدان الكفر لأنه أشد خطراً من التعصب. وقدم لقرائه "إعلاناً بالإيمان" رجا به أن يحول التيار من إلحاد دولباخ، وهلفتيوس، وديدرو، عوداً إلى الإيمان-اللذين التقى بهما في صباه، فمزج بينهما وأخرج من المزيج كاهناً وهمياً في سافوي، وأنطق هذا الكاهن الريفي بالمشاعر والحجج التي بررت (في نظر روسو) العودة إلى الدين.




صفحة رقم : 13119




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


ويصور روسو كاهن سافوي قسيساً على أبرشية صغيرة في الألب الإيطالية. وهو يعترف سراً بشيء من الشكوكية، ويرتاب في الوحي الإلهي للأنبياء، وفي معجزات الرسل والقديسين، وفي صحة الإنجيل(67)؛ ثم يتساءل كما تساءل هيوم "من يجرؤ على أن يخبرني كم شاهد عيان يقتضيهم إقناعنا بتصديق معجزة ما؟(68)" وهو ي فض صلاة التضرع، فصلواتنا يجب أن تكون ترانيم لمجد الله، وتعبيرات عن امتثالنا لمشيئته(69). وهو يرى الكثير من مواد العقيدة الكاثوليكية حديث خرافة أو أساطير الأولين(70). ومع ذلك يشعر بأنه يحسن خدمة شعبه بكتمان شكوكه، وممارسة العطف على الجميع والبر بهم (مؤمنين مغير مؤمنين على السواء). وأداء طقوس الكنيسة الرومانية كلها بأمانة. فالفضيلة ضرورية للسعادة، والإيمان بالله، وبحرية الإرادة، وبالجنة، وبالنار، ضروري للفضيلة، والأديان رقم ما قارنت من جرائم جعلت الرجال والنساء أكثر فضيلة، أو على الأقل أقل قسوة ولؤماً مما كان يمكن أن يكونوا. فإذا بشرت هذه الأديان بعقائد تبدو لنا غير معقولة، أو إذا أرهقتنا بطقوسها ومراسمها، وجب أن نسكت شكوكنا في سبيل الجماعة.
والدين صواب في جوهره حتى من وجهة نظر الفلسفة. ويستهل الكاهن الكتاب كديكارت بقوله "إنني موجود ولي حواس أتلقى من خلالها الانطباعات، هذه أولى الحقائق التي تسترعي انتباهي، وأنا مضطر إلى قبولها(71)". وهو يرفض رأي باركلي: "إن سبب أحاسيسي خارج عني، لأنها تؤثر فيّ سواء كان عندي داع لها أو لم يكن، وهي تخلق وتهدم مستقلة عني..إذن توجد كيانات أخرى فضلاً عني". ونقطة ثالثة ترد على هيوم وتسبق كانت: أنني أجد لدي القدرة على المقارنة بين أحاسيسي، إذن فقد وهبت قوة إيجابية للتعامل مع التجربة(72). وهذا العقل لا يمكن تفسيره على أنه شكل من أشكال المادة، فليس في فعل التفكير أمارة على عملية مادية أو ميكانيكية. أما كيف يستطيع عقل غير مادي يؤثر في جسم مادي فذلك أمر يجاوز فهمنا، ولكنه حقيقة تدرك للتو، ويجب ألا ننكرها لأجل الاستدلال




صفحة رقم : 13120




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


المجرد. وعلى الفلاسفة أن يتعلموا الاعتراف بأن شيئاً ما قد يكون حقيقياً ولو عجزوا عن فهمه-خصوصاً إذا كان يدرك بأسرع من جميع الحقائق.
والخطوة التالية (كما يسلم الكاهن) هي الاستدلال العقلي الخاص. فأنا لا أدرك الله بحسي، ولكن استدل عقلاً على أنه كما أن في أفعالي الإرادية عقلاً هو السبب المدرك للحركة، كذلك هناك على الأرجح عقل كوني وراء تحركات الكون. وإن الله لا يمكن معرفته، ولكن أشعر أنه تعالى موجود وفي كل مكان. وأبصر قصداً في مئات الحالات، من تكوين عيني إلى حركات النجوم، وينبغي ألا أفكر في أن أنسب إلى الصدفة (مهما ازداد تكاثرها "على طريقة ديدرو") تكييف الوسائل وفق الغايات في الكائنات الحية ونظام العالم، أكثر مما أنسب إلى الصدفة تجميع الحروف تجميعاً لذيذاً في طبع الإنيادة(73).
فإذا كان هناك إله ذكي وراء عجائب الكون، فمحال أنه سيسمح بأن يهزم الحق هزيمة دائمة. ولا بد لي من الإيمان بإله يؤكد انتصار الخير، ولو لأتحاشى ذلك الإيمان الكئيب بانتصار الشر. إذن يجب أن أؤمن بحياة آخرة، بجنة تجزى فيها الفضيلة. ومع أن فكرة الجحيم تقززني، وأوثر عليها الاعتقاد بأن الأشرار يصلون نار جهنم في قلوبهم، فإنني متقبل حتى تلك العقيدة الرهيبة إذا اقتضاها ضبط الدوافع الشريرة في الإنسان. وفي تلك الحالة أتوسل إلى الله ألا يجعل الجحيم خالدة(74). ومن ثم كانت فكرة المطهر باعتباره مكاناً للعقوبة الممكن اختزالها للخطاة جميعاً إلا أشدهم عناداً وعصياناً أكثر إنسانية من تقسيم الموتى كلهم إلى فريق المباركين إلى الأبد، والهالكين إلى الأبد. وهبنا عاجزين عن البرهان على وجود الجنة، فيالها من قسوة أن ننتزع من الناس هذا الرجاء الذي يعزيهم في أحزانهم ويشدد عزائمهم في هزائمهم(75). ولو انعدم الإيمان بالله وبالآخرة؛ لتعرضت الفضيلة للخطر وتجردت الحياة من معناها، لأن الحياة في الفلسفة الملحدة صدفة آلية تمر بمئات الآلام إلى موت أليم أبدي.




صفحة رقم : 13121




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


وعليه وجب أن نتقبل الدين على أنه في مجموعه عطية كبرى للبشر ول حاجة بنا إلى أن نعلق أهمية كبرى على شتى المذاهب التي مزقت المسيحية، فكلها خير إذا حسنت السلوك وغذت الرجاء. ومن السخف أن نفترض أن أصحاب العقائد والآلهة والأسفار المقدسة الأخرى سوف يحكم عليها بالهلاك، "فلو لم يكن على الأرض سوى دين واحد؛ ولو حكم على كل الخارجين عنه بالعقاب الأبدي..لكان إله ذلك الدين أظلم الطغاة وأقساهم(76). وعليه فلت يعلم إميل لوناً بعينه من المسيحية، ولكنا سنعطيه الوسيلة لأن يختار لنفسه حسبما يرتئيه عقله صواباً(77). وخير الطرق أن نمضي في الدين الذي ورثناه عن آبائنا أو مجتمعنا. ونصيحة كاهن روسو الوهمي هي "عد إلى وطنك؛ ارجع إلى دين آبائك، واتبعه بكل قلبك ولا تتخل عنه أبداً فهو بسيط جداً ومقدس جداً، وما من دين آخر تجد فيه الفضيلة أشد نقاء، ولا العقيدة أكثر إشباعاً للعقل(78)".
وكان روسو عام 1754 قد سبق إلى هذه النصيحة، وعاد إلى جنيف وعقيدتها، على أنه لم يق بوعد الذهاب إليها والإقامة فيها بعد أن يسوي أموره في فرنسا. وفي "رسائل من الجيل" التي كتبها بعد عشر سنوات تنكر لمعظم دين آبائه كما سنرى. وفي العقد الأخير من حياته سنجده يوصي غيره بالدين، ولكنه لا يكاد يبدي أمارة على الإيمان الديني أو الممارسة الدينية في حياته اليومية. وأجمع الكاثوليك والكلفنيون واليسوعيون على مهاجمته هو "وإعلان الإيمان" الذي ناب عن عقيدته لأنهما أساساً غير مسيحيين(79). وصدم التعليم الذي اقترحه لإميل قراءه المسيحيين لأنهم رأوه في حقيقته تعليماً لا دينياً، وخامرهم الظن في أن فتى من أواسط الشباب، نشئ على غير دين، لن يعتنق ديناً بعد حين، إلا لداعي المصلحة الاجتماعية. وقد رفض روسو عقيدة الخطيئة الأصلية والدور الفدائي الذي يؤديه موت المسيح وذلك برغم قبوله الرسمي للكلفنية. وأبى قبول العهد القديم بوصفه كلمة الله، وذهب إلى أن العهد الجديد "يحفل بأشياء لا يمكن تصديقها، أشياء ينفر منها العقل(80)". ولكنه أحب الأناجيل لأنها أعظم الأسفار تأثيراً وإلهاماً للنفس.




صفحة رقم : 13122




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


أيمكن أن يكون كتاب اجتمع له كل هذا الجلال والبساطة في وقت معاً من عمل إنسان؟ أيمكن أن يكون ذلك الذي احتوى تاريخه فيها مجرد إنسان؟...إي رقة وطهر في أفعاله، وأي نعمة تمس القلوب في تعاليمه، وما أسمى أقواله، وما أعمق حكمة مواعظه، وما أعظم إجاباته سداداً وتميزاً وأي إنسان، وأي حكيم يستطيع أن يحيى ويتألم ويموت دون ضعف أو تباه؟...إذا كانت حياة سقراط وموته هما حياة فيلسوف وموته، فحياة المسيح وموته هما حياة إله وموته(81).


جـ - حبه وزواجه


حين أختتم روسو صفحات كاهن سافوا الخمسين وعاد إلى إميل تصدى لمشاكل الجنس والزواج.
فهل يحدث تلميذه عن الجنس؟ لا تفعل حتى يسألك. فإذا سألك فأخبره بالحقيقة(82). ولكن افعل كل ما يتفق والصدق والصحة لكي تؤجل وعيه بالجنس. على أي حال لا تنبه هذا الوعي: "إذا اقتربت السن الحرجة فقدم للشباب من المشاهد ما هو كفيل بالحد من رغباتهم الجنسية لا بإثارتها...أبعدهم عن المدن الكبيرة حيث يجعل لباس النساء اللاتي يعرضنه في زهو وتباهٍ، وتعجل جرأتهن دوافع الطبيعة وتستبقها، وحيث يعرض كل شيء على أبصارهم، لذات يجب ألا يعرفوا عنها شيئاً حتى يبلغوا من العمر ما يمكنهم أن يختاروا بأنفسهم...وإذا أبقاهم ميلهم للفنون في المدينة فأبعدهم عن...حياة التبطل. واختر بعناية عشراءهم، وشواغلهم وملاهيهم، ولا ترهم شيئاً غير الصور المحتشمة المثيرة للشفقة...وغير حسهم المرهف دون أن تثير حواسهم(83)".
وأقلقت روسو العواقب الوخيمة لعادة يبدو أنه عرفها معرفة خبير:
"حذار أن تترك الفتى ليلاً ولا نهاراً، وعليك على الأقل أن تقاسمه حجرته. وإياك أن تسمح له بالذهاب إلى فراشه حتى يأخذ الكرى بجفونه، ثم أجعله ينهض بمجرد استيقاظه...فلو أنه اعتاد هذه العادة الخطرة




صفحة رقم : 13123




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


لهلك. فسيتنبه جسمه ونفسه من تلك اللحظة فصاعداً، وسيحمل إلى الغير آثار...أضر عادة يكتسبها شاب".
ثم يضع هذا القانون لتلميذه.
"إن عجزت عن التحكم في شهواتك يا عزيزي إميل فأني أرثي لك، ولكني لن أتردد لحظة، فلن أسمح بالروغان من مقاصد الطبيعة. وإذا كان حتماً عليك أن تكون عبداً فإني أؤثر أن أسلمك إلى طاغية قد أنقذك منه، فمهما حدث، فإذ قادر على تحريرك من العبودية للنساء بسهولة أكثر من عبوديتك لنفسك(84)".
ولكن لا تدع رفاقك يغرونك بالذهاب إلى ماخور! "فلم يريد هؤلاء الفتيان إغرائك؟ لأنهم يرغبون في إفسادك...فحافزهم الوحيد هو غل دفين لأنهم يرونك خيراً منهم، فهم يريدون أن يجروك إلى الهوة التي تردوا فيها".
والزواج خير من هذا. ولكن ممن؟ يصف المعلم المثل الأعلى للفتاة، والمرأة، والزوجة، ويحاول أن يطبع ذلك المثل على ذهن إميل هادياً له وهدفاً في البحث عن زوجة. وكان روسو يخاف النساء المسترجلات المسيطرات، الوقحات، ويرى سقوط الحضارة في تسلط النساء المسترجلات استرجالاً متزايداً على الرجال المخنثين تخنثاً متزايداً "في كل بلد تجد أن الرجال من النوع الذي تصنعه النساء....فردوا النساء إلى الأنوثة، نعد رجالاً مرة أخرى(85)" أن نساء باريس يغتصبن حقوق جنس دون أن يردن التخلي عن حقوق الآخر، وهن لذلك لا يملكن هذه ولا تلك مكتملة(86). والقوم يتصرفون بطريقة أفضل في الأقطار البروتستانتية حيث الحشمة ليست أضحوكة بين المسفسطين بل وعداً يبشر بأمومة أمينة(87). أن مكان المرأة في البيت، كما كانت الحال عند قدماء اليونان، ويجب أن تقبل زوجها سيداً ولكن يجب أن تكون صاحبة الكلمة العليا في البيت(88). وبهذه الطريقة تصان صحة النوع.




صفحة رقم : 13124




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


ويجب أن تهدف تربية الفتيات إلى إخراج أمثال هؤلاء النساء. يجب أن يربين في البيت على أيدي أمهاتهن، وأن يتعلمن كل فنون البيت، من الطهو إلى التطريز، وأن يحصلن الكثير من الدين، بأسرع ما يمكن، لأن من شأن هذا أن يعينهن على الحشمة، والعفة، والطاعة. وعلى البنت أن تقبل دين أمها دون جدل، ولكن على الزوجة أن ترتضي دين زوجها(89) على أية حال لتتجنب الفلسفة وتحتقر حياة الصالونات(90). على أنه يجب ألا تكره الفتاة على الإحجام الغبي، فينبغي أن تكون خفيفة الروح، مرحة، تواقة، وأن تغني وترقص كما تشتهي، وتستمتع بكل لذات الشباب البريئة، ولتذهب إلى المراقص والألعاب الرياضية، وحتى إلى المسارح-تحت الملاحظة الواجبة وفي صحبة طيبة(91). ويجب العمل على أن يظل ذهنها نشيطاً يقظاّ إن أريد بها أن تكون زوجة صالحة لرجل مفكر "ولا بأس بأن يُسمح لها بقدر من التدلل" باعتبار هذا جزءاً من اللعبة المعقدة التي تختبر بها خطابها وتختار زوجها(92). إن الرجل هو موضوع الدراسة الصحيحة لجنس النساء(93).
فإذا ثبت هذا المثل الأعلى للفتاة والمرأة في آمال إميل جاز له أن يخرج ويبحث عن زوجته. وهو الذي يختار، لا أبواه ولا معلمه. ولكن من واجبه نحوهم ونحو حدبهم عليه سنيناً طوالاً، أن يستشيرهم في احترام. أتريد أن تذهب إلى المدينة وتتطلع إلى الفتيات اللاتي يعرضن هناك؟ حسناً جداً، سنذهب إلى باريس وسترى بنفسك حقيقة هؤلاء الأوانس المثيرات. وهكذا يعيش إميل برهة في باريس ويختاط بـ "المجتمع الراقي". ولكنه لا يجد فيه فتاة من النوع الذي وصفه له معلمه الماكر "إذن وداعاً يا باريس الذائعة الصيت، بكل ما فيكِ من ضجيج ودخان وقذارة، حيث كفت النساء عن الإيمان بالشرف، والرجال عن الإيمان بالفضيلة، إننا نبحث عن الحب والسعادة والبراءة، وكلما بعدنا عن باريس كان خيراً لنا(94).
وعليه يقفل المعلم وتلميذه إلى الريف، وإذا هما يصادفان صوفي في قرية هادئة نائية عن الزحام المجنون. هنا (الكتاب الخامس) تتحول




صفحة رقم : 13125




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


رسالة روسو إلى قصة حب مثالية التصوير ولكنها مبهجة، تروى ببراعة كاتب قدير. فبعد تلك الأحاديث المسهبة في التعليم والسياسة والدين، يعود إلى الشاعرية والخيال، وبينما تنكب تريز على أشغال بيتها، يعاود أحلامه بتلك المرأة الرقيقة التي لم يجدها إلا في لحظات متفرقة من جولاته، ويطلق عليها اسماً اشتقه من آخر غرام أشتعل في قلبه.
وصوفي الجديدة هذه ابنة سيد كان يوماً ما ثرياً، يعيش الآن في عزلة وبساطة قانعتين. فتاة صحيحة الجسم، جميلة، محتشمة، رقيقة-ونافعة وتعين أمها بكفايتها السريعة الهادئة في كل شيء "ما من شيء لا تستطيع عمله بإبرتها(95)". ويجد إميل المبرر لمعاودة لقائها، وتجد هي المبرر لمزيد من زياراته. وشيئاً فشيئاً يتضح له أن صوفي حائزة لكل الفضائل التي صورها له معلمه في صورة مثالية. فيا للصدفة الإلهية! وبعد أسابيع يصل إلى القمة التي تدير رأسه، قمة لثم هدب ثوبها. وما هي إلا أسابيع أخر حتى يخطبها. ويصر روسو على أن تكون الخطبة احتفالاً رسمياً مهيباً فيجب أن نتخذ كل التدابير-بالطقوس وسواها-للتسامي بقدسية رباط الزوجية وإقرارها في الذاكرة، وبينما يرتعش إميل وهو على حافة النعيم، يحمله معلمه العجيب الذي يضرب بالحرية والطبيعة عرض الحائط على ترك خطيبته والغياب عنها عامين والسفر امتحاناً لمحبتهما ووفائهما. ويبكي إميل ويصدع للأمر "فإذا عاد وهو محتفظ بعذريته كأنما بمعجزة وجد صوف عفيفة في وفاء، فيتزوجان، ويرشدهما المعلم إلى واجبات الواحد نحو صاحبه. فيطلب إلى صوفي أن تطيع زوجها إلا فيما يتصل بالفراش والمأكل "ستهيمنين عليه طويلاً بالحب إذ جعلت وصلك له نادراً غالياً...وليكرم إميل عفة زوجته دون أن يشكو من برود عاطفتها(96). ويختتم الكتاب بنصر ثلاثي:
"ذات صباح" يدخل إميل حجرتي ويعانقني قائلاً: "هنئ ابنك يا أستاذي فهو يأمل أن يحظى بعد قلي بشرف الأبوة. وما أعظم المسئولية التي سنحملها وما أشد حاجتنا إليك؟ ولكن معاذ الله أن أدعك تربي




صفحة رقم : 13126




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


الولد كما ربيت الوالد، معاذ الله أن يقوم إنسان غيري بهذه المهمة اللذيذة المقدسة...ولكن واصل مهمة تعليم المعلمين الشابين. ابذل لنا النصح وأشرف علينا. وسيسلس قيادنا لك وسأحتاج إليك ما حييت...لقد أديت واجبك فعلمني كيف أقتدي بك، بينما تستمتع أنت بالفراغ الذي تستحقه جزاء جهودك(97)".
لقد اتفق العالم عموماً بعد قرنين من الثناء، والسخرية، والتجربة على أن "إميل" كتاب جميل موحٍ ومستحيل. فالتربية موضوع ثقيل، لأننا نتذكرها في ألم، ولا نحب أن نسمع المزيد عنها، ونكره أن تفرض علينا من جديد بعد أن أتممنا مدة الخدمة التي فرضت علينا في المدرسة. ومع ذلك فقد صنع روسو من هذا الموضوع المنفر رواية تسحر قارئها. فالأسلوب البسيط، المباشر الشخصي يأسرنا برغم ما شابه من تمجيد بليغ، ونحن ننساق للرواية ونسلم أنفسنا لذلك المعلم الكلي العلم، وأن ترددنا في إسلام أبنائنا له. ذلك أن روسو، بعد أن امتدح حدب الأم وحياة الأسرة، يأخذ إميل من أبويه وينشئه في عزلة مضادة للفساد عن المجتمع الذي لابد له من العيش فيه بعد حين. وروسو لم يربِ أطفالاً قط، لذلك لا يعلم أن الطفل المتوسط هو بــ "الطبيعة" لص صغير، غيور، جشع، مسيطر، ولو انتظرنا حتى يتعلم الانضباط دون أوامر، والاجتهاد دون تعليم، لشب إنساناً سيئ التكيف، بليداً قليل الحيلة، فوضوياً، قذر الجسم أشعث الشعر، لا يطاق. وأنى لنا هؤلاء المعلمون الخصوصيون الراغبون في تكريس عشرين عاماً من حياتهم لتربية طفل واحد؟ تقول مدام دستال (1810) أن هذا الضرب من العناية والاهتمام...ويضطر كل رجا إلى تكريس حياته كلها لتربية مخلوق آخر، ولا تتاح الحرية في النهاية إلا للأجداد ليهتموا بمصالحهم(98).
وأكبر الظن أن روسو أدرك هذه الصعوبات وغيرها بعد أن أفاق من نشوة تأليف كتابه. فقد جاءه في ستراسبورج عام 1765 أحد المتحمسين له وهو يتدفق ثناء وقال له "سيدي إنك ترى رجل ينشئ أبناءه على المبادئ التي أسعده أن يتعلمها من كتابك إميل". وقال روسو




صفحة رقم : 13127




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو الفيلسوف -> إميل


غاضباً "هذا أسوأ لك ولأبنك"(99). وفي الرسالة الخامسة من "رسائل من الجيل" بين أنه لم يؤلف إميل للآباء العاديين بل للحكماء "لقد أوضحت في المقدمة أن اهتمامي كان بتقدم خطة نظام جديدة للتربية لينظر فيه الحكماء، لا طريقة يستخدمها الآباء والأمهات(100)". فهو كمعلمه أفلاطون انتزع الطفل من أذى أبويه مؤملاً أن يصبح صالحاً لتربية أطفاله بعد أن اكتملت له التربي المنقذة. وكأفلاطون "ذخر في السماء أنموذجاً لحالة أو طريقة مثالية، حتى يشهدها كل راغب، فإذا شهدها استطاع أن يوجه نفسه وفقها(101)". وقد أذاع على الناس حلمه هذا، عسى أن يحمل الإلهام في بلدٍ ما، لبعض الرجال والنسا، ويعين على صلاح الحال. وقد فعل.




صفحة رقم : 13128




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب



الفصل الثامن




روسو المنبوذ




1762 - 1767




1- الهروب


عجيب أن يفلت من الرقيب كتاب يحوي ما حوى إميل من هجوم صريح على كل شيء إلا أسس المسيحية، وأن يطبع في فرنسا. ولكن الرقيب كان مالزيرب المتسامح العطوف. وقبل أن يأذن بالنشر حث روسو على أن يحذف فقرات من المؤكد أنها تدفع الكنيسة إلى العداء النشيط. ولكن روسو رفض. ولقد نجا زنادقة آخرون من الاضطهاد لأشخاصهم بالتخفي وراء أسماء مستعارة، أما روسو فقد ذكر أسمه بشجاعة على صفحات غلاف كتبه.
وبينما ندد جماعة الفلاسفة بإميل باعتباره خيانة أخرى للفلسفة، أدانه أحبار فرنسا وقضاة باريس وجنيف باعتباره مروقاً من المسيحية. وأعد رئيس أساقفة باريس، عدو الجنسنين، للنشر في أغسطس 1762 رسالة قوية تهاجم الكتاب. وكان برلمان باريس المناصر للجنسنين مشغولاً بطرد اليسوعيين، ولكنه أراد رغم ذلك أن يبدي غيرته على الكاثوليكية، وأتاح له ظهور إميل فرصة ليضرب ضربته دفاعاً عن الكنيسة. واقترح مجلس الدولة الذي كان يخوض حرباً مع البرلمان، ويكره أن يكون دونه غيرة على سلامة العقيدة، أن يلقي القبض على روسو. فلما نمى الخبر إلى أصدقاء روسو من النبلاء نصحوه بالرحيل فوراً من فرنسا. وفي 8 يونيو بعثت إليه مدام دكريكي رسالة تشي بانفعالها. قالت: لا ريب في أن أمراً صدر بالقبض عليك. فاستحلفك بالله أن تهرب...إن حرق كتابك لن يضيرك أما شخصك فلا يطيق السجن. فاستشر جيرانك(1).




صفحة رقم : 13129




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


أما الحيران فكانا مرشال ومرشالة لكسمبورج. وقد خشيا أن يتورطا في الأمر لو قبض على روسو(2)، فحثاه هو وأمير كونتي على الهروب إلى سويسرا، وأعطوه مبلغاً من المال وعربة لعبر بها الطريق الطويل من فرنسا إلى سويسرا. وأذعن روسو على مضض. وترك تريز في رعاية المرشالة. وبرح مونمورني في 9 يونيو. في ذلك اليوم حضر مرسوم بالقبض عليه ولكنه نُفذ ببطء رحيم، لأن الكثيرين من رجال الحكومة سرهم أن يتركوه يهرب. وفي ذلك اليوم ذاته قال الأستاذ أومير جولي دفلوري لبرلمان باريس وهو يلوح بنسخة من إميل:
"يبدو أن هذا العمل ألف لهدف واحد هو رد كل شيء إلى الدين الطبيعي، وتطوير ذلك النظام الإجرامي في خطة المؤلف لتربية تلميذه..."
وأنه ينظر إلى جميع الأديان على أنها تستوي في الخير، وعلى أنها كلها منبعثة من مناخ الناس، وحكومتهم وطبعهم..وأنه بناء على هذا يجرؤ على هدم صحة الكتاب المقدس والنبؤات، ويقينية المعجزات الواردة في الأسفار المقدسة. وعصمة الوحي، وسلطان الكنيسة..وهو يسخر من الدين المسيحي ويجدف عليه. ذلك الدين الذي هو وحده من صنع لله.
ومؤلف هذا الكتاب الذي جرؤ على وضع أسمه عليه يجب القبض عليه بأسرع ما يمكن. ومن الأهمية لمكان، أن تجعل العدالة-من المؤلف وأولئك الذين...شاركوا في طبع هذا الكتاب وتوزيعه-مثلاً وعبرة للناس بكل صرامة.
ومن ثم فقد أمر البرلمان:
بأن يمزق الكتاب المذكور ويحرق في فناء القصر (قصر العدالة) أسف السلم الكبير، بيد كبير الجلادين، وعلى كل الذي يملكون نسخاً من الكتاب أن يسلموها إلى المسجل لإبادتها، ومحظور على الناشرين طبع هذا الكتاب أو توزيعه، وسيقبض على جميع بائعيه وموزعيه ويعاقبون طبقاً لنص القانون الصارم، ويجب القبض على ج-ج روسو وزجه في سجن الكونسيرجري في قصر العدالة(3).




صفحة رقم : 13130




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


وفي 11 يونيو مزق وحرق إميل كما نص الأمر، ولكن روسو كان قد وصل إلى سويسرا. أمرت الحوذي أن يقف لحظة دخولي إقليم برن وخرجت من مركبتي، وخررت على وجهي، وقبلت الأرض وصحت في غمرة فرحي:
"حمداً لك أيتها السماء، حامية الفضيلة، إنني ألمس أرضاً للحرية(4)".
ولم يكن مطمئناً كل الاطمئنان. فواصل ركوبه إلى إيفردون، قرب الطرف الجنوبي لبحيرة نوشاتل، في مقاطعة برن، وهناك مكث شهراً مع صديقه القديم روجان. أيبحث عن منزل في جنيف؟ ولكن في 19 يونيو أدان مجلس الخمسة والعشرين الذي يحكم جنيف كلاً من "لإميل" و العقد الاجتماعي" لأنهما خارجان على التقوى، فاضحان، وقحان، مفعمان بالتجاديف والافتراءات على الدين. وقد جمع المؤلف تحت ستار الشك كل ما من شأنه أن يضعف المقومات الرئيسية للدين المسيحي المنزل، ويهزها ويهدمها...ويتعاظم خطر الكتابين ووجوب شجبهما لأنهما مكتوبان بالفرنسية (لا باللاتينية التي لا تعرفها غير القلة) بأسلوب شديد الإغراء، منشوران باس مواطن جنيفي(5).
وعليه فقد أمر المجلس بحرق الكتابين، وحرم بيعهما، وأصدر مرسوماً بالقبض على روسو إذا دخل يوماً ما أرض الجمهورية. ولم يتعرض قساوسة جنيف على هذا التبرؤ من أشهر أبناء جنيف الأحياء. ولا ريب في أنهم شعروا بأن أي عطف يبدونه لمؤلف "إعلان بإيمان كاهن سافوى"، سيؤكد ما كشفه دالامبير عما يبطنونه من ميول للتوحيد، وانقلب عليه يعقوب فيرن الذي ظل صديقاً له سنين كثيرة، وطالب بأن يسحب روسو أقواله. يقول روسو وهو يذكر ذلك الموقف "لو سرت بين الجماهير أي شائعة عني لأضرت بي، وقد عاملني كل مروجي الإشاعات والمتفيقهين كأنني تلميذ مهدد بالجلد لأنه لم يحسن حفظ درسه الديني(6)".
وتأثر فلوتير من موقف غريمه، فلقد قرأ إميل، وتعليقاته ما زالت ترى على نسخته المحفوظة بمكتبة جنيف. وفي خطاب مؤرخ 15 يونيو كتب عن الكتاب "إنه خليط تهرف به مرضعة بلهاء في أربعة مجلدات بها أربعون




صفحة رقم : 13131




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


صفحة ضد المسيحية من أجرأ ما عرفنا...وهو يقول في الفلاسفة من الأشياء المؤذية قدر ما يقوله في المسيح، ولكن الفلاسفة سيكونون أكثر تسامحاً من القساوسة(7). على أية حال أعجبه "إعلان الإيمان" فقال عنه خمسون صفحة كاملة، ولكنه أضاف "من المؤسف أن يكون كاتبها...وغداً كهذا(8). وكتب إلى مدام دودفان سأحب مؤلف كاهن سافوي، مهما فعل ومهما يفعل(9)..ولما سمع أن جاك طريد لا مأوى له صاح "فليأتِ إلى هنا (إلى قريته)..يجب أن يأتي. سأستقبله بذراعين مفتوحتين. سيكون هنا سيداً أكثر مني. سأعامله كأنه أبني(10)". وبعث بدعوته إلى خمسة عناوين مختلفة, ولابد أنها وصلت إلى أحدها، لأن روسو أعرب فيما بعد عن أسفه لأنه لم يرد عليها(11). وفي 1763 جدد فولتير الدعوة، فرفضها روسو، واتهم فولتير بأنه حرض مجلس الخمسة والعشرين على إدانة "العقد الاجتماعي" و "إميل"..ولكن فولتير أنكر التهمة، وبحق فيما يبدو.
وفي بواكير يوليو 1762 أخطر مجلس الشيوخ برن روسو بأنه لا يستطيع السماح بوجوده في إقليم برن، وأن عليه أن يرحل عنه في بحر خمسة عشر يوماً وإلا واجه السجن. وتلقى خلال ذلك خطاباً رقيقاً من دالامبير ينصحه بأن يحاول الإقامة في إمارة نوشاتل، وكانت تقع في قضاء فردريك الأكبر، ويحكمها إيرل ماريشال جورج كيث، الذي قال عنه دالامبير إنه سيستقبلك ويعاملك كما كان الآباء في العهد القديم يستقبلون ويعاملون الفضيلة المضطهدة(12). وتردد روسو، لأنه كان قد انتقد فردريك زاعماً أنه طاغية في ثياب فيلسوف(13). ومع ذلك قبل في 10 يوليو 1762 دعوة ابنة أخي روجان مدام دلاتور، بأن ينزل بيتاً تملكه. موتييه-ترافير، على خمسة عشر ميلاً جنوب شرقي مدينة نوشايل في بقعة سيصفها بوزويل بأنها وادٍ بري بديع تحيط به الجبال الشاهقة(14). وحوالي 11 يوليو تقدم جان-جاك بالتماس إلى الحاكم، وبما تميز به من تواضع وإباء. كتب إلى: (ملك بروسيا).




صفحة رقم : 13132




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


"لقد قلت فيك الكثير من السوء، وأغلب الظن أني قائل فيك المزيد منه؛ ولكنني أنا مطارد من فرنسا ومن جنيف، ومن مقاطعة برن، جئت ألتمس ملجأ وفي ولايتك...سيدي، لم أستحق منك فضلاً، ولا أطلب فضلاً، ولكنني أحسست بأن من واجبي أن أصرح لجلالتك بأنني في قبضتك، وأنني شئت أن أكون كذلك، ولجلالتك أن تتصرف معي كما تشاء".
وكتب فردريك إلى كيث في تاريخ غير مؤكد، وهو لم يفرغ بعد من حرب السنين السبع:
"يجب أن ننقذ هذا الشقي المسكين. فذنبه الوحيد أن له آراء غريبة يحسبها سديدة، سأرسل إليك مائة كروان، فتفضل بإعطائه منها ما يحتاج إليه. وأظنه سيقبلها عيناً بأسهل مما يقبلها نقداً، ولولا أننا نخوض حرباً، ولولا أننا أفلسنا، لبنيت له كوخاً بحديقة حيث يستطيع العيش كما عاش في ظني آباؤنا الأولون....أظن أن روسو المسكين قد أختار المهنة الخطأ، فواضح أنه ولد ليكون ناسكاً مشهوراً،وأباً من آباء البرية يشتهر بنسكه وجلده لجسده. ختاماً أقول أن نقاء أخلاقيات صاحبك المتوحسن يعدل عدم منطقية عقله(15)".
أما المريشال، الذي يقول روسو إنه قديس بخيل، عجوز، شارد الذهن، فقد أرسل إليه الزاد والفحم والخشب، وأقترح أن يبني له بيتاً صغيراً. وفسر جان-جاك هذا العرض بأنه آتٍ من فردريك، فرفضه، "ولكن منذ تلك اللحظة تعلقت به تعلقاً صادقاً حتى أصبحت أهتم الآن بمجده قدر ما كنت أرى انتصاراته إلى ذلك الحين ظالمة(16). وفي أول نوفمبر، والحرب قاب قوسين من نهايتها، كتب إلى فردريك يصف مهام السلم:
"مولاي:




صفحة رقم : 13133




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> الهروب


أنت حامي وولي نعمتي، وأن لي لقلباً خلق ليعرف الجميل، وأريد أن أبرئ نفسي معك إن استطعت. تريد أن تعطيني الخبز، أفليس بين رعاياك من يعوزه الخبز؟ أبعد عن عيني ذلك السيف الذي يومض ويجرحني...أن سيرة الملوك الذين أوتوا همتك عظيمة، وأنت لا تزال بعيداً عن ساعة منيتك، ولكن الوقت كالسيف، وليس أمامك لحظة واحدة تضيعها. أو تستطيع أن تعتزم الموت دون أن تكون أعظم الرجال قاطبة.
ولو أتيح لي يوماً أن أرى فردريك العادل المرهوب يملأ بلاده في نهاية المطاف بشعب سعيد سيكون أباً له، إذن لذهب جان-جاك روسو عدو الملوك، ليموت فرحاً في أسفل عرشه(17)".
ولم يرد فردريك رداً وصل إلينا علمه، ولكن حين ذهب كيث إلى برلين أخبره الملك بأنه تلقى توبيخاً من روسو(18).
وحين خيل لجان-جاك أنه ضمن بيتاً يقيم فيه، أرسل إلى تريز لتلحق به. ولم يكن واثقاً من أنها ستأتي، لأنه أحس قبل ذلك بزمن طويل بفتور محبتها له، وعزا هذا إلى توقفه عن الاتصال الجنسي بها، لأن "الاتصال بالنساء كان يؤذي صحتي(19)". فلعلها الآن تؤثر باريس على سويسرا. ولكنها حضرت. وكان لقاء ذرفا فيه الدموع وتطلعا أخيراً إلى بضع سنين ينعمان فيها بالسلام.




صفحة رقم : 13134




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة



2- روسو ورئيس الأساقفة


ولكن السنوات الأربع التالية كانت أشقى ما لقيا. ذلك أن قساوسة نوشاتل الكلفنين أدانوا روسو علانية بالهرطقة، وحظر القضاة بيع "إميل". واستأذن روسو راعي الكنيسة في موتيه في أن ينضم إلى شعب كنيسته، ربما ليهدئ ثائرة القساوسة، أو مدفوعاً برغبة صادقة في أتباع مبادئ كاهن سافوي، (أما تريز فظلت كاثوليكية)، فقبل واختلف إلى الكنيسة للصلاة، وتناول القربان "بعاطفة من القلب، وعيناي تملؤها دمع الحنان(20)". وأعطى الساخرين منه سلاحاً باتخاذ الزي الأرمني-قلنسوة من فراء،




صفحة رقم : 13135




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


وقفطان، وحزام. وأتاح له الروب الطويل أن يستر آثار حصر البول الذي ابتلي به. وكان يختلف إلى الكنيسة في هذا الزي، وارتداه وهو يزور اللورد كيث، الذي لم يعلق عليه إلا بتحيته بعبارة (السلام عليكم). وواصل الإضافة إلى دخله بنسخ الموسيقى، ثم أضاف أليها الآن أشغال الإبرة، وتعلم صناعة الدنتلا. كنت أحمل كالنساء مخدتي في زياراتي، أو أجلس لأشتغل بالإبرة عند باب بيتي.. وأتاح لي هذا أن أنفق وقتي مع جاراتي دون أن أحي مللاً..(21).
وأغلب الظن أن الناشرين أقنعوه في هذه الفترة (أواخر 1762) بأن يبدأ كتابه "اعترافات" وكان قد أقسم أن يعتزل التأليف، ولكن هذا لن يكون تأليفاً بقدر ما هو دفاع عن خلقه وسلوكه ضد عالم من الخصوم، لا سيما ضد تهم جماعة الفلاسفة وشائعات الصالونات. أضف إلى ذلك أنه كان مضطراً إلى الرد على عدد كبير من مختلف الرسائل. وقدم له النساء على الأخص بخوراً معزباً من إعجابهم الشديد، لا لتعاطفهن فحسب مع المؤلف المطارد لرواية مشهورة، بل لأن نفوسهن كانت تهفو للرجوع إلى الدين، ولم يرين في "كاهن سافوي" وصانعه عدواً حقيقياً للدين، بل المدافع الشجاع ضد إلحاد يشيع الكآبة في النفوس. لمثل هؤلاء النساء ولرجال عديدين، غدا أب الاعتراف، ومرشداً للنفوس الضمائر. وقد نصحهم بأن يقيموا على دين شبابه أو يعودوا إليه، ضاربين صفحاً عن كل الصعوبات التي يوحي بها العلم الفلسفة. فتلك العجائب البعيدة التصديق ليست هي الجوهر، ولا ضير في تنحيتها في صمت، إنما العبرة بالإيمان بالله وبالخلود، فبهذا الأيمان والرجاء ستطيع الإنسان أن يتسامى فوق كل كوارث الطبيعة التي لا تفهم، وكل آلام الحياة وأحزانها. وطلب كاثوليكي شاب متمرد على دينه تعاطف روسو، فأجابه روسو ناسياً تمرداته ألا يهتم كثيراً بالتوافه العارضة. "لو أنني ولدت كاثوليكياً لظللت كاثوليكياً، علماً بأن كنيستك تضع قيداً صحيحاً على شطحات العقل الذي لا يجد قراراً ولا شاطئاً حين يريد سبر أعماق الأشياء السحيقة(22)". وأشار على جل طلاب الحكمة هؤلاء




صفحة رقم : 13136




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


بالهروب من المدينة إلى الريف، ومن التكلف والتعقد إلى البساطة الطبيعية للحياة، والرضا الهادئ بالزواج والأبوة.
وأحبت النساء اللاتي صدمهن القساوسة المتعلقون بالحياة الدنيا ورؤساء الدين المتشككون، هذا المهرطق الزاهد الذي ندد به جميع الكنائس، وإن اقتصر هذا الحب على الرسائل. فقالت مدام دبلو، النبيلة المحترمة، لجماعة من النبلاء والنبيلات، "ما من شيء يمنع امرأة ذات حس مرهف صادق من تكريس حياتها لروسو إلا أسمى ضروب العفة، لو كانت واثقة من أنه سيحبها حباً حاراً(32). وحسبت مدام دلاتور بعض ما جاء في خطاباته لها من مجاملات اعترافاً بالحب، فاستجابت في رقة وحرارة وتدفق وبعثت إليه بصورتها، مؤكدة أنها لا تنصفها. وابتأست حين أجاب بهدوء رجل لم يرها قط(24). إلا أن معجبات أخريات تمنين لو قبلن الأرض التي يمشي عليها، وأقامت بعضهن مذابح له في قلوبهن، ودعاه بعضهن المسيح المولود من جديد. وكان يصدقهن أحياناً، ورأى في نفسه المؤسس المطلوب لدين جديد(25).
وسط هذا التمجيد كله، أثار الشعب عليه كاهن أعلى من كهنة التمويل (الهيكل)-كأنما لتأكيد القياس-ليدينوه ثائراً خطراً. ففي 20 أغسطس 1762 أصدر كرستوف دبومون، رئيس أساقفة باريس، رسالة لجميع الكهنة في أسقفيته ليقرئوا على شعبهم، ويعلنوا على الملأ، اتهامه لإميل ذات التسع والعشرين صفحة. وكان رجلاً صارم العقيدة طاهر السمعة، حارب الجانسنيين والموسوعية والفلاسفة؛ وبدا له الآن أن روسو، بعدما ظهر من انفصاله عن الملحدين، صد أنظم إليهم في مهاجمة الإيمان الذي يرتكز عليه في رأي رئيس الأساقفة نظام فرنسا الاجتماعي كله وحياتها الأخلاقية بأسرها.
واستهل اتهامه بالاستشهاد لما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس:
"ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم..متعظمين،




صفحة رقم : 13137




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


مستكبرين، مجدفين..غير طائعين لوالديهم متصلفين، محبين للذات، دون محبة الله...أناس فاسدة أذهانهم ومن وجهة الإيمان مرفوضون(26)".
وهاهي قد جاءت تلك الأزمنة ما في ذلك شك:
"إن الكفر الذي تشجعه جميع الشهوات يلبس كل لبوس ليكيف نفسه على نحو ما وفق جميع الأعمار، والأشخاص والطبقات...فقد يستعير أسلوباً خفيفاً لطيفاً لعوباً، ومن هنا الحكايات الكثيرة التي تستوي بذاءة وزندقة (روايات فولتير)، وترفه عن الخيال لأنها غواية للعقل ومفسدة للقلب. وقد يدعي الرجوع إلى الأصول الأولى للمعرفة متظاهراً بعمق آرائه وسموها، ويزعم له سنداً إليها، لكي يخلع نيراً يقولون إنه يجلل البشر بالعار. وقد يعلوا صوته كأنه امرأة غضبى فيهاجم الغيرة الدينية، ومع ذلك يبشر بالتسامح الشامل بحماسة. وقد يمزج الجد بالهزل في جمعه بين هذه الأساليب الكلامية المختلفة، ويخلط الحكم بالفحش، والحقائق الكبيرة بالأخطاء الكبيرة، والإيمان بالتجديف، ويأخذ على عاتقه-باختصار-التوفيق بين النور والظلمة، وبين المسيح وبليعال"(27).
وقال رئيس الأساقفة أن هذه الطريقة لجأ إليها إميل بصفة خاصة، فهو كتاب حفل بلغة الفلسفة دون أن يكون فلسفة حقاً، وطفح بنتف من المعرفة لم تثر المؤلف، وكل ما تفعله أنها تربك قراءه لا محالة. أنه رجلٌ مولع بمفارقات الآراء والسلوك، يجمع بين بساطة العادات وخيلاء الفكر، بين الحكم القديمة وجنون التجديد؛ وبين احتجاب عزلته ورغبته في أن تعرفه الدنيا بأسرها. إنه يندد بالعلوم، ثم يصادقها. إنه يمتدح روعة الإنجيل، ثم يدمر تعاليمه. لقد أقام نفسه معلماً للنوع الإنساني ليخدعه، ومرشداً للشعب ليضل العالم، ونبياً للقرن ليهدمه، فيالها من مغامرة(28).
وهال رئيس الأساقفة ما أقترحه روسو من إغفال ذكر الله أو يدين لإميل حتى يبلغ الثانية عشرة أو حتى الثانية عشرة، فمعنى هذا أن "الطبيعة




صفحة رقم : 13138




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


كلها تكون قد تحدثت عبثاً بعظمة الخالق..وأن كل تعليم خلقي سيفقد مساندة الإيمان الديني. ولكن الإنسان ليس بطبيعته خيراً كما زعم المؤلف. فهو يولد ملوثاُ بالخطيئة الأصلية، وهو يشارك في إفساد البشرية العام. والمعلم الحكيم-وخير المعلمين كاهن ترشده النعمة الإلهية-يتوسل بكل وسيلة سليمة ليغذي دوافع الخير في الناس، ويقتلع دوافع الشر، ومن ثم فهو يطعم الطفل بلبن الدين الروحي، لكي ينمو نحو الخلاص..وبهذا التعليم وحده يمكن أن يغدو الطفل عابداً مخلصاً للإله الحق ، وواحداً من رعايا الملك الأوفياء(29). وأن الكثير من الخطايا والجرائم ليظل باقياً حتى بعد هذا التعليم المجتهد، فما بالك بها إذا حرم الطفل منه. إن سيلاً عارماً من الشر يغرق في هذه الحالة(30)".
وقال رئيس الأساقفة في ختام كلامه إنه لهذه الأسباب:
"بعد استشارة عدة أشخاص عرفوا بورعهم وحكمتهم، وبعد التضرع لاسم الله القدوس، ندين هذا الكتاب لأنه يحوي تعليماً بغيضاً من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي، وأن يرسي مبادئ تناقض تعليم الأناجيل الخلقي، وينحوا إلى تكدير سلام الدول. وتزعم الثورة على سلطان الملك، ولأنه يتضمن الكثير جداً من الدعاوى الباطلة المفترية المفعمة بالحقد على الكنيسة ورعاتها..لذلك نحظر صراحة على جميع الأشخاص في أسقفيتنا أن يقرؤوا الكتاب المذكور أو يقتنوه، وإلا وقعوا تحت طائلة العقاب(31)".
وطبع هذه الرسالة "بامتياز الملك" وسرعان ما وصلت إلى موتيه-ترافير. وقرر روسو أن يرد عليها، وهو الذي كان على الدوام مصمماً على الكف عن الكتابة. وقبل أن يضع قلمه (18 نوفمبر 1762) كان قد أطلق له العنان حتى بلغ الرد 128 صفحة، وطبع بأمستردام في مارس 1763، بهذا العنوان: "من جان-جاك روسو المواطن الجنيفي إلى كرستوف ديمومون رئيس أساقفة باريس". وسرعان ما أدانه برلمان باريس ومجمع جنيف. ورد روسو على الهجوم الذي شنه عليه مذهلا أوربا الكبيران




صفحة رقم : 13139




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


بالهجوم عليهما جميعاً. وراح الرومانسي الخجول الذي نبذ من قبل جماعة الفلاسفة يكرر الآن حججهم بجرأة مستهترة.
وأستهل رده بسؤال ما زال يسأله جميع الخصوم بعضهم لبعض في هذا الجدل الذي لا ينتهي. "لم يتحتم عليّ أن أقول أي شيء لك يا صاحب النيافة؟ وأي لغة مشتركة يمكننا أن نتحدث بها، وكيف نستطيع أن يفهم الواحد منا الآخر(32)؟ وأبدى أسفه لأنه ألف كتاباً على الإطلاق، وهو لم يفل إلا حين بلغ الثامنة والثلاثين، وقد جره إلى هذه الغلطة أنه لاحظ مصادفة ذلك "السؤال التعس" الذي وجهته أكاديمية ديجون، ودفعه نقاد المقال إلى الرد عليهم، ثم أفضى كل جدل إلى جدل جديد...فألفيتني، إن جاز التعبير أغدو مؤلفاً في سن يهجر فيها المؤلفون التأليف عادة..ومنذ ذلك الحين إلى اليوم اختفت الراحة والأصدقاء(33)". وزعم أنه في حياته كلها كان:
"أكثر حماسة مني استفادة..ولكني كنت مخلصاً في كل شيء..بسيطاً طيعاً، وإن كنت مرهف الحس ضعيفاً أفعل الشر كثيراً وأحب الخير دائماً..أتبع عواطفي أكثر من مصالحي..أخشى الله دون أن أخشى الجحيم..أجادل في الدين ولكن دون إباحة. لا أحب الكفر ولا التعصب، ولكن أمقت المتعصبين أكثر مما أمقت الملحدين..وأعترف بأخطائي لأصدقائي وأعلن آرائي للعالم كله(34)".
وأحزنته إدانة الكاثوليك لإميل أقل مما أحزن إدانة الكلفنين. فهو الذي كان يعتز بلقبه "مواطناً جنيفياً" هرب من فرنسا أملاً في أن يتنفس في مسقط رأسه نسيم الحرية، وأن يجد من الترحيب ما يعزيه عما لقي من إذلال كثير. أما الآن "فمادا أقول؟ إن قلبي ينفلق؛ ويدي ترتعد، والقلم يسقط منها، وعليّ أن أصمت..ويجب أن أجتر في الخفاء أشد أحزاني مرارة(35). فها هو الرجل الذي اجترأ في قرن اشتهر بالفلسفة، والعقل والإنسانية، على أن يدافع عن قضية الله، هاهو قد وسم؛ وحرم وطورد من بلد إلى بلد، ومن ملجأ إلى ملجأ، دون اكتراث لفقره، ولا رحمة




صفحة رقم : 13140




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


لأمراضه" ثم وجد ملاذاً آخر الأمر عند "ملك مستنير ذائع الصيت" وانزوى في قرية صغيرة رابضة بين جبال سويسرا، ظاناً أنه في النهاية، واجد العزلة والهدوء، ولكن طاردته حتى هناك لعنات الكهنة..أن رئيس الأساقفة هذا "الرجل الفاضل، النبيل النفس، الكريم المحتد"، كان ينبغي أن يوبخ هؤلاء المضطهدين، ولكنه بدلاً من هذا أصدر الأذن في غير خجل، "وهو الذي كان يجب أن يدافع عن قضية المظلومين(36).."
وأحس روسو أن أشد ما ساء رئيس الأساقفة هو تعليم روسو أن الناس يولدون أخيار، أو غير أشرار على الأقل، وقد أدرك بومون أنه لو كان هذا حقاً، ولو لم يكن الإنسان ملوثاً منذ مولده بوراثته خطيئة آدم وحواء، لسقط التعليم بكفارة المسيح، وهذا لتعليم لب العقيدة المسيحية. ورد روسو بأن تعليم الخطيئة الأصلية لم يذكر بوضوح في أي مكان من الكتاب المقدس. وقد أدرك أن رئيس الأساقفة قد صدمه الاقتراح بتحايل تعليم الدين، فرد بأن تربية الأطفال على أيدي الراهبات والقساوسة لم تقلل من الخطيئة أو الجريمة، فهؤلاء الأطفال بعد أن يكبروا يفقدون خوفهم من الجحيم، ويؤثرون لذة صغيرة حاضرة على الجنة التي وعدوا بها. ثم ما بال هؤلاء القساوسة أنفسهم-أتراهم نماذج للفضيلة في فرنسا المعاصرة(37)؟ ومع ذلك "فأنا مسيحي، مسيحي بإخلاص، طبقاً لتعليم الإنجيل، لا مسيحي متلمذ للقساوسة، بل تلميذ للمسيح". ثم أضاف روسو وعينيه على جنيف "إنني في سعادة بالولادة في أقدس وأعقل دين في الأرض، ما زلت متعلقاً تعلقاً لا انفصام فيه بأيمان آبائي. وأنا مثلهم أتخذ من الأسفار المقدسة والعقل القواعد الوحيدة بأيماني(38)..." وأحس بلوم من أخبروه بأنه "مع أن كل أصحاب العقول الذكية يفكرون كما تفكر، فأنه ليس من الخير أن يفكر العوام على هذا النحو".
"ذلك ما يتصايحون به عليّ من كل جانب، ولعله ما كنت نفسكَ قائله لي لو كنا وحيدين في مكتبك. هكذا الناس، فهم يغيرون لغتهم مع ملابسهم، ولا يقولون الحق إلا وهم في أروابهم، أما في ثيابهم التي




صفحة رقم : 13141




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو رئيس الأساقفة


يبدون فيها أمام الناس فلا يعرفون إلا أن يكذبوا. وهم ليسوا مخادعين غشاشين أمام وجوه البشر فحسب، بل إنهم لا يخجلون من أن يعقبوا كل من يأبون أن يكونوا غشاشين كذابين علانية مثلهم، مخالفين في ذلك ضمائرهم(39)".
وهذا الخلاف بين ما نؤمن به وما نبشر به هو سر الفساد في الحضارة العصرية. أن هناك تحيزات ينبغي أن نحترمها على ألا تحيل التربية إلى خداع هائل وتقوض الأساس الخلقي للمجتمع(40). فإذا أصبحت هذه التحيزات قتالة فهل نسكت على جرائمها؟.
"لست أقول، ولا أرى، أن الدين الحسن لا وجود له...ولكن الذي أقول له....أنه ما من دين من الأديان التي سادت لم يثخن الإنسانية بالجراح. وكل المذاهب عذب بعضها بعضاً وكلها قدم لله قربان الدم البشري. وأياً كان مبعث هذه التناقضات فهي قائمة، فهل من الإجرام الرغبة غب إزالتها(41)؟".
وقبيل ختام رده دافع روسو عن إميل دفاع المحب المتيم بكتابه، وتسائل لم لم يقم لمؤلفه تمثال.
"هبني ارتكبت بعض الأخطاء، لا بل كنت دائماً مخطئاً، أفلا شفاعة لكتاب يشعر المرء في كل جزء فيه-حتى في أغلاطه وحتى في الضرر الذي قد يكون فيه-بالحب الصادق للخير وبالغيرة على الحق؟..كتاب لا يشع غير السلام، واللطف، والصبر، وحب النظام، وطاعة القوانين في كل شيء، حتى في أمر الدين. كتاب تؤكد فيه قضية الدين تأكيداً رائعاً، وتحترم فيه مكارم الأخلاق احتراماً كبيراً....ويصور الشر فيه على أنه حماقة، والفضيلة على أنها شيء محبب للنفوس...أجل، إنني لا أخشى أن أقولها..فلو أن في أوربا حكومة وحدة مستنيرة حقاً .. لخلعت على مؤلف إميل أسباب التشريف العلنية، ولأقامت له تمثالاً...ولكن خبرتي الكبير بالبشر تمنعني من أن أتوقع تقديراً كهذا وأنا لم أعرفه معرفة تكفي لأن أتوقع ذلك الذي أتوه".
ولكنهم أقاموا له التماثيل.




صفحة رقم : 13142




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو والكلفنيون



3- روسو والكلفنيون


لم يبتهج بخطاب روسو الذي وجهه إلى كرستوف بومون غير بعض أحرار الفكر في فرنسا وبعض المتمردين السياسيين في سويسرا. وجاءت من البروتستنت معظم الردود "المفندة" لدعاوى روسو والموجه إلى المؤلف. ورأى قساوسة جنيف الكلفنيون في الخطاب هجوماً على المعجزات وتنزيل الكتاب المقدس، والإغضاء عن هذه الهرطقات معناه التمهيد من جديد للخطر الذي عرضهم له دالامبير. وغضب روسو من إحجام الأحرار الجنيفيين عن الجهر بالدفاع عنه، فأرسل (12 مايو 1763) إلى مجلس جنيف الكبير يتخلى عن مواطنته.
وقد حضي عمله هذا ببعض التأييد المسموع في 18 يونيو رفع وفد إلى الرئيس الأول للجمهورية "احتجاجاً غاية في التواضع والاحترام من مواطني جنيف وسكان مدنها" شكا فيما شكا من مظالم، من أن الحكم الصادر على روسو غير قانوني، وأن مصادرة نسخ إميل من مكتبات جنيف كانت عدواناً على حقوق الملكية. ورفض مجلس الخمسة والعشرين الاحتجاج وفي سبتمبر أصدر المدعي العام، جان روبير ترونشان (أبن عم طبيب فولتير)، خطابات مكتوبة من الريف "للدفاع عن إجراءات المجلس المختلف عليها. وناشد "المحتجون" روسو الرد على ترونشاني. وإذ لم يكن بروسو أي نية في البعد عن الشر، فقد نشر (ديسمبر 1764) تسعة "خطابات مكتوبة من الجيل"-وهي رد من بيته الجبلي على أوليجاركية السهل الجنيفي. وكان ساخطاً أشد السخط على القساوسة والمجلس جميعاً، فهاجم الكلفنية كما هاجم الكاثوليكية، وأحرق بذلك معظم جسور من خلفه.
وقد وجه الخطابات من الناحية الشكلية لزعيم المحتجين. واستهلها بتناول الأذى الذي لحق به من جراء الإدانة المتعجلة لكتبه وشخصه، دون أن تتاح له أي فرصة للدفاع. واعترف بعيوب كتبه. "لقد وجدت أنا نفسي الأخطاء الكثيرة فيها. ولست أشك في أن غيري قد يرون فيها أخطاء أكثر




صفحة رقم : 13143




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو والكلفنيون


وأنه ما زالت هناك أخطاء أخرى لم أدركها لا أنا ولا غيري...فبعد الاستماع إلى الطرفين سيحكم الجمهور..وسينجح الكتاب أو يسقط وتنتهي القضية عند هذا(43). ولكن أكان الكتاب مؤذياً؟ أيمكن أن يقرأ إنسان "هلويز الجديدة" "وإعلان إيمان كاهن سافوي" ثم يعتقد حقاً أن مؤلفها قصد هدم الدين؟ صحيح أن الكتابين حاولا تدمير الخرافة لأنه شر بلاء رزئت به البشرية، ولأنها محنة الحكماء وأداة الطغيان(44). ولكن ألم يؤكد ضرورة الدين؟ إن المؤلف يتهم بعدم إيمانه بالمسيح، وهو مؤمن بالمسيح ولكن بطريقة مختلفة عن طريقة متهميه.
إننا نعترف بسلطان المسيح، لأن فكرنا يوافق على تعليمه ولأننا نجدها تعاليم سامية. ونحن نسلم بالوحي منبثقاً من روح الله، دون أن نعرف كيف..وإذ نقر بسلطان إلهي في الإنجيل، فإننا نؤمن بأن المسيح بشر بهذا السلطان، ونحن نقر بفضيلة في سلوكه تفوق فضيلة البشر، وبحكمة في تعاليمه تفوق حكمة البشر".
وأنكر الخطاب الثاني حق مجلس مدني في الحكم في قضايا الدين (ناسيا العقد الاجتماعي). وفي إدانة إميل انتهاك لمبدأ أساسي من مبادئ حركة الإصلاح البروتستنتي، وهو حق الفرد في أن يفسر الكتاب المقدس لنفسه(45).
"لو برهنت لي اليوم في مسائل الدين مضطراً للإذعان لقرارات غيري، فسأتحول إلى الكاثوليكية غداً(46)". وسلم روسو بأن دعاة الإصلاح البروتستنتي أصبحوا بدورهم مضطهدين للتفسير الفردي(47). ولكن هذا لا يبطل المبدأ الذي لولاه لكانت ثورة البروتستنت على السلطة البابوية ظالمة. واتهم القساوسة الكلفنيين (باستثناء راعي) بأنهم اعتنقوا روح الكاثوليكية المتعصب، ولو كانوا أوفياء لروح الإصلاح البروتستنتي لدافعوا عن حقه في نشر تفسيره الخاص للكتاب المقدس. وجاد الآن بكلمة ثناء على رأي دالامبير في قساوسة جنيف:
"أن أحد الفلاسفة يلقي عليهم نظرة عجلى، ثم يتغلغل إلى أعماقهم،




صفحة رقم : 13144




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو والكلفنيون


فيريهم أنهم أريوسيون، سوسينيون، فيقول هذا، ويحسب أنه بهذا القول يشرفهم ولكنه لا يدرك أنه يعرض مصالحهم الدنيوية للخطر، وهو الأمر الوحيد الذي يقرر على العموم إيمان البشر في هذه الدنيا(48)".
وفي الخطاب الثالث تناول اتهامه برفض المعجزات. فنحن إن عرفنا المعجزة بأنها خرق لقوانين الطبيعة، فلن نستطيع أبداً أن نعرف هل الشيء معجزة أم غير معجزة، لأننا لا نعرف كل قوانين الطبيعة(49). فحتى في ذلك العصر كان كل يوم يشهد معجزة جديدة يحققها العلم، لا مخالفاً بذلك قوانين الطبيعة، بل بفضل معرفته بها معرفة أعظم.
كان الأنبياء في قديم الزمان يستنزلون النار من السماء بكلمتهم، أما اليوم فالأطفال يفعلون هذا بقطعة صغيرة من الزجاج (المشتعل). إن يشوع أوقف الشمس، وأي واضع للتقاويم يستطيع الوعد بمثل هذه النتيجة إذا حسب كسوف الشمس(50). وكما أن الأوربيين الذين يجرون عجائب كهذه بين الهمج يعدهم هؤلاء آلهة، فكذلك معجزات الماضي-حتى معجزات المسيح-ربما كانت نتائج طبيعية فسرتها الجماهير خطأ بأنها تعطيلات إلهية للقانون الطبيعي(51). ولعل لعازر الذي أقامه المسيح من بين الأموات لم يكن في حقيقة الأمر ميتاً. ثم، كيف أن تثبت معجزات معلم صدق تعليمه، إذ كان معلمو التعاليم المعتبرة عموماً تعاليم كاذبة قد أجروا معجزات قيل إنها أيضاً حقيقية، كما حدث حين بارى سحرة مصر هارون في تحويل هارون في تحويل العصي إلى حيات؟(52). أن المسيح حذر من "المسحاء الكذبة" الذين يعطون آيات عظيمة وعجائب(53).
كان روسو قد بدأ خطاباته بغرض مساعدة المحتجين من رجال الطبقة الوسطى، ولم يطلب توسيعاً لحق الانتخاب في اتجاه ديمقراطي، لا بل إنه في الخطاب الرابع يلتزم بالرأي بأن الأرستقراطية المنتخبة هي خير أشكال الحكم، وأكد لحكام جنيف أن المثل الأعلى الذي رسمه في "العد الاجتماعي" كان في صميمه متفقاً مع الدستور الجنيفي(54). ولكن في الخطاب السابع أخبر أصدقاءه من البرجوازية المحتجة أن الدستور لا يقر سيادة المواطنين




صفحة رقم : 13145




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو والكلفنيون


ذوي الحقوق الانتخابية إلا خلال الانتخابات للمجلس العام ومؤتمره السنوي، أم في باقي السنة فالمواطنون مجردون من السلطة. وفي تلك الفترة الطويلة كلها يكون مجلس الخمسة والعشرين الصغير هو الحكم الأعلى في القوانين، وفي مصير جميع الأفراد تبعاً لذلك، والواقع أن المواطنين والبرجوازيين الذين يبدون أصحاب سيادة في المجلس العام، يصبحون بعد فضه عبيداً لسلطة استبدادية بغير دفاع لرحمة خمسة وعشرين مستبداً(56).
وكان هذا أقرب إلى الدعوة للثورة. ولكن روسو استنكر هذا الملجأ الأخير. ففي خطابه الأخير أثنى على البرجوازية باعتبارها أعقل طبقة في الدولة، وأكثرها حباً للسلام، محصورة بين طبقة أشراف غنية ظالمة، وجماهير متوحشة غبية(57). ولكنه نصح المحتجين بالصبر والمصابرة، وبأن يركنوا إلى العدالة والزمن لينصفاهم من مظالمهم.
وأغضبت "خطابات الجبل" هذه أعداء روسو وساءت أصدقاءه..وأفزعت هرطقاته القساوسة الجنيفيين، وزادهم فزعاً ادعاؤه أنهم يشاطرونه إياها. فأنقلب الآن عنف على القساوسة الكلفنيين ورماهم بأنهم "رعاع غشاشون، بطانة غبية، وذئاب مسعورة". "وأعرب عن إيثاره للكهنة الكاثوليك البسطاء في القرى والمدن الفرنسية(58). ولم يستعن "المحتجون" بالخطابات في حملتهم الناجحة لنيل المزيد من السلطة السياسية؛ واعتبروا روسو حليفاً خطراً لا يركن إليهم، فاعتزم ألا يشارك بعدها بأي نصيب في السياسة الجنيفية".




صفحة رقم : 13146




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو وفولتير



4- روسو وفولتير


كان قد تساءل في الخطاب الخامس، لم لم يوحِ "المسيو فولتير" الذي "طالما زاره" أعضاء المجلس الجنيفيون، لهم "بروح التسامح تلك التي لا يني عن التبشير بها، والتي يحتاج هو إليها أحياناً؟ وأجرى على لسان فولتير حديثاً خيالياً(59) يحبذ فيه حرية الكلام للفلاسفة بحجة أن قلة لا تُذكر




صفحة رقم : 13147




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو وفولتير


هي التي تقرأ لهم. وكان تقليده لأسلوب فولتير الخفيف الرشيق بارعاً. ولكنه صور حكيم فرنيه معترفاً بتأليفه لكتاب نشر حديثاً اسمه "عظة الخمسين" وكان فولتير أنكر أبوته غير مرة لأنه زخر بالهرطقات. ولا ندري أكان كشف روسو للسر متعمداً خبثاً؟ على أي حال هذا ما رآه فولتير، وحنق منه أشد الحنق، لأنه عرضه لإمكان طرده من فرنسا من جديد، في الوقت الذي كان مستقراً فيه في فرنية.
وصاح حين قرأ الخطاب الواشي "يا للمجرم! يا للوحش! كان يجب أن أضربه بالنبوت-نهم، سآمر بضربه بالنبوت في جباله عن ركبتي مربيته؛" وقال متفرج "أرجو أن تهدئ روعك، لأني أعلم أن روسو ينوي أن يزورك، وسيكون في فرنية قريباً جداً"..وصاح فولتير وقد بدت عليه نية الأذى "آه، فليأتِ فقط".
"ولكن كيف ستستقبله؟".
"سأقدم له العشاء، وأعطيه فراشي، وأقول له هاك عشاء طيباً، وهاهو أفضل فراش في البيت؛ فتفضل بقبول الاثنين وانعم بالسعادة هنا(60)".
ولكن روسو لم يحضر. وثأر فولتير لنفسه بإصداره (31 ديسمبر1764) كتيباً بقلم مجهول، سماه "عواطف المواطنين" هو لطخة من أشد اللطخ التي تلوث خلقه ومهنته سواداً. ولا بد من نقل ما جاء به ليصدق القارئ:
"أننا نرثي للأحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنوناً فأننا نوثق رباطه. ذلك أن التسامح-وهو فضيلة-يصبح عنها رذيلة.....لقد غفرنا لهذا الرجل رواياته، التي آذى فيها اللياقة والحياء كما آذى المنطق السليم. وحين خلط الدين بقصصه، اضطر قضاتنا إلى محاكاة قضاة باريس....وبرن...واليوم ألا يفرغ الصبر حين ينشر كتاباً جدياً يعتدي فيه اعتداءاً مجنوناً على الدين المسيحي، وعلى الإصلاح البروتستنتي الذي يدعيه، وعلى كل خدام الإنجيل المقدس وكل هيئات الدولة؟-إنه يقول بجلاء،




صفحة رقم : 13148




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو وفولتير


وبسمه صراحة، ليس في الإنجيل معجزات نستطيع أخذها حرفياً دون أن نطلق عقولنا...."
"أهو عالم يجادل العلماء؟ لا...بل رجل مازال يحمل آثار فجوره المخزية...ويجر معه من بلد إلى بلد، ومن جيل إلى جيل، المرأة التعسة التي كان سبباً في موت أمها، والتي ألقى بأطفالها على باب مستشفى...جاحداً كل مشاعر الطبيعة، كإنكاره لمشاعر الشرف والدين..."
"أيريد أن يطيح بدستورنا بتشويهه، كما يريد أن يطيح بالمسيحية التي يدعيها؟ يكفي أن ينذر بأن المدينة التي يزعجها تنكره......فإذا ظن أنها تمتشق الحسام (أي تقوم بثورة) بسبب (إدانة) إميل، فليضف هذه الفكرة إلى سخافاته وحماقاته..ولكن يجب أن يخبر بأننا إن ترفقنا في عقاب رواية فاجرة، فإننا سنقسو في عقاب خائن لئيم(61)".
وكان هذا الكلام فعلة مخزية لا يشفع لها غضب فولتير ولا أمراضه ولا شيخوخته، (وكان الآن في السبعين).
لأعجب إذا كان روسو لم يصدق قط (وحتى في يومنا هذا لا نكاد نصدق) أن فولتير هو كاتبه، بل نسبه إلى القس الجنيفي فيرن، الذي أكد عبثاً أنه ليس كاتبه. وأذاع روسو في لحظة من أجمل لحظاته رداً على "العواطف" (يناير 1765):
"أريد أن أدلي ببساطة بالتصريح الذي يبدو أنه مطلوب مني بهذا المقال. فما من علة صغيرة أو كبيرة، كما يدعي المؤلف، قد لوثت قط جسدي. والعلة التي أصابتني ليس هناك أدنى شبه بينها وبين تلك المشار إليها فقد ولدت معي، ويعرف الذين رعوني في طفولتي، الباقون على قيد الحياة. وهي معروفة للسيدات مالوان، وموران، وتيري، وداران...فإذا وجدن في هذه العلة أقل أمارة من أمارات الفجور، فأني أرجوهن أن يلعنني ويفضحنني..والمرأة العاقلة التي يقدرها العالم، والتي تعنى بي في كوارثي..لا يشقيها إلا مشاطرتها لشقائي. أما أمها فهي في




صفحة رقم : 13149




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:25 مساء   رقم المشاركة : [392]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو وفولتير


الواقع فياضة بالحياة، وفي صحة سابغة، رغم شيخوختها (فقد عمرت إلى الثالثة والتسعين). ولم ألق قط، ولا تسببت في إلقاء على باب مستشفى ولا في أي مكان آخر...ولن أزيد..اللهم إلا القول بأنني حين يحضرني الموت أؤثر أن أكون قد ارتكبت ما يتهمني به المؤلف، عن أن أكون كاتب كتيب كهذا..(62)"
ومع أن تسليم روسو أطفاله لملجأ للقطاء (لا إلقاءهم في العراء بالضبط) كان موضوعاً يعرفه المقربون في باريس (فقد اعترف به للمرشالة لكسمبورج)، فإن نشر فولتير كانت أول إفشاء علني لهذا السر. وخامر جان-جاك الظن في أن مدام ديينيه أفشته عند زيارتها لجنيف، واقتنع الآن بأنها هي وجريم وديدرو كانوا يأتمرون لتشويه سمعته. وقد هاجم جريم روسو في هذه الفترة غير مرة في "الرسائل الأدبية(63)". وفي خطابه المؤرخ 15 يناير 1765 في معرض الحديث عن "خطابات من الجبل" انظم إلى فولتير في اتهام روسو بالخيانة: "إن وجد في أي مكان على الأرض جريمة تدعى الخيانة العظمى، فهي ولا ريب في مهاجمة الدستور الأساسي لدولة بالأسلحة التي أستخدمها روسو ليطيح بدستور وطنه".
والشجار الطويل الذي نشب بين فولتير وروسو من أفجع اللطخ التي لوثت وجه حركة التنوير. لقد باعد بينهما مولدهما ومركزهما. ففولتير، ابن الموثق الموسر، تلقى تعليماً حسنناً، لا سيما في الدراسات القديمة؛ أما روسو المولود في أسرة فقيرة وشيكة التفكك، فلم يتلقَ أي تعليم نظامي، ولم يرث أي تقليد كلاسيكي، وقد قبل فولتير القواعد الأدبية التي وضعها بوالوا-"أحب العقل، ولتستقِ كل كتاباتك من العقل بهائها وقيمتها(64)". أما في رأي روسو (كما في رأي فاوست وهو يغوي مارجريت بروسو) فإن "الوجدان كل شيء(65)". وكان فولتير لا يقل عن جان-جاك حساسية وسرعة انفعال، ولكنه عادة كان يرى من سوء الأدب أن يترك الانفعال يشوه فنه، وقد اشتم في دعوة روسو للوجدان والغريزة لا عقلية فوضوية فردية تبدأ بالثورة وتنتهي بالدين. وقد شجب فولتير بسكال، أما روسو




صفحة رقم : 13150




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو وفولتير


فردده كالصدى. وكان فولتير يعيش كما يعيش أصحاب الملايين، أما روسو فكان ينسخ الموسيقى ليكسب قوته. وكان فولتير خلاصة كل لطائف المجتمع، أما روسو فكان يشعر بالقلق في المجتمعات، وكان أقل صبراً وأضيق صدراً من أن تحتفظ بصداقة صديق. وكان فولتير أبن باريس، وربيب مرحها وترفها، أما روسو فكان طفل جنيف، برجوازياً مكتئباً، وبيورتانياً يكره تميز الطبقات الذي يجرحه، وألوان البذخ التي لا قدرة له على الاستمتاع بها، ودافع فولتير عن الترف لأنه يداول مال الأغنياء بتشغيل الفقراء، أما روسو فأدانه لأنه "يطعم مائة فقير في مدننا ويسبب هلاك مائة ألف في قرانا(66)" وذهب فولتير إلى أن آثام الحاضرة ترجحها فنونها وما توفره من أسباب الراحة، أما روسو فكان لا يشعر بالراحة في أي مكان، ويندد بكل شيء تقريباً. وأصغى المصلحون إلى فولتير، وأستمع الثوار إلى روسو.
إن هوراس وليلول حين قال إن "هذه الدنيا ملهاة لمن يفكروا، ومأساة لمن يشعرون(67)". أجمل في سطر واحد؛ على غير قصد منه؛ حياة أعظم عقلين من عقول القرن الثامن عشر تأثيراً في الناس.




صفحة رقم : 13151




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> بوزويل يلتقي بروسو



5- بوزويل يلتقي بروسو


في رواية بوزويل لزيارات خمس قام به لجان-جاك في ديسمبر 1764 تصوير غاية في اللطف لروسو. فلقد أقسم ذلك المعجب الذي لا مهرب منه يميناً مغلظة (21 أكتوبر) أنه "لن يكلم ملحداً؛ ولن يتمتع بامرأة؛ قبل أن يلقى روسو(68)" وفي 3 ديسمبر شد رحاله من نوشاتل إلى موتييه-ترافير. وحين بلغ برو في منتصف الطريق وقف بنزل وسأل ابنة صاحبه ماذا تعرف عن فريسته. وكان جوابها مقلقاً:
"إن المسيو ورسو يحضر هنا كثيراً ويمكث أياماً مع مدبرة بيته؛ الآنسة ليفاسير. وهو رجل لطيف جداً؛ له وجه جميل؛ ولكنه لا يحب أن يأتي الناس ويحملقوا فيه كأنه رجل له رأسان. يا للسماء! أن فضول




صفحة رقم : 13152




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> بوزويل يلتقي بروسو


الناس لا يصدق؛ أن كثيرين؛ كثيرين يأتون ليروه؛ وكثيراً ما يرفض لقاءهم. إنه مريض، ويكره أن يزعجه أحد(69)".
ولكن بوزويل واصل رحلته بالطبع. وفي موتييه نزل بفندق القرية.
"وأعددت خطاباً لمسيو روسو أخبرته فيه أن سيداً أسكتلندياً عتيق الطراز في الرابعة والعشرين قدم بأمل لقائه. وأكدت له أنني جدير باحترامه...وفي خاتم خطابي بيت له أن لي قلباً وروحاً...والخطاب آية في بابه حقاً. وسأحتفظ به ما حييت برهاناً على أن في قدرة روحي أن تتسامى(70)".
وكان خطابه-الذي كتبه بالفرنسية-مزيجاً بارعاً من السذاجة المتعمدة والإعجاب الذي لا يرد:
"إن كتاباتك يا سيدي أذبلت قلبي. ورفعت روحي. وألهبت خيالي. صدقني سيبهجك أن تلتقي بي. إيه يا سان-برو العزيز! أيها المعلم المستنير! أي روسو البليغ المحبوب! يحدثني قلبي بأن صداقة شريفة حقاً ستولد اليوم..لدي الكثير الذي أحدثك به. ومع أنني لسن إلا شاباً فقد خبرت من ألوان الحياة ما سيدهشك...ولكني أتوسل إليك أن تلقاني وحدك...ولا أدري هلا أفضل أن ألقاك إطلاقاً من أن ألقاك أول مرة في صحبة. وأني مترقب ردك بفارغ الصبر(71).
وأرسل له روسو كلمة يقول إن في استطاعته الحضور إذا تعهد بأن تكون زيارته قصيرة. وذهب بوزويل "مرتدياً سترة وصدرية بدانتيللا مذهبة، وبنطلون ركوب من جلد الغزال، ومنتعلاً حذاءاً طويلاً. وفوق ذلك كله لبس معطفاً كبيراً من وبر الجمل الأخضر المبطن بفراء الثعلب". وفتحت تريز الباب "فتاة فرنسية قصيرة رشيقة أنيقة". وقادته صعداً إلى روسو-رجل ظريف أسمر اللون في زي الأرمن...وسألته عن صحته فقال: "مريض جداً ولكني طلقت الأطباء". وأعرب روسو عن إعجابه




صفحة رقم : 13153




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> بوزويل يلتقي بروسو


بفردريك وازدرائه للفرنسيين-"شعب جدير بالاحتقار، ولكنك ستجد نفوساً عظيمة في أسبانيا". بوزويل: " وفي جبال اسكتلندا". وقال روسو عن اللاهوتيين أنهم "سادة يقدمون تفسيراً جديداً لشيء من الأشياء ويتركونه مغلقاً على الإفهام كما كان". وناقشا أحوال كورسيكا، وقال روسو أنه قد طلب إليه أن يشرع لها قوانين، وبدأ بوزويل تحمسه الدائم لاستقلال كورسيكا. ثم صرفه روسو بعد قليل، قائلاً أنه يود التمشي منفرداً.
وفي 4 ديسمبر استأنف بوزويل الحصار. وتحدث معه روسو مليا، ثم صرفه: إنك "تزعجني. هذا طبعي ولا حيلة لي فيه". بوازيل: "أرفع الكلفة معي". روسو "أمضي". وصحبت تيريزا بوازوبل إلى الباب وقالت له "لقد عشت مع المسيو روسو اثنين وعشرين عاماً، ولن أتخلى عن مكاني لأكون ملكة فرنسا. وأنا أحاول الانتفاع النصيحة الطيبة التي يسديها إليّ. وإذا مات سأضطر إلى دخول الدير(71).
وطرق بوازيل الباب مرة أخرى في 5 ديسمبر. وتأوه روسو "يا سيدي العزيز، يؤسفني عجزي عن التحدث إليك كما أشتهي" بوزويل: بحي هذه الأعذار وأثار الحديث بقوله: لقد اعتنقت الكاثوليكية وأنوي الاختفاء في دير روسو يل للحماقة!..بوزويل: "أخبرني بحق أأنت مسيحي؟" وقرع روسو صدره وأجاب: "نعم إنني أعتز بأني مسيحي". بوزويل (الذي كان مصاباً بالاكتئاب) قل لي: هل تعاني من الاكتئاب؟ روسو: لقد ولدت هادئا، وليس بي ميل طبيعي للاكتئاب. لقد أصابتني به الكوارث التي حلت بي. بوزويل: ما رأيك في الأديار، والكفارات، والعلاجات التي من هذا النوع؟ روسو: كلها سخافات. بوزويل: هل لك يا سيدي أن تضطلع بإرشادي الروحي؟ روسو: لا أستطيع. بوزويل: سأعود. روسو: لا أعد بلقائك. إنني أعاني ألماً، إنني أحتاج إلى مبولة كل دقيقة(73).
في عصر ذلك اليوم، في بيت القرية كتب بوزويل في أربع عشرة




صفحة رقم : 13154




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> بوزويل يلتقي بروسو


صفحة مجملاً لحياتي وبعث به إلى روسو. وقد اعترف فيه بحادث زنا أتاه، وسأل روسو ألا يزال في إمكاني أن أجعل نفسي رجلاً؟ وعاد إلى نوشاتل، ولكنه كان بباب روسو مرة أخرى في 14 ديسمبر وأخبرته تريز أن سيدها مريض جداً، وأصر بوزويل، واستقبله روسو "ووجدته جالساً وهو في غاية الألم". روسو: لقد غلبتني العلل، وخيبات الأمل، والحزن. إنني أستعمل مجساً. كل إنسان يعتقد أن من واجبي أن أصغي له..عد في العصر. بوزويل: وكم تطول زيارتي؟ روسو: "ربع ساعة، لا أكثر. بوزويل: عشرين دقيقة. روسو: هيا انصرف. ولكنه لم يتمالك نفسه من الضحك.
وعاك بوزويل في الرابعة وهو يحلم بلويس الخامس عشر. "إن الأخلاق تبدو أي أمراً غير يقيني. فأنا مثلاً أحب أن يكون لي ثلاثون امرأة. ألا أستطيع أن أشبع تلك الرغبة؟ لا. ولكن انظر، لو كنت غنياً لاستطعت أن تتخذ عدداً من الفتيات، وأحبلهن، وبهذا يزداد النسل. ثم أعطيهن مهوراً، وأزوجهن لفلاحين طيبين سيسعدون جداً بالزواج منهن. وهكذا يصبحن زوجات في نفس السن التي كن يتزوجن فيها لو ظللن أبكاراً، وأكون أنا من ناحيتي قد أفدت بالاستمتاع بعدد كبير من مختلف النساء. فلما لم يقع من نفس روسو هذا الفرض الملكي، سأله "أخبرني من فضلك كيف أكفر عن الشر الذي ارتكبته؟" وأجاب روسو جواباً ذهبياً "ليس هناك تكفيراً عن الشر إلى الخير(74)". وطلب بوزويل إلى روسو أن يدعوه للغداء، وقال روسو "غداً" وعاد بوزويل إلى الفندق منتعشاً غاية الانتعاش.
وفي 15 ديسمبر تناول الطعام مع جان-جاك وتريز في المطبخ، وقد وجده نظيفاً مشرقاً. وكان روس رائق المزاج، ولم تبدُ عليه علامات الاضطراب العقلية التي ستظهر فيما بعد. وكان كلبه وقطعته على وفاق مع بعضهما البعض ومعه. "ووضع بعض الطعام على صينية خشبية، وجعل كلبه يرقص حوله وغنى روسو..لحناً مرحاً بصوت




صفحة رقم : 13155




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> بوزويل يلتقي بروسو


رخيم وذوق رفيع. وتحدث بوزويل في الدين.."أن الكنيسة الأنجليكانية أفضل المذاهب عندي. روسو: نعم، ولكنها ليست الإنجيل. ألا تحب القديس بولس؟ إنني أحترمه، ولكني أحسبه مسئولاً إلى حد ما عما في رأسك من اختلاط. لو عاش لكان قسيساً أنجليكانياً.
الآنسة ليفاسير: استلقى المسيو دفولتير يا سيدي؟ بوزويل: بكل تأكيد. ثم إلى روسو: أن المسيو دفولتير لا يحبك. روسو: أن المرء لا يحب من أذاهم أذى شديداً. أن حديثه ممتع جداً، لا بل إنه بفضل كتبه. وطال بوزويل المكث فوق ما تحتمله الضيافة، ولكن حين ودع "قبلني روسو مرات، وضمني بين ذراعيه بود رقيق". فلما وصل بوزويل إلى الفندق قالت ربته سيدي: أضنك كنت تبكي. ويضيف إنني أحتفظ بذكرى هذه الكلمات إطراءً صادقاً لإنسانيتي(75).




صفحة رقم : 13156




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> دستور لكورسيكا



6- دستور لكورسيكا


بعد أن زار بوزويل فولتير في فرنيه، مضى في رحلته إلى إيطاليا ونابلي وكورسيكا، ربما بحث من روسو. وكانت كورسيكا بزعامة باسكالي دي باولي قد حررت نفسها من سيطرة جنوة (1755) ورحب روسو في "العقد الاجتماعي" من قبل بمولد الدولة الجديدة.
"ما زال في أوربا بلد واحد مفتوح للمشرع. إنه جزيرة كورسيكا. والبسالة والإصرار اللذان برهن بهما هذا الشعب الشجاع على قدرته على استرداد حريته والدفاع عنها يستحقان المعونة من إنسان حكيم يعلمهم كيف يحتفظون بها. ونفسي تحدثني بأن هذه الجزيرة الصغيرة سوف تدهش أوربا يوماً ما(76)".
ولو أخذ رأي فولتير لرأى أن روسو آخر رجل في أوربا يصح دعوته للتشريع. ولكن الذي حدث أن جان-جاك تلقى في 31 أغسطس 1764 الخطاب الآتي من ماتيو بوتافوكو، المبعوث الكورسيكي لدى فرنسا:




صفحة رقم : 13157


قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> دستور لكورسيكا


"لقد ذكرت كورسيكا يا سيدي في "عقدك الاجتماعي" على نحو يتيه به وطننا. وهذا الثناء من قلم مخلص كل الإخلاص كقلمك...أوحى بالرغبة القوية في إنك يمكن أن تكون المشرع الحكيم الذي يعين الأمة على الحفاظ على الحريات التي اقتنتها بدم كثير. وإني أدرك بالطبع أن المهمة التي أجرؤ على الإلحاح عليك في الاضطلاع بها تحتاج إلى معرفة خاصة بالتفاصيل...ولكنك إن تفضلت أن تقبل المهمة فسأزودك بكل المعرفة الضرورية لإنارتك. وسيبذل المسيو باولي...قصاراه ليرسل إليك من كورسيكا كل المعلومات التي قد تحتاج إليها. ويشاطرني رغبتي هذا الزعيم المرموق، لا بل جميع إخواني المواطنين الذين أتيح لهم الإطلاع على أعمالك، ويشاركني مشاعر الاحترام التي تشعر بها أوربا كلها نحوك، والتي أنت أهل لها لأسباب كثيرة جداً(77)".
ورد روسو (15 أكتوبر 1764) بقبول المهمة، وطلب تزويده بالمعلومات عن طبيعة الشعب الكورسيكي، وتاريخه، ومشاكله. واعترف بأن العمل قد يكون "فوق طاقتي وإن لم يكن فوق تحمسي". ثم كتب إلى بوتافيوكو، في 26 مايو 1765 يقول: "غير إني أعدك أنه لن يكون لي اهتماماً فيما بقي لي من أجل غير نفسي وكورسيكا، وكل ما عدا ذلك من أمور سأقصيه عن أفكاري(78)". ثم عكف من فوره على وضع "مشروع دستور لكورسيكا".
واقترح روسو في مشروعه و"العقد الاجتماعي" في ذاكرته، أن يوقع كل مواطن على تعهد ملزم لا رجعة فيه بوضع نفسه-"جسدي وأملاكي وإرادتي، وكل قدراتي"-تحت تصرف الأمة الكورسيكية(79). وحيا "الكورسيكيين البواسل" الذين ظفروا باستقلالهم، ولكنه نبههم إلى أن فيهم رزائل كثيرة-كالكسل، وقطع الطريق، والعداوات، والوحشية-ومعظمها ناجم عن كراهيتهم لسادتهم الأجانب. وخير علاج لهذه الرذائل أن يعيشوا عيشة زراعية خالصة. وينبغي أن توفر القوانين كل إغراء للشعب ليلزم الأرض بدلاً من التجمع في المدن، فالزراعة تعين على الخلق الفردي




صفحة رقم : 13158




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> دستور لكورسيكا


والصحة القومية، أما التجارة بأنواعها والمالية فتفتح الأبواب لكل ضروب الغش والاحتيال، ويجب على الدولة ألا تشجعها. ويجب أن يكون السفر كله على الأقدام أو على ظهور الدواب، وأن يكافأ الزواج المبكر والأسرة الكبيرة؛ وأن تسقط المواطنة عن الرجال الذين يظلون عزاباً إلى الأربعين. ويجب خفض الملكة الخاصة وزيادة ملكية الدولة. "بودي أن أرى الدولة المالك الوحيد؛ ولا يصيب الفرد من الملكية المشتركة إلا بنسبة خدماته(80)"، وينبغي إلزام السكان بفلاحة أراضي الدولة إذا اقتضى الأمر، وأن تشرف الحكومة على التعليم كله، وعلى الآداب العامة كلها؛ وأن تشكل الحكومة نفسها على غرار الولايات السويسرية (الكنتونات).
وفي 1768 اشترت فرنسا كورسيكا من جنوه؛ وجردت عليها جيشاً؛ وعزلت باولي، وأخضعت الجزيرة للقانون الفرنسي. وكف روسو عن المضي في مشروعه؛ وندد بالغزوة الفرنسية لأنها انتهاك "لكل عدل؛ وإنسانية؛ وحق سياسي، وتفكير سليم(81)".




صفحة رقم : 13159




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ



7- اللاجئ


ظل روسو عامين يحيا حياة متواضعة هادئة في موتييه؛ يقرأ؛ ويكتب ويرعى مرضه، ويعاني من إصابة بعرق النسا (أكتوبر 1764)؛ ويحتفي بالزوار الذين تجيزهم تريز بعد الفحص. وقد وصفه أحدهم وصف عارف بالجميل فقال:
"أنك لا تتصور أي سحر في الاجتماع به؛ ولا أي أدب صادق في سلوكه؛ ولا أي عمق في سلوكه؛ ولا أي عمق من الهدوء والبشاشة في حديثه. ألم تتوقع صورة مغايرة تماماً لهذه الصورة؛ وألم تصور لنفسك مخلوقاً غريب الأطوار؛ جاداً دائماً لا بل فظاً أحياناً؟ فيا لها من غلطة! إنه يجمع إلى سمات اللطف الكثيرة نظرة من نار؛ وعينين لم ير قط مثل لحيويتيهما. فإذ تناولت موضوعاً يهتم به، تكلمت عيناه، وشفتاه، ويداه-وكل ما فيه. وأنت تخطئ كل الخطأ أن تصورته إنساناً لا يكف عن التذمر. فهو على النقيض يضحك مع الضاحكين ويثرثر ويمزج مع الأطفال؛ ويسخر من مديرة منزله(82)".




صفحة رقم : 13160




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ


ولكن القساوسة المحليين كانوا قد اكتشفوا ما في "إميل" و"خطابات الجبل" من هرطقات، ورأوها فضيحة أن يمضي هذا الوحش في تلويث سويسرا بوجوده فيها. ورغبة في تهدئة ثائرتهم عرض (10 مارس 1765) أن يتعهد، في وثيقة رسمية "بألا ينشر أبداً أي كتاب جديد في أي موضوع ديني، لا بل أن يتناوله عرضاً في أي كتاب جديد آخر...وأكثر من ذلك أنني سأظل شاهداً، بمشاعري وسلوكي، بالقيمة العظمى التي أعلقها على سعادة الاتحاد بالكنيسة(83)". واستدعاه مجمع كنيسة نوشاتل للمثول أمامه والرد على تهم الهرطقة الموجهة إليه، فالتمس إعفاءه: "يستحيل على رغم صدق نيتي أن أحتمل جلسة طويلة(84) وهو ما كان الحقيقة المؤلمة". وانقلب عليه راعي كنيسته، وندد به في مواعظ علنية متهماً إياه بأنه عدو المسيح(85). وألهبت هجمات القساوسة شعب أبرشياتهم، فراح بعض القرويين يحصبون روسو إذا خرج للتمشي. وقرب نصف ليلة 6-7 سبتمبر أيقظته هو وتريز حجارة تقذف على جدرانهما وتحطم نوافذهما. وأخترق حجر كبير الزجاج وسقط عند قدمه. واستدعى جار له-وكان موظفاً في القرية-بعض الحراس لإنقاذه، وتفرق الجمع، ولكن أصدقاء روسو الباقين في موتييه نصحوه بأن يبرح المدينة.
وأتته عدة عروض تقد له الملجأ "ولكني كنت متعلقاً بسويسرا تعلقاً منعني من أن أصمم على الرحيل عنها ما دام في استطاعتي العيش فيها(86)". وكان قد زار قبل عام "الأيل دسان-بيير"، الجزيرة الصغيرة الواقعة وسط بحيرة بيين، ولم يكن على الجزيرة سوى بيت واحد-هو بيت الوكيل، وخيل لروسو أن المكان بقعة مثالية لعاشق للعزلة يكرره الناس. وكان يقع في كانتون برن التي طردته قبل عامين، ولكنه تلقى تأكيدات غير رسمية بأن في استطاعته الانتقال إلى الجزيرة دون أن يغشى الاعتقال(87).
وهكذا، حوالي منتصف سبتمبر 1765؛ بعد ستة وعشرين شهراً في موتييه؛ ترك هو وتريز المنزل الذي أصبح عزيزاً عليهما وذهبا للإقامة مع




صفحة رقم : 13161




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ


أسرة الوكيل في مكان لا يتيح انعزاله "لا للجمهور ولا لرجال الكنيسة تكديره(88)". "وخيل إليه أنني سأكون في تلك الجزيرة أشد انعزالاً عن الناس....وأن البشر سيكونون أسرع نسياناً لي(89)". ورغبة في تغطية نفقاته أعطى الناشر دوبير حق نشر كل كتبه؛ "وجعلته مستودع جميع أوراقي؛ بشرط صريح هو ألا يستعملها إلا بعد موتي؛ لأن غاية أماني كانت أن أختم حياتي في هدوء؛ دون أن أفعل شيئاً يعيدني مرة أخرى إلى ذاكرة الجماهير(90)". وعرض عليه المرشال كيت معاشاً قدره ألف ومائتا جنيه؛ فوافق أن يأخذ نصفه. ودبر معاشاً آخر لتريز واستقر معها على الجزيرة وهو لا يتوقع من الحياة شيئاً آخر. وكان الآن في سنته الثالثة الخمسين.
وبعد ثلاثة عشر عاماً- في آخر سنة من عمره-ألف كتاباً من أروع كتبه اسمه "أحلام متجول وحيد" وصف في بلاغة مخففة معيشته على جزيرة سان-بيير "كانت أول وأهم متعة أتوق إلى تذوقها بكل حلاوتها هي حياة الدعة اللذيذة(91)". وقد رأينا في غير هذا الموضع مبلغ إعجابه بلينايوس؛ أما الآن، وفي بيده أحد كتب عالم نبات سويدي؛ فقد بدأ يعدد ويدرس النباتات التي وجدها على ملكه الصغير. أو كان إذ صحى الجو يفعل كما يفعل تورو على بركة فولدن:
"كنت أرتمي وحيداً في زورق أجدف به إلى وسط البحيرة حين يكون الماء هادئاً. هناك؛ وأنا ممدد بطولي كله في الزورق؛ وعيناي إلى السماء كنت أترك نفسي للماء يحملني هوناً كما يشاء؛ ساعات عدة أحياناً، وأنا غارق في مئات الأحلام المبهجة(92)".
ولكن راحته لم تطل حتى على هذه المياه. ذلك أن مجلس شيوخ برن أمره في 17 أكتوبر 1765 بأن يرحل عن الجزيرة والمقاطعة خلال خمسة عشر يوماً. وغلبته الحيرة والهزيمة "فالتدابير التي كنت فد اتخذتها تأميناً لموافقة الحكومة الضمنية، والهدوء الذي تركت فيه لأستقر، وزيارات العديدين




صفحة رقم : 13162




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ


من أهل برن لي"، كل هذا حدا به إلى الاعتقاد بأنه الآن في مأمن من الإزعاج والمطاردة. والتمس من مجلس الشيوخ شيئاً من التفسير والتأجيل، واقترح بديلاً يائساً لحكم النفي:
"لست أرى لي غير سبيل واحد، ومهما بدا رهيباً، فإني سأتخذه لا دون نفور فحسب، بل برغبة شديدة إذا تفضل أصحاب السعادة بالموافقة. وذلك إنني إن طاب لهم سأقضي ما بقي لي من أجل سجيناً في إحدى قلاعهم، أو في أي مكان آخر في ضياعهم يرون اختياره. وسأعيش فيه على نفقتي، وسأقدم ضماناً بألا أكلفهم أي نفقة. وأقبل ألا أحمل ورقاً أو قلماً، أو أكون على اتصال بأي إنسان في الخارج. فقد سمحوا لي، وع بعض الكتب، بالاحتفاظ بحرية المشي بين الحين والحين في حديقة، وسيرضيني هذا.
أكان ذلك إيذاناً بانهيار عقله؟ إنه يؤكد لنا عكس هذا:
"لا تظنوا أن وسيلة تبدو بهذا العنف هي ثمرة اليأس. فعقلي في تمام الهدوء في هذه اللحظة. وقد ترويت في اتخاذ قراري، ولم انتهِ إليه إلا بعد تفكير عميق. وأرجو أن تلاحظوا أنه إذا بدا هذا قراراً شاذاً فإن وضعي أكثر شذوذاً. فالحياة المضطربة التي أكرهت على أن أحياها سنوات عديدة دون انقطاع، خليقة بتعذيب رجل موفور العافية، فما بالكم بعليل تعس براه التعب وسوء الحظ، ولم يعد له الآن من أمنية إلا أن يموت في هدوء وسلام(93)".
وكان رد برن أن أمرته بالرحيل عن الجزيرة وعن كل إقليم برن خلال أربع وعشرين ساعة(94).
فإلى أين يمضي؟ كان لديه دعوات إلى بوتسدام من فردريك، وإلى كورسيكا من باولي، وإلى اللورين من سان-لامبير، وإلى أمستردام من ناشره ري، وإلى إنجلترا من ديفد هيوم. ففي 22 أكتوبر كتب إليه هيوم الذي كان يومها سكرتيراً للسفارة البريطانية في باريس يقول:
"أن محنك العجيبة التي لم يسمع بمثلها، فضلاً عن فضيلتك وعبقريتك




صفحة رقم : 13163




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ


لا بد أن تثير عواطف كل إنسان فينحاز إليك، ولكني أعلل نفسي بأنك واجد في إنجلترا أماناً مطلقاً من كل اضطهاد، لا بفض ما تمتاز به قوانيننا من روح سمحة فحسب، بل بفضل الاحترام الذي يكنه كل الناس هناك لشخصيتك(95)".
وفي 26 أكتوبر غادر روسو جزيرة سان-بيير ورتب أن تظل تريز حيناً في سويسرا، ورحل هو إلى ستراسبورج، ومكث فيها شهراً كاملاً دون أن يستقر على رأي. وأخيراً قرر أن يقبل دعوة هيوم إلى إنجلترا، ومنحته الحكومة الفرنسية جوازاً بالحضور إلى باريس. هناك التقى به هيوم أول لقاء، وما لبث أن شغف به، وتحدثت باريس كلها عن عودة للنفي. وكتب هيوم يقول "محال وصف أو تصور تحمس هذه الأمور لروسو...فلم يظفر شخص قط بما ظفر به من اهتمام القوم...لقد حجب بهاء فولتير وسواه حجباً تاماً(96)".
ولكن الصدقة الوليدة أصيبت بصدع في المهد ومن العسير هنا أن نحدد الحقائق بدقة أو نرويها دون تحيز. ففي أول يناير 1766 أرسل جريم إلى قرائه التقرير الآتي:
دخل جان-جاك روسو باريس في 17 ديسمبر. وفي الغد تمشي في حدائق اللكسومبرج وهو يرتدي زيه الأرمني، وإذ لم ينبه أحد إلى الأمر فأن أحداً لم ينتفع بالمشهد. وقد أسكنه الأمير كونتي في التامبل حيث يعقد الأرمني المذكور بلاطه كل يوم. كذلك يتمشى يومياً في ساعة معينة في الشوارع الكبيرة القريبة من مسكنه . وهاهو ذا خطاب تداولته الأيدي في باريس خلال مكثه هنا، وقد لقي نجاحاً كبيراً(98)".
وهنا نقل جريم خطاباً زعم أن روسو تلقاه من فردريك الأكبر. وكان




صفحة رقم : 13164




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ


قد زيفه على روسو هوراس وليول. ولندع وليلول نفسه يتحدث عنه في خطاب له إلى هوراس كونواي في 12 يناير 1766.
"أن الفضل في شهرتي الراهنة لتأليف تافه جداً، ولكنه أثار ضجة لا تصدق. ذلك إنني كنت ذات مساء في بيت مدام جوفران أسخر من ادعاءات روسو وتناقضاته، وقلت أشياء أضحكتهم. فلما عدت إلى البيت دونتها في خطاب، وأريته في الغد لهلفتيوس ودوق نفرنوا، وقد سرا به كثيراً حتى إنهما، بعد الإشارة على بعض الأخطاء اللغوية....شجعاني على إطلاع الناس عليه. وأنا كما تعلم يطيب لي أن أهزأ بالدجالين سواء السياسيين منهم أو الأدباء مهما عظم قدر مواهبهم، لذلك لم أنكر الفكرة. وسرت النسخ مسرى النار، وهاأنذا "أصبحت موضة Et Me Voici( la mode ...وإليك الخطاب (وهو مترجم حرفياً عن فرنسية وليلول):
ملك بروسيا إلى مسيو روسو عزيزي جان-جاك
لقد لفظت جنيف وطنك، لقد جعلتهم يطاردونك من سويسرا، البلد الذي أطريته كثيراً في كتاباتك، وقد أصدرت فرنسا أمراً باعتقالك. فتعال إليّ إذن، فأنا معجب بمواهبك، وتمتعني أحلامك، وهي (بهذه المناسبة) تشغلك فوق ما ينبغي وأطول مما ينبغي. وعليك أن تكون في النهاية حكيماً وسعيداً. لقد أثرت ما يكفي من الأقاويل بسبب غرائب لا تليق برجل عظيم بحق. فأثبت لخصومك أن في استطاعتك أحياناً أن تكون معقولاً، فمن شأن هذا أن يغيظهم دون أن يؤذيك. إن بلادي تقدم لك معتكفاً هادئاً، وإنني أرجو لك الخير، وأحب أن أساعدك إذا استطعت أن تستطيب مقامك. أما إذا واصلت رفض معونتي، فتأكد أنني لن أخبر أحداً بالأمر. وإذا أصررت على إجهاد نفسك لتجد نكبات جديدة، فاختر ما يحلو لك منها، فأنا ملك، وفي استطاعتي أن أحصل لك منها على ما يلبي رغباتك، وسأكف عن اضطهادك حين تكف عن أن تجد فخرك في أن تضطهد-وهو بالتأكيد ما لن يحدث لك أبداً بين خصومك.
صديقك المخلص فردريك(69)
أما وليول فلم يحدث له أن التقى بروسو قط. ولم يجد عقله الرفيع الثقافة، وثراؤه الموروث معنى في كاتبات روسو. وقد عرف عيوب روسو وحماقته من حفلات عشاء مدام جوفران، حيث كان يلتقي ديدرو وجريم. وأغلب الظن أنه لم يدرك أن روسو الحساس إلى درجة العصاب، قد دفعته إلى مشارف الانهيار العقلي سلسلة من المجادلات الضيقات. ولو كان وليول على علم بهذا حقاً لكانت دعابته قاسية شائنة. على أننا ينبغي أن نضيف أنه حين طلب هيوم رأيه في إيجاد معتكف لروسو في إنجلترا، تعهد وليول بأن يمد الطريد بكل ضروب المعونة(100).
أكان هيوم على علم بهذا الخطاب؟ يبدو أنه كان موجوداً ببيت مدام جوفران حين لفق أول الأمر، وقد اتهم بأنه "شارك" في تحريره(101). وقد كتب إلى المركيزة دباربنتان في 16 فبراير 1766:
"إن الدعابة الوحيدة التي سمحت بها لنفسي في أمر خطاب ملك بروسيا المزعوم كانت على مائدة عشاء اللورد أو سوري(102)". وفي 3 يناير 1766 قام هيوم بزيارة وداع لضيوف البارون دولباخ وأخبرهم بآماله في إنقاذ "الرجل القصير القامة" من الاضطهاد وتوفير أسباب السعادة له في إنجلترا. أما دولباخ فتشكك قائلاً يؤسفني أن أبدد الآمال والأوهام التي تخدعك، ولكني أقول لك أنه لن يمضي طويل زمن حتى ينقشع عنك الوهم بصورة محزنة. إنك لا تعرف صاحبك، وأصارحك بأنك تحتضن ثعباناً في صدرك(103)".
وفي صباح الغد غادر باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة هيوم وروسو مع جان-جاك دلوز وسلطان كلب روسو. ودفع روسو نفقاته بعد أن رفض عروض هيوم ومدام دبوفليه، ومدام دفرديلان بمده بالمال. فلما بلغوا دوفر (10 يناير) عانق هيوم، وشكره لأنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية.




صفحة رقم : 13165




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة



8- روسو في إنجلترة


وصلوا إلى لندن في 13 يناير 1766 ولاحظ المارة زي روسو-قلنسوته الفراء، وروبه الأرجواني، وحزامه، وأوضح لهيوم أنه يشكو مرضاً يجعل سراويل الركوب القصيرة غير مريحة له(104). واقنع هيوم صديقه كوفواي بأن يقترح معاشاً للغريب الكبير، ووافق جورج الثالث على منحه مائة جنيه في العام، وأبدى رغبة في أن يلقي عليه نظرة سريعة بصفة غير رسمية. وحجز جاريك لروسو وهيوم مقصورة في المسرح دروري لين في مواجهة المقصورة الملكية في ليلة تقرر فيها حضور الملك والملكة. ولكن حين زار هيوم روسو لقي عنتاً شديداً في إقناعه بأن يترك كلبه الذي مزق نباحه بسبب حبسه قلب الغريب المنفي. وأخيراً "احتويت روسو بين ذراعي و....حملته على المسير في شيء من الإكراه(105)". وبعد الحفل دعا جاريك روسو إلى عشاء لتكريمه وهنأه روسو على تمثيله: "سيدي، لقد جعلتني أذرف الدموع على مأساتك، وابتسم لملهاتك، مع أنني لم أكد أفهم كلمة من لغتك".
وإلى هنا كان هيوم على الجملة مسروراً غاية السرور بضيفه. وكتب إلى مدام دباربنتان بعد وصوله إلى لندن بقليل يقول:
سألتني رأيي في جان-جاك روسو. وأني بعد أن راقبته في جميع النواحي....أصرح بأنني لم أعرف رجلاً أكثر منه لطفاً ولا أكرم خلقاً. فهو رقيق، متواضع، ودود، نزيه، مرهف الحس، فإذا بحثت عن عيوب فيه لم أجد سوى قلة صبر مفرطة، وميل لاحتضان شبهات ظالمة في خير أصدقائه...أما عن نفسي فبودي لو أمضيت حياتي في صحبته دون أن يكدر علاقتنا مكدر. أن في سلوكه بساطة عجيبة. وهو في الأمور العادية طفل بمعنى الكلمة. وهذا من شأنه أن يسهل...لمن يعيشون معه أن يسوسوه(106)".
ثم يقول: "إن له قلباً حاراً ممتازاً، وفي الحديث كثيراً ما تشتد حماسته




صفحة رقم : 13166




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


إلى ما يشبه الإلهام. وإني أحبه حباً جماً وأرجو أن يكون لي في وده نصيب...لقد تنبأ لي فلاسفة باريس إنني لت أستطيع اصطحابه إلى كاليه دون شجار، ولكني أحسبني قادراً على العيش معه طوال حياتي في صداقة وتقدير متبادلين. وأعتقد إن من أكبر أسباب انسجامنا أن كلينا لا يحب الجدل، وهذا ليس حالهم. ويسؤهم منه أيضاً ظنهم إنه مغال في الدين؛ ومن الغريب حقاً أن يكون فيلسوف هذا الجيل، الذي لقي أشد اضطهاد أكثرهم تديناً(107)...أن به شوقاً إلى الكتاب المقدس، وهو في الحق أفضل من المسيحيين قليلاً(108)".
على أنه كان هناك صعوبات. ففي لندن، كما في باريس، توافد النبلاء والنبيلات، والمؤلفين والنواب على بيت السيدة آدمز في شارع بكنجهام، حيث أسكن هيوم روسو. وسرعان ما ضاق بهذه المجاملات، ورجا هيوم أن يجد له بيتاً بعيداً عن لندن. وجاء عرض بالعناية به في دير ولزي، فأراد أن يقبله، ولكن هيوم أقنعه بأن يسكن مع بدال في تشيزيك على التيمز على ستة أميال من لندن..فانتقل إلى هذا المنزل روسو وسلطان في 18 يناير وأرسل الآن في طلب تريز، وأزعج مضيفه وهيوم بإصراره على وجوب السماح لها بالجلوس إلى المائدة معه. وشكا هيوم في خطاب إلى مدام دبوفليه.
"إن مسيو دلوز..يقول أن الناس يرونها شريرة محبة للشجار والثرثرة، ويظنون أنها أهم سبب في رحيله عن نوشاتيل (موتييه). وهو نفسه تعترف أنها من الغباء بحيث لا تعرف في أي سنة ميلادية نحن ولا في أي شهر من السنة، ولا في أي يوم من الشهر أو الأسبوع، وأنها لا تستطيع أن تتعلم أبداً القيم المختلفة للعملة في أي بلد. ومع ذلك فهي تحكمه حكماً مطلقاً كما تحكم المربية طفلاً. وقد اكتسب كلبه هذه السيادة في غيابها، فحبه لهذا المخلوق يفوق كل تعبير أو تصور(109).
ووصلت تريز خلال ذلك إلى باريس فاستقبلها بوزويل وتطوع باصطحابها إلى إنجلترا. وفي 12 فبراير كتب هيوم إلى مدام دبوفليه




صفحة رقم : 13167




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


يقول "جاءني خطاب فهمت منه أن الآنسة مسافرة على جناح السرعة في صحبة صديق لي، وهو شاب في غاية الطيبة، وفي غاية اللطف، وفي غاية الجنون..وبه من الولع بالأدب ما يجعلني أتوجس من حدث مؤذ لشرف صديقنا(110). وقد ادعى بوزويل أنه برر هذا الإحساس السابق. وقد جاء في صفحات في يوميته، تالفة الآن(111)، أنه شارك تريز فرشها في نزل ثاني ليلة بعد رحيلها عن باريس. ثم ليالي عديدة بعدها. ووصلا إلى دوفر باكراً في 11 فبراير. وتقول اليومية: "الأربعاء 12 فبراير. ذهبت صباح أمس إلى الفراش مبكراً جداً، وفعلتها مرة، والجملة ثلاث عشرة. كنت في الحق محباً لها. وفي الثانية بعد الظهر قمنا في رحلتنا. في ذلك المساء صحب تريز إلى هيوم بلندن ووعدها بأنه "لن يذكر علاقتنا الغرامية حتى مماتها أو ممات الفيلسوف".
وفي المرة الثالثة عشرة أسلمها إلى روسو. ولقيها بقبلات كثيرة..وقد بدا في حال من الشيخوخة والضعف حتى "إنك (بوزويل) لم يعد فيك حماسة له(113) طبعاً".
وفي تشيزيك، كما في موتييه، تلقى رووس من البريد أكثر مما أراد، وشكا من نفقات البريد التي كان عليه أن يدفعها. وذات يوم، حين جاءه هيوم بــ"شحنة" من لندن، رفض تسلمها، وطلب إليه أن يردها إلى مكتب البريد. ونبهه هيوم أن موظفي البريد في هذه الحالة سيفتحون الخطابات المرفوضة ويطلعون على أسراره. وتطوع الاسكتلندي الصبور بأن يفتح ما يرد من رسائل روسو إلى لندن وألا يأتيه إلا بما يراه هاماً منها. ووافق جان-جاك، ولكنه سرعان ما توجس شراً من عبث هيوم ببريده.
وأتته دعوات للغداء، شاملة للآنسة ليفاسير عادة، من الأعيان في لندن فاعتذر روسو من قبولها بحجة مرضه ولكن السبب على الأرجح هو كرهه إظهار تريز أمام علية القوم. وكان يبدي رغبته في الانزواء في أعماق الريف. فلما سمع رتشارد ديفنيورت برغبته هذه من جاريك،




صفحة رقم : 13168




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


عرض عليه بيتاً في ووتن بداربيشير على 150 ميلاً من لندن. فقبله روسو مغتبطاً. وأرسل ديفنيوت مركبة تنقله هو وتريز، وشكا روسو من أنه بعامل معاملة المتسولين، وأردف قائلاً لهيوم "إن كانت هذه حقاً حيلة من حيل ديفنبورت، فأنت عليم بها موافق عليها، وما كان في إمكانك أن تسيء ألي بأكثر من هذا". وبعد ساعة (كما يقول هيوم)، جلس فجأة على ركبتي، وطوق عنقي بيديه، وقبلني بكل حرارة ثم قال وهو يبلل وجهي كله بالدموع: "أممكن أن تصفح عني يا صديقي العزيز؟ إنني بعد جميع دلائل الود التي تلقيتها منك، أجازيك في النهاية بهذه الحماقة وهذا المسلك السيئ. ولكن لي رغم ذلك قلباً جديراً بصداقتك، وأنا أحبك ولأقدرك، ولم تضع علي سدى أقل مكرمة من مكرماتك" فقبله وعانقه عشرين مرة بفيض من الدموع(113).
وفي الغد 22 مارس انطلق جان-جاك وتريز قاصدين ووتن، فلم يرهما قط بعد. ولم يلبث هيوم أن كتب إلى هيوبليز تحليلاً بصيراً بحالة روسو وخلقه.
كان مصمماً تصميم البائس على الاندفاع إلى هذه العزلة رغم كل اعتراضاتي، أنا أتوقع لأنه سيكون تعساً في موقفه ذاك كما كان في الواقع تعساً في جميع المواقف. فسيكون محروماً تماماً من أي شغل يشغله، ومن الأصحاب ومن أي تسلية من أي نوع تقريباً. لقد قرأ أقل القليل في حياته، وطلق الآن كل قراءاته طلاقاً بائناً، ولقد رأى أقل القليل من الدنيا وليس به أي فضول ليرى أو يلاحظ. والواقع أنه لا يملك الكثير من المعرفة، وكل ما فعله طوال حياته أنه أحس فقط، وإحساسه في هذه الناحية مرهف إلى حد لا أعرف له مثيلاً، ولكنه مع ذلك يشعره بالألم بأحد مما يشعره باللذة، وما أشبهه برجل لم تنزع عنه ثيابه فحسب، بل جاده أيضاً. ثم دفع به ذلك الموقف ليصارع قوى الطبيعة الغاشمة الصاخبة التي تلم على الدوام بهذا العالم الأسفل(114).




صفحة رقم : 13169




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


ووصل وروسو وتريز إبلا ووتن في 29 مارس. وراقه البيت الجديد لأول وهلة. فوصفه في خطاب لصديق بنوشاتل: "بيت منعزل...ليس واسعاً جداً ولكنه مناسباً جداً، شيد في منتصف الطريق على جانب واد، وأمامه "أبدع مخضرة في الوجود" ومشهد طبيعي من مروج، وأشجار، ومزارع متفرقة، وعلى مقربة منه طرق للتنزه على ضفاف غدير. وفي أسوأ الأجواء أخرج في هدوء لجميع النباتات(115)". وكان آل ديفنبورت يشغلن قسماً من البيت حين يلمون به، وبقي به خدمهم ليعنوا بالفيلسوف و "مديرة بيته". وأصر روسو على أن يؤدي لديفنبورت ثلاثين جنيهاً في العام نظير الأجرة والخدمة.
ولم تعمر سعادتها أكثر من أسبوع. ففي 3 إبريل نشرت مجلة لندنية تسمى "سانت جيمس كرونكل" بالفرنسية والإنجليزية خطاب فردريك الأكبر المزعوم إلى روسو، دون إشارة إلى كاتبه الحقيقي. وحز الأمر في نفس جان-جاك حين نمى إليه الخبر، وزاد من ألمه أن محرر المجلة وهو وليم ستراهان كان صديقاً قديماً لهيوم. يضاف إلى هذا أن نغمة الصحف البريطانية في حديثها عن روسو تغيرت تغيراً واضحاً منذ برح تشزيك، فكثرت المقالات التي انتقد الفيلسوف الغريب الأطوار، واحتوى بعضها على أشياء أعتقد أن هيوم وحده هو الذي يعرفها، ويمكن أن يزود بها الصحف. على أية حال شعر أن واجب هيوم كان يقتضيه أن يكتب شيئاً للدفاع عن ضيفه الأسبق. وسمع أن الاسكتلندي كان يسكن بلندن البيت الذي يسكنه فرانسوا ترونشان، ابن عدو جان-جاك في جنيف، وأغلب الظن أن هيوم كان الآن على علم بنقائص روسو.
وفي 24 إبريل كتب روسو إلى سانت جيمس كرونكل ما يأتي:
"لقد عدوت يا سيدي على الاحترام الذي يدين به كل فرد لملك بأن نسبت علناً إلى ملك بروسيا خطاباً امتلأ مبالغة وغلاً، وكان يجب بناء عليه أن تعرف إنه ما كان يمكن أن يصدر عنه. لا بل إنك جرؤت على نقل




صفحة رقم : 13170




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


توقيعه كأنك رأيته مكتوباً بيد. وإني أخبرك يا سيدي أن هذا الخطاب زيف في باريس، ومما يحزنني ويمزق قلبي أن المحتال الذي كتبه له شركاء ضالعون معه في إنجلترا. وواجبك نحو ملك بروسيا، ونحو الحقيقة، ونحوي أيضاً، يقتضيك أن تنشر خطابي هذا، الموقع بإمضائي، تصحيحاً لخطأ لا شك إنك كنت تلوم نفسك على ارتكابه لو علمت أن مؤامرة خبيثة سخرت لها. وإني أقدم لك خالص تحياتي".
جان-جاك روسو(116)
وفي وسعنا الآن أن نفهم لم ظن روسو أن هناك "مؤامرة" عليه. فمن غير خصومه القدامى، فولتير، وديدرو، وجريم، وغيرهم من نجوم التنوير، يمكن أن يدبروا هذا التغير الفجائي في لهجة الصحف البريطانية من الترحيب والتكريم إلى الهزء والتحقير؟ وفي نحو هذه الفترة نشر فولتير "خطاباً إلى الدكتور ج.ج يانسوف"، غفلاً من اسمه، أعاد فيه ذكر الإشارات المؤذي للشعب الإنجليزي في كتابات جان-جاك-كقوله إنهم ليسوا في الحقيقة أحراراً، وأنهم شديدو الولع بالمال، وأنهم ليسوا بطبيعتهم طيبين. وأعيد نشر أكثر الفقرات إيذاء في كتيب فولتير في دورية لندنية تسمى (للويدز افننج نيوز(117)).
وفي 9 مايو كتب روسو إلى كونواي يطلب إليه وقف المعاش الذي يمنح له مؤقتاً. وألح عليه هيوم في قبوله، فرد عليه روسو بأنه لا يستطيع قبول أي امتياز يأتيه من وساطة هيوم. وطالبه هيوم بالتفسير. ويبدو أن روسو قد انتقل الآن إلى حالة من الشك والغيظ. ففي 10 يوليو بعث إلى هيوم بخطاب من ثماني عشرة صفحة من القطع الكبيرة، لا يسمح طوله المفرط بنقله هنا كاملاً، ولكنه من الأهمية البالغة لهذا الشجار الأشهر بحيث يقتضينا الأمر أن نتذكر بعض فقراته الرئيسية: "إنني مريض يا سيدي، وليس بي كبير ميل للكتابة، ولكن بما أنك طلبت التفسير، فلابد من تقديمه لك....




صفحة رقم : 13171




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


إنني أعيش خارج العالم، وأجهل الكثير مما يدور فيه...ولا أعرف إلا ما أشعر به..."
"إنك تسألني في جرأة من هو الذي يتهمك؟ أنه يا سيدي الرجل الوحيد في العالم كله الذي...أود تصديقه، إنه أنت...وإذا أشير إلى ديفد هيوم بشخص الغائب، فإني جاعلك الحكم فيما ينبغي أن يكون رأيي فيه".
واعترف روسو في إسهاب بأفضال هيوم، ولكنه أردف:
"أما إذا تحريت عن الخبر الحقيقي الذي صنعته بي، فإن هذه الخدمات ظاهرية أكثر منها جوهرية،..فأنا لم أكن نكرة تماماً بحيث أنني لو وصلت وحيدا. لما لقيت عوناً ولا مشورة..وإذا كان مستر ديفنبورت قد تفضل بإعطائي هذا المسكن فهو لم يفعل ذلك لإرضاء مستر هيوم الذي لم يكن يعرفه..وكل الخير الذي أصابني هنا كان يصيبني في الطريقة ذاتها بدونه (هيوم) ولكن الشر الذي أصابني ما كان يقع لي. إذ لم يكون لي أعداء في إنجلترا؟ وكيف لم يتفق أن يكون هؤلاء الأعداء بالضبط أصدقاء لمستر هيوم؟
"وقد نمى إلى أيضاً أن ابن المشعوذ تروشان، ألد خصومي، لم يكن فقط صديق مستر هيوم بل محسوبه أيضاً، وأنهما يسكنان معاً...."
وكل هذه الحقائق مجتمعة تركت في انطباعاً جعلني قلقاً...وفي الوقت نفسه لم تصل الخطابات التي كتبتها إلى وجهتها، وتلك التي تلقيتها كانت مفتوحة؟ وهذه كلها تناولتها يد مستر هيوم".
"ولكن ما الذي حدث لي حين رأيت خطاب ملك بروسيا المزعوم منشوراً في الصحف العامة؟..لقد كشف لي شعاع من النور، سر ما طرأ على اتجاه الشعب البريطاني نحوي من تغير فجائي إلى حد مذهل؟ ورأيت في باريس مركز المؤامرة التي تنفذ في لندن..فحين نشر هذا الخطاب




صفحة رقم : 13172




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


المزعوم في لندن لم ينبس مستر هيوم ببنت شفة، ولا كتب لي شيئاً، وهو العليم ولا ريب بأنه خطاب زائف...."
"لم يبقَ لي غير كلمة واحدة أقولها لك. إن كنت مذنباً فلا تكتب إلي، إذ لا جدوى من الكتابة، وثق إنك لن تخدعني. ولكن إن كنت بريئاً فتفضل بتبرير نفسك..وإلا فوداعاً إلى الأبد(118)".
وكان رد هيوم موجزاً (22 يوليو 1766) ولم يجب عن التهم، لأنه خلص إلى أن روسو مشرف على الجنون. وكتب إلى ديفنبورت يقول إن جاز لي أن أبذل النصح فهو أن تمضي فيما بدأته من حسنة حتى يحبس كلبه في مستشفى المجاذيب(119)...فلما سمع أن روسو ندد في خطابات أرسلها إلى باريس (كخطابه إلى الكونتيسة دبوفليه في 9 إبريل 1766)، بعث إلى دبوفليه صورة من خطاب جان-جاك الطويل. فردت على هيوم بما يلي:
"إن خطاب روسو فظيع، أنه مبالغ جداً ولا عذر له فيه إطلاقاً...ولكن لا تحسبه قادراً على الكذب أو الخداع، ولا تتصور انه دجال أو وغد، إن غضبه بلا مبرر حق، ولكنه غضب مخلص، وليس لدي في هذا أي شك..."
"وإليك ما أتصوره السبب فيه. لقد سمعتهم يقولون، ولعله أخبر، إنك صاحب عبارة من خير ما ورد في خطاب مستر ولبول-وأنك قلت مازحاً وأنت تتحدث باسم ملك بروسيا "إن شئت الاضطهاد، فأنا ملك، وأستطيع اضطهادهم نيابة عنك بأي نوع تريد" وأن مستر ولبول...قال إنك صاحب هذه العبارة. فإن صح هذا، وعلم به روسو، فهل تعجب أن يثور سخطه...وهو المرهف الحس، الغضوب، السوادي المزاج، المتكبر(120)".
وفي 26 يوليو كتب ولبول إلى هيوم يحمل نفسه كل اللوم-دون الإعراب عن اي ندم-في أمر الخطاب المزيف، ويدين "قلب روسو




صفحة رقم : 13173




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


الجحود الشرير"(121)، ولكنه لم ينكر أن هيوم كان له يد في الخطاب. وكتب هيوم إلى دولباخ يقول "إنك محق تماماً؛ فروسو وحش". فلما سمع من ديفنبورت أن جان-جاك يكتب "اعترافاته" أفترض أن روسو سيذيع رأيه في الأمر على الملأ. ونصحه آدم سمث، وطورجو والمرشال كيث، بأن يتحمل الهجوم صامتاً، ولكن جماعة الفلاسفة في باريس يقودهم دالامبير، حرضوه على أن ينشر رايته عن نزاع ذاع خبره في عاصمتين. وعليه فقد أصدر (أكتوبر 1766) عرضاً موجزاً للنزاع الذي ثار بين السيدين هيوم وروسو، صاغه بالفرنسية دالامبير وسوار، وبعد شهر ظهر بالإنجليزية. وأذاع جريم مضمونه على نطاق واسع "في خطاب الاشتراك" الذي كتبه في 15 أكتوبر، فتردد صدى المشاجرة في جنيف، وأمستردام، وبرلين، وسانت بطرسبورج. وضاعفت الضجة أكثر من عشر نشرات، ونشر ولبول روايته للنزاع، وهاجم بوزويل ولبول، ورمت مدام دالاتور في "مجمل عن مسيو روسو"، هيوم بأنه خائن، ووفاه فولتير بمزيد من البيانات عن نقائص روسو وجرائمه، وعن اختلافه إلى أماكن سيئة السمعة وعن أعمال التحريض التي أتاها في سويسرا(123). أما جورج الثالث فقد تابع المعركة بفضول شديد(124). وأرسل هيوم الوثائق المتعلقة بها إلى المتحف البريطاني(125).
ووسط هذه الضجة الكبرى لزم روسو الصمت الرهيب. ولكنه صمم الآن على العودة إلى فرنسا أياً كان الخطر والثمن. فقد اكتأب لرطوبة مناخ إنجلترا وتحفظ الخلق الإنجليزي، وكانت العزلة التي نشدها فوق ما يطيق، ولم يكن قد بذل أي جهد في تعلن الإنجليزية فوجد مشقة في التفاهم مع الخدم. ولم يستطع الحديث إلا مع تريز-التي ما فتئت كل يوم تلح عليه في أن يأخذها إلى فرنسا. ودعماً لخططها أكدت له أن الخدم يبيتون دس السم له. وعليه ففي 30 إبريل كتب إلى مالك بيته الغائب يقول:




صفحة رقم : 13174




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> روسو في إنجلترة


"غداً اترك بيتك يا سيدي..ولست أجهل الكمائن التي تدبر لي، ولا عجزي عن حماية نفسي، ولكني عشت يا سيدي، ولم يبقَ لي إلا أن أنهي بشجاعة حياة قضيت بشرف..وداعاً سيدي. سآسف دماً على المسكن الذي أبرحه الآن، ولكن أسفي سيكون أكثر لأنني وجدت فيك مضيفاً غاية في اللطف، ومع ذلك لم أستطع أن أجعل منه صديقاً"(126).
وفي أول ما يوفر مع تريز على عجل وفي رعب. وتركا حقائبهما ومالاً للوفاء بإيجار ثلاثة عشر شهراً..ولجهلهما بجغرافية إنجلترا استقلا مختلف وسائل الانتقال غير المباشرة،و قطعا شطراً من الطريق على الأقدام، وظلا عشرة أيام تائهين لا يعرف أحد مستقرهما. وأعلنت الصحف عن اختفائهما، ثم ظهرا في 11 مايو في سبولدنج لينكولنشير، ومنهما وجدا طريقهما إلى دوفر، وهناك استقلا سفينة إلى كاليه في 22 مايو. وبعد أن قضيا في إنجلترا ستة عشر شهراً. وكتب هيوم إلى طورجو وغيره من الأصدقاء طالباً إليهم أن يمدوا يد المعونة للمنبوذ الذي عاد الآن وحيداً مهجوراً إلى فرنسا وهو من الناحية القانونية لا يزال تحت طائلة الأمر باعتقاله.




صفحة رقم : 13175




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام



الكتاب الثالِث




الجنوب الكاثوليكي




1715 - 1589




الفصل التاسع




إيطاليا السعيدة




1715 - 1759




1- المشهد العام


لم يكن في استطاعة إيطاليا أن تتحد في سبيل الدفاع عن نفسها وهي منقسمة إلى نحو اثنتي عشرة دولة متحاسدة متنابذة. وانصرف الإيطاليون إلى الاستمتاع بالحياة والتلذذ بها انصرافاً جعلهم يتركون الأجانب الذين أعوزهم النضج يقتتلون طمعاً في ثمرة السياسة المرة، وغنائم الحرب وأسلابها الملوثة. وهكذا غدت شبه الجزيرة الزاهرة ساحة قتال بين أسبانيا وفرنسا البوربونيتين والنمسا الهابسبورجية. ووضعت سلسلة متعاقبة من حروب الوراثة أوزارها في 1748 وقد استردت أسبانيا مملكة نابولي ودوقية بارما، واحتفظ الباباوات بسلطانهم على الدويلات البابوية، وطلت سافوي والبندقية وسان مارينو حرة، وكانت جنوا ومودينا محميتين فرنسيتين، واحتفظت النمسا بميلان وتسكانيا. وكانت الشمس أثناء ذلك تشرق على ربوع إيطاليا والحقول والكروم والبساتين تجود بالطعام والشراب، وكانت النساء رائعات الحسن مشبوبات العاطفة، والأغاني والألحان تملأ أجواء الفضاء، ووفد عليها الأجانب سائحين وطلاب علم ليستمتعوا بالمناخ ومشاهد الطبيعة، وبالمسارح والموسيقى والفن، وبمخالطة رجال ونساء أوتوا ثقافة قرون طوال. لقد كانت إيطاليا، على الأقل في شمالها، أسعد بلد في أوربا، رغم أنها كانت نصف مغلوبة، ونصف مسلوبة منهوبة.
وكان سكانها عام 1700 يناهزون الأربعة عشر مليوناً، وعام 1800 الثمانية عشر مليوناً. وكان الصالح للزارعة من أرضها يقل عن النصف ولكن




صفحة رقم : 13176




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


كل شبر من هذا النصف كان يفلح بالجهد الصابر والرعاية الفائقة. وكانت الأرض المنحدرة تقسم إلى مصاطب لتحتفظ بالتربة، والكروم تتدلى من شجرة إلى شجرة فتزدان بها بساتين الفاكهة. أما الجنوب فكانت أرضه ضعيفة، وجففت الشمس المبتسمة في سخرية الأنهار والتربة والإنسان، ولم يرخِ الإقطاع قبضته التي فرضها على الناس في العصر الوسيط. وكان من الأمثال الساخرة قولهم "أن المسيح لم يتجاوز قط جنوبي إيبولي"- التي كانت إلى الجنوب تماماً من سورينتو. أما وسط إيطاليا فكان خصب التربة، يلفحه الزراع نظير حصة من المحصول بإشراف كبار رجال الكنيسة. وأما في الشمال-لاسيما في وادي نهر بو-فقد أشبعت القنوات الأرض رياً، وكانت هذه القنوات تتطلب رؤوس الأموال تنفق عليها، والفلاحين المدربين على تطهير الصفاية وتقوية الشواطئ. وهنا أيضاً زرع الفلاحون أرض غيرهم لقاء نصيب من المحصول. ولكن في هذه الحقول المثمرة استطاع الناس أن يحتملوا كل شيء حتى الفقر وهم محتفظون بكرامتهم.
وقامت مئات القرى على السهول، وفي التلال، وعلى شاطئ البحر: قرى قذرة متربة في الصيف، صاخبة في الصباح بأحاديث الفلاحين وهم يمشون الهوينا إلى وقدة الحر، ساكنة في الظهيرة، شاغبة في المساء بثرثرة المثرثرين وبالموسيقى ولقاءات المحبين. وكان الإيطاليون يحبون القيلولة أكثر من حبهم للمال، وهي فترة قال فيها الأب لابا "لا يرى المرء في الشوارع أثناءها غير الكلاب والحمقى والفرنسيين".(1) وكان هناك عشرات المدن الملآى بالكنائس والقصور والمتسولين والفن، وست مدن تضارع باريس جمالاً، وألوف من مهرة الصناع ما زالوا في قمة فنهم. وكانت الصناعة الرأسمالية تتطور من جديد في مجال النسيج لاسيما في ميلان وتورين وبرجامو وفتشنتا، ولكن معظم العمل حتى في النسيج كان يؤدي على أنوال بيتية جزءاً من حياة الأسرة. وكانت هناك طبقة وسطى صغيرة (قوامها التجار والمصرفيون والفنانون والكهنة) آخذة في النمو وسطاً بين الطبقة الأرستقراطية (طبقة ملاك




صفحة رقم : 13177




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


الأرض وكبار رجال الدين) وطبقة "العامة" (وهم أصحاب الحوانيت ومهرة الحرفيين والفلاحين)، ولكن لم تحرز هذه الطبقة الوسطى أية قوة سياسية بعد.
ولم تكن الفوارق الطبقية واضحة ملحوظة إلى حد مؤلم، اللهم إلا في البندقية وجنوه. ففي معظم المدن الإيطالية دخل النبلاء ميدان التجارة أو الصناعة أو المال. وكان في إمكان وصول أي فلاح إيطالي إلى منصب الأسقفية أو البابوية ما شاع عنصراً ديمقراطياً في الحياة الاجتماعية؛ وفي البلاط كان حامل لقب النبالة المهيب يلتقي بالأسقف المتواضع الأصل ويجالسه، وفي الأكاديميات والجامعات كان النبوغ الفكري يرجح الدعاوى الطبقية، وفي صخب الكرنفال كان الرجال والنساء المطمئنون وراء أقنعتهم ينسون مراتبهم الاجتماعية كما ينسون نواميسهم الخلقية. وكان الحديث بين الناس يتسم بالمرح شأنهم في فرنسا، هذا إذا استثنينا إجماعاً متفاهماً عليه بعدم المساس بدين يأتي بالجزية الدولية الإيطالية-حتى من فاتحيها-بنوع خاص.
على أن ذلك الدين كان بريئاً من أي شائبة تزمت، فقد تصالح مع طبيعة البشر ومناخ إيطاليا. وسمح في الكرنفالات بفترة تعطيل للاحتشام، ولكنه جاهد للمحافظة على مؤسستي الزواج والأسرة وحمايتهما من سذاجة النساء وأهواء الرجال. فكانت الفتيات في الطبقات المثقفة يرسلن إلى أحد الأديرة في سن مبكرة-في الخامسة-لا للتعليم أولاً بل لضمان الإشراف الخلقي عليهن. ولم تكن الفتاة التواقة إلى الحرية يطلق سراحها إلا إذا وفر لها صداق وهيئ لها خطيب يوافق عليه أبواها أو أولياؤها ويتقدم لزواجها. وإذا جاز لنا أن نصدق كازانوفا، فإنه كان في استطاعة راهبة شديدة الشوق إلى الرجال أن تغافل أحياناً الرئيسة الأم-أو تغافل الرئيس الأم راهباتها-وتجد سبيلاً للقاء رجل شديد الشوق إلى النساء بين الغسق والفجر، ولكن هذه كانت مغامرات نادرة محفوفة بالخطر. على أننا لا نستطيع أن نطبق هذا الحكم على أخلاقيات الرهبان.
وكان الذكر غير المتزوج إذا لم يستطع إغواء زوجة رجل آخر، يتعامل




صفحة رقم : 13178




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


عموماً مع البغايا. وقد قدر الكونت دكايلوس أن عددهن في نابلي عام 1714 بلغ ثمانية آلاف من بين السكان البالغين 150.000. ووجد الرئيس دبروس في ميلان "إنك لا تخطو خطوة في الميادين العامة دون أن تلتقي بقوادين Courtiers de Galanterie يعرضون عليك نساء من كل لون أو جنس تشاء، ولكن لك أن تثق بأن النتيجة لا تكون دائماً باهرة كالوعد(2)". وكان محظوراً على البغايا في روما أن يظهرن في الكنائس أو المحافل العامة، وحرم عليهن بيع مفاتنهن خلال صوم الميلاد، والصوم الكبير، وأيام الآحاد والعطلات الدينية.
وكان أشد ما يعاكس هؤلاء البغايا ويفسد عليهن حرفتهن أن طريق العشق الحرام كانت ميسرة إلى قلوب النساء المتزوجات. فهؤلاء النساء انتقمن لأنفسهن من فترة المراهقة التي ضيق عليهن فيها، ومن الأزواج الذين لم يكن لهن رأي في اختيارهن، بالانغماس في العلاقات الغرامية غير المشروعة، وباتخاذ "سيد تابع" cavaliere Servente. وقد سمحت عادة مرافقة المرأة المتزوجة هذه Cicisbeatura، بموافقة زوجها في غيبته، (وهي عادة مستوردة من أسبانيا) بأن يقوم على خدمتها سيد يخدمها، فيرافقها إلى العشاء وإلى المسرح وإلى المنتديات، ولكن نادراً ما يصاحبها إلى الفراش. واختيار بعض الأزواج مرافقين لزوجتهم لحمايتهن من علاقات العشق الحرام(3). وقد أفضى الانتشار الواسع لمذكرات كازانوفا، والأخبار المتعجلة التي أذاعها الرحالة الفرنسيون الذين ألفوا التحلل الفرنسي، إلى مبالغة الأجانب في فكرتهم عن فساد الأخلاق في إيطاليا. صحيح أن جرائم العنف أو الجنس كثرت، ولكن الإيطاليين كانوا بوجه عام أبناء أوفياء لوالديهم، وأزواجاً غيورين على نسائهم، وزوجات مجدات في بيوتهن، وآباء متعقلين بأبنائهم، يحيون حياة أسرية مترابطة، ويواجهون متاعب الزواج والأبوة والأمومة بإباء في الخلق وطلاقة في الحديث وبشاشة حاضرة في الطبع.
ولم يلق تعليم النساء تشجيعاً، لأن كثيراً من الرجال كانوا يرون التعليم خطراً على العفة. وتلقت قلة من البنات في الأديرة تعليماً في القراءة والكتابة




صفحة رقم : 13179




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


والتطريز وفنون الحياكة والترفيه. ومع ذلك نسمع عن نساء راقيات التعليم يدرن صالونات يتجاذبن فيها الأحاديث في يسر مع الكتاب والفنانين ورجال الأعمال. وفي بلرمو ترجمت "أنا جنتيلي" فولتير شعراً إيطالياً جيداً، ونشرت "الرسائل الفلسفية" التي دافعت فيها بجرأة عن أخلاقيات هلفتيوس غير القائمة على الدين. وفي ميلان سمع الرئيس دبروس ماريا جايتانا اجنيزي، البالغة من العمر عشرين عاماً، تحاضر باللاتينية في علم الوسائل(4)، وقد درست اليونانية والعبرية والفرنسية والإنجليزية وكتبت في رسائل القطاعات المخروطية والهندسة التحليلية(5)، وفي جامعة بولونيا كانت السنيورة ماتسوكيني تدرس التشريح، والسنيورة تامبروني تدرس اليونانية(6). ومن تلك الجامعة ذاتها نالت لاورا باسي درجة الدكتوراه في الفلسفة ولما تتجاوز الحادية والعشرين (1732)، وما لبثت أن ضربت بالعلم سهم وافر حتى عينت أستاذاً في الجامعة وحاضرت في "بصريات" نيوتن وألفت البحوث في الفيزياء، وأنجبت خلال ذلك لزوجها اثني عشر طفلاً قامت بنفسها على تربيتهم(7).
وطلت الكثرة العظمى من الجنسين أمية دون أن ينالها من ذلك أي غضاضة أو ازدراء من المجتمع. فإذا ظهرت مخايل الذكاء والنضج على غلام في القرية وجد له القسيس عادة سبيلاً إلى التعليم. ذلك أن شتى الجماعات الدينية أسست المدارس في المدن. فكان لليسوعيين عدد كبير من الكليات في إيطاليا-ست في البندقية، وسبع في ميلان وست في جنوه، وعشر في بيدمونت، وتسع وعشرون في صقلية وكليات كثيرة في مملكة نابلي وفي الولايات البابوية. وقامت الجامعات في تورين وجنوه وميلان وبافيا زبيزا وفلورنسة وبولونيا وبادوا وروما ونابلي وبلرمو، وكلها تحت إشراف رجال الكنيسة الكاثوليك، ولكن الكليات ضمت الكثير من العلمانيين. وكان المعلمون والطلاب على حد سواء يحلفون اليمين بألا يعلموا أو يقرؤوا أو يقولوا أو يفعلوا شيئاً يخالف تعليم كنيسة روما. يقول كازانوفا "في بادوا كانت حكومة البندقية تدفع المرتبات الكبيرة لمشاهير الأساتذة، وتترك للطلاب كامل الحرية في الانتظام في حضور دروسهم ومحاضراتهم أو عدمه كما يشاءون"(8).




صفحة رقم : 13180




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


يضاف إلى هذا أن الفكر الإيطالي شحذه عدد كبير من الأكاديميات المخصصة للآداب أو العلوم أو الفنون، والمتحررة عادة من إشراف رجال الدين، وأشهرها الأكاديمية الأركادية التي كانت في الفترة التي نحن بصددها تموت موتاً كريماً. وكانت هناك مكتبات عامة مثل "دار الكتب الأمبروزية" الجميلة في ميلان، أ, دار كتب ماجليابكينانا (دار الكتب القومية الآن) في فلورنسة، وكان الكثير من المكتبات الخاصة كمكتبة بيزاني في البندقية، يفتح أبوابه للجمهور في أيام معلومة من الأسبوع. وقد روى دبروس أن مكتبات إيطاليا كان يستخدمها القراء استخداماً يفوق في كثرته وحماسته استخدام القراء لمكتبات فرنسا. وأخيراً كانت هناك دوريات من جميع الأنواع-ثقافية، أو أدبية، أو فكاهية. وكانت مجلة الآداب الإيطالية التي أسسها أبوستولو تسينو وفرانشسكو سكييوتي دي ما في عام 1710 من أرقى المجلات في أوربا ثقافة وأحظاها بالاحترام.
وصفوة القول أن إيطاليا كانت تنعم بحياة فكرية نشيطة، فكثر عدد الشعراء الذين عاشوا على إهداء شعرهم لكبار القوم، وتعطر الجو بأريج القصائد الغنائية التي ما برحت تقلد بترارك، وتنافس المرتجلون في إفراغ التقريض فور دعوتهم إلى قرضه. ولكن العصر خلا من العشر العظيم حتى أقبل ألفييري في ختام القرن. وقامت المسارح في البندقية وفتشنتا وجنوه وتورين وميلان وفلورنسة وبادوا ونابلي وروما، وأم هذه الأبنية الأنيقة الرشيقة صفوة القوم وعامة الشعب ليتجاذبوا الحديث يسددوا نظرات الغرام. كما أتوها ليستمعوا إلى الأوبرا أو التمثيلية. وكان هناك دارسون كبار مثل مافيي، ومؤرخون شديدو الاجتهاد مثل موراتوري، وعما قليل سيأتي علماء عظام. غير أنها كانت ثقافة متكلفة بعض الشيء، حذرة خشية الرقابة، مهذبة مجاملة إلى حد أفقدها الجرأة.
ومع ذلك هبت عليها رياح متقطعة من الهرطقة عبر الألب أو البحر. فأسس الأجانب-لاسيما الإنجليز من أنصار جيمس الثاني-في جنوه وفلورنسة وروما ونابلي، من 1730 فصاعداً محافل ماسونية نزاعة إلى الربوبية. وقد أدانها البابوان كلمنت الثاني عشر وبندكت الرابع عشر، ولكنها اجتذبت




صفحة رقم : 13181




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> المشهد العام


الأتباع العديدين خصوصاً من طبقة النبلاء وأحياناً من الأكليروس. وجلبت إلى إيطاليا بعض مؤلفات مونثسكو وفولتير ورينال ومايلي وكوندياك وهلفتيوس ودولباخ ولامتري. ونشرت طبعات من "الموسوعة" بالفرنسية في لوكا ولجهورن وبادوا. ووصلت حركة التنوير إلى إيطاليا بدرجة متواضعة وفي صورة ميسرة لمن يقرؤون الفرنسية. ولكن الإيطالي أعرض عن الفلسفة، وأعرض عنها عمداً؛ وعن قناعة في الأكثر الأعم. فلقد كان هواه ومهارته في إبداع أو تذوق الفن والشعر أو الموسيقى، وبدا له الجمال المحسوس أو المرئي أو المسموع أفضل من حقيقة رواغة لا يضمن إطلاقاً إشاعتها البهجة في نفسه. ومن ثم فقد ترك الدنيا تناقش وتجادل بينما انصرف هو إلى شدوه وغنائه.




صفحة رقم : 13182




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى



2- الموسيقى


اعترفت أوربا للموسيقى الإيطالية بمكان الصدارة وقبلت آلاتها وأشكالها، ورحبت بمزاياها، وتوجت كبار مغنيها الخصان واستسلمت لأوبراها الشجية قبل جلوك وعلى الرغم منه وبعده. وأم جلوك وهاسمي وموتسارت ومئات غيرهم إيطاليا ليدرسوا موسيقاها، وليقفوا على أسرار "الغناء الجميل Bel cant(" (الملعلع) من بوربورا أو يتسلموا مدالية بادري مارتيني.
يقول بيرني في معرض حديثه عن البندقية، "إذا سار اثنان معاً يتأبط أحدهما ذراع الآخر، بدا كأنهما لا يتحدثان إلا غناء. فكل الأغاني هناك ثنائيات".(9) وكتب إنجليزي آخر "في ميدان القديس مرقص يرفع رجل من عامة الشعب-حذاء أو حداداً مثلاً-عقيرته بأغنية، وللتو ينضم إليه أشخاص على شاكلته ويشدون بهذه الأغنية في عدة أصوات، بضبط وذوق ندر أن يصادفهما المرء في أرقى المجتمعات في بلادنا الشمالية(10).
وكان العشق الواقف تحت نافذة حبيبته يداعب أوتار قيثارة أو مندولين كما يداعب قلب عذرائه. وحمل مغنو الشارع أنغامهم إلى المقاهي والحانات، وفي الجندول كانت الموسيقى تعانق هواء المساء، والصالونات والأكاديميات




صفحة رقم : 13183




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


والمسارح تحيي الحفلات الموسيقية، والكنائس ترجها أصوات الأراغن وفرق المرتلين، وفي الأوبرا كان الرجال ينتشون طرباً والنساء يغبن عن الوعي عند سمع لحن من المغنية الأولى أو الخصي المغني. وفي حفلة سمفونية أحييت في روما في مكان لا تغطيه غير نجوم السماء (1758) سمع موريلليه عبارات عاطفية مثل (إيه أيها المبارك! يا للذة الكبرى! أكاد أموت طرباً!)(11). ولم يكن من غير المألوف في دار الأوبرا أن نسمع النشيج يتردد بين الجمهور النظارة.
وأحب القوم آلاتهم الموسيقية حباً فوق وفاءهم للجنس الآخر، وسخوا بالمال ليجعلوا منها تحفاً صنعت بدقة من الخشب الثمين وطعمت بالعاج أو المينا أو رصعت بالأحجار الكريمة، وربما زين الهارب أو القيثارة بالماس(12). وكان سترايفاري قد ترك في كريمونا تلاميذ له مثل جوزيني انطونيو جوارنيري ودومنيكو مونتانيانا واصلوا العلم بسر صنع الفيولينات والفيولات والفيولنشلات النابضة بالحياة. وظل الهاربسكورد (الذي كان الإيطاليون يسمونه كلافيتشمالبو) إلى نهاية القرن الثامن عشر آلة المفاتيح المفضلة في إيطاليا رغم أن بارتولوميو كريستوفوري كان قد اخترع البيانو-فورتي بفلورنسة حوالي 1709. وحظي كبار عازفي الهاربسكورد مثل دومنيكو سكارلاتي، أو الفيولينه مثل تارتيني وجمنياني، في هذا الدجيل بشهرة دولية. فكان فرانشسكو جمنياني بمثابة "لست" أو كما لقبه منافسه تارتيني "مجنون" القوس (إلفوريبوندو). وحين وفد على إنجلترا في 1714 حظي بشعبيته في الجزر البريطانية أغرته بالإقامة هناك معظم سنيه الثماني عشرة الأخيرة.
وقد شجع ظهور أمثال هؤلاء العازفين المهرة على إنتاج الموسيقى الآلية، وكان هذا هو العصر الذهبي للمؤلفات الموسيقية الإيطالية للفيولينة. فاتخذت شكلها الآن-خصوصاً في إيطاليا-الافتتاحية، والمتتالية، والصوناتا، والكونسرتو، والسمفونية، وكلها ركز على اللحن والإيقاع، لا على الكونتراينت البوليفوني الذي كان آنئذ بالغاً أوجه ثم مختتماً حياته مع يوهان سبستيان باخ. وكما أن المتتالية انبثقت من موسيقى الرقص، فكذلك انبثقت الصوناتا من




صفحة رقم : 13184




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


المتتالية. لقد كانت شيئاً يعزف، كما كانت الكنتاتا شيئاً ينشد. وأصبحت الصوناتا في القرن الثامن عشر سلسلة من ثلاث حركات-سريعة (الليجرو أو بريستو)، وبطيئة (أندانتي أو أداجو) وسريعة (بريستو أو الليجرو) ويدس فيها أحياناً سكيرتسو (دعابة) تذكر السامع برقصة الجيجة المرحة، أو مونيتة رشيقة تذكره بموسيقى الرقص. وما وافى عام 1750 حتى كانت الصوناتا، على الأقل في حركتها الأولى، قد طورت "شكل الصوناتا"-وهو عرض موضوعات متعارضة وأطالتها بالتنويع، ثم تلخيصا عند الختام. وبعد تجارب ج. ب. سامارتيني ورينالدودي كابوا في إيطاليا، ويوهان شتامتس في ألمانيا، تطورت السمفونية بتطبيق شكل الصوناتا على ما كان في الماضي افتتاحية أوبرالية أو مصاحبة سردية. وبهذه الوسائل هيأ الملحن اللذة للعقل والحواس معاً، وأعطى الموسيقى الآلية ميزة فنية جديدة هي البنيان المحدد الذي يقيد ويربط اللحن بنظام ووحدة منطقيين. ذلك أنه إذا انعدم البناء في فن ما-أي العلاقة العضوية بين الأجزاء والكل، أو العلاقة بين البداية والوسط والنهاية-كان ذلك معناه انحطاط هذا الفن.
أما الكونسرتو (من اللفظ اللاتيني Concertare ومعناه يتبارى) فقد طبق على الموسيقى مبدأ الصراع الذي هو روح الدراما. فعارض الأوركسترا بعازف منفرد، وأدخل الاثنين في مناظرة هارمونية. وكان شكله المفضل في إيطاليا الكونسرتو جروسو (الكبير)، حيث التعارض بين أوركسترا صغير من الوتريات، و"وكونسرتينو" (كونسرتو صغير) من عازفين أو ثلاثة. وكان ليفاليدي في إيطاليا وهيندل في إنجلترا، وباخ في ألمانيا، الفضل في صقل شكل الكونسرتو جروسو صقلاً مطرداً، وتحدت موسيقى الآلات تفوق الأغنية.
ومع ذلك، ظل الصوت-خصوصاً في إيطاليا-هو الآلة المحببة التي لا ضريب لها. ففي إيطاليا أتيحت له ميزة لغة عذبة رخيمة، تغلب فيها الصوت اللين على الساكن، وتقليد طويل من الموسيقى الكنسية، وفن بالغ الرقي في فنون التدريب الصوتي. هنا ظهر كبار مغنيات الأوبرا (البريمادونات)




صفحة رقم : 13185




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


الفاتنات اللائى يرتقين كل عام سلم الثراء والبدانة، والمغنون الطواشية ذوو الأجسام الريانة الذين كانوا يخرجون من إيطاليا ليأسروا الملوك الملكات. هؤلاء المغنون السوبرانو أك الكونترالتو الذكور جمعوا بين رئات الرجال وحناجرهم، وبين أصوات النساء أو الغلمان. وكانوا بعد أن يطيشوا في سن السابعة أو الثامنة، ويخضعوا لنظام طويل دقيق من التدريب على التنفس والنطق، يتعلمون ترعيشات الصوت وتحلياته وتهديجاته، وتعاقب النغمات السريع ووقفات التقاط النفس-إلى آخر هذه الفنون التي جعلت جماهير السامعين الإيطاليين تهذي طرباً تعبر عنه أحياناً بهتاف هو "ليحيى المسكين الصغير"(13). ذلك أن معارضة الكنيسة (لاسيما في روما) في استخدام النساء على خشبة المسرح وسوء تدريب المغنيات في القرن السابع عشر، كانا قد خلقا طلباً لباه هذا السكين الصغير الذي كان يقطع القنوات المنوية للذكر. وبلغ من عظم مكانة المغنين المطوشين إذا حالفهم الحظ أن بعض الآباء كانوا-بعد أن يغروا الصبي الضحية بالرضى بمصيره هذا-يسلمونه لهذه العملية بمجرد أن تبدو منه أول بادرة صوت رخيم. ولكن كثيراً ما كانت الآمال تخيب، فكنت تجد كل مدينة بإيطاليا كما ذكر بيرني نفراً من هؤلاء الفاشلين "لا صوت لهم على الإطلاق"(14) وبعد عام 1750 اضمحلت بدعة الخصيان هذه، لأن مغنيات الأوبرا تعلمن أن يتفوقن عليهم في نقاء النغمة وينافسنهم في قوة الصوت.
أما أشهر الأسماء في موسيقى القرن الثامن عشر فلم يكن باخ ولا هيندل ولا موتسارت، بل فارينللي-وهذا ليس اسمه الأصلي. والظاهر أن كارلو بروسكي اتخذ اسم خاله الذي كان آنئذ معروفاً في دوائر الموسيقى. وإذ كان كارلو قد ولد في نابلي (1750) لأبوين عريقي الأصل، فما كان لمثله عادة يدخل صفوف المطوشين؛ وروى أن حادثاً أصابه وهو راكب جواده اقتضى إجراء العملية التي أثمرت أبدع صوت في التاريخ. ثم درس الغناء على بوريورا، وصحبه إلى روما، وظهر هناك في أوبرا بوريورا المسماة "إيوميني". وفي أحد الألحان نافس عارفاً على الناي في إطالة نغمة وتضخيمها وغطى عليه




صفحة رقم : 13186




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


في طول النفس، فأتته الدعوات من أكثر من عشرة عواصم. وفي 1727 في بولونيا لقي أول هزيمة له؛ ذلك أنه قاسم انطونيو برناكي لحناً، فاعترف له بأنه (ملك المغنين)، وتوسل إليه أن يكون معلمه. ووافق برناكي، وسرعان ما بز التلميذ معلمه. وراح فارينللي يحرز الآن نصراً بعد نصر في البلد تلو البلد-البندقية وفينا وروما ونابلي وفيرارا ولوكا وتورين ولندن وباريس. وكان تفننه الصوتي عجيبة العصر. وكان فن التنفس من أسرار براعته، فقد عرف أكثر من أي مغن آخر كيف يتنفس بعمق وسرعة وهدوء، وكان في استطاعته أن يستمر في غناء بنغمة ما بعد أن تتوقف جميع الآلات الموسيقية. وفي لحن Son Qual nave (على أي مركب) بدأ النغمة الأولى مخافتاً لا يكاد يسمع، وطها تدريجياً إلى ملء حجمها، ثم هبط بها شيئاً فشيئاً إلى خفوتها الأولى. وكان جمهور السامعين أحيانا، حتى في إنجلترا-ذلك البلد الرصين-يصفق لهذه العجيبة السعيدة تصفيقاً يمتد خمس دقائق(15). وقد اكتسب قلوب سامعيه كذلك بحنانه وكياسته ورقته، وكانت هذه الخلال في فطرته كما كانت في صوته. وفي 1737 قام بزيارة لأسبانيا خالها قصيرة، ولكن المكث طال به في مدريد أو قربها ربع قرن وسوف نفتش عليه هناك في فصل لاحق.
وبفضل المغنين الطواشية أمثال فارينللي وسينيزينو، وكواكب الغناء من النساء أمثال فاوستينا بوردوني وفرنشسكا كوتسوني، أصبحت الأوبرا صوت إيطاليا، وبهذه المثابة استمع إليها الناس بابتهاج في كل بلد أوربي إلا فرنسا حيث اشتعلت نار الحرب. وكلمة "أوبرا" كانت في الأصل جمع "opus" ومعناها "أعمال" ولكن الجمع أصبح في إيطاليا مفرداً، واحتفظ بمعناه "العمل"، وما نسميه الآن أوبرا كان يسمى Opera Per Musica-عملاً موسيقياً. ولم تتخذ الكلمة معناها الحالي إلا في القرن الثامن عشر. وإذ كانت متأثرة بتقاليد الدراما اليونانية، فقد صممت أصلاً على أنها تمثيلية تصاحبها الموسيقى، ثم ما لبثت الموسيقى أن طغت على التمثيلية في إيطاليا، وطغت الأغاني (الآريا) على الموسيقى. وصممت أوبرات تتيح عروضاً منفردة لكل




صفحة رقم : 13187




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


مغنية أولى وكل مغن أول في الفرقة. وكان السامعون يتجاذبون الحديث فيما بين هذه القمم المثيرة، وبين الفصول يلعبون الورق أو الشطرنج، ويقامرون، ويأكلون الحلوى أو الفاكهة أو العشاء الساخن, ويتزاورون ويغازلون من مقصورة إلى مقصورة. في مثل هذه المهرجانات كان النص عادة يغرق في طوفان معترض في الأغاني والثنائيات والكوارس والباليهات. وقد ندد المؤرخ لودقيكو موراتوري بطمس العشر على هذا النحو (1701)(16) ووافقه كاتب النصوص أبوستولوتسينو، وانتقد المؤلف الموسيقي بنديتو مارنشيللي هذا الاتجاه في "تياترو على الموضة" (1721). وأوقف متاستازيو حيناً هذا السيل الجارف، ولكن في النمسا لا في إيطاليا. وناضل جوميللي وتراييتا ضده، ولكن مواطنيها أنكروا عليها هذا النضال، ذلك أن الإيطاليين آثروا في في غير مواربة الموسيقى على الشعر، واتخذوا الدراما مجرد تكئة للأغنية.
وأغلب الظن أنه ما من شكل فني آخر وعاه التاريخ حظي بالشعبية التي حظيت بها الأوبرا في إيطاليا، وما من حماسة ضارعت حماسة جمهور إيطالي يرحب بلحن أو قفلة يشدو بها مغنٍ مشهور. ولو سعل أحد المستمعين في حفلة كهذه لعد ذلك منه جريمة اجتماعية كبرى. وكان التصفيق يبدأ قبل أن تختم الأغنية المألوفة، وتدعمه العصي تدق على الأرض أو على ظهور المقاعد، وكان بعض المتحمسين يقذفون بأحذيتهم في الهواء(17). وكان لكل مدينة إيطالية تزهو بنفسها قليلاً أو كثيراُ (وأيها كانت مبرأة من الزهو؟) دار للأوبرا، وبلغ عدد هذه الدور في الولايات البابوية وحدها أربعين. وبينما كانت الأوبرا في ألمانيا حفلة رسمية تؤدى في البلاط ويحرم منها جمهور الشعب، وبينما حد من مستمعيها في إنجلترا ارتفاع أسعار الدخول، نجدها في إيطاليا مفتوحة لكل شخص لائق الهندام نظير رسم متواضع، وأحياناً دون رسم على الإطلاق. ولما كان الإيطاليون قوماً يحبون الاستمتاع بالحياة فقد أصروا على أن يكون لأوبراتهم خاتمة سعيدة مهما كان في هذه الأوبرات من فواجع. ثم أنهم أحبوا الفاكهة كما أحبوا رقة العاطفة. فنما بينهم تقليد يقضي بدس فاصل هزلي بين فصول الأوبرا. ثم تطورت هذه الفواصل




صفحة رقم : 13188




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الموسيقى


إلى نوع قائم بذاته حتى لقد نافست (الأوبرا الجادة) في شعبيتها، وأحياناً في طولها. والذي فتن باريس في 1752 كان "أوبرا هازلة-Opera Buffa" وهي الخادمة تنقلب ربة البيت La Serva Padrann لبرجوليزي، التي أشاد بها روسو دليلاً على تفوق الموسيقى الإيطالية على الفرنسية.
أياً كانت الأوبرا الإيطالية، هازلة أو جادة، فإنها كانت قوة في التاريخ. وكما غزت روما مرة غربي أوربا بجيوشها، وكما غزتها كنيسة روما مرة ثانية بعقيدتها، كذلك غزتها إيطاليا مرة ثالثة بالأوبرا. فأزاحت أوبراتها الإنتاج الوطني في ألمانيا والدنمرك وإنجلترا والبرتغال وأسبانيا بل وروسيا، وكان مغنوها معبودي كل عاصمة أوربية تقريباً. واتخذ المغنون الوطنيون أسماء إيطالية لكي يحظوا بالقبول في وطنهم. وسيمضي هذا الغزو الساحر ما بقي للحروف اللينة التفوق في الغناء على الحروف الساكنة.




صفحة رقم : 13189




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الدين



3- الدين


كانت الطبقة المسيطرة في إيطاليا هي طبقة الأكليروس بعد البريمادونات والمغنين الخصيان. وراح رجال الدين يمشون أو يركبون في غفاراتهم المتميزة وقبعاتهم العريضة الخواف في حرية تخالطها الكبرياء عبر المجتمع الإيطالي عالمين أنهم يوزعون أغلى نعمة عرفتها البشرية-هي نعمة الرجاء. وبينما كانت نسبة رجال الكنيسة إلى الشعب في فرنسا في هذا القرن على التقريب واحداً إلى مائتي نفس، كانت النسبة في روما واحداً لكل خمس عشرة، وفي بولونيا واحداً لكل شبع عشرة، وفي نابلي وتورين واحداً لكل ثمان وعشرين(18). وقد شكا رجل معاصر من أهل نابلي من هذا الوضع، وهو باعترافه رجل متمسك بالتقاليد:
"لقد استفحل عدد الأكليروس بحيث اصبح لزاماً على الأمراء أن يتخذوا الإجراءات للحد من عددهم وإلا ابتلعوا الدولة بأسرها. فأي




صفحة رقم : 13190




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الدين


ضرورة لأن يهيمن على أصغر القرى الإيطالية خمسون قسيساً أو ستون؟...أن العدد الضخم من أبراج الأجراس والأديرة يحجب نور الشمس. وهناك مدن يبلغ فيها العدد خمسة وعشرين ديراً لرهبان أو راهبات الدومينكان وسبعة مجامع لليسوعيين، ومثلها للتياتين، ونحو عشرين أو ثلاثين ديراً للأخوة الفرنسيسكان، وما لا يقل عن خمسين أخر من طوائف دينية مختلفة من الجنسين، هذا فضلاً عن أربعمائة أو خمسمائة كنيسة ومصلى(19)".
ولعل هذه الأرقام بالغ فيها الكاتب دعماً لحجته. ونحن نسمع عن أربعمائة كنيسة في نابلي، و260 في ميلان، و110 في تورين، على أن هذه دخلت ضمنها المصليات الصغيرة. وكان الرهبان فقراء نسبياً، أما الأكليروس من غير الرهبان فكانوا في جملتهم يملكون ثروة تفوق ثروة النبلاء. وكان الأكليروس في مملكة نابلي يحصلون على ثلث الموارد. وفي دوقية بآرما كان نصف الأرض يملكه الأكليروس، وفي تسكانيا ثلاثة أرباع الأرض تقريباً. وفي البندقية أضافت الوصايا الجديدة في السنوات الإحدى عشرة من 1755 إلى 1765 إلى الكنيسة من الأملاك ما قيمته 3.300.000 دوقاتية(20). وكان بعض الكرادلة والأساقفة من أغنى الرجال في إيطاليا، ولكن هؤلاء الكرادلة والأساقفة كانوا أولاً مديرين وحكاماً، ولم يكونوا قديسين إلا أحياناً. من ذلك أن عدة رجال منهم في النصف الثاني من القرن نزلوا عن ثروتهم وترفهم وعاشوا حياة الفقر الاختياري.
أما الشعب الإيطالي فلم يبد منه أي احتجاج ذي بال على ثراء الأكليروس، اللهم إلا قلة من المعلقين والهجائين. لقد كان الشعب فخوراً ببهاء كنائسه وأديرته وأحباره وبدت لهم مساهماتهم ثمناً زهيداً يدفعونه لقاء النظام الذي وفره الدين للأسرة والدولة. وكان في كل بيت صورة أو تمثال للمسيح المصلوب، وآخر للعذراء، وأمامهما تركع الأسرة كلها في صلاة كل مساء-الأبوان والأبناء والخدم. فأي شيء يستطيع الحلول محل التأثير الأخلاقي لتلك الصلوات الموحدة بين القلوب؟ وكان الامتناع




صفحة رقم : 13191




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الدين


عن أكل اللحم أيام الجمع، وأيام الأربعاء والجمع في الصوم الكبير، ضبطاً نافعاً للشهوة-كما كان نعمة على الصحة وعلى صيادي السمك. أما القساوسة، الواعون لمفاتن النساء، فلم يغالوا في إدانة خطايا الجسد، وأغضوا عن مظاهر التحلل في الكرنفالات. لا بل أن البغايا كن في السبوت يوقدن شمعة أمام العذراء، ويودعن نقوداً لترتيل القداس. وقد أدهش دبروس وهو يشاهد تمثيلية في فيرونا أن يرى التمثيل يتوقف حين دقت أجراس الكنائس معلنة موعد الصلاة (الأنجيلوس)، وركع كل الممثلين وصلوا، وقامت ممثلة كانت تتصنع الإغماء في المسرحية لتشارك في الصلاة ثم عادت إلى إغمائها(21). حقاً ندر أن أحب الناس ديناً من الأديان حباً جماً كما أحب الإيطاليون الكثلكة في إيطاليا. على أنه كان للصورة وجه آخر-هو الرقابة على المطبوعات وديوان التفتيش. وقد طالبت الكنيسة كل إيطالي أو إيطالية أن يؤدي مرة في السنة على الأقل "واجب عيد القيامة"-أي يذهب للاعتراف على الكاهن في سبت النور، ويتناول القربان في صباح القيامة. فإذا قصر في هذا الواجب-في كل أرجاء إيطاليا باستثناء أكبر المدن-استوجب التوبيخ من الكاهن، فإذا لم يجد مع العاصي التوبيخ والنصح سراً عوقب بنشر اسمه على أبواب كنيسة الأبرشية، فإذا تمادى في الرفض كان جزاؤه الحرم، بل السجن في بعض المدن(22). على أن ديوان التفتيش كان قد فقد الكثير من قوته وشرته. وكان في الإمكان تفادي الرقابة الكنسية في المراكز الكبرى، فخفت الرقابة على المطبوعات، وكان هناك انتشار صامت للشك الهرطقة في أوساط المثقفين لا بل بين رجال الأكليروس أنفسهم-لأن بعضهم كانوا جانسنيين في دخيلة أنفسهم برغم أوامر البابا.
وإذا كان الكثير من القساوسة والرهبان قد عاشوا حياة الراحة والدعة، ولم يكونوا غرباء على الإثم، فقد كان هناك أيضاً الكثيرون ممن وفوا ينذروهم، واحتفظوا بالإيمان حياً بالإخلاص لواجباتهم. وقامت المؤسسات الدينية الجديدة شاهداً على بقاء نبض الحياة في الرهبنة. من ذلك أن القديس




صفحة رقم : 13192




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الدين


الفونسودي لجيرومي المحامي العريق الأصل أسس في 1732 جماعة "أتباع الفادي" (أي المسيح)، كذلك أسس القديس بولس الصليبي (باولودانتي)، الذي مارس أقسى ضروب النسك، في 1737 "طائفة المتألمين". أي إتباع صليب المسيح المقدس وآلامه.
وكانت جماعة اليسوعيين في 1730 تضم نحو 23.000 عضو. منهم 3.622 في إيطاليا، ونصفهم قساوسة(23). ولم يكن هناك تناسب قط بين سلطانهم وعددهم. فكثيراً ما أثروا في السياسة الداخلية والدولة بحكم كونهم آباء الاعتراف للملوك والملكات والأسر المرموقة، وكانوا أحياناً أكثر القوى إلحاحاً-بعد جماهير الشعب-في اضطهاد الهرطقة. ومع ذلك كانوا أكثر اللاهوتيين الكاثوليك تحرراً، وقد رأينا في غير من هذا الموضع كم حاولوا في صبر أن يتوافقوا مع حركة التنوير الفرنسية. وقد تميزت بعثاتهم الخارجية بمثل هذه المرونة. ففي الصين حولوا مئات الألوف إلى الكاثوليكية(24)، ولكن تنازلاتهم الذكية لعبادة الأسلاف، وللكنفوشية، وللطاوية، صدمت مبعوثي الطوائف الدينية الأخرى فاقنعوا البابا بندكت الرابع عشر بأن يكبح جماح اليسوعيين ويوبخهم في مرسوم Ex quo Singulari (1743). على أنهم ظلوا برغم ذلك أقدر وأعلم على العقيدة الكاثوليكية ضد البروتستانتية والإلحاد، وأخلص المؤيدين للباباوات ضد الملوك. وقد وجد الملوك في جماعة اليسوعيين أثناء صراعات السيادة والسلطة بين الدول القومية والكنيسة التي تعلو على القوميات عدواً هو أشد أعدائهم دهاء وإلحاحاً. ومن ثم فقد صحت نيتهم على القضاء عليها. ولكن الفصل الأول في هذه الدراما مكانه البرتغال.




صفحة رقم : 13193




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة



4- من تورين إلى فلورنسة


إذا دخلنا إيطاليا من فرنسا بطريق مون-سني، هبطنا جبال الألب إلى بيدمونت التي تسمى "سفح الجبل" ثم مررنا بكروم وحقول للحبوب وبساتين لأشجار الزيتون أو الكستناء حتى نبلغ توبرين، القصبة القديمة لبيت سافوي والتي يرجع عمرها ألفي سنة. وهذا البيت من أقدم الأسر




صفحة رقم : 13194




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة


الملكية الموجود، وقد أسسه في 1003 أومبرتو بيانكامانو-هومبرت ذو اليد البيضاء. وكان رأس الأسرة في الحقبة التي نحن بصددها من أكفأ حكام العصر. فقد ورث فكتور أماديوس الثاني عرش دوقية سافوي في التاسعة من عمره (1675) واضطلع بشؤون الحكم في الثامنة عشرة وقاتل من أجل الفرنسيين آناً وضدهم آناً في حروب لويس الرابع عشر، وشارك أوجين السافواوي في طرد الفرنسيين من تورين وإيطاليا، وخرج من معاهدة أوترخت (1713) وقد أضاف صقلية إلى تاجه. وفي 1718 استبدل سردينا بصقلية، واتخذ لقب ملك ساردينا (1720) ولكنه احتفظ بتورين عاصمة له. وحكم مملكته بكفاية تشوبها الخشونة، وأصلح التعليم العام وزاد في رفاهية الشعب، وبعد أن حكم خمسة وخمسين عاماً تخلى عن العرش لابنه شارل إيمانويل الأول (حكم 1730-73).
كانت تورين خلال هذين الحكمين اللذين امتدا قرابة قرن كامل مركزاً قيادياً للحضارة الإيطالية. وقد وصفها مونتسيكو الذي شاهدها في عام 1728 بأنها "أجمل مدينة في العالم(25)" مع أنه أحب باريس. وامتدح تشسترفيلد عام 1749 بلاط سافوي لأنه خير بلاط في أوربا يربي "أناساً مهذبين لطفاء(26)". وبعض الفضل في بهاء تورين راجع إلى فليبو يوفار، المعماري الذي كان لا يزال يتنفس وحي النهضة الأوربية. فعلى تل سوبرجا الشامخ الذي يعلو 2.300 قدم فوق المدينة بنى (1717-31) لفكتور أماديوس الثاني في ذكرى تحرير تورين من احتلال الفرنسيين باسيليقا جميلة بطراز الأروقة والقباب الكلاسيكي استخدمت مقبرة لأسرة سافوي الملكية قرناً من الزمان. ثم أضاف إلى قصر ماداما العتيق (1718) سلماً فخماً وواجهة ضخمة، وفي 1729 صمم قلعة ستوبينجي الهائلة (التي أكملها بنديتو ألفييري) والتي أبرز بهوها الرئيسي كل فخامة الباروك الحالية. وظلت تورين عاصمة لأدواق سافوي حتى انتقلوا بعد نصرهم النهائي (1860 وما بعدها) إلى روما ليتربعوا على عرش إيطاليا الموحدة.
أما ميلان التي طالما خنقتها السيطرة الأسبانية فقد بعثت من جديد تحت




صفحة رقم : 13195




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة


الحكم النمساوي الأكثر رفقاً. ففي 1703 أنشأ فرانترتيفن، وفي 1746 و1755 استكمل فيليتشي وروكليريتشي بمعونة الحكومة، مصانع للنسيج وسعت من إحلال الإنتاج الواسع النطاق الذي يموله ويديره رأس المال محل الحرف والنقابات الحرفية. أما التاريخ الثقافي لميلان فقد لمع فيه الآن اسم جوفاني باتيستا سامارتيني، الذي نستطيع إلى الآن الاستماع إليه أحياناً على أمواج الأثير المتدفقة. ويلاحظ أنه في سمفونياته وصوناناته استبدل بوقار موسيقى كبار الموسيقيين الألمان الكونترابنتي تفاعلاً ديناميكياً بين الموضوعات والحالات النفسية والمتعارضة. وحين وفد الفتى جلوك على ميلان (1737) ليشغل وظيفة موسيقي الحجرة للأمير فرانتشسكوملتسي، أصبح تلميذ سامارتيني وصديقه واتخذ طريقه في بناء هيكل الأوبرا. وفي 1770 صاح المؤلف الموسيقي البوهيمي يوزف مزلفتشك، وهو يصغي مع موتسارت الشاب إلى بعض سمفونيات سمارتيني في ميلان "لقد وجدت الأب الذي أنجب أسلوب هايدن!(27)"-وهو إذن أحد آباء السمفونية الحديثة.
وأما جنوه فقد كابدت خطوباً في القرن الثامن عشر. كانت تجارتها قد انحطت إثر منافسة المحيطات للبحر المتوسط، ولكن موقعها الاستراتيجي على ربوة دفاعية تطل على ثغر حسن الإعداد لفت الانتباه الخطر من الدول المجاورة. ووقعت الحكومة المحصورة بين أعداء من الخارج وشعب غضوب جاهل من الداخل في أيدي أسر تجارية قديمة تحكم عن طريق مجلس مغلق ودوج مطيع. هذه الأولجركية العاملة على تخليد نفسها في كراسي الحكم أثقلت كاهل الشعب بالضرائب حتى هوى إلى درك الفقر الكئيب الفاقد الصبر، وسيطر عليها وابتزها هي الأخرى بنك سان جورجو. فلما حاصرت قوات سافوي والنمسا المتحالفة جنوه في 1746 لم تجرؤ الحكومة على تسليح الشعب ليقاوم خشية أن يقتل الحكام، وآثرت أن تفتح أبوابها للمحاصرين الذين فرضوا تعويضات وفديات جرت عليها الخراب المالي. أما العامة الذين فضلوا المستغلين من بني جلدتهم، فقد ثاروا على الحامية




صفحة رقم : 13196




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة


النمساوية، وقذفوها بوابل من البلاط والطوب انتزعوه من الأسطح والشوارع، وطردوها طرداً مخزياً ثم عاود الطغيان القديم سيرته الأولى.
وشيد نبلاء جنوه القصور الجديدة مثل قصر فيراري، وشاركت ميلان في رعاية مصور بلغ شهرة من المرتبة الثانية في عصرنا هذا. فتكاد كل صورة باقية من الصور التي رسمها الساندور ماناسكو ترعنا بأصالة أسلوبها القاتمة. فصورة "بنكينللو يعزف على القيثارة"-جسد مستطيل في بقع مهملة سوداء وبنية، واللوحة الرشيقة المسماة "فتاة وموسيقى أمام المدفأة(29)" ولوحة "الحلاق(30)" تبدو عليه اللهفة على قطع حلقوم زبونه، ولوحة "حجرة طعام الرهبان" الضخمة الشاهدة على ازدهار مطبخ الكنيسة، هذه كلها روائع فنية تذكرنا بالجريكو في أجسادها النحيلة وحيلها الضوئية، وترهص بجويا في فضحها الرهيب لقساوات الحياة، وتنزع إلى الحداثة في احتقارها الخشن للتفاصيل المتكلفة المتزمتة.
وشهدت فلورنسة في هذا العصر نهاية أسرة من أشهر أسر التاريخ. فقد كان حكم كوزيمو الثالث (1670-1723) الذي طلا أمده أرشيدوقاً لتسكانيا نكبة على شعب مازال فخوراً بذكريات عظمة فلورنسة تحت حكم آل مديتشي الأسبقين. وقد سمح كوزيمو هذا الذي تسلط اللاهوت على تفكيره للأكليروس بأن يحكموه ويبتزوا من موارده الهزيلة منحاً سخية للكنيسة. وكان من أثر الحكم المستبد، والإدارة العاجزة، والضرائب الباهظة أن فقدت الحكومة التأييد الشعبي الذي حظيت به الأسرة المالكة طوال مائتين وخمسين عاماً.
وآثر فرديناند بن كوزيمو الأكبر الغواني على رجال حاشيته، ودمر صحته بالإفراط في اللذات، ومات أبتر لا عقب له في 1713. وكان لكوزيمو ابن يدعى جان (يوحنا) جاستوني أولع بالكتب، ودرس التاريخ والنبات، وعاش حياة هادئة. وفي 1697 أكرهه أبوه على الزواج من آن أميرة ساكس لاونبرج، وكانت أرملته فقيرة الثقافة. وذهب جان ليعيش معها في قرية بوهيمية نائية، واحتمل الملل عاماً،




صفحة رقم : 13197




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة


ثم تعزى بالخيانات الزوجية في براغ. فلما ساءت صحة فرديناند، استدعى كوزيمو جان إلى فلورنسة، ولما مات فرديناند أعلن جان وريثاً لتاج الأرشيدوقية. ورفضت زوجة جان أن تعيش في إيطاليا. وخشي كوزيمو أن ينقرض بيت مديتشي، فامتنع مجلس الشيوخ الفلورنسي بأن يصدر قراراً يقضي عند موت جان جاستوني دون عقب بأن تؤول العرش إلى شقيقة جان المدعوة آنا ماريا لودفيكا.
وحامت الدول الأوربية في لهفة حول الأسرة المحتضرة. ففي 1718 رفضت النمسا وفرنسا وإنجلترا وهولندا الاعتراف بترتيب كوزيمو، وأعلنت أنه يجب عند وفاة جان أن تعطى تسكانيا وبارما لدون كارلوس الابن الأكبر لاليزابث فارنيزي ملكة أسبانيا. واحتج كوزيمو، وأعاد تنظيم دفاعات لجهورن وفلورنسة الحربية ولكن متأخراً. وخلف موته لابنه دولة أنهكها الفقر وعرشاً مزعزع الأركان.
وكان جان جاستوني الآن (1732) في عامه الثاني والخمسين. فجاهد ليصلح مساوئ الإدارة والاقتصاد، وطرد الجواسيس والمتملقين الأذلاء الذين أثروا في عهد أبيه وخفض الضرائب وأعاد المنفيين، وأفرج عن السجناء السياسيين، وعاون على إحياء الصناعة والتجارة ورد لحياة فلورنسة الاجتماعية الأمان والمرح. وبفضل إثراء كوزيمو الثاني وجان جاستوني لقاعة الأوفيتسي للفنون، وازدهار الموسيقى تحت قيادة كما فرانسشكو فيراتشيني، والمراقص التنكرية، ومواكب العربات المزخرفة، ومعارك الحلوى والأزهار الشعبية-بفضل هذا كله أصبحت فلورنسة تنافس البندقية وروما في جذب الزوار الأجانب، مثال ذلك أنه اجتمع فيها حوالي عام 1740 الليدي ماري ورتلي مونتاجو، وهوراس ولبول، وتوماس جراي حول الليدي هنرييتا بومفريت في قصر ريدولفو. إن في المجتمع المحتضر شيئاً يجذب إليه الناس جذباً حزيناً.
ولما أضنت جان جاستوني جهوده، أحال في 1731 تبعات الحكم إلى وزرائه وانزلق إلى هوة اللذات الحسية. وجردت أسبانيا جيشاً عدته




صفحة رقم : 13198




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> من تورين إلى فلورنسة


ثلاثون ألف مقاتل لتضمن الخلافة لدون كارلوس، وأرسل شارل السادس النمساوي خمسين ألف جندي ليرافقوا ابنته ماريا تريزا في طريقها إلى عرش الأرشيدوقية. وأمكن تفادي الحرب باتفاق (1736) أبرم بين النمسا وفرنسا وإنجلترا وهولندا يقضي بأن يأخذ كارلوس نابلي، وأن تأخذ ماريا وزوجها فرانسوا اللوزيني-وتسكانيا. وفي 9 يوليو 1737 قضى آخر المديتشيين نحبه وأصبحت تسكانيا تابعة للنمسا وازدهرت فلورنسة من جديد.




صفحة رقم : 13199




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ملكة الأدرياتيك



5- ملكة الأدرياتيك


بين ميلان والبندقية استرخت بعض المدن الصغرى. فبرجامو اضطرت إلى أن تقنع في نصف القرن الذي نحن بصدده بمصورين مثل جيسلاندي، وبمؤلفين موسيقيين مثل لوكاتيللي. وقدمت فيرونا الأوبرات في مسرحها الروماني، وكانت محظوظة برجل مرموق هو المركيز فرانشسكو سكبيوني دي مافي. وقد قلد فولتير مسرحيته الشعرية (ميروبي) (1713) وأهداه في كرم مسرحيته (ميروب) باعتباره "أول كاتب أوتي من الشجاعة والعبقرية ما أعانه على المغامرة بكتابة مأساة تخلوا من الغزل، مأساة جديرة بأثينا في عزها، حيث تكون محبة الأم هي قوام المؤامرة كلها، وينبعث أرق ضروب التشويق من أطهر الفضائل(32)". وهناك عمل آخر لمافي أبروز حتى من مسرحيته تلك وهو "فيرونا المصورة" (1731-32) وهو كتاب بدأ تحديد خطى علم الآثار. واعتزت مدينته به فأقامت له تمثالاً في حياته. وكانت فتشنتسا بمبانيها التي شيدها بلاديو كعبة يحج إليها المعماريون الذين يحبون الطراز الكلاسيكي. أما بادوا فكان بها جامعة اشتهرت بكليتي الحقوق والطب ولمه فيها جوزيبي تارتيني، الذي اعترف به الجميع (عدا جمنياني) إماماً لعازفي الفيولينة الأوربيين، ومن الذي لم يستمع إلى موسيقى تارتيني "رعشة الشيطان"؟
هذه المدن كلها كانت جزءاً من جمهورية البندقية. وكذلك كانت تريفيزو وفريولي، وفلتري، وباسانو، وأوديني، وبللونو، وترنتو، وبولتسانو




صفحة رقم : 13200




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:28 مساء   رقم المشاركة : [393]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ملكة الأدرياتيك


في الشمال، واستريا في الشرق، وفي الجنوب امتدت دولة فينيتسيا مخترقة كيودجا وروفيجو إلى نهر بو، وملكت عبر الأدرياتيك كتارو وبريفيتسا وأجزاء أخرى مما يقع في يوغوسلافيا وألبانيا، وكانت تملك في الأدرياتيك جزائر كورفو وكفالونيا وزنطة. وسكن هذا الملك المعقد نحو ثلاثة ملايين من الأنفس كل منها يعد نفسه مركز العالم.




صفحة رقم : 13201




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية



6- الحياة الفينيتسية


أما مدينة البندقية (فينيتسيا) ذاتها عاصمة الجمهورية، فكانت تضم 137.000-نسمة. وكانت الآن في فترة اضمحلال سياسي واقتصادي، بعد أن استولى الترك على إمبراطوريتها الأيجية، وانتزعت دول الأطلنطي الكثير من تجارتها الخارجية. وكان فشل الحروب الصليبية، وإعراض الحكومات الأوربية بعد انتصارها في ليبانتو (1571) عن تقديم المعونة للبندقية في الدفاع عن مخافر العالم المسيحي الأمامية في الشرق، ولهفة تلك الحكومات على أن تقبل من تركيا امتيازات تجارية ضنت بها على أشجع أعدائها(33)-هذه التطورات كلها قد خلفت البندقية في حال من الضعف أعجزها عن الاحتفاظ ببهائها أيام النهضة، ومن ثم أن ترعى بيتها هي-فتمنح مملكاتها الإيطالية والأدرياتية حكومة صارمة في القانون، والرقابة السياسية، والإشراف الشخصي، ولكنها كفء في الإدارة، متسامحة في الدين والأخلاق، متحررة في التجارة الداخلية.
وكانت تحكمها أولجركية شأن غيرها من جمهوريات أوربا في القرن الثامن عشر. وفي هذا الخليط من حطام السلالات المختلفة-انطونيين وشيلوكيين وعطيليين، وبين جماهير لم تصب من التعليم حظاً يذكر، بطيئة التفكير سريعة الحركة، تؤثر اللذة على السلطة، كان معنى الديمقراطية -لو استقرت فيها-هو الفوضى المتوجة. ومن ثم قصر الحق في عضوية المجلس الأعلى على نحو ستمائة أسرة تضمنها "الكتاب الذهبي" ولكن هذه الأرستقراطية الوطنية أضيفت لها إضافات حكيمة من صفوف التجار ورجال المال وإن كانوا من دم غريب. وكان المجلس الأعلى يختار السناتو، الذي




صفحة رقم : 13202




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية


كان يختار مجلس العشرة القوي النفوذ. وكان جيش من الجواسيس ينتقل في صمت بين المواطنين ويبلغ القضاة بأي تصرف أو كلام مريب يصدر من أي بندقي-حتى من الدوج نفسه. وكان الأدواج الآن عادة حكاماً صوريين وظيفتهم استقطاب الوطنية وتزيين الدبلوماسية.
وكان الاقتصاد يخوض معركة خاسرة ضد المنافسة الأجنبية ورسوم الاستيراد وقيود النقابات الحرفية. ولم تتوسع صناعة البندقية لتبلغ مرحلة المشروعات الحرة والتجارة الحرة والإدارة الرأسمالية، بل قنعت بشهرة حرفها. ولم يبق في صناعة الصوف التي كانت تشغل ألفاً وخمسمائة عامل في عام 1700 غير ستمائة في نهاية القرن، واضمحلت صناعة الحرير في الفترة ذاتها فلم يبق فيها غير ألف واحد بعد أن حفلت باثني عشر ألفاً(34). وقاوم صناع زجاج مورانو كل تغيير في الطرق التي أذاعت في الماضي شهرتهم في طول أوربا وعرضها، وتسربت أسرارهم إلى فلورنسة وفرنسا وبوهيميا وإنجلترا، واستجاب منافسوهم لما طرأ من تقدم على الكيمياء، وللتجارب التي أجريت في الصناعة، وهكذا ولى زمان المورانو. وبالمثل استسلمت صناعة الدنتلا لمنافسيها وراء الألب، فلم يحل عام 1750 حتى كان البنادقة أنفسهم يلبسون المخرمات الفرنسية. وازدهرت صناعتان: مصايد الأسماك التي استخدمت ثلاثين ألف رجل، واستيراد العبيد وبيعهم.
ولم يسمح للدين بالتدخل في أرباح التجارة أو لذات الحياة. ونظمت الدولة جميع المسائل المتعلقة بممتلكات الكنيسة وبجرائم رجال الدين. وكان اليسوعيون قد أعيدوا في 1657 بعد طردتهم في 1606، ولكن بشروط حدت من نفوذهم في التعليم والسياسة. ووجدت تعاليم فولتير وروسو وهلفتيوس وديدرو طريقها إلى صالونات البندقية ولو بطريق الزوار رغم أن الحكومة حظرت استيراد مؤلفات الفلاسفة الفرنسيين، وداعبت الأرستقراطية في البندقية كنظيرتها في فرنسا الأفكار التي استنزفت قوتها(35). وقبل الناس الدين على أنه عادة لا شعورية تقريباً من عادات الشعائر والإيمان، ولكنهم كانوا يلهون أكثر مما يصلون. وقد وصف مثل بندقي أخلاقيات البنادقة




صفحة رقم : 13203




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية


بكل ما في الأبجرام من قصور، "في السباح قداس صغير، وبعد الغداء لعبة قمار صغيرة، وفي المساء امرأة صغيرة"(36). وذهب الشبان إلى الكنيسة لا ليصلوا للعذراء ولكن ليدققوا النظر في النساء. وكان النساء برغم الغضبات الكنسية والحكومية يرتدين "الديكولتيه" الذي يكشف عن نحورهن وظهورهن(37) وكانت الحرب المتصلة بين الدين والجنس تهيئ للجنس أسباب النصر.
وأجازت الحكومة البغاء المنظم إجراءاً واقياً لسلامة الشعب. واشتهرت غواني البندقية بجمالهن، ودماثة طباعهن، وفخامة لباسهن، وبذخ مساكنهن المشرفة على القناة الكبرى. وكان عدد المعروض من هؤلاء الغواني (Cortigiane) كبير، ولكنه رغم ذلك قصر على الوفاء بالطلب. وكان المقتصدون من البنادقة، والأغراب مثل روسو، يتجمعون معاً اثنين أو ثلاثة لينفقوا على محظية(38). ولكن النساء المتزوجات انغمسن في العلاقات الغرامية الخطرة رغم هذه التسهيلات، ولم يكتفين بمرافقيهن من "السادة الخدام"، واختلف بعضهن إلى الكازينوات التي وفرت فيها كل أسباب اللقاءات الغرامية. ووبخت الحكومة علناً عدة نساء نبيلات لسلوكهن المنحل، وأمرت بعضهن أن يلزمن بيوتهن، ونفت بعضهن خارج البلاد. ولكن الطبقات الوسطى كانت أكثر تعقلاً، وكان تعاقب النسل يشغل الزوجة ويشبع حاجتها لتلقى الحب وبذله. ولم تغدق الأمهات على أطفالهن في أي بلد آخر ما أغدقته في البندقية من عبارات الإعزاز الحارة. ومن عباراتهن المأثورة: (يا سبع القديس مرقص! يا بهجتي! يا زهرة ربيعي!).
أما الجريمة فكانت في البندقية أقل منها في أي بلد آخر في إيطاليا، فقد كبح جماح العدوان كثرة ضباط الشرطة والأمن ويقظتهم. ولكن القوم تقلبوا القمار على أنه عمل من أعمال الإنسان الطبيعية. ونظمت الحكومة يانصيباً في 1715. وافتتح أول نادٍ للقمار في 1638، وسرعان ما كثر عدد هذه الأندية العامة والخاصة التي تهرع إليها جميع الطبقات.




صفحة رقم : 13204




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية


وكان في استطاعة مهرة المقامرين المخادعين من أمثال كازانوفا أن يعيشوا على مكاسبهم من القمار، في حين يخسر غيرهم مدخرات عام بأكمله في ليلة واحدة. وكان المقامرون ينحنون على مائدة القمار في حب صامت أحر من عشق الناس. أما الحكومة فكانت تتفرج بعين الرضى (حتى1774)، لأنها فرضت الضرائب على أندية القمار وبلغ إيرادها السنوي منها نحو 300.000 جنيه(39).
وأقبل العاطلون والأغنياء من شتى الدول لينفقوا مدخراتهم أو سني شيخوختهم وسط الاسترخاء الخلقي والمرح المطلق في الميادين والقنوات. وخفت حمى السياسة بعد أن تخلا الجمهورية عن إمبراطوريتها. ولم يجرِ حديث الثورة هنا على أي لسان، فقد كان لكل طبقة عاداتها وتقاليدها العاملة على الاستقرار، واستغراقها في الواجبات التي تقبلتها، هذا فضلاً عن المسرات المتاحة لها. وكان الخدم طيعين أوفياء، ولكنهم لا يطيقون الإهانة أو الازدراء. وكان ملاحو الجندول فقراء، ولكنهم ملوك البحيرات، يقفون على زوارقهم المذهبة في فخر وثقة بمهارتهم الموروثة عن الأسلاف، أو يدورون حول المنحنيات وهم يصيحون صيحات قوية غريبة أو يدندنون بأغنية تصاحب تمايل أجسادهم، وإيقاع مجاديفهم.
واختلطت الجنسيات المختلفة الكثيرة في الميادين. واحتفظ كل منها بميزة من زي ولغة وتبذل، وظلت الطبقات العليا ترتدي ما ارتدته في عز أيام النهضة، من قمصان من أرق الكتان، وسراويل من المخمل، وجوارب حريرية، وأحذية ذات مشابك، ولكن البنادقة هم الذين أدخلوا إلى غربي أوربا في هذا القرن لباساً تركياً هو السراويل الطويلة (البنطولونات). وكانت الباروكة قد وفدت من فرنسا حوالي 1665. وعني المتأنقون من الشباب عناية بالغة بلباسهم وشعرهم ورائحتهم حتى لقد صعب تمييز جنسهم. أما النساء العصريات فقد رفعن فوق رؤوسهن أبراجاً عجيبة من الشعر المستعار أو الطبيعي. وكان الرجال والنساء جميعاً يشعرون كأنهم عراة إذا لم يتحلوا بالجواهر والحلي. وكانت المراوح تحفاً فنية، ترسم في تأنق،




صفحة رقم : 13205




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية


وكثيراً ما كانت تغشى بالأحجار الكريمة أو تحوي منظاراً لعين واحدة (مونوكل).
وكان لكل طبقة أنديتها، ولكل شارع مقهاه، يقول جولدوني "في إيطاليا نتناول عشرة أقداح من القهوة كل يوم"(40) وازدهرت كل ضروب الملاهي، من معارك الجوائز (Pugni) إلى المراقص التنكرية. وكلمة "بألوان" (Balloon) مشتقة من لعبة كانت تسمى باللوني Pallone-فيها تنطط كرة منفوخة براحة اليد. وكانت رياضة الماء تكرر بانتظام. فمنذ 1315 كان يقام سباق Rcgatta في 25 يناير على القناة الكبرى، بين زوارق تسير بخمسين مجدافاً وتزين كما تزين عرباتنا في المعارض، ويبلغ الاحتفال ذروته بلعبة بولو مائية ينقسم فيها مئات البنادقة إلى جماعات متصاحبة متنافسة. وكان الدوج في عيد الصعود يمخر عباب الماء في أبهة من "سان ماركو" إلى الليد وعلى متن سفينة الدولة الفاخرة الزينة المسماة "بوتشنتورو" بين مئات من السفن الأخرى ليزف البندقية إلى البحر من جديد.
واتخذت العطلات الكثيرة أسماء وذكريات القديسين والمناسبات السنوية التاريخية، لأن مجلس شيوخ البندقية وجد أن الخبر والسرك بديل مقبول عن الانتخابات. في مثل هذه المناسبات كانت المواكب البهية تنتقل من كنيسة إلى كنيسة ومن ميدان إلى ميدان، وكانت الأبسطة الزاهية الألوان، وأكاليل الزهر والحرائر تتدلى من النوافذ أو الشرفات على الطريق، وكان هناك موسيقى سهلة، وأغنية دينية أو غرامية، ورقص رشيق في الشوارع. وألف النبلاء الذين يختارون للمناصب المرموقة أن يحتفلوا بانتصاراتهم بالعروض، والأقواس، وتذكرات النصر، والمهرجانات، وأعمال البر التي تكلفهم أحياناً ثلاثين ألف دوقاتية. وكان كل عرس مهرجاناً، ومأتم الوجيه من القوم أفخم حدث في حياته.
ثم كان هناك الكرنفال-ذلك التراث المسيحي من "ساتورنالياً" روما والوثنية. وكانت الكنيسة والدولة تأملان أنهما إذا سمحتا بإجازة




صفحة رقم : 13206




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> الحياة الفينيتسية


من الأخلاق استطاعتا التخفيف بقية العام من التوتر القائم بين الجسد والوصية السادسة. وكان الكرنفال في إيطاليا عادة لا يستغرق إلا أسبوعاً واحداً هو الأسبوع السابق للصوم الكبير، وفي بندقية القرن الثامن عشر امتد من 26 ديسمبر أو 7 يناير إلى "الثلاثاء السمين" Mardi Gras-Martedi Grasso وربما اتخذ المهرجان اسمه من ذلك اليوم الأخير من الأيام التي سمح فيها بأكل اللحم Carne Vale أي وداعاً للحم. وكان البنادقة في كل ليلة تقريباً من أسابيع الشتاء تلك، والزوار المتجمعون من طول أوربا وعرضها-يتدفقون على الميادين، يرتدون ملابس فاقعة الألوان، ويخفون سنهم ورتبهم وشخصياتهم وراء الأقنعة. وفي ذلك التخفي هزأ الرجال والنساء بالقوانين، وراجت سوق البغايا، وتطايرت قطع الحلوى، وقذف البيض الصناعي هنا وهناك لينشر ماءه المعطر حين ينكسر. وكانت شخصيات بانتالوني، وارلكينو، وكوامبينو، وغيرها من الشخصيات المحببة من المسرح الكوميدي تتبختر وتثرثر لتسلي الجمع المحتشد، ورقصت الدمى، وبهر السائرون على الحبال مئات الأنفاس. وكانت تجلب الحيوانات الغريبة لهذه المناسبة، كوحيد القرن الذي شوهد أول مرة بالبندقية في مهرجانات 1751 وفي منتصف الليلة السابقة لأربعاء الرماد (Mercoledi Della Conoi) تدق أجراس كنيسة القديس مرقص الضخمة مؤذنة بانتهاء الكرنفال، هنا يعود المعربد المنهك إلى فراشه الحلال، وبعد نفسه للاستماع إلى القسيس يقول له في الغد: "Memento, Homo, Quia Puia Pulvis es et in Pulvcrem Redieris" "تذكر يا ابن آدم أنك تراب وإلى التراب تعود".




صفحة رقم : 13207




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي



7- فيفالدي


كانت البندقية ونابلي مركزي الموسيقى المتنافسين في إيطاليا. فاستمعت البندقية في مسارحها إلى ألف ومائتي أوبرا مختلفة في القرن الثامن عشر. هناك خاضت أشهر كواكب الغناء في ذلك العصر، فرانشسكا كوتزوني




صفحة رقم : 13208




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي


وقاوستينا بوردوني، معاركهما المشجية في سبيل التفوق، وكانت كل منهما تهز العالم من خشبة المسرح. فأما كوتزوني فكانت تغني أمام فارينللي في مسرح، وأما بوردوني فأمام برناكي في مسرح آخر، وانقسمت البندقية بأسرها بين المعجبين بهؤلاء المغنين. ول قد غنى أربعتهم معاً لذابت ملكة الأدرياتيكي طرباً في بحيراتها.
ومقابل قلاع الأوبرا والبهجة هذه قامت الملاجئ الأربعة Ospedali التي رعت فيها البندقية بعض فتياتها اليتيمات أو غير الشرعيات. ورغبة في شغل هؤلاء الأطفال المشردات وإضفاء المغزى على حياتهن كن يدربن على الموسيقى الصوتية والآلية، وعلى الغناء في فرق الإرشاد، وإحياء الحفلات الموسيقية العامة من خلف حواجز ذات قضبان كحواجز الأديرة. وقد قال روسو أنه لم يسمع في حياته شيئاً أثر فيه كأصواتهن الرقيقة وهن يغنين في إيقاع مدرب(41)، وذكر جوته أنه لم يسمع قط سوبرانو بهذا الإتقان، أو موسيقى "لها هذا الجمال الذي لا يوصف(42)". وكان يعلم في هذه المعاهد نفر من أعظم الملحنين الإيطاليين ويؤلفون لها الموسيقى، ويفودون حفلاتها، أمثال مونتيفردي، وكافاللي، ولوتي، وجالوبي، ويوريورا، وفيفالدي...
واتجهت البندقية إلى مدن إيطاليا، وأحياناً النمسا وألمانيا، لتزود مسارحها بالأوبرات وتمد ملاجئها وأوركستراتها وعازفيها المهرة بالموسيقى الصوتية والآلية. وكانت هي ذاتها الأم أو الحاضنة لانطونيو لوتي، عازف الأرغن ثم رئيس فرقة المرتلين في كنيسة القديس مرقص، ومؤلف أوبرات غير ذات بال، ولكنه أيضاً ملحن قداس ذرفت له عينا بيرني البرتستانتي، ولبلدا ساري جالوبي الذي اشتهر بأوبراته الهازلة وببهاء الحانه الأوبرالية ورقتها، ولألساندور مارتشيللو الذي تتبوأ كونشرتاته مقاماً عالياً في مؤلفات عصره الموسيقية، وأخيه الأصغر بنديتو الذي قيل عن تلحينه لخمسين مزموراً أنه "من أبدع المؤلفات الموسيقية قاطبة(43) ولانطونيو فيفالدي".




صفحة رقم : 13209




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي


ولقد كان استماع بعضنا لكونشرتو من تأليف فيفالدي أول مرة مفاجأة أشعرتنا بالخزي. فلم جهلناه طوال هذا الزمن؟ هنا انسياب جليل للنغم، وتموجات ضاحكة من اللحن، ووحدة في البناء وتماسك للأجزاء كان خليقاً بأن يكسب هذا الرجل مدخلاً أسبق من هذا إلى علمنا، ومكاناً أرفع في تواريخنا الموسيقية .
ولد حوالي 1678 لعازف فيولينة في أوركسترا مصلى الدوجات بكاتدرائية القديس مرقص. وعلمه أبوه الفيولينة؛ وحصل له على وظيفة في الأوركسترا. وفي الخامسة عشرة كرس تكريساً مبدئياً للدين، وفي الخامسة والعشرين أصبح قسيساً ولقب "البريتي روسو" لحمرة شعره. ولعل ولعه بالموسيقى تعارض مع واجباته الكهنوتية. وقال الأعداء إنه "ذات يوم بينما كان فيفالدي يتلو القداس، خطر له موضوع يصلح لفوجه، وللتو غادر المذبح...وذهب إلى غرفة المقدسات والملابس ليدون الموضوع، ثم عاد ليكمل القداس(44)". واتهمه قاصد بابوي بأنه يحتفظ بعدة نساء، وأخيراً نهاه ديوان التفتيش (كما زعموا) عن تلاوة القداس. وقد روى انطونيو في سنوات لاحقة قصة تختلف عن هذه تمام الاختلاف. وقال:
"كانت آخر مرة تلوت فيها القداس منذ خمسة وعشرون عاماً، لا بسبب منعي من تلاوته...ولكن بناء على قرار مني اتخذته بسبب علة أرهقتني منذ ولادتي. فبعد أن رسمت قسيساً كنت أتلو القداس عاماً أو أكثر بقليل، ثم توقفت عن تلاوته لأن هذا المرض اضطرني ثلاث مرات إلى مغادرة المذبح دون أن أتمه.




صفحة رقم : 13210




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي


"ولهذا السبب ذاته أقضي وقتي كله تقريباً في بيتي ولا أبرحه إلا راكباً زورقاً أو عربة لأنني لم أعد قادراً على المشي بسبب حالة الصدر التي أعانيها، أو على الأصح شعور الضيق والتوتر في صدري (Strettzza di Petto) وربما كانت هي (الربو) ولا يدعوني أي نبيل لبيته، لا ولا حتى أميرنا، لأن الجميع عليمون بمرضي، وقد كانت أسفاري دائماً غالية النفقة جداً لأنني كنت مضطراً دائماً أن أصحب معي أثناءها أربع نساء أو خمساً ليساعدنني. "ثم أضاف أن هؤلاء النسوة كن نقيات السيرة" يسلم الناس في كل مكان بعفتهن..وكن يؤدين الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع(45)".
على أنه حتى لو شاء لما استطاع أن تغلب الخلاعة على خلقه لأن معهد الموسيقى الملحق بالملجأ الديني احتفظ به طوال سبعة وثلاثين عاماً عازفاً للفيولينة ومعلماً وملحناً أو رئيس للكورس. وقد لحن لتلميذه البنات معظم أعماله غير الأبورالية. وتكاثرت الطلبات عليه، ومن ثم كان يكتب في عجلة ثم يصحح فيما يتاح له من فراغ، وقد أخبر دبروس أن في استطاعته أن "يلحن الكونشرتو بأسرع مما يستطيع ناسخ أن ينسخه(46)". وبالمثل كانت أوبراته تلحن على عجل، وقد سجلت إحداها على صفحة الغلاف عبارة تشي بالفخر (أو الاعتذار) هي (Fatto in Cinque Giorni) كتبت في خمسة أيام. وقد وفر الوقت كما وفره هندل بالاستعارة من نفسه، فأقتبس من موسيقاه القديمة ما يلبي حاجاته الحاضرة.
وفي فترات فراغه من عمله في الملجأ ألف أربعين أوبرا. واتفق كثير من معاصريه مع تارتيني على أنها متوسطة الجودة، وقد سخر منها بنديتو مارتشيللو في (تياترو على الموضة) ولكن جماهير النظارة في البندقية، وفتشنتسا، ومانتوا، وفلورنسة، وميلان، وفيينا، رحبوا به، وكثيراً ما كان فيفالدي يترك بناته ليسافر مع نسائه مخترقاً شمالي إيطاليا، بل حتى إلى فيينا وأمستردام ليعزف الفيولينة أو ليقود إحدى أوبراته أو ليشرف على إخراجها وديكورها. وأوبراته الآن ميتة، ولكن هذا مصير معظم




صفحة رقم : 13211




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي


الأوبرات التي ألفت قبل جلوك. فقد تغيرت الأساليب والعادات والأبطال، والأصوات، والجنسان.
ويعرف التاريخ 554 من مؤلفات فيفالدي، منها 454 كونشرتو. وقد قال ناقد ماكر أن فيفالدي لك يكتب ستمائة كونشرتو، بل هو كونشرتو واحد أعاده ستمائة مرة(47). ويبدو الأمر كذلك أحياناً. ففي هذه القطع قدر كبير من نشر الأوتار ونغمات الأرغن اليدوي المتصلة، وقياس للوقت أشبه بحركات البندول، لا أننا نجد حتى في السلسلة الشهيرة المسماة (الفصول) (1725) صحارى من الرتابة، ولكن فيها أيضاً قمماً من الحيوية المشبوبة والعواصف القارصة؛ وواحات من الصراع الدرامي بين العازفين المنفردين والأوركسترا؛ وجداول سائغة من الألحان. في قطع كهذه(48)، أبلغ فيفالدي الكونشرتو الكبير مكانة ممتازة لا سبق لها ولا يبزها إلا باخ وهيندل.
وكان فيفالدي يعاني كمعظم الفنانين من الحساسية التي غذت عبقريته. وقد عكست قوة موسيقاه طبعه الناري، وعكست رقة نغماته تقواه. فلما تقدم به العمر استغرق في واجباته الدينية حتى لقد وصفته رواية مبالغة بها لا يترك مسبحته إلا ليلحن(49). وفي 1740 فقد وظيفته في الملجأ الديني أو استقال منها، ولأسباب نجهلها الآن نزح من البندقية إلى فيينا. ولا نعرف المزيد عنه؛ اللهم إلا أنه مات هناك بعد سنة ودفن كما يدفن فقراء الناس.
ومر موته دون ان تلحظه الصحف الإيطالية، لأن البندقية كانت قد كفت عن الاهتمام بموسيقاه، ولم يقدره أحد قدراً يقرب من قمة فنه لا في وطنه ولا في جيله. على أن مؤلفاته لقيت الترحيب في ألمانيا. فاستورد كوانتسي الذي كان عازفاً للفلوت وملحناً لفردريك الأكبر؛ كونشرتات فيفالدي؛ وقبلها بصراحة نماذج تحتذى. واشتد إعجاب باخ بها حتى نقل تسعة منها على الأقل للهاربسكورد، وأربعة للأرغن، وواحداً




صفحة رقم : 13212




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> فيفالدي


لأربعة هاربسكوردات ومجموعة وتريات(50). وواضح أن باخ أخذ عن فيفالدي وكوريللي البناء الثلاثي لكونشرتاته.
وكاد فيفالدي أن يكون نسياً منسياً طوال التاسع عشر إلا من الدارسين الذين تتبعوا تطور باخ. ثم رده إلى مكان مرموق في 1905 أرنولد شيرنج في كتابه "تاريخ الكونسيرات الآلية"؛ وفي عشرينات القرن العشرين دافع أرتورو توسكانيني عن قضية فيفالدي بكل عواطفه ومكانته. واليوم يحتل "القسيس الأحمر" مؤقتاً أرفع مكان بين الملحنين الإيطاليين في القرن الثامن عشر.




صفحة رقم : 13213




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ذكريات



8- ذكريات


من صيف الفن البندق المؤذن بالأفول يبرز نحو اثني عشر مصوراً ويلتمسون أن نذكرهم. ونكتفي هنا بتحية نقرئها حباً مبتستا بيوتي، الذي لم ترفع البندقية فوقه غير تيبولو وبيتا تسيتا، ويأكوبو آميجوني الذي أورث بوشيه أسلوبه الشهواني؛ وجوفاني أنطونيو باللجريني، الذي حمل ألوانه إلى إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وهو الذي زين قلعة كمبرلتز، وقلعة هوارد، وبنك فرنسا. وألفت للنظر من هؤلاء ماركو ريتشي لأنه قتل أحد النقاد ثم انتحر. ففي عام 1699، حين كان في الثالثة والعشرين، طعن ملاح جندول استخف بصوره طعنات قضت عليه، ثم فرالي دلمماشيا، وأغرم بمشاهدها الطبيعية، وبلغ من حذقه في التقاطها بألوانه أن غفرت له البندقية جريمته وهللت له كأنه تنتوريتو مبعوثاً من جديد. وصحبه عمه سبستيانو ريتشي إلى لندن، حيث تعاون على تصوير مقبرة دوق ويفونشير. وكان ككثيرين من فناني القرنين السابع عشر والثامن عشر يجب أن يرسم الأطلال الحقيقية أو الخيالية ولا ينسى في ذلك نفسه. وفي 1729، وبعد عدة محاولات، أفلح في الانتحار. وفي 1733 بيعت إحدى لوحاته بخمسمائة دولار؛ وفي 1963 بيعت من جديد بتسعين ألف دولار(51)، وهو ما بين مبلغ تقدير قيمة الفن وهبوط قيمة النقود.




صفحة رقم : 13214




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ذكريات


وتأمل شخصية روزاليا كارييرا أدعى إلى السرور. فقد بدأت حياتها العملية برسم نماذج للمخرمات الفينيسية Point de Venise؛ ثم رسمت علب السعوط (كما فعل رينوار الصغير) ثم المنمنمات، وأخيراً وجدت في ألوان الباستيل قمة تفوقها. ولم يحل عام 1709 حتى كانت قد اكتسبت من الشهرة ما جعل فردريك الرابع ملك الدنمرك يدعوها حين اعتلى العرش ليختارها لترسم له لوحات الباستيل تمثل أجمل سيدات البندقية أو أبعدهن صيتا. وفي 1720 دعاها إلى باريس بيير كروزا جامع التحف المليونير. وهناك لقيت من الترحيب والحفاوة ما لم يلقه فنان أجنبي آخر منذ بريتني. وكتب الشعراء فيها الصونيتات؛ وزارها الوصي فليب أورليان، وصورها فاتو، وصورته هي، وجلس إليها لويس الخامس عشر لتصوره؛ وانتخبت عضواً في أكاديمية التصوير؛ وقدمت لوحة الدبلوم "ربة الفن" المعروضة في اللوفر. وبدا للناس كأن روح الروكوك قد تجسدت فيها.
وفي 1730ذهبت إلى فيينا، حيث رسمت صوراً بالباستيل لشارل السادس؛ وإمبراطورته، والأرشيدوقة ماريا تريزا. فلما عادت إلى البندقية واستغرقت في فنها استغراقاً أنساها أن تتزوج. وفي أكاديمية البندقية ملء حجرة من اللوحات التي رسمتها، وفي قاعة الفنون يدرسن157، معظمها يتميز بالوجوه الوردية، والخلفيات الزرقاء، والبراءة المشرقة، ورقة الوجوه ذات الغمزات؛ بل أنها حين رسمت هوراس وليول(52)، جعلته يبدو كأنه فتاة. وكانت ترضي غرور كل من يجلس إليها لتصوره إلا نفسها، وصورتها الذاتية المعلقة في قلعة وندزر تظهرها في سنيها الأخيرة وقد أبيض شعرها وشابها شيء من الاكتئاب كأنها تتوقع أن يكف بصرها بعد قليل. وقد اضطر طوال الأعوام الأثني عشر الأخيرة من عمرها البالغ اثنين وثمانين عاماً محرومة من النور واللون اللذين كانا لها بمثابة رحيق الحياة. وقد تركت بصمتها على فن جيلها: ولعل لاتور قد أستلهم الحرارة منها، وتذكر جرو تمثيلها لشباب النساء في صورة مثالية؛ وانحدرت ألوانها الوردية-الحياة بلون الورد-إلى بوشيه ورنوار.




صفحة رقم : 13215




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ذكريات


أما جوفاني باتستا بياتسيتا فكان فناناً أعظم يسمو فوق العواطف الهشة ويحتقر الزخرف ولا يسعى وراء إرضاء الجمهور بقدر سعيه إلى تذليل صعاب صناعته والتمسك بأرفع تقاليدها. وتبين زملاءه الفنانون هذه النزعة فيه، ومع أن تيبولو كان له فضل السبق في تأسيس أكاديمية البندقية للتصوير والنحت (1750)، فإن بياتسيتا هو الذي اختاروه أول رئيس لها. ولوحته المسماة "رفقة عند البئر"(53) جديرة بتتسيانو، وهي أقل حتى من تتيسيانو اكتراثاً بمفاهيم الجمال المتعارف عليها. واللوحة تكشف من جسد رفقة قدراً يكفي لإثارة غريزة المتوحش، ولكن وجهها الهولندي وأنفها الأفطس لم يصورا لينتشي بهما الإيطاليون. فالذي يثير عواطفنا هنا هو الرجل، إنه شخصية بفن النهضة: وجه قوي، ولحية ملمعة وقبعة ذات ريش وومضة إغراء ماكر في عينيه. واللوحة كلها آية من آيات اللون والنسيج والتصميم، وقد تميز بياتسيتا بأنه كان أكثر المصورين البنادقة احتراماً في جيله، وأنه مات أفقرهم جميعاً.
وأشهر منه أنطونيو كانالي، الملقب كاناليتو، لأن نصف العالم يعرف البندقية بفضل مناظره Vedute. أما إنجلترا فعرفته دماً ولحماً. وقد نهج حيناً نهج أبيه الذي امتهن رسم المناظر للمسارح، ثم درس العمارة في روما، فلما عاد إلى البندقية طبق الفرجار والزاوية على رسمه، وجعل العمارة ملمحاً من ملامح صوره. وفي هذه الصور عرفنا ملكة الأدرياتك كما كانت تبدو في النصف الأول من القرن الثامن عشر. ونلحظ من لوحة باتشينودي سان ماركو Baccino بحرية القديس مرقص(54) مبلغ ازدحام البحيرة الكبرى بالمراكب، ونبصر سباق الزوارق Regatta على القناة الكبرى(55) ونرى أن الحياة كانت زاخرة مشوبة شأنها من قبل دائماً، ويبهجنا أن نجد "جسر الريالتو"(56) وميدان القديس مرقص(57) والميدان الصغير(58) وقصر الأدواج(59) وكنيسة سانتا ماريا ديللا سالوتا(60) كما نجدها اليوم تقريباً، إذا استثنينا البرج الذي أعيد بناؤه. وصور كهذه هي التي احتاج إليها السياح في الشمال الملبد بالغيوم ليذكروا في عرفان شمس البندقية الشديدة




صفحة رقم : 13216




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> ذكريات


الصفاء وسحرها الفتان. وقد اشتروا هذه الصور ودفعوا أثمانها ثم حملوا هذه التذكارات إلى بلادهم، وسرعان ما طالبت إنجلترا بكاناليتو نفسه. فذهب إليها في 1746 ورسم مناظر مستفيضة لهواً يتهول(61)، "ونهر التيمز من قصر رتشموند"، واللوحة الأخيرة بجمعها المدهش بين الاتساع والتناسب والتفصيل هي تحفة كاناليتو الرائعة الصفاء وسحرها الفتان. وقد اشتروا هذه الصور ودفعوا أثمانها ثم حملوا هذه التذكارات إلى بلادهم، وسرعان ما طالبت إنجلترا بكاناليتو نفسه. فذهب إليها في 1746 ورسم مناظر مستفيضة لهوا يتهول(61)، "ونهر التيمز من قصر رتشموند"، واللوحة الأخيرة بجمعها المدهش بين الاتساع والتناسب والتفصيل هي تحفة كاناليتو الرائعة. ولم يعد إلى البندقية إلا في 1755. وظل هناك عاكفاً بهمة على عمله حتى عام 1766 حين كان قد بلغ التاسعة والستين. وقد كتب بفخر على لوحته داخل كاتدرائية القديس مرقص هذه العبارة "رسمت بدون منظار".(62) وقد أسلم أسلوبه في القياس الدقيق إلى ابن أخيه برناردو بللوتو كاناليتو، وولعه بالمناظر إلى "تلميذه الطبيب" فرانشسكو جواردي الذي ستلتقي به ثانية.
وكما أبرز كاناليتو المنظر الخارجي للمدينة الفخمة، كشف بييترو لنجي عن الحياة داخل جدرانها باستخدامه أسلوب تصوير مناظر الحياة اليومية في رسم الطبقة الوسطى. فالسيد التي تتناول فطورها في ثوبها الفضفاض الطويل، والأب الراهب يعلم ابنها، وابنتها الصغيرة تدلل كلباً لعبة، والخياط يعرض فستاناً، ومعلم الرقص يدرب السيدة على خطوات المنويت، والأطفال وعينهم تحملق معرض للوحوش، الصبايا يمرحن في لعبة "الأستغماية" (الغميضة)، والتجارة في حوانتيهم، والمتنكرون بالأقنعة في الكرنفال، والمسارح، والمقاهي، "والجمعيات" الأدبية، والشعراء يتلون أشعارهم، ودجاجلة الطب، وقارئات البخت، وباعة السجق والبرقوق، والتمشي في اليدان، وفريق القنص، وجماعة صيد السمك، والأسرة في عطلتها: كل نشاط برجوازي يستحق الذكر هناك، وفي إفاضة، تفوق حتى ما في كوميديات جولدوني، صديقي لونجي. إنه ليس فناً عظيماً، ولكنه فن يشرح الصدر، ويرينا مجتمعاً أكثر نظاماً وتهذيباً مما كنا نتصوره من أرستقراطي أندية القمار أو أعمال شحن السفن وتفريغها الشتامين السبابين.




صفحة رقم : 13217




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> تيبولو



9- تيبولو


أما البندقي الذي أوهم أوربا لحظة أن النهضة قد عادت فهو جامباتستا تيبولو. ومن المشاهد المألوفة في أي يوم من أيام الصيف أن ترى موكباً من الطلاب والسياح يدخلون مسكن أسقف فورتسبورخ ليرى بيت السلم والسقف اللذين رسم تيبولو صورهما الجصية في 1750-53، هذه الصور هي قمة التصوير الإيطالي في القرن الثامن عشر. أو تأمل لوحة "الثالوث يظهر للقديس كلمنت" في متحف الفن القومي بلندن، ولاحظ تكوينها البارع، ورسمها الدقيق، وتناولها الحاذق للضوء، وعمق لونها وتوهجه، أليس هذا قريباً لفن تتسيانو؟ ربما، ولولا أن تيبولو قد طوف كثيراً لكان واحداً من عمالقة التصوير.
أو لعل ثراءه هو الذي عوقه. ذلك أنه كان آخر طفل لتاجر بندقي غني خلف ثروة كبيرة عند وفاته. وما لبث جان، الذي كان وسيماً ذكياً مرحاً "أن اكتسب الازدراء الأرستقراطي لكل ما هو شعبي"(63). وفي 1719 حين بلغ الثالثة والعشرين تزوج تشيشيليا أخت فرانشسكو جورادي، فولدت له أربع بنات وخمسة أولاد، أصبح اثنان منهم مصورين وعاشوا جميعاً في بين أنيق في أبرشية سانتا ترينيتا. وكانت موهبته قد تفتحت. ففي 1716 عرض لوحة "تضحية أسحق"(64)، وهي لوحة فجة، ولكنها قوية، ووضح أنه كان في تلك الحقبة متأثراً بفن بياتيستا. وقد درس فيرونيزي أيضاً، واتخذ أسلوب باولي في الملابس الفخمة والألوان الدافئة والخطوط الشهوانية تيبولو مواضيعه من قصة إبراهيم، ولكن التناول لم يكن كتابياً تماماً. فوجه سارة المنبعث من طوق مكشكش من أطواق عصر النهضة، هو غضون وتجاعيد تكشف عن سنين أثريتين، ولكن الملاك رياضي إيطالي له ساق فاتنة. ويبدو أن تيبولو أحس أن في استطاعته، في قرن بدأ يسخر من الملائكة والمعجزات، أن يسمح لمزاجه باللهو بالتقاليد المبجلة، وقد أتاح له رئيس الأساقفة اللطيف هذا اللهو. ولكن كان على الفنان




صفحة رقم : 13218




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> تيبولو


أن يكون حذراً، لأن الكنيسة لم تزل يومها من أهم مصادر تميل المصورين في العالم الكاثوليكي.
أما المصدر الآخر فكان العلمانيين أصحاب القصور التي يراد تزيينها بالصور. وقد روى جان في قصر كازالي-دونياني بميلان (1731) قصة سكبيو بالصور الجصية. ولم تكن هذه الصور معبرة عن فن تيبولو النموذجي، لأنه لم يكن بعد قد شكل أسلوبه المتميز، أسلوب الأشخاص الذين يتحركون في يسر وانطلاق في حيز غير محدد، ولكنها دلت على براعة أثارت ضجة في شمالي إيطاليا. ولم يحل عام 1740 حتى اهتدى إلى موطن النبوغ في فته، وأنجز ما أعتبره البعض(65) رائعته الكبرى-وهي سقف قصر كليرنتي بميلان وبهو ولائمه. واختار لهذه الرائعة مطايا لخياله "أركان الأرض الأربعة" و "مسيرة الشمس" و "أبوللو والآلهة الوثنية" وأسعده أن يترك عالم الأساطير المسيحية الكابي ويمرح على قمم أولمب حيث يستطيع استخدام الآلهة اليونانية الرومانية شخوصاً في عالم متحرر من قوانين الحركة وأغلال الجاذبية بل من قواعد الرسم الأكاديمية. لقد كان في صميمه وثنياً كأكثر الفنانين الذين يذوب قاموسهم الأدبي في حرارة مشاعره، ثم أن الجسم الجميل قد يكون نتاج روح قوية العزيمة قادرة على التشكيل. ومن ثم يكون هو ذاته واقعياً روحياً. وراح تيبولو الآن يطلق من جعبته على مدى ثلاثين عاماً أرباباً وربات رافلين في غلائل من الشاش، عراة في غير اكتراث، يسرحون ويمرحون في الفضاء، أو يطارد بعضهم بعضاً بين الكواكب أو يتطارحون الغرام على وسادة من السحب.
فلما قفل إلى البندقية عاد إلى المسيحية، وكفرت صوره الدينية عن أساطيره الوثنية. فرسم لمدرسة سان روكو لوحة قماشية سماها "هاجر وإسماعيل" يلفت النظر فيها جمال الطفل النائم. وفي كنيسة الجزواتي التي سماها الدومينكان من جديد كنيسة "سانتا ماريا ديل روزاريو" رسم لوحة "تأسيس التسبحة" ورسم لمدرسة الرهبان الكرمليين "عذراء جبل الكرمل" وكادت هذه الصورة تضارع تتسيانو "البشارة". ورسم لكنيسة القديس الفيزي ثلاث




صفحة رقم : 13219




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> تيبولو


صور، إحداها المسماة "المسيح حاملاً الصليب" تزدحم بشخوص قوية صورت تصويراً نابضاً بالحياة. وهكذا سدد تيبولو دينه لعقيدة وطنه.
على أن خياله كان أكثر تحرراً على جدران القصور. ففي قصر بربارو رسم "تمجيد فرانشسكو بربارو"-واللوحة الآن في متحف لمتربوليتا للفنون بنيويورك. ورسم لقصر الأدواج لوحة "نبتون يقدم لفينوس خيرات البحر". وقد لقصر بابا دوبولي لقطتين مبهجتين للبندقية في الكرنفال-"المنويته" و"المشعوذ". ثم توج كل صور القصور التي رسمها في البندقية بزخرفة قصر لابيا بصور جصية تحكي قصة أنطونيوس وكليوباترة في مشاهد بهية نفذت تنفيذاً رائعاً. ورسم زميل له يدعى جيرولامو منجوتسي كولونا الخلفيات المعمارية في فورة من بهاء الطراز البلاديوي. فعلى جدار ترى لقاء الحاكمين، وعلى الجدار المقابل وليمتهما، وعلى السقف حشد جامع من شخوص طائرة تمثل بيجاسوس، والزمن، والجمال، والرياح التي تثيرها عفاريت نفاخة مرحة. وفي لوحة "اللقاء" تهبط كليوباترة من زورقها في ثياب تبهر الأبصار، تكشف عن صدر ناهد لتفتن حاكماً مرهقاً في الحكومة الثلاثية، حتى من هذه تسقط كليوباترة لؤلؤة غالية الثمن في خمرها، ويؤخذ أنطونيوس بهذا الثراء الذي لا يعبأ بشيء. وعلى شرفة يعزف الموسيقيون قياثيرهم ليضاعفوا الخطر مرتين والثمل ثلاثاً، وهذه الرائعة التي تذكر بفيرونيزي وتنافسه كانت إحدى الصور التي نسخها رينولدز في 1752.
هذا الإنتاج الذي تميز بالأسلوب الفخم رفع تيبولو إلى قمة ترى من وراء الألب. فأذاع الكونت فرانشكو الجاروتي صديق فردريك وفولتير اسمه في أوربا. وفي تاريخ مبكر (1736) أبلغ الوزير السويدي في البندقية حكومته أن تيبولو هو أصلح رجل يرسم القصر الملكي في استوكهولم، "كله ذكاءً وغيرة". سهل المعاملة، يتدفق أفكاراً، موهوب في اختبار الألوان الساطعة، سريع في عمله سرعة خارقة يرسم صورة في زمن يقل




صفحة رقم : 13220




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> تيبولو


عما يستغرقه مصور آخر في مزج ألوانه(66)". وكانت استوكهولم آنذاك مدينة جميلة ولكنها بدت بعيدة جداً.
وفي 1750 جاءته دعوة أقرب، فقد طلب إليه كارل فيليب فون جرايفنكلاو أمير فورتسبرج الأسقف أن يرسم صوراً للقاعة الإمبراطورية لقصر الإداري الذي بناه مؤخراً. وأغرى الأجر المعروض بإلحاح الفنان المسن. فلما وصل في ديسمبر بصحبة ابنيه دمونيكو البالغ أربعة وعشرين عاماً ولورنتسو ذي الأربعة عشرة وجد تحدياً لم يتوقعه في بهاء قاعة القصر التي صممها بلتازار نويمان. فأني لأي صورة العين وسط ذلك الضياء الباهر؟ وكان نجاح تيبولو هنا القمة التي توجت عمله. فقد رسم على الجدران قصة الإمبراطور فردريك ببروسيا (الذي كان قد ذهب في لقاء مع بياتريس أميرة برجنديا في فورتسبرج (1156) وعلى السقف رسم "أبوللو مصطحباً العروس"؛ هناك راح يصول ويجول في مهرجان من الخيول البيضاء والأرباب المرحين والضياء يتألق فوق ملائكة تطفوا وغيوم شفافة. وعلى منحدر من السقف رسم "الزفاف": وجوه مليحة؛ وأجسام مهيبة، وأغطية وأستار مزدانة بالزهر؛ وأثواب تذكر بالبندقية أيام فيرونيزي لا بالطرز الوسيطة. وأنشرح صدر الأسقف فوسع العقد ليحتوي سقف بيت السلم الكبير ونقوش مذبحين لكاتدرائية. وعلى طريق السلم الفخم رسم تيبولو القارات وجبل أولمب-مرتع خياله السعيد-وصورة رائعة لابوللو إله الشمس يجوب السماوات.
وقفل جامباتستا إلى البندقية (1753) غنياً مرهقاً، وترك دمنيكو ليكمل المهمة في فورتسبرج. وما لبث أن انتخب رئيساً للأكاديمية. وكان فيه لطف في الطبع جعل حتى منافسيه مولعين به، فلقبوه (تيبوللو الطيب). ولم يستطع مقاومة جميع المطالب التي تكاثرت على وقته المتضائل، فنحن نجده يرسم في البندقية، وترفيزو؛ وفيرونا، وبارما، فضلاً عن لوحة قماشية كبيرة طلبها "بلاط موسكوفيا". وما كنا لننتظر منه في هذه الحالة أن ينتج عملاً كبير آخر له ولكنه في 1757. حين كان في الحادية




صفحة رقم : 13221




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> تيبولو


والستين، اضطلع برسم صور فيلا فالمارانا قرب فيتشنتسا. ورسم منجوتسي كولونا الإطار المعماري ووقع دمنيكو على بع الصور من المضيفة، أما جامباتستا فقد نشر ألوان فرشاته في الفيلا ذاتها. وأختار موضوعات من ملاحم الألياذة، والأنياذة، وأورلندو الغاضب، والقدس المحررة، وأطلق العنان لخداعيته المرحة فتاه اللون في الضوء، والمكان في اللانهاية، وترك أربابه ورباته يطفون على هواهم في جنة سمت فوق كل الشواغل والأزمان.وقد أخذ العجب جوته وهو يتأمل هذه الصور الخصبة فقال في دهشة:
"غاية في البهجة والجرأة"، وكانت هذه آخر انتصار مثير لتيبولو في إيطاليا.
وفي 1761 طلب إليه شارل الثالث ملك أسبانيا أن يحضر ويرسم صوراً في القصر الملكي الجديد بمدريد. وأعتذر هذا التتسيانو المتعب بشيخوخته؛ ولكن الملك رجا مجلس شيوخ البندقية أن يستعمل نفوذه. فانطلق على مضض مرة أخرى مع ولدية الوفيين ونموذجه كرستينا؛ تاركاً زوجته مرة أخرى لأنها كانت تحب كازينوات البندقية. وسوف نلقاه راكباً سقالة الرسم في أسبانيا.




صفحة رقم : 13222




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي



10- جولدوني وجوتسي


يبرز في أدب البندقية في هذا العصر أربعة أشخاص كل اثنين منهم معاً: أبوستولو تسينو وبييترو متاستازيو وكلاهما كاتب نصوص لأوبرات كانت شعراً؛ ثم كارلو جولدوني وكارلو جوتسي اللذان اقتتلا ليحلا محل الكوميديا البندقية كوميديا أصبحت مأساة جولدوني. وقد كتب جولدوني عن الاثنين الأولين يقول:
"لقد أثر هذان المشهوران في إصلاح الأوبرا الإيطالية. فقبل مجيئهما لم يكن غير الأرباب والشياطين والآلات والعجائب في هذه الملاهي المنغمة. وكانت تسينو أول من فكر في إمكان تمثيل المأساة بشعر




صفحة رقم : 13223




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


غنائي دون ابتذال، وإنشادها دون أن يرهق الإنشاد السامعين. وقد أنفذ فكرته بطريقة رضي عنها الجمهور رضاء عظيماً، مما حقق له ولأمته مفخرة كبرى(67)".
وحمل تسينو إصلاحاته إلى فيينا في 1718، ثم اعتزل راضياً ليخلى الجو لمتاستازيو في 1730 وعاد إلى البندقية وعشرين عاماً من السلام. أما متاستازيو فقد لعب دور راسين لكورنيي تسينو كما قال جولدوني، فأضاف الصقل إلى القوة، وارتفع بالشعر الأوبرالي إلى قمة لم يرتفع إليها من قبل. وقد وضعه فولتير في مصاف كبار الشعراء الفرنسيين؛ وعده روسو الشاعر المعاصر الوحيد الذي يصل شعره إلى القلب. واسمه الأصلي بييترو تراباسي (بيتر كروس). وقد سمعه ناقد مسرحي يدعى جان فنتشنتو جرافيا يغني في الشوارع؛ فتبناه؛ وسماه من جديد متاستازيو (وهو المقابل اليوناني لتراباسي). وأنفق على تعليمه: وخلف له ثروة عند مماته. وراح بييترو يبدد هذه الثروة في غير تحرج، ثم تعاقد مع محامٍ فرض علي شرطاً هو ألا يقرأ أو يكتب بيتاً واحداً من الشعر. ومن ثم أخذ يكتب تحت اسم مستعار.
وفي نابلي طلب إليه المبعوث النمساوي أن يكتب غنائيات لكنتاتا؛ وألف بوريورا الموسيقى، وغنت الدور الرئيسي ماريانا بورلجاريللي المشهورة يومها باسم لارومانينا، وسار كل شيء على ما يرام. ودعت المغنية الكبرى الشاعر إلى صالونها، وهناك التقى بليو وفنتشي وبرجوليزي وفارينللي وهاشي والساندرو ودمنيكون سكارلاتي؛ وتطور متاستازيو سريعاً في تلك الصحبة المثيرة. ووقعت لارومانينا في غرامه وكانت في الخامسة والثلاثين أما هو ففي الثالثة والعشرين. وخلصته من شباك المحاماة وأخذته رفيقاً مع زوجها الكيس المتسامح؛ وأوحت إليه بكتابة أشهر نصوصه "Didone Abandonata ديدوني المهجورة" التي لحنها إثنا عشر ملحناً متعاقباً بين 1724 و 1823. وفي 1726 كتب "سيروي" لحبيبته وبنى عليها فنتشي وهاشي وهندل أوبرات مستقلة. وأصبح متاستازيو الآن أكثر النصوص رواجاً في أوربا.




صفحة رقم : 13224




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


وفي 1730 قبل دعوة إلى فيينا وترك لارومانينا. وحاولت أن تلحق به. وخاف أن يعرضه وجودها للفضيحة، فحصل على أمر بمنعها من دخول الأراضي الإمبراطورية فطعنت صدرها محاولة الانتحار، وأخفق هذا الجهد الذي بذلته لتلعب دور ديدو؛ ولكنها لم تعش أكثر من أربع سنين أخرى.
وعند موتها خلفت لأينياسها الخائن كل ثروتها. ولكن متاستازيو رفض قبول التركة متأثراً بتأنيب ضميره ونزل عنها لزوجها. وكتب يقول "لم يعد لي أي أمل أن أوفق إلى السلوى. واعتقد أن ما بقي لي من عمري سيكون حزيناً لا لذة فيه"(67). وكان يستمع بالنصر تلو النصر في حزن حتى تقطعت حرب الوراثة النمساوية عروض الأوبرا في فيينا. وبعد 1750 كان يكرر نفسه دون هدف. لقد استهلك الحياة قبل موته (1782) بثلاثين عام.
طردت أوبرا الدراما التراجيدية من المسرح الإيطالي كما تنبأ فولتير من قبل وتركه للكوميديا. ولكن الكوميديا الإيطالية كانت تسيطر عليه الكوميديا ديللارتي-وهي مسرحية الحديث المرتجل والأقنعة المميزة. وكانت معظم الشخوص قد تقويت منذ زمن طويل: بنتالوني البرجوازي الطيب ذو السراويل، وتارتاجليا الخادم النابوليتاتي المتهته، وبريجيللا الدساس الساذج الذي يقع في شرك دسائسة، وتروفالدينو الأكول الشهواني اللطيف، وأرلكينو-ويقابله هارلكوين (المهرج) عندنا، وبولتشنيللو-ويقابله عندنا بنش، وأضافت مختلف المدن والأجيال مزيداً من الشخوص. وترك معظم الحوار والكثير من الأحداث في الحبكة والاختراع المرتجل. ويقول كازانوفا "كان الممثل في تلك الكوميديا المرتجلة إذا توقف لأن كلمة غابت عنه، لم يعفه ردوداً مؤخرة الصالة والشرفات العليا الرخيصة من صباح السخرية والاستهجان(68)".
وكانت المسارح العاملة في البندقية عادة سبعة، كلها مسماة بأسماء قديسين، ويؤمها جمهور من النظارة شائن السلوك. فكان النبلاء في




صفحة رقم : 13225




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


مقاصيرهم لا يهمهم ما يلقونه على العامة تحتهم. وكانت الأحزاب المتخاصمة ترد على التصفيق بالصفير أو التثاؤب أو العطس أو السعال أو الصيحات الديكة أو مواء القطط(69). وفي باريس كان أكثر رواد المسرح من علية القوم، وأرباب المهن أو المثقفين والأدباء، أما في البندقية فكانوا أساساً من الطبقة الوسطى، يتخللهم هنا وهناك الغواني المتبرجات، وملاحو الجندولات البذيئون، والقساوسة والرهبان متنكرين، وأعضاء الشيوخ المتغطرسين في عباءاتهم وباروكاتهم. وكان عسيراً أن ترضى مسرحية هذه العناصر كلها في مثل هذا الخليط من البشر، ومن ثم نزعت الكوميديا الإيطالية إلى أن تكون مزيجاً من الهجاء والهزل ما دربوا عليه من تصوير شخصيات ثابتة. هذا هو الجمهور وهذا هو المسرح الذي جاهد جولدوني في رفعه إلى مكانة الكوميديا المشروعة المتحضرة.
ويسر القارئ ما كتبه في "مذكراته" من استهلال بسيط، قال: "ولدت في البندقية في 1707....جاءت بي أني إلى العالم دون كبير ألم مما زاد حبها لي. ولم تعلن مولدي صيحات كالعادة، وبدأ هذا اللطف آنئذ دليلاً على الخلق الهادئ الذي احتفظت به دائماً منذ ذلك اليوم"(70).
وكان هذا القول تفاخراً منه ولكنه حق، فجولدوني من أحب الرجال في تاريخ الأدب، وكان من بين فضائله التواضع رغم هذا الاستهلال-وهي خلة ليست في طبيعة الكتاب. ولنا أن نصدقه إذ يقول "كنت معبود الأسرة" وذهب الأب إلى روما ليدرس الطب، ثم إلى بروجيا ليمارسه، وتركت الأم في البندقية لتربي ثلاثة أطفال.
وكان كارلو طفلاً نابغة. استطاع أن يقرأ ويكتب في الرابعة، وألف كوميديا في الثامنة. واقنع الأب والأم أن تسمح لكارلو بالذهاب إليه والعيش معه في بروجيا. وهناك درس الغلام على اليسوعيين، وتفوق ودعا الانضمام إلى الجماعة، ولكنه رفض. ولحقت الأم وابن آخر بالأب،




صفحة رقم : 13226




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


ولكن هواء الجبل البارد في بيروجيا لم يلائمها، فانتقلت الأسرة إلى ريميني، ثم إلى كيودجا. ودخل كارلو دومنيكية في ريميني، ثم إلى كودجا. ودخل كالو كلية دومنيكية في ريميني، حيث كان يتلقى كل يوم جرعات من كتاب القديس توما الأكويني "قمة اللاهوت". وإذ لم يجد شيئاً يثير مشاعره في تلك الرائعة من روائع العقلانية فقد قرأ أرستوفان، وبلوتس، وترنس، فلما قدمت فرقة من الممثلين إلى ريميني انضم إليها فترة طالت إلى حد أدهش أبويه في كيودجا. فوبخاه وعانقاه، ثم أرسلاه ليدرس القانون في بافيا. وفي 1731 نال درجته الجامعية وبدأ ممارسة المحاماة، ثم تزوج، "وكان الآن أسعد رجل في العالم"(71)، اللهم إلا أنه أصيب بالجدري في ليلة زفافه.
وجذبته البندقية فعاد إليها، ونجح في المحاماة، وأصبح قنصلاً هناك لجنوه. ولكن المسرح ظل يستهويه، وهفت نفسه للكتابة، واشتهى أن تخرج مسرحياته. مثلت مسرحيته "بلزاريوس" في 24 نوفمبر 1734 بنجاح ملهم، وظلت تعرض يومياً حتى 14 ديسمبر، وضاعف سروره افتخار أمه العجوز به. على أن البندقية لم تكن تستسيغ التراجيديا، ففشلت مسرحياته التالية التي من هذا النوع، فانصرف حزيناً إلى الكوميديا. ولكنه رفض كتابة الفارصات "الكوميديا ديللارتي"، وأراد أن يؤلف كوميديات السلوك والأفكار على طريقة موليير، وألا يعرض على خشبة المسرح شخوصاً ثابتة تجمدت في أقنعة، بل شخصيات ومواقف مشتقة من الحياة المعاصرة. واختار بعض الممثلين من فرقة كوميديا البندقية، ودربهم، وأخرج في 1740 "مومولو" رجل البلاط. "ونجحت التمثيلية نجاحاً مدهشاً، وكان في هذا ما أرضاني"(72). ولكنه لم يرضَ تماماً، لأنه كان قد نزل عن بعض أفكاره بتركه الحوار كله دون أن يكتبه إلا للدور الرئيسي، ويخلفه أدواراً لأربعة من الشخوص المقنعة التقليدية.
وراح يدفع إصلاحاته خطوة خطوة. ففي مسرحية "المرأة الشريفة" كتب لأول مرة الحركة والحوار كاملين. وهبت فرقة معادية لتنافس




صفحة رقم : 13227




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


تمثيلياته أو تسخر منها. وتآمرت عليه الطبقات التي هجاها، مثل التشيسبي (مرافقي الزوجات) فحاربها كلها وعقد لها النصر. ولكن لم يكن العثور على مؤلف آخر يزود فرقته بالكوميديات المناسبة. ومن ثم فقدت تمثيلياته هو رضاء الجمهور لكثرة تكرارها. وأكرهته المنافسة على أن يكن ست عشرة تمثيلية في سنة واحدة.
وبلغ أوجه في 1752، وأشاد ب فولتير "بوصفه موليير إيطاليا". ولقيت مسرحيته "لالوكانديرا" (صاحبة الفندق) في ذلك العام "نجاحاً رائعاً حتى.....فضلت على أي عمل أنجز في هذا النوع من الكوميديا". وقد اعتز بأنه راعي "الوحدات الأرسطاطالية في الحركة والمكان والزمان، وفيما عدا ذلك كلن يحكم كل تمثيلياته بواقعية، فيقول "إنها جيدة، ولكنها لم ترقَ بقد إلى مستوى موليير"(73). وكان قد تعجل في كتابتها تعجلاً لا يتيح له أن يجعلها أعمالاً فنية، فكانت ذكية البناء، مرحة على نحوٍ سار، مطابقة للحياة بوجه عام، ولكن أعوزها ما ميز موليير من اتساع الأفكار، وقوة الحديث، وبراعة العرض، ومن ثم ظلت على سطح الشخوص والأحداث. ومنعته طبيعة جمهوره على أن يحاول التحليق في أجواء العاطفة أو الفلسفة أو الأسلوب وكان في فطرته من البشر ما منعه من سبر الأغوار التي عذبت موليير من قبل.
وقد صدم مرة أخرى على الأقل صدمة أخرجته عن لطفه وجرحته في الصميم، وذلك حين تحداه كارلو جوتسي على مكان الصدارة المسرحية في البندقية وفاز في المعركة. وكان هناك رجلان باسم جوتسي شاركا في الضجة الأدبية التي أثيرت في ذلك العهد، أحدهما جسبارو جوتسي الذي ألف تمثيليات أكثرها مقتبس من الفرنسية، وكان محرراً لدورتين بارزتين وقد بدأ حركة إحياء دانتي. أما الثاني وهو أخوه كارلو فلم يكن فيه هذا اللطف والأنس، كان رجلاً طويل القامة وسيماً مغروراً متحفزاً للعراك على الدوام. وكان أذكى عضو في أكاديمية جرانلليسكي "التي شنت حملة لاستعمال الإيطالية التسكانية النقية في الأدب بدلاً من اللهجة التي استعملها




صفحة رقم : 13228




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


جولدوني في معظم تمثيلياته. ولعله-وهو العشيق (أو المرافق الخادم) لتيودورا ريتشي-أحس بوخز موجع حين هجا جولدوني مرافقي الزوجات هؤلاء. وقد كتب هو أيضاً "مذكرات" هي البيان المفصل للحروب التي خاضها. وقد حكم على جولدوني كما يرى مؤلفاً آخر فقال:
"تبينت في جولدوني وفرة من الدوافع الكوميدية، والصدق والطبيعية. ولكني اكتشفت فيه فقراً وحقارة في الحبكة، وهذه محاسن ومساوئ متنافرة، والمساوئ كثيراً ما تكون الغالبة، ثم هناك عبارات سوقية ذات توريات منحطة...ونتف وأقوال فيها تنطع، مسروقة لا أدري من أين أو مجلوبة لتخدع جمهوراً من الجهال، وأخيراً فهو بوصفه كاتباً للإيطالية (إلا أنه يكتب باللهجة البندقية التي دل على تمكنه منها) لم يبدُ غير جدير بأن يوضع في مصاف أغبى المؤلفين الذين استخدموا لغتنا وأحقرهم وأقلهم دقة وصواباً...وعلي أن أضيف في الوقت ذاته أنه لم يخرج قط تمثيلية دون أن يكون لها سمة كوميدية ممتازة. وقد بدا لعيني أن له دائماً مظهر رجل ولد بإحساس فطري بالطريقة التي يجب أن تؤلف بها الكوميديات الأصلية، ولكنه-لعيب في تعليمه، ولافتقار إلى التمييز، ولضرورة إرضاء الجمهور وتقديم بضاعة جديدة للكوميديين المساكين الذين يكسب قوتهم على حسابهم، وللعجلة التي كان ينتج بها هذا العدد الوفير من التمثيليات كل سنة ليقي نفسه من الغرق-أقول أنه لهذا كله لم يستطع قط أن يبتكر تمثيلية واحدة لا تزخر بالأغلاط(74)".
وفي 1757 أصدر جوتسي ديوان شعر يعرب عن انتقادات مماثلة في "أسلوب كبار كتاب التسكانية القدامى". ورد جولودوني بشعر مثلث القافية (على طريقة دانتي) بما معناه أن جوتسي أشبه بالكلب الذي ينبح القمر (Come il Cane Che Abbaja la luno)
ورد عليه جوتسي بالدفاع عن "الكوميديا ديللارتي" ضد انتقادات جولدوني القاسية، واتهم جولدوني بأن تمثيلياته تفوق كوميديا الأقنعة مائة مرة في فجورها ونبوها وعدوانها على مكارم الأخلاق، وصنف معجم من "العبارات الغامضة، والتوريات البذيئة وغيرها من القذارات"




صفحة رقم : 13229




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


أخذها من أعمال جولدوني. يقول مولمنتي أن الجدل "أثار في المدينة ضرباً من الهوس، فكان الخلاف يناقش في المسارح والبيوت والحوانيت والمقاهي والشوارع(75)".
وتحدى كاتب مسرحي آخر يدعى (أباتي كياري) جوتسي أن يكتب تمثيلية خيراً من التمثيليات التي ندد بها، وكان هذا الكاتب قد لدغه من قبل صل جوتسي التسكاني. ورد جوتسي أن هذا يسير عليه، حتى عن أتفه المواضيع وباستخدام كوميديا الأقنعة التقليدية دون غيرها. وفي يناير 1761 أخرجت فرقة في تياترو سان صمويلي تمثيليته المسماة "خرافة حب البرتقالات الثلاثة" وهي مجرد سيناريو أظهر بتالوني، وترتاجليا، وغيرهما من أصحاب (الأقنعة) يبحثون عن ثلاث برتقالات يعتقد أن لها قدرات سحرية، وأما الحوار فترك للارتجال. وكان نجاح هذه (الخرافة) حاسماً: ذلك أن الجمهور البندقي العائش على الضحك استطاب خيال القصة والهجاء الضمني لحبكات كياري وجولدوني. وأردفها جوتسي بتسع (خرافات) أخرى في خمس سنوات، ولكن قدم فيها حواراً شعرياً، وبهذا سلم جزئياً بنقد جولدوني للكوميديا ديللارتي. على أية حال بدا انتصار جوتسي كاملاً. وظل جمهور مسرح القديس صموئيل شيدي الإقبال عليه، في حين هبط الإقبال على مسرح جولدوني (سانت أنجيلو) إلى ما يقرب من الإفلاس. وانتقل كياري إلى بريشا، أما جولدوني فقبل دعوة إلى باريس .
وتوديعاً للبندقية أخرج جولدوني (1762) "أمسية من أمسيات الكرنفال الأخيرة" وتروي قصة مصمم منسوجات هو السنيور انتسوليتو الذي كان على وشك أن يفارق وهو حزين في البندقية النساجين الذين طالما زود أنوالهم بالرسوم. وسرعان ما تبين الجمهور في هذا رمزاً للكاتب المسرحي الذي يترك آسفاً الممثلين الذين طالما زود مسرحهم بالتمثيليات. فلما ظهر انتسوليتو في المشهد الأخير ضج المسرح (كما يقول جولدوني) "بتصفيق




صفحة رقم : 13230




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> جولدوني وجوتسي


كهزيع الرعد تسمع خلاله هتافات...(رحلة سعيدة) (عد إلينا ثانية) (لا يفتك أن تعود إلينا)(76)". وغادر البندقية في 15 إبريل 1762 ولم يرها بعد ذلك قط.
وفي باريس شغل عامين بتأليف كوميديات لمسرح الإيطاليين، وفي 1763 رفعت إليه دعوى إغواء(77)، ولكن بعد سنة كلف بتعليم الإيطالية لبنات لويس الخامس عشر. وقد كتب بالفرنسية، بمناسبة زفاف ماري أنطوانيت والأمير الذي أصبح فيما بعد لويس السادس عشر، مسرحية من أفضل مسرحياته، واسمها (الجلف الأخير) وكوفئ عليها بمعاش قدره 1200 فرنك، ألغته الثورة حين بلغ الحادية والثمانين. وقد واسى فقره بإملاء مذكراته لزوجته (1792)-وهي مذكرات غير دقيقة، خصبة الخيال، مثيرة، مسلية، وفي رأي جولدوني أنها (درامية على نحو أصدق من كوميدياته الإيطالية(78))، ومات في 6 فبراير 1793. وفي 7 فبراير، بناء على اقتراح قدمه الشاعر ماري-جوزف دشنييه، رد إليه المؤتمر الوطني معاشه. وإذ لم يجده المؤتمر في حال تسمح له بتسلمه، فقد أعطاه لأرملته بعد أن خفضه.
كان انتصار جوتسي في البندقية قصير الأجل. فقبل أن يموت (1806) بسنين طويل اختفت (خرافاته) من خشبة المسرح، وبعثت كوميديات جولداني في مسارح إيطاليا. وما زالت تمثل عليها في كثرة تكاد كوميديات موليير في فرنسا. ويقوم تمثاله في الكامبوسان بارتولوميو بالبندقية، وفي اللارجو جولدوني (بفلورنسة). ذلك لأن الإنسانية كما كتب في مذكراته واحدة في كل مكان، والحسد يعلن عن نفسه في كل مكان، وفي كل مكان يكسب الرجل الهادئ الطبع في النهاية محبة الشعب وييلي خصومه(79)".




صفحة رقم : 13231




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما



11- روما


في جنوبي نهر بو، وعلى طول الدرياتيك وعبر الأبنين، كانت تقوم ولايات الكنيسة-فيرارا وبولونيا وفورلي ورافنا وبروجه وبتفنتو وروما-فتكون بهذا القسم الأوسط والأكبر من الحذاء السحري.
أما فيرار فحين أدمجت في الولايات البابوية (1598) جعل الدوق آل استنسي مودينا مقراً لهم، وجمعوا فيها محفوظاتهم وكتبهم وفنونهم. وفي 1700 أصبح لودفيكو موراتوري القسيس والباحث وفقيه القوانين أميناً على هذه الكنوز. واستطاع خلال خمسة عشر عاماً من العمل الدءوب، ومن ثماني وعشرين مجلداً، أن يصنف "كتاب الشؤون الإيطالية" (1723-38)، وأضاف بعد ذلك عشرة مجلدات للآثار والنقوش الإيطالية. وكان أثرياً أكثر منه مؤرخاً، وما لبث كتابه "الحوليات الإيطالية" الذي أصدره في اثني عشر مجلداً أن تقادم، ولكن أبحاثه في الوثائق والنقوش جعلته الأب والمصدر للتأليف التاريخي الحديث في إيطاليا.
وكانت بولونيا أكثر هذه الولايات ازدهاراً باستثناء روما. وظلت مدرسة تصوريها الشهيرة حية في عهد جوزيبي كرسبي (الأسباني)، وكانت جامعتها لا تزال من خير الجامعات الأوربية. وكان قصر بفيلاكو (1749) من أعظم أبنية القرن أناقة. وسمت أسرة ممتازة تركزت في بولونيا بالعمارة والمسرحية ورسم المناظر المسرحية إلى ذرى الإتقان في العصور الحديثة. فبنى فرديناندو جاللي داببيينا (التياترو ريالي) في مانتوا (1731) وكتب نصوصاً شهيرة عن فنه، وأنجب ثلاثة أبناء واصلوا مهارته في الزخرفة الخداعة الفاخرة. وصمم أخوه فرانشسكو المسارح في فيينا ونانسي وروما، والتياترو فيلارمونيكا بفيرونا-الذي كثيراً ما يعتبر أجمل مسرح في إيطاليا. وأصبح الساندرو بن فرديناندو كبير معماريي ناخب البلاتينات. وصمم ابن ثان يدعى جوزيبي مدخل دار الأوبرا في بايرويت (1748)-أجمل بناء موجود من نوعه(80). ورسم أنطونيو الابن الثالث تصميمات "التياترو كومونالي" في بولونيا.




صفحة رقم : 13232




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


وقد ترددت في ذلك المسرح وفي كنيسة سان بترونيو القديمة الضخمة أفضل الموسيقى الآلية التي عزفت في إيطاليا، لأن بولونيا كانت المركز الإيطالي الرئيسي للتعليم والنظرية الموسيقيين. فهناك كان بادري جوفاني باتستا مارتيني يعقد مجلسه المتواضع الصارم كأجل معلم للموسيقى في أوربا. وكان يقتني مكتبة موسيقية تضم سبعة عشر ألف مجلد، وقد ألف نصوصاً ممتازة من الكونترابنت وتاريخ الموسيقى، وأرسل عشرات من مشاهير الرجال في أكثر من عشر دول. وكان وسام الأكاديمية فيلارومونيكا التي ترأسها سنين كثيرة مشتهى جميع الموسيقيين. فإلى هنا سيأتي الصبي موتسارت 1770 ليواجه الاختبارات المقررة، وهنا سيعلم روسيني ودونيتستي. وكان المهرجان السنوي للمؤلفات الموسيقية الجديدة، التي يؤديها أوركسترا الأكاديمية ذو المئة عازف، في نظر إيطاليا الحدث الأعظم للسنة الموسيقية.
قدر جيبون سكان روما في 1740 بنحو 156.000 نسمة. وحين تذكر زهوة ماضيها الإمبراطوري وتناسى فقراء هذا الماضي وأرقاءه، وجد أن سخر العاصمة الكاثوليكية يجافي ذوقهم:
"في داخل الأسواق الأوريلية الفسيحة تغشي القسم الأكبر من التلال السبعة الكروم والأطلال. ولعل جمال المدينة الحديثة وبهاءها راجع إلى مفاسد الحكومة وتأثر الخرافة. فقد تميز كل حكم (إلا فيما ندر) بصعود أسرة جديدة صعوداً سريعاً، أثرت بفضل الخير الذي لا عقب له على حساب الكنيسة والدولة. وقصور أبناء الأخوة والأخوات المحظوظين هؤلاء هي أغلى صروح الأناقة العبودية، فقد سخرت لها أسمى فنون المعمار والتصوير والنحت، وأبهاؤها وحدائقها تزينها أنفس الآثار القديمة التي جمعوها تذوقاً أو غروراً(81)".
وقد تميز باباوات هذا العهد بسمو الخلق، وكانت فضائلهم تسمو كلما هبط سلطانها. وكانوا كلها إيطاليين، لأن أحداً من الملوك الكاثوليك أبى أن يسمح لأي من الآخرين أن يقتضي البابوية. وقد برر كلمن الحادي عشر (حكم 1700-21) اسمه (ومعناه الرحيم) بإصلاحه سجون روما




صفحة رقم : 13233




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


أما إنوسنت الثالث عشر (1721-24) فهو في رأي رانكي البروتستنتي:
"كان يملك مؤهلات رائعة للحكم الروحي والزمني معناً، ولكن صحته كانت هشة جدة..وقد وجدت الأسر الرومانية المتصلة به بصلة القرابة، والتي راودها الأمل في أن يرفع من شانها، أنها واهمة كل الوهم: لا بل إن ابن أخيه لم يستطع الظفر بالأثنتي عشر ألف دوقاتية كل عام (التي أصبحت الآن الدخل العادي لابن الأخ) دون مشقة(82)".
أما بندكت الثالث عشر (1724-30) فكان "رجلاً ذا تقوى شخصية عظيمة(83)". ولكنه (كما قال مؤرخ كاثوليكي) سمح بقدر كبير جداً من السلطة لمحاسيب غير جديرين بعطفه(84)". وأغرق كلمنت الثالث عشر (1730-40) روما بأصدقائه الفلورنسيين، وسمح لنفسه حين شاخ وكف بصره أن ينقاد لأبناء أخيه الذين زاد تعصبهم الصراع بين اليسوعيين والجانسنيين في فرنسا مرارة فوق مرارة.
وفي رأي ماكولي أن بندكت الرابع عشر (1740-58) "كان أفضل وأحكم خلفاء القديس بطرس المائتين والخمسين(85)" وهو حكم فضفاضي، ولكن البروتستانت والكاثوليك وغير المؤمنين على السواء مجمعون على الثناء على بندكت لأنه كان رجلاً واسع العلم، ذا شخصية محببة ونزاهة خلقية. ولم يرَ وهو رئيس لأساقفة بولونيا أي تناقض بين الاختلاف إلى دار الأوبرا ثلاث مرات في الأسبوع والاهتمام الصارم بواجبات الأسقفية(86)، وقد وفق أثناء ولايته منصب البابوية بين حياته الشخصية ومرح الطبع وتحرر الحديث وتذوق الأدب والفن تذوقاً يكاد يكون وثنياً. وقد أضاف تمثالاً لفينوس عارية إلى مجموعته، وقال للكردينال دتنسان أن أمير وأميرة فورتمبرج خطا أسميهما على جزء من التشريح جميل الاستدارة لا يذكر كثيراً في المراسلات البابوية(87). وكاد يشبه فولتير في حدة الذكاء والظرف، ولكن هذا لم يمنعه من أن يكون إدارياً حازماً ودبلوماسياً بعيد النظر.




صفحة رقم : 13234




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


وقد وجد مالية البابوية تشكو الفوضى: فنصف الإيرادات يضيع في الانتقال من بلد إلى بلد وثلث سكان روما كنسيون يفوق عددهم كثيراً ما تحتاج إليه شؤون الكنيسة، ويكلفونها من النفقة ما لا تطيقه. فأنقص بندكت موظفيه الشخصيين، وطرد أكثر جنود الجيوش البابوية، وأنهى محسوبية الأقارب، وخفض الضرائب، وأدخل الإصلاحات الزراعية، وشجع المشروعات الصناعية، ولم يمر طويل وقت حتى أثمرت أمانته واقتصاده وكفاءته فائضاً للخزانة البابوية. أما سياسته الخارجية فقد قدمت تنازلات ودية للملوك المشاغبين، فوقع مع سردينيا والبرتغال ونابلي وأسبانيا اتفاقات سمحت لحكامها الكاثوليك بالترشيح لكراسي الأسقفية. وجاهد ليهدئ الضجة العقائدية في فرنسا، بالتراخي في تنفيذ الأمر البابوي Unigenitus (الوحيد الجنس) الصادر ضد الجانسنيين، "ماد الإلحاد يزداد كل يوم فعلينا أن نسأل إن كان الناس يؤمنون بالله لا إن كانوا يقبلون الأمر البابوي(88)".
وبذل جهوداً شجاعة ليعثر على حل وسط مؤقت Modus Vivendi مع حركة التبرير. وقد لاحظنا تقبله الودي لإهداء فولتير مسرحية (محمد) إليه رغم أن المسرحية كانت تسلط عليها نيران الكنيسة في باريس (1746). وعين لجنة لمراجعة كتاب الصلوات اليومية ولتخليصه من بعض الأساطير الأبعد تصديقاً، على أن توصيات اللجنة لم تنفذ. واستطاع بنشاطه الشخصي أن يحقق انتخاب دالمبير بمجمع بولونيا(89). وكان يثبط التحريم المتعجل للكتب. فلما أشار بعض مساعديه عليه بشجب كتاب لامتري "الإنسان الآلة" أجاب أليس من واجبكم أن تكفوا عن إبلاغي بوقاحات الحمقى؟ "اعلموا أن للبابا يداً مطلقة ليمنح البركات فقط(90)" وقد تخلت قائمة الكتب المحرمة التي أصدرها في 1758 عن جميع محاولات تعقب المؤلفات غير الكاثوليكية. واقتصرت-فيما عدا استثناءات قليلة-على خطأ بعض الكتب التي ألفها كتاب كاثوليك. وأمر بألا يدان كتاب قبل أن يعطى مؤلفه إن وجد فرصة للدفاع عن نفسه، ولا يدان كتاب في موضوع علمي إلا بعد استشارة الخبراء. وينبغي أن يؤذن لرجال العلم أو الدرس دون




صفحة رقم : 13235




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


إبطاء بقراءة الكتب المحرمة(91). واتبعت هذه القواعد في طبعات القائمة الثالثة، وأكدها ليو الثالث عشر في 1900.
وقد ألفى الباباوات حكم روما عسيراً عسر يقرب من عسر حكم العامل الكاثوليكي. ولعل جمهور المدينة كان أشد الجماهير فظاظة وعنفاً في إيطاليا وربما في أوربا. فأي سبب يمكن أن يفضي إلى مبارزة بين النبلاء أو إلى صراع دامٍ بين الزمر المتحزبة التي قسمت المدينة المقدسة. وأما في المسرح فإن حكم النظارة كان يمكن أن يكون قاسياً لا رحمة فيه خصوصاً إذا أخطأ، وسنرى مثالاً عليه في حالة برجوليتزي. وجاهدت الكنيسة لتهدئ الشعب بالأعياد والمواكب والغفرانات والكرنفال، وسمحت للناس في الأيام الثمانية السابقة للصوم الكبير بأن يرتدوا ملابس تنكرية مرحة غريبة الأشكال، وأن يسرحوا ويمرحوا على (الكورسو) والتمس النبلاء رضى الجماهير باستعراضاتهم على الخيل أو العربات تحمل راكبين مهرة أو نساء حساناً في أبها زينة، وعرضت البغايا بضاعتهم لقاء أجور رفعتها مؤقتاً، وخففت المغازلات المقنعة من ثقل الزواج الأحادي بضع ساعات. فإذا انقضى الكرنفال عاودت روما مسيرتها المتناقضة من التقوى والإجرام.
أما الفن فلم يزدهر وسط العائدات المتناقضة التي يغلها إيمان مضمحل. لقد أسهمت العمارة ببعض الإسهامات الصغيرة: مثال ذلك أن الساندرو جاليلي أضاف لكنيسة جان جوفاني القديمة في اللاتيرانو واجهة فخمة، وخلع فرديناند وفوجا على كنيسة سانتا ماريا مادجوري وجهاً جديداً، وشيد فرانشسكو دي سانكتيس "السكالا دي سبانيا الفسيحة المهيبة من ميدان أسبانيا إلى مزار "الثالوث الأقدس" في مونتني. وأضاف النحت أثراً مشهوراً هو "الفونتانا دي تريفي"-حيث يلقى السائح المسرور قطعة نقود من وراء كتفه في الماء ليضمن عودته لزيارة روما ثانية. وكان لنافورة المخارج الثلاثة تاريخ طويل. ولعل برتيتي ترك رسماً تخطيطياً لها، وافتتح كلمنت الثاني عشر مسابقة لإنشائها، وقدم التصميمات لها أدمي بوشاردان الباريسي ولامبير سجبير آدم النانسي، واختير جوفافي مايني ليصممها،




صفحة رقم : 13236




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


ونحت بييترو براتشي مجموعة نبتون وفريقه الوسطي (1732)، ونحت فليبو ديللافاللي تمثل الخصوبة والشفاء، وقد نيكولو سالقي الخلفية المعمارية، وأكمل جوزيبي يانيني العمل في 1762، وربما أوحت مشاركة العقول والأيدي الكثيرة على هذا النحو خلال ثلاثين سنة بأنه هناك شيء من التخاذل في الإرادة أو الفقر في الموارد، ولكنها تدحض أي فكرة بأن الفن في روما كان ميتاً. وأضاف براتشي إلى مآثره مقبرة (هي الآن في كاتدرائية القديس بطرس) لماريا كلمنتينا سوبيسكا، الزوجة التعسة لجيمس الثالث المطالب الاستيوراني بالعرش، وخلف دللافاللي في كنيسة القديس أغناطويس نقشاً بارزاً رقيقاً يمثل البشارة، جديراً بالنهضة الأوربية في أوجها.
أما التصوير فلم يتمخض عن عجائب في روما في هذا العصر، ولكن جوفافي باتستا بيرانيزي جعل الحفر فناً من الفنون الكبرى. ولد لبناء بالحجر قرب البندقية، وقرأ باللاديو وحلم بالقصور وأضرحة القديسين. على أن البندقية كانت تحوي من الفنانين أكثر مما تحوي من المال، أما روما فكان فيها مال أكثر من الفنانين، ومن ثم نزح جوفاني إلى روما وبدأ عمله معمارياً. غير أتن الكلب على المباني كان ضعيفاً. ولكنه صمم المباني على أي حال، أو على أصح رسم مباني غريبة الأشكال تبدو كأن "السلالم الأسبانية" سقطت فوق "حمامات دقلديانوس". ونشر هذه الرسوم في 1750 باسم "رسوم مختلفة" و"كارتشيري" (المسجون)، واشتراها الناس كأنهم يشترون الألغاز أو الأسرار الغامضة. ولكن بيرانيزي وجه مهارته في حالاته النفسية الأنبل إلى حفر رسومه التخطيطية للآثار القديمة. فقد عشقها كما عشقها بوسان وروبير، وأحزنه أن يرى هذه الأطلال الرائعة تزداد تحللاً يوماً بعد يوم بفعل النهب أو الإهمال، وظل طوال خمسة وعشون عاماً، في كل يوم تقريباً، يخرج ليرسمها، وفوته أحياناً تناول وجباته من الطعام، بل أنه حتى وهو يموت من السلطان واصل الرسم والنقش والحفر. وقد ذاع مؤلفاه "الآثار الرومانية" و"مناظر




صفحة رقم : 13237




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


روما" في شكل نسخ مطبوعة في أوربا كلها وشاركت في الإحياء المعماري للأساليب الكلاسيكية.
وقد وجد ذلك الأحياء حافزاً قوياً من الحفائر التي أجريت في هركولانيوم وبومببي وهما أغرقهما ثوران فيزوف في 79م ففي 1719 أبلغ بعض الفلاحين أنهم وجدوا تماثيل مدفونة في التراب في هركولانيوم. وأقضت تسعة عشر عاماً قبل أن يمكن الحصول على المال اللازم لارتياد الموقع على نحو نسقي. وفي 1748 بدأت حفائر مماثلة تكشف عن عجائب بومبيي الوثنية، وفي 1752 كشف عن معابد بايستوم الضخمة الجليلة بعد اجتثاث الأجمة التي غطتها. وأقبل الأثريون من شتى البلاد ليدرسوا الكشوف ويصفوها، وأثارت رسوم هذه الآثار اهتمام الفنانين والمؤرخين جميعاً، وسرعان ما غزا المتحمسون للفن الكلاسكي روما ونابلي، وقدموا على الأخص من ألمانيا. فأتى منجز في 1740، وفنكلمان في 1755. وهفت نفس لسنج للذهاب إلى روما، "لأمكث هناك على الأقل سنة، وإلى الأبد أن أمكن"(92). ثم جوته-ولكن لنرجي هذه القصة الآن.
إما انطون رفائيل منجر فمن العسير أن نضعه في مكان واحد، لأنه ولد في بوهيميا (1728)، وخص بجهوده إيطاليا وأسبانيا، واختار روما موطناً له. وسماه باسم كوريدجو ورفائيل، وكان رساماً للنمنمات في درسدن، ونذره للفن، وظهرت على الصبي مخايل النجابة فأخذه أبوه وهو في الثانية عشرة إلى روما. ويروى أنه حبسه هناك في الفاتيكان يوماً بعد يوم ولا غداء له إلا النبيذ والخبز، وأخبره أن أراد مزيداً أن يطعم على آثار رفائيل وميكل أنجيلو والعالم الكلاسيكي. وبعد أن أقام أنطون برهة قصيرة في درسدن عاد إلى روما واسترعى الأنظار بلوحة رسمها للعائلة المقدسة، وكانت نموذجه فيها مارجاريتا جواتسي "عذراء فقيرة فاضلة جميلة"(93) وتزوجها في 1749، وفي المناسبة ذاتها دخل في المذهب الكاثوليكي الروماني. وعاد ثانية إلى درسدن، وعين مصوراً لبلاد أوغسطس الثالث براتب قدره ألف طالر في العام. ووافق




صفحة رقم : 13238




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> روما


على أن يرسم لوحتين لكنيسة بدرسدن، ولكنه أقنع الملك الغاضب بأنه يسمح له برسمها في روما، وفي 1752 استقر هناك وهو بعد في الرابعة والعشرين. ولما بلغ السادسة والعشرين عين مديراً لمدرسة الفاتيكان للتصوير. وفي 1755 التقى بفنكلمان، واتفق معه على أن الباروك غلطة؛ وأن الفن يجب أن يطهر نفسه ويهذبها بأشكال الكلاسيكية الجديدة. ولعله في هذه الفترة أو نحوها رسم بالباستل صورته الذاتية الموجودة الآن في متحف فن درسدن-وجه فتاة وشعرها، ولكن العينين تلمعان بكبرياء رجل واثق من أن في استطاعته أن يهز العالم.
وحين طارد فردريك الأكبر أوغسطس من سكسونيا (1756) توقف راتب منجز الملكي، وكان عليه أن يعيش على الأجور المتواضعة المعروضة عليه في إيطاليا. وجرب العمل في نابلي، ولكن الفنانين المحليين هددوا حياته باعتباره دخيلاً، وذلك عملاً بتقليد نايولتاني قديم، فقفل منجز إلى روما سريعاً. وزين فيللا ألباني بصورة جصية حظيت بالشهرة ذات يوم،وما زالت ترى هناك لوحته "برناس" (1761) الممتازة فنياً، الكلاسيكية هدوءاً، الميتة عاطفياً. ومع ذلك أحس الوزير الأسباني في روما أن هذا هو الرجل الذي يصلح لرسم صور يزدان بها القصر الملكي في مدريد. وأرسل شارل الثالث في طلب منجز ووعده بألفي دبلون في العام مضافاً إليها مسكن ومركبة ورحلة مجانية على بارجة أسبانية موشكة على الإقلاع من نابلي. وفي سبتمبر 1761 وصل منجز إلى مدريد.




صفحة رقم : 13239




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي



12- نابلي




أ- الملك والشعب


أصابت مملكة نابلي التي ضمت كل إيطاليا جنوب الولايات البابوية اللطمات الشديدة في الصراع على السلطة بين النمسا وأسبانيا وإنجلترا وفرنسا. ولكن هذا دأب التاريخ في تمزيقه الكئيب للمنطق، والتأرجح الدامي بين النصر والهزيمة، وحسبنا هنا أن نلاحظ أن النمسا استولت عللا نابلي في 1707،




صفحة رقم : 13240




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


وأن دوس كارلوس، دوق بارما البوربوني وابن فليب الخامس ملك أسبانيا، طرد النمساويين في 1734، وحكم حتى 1759 باسم شارل الرابع ملك نابلي وصقلية. وكانت عاصمته التي ضمت 300.000 من الأنفس أكبر مدينة في إيطاليا.
وبلغ شارل النضج في فن الملك ببطء. ففي أول عهده اتخذ الملكية جوازاً للبذخ: فأهمل شؤون الحكومة، وأنفق نصف أيامه في القنص، وأسرف في الأكل حتى أصبح بديناً. ثم حوالي 1755، وبوحي من وزير العدل والشؤون الخارجية المركيز برناردو دي تانوتشي اضطلع بالتخفيف من مظالم تلك الإقطاع القاسي الذي توارى خلف كد الحياة النابولية ونشوتها.
وكانت تحكم المملكة طويلاً ثلاث جماعات متشابكة. فالنبلاء يملكون ثلثي الأرض تقريباً ويستعبدون أربعة أخماس الملايين الخمسة الذين يسكنونها ويسيطرون على البرلمان، ويتحكمون في نظام الضرائب، ويعرقلون كل إصلاح. والأكليروس يملكون ثلث الأرض، ويسترقون الشعب روحياً بلاهوت قوامه الرعب، وكتاب حافلة بالأساطير، وشعائر تستغل المصلين، ومعجزات على شاكلة تسبيحهم المصطنع كل نصف سنة لدم القديس ياتيوراس (حامي نابلي) المتخثر. وكانت الإرادة في يد قانونيين يدينون بالطاعة للنبلاء أو الأحبار، ومن ثم التزموا بالوضع الموروث من العصر الوسيط. وكانت الطبقة الوسطى الفقيرة المؤلفة أكثرها من التجار عاجزة سياسياً. وعاش الفلاحون والبرولتاريا في فقر أكره بعضهم على قطع الطريق وكثيراً منهم على التسول، وكان هناك ثلاثون ألف شحاذ في نابلي وحدها(94). وقد وصف دبروس جماهير العاصمة بأنهم "أبغض الرعاع، وأقذر الحشرات"(95)-وهو حكم أدان النتيجة دون أن يدمغ السبب. على أننا يجب أن نعترف بأن هؤلاء النابوليين المهلهلي الثياب، المتشبثين بالخرافات، الخاضعين لسلطان الكهنة، يبدو أنهم كانوا يملكون من نكهة الحياة وبهجتها أكثر من أي جمهور آخر في أوربا.




صفحة رقم : 13241




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


وكبح شارل قوة النبلاء باجتذابهم إلى بلاطه حتى يكونوا تحت ناظري الملك، وبإقامة نبلاء جدد يلتزمون بتأييده. وثبط تدفق الشباب على الأديرة، وأنقص جموع الكنسيين من 100.000 إلى 81.000، وفرض ضريبة قدرها اثنان في المائة على ممتلكات الكنيسة، وحد من حصانات الأكليروس القانونية. وضيق تانوتشي من سلطة النبلاء القضائية، وحارب الفساد في القضاء، وأصلح الإجراءات القضائية، وخفف من صرامة قانون العقوبات. وأبيحت حرية العبادة لليهود، ولكن الرهبان أكدوا لشارل أن افتقاده الوريث الذكر لعرشه هو العقاب الذي أنزله به الله جزاء تسامحه الآثم فسحب الغفران من اليهود(96).
وكان ولع الملك بالبناء الفضل في إقامة صرحين شهيرين في نابلي. وأحدهما هو "التياترو سان كارلو" الشاسع، وقد أقيم 1737 وما زال واحداً من أوسع وأجمل دور الأوبرا الموجودة. وفي 1752 بدأ لويجي فانفيلتي يبني الصرح الآخر في كازوتا على واحد وعشرين ميلاً شمالي العاصمة، وهو قصر ملكي هائل صمم لينافس فرساي وليقوم بوظيفة في إيواء الأسرة المالكة ونبلاء الحاشية وأهم الموظفين الإداريين. وقد اقتضى بناؤه كد العبيد سوداً وبيضاً طوال اثنين وعشرين عاماً. وكانت الأبنية ذات المنحيات تقوم على جانبي مدخل فسيح إلى الصرح الأوسط الذي مد واجهته 30 قدماً. وقام في الداخل مصلى ومسرح وغرف لا حصر لها وسلم مزدوج عريض كانت كل درجة فيه لوحة رخام واحدة. وامتدت وراء القصر على طول نصف ميل الحدائق المنسقة، وعدد غفير من التماثيل، ونافورات فخمة تغذيها قناة طولها سبعة وعشرون ميلاً.
ولم يكن في نابلي فن متميز في هذا العصر غير قصر كازيرتا هذا (لأن القصر أطلق عليه اسم مدينته شأن الأسكوريال وفرساي)، ولا كان هناك شيء يستحق الذكر في الدراما أو الشعر. لقد ألف رجل كتاباً جريئاً "التاريخ المدني لملوك نابلي" (1723) وهو هجوم متواصل على جشع الأكليروس، ومفاسد المحاكم الكنسية، وسلطة الكنيسة الزمنية، ودعوى




صفحة رقم : 13242




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


البابوية يحقها في نابلي كإقطاعية بابوية، أما المؤلف واسمه بييترو وجانوني فقد حرمه رئيس أساقفة نابلي، وفر إلى فيينا، وزج به ملك سردانيا في السجن، ثم مات في تورين (1748) بعد أن قضى اثنتي عشرة سنة حبيساً(97). وفقد أنطونيو جينوفيزي إيمانه وهو يقرأ لوك، وحاول في كتابه "مبادئ الميتافيزيقا" (1743) أن يدخل سيكولوجية لوك إلى إيطاليا. وفي 1754 أنشأ رجل أعمال فلورنسي في جامعة نابلي أول كرسي أوربي للاقتصاد السياسي بشرطين، إلا يشغله كنسي أبداً، وأن يكون أول شاغل له أنطزنيو جينوفيزي. ورد جينوفيزي صنيعه (1756) بأول بحث اقتصادي نظامي في اللغة الإيطالية "دروس في التجارة"، ردد صرخة التجار ورجال الصناعة المطالبين بالتحرر من القيود الإقطاعية والكنسية وغيرها على المشروعات التجارية الحرة. وفي العام نفسه أعرب كزنيه عن هذا المطلب ذاته للطبقة الوسطى الفرنسية في مقالاته، التي كتبها لموسوعة ديدرو.
ولعل بعض الاتصال كان قد تم بين جينوفيزي وكزنيه على فرديناندو جالياني النابولي الباريسي. وقد نشر جالياني في 1750 "بحثاً في النقود" قرر فيه ببراءة اقتصادي في الثانية والعشرين من عمره ثمن السلعة حسب تكلفة إنتاجها. وألمع منه كتابه "حوار حول تجارة الغلال" الذي ذكرناه من قبل نقداً لكزنيه. فلما اضطر إلى العودة إلى وطنه بعد السنين المثمرة التي قضاها في باريس، أحزنه ألا يجد في نابلي صالونات، ولا امرأة كمدام جوفران تطعمه وتثير ذكاءه وظرفه. على أنه كان فيها على أية حال فيلسوف بصمته على التاريخ.


ب- جامبا تيستافيكو


تروي ترجمته الذاتية انه حين كان في السابعة سقط من على سلم نقالي، فصدم الأرض برأسه أولاً، وظل غائباً عن الوعي خمس ساعات. وأصيب برأس في الجمجمة تكون من حوله ورم ضخم. وكان الورم




صفحة رقم : 13243




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


يخفف بشقه بمبضع المرة تلو المرة. ولكن الصبي فقد من الدم في هذه العملية ما جعل الجراحين يتوقعون موته القريب. ولكنه بقي على قيد الحياة "بفضل الله، ولكن نتيجة لهذه البلية شببت بمزاج مكتئب حاد(98)". كذلك أصيب بالدرن. ولو كانت العبقرية رهناً بمعوق بدني لكان فيكو موفور الحظ.
وحين بلغ السابعة عشرة (1685) كسب قوته بإعطاء الدروس الخصوصية في فاتوللا (قرب سالرنو) لأبناء أخي أسقف اسكيا. ومكث هناك تسع سنين، ولكنه كان أثناءها عاكفاً في حماسة محمومة على دراسة القانون وفقه اللغة والتاريخ والفلسفة. وافتتن على الأخص بقراءة أفلاطون وأبيقور ولوكريتيوس ومكيافللي وفرانسيس بيكن وديكارت وجروتيوس، وخرج من هذا كله بشيء من الأذى لإيمانه الديني. وفي 1697 حصل على كرسي أستاذ البيان في جامعة نابلي، ولم يؤجر عليه بأكثر من مائة دوقاتية في العام، زادها بإعطاء الدروس الخصوصية، ومن هذا الدخل كان يعول أسرة كبيرة. وماتت ابنة له في ريعان الصبي، وظهرت على ابن له ميول شريرة اقتضت إرساله إلى إصلاحية للأحداث، أما زوجته فكانت أمية عديمة الكفاية، فكان على فيكو أن يكون الأب والأم والمعلم جميعاً(99). وفي وسط هذه الشواغل المشتتة للفكر كتب فلسفته للتاريخ.
وقد قدم كتابه "مبادئ علم جديد في الطبيعة المشتركة للأمم" (1725)، وحاول إن وجد في فوضى التاريخ انتظامات من التعاقب قد تنير الماضي والحاضر والمستقبل. ورأى فيكو أن في استطاعة أن يتبين ثلاث فترات رئيسية في تاريخ كل شعب:
(1) عصر الأرباب الذي اعتقدت فيه الأمم (غير اليهود) أنها تعيش في ظل حكومات إلهية، وأن كل شيء كان بأمر الأرباب عن طريق التكهن والوحي.
(2) عصر الأبطال حين كانوا يسيطرون على الجمهوريات أرستقراطيةـ‎، بحكم تفوق في طبيعتهم اعتقدوا أنهم يمتازون به على العامة.




صفحة رقم : 13244




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


(3) عصر البشر، وفيه أقر الجميع بأنهم متساوون في الطبيعة البشرية فأقاموا أولى الجمهوريات الشعبية ثم الملكيات(100).
وقد طبق فيكو الفترة الأولى على التاريخ (الأممي واللاتيني) (غير الكتابي)، فما كان في استطاعته أن يقول إن يهود العهد القديم إنما "اعتقدوا أنهم) يعيشون في ظل حكومات إلهية" دون المساس بالتقاليد المقدسة. ولما كان ديوان التفتيش (وهو في نابلي أشد صرامة منه في شمال إيطاليا) قد حاكم باحثين نابوليين لأنهم تكلموا على بشر وجدوا قبل آدم، فإن فيكو وفق بجهد بين صيغته وبين سفر التكوين بالافتراض بأن جميع ذراري آدم، إلا اليهود، قد ارتدوا بعد الطوفان إلى حالة أقرب إلى الوحشية فسكنوا الكهوف وتسافدوا دون تمييز في شيوعية نساء. ومن (حالة الطبيعة) الثانية هذه تطورات الحضارة بطريق الأسرة والزراعة والملكية والأخلاق والدين. وكان يذكر الدين أحياناً على أنه طريقة أرواحية (لتفسير الأشياء والأحداث) وأحياناً يشيد به باعتباره قمة التطور.
ويقابل مراحل التطور الاجتماعي الثلاث، ثلاث (طبائع) أو طرق لتفسير الكون: اللاهوتية، والأسطورية والعقلية.
وكانت الطبيعة الأولى، بحكم خداع الخيال (وهو أقوى ما يكون في أضعف الناس قدرة على التدليل العقلي)، طبيعة شعرية أو إبداعية، قد نسمها على سبيل التجوز إلهية، لأنها تصورت الأشياء المادية على أنها تحيا بقوة الآلهة...وكان الناس نتيجة لخطأ خيالهم هذا يخافون خوفاً رهيباً من الأرباب التي خلقوها هم أنفسهم....أما الطبيعة الثانية فهي الطبيعة البطولية، فقد اعتقد الأبطال أنهم من أصل إلهي....وأما الثالثة فالطبيعة (الطريقة) البشرية، طبيعة ذكية. ومن ثم متواضعة، معتدلة، منطقية، تسلم بأن الضمير والعقل والواجب كلها نواميس(101)".
وقد حاول فيكو لتاريخ اللغة والأدب والقانون والحكومة




صفحة رقم : 13245




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


مكاناً ملائماً في هذا النظام الثلاثي. ففي المرحلة الأولى كان الناس يتواصلون بالإشارات والإيماءات، وفي الثانية بالرموز والتشبيهات والصور، وفي الثالثة بالكلمات التي اتفق عليها القوم...ليحددوا بهذا معنى القوانين. ومر القانون نفسه بتطوير مقابل لهذا: فكان أول الأمر إلهياً؛ منزلاً كما كان أول الأمر إلهياً؛ منزلاً كما كان الحال في ناموس موسى، ثم بطولياً كقانون ليكورجوس، ثم بشرياً-أملاه العقل البشري المكتمل النمو(102) كذلك مرت الحكومة بثلاث مراحل: التيوقراطية؛ وفيها زعم الحكام أنهم صوت الله، والأرستقراطية، وفيها اقتصرت جميع الحقوق المدنية على طبقة الأبطال الحاكمة، والبشرية، وفيها يعتبر الجميع سواء أما القوانين...، وهذه هي الحال في المدن الشعبية الحرة،..، وكذلك في الملكيات التي تجعل جميع رعاياها سواء أمام قوانينهم(103). وواضح أن فيكو استعاد تلخيص أفلاطون للتطور السياسي من الملكية إلى الأرستقراطية إلى الديمقراطية إلى الدكتاتورية (حكم الطغاة)، ولكنه غير الصيغة لتقرأ: تيوقراطية وأرستقراطية، وديمقراطية، وملكية. وقد اتفق مع أفلاطون في أن الديمقراطية تنزع إلى الفوضى، واعتبر حكم الرجل الواحد علاجاً ضرورياً للخلل الديمقراطي، "أن الملكيات هي الحكومات النهائية،...التي تصل إليها الأمم لتستريح(104).أفلالال
وقد ينبعث الخلل الاجتماعي من التدهور الخلقي، أو الترف، أو تركيز الثروة تركيزاً يمزق الأمة، أو الحسد العدواني بين الفقراء. ومثل هذا الخلل يفضي عادة إلى الدكتاتورية، كما نرى في حكم أوغسطس الذي كان فيه الشفاء من الفوضى الديمقراطية في الجمهورية الرومانية. فإذا عجزت حتى الدكتاتورية عن وقف الانحلال، فإن أمة أشد قوة وعنفواناً تدخل فاتحة للبلاد.
"وإذا كان الناس الذين بلغ منهم الفساد هذا المبلغ قد انقلبوا عبيداً لشهواتهم الجامحة...فإن العناية الإلهية تقضي بأن يصيروا عبيداً بحكم القانون الطبيعي للأمم،....فيستعبدوا لأمم أفضل منهم يحكمونهم بعد أن يغلبوهم كما يحكم الغالب الأقاليم الخاضعة له...وهنا يستطيع ضوءان عظيمان من أضواء النظام الطبيعي. أولهما أن من يعجز عن حكم نفسه يجب




صفحة رقم : 13246




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


أن يدع القادر على حكمه أن يحكمه، والآخر أن العالم يحكمه دائماً من هم بالطبيعة أصلح الحاكمين(106).
وفي مثل هذه الحالات يرتد الشعب المغلوب إلى مرحلة التطور التي وصل إليها غالبوه. وهكذا أرتد سكان الإمبراطورية الرومانية إلى الهمجية والتخلف بعد غزوات الشعوب الهمجية واضطروا إلى أن يبدءوا بالتيوقراطية (حكم الكهنة واللاهوت)؛ وتلك كانت العصور المظلمة. ثم جاء عصر بطولة آخر بمجيء الحروب الصليبية؛ وأمراء الإقطاع يقابلون أبطال هومر ودانتي هو هومر مكرراً.
ونسمع في فيكو أصداء للنظرية التي تزعم أن التاريخ تكرار دائر، ولقانون مكيافللي "Corsi e Ricori التطور والتقهقر" وفكرة التقدم تضار في هذا التحليل، فليس التقدم إلا نصف حركة دورية نصفها الأخر الانحلال؛ والتاريخ، شأنه شأن الحياة، هو تطور وانحلال في تعاقب وحتمية لا محيص عنهما.
وقدم فيكو في الطريق إلماعات مدهشة. فقد رد الكثيرين من أبطال الأساطير الكلاسيكية إلى الأسماء البعدية Eponyms والتشخيصات التالية لعمليات ظلت طويلاً لا شخصية أو متعددة الشخصيات، فأورفيوس مثلاً كان المدمج الوهمي لموسيقيين بدائيين كثيرين، وليكورجوس كان التجسيد لسلسلة القوانين والعادات التي جمدت إسبارطة، ورومولوس كان ألف رجل جعلوا من روما دولة.(107) وبالمثل رد فيكو هومر إلى الخرافة، مدللا على ذلك-قبل كتاب فردريك فولت "مقدمات نقدية لهومر (1795) بنصف قرن-بأن الملاحم الهومرية إنما هي حصيلة تجمعت وأدمجت شيئاً فشيئاً لجماعات وأجيال من رواة الملاحم الذين كانوا ينشدون بطولات طروادة وأوديسيوس في مدن اليونان(108). وقبل قرن تقريباً من صور كتاب بارتهولد نيبور "تاريخ روما" (1811-32) رفض فيكو الفصول الأولى من تاريخ ليفي لأنه أسطورية. "كل تواريخ




صفحة رقم : 13247




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


الأمم غير اليهودية كان لها بدايات خرافية(109)" (وهنا أيضاً يتجنب فيكو في حذر أن يمس تاريخية سفر التكوين).
وهذا الكتاب الخطير يكشف عن عقل قوي تزعجه المضايقات المتصلة، يكافح لصياغة أفكار أساسية دون أن يقضي به المسير إلى سجن من سجون ديوان التفتيش. وقد بذل فيكو قصاراه المرة بعد المرة ليعلن ولاءه للكنيسة وأحس أنه جدير بثناء الكنيسة لتفسيره مبادئ القانون بطريقة تتفق واللاهوت الكاثوليكي(110). ونحن نسمع نغمة أكثر إخلاصا في رأيه في الدين دعامة لا عنى عتها للنظام الاجتماعي والفضيلة الشخصية: "أن للأديان دون غيرها القوة على جعل الناس يعملون الأعمال الفاضلة(111)..." ومع ذلك، ورغم تكرار استعماله للفظ "العناية الإلهية"، يبدو أنه يبعد الله عن التاريخ ويرد الأحداث إلى التفاعل الحربين الأسباب والنتائج الطبيعية. وقد هاجم دارس دومنيكي فلسفة فيكو لأنها ليست مسيحية بل لوكريتيه.
ولعل العلمانية المنبعثة من تحليل فيكو كان لها بعض الصلة بإخفاقها في أن تظفر بالاستماع إليها في إيطاليا، وما من شك في أن ما شاب عمله من استطرد فوضوي وعاب فكره من اختلاط قد قضى على "علمه الجديد"، بأن يولد ميتاً وأن تكون ولادته مؤلمة. فلم يوافقه أحد على اعتقاده بأنه كتب كتاباً عميقاً أو مثيراً. وعبثاً ناشد لكلير ولو ليذكره في دورية "أخبار عالم الدب"، وبعد عشر سنوات من ظهور كتاب العلم الجديد خف شارل الرابع لنجده فيكو، فعينه مؤرخاً رسمياً للملك براتب سنوي قدره مائة دوقاتية. وفي 1741 قرت عين جامباتستا برؤية ولده جنارو يخلفه أستاذاً في جامعة نابلي. وفي سنواته الأخيرة (1743-44) ضعف عقله فترى في غيبية أشرفت على الجنون.
وكان في مكتبة مونتسيكو نسخة من كتابه(112)، وقد أقر الفيلسوف الفرنسي في هوامش مذكرات خاصة بدينة لنظرية فيكو في التطور والانحلال الدوري، ويظهر هذا الدين الذي لم يفصح عنه في كتاب مونتسيكو "عظمة الرومان وانحطاطهم" (1734). وفيما عدا هذا ظل فيكو مجهولاً




صفحة رقم : 13248




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


في فرنسا حتى جول ميشليه (1827) ترجمة مختصرة لكتاب العلم الجديد. وقد وصف ميشليه إيطاليا بأنها "الأم الثانية والحاضنة التي غذتني في صباي بفرجل، وفي شبابي بفيكو(113)". وفي 1826 بدأ أوجست كونت المحاضرات التي أصبحت فيما بعد "مجموعة محاضرات في الفلسفة الوضعية" (1830-42)، وفيها يشعر بتأثير فيكو في كل خطوة.
أما الإنصاف الكامل لفيكو فلم يأت إلا على يد رجل نابولي هو بنديتو كروتشي(114)، الذي ألمع هو الآخر إلى أن التاريخ يجب أن يتخذ مكانه إلى جوار العلم أساساً ومدخلاً للفلسفة.


جـ - موسيقى نابلي


تليت نابلي قول فيثاغورس، قرأت أن الموسيقى أرفع ضروب الفلسفة. وقد كتب لالاند، الفلكي الفرنسي، بعد جولة في إيطاليا في 1765-66يقول:
"إن الموسيقى هي الانتصار الأعظم للنابوليين، وكأن أغشية طبلة الأذن في ذلك البلد أشد توتراً وتناغماً ورنيناً منها في أي بلد آخر في أوربا. فالأمة كلها تغني. وإيماءات الجسد، والنبرة، والصوت، وإيقاع المقاطع بل والحديث نفسه-كلها تتنفس الموسيقى. ومن ثم كانت نابلي المصدر الرئيسي للموسيقى الإيطالية، ولكبار الملحنين، والأوبرات الممتازة، ففيها أخرج كوريللي وفنتشي ورينالد وجوميللي ودورانتي وليو وبرجوليزي...وكثير غيرهم من أعلام الملحنين روائعهم(115)".
على أن نابلي تفوقت في الأوبرا الألحان الصوتية فقط، أما في الموسيقى الآلية فقد عقدت الزعامة للبندقية، وشكا هواة الموسيقى من أن أهل نابلي أحبوا جيل الصوت أكثر من لطائف الهارموني (التوافق) والكونترابنت. هنأ ملك نيكولوبو ريورا، "الذي ربما كان أعظم من عاش من معلمي الغناء(116)". وكان كل شادٍ إيطالي يصبو إلى أن يكون تلميذه، فإذا قبله




صفحة رقم : 13249




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


احتمل في ذلة شذوذاته العاتية؛ وروى أنه أبقى جايتانو كفاريللي خمس سنوات في صفحة تمارين واحدة، ثم صرفه مؤكداً له أنه الآن أعظم المغنين في أوربا(117). وكان هناك معلم غناء آخر يدعى فرانشيسكو دورانتي، لم يفوقه مرتبة غير يوريورو، وقد علم الغناء لفتشي، وجومللي، ويرجوليزي، وبايزيللو، ويتشيني.
أما ليوناردوفنتشي فقد بدأ معوقاً بسبب اسمه، ولكنه ظفر بالغناء المبكر بتلحينه أوبرا متاستازيو Didone Abband Onate. وقال الجاروتي "أن فرجل نفسه كان يبهجه أن يسمع تلحيناً فيه هذه الحيوية وهذا التعذيب؛ تهجم فيه على القلب والروح كل قوى الموسيقى(118)". وأشهر منه ليوناردو ليو، في الأوبرا الجادة والهازلة، والاوراتوربو. والقداسات والموتيتات، وقد ترددت نابولي فترة بين الضحك على أوبراه الكوميدية La Finta Fraeastana (الضجة المفتعلة) والبكاء على لحن Miaerenr (ارحمني) الذي لحنه لخدمات الصوم الكبير في 1744.
وحين استمع ليو حوالي عام 1735 إلى كنتاتا من تلحين نيكولو جوميللي قال في عجب "لم يمضِ طويل زمن حتى يغدو هذا الفتى محط عجب أوربا وإعجابها..(119)" وقد حقق جوميللي النبوءة تقريباً. ففي الثالثة والعشرين من عمره ظفر بإطراء نابلي الحماسي على أوبراه الأولى، وفي السادسة والعشرين حقق نصراً مماثلاً في روما. وحين مضى إلى بولونيا قدم نفسه على أنه تلميذ لبادري مارتيني، ولكن حين سمعه ذلك المعلم المبجل يرتجل فوجيه بكل تطورها الكلاسيكي صاح "إذن فمن أنت؟ أتراك تسخر مني؟ إنني أنا الذي يجب أن يتعلم منك"(120). وفي البندقية أثارت أوبراته من الحماسة ما حمل مجلس العشرة على تعيينه مديراً للموسيقى في مدرسة ذوي الأمراض المستعصية، وهناك كتب قطعاً من أفضل موسيقى ذلك الجيل الدينية. وحين انتقل إلى فيينا (1748) أخذ يلحن مع متاستازيو الذي ارتبط معه برباط صداقة وثيقة. وبعد أن حقق مزيداً من الانتصارات في البندقية وروما استقر في شتوتجارد ولودفجسبرج




صفحة رقم : 13250




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:30 مساء   رقم المشاركة : [394]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


(1753-68) رئيساً لفرقة مرتلي دوق فورتمبرج. وهنا عدل أسلوبه الأوبرالي في اتجاه ألماني، فزاد من توافقه تركيباً، وأضفى مزيداً من المادة والثقل لموسيقاه الآلية، وتخلى عن تكرار الألحان من البداية Da Capo وأضاف مصاحبة أوركسترالية للسرديات وأحل الباليه محلاً بارزاً في أوبراته، ربما متأثراً بجان جورج نوفير، أستاذ الباليه الفرنسي في شتوتجرد، وقد مهدت هذه التطورات في موسيقى جوميللي، إلى حد ما، لإصلاحات جلوك.
فلما عاد الملحن المسن إلى نابلي (1768) أنكر الجمهور ميوله التيوتونية، ورفضوا أوبراته رفضاً باتاً. وقد قال موتسارت بعد أن سمع إحداها هناك في 1770-"إنها جميلة، ولكن أسلوبها أرفع وأقدم مما يحتمله المسرح"،(121) ولقي جوميللي حظاً أفضل بموسيقاه الكنسية. فرتلت موسيقى لحن "ارحمني" و "قداسة للموتى" في العالم الكاثوليكي طولاً وعرضاً. وقد كتب وليم بكفورد بعد استماعه إلى القداس يرتل في لشبونة في 1787 "لم أسمع قط ولعلي لن أسمع ثانية مثل هذه الموسيقى المهيبة المؤثرة"(122). واعتزل جوميللي في بلدته أفرسا بعد أن ادخر لمستقبله بحرص تيوتوني، وأنفق سنواته الأخيرة شيخاً بديناً ثرياً. وفي 1774 شيع جثمانه جميع موسيقيي نابلي البارزين.
وقد ضحك نابلي أكثر حتى مما غنت. فبأوبرا كوميدية غزا برجوليزي باريس بعد أن أبت تلك المدينة المستكبرة دون سائر العواصم الأوربية أن تخضع لأوبرا إيطاليا الجادة. ولم يخض جوفاني باتستا برجوليزي تلك المعركة بشخصه، ووفد على نابلي وهو في السادسة عشرة. وما أن بلغ الثانية والعشرين حتى كان قد كتب عدة أوبرات، وثلاثين صوناتا، وقداسين، حظيت كلها بالإعجاب الشديد، وفي 1733 قدم أوبرا تسمى Il Prigioniero "السجين" وقد لها بمقدمة "الخادمة التي تنقلب سيدة البيت": والنص قصة مرحة تحكي كيف تحتال الخادمة سربينا على سيدها




صفحة رقم : 13251




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


حتى يتزوجها، أما الموسيقى فساعة حافلة بالمرح والألحان الرشيقة. وقد أسلفنا كيف أسر هذا المرح البارع مزاج باريس وقلبها في "حرب المهرجين" في 1752، التي عرضت في الأوبرا مائة مرة، ثم ستاً وتسعين مرة أخرى في 1753 في التياتر فرانسيه. وقاد برجوليزي أثناء ذلك أوبراه "الأولمبياد" في روما (1735)، فقوبلت بعاصفة من صفير الاستهجان، وببرتقالة صوبت بدقة على رأس الملحن.(123) وبعد سنة ذهب إلى بوتسرولي ليعالج من إصابته بالسل، الذي ازداد فداحة من جراء أسلوب حياته الخليع. وقد كفر موته الباكر عن آثامه، ودفنه في الكاتدرائية المحلية الرهبان الكبوشيون الذين أنفق معهم أيامه الأخيرة. أما روما التي ندمت على فعلتها بعثت "الأولمبياد" من جديد، وصفقت لها في طرب شديد، واليوم تحفظ له إيطاليا ذكرى مجيدة لا لفواصله المرحة بقدر ما تحفظها له لرقة العاطفة في "آلام العذراء" التي لم يعش ليكملها. وقد جعل برجوليزي نفسه موضوعاً لأوبراوين.
وقد أصاب دومنيكو سكاربوتي ما أصاب برجوليزي من مبالغة طفيفة نفختها فيه رياح الذوق، ولكن من ذا الذي يستطيع مقاومة تألق براعته وخفة يده؛ ولد في عام العجائب، عام هندل وباخ (1685)، وكان الطفل السادس لألكساندور سكارلاتي، الذي كان آنئذ فردي الأوبرا الإيطالية. وقد تنفس الموسيقى منذ ولد. فقد كان أخوه بييترو، وابن عمه جوزيبي، وعماه فرانشيسكو وتومازو موسيقيين. وكانت أوبرات جوزيبي تخرج في نابلي وروما وتورين والبندقية وفيينا. وخشي الأب أن تختنق عبقرية الفتى دومنيكو بهذه الوفرة في المواهب فبعث به إلى البندقية وهو في العشرين وقال، إن ابني هذا نسر كبر جناحاه، فيجب ألا يبقى في العش، وعلي ألا أعطل طيرانه(124).
وفي البندقية واصل الشاب دراساته والتقى بهندل. ولعلهما قصدا روما حيث دخلا بتحريض من الكردينال أوتوبوني في مباراة ودية على الهاربسكورد ثم على الأرغن. وكان دومنيكو يومها أفضل عازف على




صفحة رقم : 13252




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


الهاربسكورد في إيطاليا، ولكن يروى أن هندل لم يكن دونه مهارة عليهم، أما على الأرغن فإن سكارلاتي اعترف بصراحة بتفوق "السكسوني العزيز" عليه. وتوثقت الصداقة بين الرجلين، وهذا أمر عسير جداً على كبار الممارسين لفن واحد، ولكن يقول معاصر لهما أن "دومنيكو كان صاحب طبع غاية في اللطف وسلوك غاية في النبل"(125). أما هندل فكان قلبه كبير كهيكله. ومنع الإيطالي تواضعه وحياؤه من عرض براعته في العزف على الهاربسكورد أمام الجماهير. ونحن نعرفها من أخبار السهرات الموسيقية الخاصة فقط. وقد خيل لأحد سامعيه في روما (1714) "أن عشرة آلاف شيطان كانوا يعزفون على الآلة" إذ لم يسمع قط من قبل "مثل هذه الفقرات تنفيذاً وتأثيراً"(126) وكان سكارلاتي أو من طور إمكانات لوحة مفاتيح اليد اليسرى بما في ذلك إمرارها فوق اليد اليمنى. قال "إن الطبيعة منحتني عشرة أصابع، وبما أن آلتي تتيح تشغيلها جميعاً، فلست أرى سبباً ألا أستعملها"(127).
وفي 1709 قبل وظيفة "مايسترو دي كابللا" لمملكة بولندا السابقة ماريا كازيميرا. ذلك أنها بعد موت زوجها جان سويبكي نفيت لاعتبارها دساسة مثيرة للقلاقل. فلما قدمت إلى روما في 1699 صممت على إنشاء ندوة تحفل بالعبقريات كصالون كرستينا ملكة السويد التي ماتت قبل ذلك بعشر سنين. فجمعت الكثير من رواد صالون كرستينا السابقين في قصر على ميدان "ترينيتا دي مونتي" وفيهم عدة أعضاء في الأكاديمية الأركادية. وهناك (1709-14) أخرج سكارلاتي عدة أوبرات. ولما شجعه نجاحها ، قدم "أمليتو" (هاملت) على مسرح الكايرانيكو. ولم تلق قبولاً حسناً من الجمهور. ولم يعد دومنيكو بعدها قط لتقديم أوبرا لجمهور إيطالي. فلقد وضع أبوه مستوى للأوبرا كان أعلى من أن يدركه.
وظل أربع سنين (1715-19) يقود الكابيلا جوليا بالفاتيكان، ويعزف الأرغن في كاتدرائية القديس بطرس؛ ثم لحن الآن "آلام العذراء" التي حكم الجمهور عليها بأنها "رائعة أصلية"(128) وفي 1719، قاد أوبراه




صفحة رقم : 13253




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


"نار تشيزو" في لندن. ثم نجده بعد عامين في لشبونة قائداً لفرقة المنشدين للملك يوحنا الخامس ومعلماً لأبنة الملك ماريا بربارا، التي أصبحت بفضل تعليمه عازفة ماهرة على الهاربسكورد، ومعظم صوناتاته الباقية ألفها باستعماله. فلما عاد إلى نابلي (1725) تزوج وهو في الثامنة والأربعين بماريا جنتيلي التي لم تتجاوز السادسة عشرة، وفي 1729 اصطحبها إلى مدريد. في تلك السنة تزوجت ماريا بربارا من فرديناند، ولي عهد أسبانيا. فلما انتقلت معه إلى إشبيلية رافقها سكارلاتي وظل في خدمتها إلى أن ماتت.
وماتت زوجة سكارلاتي في 1739 مخلفة له خمسة أطفال. وتزوج ثانية، وسرعان ما أصبح الخمسة تسعة. فلما أصبحت ماريا بربارا ملكة على أسبانيا (1746) جلبت أسرة سكارلاتي معها إلى مدريد. وكان فارنيللي الموسيقي الأثير لدى الملك والملكة، ولكن المغني والعازف أصبحا صديقين حميمين. وكانت وظيفة سكارلاتي وظيفة خادم مميز، ويمد البلاط الأسباني بالموسيقى. وحصل على إذن بالذهاب إلى دبلن في 1740 وإلى لندن في 1741؛ ولكنه كان أكثر الوقت يعيش في قناعة هادئة بمدريد أو قربها، متوارياً عن العالم تقريباً، لا يخامره الظن على الأرجح بأنه سيكون أثيراً لدى عازفي البيانو في القرن العشرين.
ولم ينشر سكارلاتي في حياته سوى ثلاثين صوناتا من بين 555 صوناتا تستند الآن إليها شهرته استناداً قلقاً بفضل حلياتها النغمية. وقد دل عنوانها المتواضع (تمارين على الهاربسكورد) على هدفها المحدود، وهو ارتياد إمكانات التعبير بتقنية الهاربسكورد. وهي ليست صوناتات إلى بالمعنى الأقدم للفظ، أي قطع آلية "تعزف" ولا تغنى. ولبعضها موضوعات متعارضة، وبعضها تزاوج في مقامات كثيرة وصغيرة، ولكنها كلها في حركة مفردة لم تبذل فيها أي محاولة لتفصيل الموضوع وتلخيصه. وهي تمثل تحرر موسيقى الهاربسكورد من تأثير الأرغن، وتلقى التأثيرات من الأوبرا بمؤلفات للوحة المفاتيح. وقد تفوقت على حيوية أصوات السوبرانو والمغنين ورقتها ورعشاتها وحيلها بالأصابع الخفيفة الرشيقة الطيعة لخيال لعوب مسرف.




صفحة رقم : 13254




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إيطاليا السعيدة -> نابلي


لقد "لعب" سكارلاتي الهاربسكود بمعنى الكلمة الحرفي. يقول في هذا: "لا تتوقعوا أي عمق في العلم، بل معابثة بارعة للفن"(129). وهناك أثر في الرقص الأسباني وما فيه من أرجل طافرة وتنورات مدومة وصاجات رنانة تحسه في هذه التموجات والتدفقات؛ وفي كل موضع من الصوناتات تجد استسلام العازف للذة التحكم في آلته(130).
ولابد أن هذا الفرح بالآلة كان من بواعث السلوى لسكارلاتي في سنوات خدمته تلك في أسبانيا. وقد نافسته لذة لعب الميسر الذي أتى على الكثير من معاشه، واضطرت الملكة إلى سداد ديونه غير مرة. ثم ساءت صحته بعد عام 1751، وزادت تقواه وورعه. وفي 1754 عاد إلى نابلي ومات فيها بعد ثلاث سنين. وتولى فارنيللي الطيب إعالة أسرته المعوزة.
وقد أرجأنا الكلام على سيرة فارنيللي الغريبة في أسبانيا حتى فصل لاحق. وقد يكون هو ودومنيكو سكارلاتي، وجامباتستا ودومنيكو تيبولو، من الإيطاليين الموهوبين الذين كان لهم الفضل، هم ومنجز المتطلين تقريباً، في استخدام الموسيقى والفن الإيطاليين في البعث الأسباني. وفي 1759 لحق بهم ملك نابلي أو يبقهم. ففي ذلك العام مات فرديناند السادس دون عقب، وورث أخوه شارل الرابع ملك نابلي العرش الأسباني باسم شارل الثالث. وأسفت نابلي على رحيله عنها. وكان هذا الرحيل في أسطول من ست عشرة سفينة يوم عطلة حزينة لأهل نابلي، فاجتمعوا في حشود كبيرة بطول الشاطئ ليشاهدوه وهو يقلع، ويروى أن كثيرين منهم بكوا وهو يودعون "ملكاً أثبت أنه أب لشعبه"(131). وقد كتب له أن يتوج أعماله ببث الشباب في حياة أسبانيا.




صفحة رقم : 13255




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> يوحنا الخامس



الفصل العاشر




البرتغال وبومبال




1706 - 1782




1- يوحنا الخامس




1706 - 1750


لم اضمحلت البرتغال بعد أيامها المجيدة التي أنجبت ماجلان وفاسكو داجاما وكاموئيس؟ لقد كان في جسدها وروحها يوماً ما من الهمة ما يكفي لإرتياد نصف الكرة وإنشاء المستعمرات الجريئة في ماديرا، والأزور، وأمريكا الجنوبية، وأفريقيا، ومدغشقر، والهند وملقا، وسومطرة. أما الآن، في القرن الثامن عشر، فقد باتت نتوءاً ضئيلاً لأوربا، مقيدة إلى إنجلترا في التجارة والحرب، ويغذيها ذهب البرازيل وماسها اللذان يصلان إليها بإذن الأسطول البريطاني. فهل أنهكت قواها لفرط ما قدمت من الرجال البواسل لتملك هذا العدد العديد من المخافر الأمامية القلقة التوازن على أطراف المعمورة؟ أم لعل تدفق الذهب عليها نزح الحديد من عروقها وأوهن طبقاتها الحاكمة فانتكست من حياة الإقدام والمغامرة إلى حياة اللين والدعة؟
أجل، لا بل أنه من قوة الصناعة أيضاً. فأي جدوى في محاولة تبذلها لتنافس مهرة الصناع أو ملتزمي الصناعة الإنجليز أو الهولنديين أو الفرنسيين في الحرف أو الصناعات، ما دام في طاقتها شراء ما تستورده من الكساء والغذاء وأسباب الترف والنعيم بالذهب المستورد؟ فأما الأغنياء الذين يتاجرون بالذهب فقد أصبحوا أكثر غنى، ازدادوا فخامة ملبس وبهاء زينة، وأما الفقراء الذين حيل بينهم وبين ذلك الذهب فقد ظلوا يتردون في فقرهم لا يحثهم على الكد والعرق غير حافز الجوع. وأدخل




صفحة رقم : 13256




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> يوحنا الخامس


تشغيل الرقيق في مزارع كثيرة، وملأ المتسولون المدن ضجيجاً بصيحاتهم. وقد كتب عنهم وليم بكفورد حين سمعهم في 1787 يقول "ليس بين الشحاذين قاطبة من يضارع شحاذي البرتغال قوة رئات، ووفرة قروح، وكثرة حشرات، وتنوع أسماك، وترتيب خرق؛ ومثابرة لا تهاب..أن عددهم لا يحصى، عمي، صم، جرب(1)".
ولم تكن لشبونة يومها هذه المدينة الجميلة التي نعهدها اليوم. لقد كانت الكنائس والأديرة غاية في البهاء، وقصور النبلاء فسيحة ضخمة، ولكن نسبة لا تقل عن عشر السكان بغير مأوى، وكانت الأزقة الملتوية تفوح منها رائحة القمامة والقذارة(2). ومع ذلك فهنا، كما في سائر بلاد الجنوب، عوض الفقر بأسباب العزاء من الأيام المشمسة، والأمسيات المزدانة بالنجوم، والموسيقى، والدين، والنساء المتدينات ذوات العيون التي تعذب الناظرين. وكان القوم يتدفقون في الشوارع بعد أن تخف وقدة القيظ لا يعوقهم لدغ البراغيث في أجسامهم ولا طنين البعوض في الهواء، فيرقصون ويغنون ويعزفون على القياثير ويقتتلون للفوز بابتسامة من عذراء.
وكانت المعاهدات (1654، 1662، 1703) قد قيدت البرتغال بإنجلترا في تكافل عجيب حالف بينهما في الاقتصاد والسياسة الخارجية وأبقاهما في الوقت نفسه أشد ما تكونان تبايناً في العادات وخصومة في العقيدة. وتعهدت إنجلترا بحماية استقلال البرتغال والسماح باستيراد النبيذ البرتغالي (البورت من أوبورتو) برسم جمركي مخفض جداً. أما البرتغال فتعهدت بالسماح باستيراد المنسوجات الإنجليزية معفاة من الرسوم، وبالوقوف في صف إنجلترا في أي حرب تنشب. ونظر البرتغاليون إلى الإنجليز على أنهم زنادقة هالكون يملكون أسطولاً قوياً، ونظر الإنجليز إلى البرتغال على أنهم قوم جهلة متعصبون يملكون المواني الاستراتيجية. وسيطر رأس المال البريطاني على الصناعة والتجارة البرتغاليتين. كتب بومبال يشكو من هذه الأوضاع في شيء من المبالغة:
"في سنة 1754 لم تكد البرتغال تنتج أي شيء يعينها على الاستكفاء.




صفحة رقم : 13257




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> يوحنا الخامس


فثلثا الضروريات المادية تزودهما إنجلترا. وغدت إنجلترا السيد المتصرف في تجارتنا كلها، وكان الوكلاء الإنجليز يديرون تجارتنا الخارجية بجملتها..فهم يملكون كل شحنات السفن المقلعة من لشبونة إلى البرازيل، ومن ثم يملكون الثروة العائدة بديلاً عن هذه الشحنات. فلم يكن شيء برتغالياً إلا بالاسم فقط(3)".
ومع ذلك وصل إلى يد الحكومة البرتغالية من ذهب المستعمرات وفضتها وأحجارها الكريمة ما يكفي لتميل مصروفاتها ولجعل الملك مستقلاً عن مجلس الشعب وسلطانه الضريبي. وهكذا عاش يوحنا الخامس، طوال ملكه الذي امتد أربعة وأربعين عاماً، يرفل في رغد من العيش كأنه أحد سلاطين الشرق؛ ويلطف من تعدد نسائه بالثقافة ويجمله بالولاء للكنيسة. فوهب الأموال الطائلة أو أقرضها للبابوية، وتلقى نظير ذلك لقب "صاحب الجلالة العظيم الإيمان" بل نال حتى حق تلاوة القداس-دون حق تحويل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. قال فردريك الأكبر "كانت لذاته في الوظائف الكهنوتية، ومبانيه أديرة، وجيوشه رهباناً وخليلاته راهبات(4)".
وأثرت الكنيسة بفضل هذا الملك الذي يدين لها بالكثير جداً من الغفرانات. فملكت نصف الأراضي(5)، وشغل أتباعها تسعمائة دار دينية. وبلغ عدد الكنسيين من مختلف الرتب أو الملحقين بالمؤسسات الدينية زهاء 200.000 في أمة تعد مليونين من الأنفس. وأختص اليسوعيون بمكان الصدارة المرموق سواء في أرض الوطن وفي المستعمرات، فلقد ساهموا في الفوز بالبرازيل للبرتغال، ولقي نفر منهم الترحيب في البلاط، وتمكن بعضهم التسلط على الملك. وكان الملك في موكب (عيد القربان) العظيم يحمل أعمدة المظلة التي حمل تحتها بطريرك لشبونة السر المقدس. فلما تعجب الإنجليز لمنظر طريق الموكب يصطف على جانبيه الجند والمصلون وكلهم عاري الرأس جاثٍ على ركبتيه، قيل لهم في تفسير هذا المشهد أن مثل هذه




صفحة رقم : 13258




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> يوحنا الخامس


المراسم وعرض الآنية النفيسة والرفاة المعجز في الكنائس، عامل رئيسي في حفظ النظام الاجتماعي بين الفقراء.
وكانت محاكم التفتيش خلال ذلك ساهرة على نقاء عقيدة الأمة ودمائها. وقد كبح يوحنا الخامس من سلطان هذه المؤسسة بحصوله على مرسوم من البابا بندكت الثالث عشر يسمح لسجنائها بأن يدافع عنه المحامون ويشترط مراجعة الملك لجميع أحكامها(6). ومع ذلك كان لهذه المحكمة من النفوذ والسلطان ما مكنها من إحراق ستة وستين شخصاً في لشبونة على مدى أحد عشر عاماً (1732-42) من بينهم أنطونيو خوزيه دا سيلفا كبير كتاب العصر المسرحيين البرتغاليين، الذي اتهم بأنه يضمر اليهودية. وفي يوم إعدامه (19 أكتوبر 1739) مثلت إحدى مسرحياته في ملهى لشبونة(7).
وأحب يوحنا الخامس الموسيقى والأدب والفن. فاستقدموا الممثلين الفرنسيين والموسيقيين الإيطاليين إلى عاصمة ملكه. ثم أنشأ أكاديمية التاريخ الملكية. ومول القناة الكبرى التي تمد لشبونة بالماء. وأنفق خمسين مليوناً من الفرنكتات ليشيد دير مافرا (1717-32)، الذي يفوق الأسكوريال سعة، والذي ما زال من أروع ما تحويه شبه الجزيرة الأيبيرية من صروح. ورغبة في تزيين داخل الدير استعار من أسبانيا أعظم مصوري القرن البرتغاليين.
وكان هذا المصور-فرانسسكوفييرا-البالغ آنذاك الرابعة والثمانين من عمره يمزج العشق والفن في شاعرية افتتنت بها البرتغال بأسرها. ولد بلشبونة في 1699، ووقع في غرام أجنيز إيلينا دي ليما وهما بعد طفلان. وإذ كان مولعاً بالتصوير أيضاً، فقد ذهب إلى روما في التاسعة ودرس فيها سبع سنين، ولما بلغ الخامسة عشرة فاز بالجائزة الأولى في مسابقة قدمتها أكاديمية القديس لوقا. وحين عاد في 1715أختاره يوحنا الخامس ليرسم صورة "سر التناول" وروي أنه أتمها في ستة أيام. ثم أنطلق باحثاً عن أجنيز، فرده عنها أبوها النبيل وحبس الفتاة في دير للراهبات. فلجأ فرانسسكو إلى الملك، ولكنه أبى أن يتدخل في الأمر. فقصد روما وحصل على مرسوم




صفحة رقم : 13259




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> يوحنا الخامس


بابوي يلغي نذور أجنيز الديرية ويصرح بزواجه منها. ولكن السلطات البرتغالية تجاهلت المرسوم. فتنكر فرانسسكو في زي بناء بعد أن عاد إلى لشبونة، ودخل الدير وخطف حبيبته وتزوجها. فأطلق عليه أخوها الرصاص، ولكنه شفي من إصابته وغفر لمهاجمه. وعينه يوحنا الخامس مصوراً للبلاط. ولم يكتف بتكليفه تزيين دير مافرا بل وكل إليه تجميل القصور الملكية. وبعد موت أجنير (1775) أنفق فرانسسكو ما بقي من أجله في الاعتكاف الديني وأعمال البر. كم من قصص كهذه تروي مغامرات الروح والدم ضاعت وراء واجهات التاريخ؟




صفحة رقم : 13260




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون



2- بومبال واليسوعيون


مات يوحنا الخامس عام 1750 بعد أن قضى ثمانية أعوام يعاني الشلل والعته، وبدأ ابنه يوسف الأول (خوزيه مانويل) حكماً حافلاً بالأحداث. فعين في وزارته وزيراً للحرب والشؤون الخارجية يدعى سباستيا وخوزيه دي كافالو اي ميللو، الذي يعرفه التاريخ باسم المركيز بومبال، أعظم وأرهب من حكم البرتغال في أي عهد من عهودها.
كان قد بلغ الحادية والخمسين من عمره حين ارتقى يوسف العرش. تلقى العلم على أيدي اليسوعيين في جامعة كويمبرا، واكتسب أول شهرته رياضياً وزعيماً مشاغباً لعصابة "الموهوك" التي عاثت فساداً في شوارع لشبونة. وفي 1733 أغرى النبيلة دونا تريزا نورونها بالفرار معه. فتبرأت منها أسرتها، ثم تبينت موهبته فأعانته على الترقي في حرفة السياسة. وأتته زوجته بثروة صغيرة، وورث مالاً آخر من عم له. وشق طريقه بالوساطة والإلحاح والكفاية الواضحة. وفي 1739 عين وزيراً مفوضاً لدى لندن، واعتكفت زوجته في أحد الأديرة حيث ماتت في 1745 وخلال السنوات الست التي قضاها بومبال في لندن درس الاقتصاد ونظام الحكم الإنجليزيين ولحظ طاعة الكنيسة الأنجلكانية للدولة، ولعله نفض عنه بعض إيمانه الكاثوليكي. ثم عاد إلى لشبونة (1744)، وأوفد مبعوثاً إلى فيينا (1745)، وهناك تزوج




صفحة رقم : 13261




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


ابنة أخ للمرشال داون الذي كتب له الظفر بالخلود لأنه هزم فردريك مرة، وقد ظلت عروسه الجديدة وفية له طوال ما أحرزه من انتصارات وما مني به من هزائم.
وكان يوحنا الخامس عديم الثقة به لأن له "قلباً فضاً"(8). ولأنه "سليل أسرة قاسية محبة للثأر"(9) ولأن فيه القدرة على أن يتحدى ملكاً. ومع ذل استدعي بومبال إلى أرض الوطن عام 1749، ورقي إلى منصب الوزارة بفضل تأييد اليسوعيين. وثبته يوسف الأول في وظيفته. وسرعان ما أتاح له ذكاؤه المقرون بالجد والاجتهاد أن يسيطر على الوزارة الجديدة. كتب قائم بالأعمال فرنسي يقول "يمكن اعتبار كافالو الوزير الأول، فهو سريع البت وافر النشاط لا يعتريه كلل. ولقد كسب ثقة مولاه الملك، ولم يظفر بها أحد أكثر منه في جميع شؤون السياسة"(10).
وظهر تفوقه واضحاً جلياً في الزلزال الكبير الذي زلزل لشبونة في أول نوفمبر 1755. ذلك أنه في الساعة 9.40 صباح عيد جميع القديسين بينما كان معظم السكان يصلون في الكنائس، زلزلت المدينة بهزات أربعة أحالت نصفها أنقاضاً، وقتلت أكثر من خمسة عشر ألف شخص، ودمرت اكثر الكنائس، وأبقت على معظم المواخير(11) وعلى بيت بومبال. وهرع كثير من السكان فزعاً إلى شواطئ تاجه، ولكن موجة مد بلغ ارتفاعها خمس عشرة قدماً أغرقت مزيداً من الأنفس. وفي غمار الفوضى التي ضربت أطنابها بدأ السفلة من الغوغاء يسرقون ويقتلون وهم آمنون. أما الملك الذي لم يفلت هو نفسه من الموت إلا بشق الأنفس، فقد طلب إلى وزرائه أن يشيروا عليه بما ينبغي صنعه. ويقال أن بومبال أجاب "علينا أن ندفن الموتى ونقدم الغوث للأحياء". وأطلق يوسف يده، واستعمل بومبال سلطته بما تميز به من همة وسرعة. فعين الجند لحفظ النظام وأقام الخيام والمعسكرات لإيواء من باتوا بغير مأوى. وأمر بأن يشنق فوراً كل من وجد يسرق الموتى. ثم حدد أسعار المؤن بما لا يزيد على أسعارها




صفحة رقم : 13262




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


السائدة قبل الزلزال، وألزم جميع السفن الوافدة أن تفرغ شحناتها من الطعام وتبعها بتلك السعار. وأعانه تدفق الذهب البرازيلي الذي لم ينضب، فأشرف على إعادة بناء لشبونة سريعاً بطرق مشجرة عريضة وشوارع جيدة الرصف والإضاءة. وقلب المدينة كما نراه اليوم من صنع المعماريين والمهندسين الذين اشتغلوا تحت إشراف بومبال(12).
وكان لنجاحه في هذه الكارثة التي أضعفت معنوية الأمة الفضل في ترسيخ قدمه في الوزارة واضطلع الآن بعملين بعيدي الأثر: أولهما تخليص الحكم من سيطرة الكنيسة، والآخر تحرير الاقتصاد من سيطرة بريطانيا. وتطلبت المهمتان رجلاً أوتي صلابة الفولاذ إلى صفات الوطنية والإباء ومضاء العزيمة التي لا تعرف شفقة أو رحمة.
وإذا كان عداؤه للأكليركية قد تركز على اليسوعيين فإنما السبب الأول هو أنه توجس منهم إثارة المقاومة لتملك البرتغال للأقاليم البارجوانية التي كان اليسوعيين منذ عام 1605 ينظمون فيها أكثر من 100.000 هندي في إحدى وثلاثين مستوطنة، على أساس شبيه بالأنظمة الشيوعية في خضوع شكلي لأسبانيا(13). وكان الرواد من الأسبان والبرتغال قد سمعوا بوجود الذهب (الأسطوري تماماً) في تربة باراجوي. وشكا التجار من أن الآباء اليسوعيين يحتكرون تجارة الصادر الباراجوي ويضيفون الأرباح إلى أموال طائفتهم. ففي 1750 فاوض بومبال لعقد معاهدة نزلت البرتغال بمقتضاها لأسبانيا عن مستعمرة سان سكرومنتو الغنية (على مصب الريودي لابلاتا) بديلاً عن سبع من المستوطنات اليسوعية المجاورة للحدود البرازيلية. واشترطت المعاهدة أن يهاجر الثلاثون ألف هندي المقيمون في هذه المستوطنات إلى أقاليم أخرى ويتخلوا عن الأرض للبرتغال الوافدين. وأمر فرديناند السادس ملك أسبانيا يسوعيي باراجوي بالرحيل عن المستوطنات وبإصدار الأمر لرعاياهم بالرحيل هدوء. وزعم اليسوعيون أنهم امتثلوا لهذه الأوامر، أما الهنود فقاموا في إصرار غاضب عنيف اقتضى التغلب عليه جيشاً برتغالياً ثلاث سنين. واتهم بومبال جماعة اليسوعيين بتشجيع هذه المقاومة سراً.




صفحة رقم : 13263




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


فعقد العزم على أن ينهى كل مشاركة لليسوعيين في الصناعة والتجارة والحكومة البرتغالية. فلما أدرك يسوعيو البرتغال نيته تضافرت جهودهم للإطاحة به.
وكان قائدهم في هذه الحركة جابرييل مالاً جريداً، الذي ولد بمنادجو (على بحيرة كومو) عام 1689، وتميز على أقرانه في المدرسة بما مارس من غض يديه حتى يدميهما، وكان يقول أنه بهذه الطريقة يعد نفسه لتحمل آلام الاستشهاد. ثم التحق بجمعية اليسوعيين، وأبحر إلى البرازيل مبعوثاً. وراح يبشر الهنود في الأدغال بالإنجيل من 1724 إلى 1735. وأفلت من الموت عدة مرات-من أكلة لحوم البشر، ومن التماسيح، ومن الغرق في السفينة، ومن المرض. وابيضت لحيته في بواكير كهولته. ونسبت إليه قوى خارقة، وكانت الجموع المترقبة تتبعه أينما ظهر في مدن البرازيل. وبنى الكنائس والأديرة، وأسس المدارس اللاهوتية. وفي 1747 قدم على لشبونة في طلب المال من الملك يوحنا. وحصل عليه، ثم أبحر قافلاً إلى البرازيل وأسس المزيد من البيوت الدينية، وكثيراً ما شارك بيديه في أعمال البناء. وفي 1753 عاد إلى لشبونة ثانية، لأنه كان قد وعد بأن يعد الملكة الأم للقاء ربها. وقد عزا زلزال 1755 لخطايا الشعب، وطالب بإصلاح الأخلاق، وتنبأ مع غيره من أفراد طائفته بمزيد من الزلازل إن لم تنصلح الأخلاق. وأصبح بيت خلوته الدينية بؤرة للمؤامرات ضد بومبال.
وكان بعض أسر النبلاء ضالعين في هذه المؤامرات. واحتجوا بأن ابن مالك أرض ريفي حقير قد سود نفس على البرتغال، وقبض على مقاليد حياتهم ومقدراتهم. وكان أحد هذه الأحزاب الأرستقراطية تحت زعامة دوم خوزيه دي ماسكارينهاس، دوق أفيرو، وآخر يرأسه ابن أخي الدوق وهو المركيزة دونا ليونور، إحدى زعيمات المجتمع البرتغالي، تلميذة شديدة التحمس للأب مالاً جريداً كثيرة التردد عليه. وكان أكبر أبنائها، الدوم لويز برناردو، "مركيز طابوره الأصغر" متزوجاً من عمته. فلما




صفحة رقم : 13264




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


رحل لويز إلى الهند جندياً، أصبحت هذه "المركيزة الصغيرة" الفاتنة الرائعة الجمال خليلة ليوسف الأول، وهذا أيضاً لم ينسه قط آل أفيرو وطابوره. وافقوا اليسوعيين صادقين على أنه لو أزيح بومبال لتحسن الموقف.
ورد بومبال بإقناع يوسف بأن جمعية اليسوعيين تشجع سراً المزيد من الثورة في بارجواي، وأنها لا تتآمر على الوزارة فحسب بل على الملك أيضاً. ففي 19 سبتمبر 1757 أقصى مرسوم ملكي عن البلاط أباء اعتراف الأسرة المالكة اليسوعيين. وأمر بومبال ابن عمه، فرانسسكو دي المادا إي مندونسا، المبعوث البرتغالي لدى الفاتيكان، بألا يظن بالمال في سبيل تشجيع وتمويل الحزب المناوئ لليسوعيين في روما. وفي أكتوبر قدم المادا لبندكت الرابع عشر قائمة بالتهم الموجهة إلى اليسوعيين: اتهموا بأنهم "ضحوا بكل العهود والواجبات المسيحية، والدينية، والطبيعية، والسياسية في رغبة عمياء...في جعل أنفسهم سادة على الحكومة". وبأن الجمعية مدفوعة "بشره لا يشيع لاقتناء الأموال الأجنبية وتكديسها، بل حتى لاغتصاب أملاك الملوك(14)"، وفي أول إبريل 1758 أمر البابا الكردينال دي سالدانها، بطريرك لشبونة، بالتحقيق في هذه التهم. وفي 15 مايو نشر سالدانها مرسوماً يعلن أن اليسوعيين البرتغال يمارسون التجارة. "مخالفين بذلك جميع القوانين السماوية والبشرية"، وأمرهم بالكف عنها. وفي 7 يونيو، بتحريض من بومبال في أغلب الطن، وأمرهم بالامتناع عن سماع الاعترافات أو عن الوعظ. وفي يوليو نفي يسوعي لشبونة إلى مسافة ستين فرسخاً عن القصر الملكي: وخلال ذلك (3 مايو 1758) مات بندكت الرابع عشر، فعين خليفته كلمنت الثالث عشر لجنة تحقيق أخرى، قررت أن اليسوعيين براء من التهم التي رماها بها بومبال(15).
وخامر الناس بعض الشك في أن يوسف الأول سيؤيد وزيره في هجومه على اليسوعيين، ولكن تحولاً فجائياً في الأحداث دفه الملك دفعاً تماماً إلى صف بومبال. ذلك أن يوسف كان في ليلة الثالث من سبتمبر 1758 قافلاً إلى قصره القريب من بيليم من لقاء غرام سري مع مركيزة طابوره




صفحة رقم : 13265




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


في أغلب الظن(16). وقبيل منتصف الليل انبعث ثلاثة رجال مقنعين من عقد قناة وأطلقوا المار على المركبة دون أن يصيبوا هدفهم. وأطلق السائق لجواده العنان، وما هي إلا لحظة حتى انطلقت رصاصتان من كمين آخر، وأصابت الأولى السائق والأخرى الملك في كتفه وذراعه اليمينين. وقررت محكمة تحقيق لاحقة أن كميناً ثالثاً أعده أفراد من آل طابوره كان ينتظر المركبة على مسافة أبعد على الطريق العام إلى بيليم. ولكن يوسف أمر السائق أن يحيد عن الطريق الرئيسي ويقصد بيت جراح الملك، الذي ضمد جراح الرجلين. ولعل الأحداث التالية التي أحدثت ضجة في جميع أرجاء أوربا، كانت تختلف كل الاختلاف لو نجح الكمين الثالث في الاغتيال المبيت.
وتصرف بومبال بتدبر ودهاء. فنفيت إشاعات الهجوم رسمياً، وعزى اعتكاف الملك المؤقت إلى كبوة كباها، وظل جواسيس الوزير ثلاثة أشهر يجمعون الأدلة. فوجدوا رجلاً يشهد بأن انطونيو فريرا استعار بندقية منه في 3 أغسطس وردها إليه في 8 سبتمبر. وقيل أن رجلاً قال أن فريرا استعار مسدساً منه في 3 سبتمبر ورده بعد أيام. وقال الشاهدان أ، فريرا في خدمة دوق أفيرو وشهد سلفادور دوراو؛ وهو خادم في بيليم، بأنه في ليلة الهجوم، بينما كان في لقاء خارج بيت أفيرو، سمع عفواً أفراداً من أسرة أفيرو عائدين من مغامرة ليلية.
وأعد بومبال لقضيته في حيطة وجرأة. فضرب صفحاً عن الإجراء الذي يتطلبه القانون، والذي كان سيحاكم الأشراف المشبوهين أمام محكمة من كبار النبلاء؛ ومحكمة كهذه لن تدينهم أبداً. وبدلاً من هذا، أصدر الملك في 9 ديسمبر مرسومين، وكان هذا الإصدار أول كشف علني عن الجريمة: فعين المرسوم الأول الدكتور بدور جونسا لفيس بيريرا قاضياً يرأس محكمة خاصة بقضايا الخيانة العظمى، وأمره الآخر بأن يميط اللثام عن المسئولين عن محاولة قتل الملك ويقبض عليهم ويعدمهم. وخول جونسا لفيس بريرا سلطة إغفال جميع الأشكال المألوفة للمحاكمات، وأمرت المحكمة




صفحة رقم : 13266




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


بتنفيذ أحكامها يوم إعلانها. وأضاف بومبال إلى المراسيم بياناً رسمياً علق في جميع أرجاء المدينة، يروي أحداث 3 سبتمبر، ويعد بمكافأة أي شخص يقد الأدلة التي تعين على القبض على القتلة(17).
وفي 13 ديسمبر قبض 13 موظفاً حكومياً على دوق أفيرو، وعلى ابنه المركيز جوفيا البالغ من العمر ستة عشر عاماً، وعلى خادم أنطونيو فريرا، وعلى مركيزي طابوره الأب والابن، وعلى المركيزة طابوره الأم، وعلى كل خدم الأسرتين، وعلى خمسة نبلاء آخرين. وطوق الجند في ذلك اليوم جميع الكليات اليسوعية، وأودع السجن مالاجريدا واثنا عشر آخرون من زعماء اليسوعيين. وتعجيلاً للفصل في الأمر، أباح مرسوم ملكي صدر في 20 ديسمبر (بخلاف ما جرى عليه العرف في البرتغال) استعمال التعذيب لاستخلاص الاعترافات من المتهمين. وفحص خمسون سجيناً بالتعذيب أو التهديد بالتعذيب. وورطت عدة اعترافات دوق أفيرو، واعترف هو نفسه بذنبه تحت وطأة التعذيب، واعترف أنطونيو فريروا أنه أطلق المار على المركبة، ولكنه أقسم أنه لم يكن يعلم أن ضحيته المحتمل هو الملك. وتحت وطأة التعذيب عرض عدة خدم تلك الأسرة بجملتها للخطر، واعترف المركيز الابن باشتراكه، أما المركيز الأب الذي عذب حتى كاد يلفظ أنفاسه فقد أنكر أنه مذنب. وكان بومبال ذاته يحضر فحص الشهود والمسجونين. وكان قد أمر بتفتيش البريد، فزعم الآن أنه وجد ضمنه أربعاً وعشرين رسالة كتبها دوق أفيرو، وعدة أفراد من آل طابوره، ومالاجريدا وغيره من اليسوعيين، لإحاطة أصدقائهم أو أقربائهم في البرازيل بالمحاولة الفاشلة، واعدينهم بمزيد من الجهود لقلب الحكومة. وفي 4 يناير 1759 عين الملك الدكتور أورزيبيو تافاريس دي سكوبرا للدفاع عن المتهمين. ودفع سكوبرا بأن الاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب عديمة القيمة في الدلالة على الجريمة، وأن جميع النبلاء المتهمين يستطيعون إثبات غيابهم ليلة الجريمة. على أن المحكمة قضت بأن الدفاع غير مقنع، ورأت أن الرسائل المعترضة صحيحة وأنها تؤيد الاعترافات، وفي 12 يناير حكمت المحكمة بأن جميع المتهمين مذنبون.




صفحة رقم : 13267




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


وأعدم تسعة منهم في 13 يناير في ميدان بيليم العام، وأول من تقر إعدامه كان مركيزة طابوره الأم. فانحنى الجلاد ليوثق قدميها وهي على المقصلة فدفعته قائلة "لا تمسني إلا لتقتلني"(18) وبعد أن أكرهت على رؤية العدة التي سيموت بها زوجها وابناها-وهي دولاب التعذيب، والمطرقة والحطب-ضرب عنقها. وحطم ولداها على الدولاب ثم شنقا، وظلت جثتاهما على المشنقة حين صعد إليها دوق أفيرو ومركيز طابوره الأب. وذاقا مرارة الضربات المحطمة ذاتها، وترك الدوق ليطول عذابه حتى تم إعدامه آخر المتهمين-وهو أنطونيو فريرا الذي أحرق حيا. ثم أحرقت جميع الجثث وذر رمادها في نهر تاجه. ومازال الجدل قائماً في البرتغال حول هؤلاء النبلاء، هل تعمدوا حقاً قتل الملك الأم لا؟ هذا مع التسليم بعدائهم لبومبال.
أكان اليسوعيون ضالعين في تلك المحاولة؟ لم يكن هناك في أن مالاجريدا في غضباته المضربة كان قد تنبأ بسقوط وبموت الملك وشيكاً،(19) ولم يكن هناك شك في أنه هو وآخرون من اليسوعيين كانوا قد اجتمعوا مرات بأعداء الوزير من الأشراف. وكان قد دل ضمناً على علمه بمؤامرة ما بكتابته إلى إحدى نبيلات البلاط يرجوها أن تنبه يوسف إلى الحذر من خطر وشيك. فلما سئل وهو في السجن كيف علم بهذا الخطر أجاب في "كرسي الاعتراف"(20). وفي غير هذا (كما يقول مؤرخ من خصوم اليسوعيين) "ليس هناك دليل إيجابي يربط اليسوعيين بهذا الاعتداء"(12). ولكن بومبال اتهمهم بإثارة حلفائهم بوعظهم وتعاليمهم إثارة دفعتهم إلى محاولة الاغتيال. وأقنع الملك أن الموقف يتيح للملكية الفرصة لتعزيز قوتها إزاء الكنيسة. وعليه ففي 19 يناير أصدر يوسف مراسيم بضم جميع ممتلكات اليسوعيين في المملكة، وبإلزام جميع اليسوعيين بيوتهم أو مدارسهم حتى يفصل البابا في التهم الموجهة إليهم. واستعمل بومبال أثناء ذلك مطبعة الحكومة ليطبع-ويوزع عماله على نطاق واسع في الداخل والخارج-كراسات نبسط الحجج التي تدين الأشراف واليسوعيين، وكانت هذه فيما يبدو أول مرة استخدمت فيها حكومة من الحكومات المطبعة




صفحة رقم : 13268




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


لتفسر تصرفاتها للأمم الأخرى. وربما كان لهذه المنشورات بعض الأثر في المعاونة على طرد اليسوعيين من فرنسا وأسبانيا.
وفي صيف 1759 أستأذن بومبال كلمنت الثالث عشر في تقديم اليسوعيين المعتقلين للمحاكمة أمام محكمة الخيانة العظمى، وزاد بالاقتراح بأن يحاكم جميع الكنسيين المتهمين بجرائم ضد الدولة، منذ الآن، أمام البابا بعزم الملك على طرد اليسوعيين من البرتغال، وأعربت عن الأمل في أن يوافق الباب على هذا الإجراء باعتباره إجراء تبرره تصرفاتهم، وضرورياً لحماية الملكية. وصدمت هذه الرسائل كلمنت، ولكنه خشي أن قاومها صراحة أن يقنع بومبال الملك بقطع الصلات جميعها بين الكنيسة البرتغالية والبابوية. وتذكر ما فعله هنري الثامن عشر في إنجلترا، وكان يعرف أن فرنسا أيضاً تزداد عداء لجماعة اليسوعيين، ففي 11 أغسطس بعث بالإذن بمحاكمة اليسوعيين أمام المحكمة المدنية، ولكنه قصر بوضوح موافقته على تلك الحالة بعينها. ثم وجه إلى الملك نداء شخصياً يدعو للرأفة بالقساوسة المتهمين، وذكر يوسف بإنجازات هذه الطائفة الماضية، وأعرب عن رجائه بألا يؤخذ جميع اليسوعيين البرتغاليين بجريرة فئة قليلة منهم.
ولكن نداء البابا فشل. ففي 3 سبتمبر 1759-وكان اليوم ذكرى الاغتيال المبيت-أصدر الملك مرسوماً ضمنه قائمة طويلة بجرائم منسوبة لليسوعيين، وأمر بما يأتي:
"إن هؤلاء الرهبان، نظراً إلى فسادهم وسقوطهم المؤسف بعيداً عن رهبنتهم المقدسة، ولما أصابهم عن عجز واضح عن العودة إلى شعائرها بسبب هذه الرذائل البشعة المتأصلة، يجب أن ينفوا نفياً حقيقياً فعلاً..وأن يحاكموا ويطردوا من جميع أهلاك جلالته، باعتبارهم عصاة سيئي السمعة وخونة، وأعداء، اعتدوا على شخصه الملكي وعلى مملكته..ويقتضي الأمر ألا يقبلهم أي شخص كائناً ما كانت مكانته أو وضعه في أي




صفحة رقم : 13269




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


من ممتلكاته وألا يتصل بهم بتاتاً سواء بالحديث أو المراسلة، وإلا كان جزاؤه الموت الذي لا رجوع فيه(22).
واستثنى من المرسوم اليسوعيين الذين لم ينذروا أنفسهم النذر الوثيق للرهبنة، والذين يجب عليهم أن يلتمسوا إعفائهم من نذورهم الأولية. وصادرت الدولة ثروة اليسوعيين كلها، ومنع المنفيون من أن يأخذوا معهم غير ملابسهم الشخصية(23).واقتدوا من جميع أرجاء البرتغال في مركبات أو سيراً على الأقدام إلى سفن أقلتهم إلى إيطاليا. وتم رحيلهم على هذا النحو من البرازيل وغيرها من الممتلكات البرتغالية. ووصلت أول شحنة من المنفيين إلى تشيفيتافكيا في 24 أكتوبر، ورثى لحالهم حتى ممثل بومبال هناك. كان بعضهم ضعيفاً لكبره، وبعضهم يكاد يتضور جوعاً، وبعضهم مات في الطريق. ورتب قائد الجماعة، لورنتسو ريكي، استقبال الأحياء منهم في بيوت يسوعية في إيطاليا، وشارك الأخوة الدومنيكان في استضافتهم. وفي 17 يونيو 1760 أوقفت الحكومة البرتغالية العلاقات الدبلوماسية مع الفاتيكان.
وبدا نصر بومبال نصراً مؤزراً، ولكنه كان عليماً بأنه نصر لا تحبه الأمة، وأفضى بع الشعور بعدم الأمان إلى توسيع سلطته إلى الدكتاتورية الكاملة، فبدأ حكماً من الاستبدادية والإرهاب حتى عام 1777. وكان جواسيسه يبلغونه بكل ما يكشفونه من ألوان المقاومة لسياساته أو أساليبه، وسرعان ما اكتظت سجون لشبونة بالمسجونين السياسيين. وقبض على الكثيرين من الأشراف والكهنة لاتهامهم بمؤامرات جديدة على الملك، أو باشتراكهم في المؤامرة القديمة. وأصبحت قلعة جنكيرا، المتوسطة الموقع بين لشبونة وبيليم، سجناً خاصاً للأشراف زج فيه كثير منهم حتى قضوا نحبهم. وفي سجون أخرى أودع اليسوعيون المجلوبون من المستعمرات والمتهمون بمقاومة الحكومة-وظل بعضهم نزيلها تسعة عشر عاماً.
أما مالاجريدا فقد ظل يذوي في سجنه اثنين وثلاثين شهراً قبل أن




صفحة رقم : 13270




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


يمثلا أمام المحكمة. وسلى الشيخ سجنه بتأليفه كتاب "حياة القديسة حنه البطولية، أم مريم، أملتها القديسة حنه ذاتها للأب المبجل مالاجريدا"، وصودر المخطوط بأمر بومبال، وقد وجد فيه عدة سخافات يمكن أن توصف بالهرطقة: فقد قال مالاجريدا أن القديسة حنة حبل بها كما حبل بمريم، دون أن تلوثها الخطيئة الأصلية، وأنها كانت تتكلم وتبكي في بطن أمها(24). وبعد أن عين بومبال أخاه بول دي كارفالو رئيساً لديوان التفتيش في البرتغال، أمر بأن يستدعى مالاجريدا للمثول أمامه، وكتب بيده ورقة اتهام تتهم اليسوعيين بالجشع، والرياء، والدجل، وانتهاك المقدسات، وبتهديدهم الملك بالتنبؤ مراراً بموته. وإذ كان مالاجريدا-الذي بلغ الآن الثانية والسبعين-قد أصبح نصف مخبول لشدة ما كابد من عذاب، فقد أخبر قضاة التفتيش بأنه تكلم مع القديس أغناطيوس لويولا والقديسة تريزا(25). وأراد قاضٍ منهم لأن يقف المحاكمة إشفاقاً على الشيخ فحي بأمر بومبال. وفي 12 يناير 1761 حكمت المحكمة المقدسة بأن مالاجريدا مذنب بالهرطقة، والتجديف، والضلال، وبخداع الشعب بما زعم من إعلانات إلهية له. ومد في أجله ثمانية شهور أخر. وفي 20 سبتمبر سيق إلى المشنقة في البراسا روسيو، فشنق، وأحرق مشدوداً إلى خازوق. وقال لويس الخامس عشر معقباً بعد سماعه بالإعدام "لكأني أحرقت الشيخ المخبول نزيل مستشفى البتيت (ميزون) الذي يزعم أنه الله الأب(26). وكان رأي فولتير في الحادث وهو يسجله "أنه حماقة وسخف مقرونان بشر غاية في البشاعة(27)".
ولم يرقَ جماعة الفلاسفة الفرنسيين ما طرأ على بومبال من تطور، بعد أن كان رأيهم فيه في 1758 أنه "مستبد مستنير". لقد رحبوا بالإحاطة باليسوعيين، ولكنهم استنكروا الأساليب التعسفية التي أنتجها الدكتاتور، والنغمة العنيفة التي سرت في نشراته، والوحشية التي لوثت عقوباته. وصدمتهم معاملة اليسوعيين خلال ترحيلهم، وإعدام الأسر العريقة بالجملة، والمعاملة غير الإنسانية التي لقيها مالاجريدا. على أنه لم




صفحة رقم : 13271




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال واليسوعيون


يصلنا إي سجل يثبت احتجاجهم على حبس أسقف كويمبرا ثماني سنوات لأنه أدان لجنة بومبال للرقابة على المطبوعات التي سمحت بتداول مؤلفات متطرفة، كقاموس فولتير الفلسفي وعقد روسو الاجتماعي.
بيد أن بومبال نفسه لم يبشر بهرطقات، وكان يختلف إلى القداس بانتظام. ولم يكن هدفه القضاء على الكنيسة بل إخضاعها للملك، فلما وافق كلمنت الرابع عشر عام 1770 على السماح للحكومة بالترشيح لمناصب الأسقفية، اصطلح مع الفاتيكان. وأسعدت يوسف الأول-وقد دنا أجله-فكرة الظفر بعد هذا كله بكامل البركات الكهنوتية حين يموت. وبعث البابا بقبعة الكردينالية إلى بول أخي بومبال، وأتحف بومبال نفسه بخاتم يحمل صورة البابا، ونمنمة إطارها من الماس، ورفات كامل لأربعة قديسين.




صفحة رقم : 13272




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال المصلح



3- بومبال المصلح


وترك الدكتاتور أثناء ذلك بصمته على اقتصاد البرتغال وإدارتها وحياتها الثقافية. وأعاد تنظيم الجيش بمساعدة الضباط الإنجليز والألمان، وقد صد هذا الجيش غزوا أسبانيا في حرب السنين السبع. وانتهج ما أنتجه ريشليو في فرنسا في القرن السابع عشر، فحد من سلطان الأرستقراطية الممزق الأمة، ومركز الحكومة في ملكية تستطيع أن تمنح هذه الأمة الوحدة السياسية، والتطور التعليمي، وبعض الحماية من تسلط الكنيسة وكف النبلاء بعد إعدام آل طابوره عن التآمر على الملك، وخضع الأكليروس للدولة بعد طرد اليسوعيين. وفي فترة الجفوة مع الفاتيكان كان بومبال يعين الأساقفة، وكان أساقفته يرسمون القساوسة دون الرجوع إلى روما. وحد مرسوم ملكي من اقتناء الكنيسة للأرض، وقيد حرية الرعايا البرتغاليين في تحميل تركاتهم بوصايا لإقامة القداديس(18) وأغلق الكثير من الأديرة وحظر على الباقي منها قبول رهبان جدد تقل أعمارهم عن الخامسة والعشرين. وأخضع ديوان




صفحة رقم : 13273




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال المصلح


التفتيش لإشراف الحكومة. وحولت محكمته إلى محكمة عامة خاضعة للقواعد التي تخضع لها محاكم الدولة، وجردت من سلطات الرقابة على المطبوعات، وألغى ما جرت عليه من تمييز بين قدامى المسيحيين وجددهم (أي اليهود أو المغاربة الذين دخلوا في المسيحية وذريتهم)، لأن بومبال افترض أن في دماء معظم الأسبان والبرتغال الآن عرقاً سامياً(29). وبمقتضى مرسوم صدر في 25 مايو 1773 أصبح جميع الرعايا البرتغال صالحين الاختيار للمناصب المدنية والعسكرية والكنسية(30)، ولم تحرق محكمة التفتيش إنساناً بعد إحراق مالاجريدا عام 1761(31).
وفي تلك السنة ألغى بومبال ثلاثة أرباع الوظائف الصغيرة التي كانت تعوق سير القضاء، ويسرت الطريق إلى المحاكم وجعل التقاضي أقل كلفة. وفي 1761 أعاد تنظيم الخزانة، وألزمها بموازنة حساباتها كل أسبوع، وأمر بأن تراجع إيرادات ومصروفات البلديات كل سنة، وحقق بعض التقدم في أشد الإصلاحات كلها عسراً-وهو خفض عدد الموظفين في البلاط الملكي والحد من الإسراف في نفقاته. فتخلص من الثمانين طاهياً الذين كانوا يطعمون يوحنا الخامس وبطانته، واضطر يوسف الأول أن يقنع بعشرين فقط. وبمقتضى مرسوم صدر في 25 مايو 1773 ألغى الرق في الواقع في البرتغال ولكن سمح باستمراره في المستعمرات.
وامتدت يد المصلح إلى كل ركن. فبذل الدعم الحكومي للزراعة ومصايد الأسماك، وأدخل دودة القز في المقاطعات الشمالية. وأنشأ الفواخير، ومصانع الزجاج، ومصانع القطن والورق، لينهي اعتماد البرتغال على استيراد هذه الحاصلات من الخارج. وألغى المكوس الداخلية في انتقال السلع، وأقام التجارة الحرة بين البرتغال ومستعمراتها الأمريكية. وأسس كلية للتجارة يدرب البرتغال من الأجانب الذين يتجرون فيها وينقلونها، وفي هذا فشل-أو فشلت البرتغال- لأن




صفحة رقم : 13274




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال المصلح


تجارة البرتغال في 1780 كان أكثرها لا يزال في أيدي الأجانب لا سيما البريطانيين.
واقتضى طرد اليسوعيين بناء التعليم من جديد بناء شاملاً. فنشرت في البلاد المدارس الأولية والثانوية الجديدة التي بلغ عددها 837-وحولت الكلية اليسوعية في لشبونة إلى كلية للإشراف يديرها العلمانيون. ووسع منهج الدراسة في كويمبرا وأضيفت إليه مقررات في العلوم، وأقنع بومبال الملك بتشييد دار للأوبرا ودعوة المغنين الإيطاليين لقيادة الفرق. وفي 1757 أسس "أركاديا لشبونة" لتشجيع الأدب.
وحظي الأدب البرتغالي طوال نصف قرن مثير (1755-1805) بحرية نسبية في الأفكار والأشكال. وبعد أن حرر نفسه من النماذج الإيطالية، أقر بسحر فرنسا، وأحس بنسائم تهب عليه من حركة التنوير. وظفر انطونيو دينيز داكروز أي سيلفا بالشهرة في وطنه كله بكتابة هجاء سماه "أو هسوبي" (1772)، ووصف فيه في ثمانية أقسام شجاراً بين أسقف وكبير كهنة، وترجم خواو أنستاسيودا كونها بوب فولتير، وعلى هذه الترجمة أدانته محكمة التفتيش (1778) عقب سقوط بومبال. وأولع فرانسسكو مانويل دوناسكيمنتو بالكتب، وكان ابن عامل في تفريغ السفن وشحنها، وأصبح قطباً لجماعة تمردت على الأكاديمية الأركادية لأنها عائق لتطور الشعر القومي. وفي 1778 أمرت محكمة التفتيش بالقبض عليه (مغتنمة ثانية فرصة سقوط بومبال) متهمة إياه بالولع بالفلاسفة المحدثين من إتباع العقل الطبيعي "ففر إلى فرنسا، حيث أنفق تقريباً كل سنيه الواحدة والأربعين الباقية من عمره، وهناك كتب معظم قصائده التي تتقد بحب الحرية والديمقراطية، وفيها قصيدة غنائية "لحرية الولايات المتحدة واستقلالها" وقد عده أنصاره إماماً للشعر البرتغالي لا يميزه فيه غير كاموئيس. وحوى مجلد في قصائد الحب يسمى "أماريليا" أرشق وأرخم شعر العصر، الذي خلفه توماز أنطونيو جونزاجا الذي عانى السجن (1785-88) بتهمة التآمر السياسي ومات في المنفى، أما خوزيه




صفحة رقم : 13275




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال المصلح


أجوستينودي ماسيدو، الراهب الأوغسطيني الذي جرد لفسقه، فقد اتخذ في جرأة، لقصيدته "أو أورينتي" الموضوع الذي اتخذه من قبل كاموئيس-وهو رحلة فاسكو داجاما إلى هند. وكان يرى قصيدته أعظم من اللويزياده "والإلياذة" ولكنهم يؤكدون أنها عمل كئيب. وأطرف منه هجاء كتبه في ستة أقسام "أوس بوروس" شهر فيه ماسيدو صراحة برجال ونساء من جميع المراتب، الأحياء منهم والأموات. وكان ألد خصومه مانويل ماريا باربوزا دي بوساجي، الذي سجنته محكمة التفتيش (1797) بتهمة إذاعة الأفكار الفولتيرية في شعره وتمثيلياته. وقد رده إعدام ماري أنطوانيت إلى المحافظة في الدين والسياسة، فاستعاد تدينه أيام الشباب، ورأى في البعوضة دليلاً على وجود الله(32).
أما الحديث العظيم في تاريخ الفن في حكم بومبال فهو التمثال الذي صنع ليوسف الأول، والذي مازال قائماً في ميدان الحصان الأسود بلشبونة. وقد صممه يواكيم مكادو دي كاسترو، وصبه بالبرونز ترتولوميو داكوستا وهو يمثل الملك راكباً جواداً مطهماً، ظافراً فوق أفاعي ترمز إلى القوى الشريرة التي غلبها في حكمه. وجعل بومبال من إزاحة الستار عن هذا الأثر (6 يونيو 1775) احتفالاً بوزارته المنتصرة. فاصطف جنود الجيش في الميدان، واجتمع رجال السلك السياسي، والقضاء، ومجلس الشيوخ وغيرهم من كبار القوم مرتدين الملابس الرسمية، ثم أقبلت الحاشية، ثم الملك والملكة، وأخيراً تقدم بومبال وأزاح الستار عن التمثال والقاعدة الضخمة التي صورت ميدالية عليها الوزير لابساً صليب المسيح. وفهم الكل إلا الملك أن الموضوع الحقيقي الاحتفال هو بومبال.
وبعد أيام من إزاحة الستار أرسل إلى يوسف الأول وصفاً وردي اللون للتقدم الذي حققه بومبال منذ 1759: نشر التعليم والإلمام بالقراءة والكتابة، ونمو الصناعة والتجارة، وتطور الأدب والفن، وارتفاع مستوى المعيشة بصفة عامة، على أن توخي الصدق لا بد أن تختزل الكثير من وصفه هذا، فالصناعة والتجارة كانتا تنموان، ولكن في بطء شديد،




صفحة رقم : 13276




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> بومبال المصلح


وكانتا تعانيان المصاعب المالية، أما الفنون فركدت، وكان نصف لشبونة لا يزال (1774) في الخرائب التي سببها زلزال 1755. وكان تعلق الشعب الفطري بأهدب الدين يعيد سلطان الكنيسة إلى سابق عهده. وكان صلف بومبال وأساليبه الدكتاتورية تخلق له أعداء جدداً كل يوم. وكان قد اقتنى لنفسه ولأقربائه ثروة طائلة وبنى لنفسه قصراً غالي التكلفة. ولم تكد توجد أسرة نبيلة في المملكة بغير عضو محبوب من أعضائها يذوي غي غياهب السجن. وكان الناس في طول البرتغال وعرضها يصلون ويتضرعون إلى الله سراً بأن يسقط بومبال عن عرشه.




صفحة رقم : 13277




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> انتصار الماضي



4- انتصار الماضي


في سنة 1775 بلغ الملك الستين. وكانت العلل الخليلات قد أشبنه قبل أوانه، وراح ينفق الساعات متأملاً في الخطيئة والموت. وسأل نفسه أكان على حق في انتهاج سياسات وزيره، وهل كان منصفاً لليسوعيين؟ ثم ما خطب أولئك الأشراف والقساوسة نزلاء السجون؟ بوده أن يغفر لهم وهو يطلب الآن المغفرة لنفسه. ولكن أنى له أن يذكر فكرة لهذه لبومبال؟ وفي 12 نوفمبر 1776 أصيب بنوبة فالج، وكان البلاط يغتبط توقعاً لحكم ملك جديد ووزارة جديدة. وكانت وريثة العرش ابنته ماريا فرنسسكا التي كانت زوجاً لأخيه بدرو. وكانت امرأة صالحة، وزوجاً وأماً صالحة، وإنساناً عطوفاً باراً، ولكنها كانت إلى ذلك كاثوليكية غيوراً، كرهت عداء بومبال للأكليروس كرهاً حملها على ترك البلاط لتعيش في هدوء مع بدرو في طليوذ على أميال من العاصمة. وأحاط الدبلوماسيون الأجانب حكوماتهم بأن تمنع انقلاباً وشيكاً في السياسات البرتغالية.
وفي 18 نوفمبر تناول الملك الأسرار المقدسة، وفي 29 نوفمبر أصبحت ماريا وصية على العرش. وكان من أول أفعالها إنهاء سجن أسقف كويمبرا، ورد الحبر البالغ أربعة وسبعين عاماً إلى كرسيه وسط مظاهر الفرح




صفحة رقم : 13278




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> انتصار الماضي


الشاملة تقريباً. ورأى بومبال سلطانه يتضاءل، ولحظ في نذر قاتمة أن أفراد الحاشية الذين كانوا بالأمس أتباعاً أذلاء له، يرونه الآن وقد قضى على نفوذه السياسي. وفي عمل أخير من أعمال الاستبداد انتقم انتقاماً وحشياً من قرية تريفاريا التي عارض أهلها-وكانوا صيادي سمك-تجنيد أبنائهم بالقوة، فأمر فصيلة من الجند بأن يحرقوا القرية: فأحرقوها بإلقاء المشاعل الملتهبة من نوافذ الأكواخ الخشبية في ظلام الليل (23 يناير 1777).
وفي 24 فبراير مات يوسف الأول، وأصبحت الوصية الآن الملكة ماريا الأولى (حكمت 1777-1816)، وأصبح زوجها الملك بدرو الثالث (1777-86). وكان بدرو رجلاً ضعيف العقل، واستغرقت ماريا في التقوى وأعمال البر. وسرعان ما استعاد الدين سلطانه، وقد كان نصف حياة الشعب البرتغالي. واستأنفت محكمة التفتيش نشاطها في الرقابة وقمع الهرطقة. وأرسلت الملكة كاريا إلى البابوية أربعين ألف جنيه لرد بعض ما أنفقت في رعاية اليسوعيين المنفيين. وفي غداة دفن يوسف أمرت الملكة بالإفراج عن ثمانمائة سجين، وكان أكثرهم قد سجنه بومبال لمعارضته سياسته. وكان كثير منهم قد قضى عرشين عاماً في غياهب السجون، فلما خرجوا لم تحتمل عيونهم ضوء الشمس وكانوا كلهم تقريباً في أسمال بالية، وبدا الكثيرون منهم في ضعفي سنهم، وكان المئات من السجناء قد قضوا نحبهم في سجونهم. ولم يبقَ على قيد الحياة من بين 124 يسوعياً زج بهم في السجون قبل ثمانية عشر عاماً سوى خمسة وأربعين(33). ورفض خمسة من الأشراف الذين أدينوا بتهمة الاشتراك المزعوم في مؤامرة قتل يوسف أن يبرحوا السجن حتى تعلن براءتهم رسمياً.
وكان لمشهد ضحايا عداء بومبال المفرج عنهم، ولنبأ تحريق تريفاريا، أرثهما في تفاقم كره الشعب لبومبال إلى حد لم بعد يجرؤ فيه على الظهور علانية. وفي أول مارس أرسل إلى الملكة ماريا كتاباً يستقيل فيه من جميع وظائفه ويستأذن في الاعتكاف في ضيعته بمدينة بومبال. وطالب




صفحة رقم : 13279




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> انتصار الماضي


الأشراف المحيطون بالملكة بسجنه وعقابه، ولكن حين تبين لها أن جميع القوانين التي استنكرتها كان قد وقعها الملك السابق، قررت أنها لا تستطيع عقاب بومبال دون أن تلطخ أمام الناس ذكرى أبيها. وقبلت استقالة الوزير وسمحت له بالاعتزال في بومبال، ولكنها أمرته أم يلزمها وفي 5 مارس غادر لشبونة في عربة خفيفة مستأجرة آملاً أن يفلت من أنظار الناس، ولكن بعضهم تبينه فحصبوا عربته ولكنه هرب منهم. ولحقت به امرأته عند مدينة أوبرس، وكان يومها في السابعة والسبعين.
والآن وقد غدا مواطناً عادياً تكاثر عليه الهجوم من كل صوب بدعاوى تطالبه بديون أغفل سدادها، وأضرار أوقعها بالشاكين، وممتلكات استولى عليها دون تعويض أصحابها تعويضاً كافياً. وحاصر المحضرون أبوابه في بومبال بسلسلة من الأوامر القضائية. كتب يقول "ما من دبور أو بعوضة في البرتغال إلا طار إلى هذه البقعة النائية وطناً في إذني". وساعدته الملكة بأن واصلت إجراء الراتب الذي كان يتقاضاه وزيراً عليه مدى الحياة وزادت عليه معاشاً متواضعاً. بيد أن أعداء لا حصر لهم ألحوا على الملكة في تقديمه للمحاكمة بتهمتي الانحراف والخيانة. وقد اتخذت إجراء وسطاً بسماحها للقضاة بأن يزوروه ويسألوه بأمر هذه التهمة. فظلوا يحققون معه ساعات كل مرة على مدى ثلاثة أشهر ونصف حتى التمس الدكتاتور العجوز الرحمة. وأجلت الملكة التصرف في تقرير الفحص، آملة أن يعفيها موت بومبال من هذا الحرج، وسعت في القوت نفسه إلى تهدئة خصومه بأن أمرت بإعادة محاكمة المتهمين الذين أدينوا بالاشتراك في محاولة اغتيال أبيها. وأيدت المحكمة الجديدة الحكم بذنب دوق أفيرو وثلاثة من خدمه، ولكنها برأت ساحة باقي المتهمين أجمعين وأعلنت براءة الطابوريين. وردت كل ألقابهم وممتلكاتهم للأحياء منهم (3 إبريل 1781). وفي 16 أغسطس أصدرت الملكة مرسوماً يدين بومبال "مذنباً بجرائم شائنة" ويضيف قراراً بتركه آمناً في منفاه محتفظاً بثروته مادام قد ألتمس الصفح.




صفحة رقم : 13280




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> البرتغال وبومبال -> انتصار الماضي


وكان بومبال يمضي حثيثاً إلى مرض الموت. فقد غشي جسده كله تقريباً قروح صديدية يبدو أن سببها الجذام(35). ومنعه الألم من النوم أكثر من ساعتين في اليوم، وأضعفته الدوزنتاريا، وأقنعه أطباءه بشرب حساء مصنوع من جلد الثعابين، كأنما أرادوا أن يزيدوه عذاباً على عذاب. وتمنى الموت، وتناول الأسرار المقدسة، وانتهت آلامه في 8 مايو 1782 وبعد خمسة وأربعين عاماً، وقفت بقبره جماعة من اليسوعيين كانت تجتاز المدينة، وتلت الجماعة، بشعو الانتصار والرأفة، صلاة جنائزية تطلب الراحة لنفسه.




صفحة رقم : 13281




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة



الفصل الحادي عشر




أسبانيا وحركة التنوير




1700 - 1788




1- البيئة


أوصى شارل الثاني، أخر الهابسبورجيين الأسبان، عند وفاته عام 1700، بأسبانيا وكل إمبراطوريتها العالمية لفرنسا البوربونية-العدو القديم لآل هابسبورج، وقد قاتل حفيد لويس الرابع عشر، الذي لقب بفليب الخامس ملك أسبانيا، ببسالة خلال حرب الوراثة الأسبانية (1703-12) للاحتفاظ بوحدة تلك الإمبراطورية كاملة، وامتشقت أوربا كلها تقريباً الحسام للحيلولة دون هذا التوسع الخطر في قوة البوربون. وأخيراً أكرهت أسبانيا على النزول عن جبل طارق ومينورقة لإنجلترا، وصقلية لسافوي، ونابلي وسردانيا وبلجيكا للنمسا.
ثم إن فقد أسبانيا لقوتها البحرية لم يترك لها سوى قبضة ضعيفة على المستعمرات التي كانت تغذي تجارتها وثروتها. فقمع أمريكا الأسبانية مثلاً كان يعطيها غلة بلغت من خمسة إلى عشرين ضعفاً في الفدان لقلة الأرض الأسبانية. وجادت تلك الأراضي المشمسة بالزئبق النحاس والزنك والزرنيخ والأصباغ واللحوم والجلود والمطاط والقرمز والسكر والكاكاو والبن والتبغ والشاي والكينين والكثير من العقاقير الأخرى. وفي 1788 صدرت أسبانيا لمستعمراتها الأمريكية بضائع قيمتها 158.000.000 ريال، واستوردت منها بضائع قيمتها 804.000.000 ريال ولكن هذا "الخلل في الميزان التجاري الذي لم يكن في مصلحة أسبانيا محاه سيل متدفق من الفضة والذهب الأمريكيين. وأرسلت الفلبين شحنات سفن من الفلفل والقطن والنيلة وقصب السكر. وقد بلغ سكان الفلبين في تقرير ألكسندر فون همبولت




صفحة رقم : 13282




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة


في ختام القرن الثاني عشر 1.900.000، وسكان أمريكا الأسبانية 16.902.000، أما أسبانيا نفسها عام 1797 فقد بلغ سكانها 10.541.000(1). وأنه لفضل يعزى لحكم البوربون أن هذا الرقم الأخير يعني تضاعف السكان الذين لم يزيدوا على 5.700.000 عام 1700.
لم تسخ الجغرافيا على أسبانيا إلا بميزة التجارة البحرية. كانت الأرض في الشمال خصبة تغذرها الأمطار والثلوج الذائبة من جبال البرانس، وكانت قنوات الري (وأكثرها خلفه المغاربة للغالبين) وقد استصلحت الأراضي الجدباء في بلنسية ومرسية والأندلس، ولكن باقي أراضي أسبانيا كان جبلياً أو قاحلاً إلى درجة مثبطة للهمم. ولم يتح لهبات الطبيعة أن تنموا وتتطور بفضل الإقدام الاقتصادي، فذهب أكثر الأسبان حباً للمغامرة إلى المستعمرات، وفضلت أسبانيا أن تشتري المنتجات الصناعية من الخارج بذهب مستعمراتها وما تغله مناجم الفضة أو النحاس أو الحديد أو الرصاص في أسبانيا ذاتها. وتخلفت صناعاتها التي كانت لا تزال في المرحلة النقابية أو البيتية تخلفاً شديداً عن صناعات أقطار الشمال النشيطة، وكان الكثير من مناجمها الغنية تشغله الإدارة الأجنبية لفائدة المستثمرين الألمان أو الإنجليز. واحتكرت "المستا" إنتاج الصوف، وهي اتحاد من ملاك قطعان الغنم ميزته الحكومة، ورسخت التقاليد قدمه، وسيطرت عليه فئة قليلة من النبلاء والأديرة، وخنقت المنافسة، وتخلفت أسباب التحسين. وتعفنت برولتاريا ضئيلة في المدن، وتشتغل خدماً لكبار القوم أو عمال مياومة في النقابات الحرفية، وكانت منازل الأثرياء تزدان ببعض العبيد الزنوج أو المغاربة. وعاش طبقة وسطى صغيرة معتمدة على الحكومة أو الأشراف أو الكنيسة.
وكان 51.5% من الأرض الزراعية تملكه الأسر الشريفة في مساحات شاسعة و16.5% تملكه الكنيسة، و32% تملكه الكومونات (المدن) أو الفلاحون. وتأخر نمو ملكية الفلاحين للأرض بفعل قانون وقف قديم يشترط وقف الأرض كاملة على الابن الأكبر ويمنع رهن أي جزء منها أو بيعه. وكان ثلاثة أرباع الأرض خلال معظم هذا القرن فيما عدا إقليم




صفحة رقم : 13283




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة


الباسك يفلحه مستأجرون يؤدون ضريبة على صورة إيجار، أو رسوم، أو خدمات، أو عيناً لملاك من الأشراف أو رجال الدين الذين ندر أن رأوهم ولما كانت الإيجارات تجنى حسب إنتاجية المزرعة، فإن المستأجرون افتقدوا الحاجز على الابتكار أو الاجتهاد(2). ودافع الملاك عن هذا النظام بالزعم بأن الهبوط المطرد في قيمة العملة يكرههم على رفع الإيجارات لتتمشى مع الأسعار والتكاليف المتصاعدة. ثم أن ضريبة مبيعات فرضت على ضروريات الحياة كاللحم والنبيذ وزيت الزيتون والشموع والصابون كانت أثقل وطأة على الفقراء (الذين أنفقوا معظم دخلهم على الضروريات) وأخف وقعاً على الأغنياء. وترتب على هذه الإجراءات، وعلى الامتيازات الوراثية، وعلى الفوارق الطبيعية في القدرة البشرية، أن تركزت الثروة في القمة، وران على القاع فقر كئيب اتصل جيلاً بعد جيل، تخففه وتسري به التعزيات فوق الطبيعة.
وكانت طبقة النبلاء منقسمة إلى درجات من الشرف انقساماً يملؤه التحاسد والتنابذ. ففي القمة (في 1787) 119 من كبار النبلاء (Grandes de Espana). وقد نحزر مبلغ ثرائهم من تقرير مبالغ فيه على الأرجح كتبه الرحالة البريطاني المعاصر جوزف تاونسند وذكر فيه "أن ثلاثة من كبار النبلاء-وهم دوق أوزونا، ودوق ألبا، ودوق مديناسلي-يملكون إقليم الأندلس بجملته(3). وكان دخل دوق مدينا من مصايد أسماكه وحدها مليون ريال في العام، ودخل دوق أوزنا السنوي 8.400.000 ريال، ودخل كونت أراندا قرابة 1.600.000 ريال في السنة"(4). ويلي كبار النبلاء 535 من أصحاب الألقاب Titulos-وهم رجال منحهم الملك ألقاباً وراثية بشرط أداء نصف دخلهم للتاج. ويلي هؤلاء الفرسان Caballeros الذين يعينهم الملك في عضوية مجزية في إحدى طبقات أسبانيا الأربع: وهي سنتياجو، والقنطرة، وكالاترافا ومونتيزا. أما أدنى النبلاء مرتبة فكانوا الـــ 400.000 هيدلج Hidalgo الذين يملكون مساحات متواضعة من الأرض، والذين أعفوا من الخدمة العسكرية ومن




صفحة رقم : 13284




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة


السجن للدين، وكان لهم الحق في أن يلبسوا شعار النبالة وأن
يخاطبوا بلقب "الدون". وكان بعضهم فقراء، وبعضهم انضم إلى المتسولين في الشوارع. وكان معظم النبلاء يعيشون في المدن، ويعينون موظفي الأقاليم.
أما الكنيسة الأسبانية فقد ادعت الحق في نصيب مريح من جملة الناتج القومي بوصفها الحارس الإلهي للوضع الراهن. وقد قدر مصدر أسباني موثوق أن دخلها السنوي بعد الضرائب يبلغ 1.101.753.000 ريال، ودخل الدولة يبلغ 1.371.000.000 ريال(5). وكان ثلث إيرادها يأتيها من الأرض، ومبالغ طائلة تجمعها من العشور وبواكير الثمار، ومبالغ صغيرة من مراسيم العماد، والزيجات، والجنائز، والقداديس على أرواح الموتى، والحلل الديرية تباع للأتقياء الذين ظنوا إنهم إن ماتوا وعليهم هذه الأرواب فقد يتسللون إلى الجنة دون مساءلة. وأتى الرهبان المستجدون بمزيد من المال بلغ 53.000.000 ريال. على أن أوساط القساوسة كانوا بالطبع فقراء لكثرة عددهم من جهة، فقد كان في أسبانيا 91.258 من رجال الكهنوت، منهم 16.481 كانوا قسساً و2.943 رهباناً يسوعيين(6). وفي 1797 كان ستون ألف راهب وثلاثون ألف راهبة يعيشون في ثلاثة آلف دير. وكان رئيس أساقفة إشبيلية وموظفوه البالغون 235 مساعداً يتمتعون بدخل سنوي مقداره ستة ملايين ريال، أما رئيس أساقفة طليطلة-وكان له ستمائة مساعد-فبلغ دخله تسعة ملايين ريال. وهنا، كما في إيطاليا والنمسا، لم تثر ثروة رجال الدين أي احتجاج من الشعب، فالكاتدرائية من خلقهم، وقد أحبوا أن يروها في زينة بهية.
وقد ضرب تدينهم المثل والقدوة للعالم المسيحي. فلم يلقَ اللاهوت الكاثوليكي في بقعة أخرى في القرن الثاني عشر مثل هذا الإيمان الشامل به، ولا شهدت الطقوس الكاثوليكية من هذا الاحترام الشديد. ونافست الممارسات الدينية السعي وراء العيش، ولعلها فاقت السعي وراء الجنس، باعتبارها جزءاً من صميم الحياة. وكان أفراد الشعب بما فيهم البغايا، يرسمون علامة الصليب مراراً وتكراراً كل يوم. وفاقت عبادة العذراء عبادة المسيح




صفحة رقم : 13285




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة


بكثير، وانتشرت صورها وتماثيلها في كل مكان، وكان النساء يخطن الأرواب لتماثيلها في شغف، ويتوجن رأسها بالأزهار النضرة، وفي أسبانيا أكثر من غيرها ارتفع صوت الشعب مطالباً بجعل، "حملها غير الدنس"-أي خلوها من لوثة الخطيئة الأصلية-جزءاً من العقيدة المحددة المشترطة. وكان الرجال يساوون النساء تمسكاً بأهداب الدين. فكثير من الرجال، كالنساء، كانوا يختلفون إلى القداس يومياً. وكان الرجال من الطبقات الدنيا يجلدون أنفسهم في بعض المواكب الدينية (حتى حرم هذا الجلد في 1777) في حبال فيها عقد تنتهي بكرات من الشمع تحوي زجاجاً محطماً، وزعموا أنهم يفعلون هذا برهاناً على حبهم لله أو مريم أو امرأة ما، ورأى بعضهم أن هذا القصد مفيد للصحة(7) وأنه يهدئ من شبق إيروس.
وكانت المواكب الدينية كثيرة، مثيرة، غنية بالألوان، وقد شكا ظريف من أنه لم يستطع أن يخطو في مدريد خطوة دون أن يصادف المشهد المريب، وكان في الامتناع عن الركوع إذا مر الموكب مجازفة بالاعتقال أو الاعتداء. فحين قام أهل سرقسطة بثورة عام 1766 وراحوا ينهبوا ويسلبون ظهر موكب ديني على رأسه الأسقف يحمل بين يديه القربان المقدس، فكشف العصاة رؤوسهم وجثوا في الشوارع، فلما عبر الموكب استأنفوا سلب المدينة(8). وكانت كل مصالح الحكومة تشارك في موكب "عيد القربان" العظيم، يتقدمهم الملك أحياناً. وكانت مدن أسبانيا تجلل بالسواد طوال أسبوع الآلام، والملاهي والمقاهي تغلق، والكنائس تغص بالعابدين، والمذابح الإضافية تقام في الميادين العامة استجابة لتدفق التقوى والورع. ففي أسبانيا كان المسيح ملكاً، ومريم ملكة، والإحساس بالحظرة الإلهية في كل لحظة من لحظات اليقظة، جزءاً من صميم الحياة.
وزكت طائفتان دينيتان أكثر من غيرهما في أسبانيا. فسيطر اليسوعيون على التعليم بفضل علمهم ولباقته في الحديث وأصبحوا آباء الاعتراف للأسرة المالكة. أما الدومنيكان فسيطروا على ديوان التفتيش، ومع أن هذه المؤسسة كانت قد ودعت عصرها الذهبي منذ أمد بعيد، فقد بقي لها




صفحة رقم : 13286




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> البيئة


من القوة ما يكفي لإرهاب الشعب وتحدي الدولة. فلما ظهرت فلول لليهودية بسبب تراخي البوربون قطع ديوان التفتيش دابرهم بإحراقهم علناً. وعلى مدى سبع سنوات (1720-27) أدان الديوان 868 شخصاً، اتهم 820 منهم بأنهم يبطنون اليهودية، وأحرق 75، وزج غيرهم في سفن تشغيل العبيد أو أكتف بجلدهم(9).وفي 1722 أظهر فليب الخامس تبنيه لأساليب الحياة الأسبانية إذ ترأس مهرجاناً فخماً لإحراق المهرطقين، أحرق فيه تسعة منهم احتفالاً بمقدم أميرة فرنسية إلى مدريد(10). أما خلفه فرديناند السادس فقد أبدى روحاً أكثر اعتدالاً، ففي عهده (1746-59) أحرق عشرة "فقط" أحياء، وكلهم من اليهود "المرتدين(11)".
ومارس ديوان التفتيش رقابة خانقة على كل ضروب النشر. وقد قدر راهب دومنيكي أن المطبوع في أسبانيا خلال القرن الثاني عشر كان أقل من المطبوع في القرن السادس عشر(12). وكان أكثر الكتب دينياً، وأحبها الشعب بوصفها هذا. وكانت الطبقات الدنيا أمية، ولم تشعر بحاجة للقراءة أو الكتابة. وكانت المدارس في قبضة رجال الدين، ولكن آلافاً من الأبرشيات كانت خلواً من المدارس. أما الجامعات الأسبانية التي كانت يوماً ما جامعات عظيمة فقد تخلفت تخلفاً شديداً عن نظيراتها في إيطاليا أو فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا في كل ناحية إلا اللاهوت التقليدي. وكانت مدارس الطب فقيرة، رديئة الإعداد بالأساتذة، ناقصة الأجهزة، واعتمد العلاج على الحجامة، وإعطاء المسهلات، والاستعانة ببركات القديسين، والصلاة. وكان الأطباء الأسبان خطراً على حياة الناس. كان العلم علم العصر الوسيط، والتاريخ أساطير، وزكت الخرافة وكثرت النذر والمعجزات. وظل الإيمان بالسحر إلى نهاية القرن، وظهر بين الأهوال التي صورها الرسام جويا.
تلك كانت أسبانيا التي قدم البوربون من فرنسا ليحكموها.




صفحة رقم : 13287




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فليب الخامس



2- فليب الخامس




1700-1746


كان فليب الخامس (Felipe Quinto) رجلاً طيباً في حدود فلسفة حياته التي ضيقها تعليمه. كان ابناً أصغر للدوفان، فدرب إلى التواضع، والتقوى، والطاعة، فلم يتغلب قط على هذه الفضائل إلى حد يكفي للتصدي لنصف قرن من التحديات في الحكم والحرب. وأفضت به تقواه إلى أن يتقبل في أسبانيا ظلامية دينية كانت تحتضر في فرنسا، وجعلته سهولة انقياده مطوعاً لوزرائه وزوجاته.
وكانت ماريا لويزا جابرييلا، ابنة فكتور أماديوس الثاني ملك سافوي، لا تعدو الثالثة عشرة يوم تزوجت فليب (1701)، ولكنها كانت رغم حداثتها حاذقة لمكر النساء وكيدهن، واستطاعت بجمالها وحيويتها وبغضباتها ودموعها، أن تخضع الملك فيستسلم بعد إرهاق، بينما تدير هي وكبيرة وصيفاتها سياسة وطنهما الجديد. وكانت هذه الوصيفة-ماري آن دلا تريموال، أميرة أورسان، والأرملة الفرنسية لنبيل أسباني كبير، قد أعانت الملكة الصبية على الزواج والقبض على السلطة. ومكنها طموحها الممزوج باللباقة من أ، تصبح قوة وراء العرش خلال عشرة أعوام. وما كان في استطاعتها أن تعتمد على الحمال لأنها كانت في التاسعة والخمسين في 1701، ولكنها أمدت المملكة بما تفتقر إليه من معرفة ودهاء، وبعد عام 1705 كانت تقرر السياسة. وفي 1714 ماتت ماريا لويزا في السادسة والعشرين، وتردى فليب الذي تعلم أن يحبها حباً صادقاً في اكتئاب مرضي. ورأت مدام ديزورسان أن تنفذ سلطانها بترتيب زواجه من إيزابيلا (اليزابيث) فارتيزي، ابنة أودواردو الثاني دوق بارما وبياسنزا. وذهبت للقاء الملكة الجديدة عند الحدود الأسبانية، ولكن إيزابيلا أمرتها في اقتضاب أن ترحل عن أسبانيا، فاعتزلت في روما وماتت بعد ثماني سنوات مغمورة منسية رغم ثرائها.
لم تعترف إيزابيلا بأن النهضة الأوربية قد ولت، فقد وهبت كل قوة




صفحة رقم : 13288




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فليب الخامس


الإرادة، وشدة الذكاء، وحدة الطبع، واحتقار الوساوس الذي تميزت به النساء كما تميز الرجال الذين هيمنوا على إيطاليا القرن السادس عشر. وقد وجدت في فليب رجلاً عاجزاً عن الحسم؛ عاجزاً عن النوم منفرداً، ومن ثم أصبح فراشها عرشها الذي تحكم منه أمة، وتدير جيوشاً، وتظفر بإمارات إيطالية. ولم تكن قد عرفت أي شيء تقريباً عن أسبانيا. ولم تألف قط الخلق الأسباني ولكنها درست ذلك الخلق، ونجحت في التعرف على حاجات البلد؛ وأدهش الملك أن يجدها لا تقل عن وزرائه إطلاعاً وسعة حيلة.
وكان فليب في سنوات حكمه الأولى قد استخدم جان أوري وغيره من المساعدين الفرنسيين لإعادة تنظيم الحكومة على الأسس التي وضعها لويس الرابع عشر: إدارة ومالية ممر كرتان مراقبتان، مع بيروقراطية مدربه ونظار إقليمين؛ وكلهم خاضعون لسلطة المجلس الملكي التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وأسمه هنا "مجلس تشتالة" Consejo de Castilla؛ فقل الفساد؛ وحد من الإسراف-إلا في عمليات البناء الخاصة بالملك. ثم خلف هؤلاء الوزراء الفرنسيين في 1714 إيطالي كفء طموح هو الاباتي جوليو البيروني، الذي جعل نشاطه الأسبانيين يرتعدون. وكان أبناء لبستاني في بياتشنزا، وصل إلى أسبانيا بوصفه سكرتيراً لدوق فندوم. وكان أول من اقترح إيزابيللا فارنيزي زوجة ثانية لفليب، فيسرف وصوله إلى السلطة عرفاناً بصنيعه. وقد وفقا معا في إقصاء الملك عن شؤون الدولة. وعن أي مشورة غير مشورتهما. وخططا معاً لبناء قوات أسبانيا المسلحة واستخدامها لطرد النمساويين من إيطاليا واستعادة النفوذ الأسباني في نابلي وميلان، وإقامة عروش للأذواق يزينها يوماً ما أبناء إيزابيللا البعيدة النظر.
وطلب البيروني خمس سنين للاستعداد، فأحل في المناصب الرئيسية رجالاً أكفاء من الطبقة الوسطى محل الكسالى من حملة الألقاب، وفرض الضرائب على الأكليروس القساوسة المتمردين(13)، وخرد السفن البالية وبنى خيراً منها، وأقام القلاع والترسانات على طول السواحل




صفحة رقم : 13289




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فليب الخامس


والحدود، وأعان الصناعة بالمال، وشق الطرق، وزاد من سرعة المواصلات وألغى ضرائب المبيعات ومكس المرور. وقد أنذر السفير البريطاني في مدريد حكومته بأن أسبانيا لن تنقضي عليها بضع سنين أخر من أمثال هذه الخطى حتى تغدو خطراً على غيرها من دول أوربا(14). ورغبة في تهدئة هذه المخاوف تظاهر البيروني بأنه يجند القوات ليعين بها البندقية والبابوية على الترك. والواقع أنه أرسل ست سفن كبيرة إلى كلمنت الحادي عشر، الذي كافأه بقبعة الكردينالة الحمراء (1717). كتب فولتير "أن الملكية الأسبانية قد استأنفت حياة جديدة تحت حكم الكردينال البيروني(15)".
ومنح كل شيء إلا الوقت. كان يرجو أن يكسب رضاء الفرنسيين والإنجليز عن الأهداف الأسبانية في إيطاليا، وعرض تنازلات قيمة مقابل هذا الرضا، ولكن الملك المهمل أفسد هذه المناورات بكشفه عن رغبته في الحلول محل فليب أورليان حاكماً لفرنسا. وانقلب هذا على فليب، وانضم إلى إنجلترا والأقاليم في ميثاق للحفاظ على الترتيبات الإقليمية التي حددتها معاهدة أوترخت. وانتهكت النمسا تلك المعاهدة بإكراهها سافوي على إعطائها صقلية مقابل سردانيا. واحتج البيروني بأن هذا يضع عبر البحر المتوسط دولة ما زال رئيسها يطالب بتاج أسبانيا. ولعن تطور الأحداث بهذه العجلة على غير ما ينبغي ثم أذعن لدخول حرب قبل الأوان. واستولى أسطوله الوليد على بلرمو (1718)، وسرعان ما أخضع جيشه صقلية كلها لسلطة أسبانيا وهنا انضمت النمسا إلى إنجلترا وفرنسا وهولندا في حلف رباعي ضد أسبانيا. وفي 11 أغسطس 1718 دمر أسطول بريطاني بقيادة الأميرال بنج الأسطول الأسباني تجاه ساحل صقلية، وحبس خيرة أسبانيا في تلك الجزيرة بينما غزت الجيوش الفرنسية أسبانيا. وطلب فليب وايزابيللا الصلح، فأجيب الطلب شريطة أن ينفي البيروني. ففر إلى جنوه (1719)، وشق طريقه متخفياً إلى روما عبر لومبارديا التي يملكها النمساويون، وشارك في مجمع




صفحة رقم : 13290




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فليب الخامس


الكراولة الذي انتخب البابا إنوسنت الثالث عشر، ومات عام 1752 وقد بلغ الثامنة والثمانين. وفي 17 فبراير 1720 وقع مبعوث أسباني بلندن معاهدة نزل فيها فليب عن كل حق يدعيه في عرش فرنسا، ونزلت أسبانيا عن صقلية للنمسا، ووعدت إنجلترا برد جبل طارق إلى أسبانيا، وتعهدت الحلفاء بأن يكون لنسل إيزابيللا الحق في وراثة بارما وتسكانيا.
وفي مجال السياسة الدولية سرعان ما ينقلب الحلفاء أعداء، ويصبح الخصوم أصدقاء رسمياً. ودعماً للسلام مع فرنسا، كان فليب قد خطب ابنته ماريا أنا فكتوريا التي لم تسلخ من عمرها سوى عامين، للويس الخامس عشر في 1721، وأرسل إلى فرنسا (1722) وسط دهشة الجمع. ولكن في 1725 ردتها فرنسا لعل لويس أن يتزوج امرأة تستطيع الاضطلاع فوراً بمهمة انجاب وريث له. ورأت أسبانيا في هذا الرد إهانة، فتحالف مع النمسا، ووعد الإمبراطور شارل السادس بمساعدة أسبانيا على استعادة جبل طارق، فلما حاول جيش أسباني الاستيلاء على ذلك المعقل لم يأت العون من النمسا؛ وفشلت المحاولة، ولم تصطلح أسبانيا مع إنجلترا وحسب، بل ردت لها احتكار الازينتو Asiento الذي يبيح لها بيع العبيد للمستعمرات الأسبانية، ومقابل هذا تعهدت بريطانيا بأن تجلس الدون كارلوس، ابن إيزابيللا، على عرش دوقية بارما. وفي 1731 اتجه كارلوس وستة آلاف أسباني إلى إيطاليا في حراسة أسطول إنجليزي. ونزلت النمسا عم بارما وبياتشنزا لكارلوس رغبة في الحصول على تأييد بريطانيا وأسبانيا لها في ارتقاء ماريا تريزا للعرش الإمبراطوري. وفي 1734 رفع كارلوس نفسه إلى عرش نابلي. وهكذا اكتمل نصر إيزابيللا.
على أن فليب أصابته نوبة من الاكتئاب أخذت بعد عام 1736 تنحدر أحياناً إلى درك الجنون. فقبع في ركن من حجرته، ظاناً أن كل الداخلين عليه ينوون قتله، وعافت نفسه الأكل مخافة أن يدس له السم فيه. وظل




صفحة رقم : 13291




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فليب الخامس


ردحاً طويلاً يأبى أن يبرح فراشه أو يحلق لحيته. وجربت إيزابيللا عشرات الوسائل لشفائه أو تهدئته، ولكنها أخفقت كلها إلا واحدة. ففي 1737 أقنعت فارنيللي بأساليب الملاطفة والتملق أن يجيء إلى أسبانيا. وذات ليلة، في جناح ملاصق لجناح الملك، رتبت حفلاً موسيقياً عنى فيه "الخصي" العظيم لحنين من تأليف هاسي. ونهض فليب من فراشه لينظر خلال الباب ويرى أي قوة استطاعت أن تشدو بهذه الأصوات الساحرة. وجاءته إيزابيللا بفارينللي، فأثنى عليه الملك وعانقه وأمره بأن يطلب ما شاء من مكافأة فتوهب له مهما غلت. وكانت الملكة قد أوصت المغني بما يجيب، فلم يطلب إلا أن يسمح الملك بأن تحلق لحيته وأن يرتدي ثيابه ويحضر المجلس الملكي. ووافق الملك وخفت مخاوفه، وبدا أنه شفي كأنما بمعجزة. ولكن حين أقبل المساء التالي أرسل في طلب فارنيللي ورجاه أن يغني هاتين الأغنيتين ذاتهما ثانية، إذ لم يكن في الإمكان تهدئته لينام إلا بهذه الطريقة. وهكذا استمرت الحال ليلة إثر ليلة طوال عشر سنين. وكان أجر فارنيللي 200.000 ريال في العام، ولكن لم يسمح له بالغناء إلا في البلاط. وتقبل هو الشرط شاكراً، ومع أن نفوذه على الملك كان أقوى من نفوذ أي من وزرائه، فأنه لم يستغله وأستعمله دائماً للخير؛ وظل بريئاً من روح الرشوة وأكتسب إعجاب الجميع(16).
وفي 1746 أمر فليب أن يقام 100.000 قداس لخلاص نفسه. فإذا لم يكن ثمة حاجة لهذا العدد الكبير ليدخل به الجنة فليوهب الفائض للنفوس المسكينة التي لم يتح لها مثل هذا الاستعداد(17). في ذلك العام قضى فليب نحبه.




صفحة رقم : 13292




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرديناند السادس



3- فرديناند السادس




1746 - 1759


وخلفه على العرش ثاني أبنائه من زوجته الأولى، فأعطى أسبانيا ثلاثة عشر عاماً من الحكم الشافي من عللها. وعمرت إيزابيللا حتى سنة 1766،




صفحة رقم : 13293




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرديناند السادس


ولقيت من ابن زوجها معاملة رقيقة مجاملة، ولكنها فقدت سلطانها على التأثير في الأحداث. وأصبحت زوجة فرديناند، ماريا بربارا، تلميذة سكارلاتي، هي المرأة التي تقف وراء العرش. ومع أنها كانت مفرطة الولع بالطعام والمال، فإنها كانت روحاً أرق من إيزابيللا، وبذلت أكثر همتها لتشجع الموسيقى والفن. وواصل فارنيللي غناءه لحكام الجدد، ولم يستطع هاريسكورد سكارلاتي أن ينافسه. وعمل الملك والملكة على إنهاء حرب الوراثة النمساوية، فقبلا معاهدة إكس-لا-شابل (1748)، مع إنها أعطت تسكانيا للنمسا، وبعد عام أنهيا اتفاق الازينتو الذي عمر 136 سنة بدفع 100.000 جنيه لشركة بحر الجنوب تعويضاً عن خسارة امتيازاتها في تجارة الرقيق.
كان فرديناند رجلاً حسن النية، لطيفاً أميناً، ولكنه ورث جسداً رقيقاً وكان معرضاً لنوبات من الغضب كان يخجل منها خجلاً مؤلماً.(18) وحمله الوعي بعيوبه على ترك الحكم لوزيرين قديرين-دون دون خوزيه دي كارفاخال وزينون دي سومر ديفللا، مركيز انسنادا. وحسن انسنادا أساليب الزراعة، وأعان بالمال التعدين والصناعة، وشق الطرق والقنوات، وألغى المكوس الداخلية، وأعاد بناء البحرية واستبدل بضريبة البيوع البغيضة ضريبة على الدخل والممتلكات، ونظم المالية من جديد، وحطم عزلة أسبانيا الفكرية بإيفاده البعوث من الطلبة إلى الخارج. ويرجع بعض الفصل إلى دبلوماسية انسنادا في إبرام اتفاق مع البابوية (1753) احتفظ للملك بحق فرض الضرائب على الأملاك الكنسية وتعيين الأساقفة للكراسي الأسبانية. وقد حد من سلطان الكنيسة، وأخضع ديوان التفتيش، وألغيت الاحتفالات العلنية بإحراق المهرطقين.
واختلف الوزيران في سياستهما الخارجية. فأما كارفاخال فقد أثر فيه لطف السفير البريطاني المخلص، السير بنجامين كين، فاستن سياسة مؤيدة للبريطانيين مسالمة لهم، وأما انسنادا فقد حابى فرنسا، وتحرك نحو محاربة إنجلترا. وطال صبر فرديناند عليه لأنه قدر نشاطه وكفايته، ولكنه أقاله




صفحة رقم : 13294




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرديناند السادس


في النهاية. وبينما كانت كل أوربا تقريباً تتردى في سنوات سبع من الحرب، منح فرديناند شعبه فترة من السلام والرخاء أطول مما حظيت به أسبانيا منذ أيام فليب الثاني.
وفي 1758 ماتت ماريا بربارا. وكان الملك يحبها حباً يوحي بأن السياسة لم يكن لها دخل في زواجهما، ومن ثم اعترته حالة من الاكتئاب وتشعث الشعر وإطلاق اللحية ذكرت الناس باكتئاب أبيه من قبل، وأصابته هو الآخر لوثة في آخر سنة من عمره. وفي أخريات أيامه كان يأبى الذهاب إلى فراشه مخافة ألا ينهض منه أبداً. ومات في كرسيه في 10 أغسطس 1759 وبكى الجميع الملكين الحبيبين لأن حكمهما كان بركة ندر أن حظيت بها أسبانيا.




صفحة رقم : 13295




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> التنوير يدخل أسبانيا



4- التنوير يدخل أسبانيا


قصة التنوير في أسبانيا مثال لقوة عرضة للمقاومة تصطدم بجسم ثابت لا يقبل الحركة. فالخلق الأسباني، ووفاؤه لإيمانه الوسيط وفاء كتبه بالدم، كان يصد كل رياح الهرطقة أو الشك عاجلاً أو آجلاً، ويرفض كل دخيل من الزي أو العادات أو الاقتصاد. ولم يحبذ الفكر الدخيل غير قوة اقتصادية واحدة-هي التجار الأسبان الذين كانوا يتعاملون مع الأجانب كل يوم، ويعرفون أي قوة وثراء حققهما ونظراؤهم في إنجلترا وفرنسا. وكانوا راغبين في استيراد الأفكار إذا استطاعت أن تضعف من السلطة التي ورثها النبلاء والأكليروس على أرض أسبانيا وحياتها وعقلها. وقد علموا أن الدين فقد سلطانه في إنجلترا، وسمع بعضهم بنيوتن ولوك، لا بل أن جبون قدر له أن يجد بعض من يقرؤونه في أسبانيا(19).
وبالطبع هبت أقوى رياح التنوير من فرنسا. وكان النبلاء الفرنسيون الذين تبعوا فليب الخامس إلى مدريد قد مستهم الزندقة التي أخفت رأسها أيام لويس الرابع عشر، ولكنها استشرت أيام الوصاية. وفي 1714 أسس




صفحة رقم : 13296




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> التنوير يدخل أسبانيا


بعض الدارسين الأكاديمية الملكية الأسبانية محاكاة للأكاديمية الفرنسية؛ وسرعان ما بدأت وضع معجم لغوي؛ وفي 1737 اضطلعت صحيفة "دياريو دي لوس لتراتوس دي أسبانيا" بمنافسة "الجورنال دي سافان" الفرنسية. وكان الدوق ألبا الذي أشرف على الأكاديمية الملكية عشرين عاماً (1756-76) شديد الإعجاب بجان-جاك روسو(20). وفي 1773-أكتتب بثمانية جنيهات ذهبية (لوي دور) لتمثال فولتير الذي كان يصنعه بيجال. كتب إلى دالامبير يقول "أنني وقد مضى عليّ بتثقيف عقلي سراً أغتنم هذه الفرصة للشهادة علانية بعرفاني وإعجابي بالرجل العظيم الذي كان أول من دلني على الطريق(21)".
وحظي كتاب روسو "إميل" بإعلان مجاني حين أحرق في احتفال رسمي بكنيسة من كنائس مدريد (1765)(22). وعاد شباب من الأسبان الذين عرفوا باريس كالمركيز دي مورا الذي عشق جولي دلسبيناس إلى أسبانيا يحملون شيئاً من آثار الشكوكية التي التقوا بها في الصالونات. وهربت إلى أسبانيا نسخ من أعمال فولتير أو ديدرو أو رينال؛ فأيقظت بعض العقول المحددة.وكتب أسباني في 1763 يقول "كان من أثر الكتب المؤذية الكثيرة التي راجت بين الناس؛ ككتب فولتير وروسو وهلفتيوس؛ أن كثر فتور الإيمان في هذا البلد(23)". وكان بابلو أو لافيدي يجهر بالأفكار الفولتيرية في صالونه بمدريد (حوالي 1766)(24). وحوت رفوف "الجمعية الاقتصادية لأصدقاء السلام" أعمالاً لفولتير وروسو وبيل ودالامبير ومونتسكيو وهوبز ولوك وهيوم(25). وذكر الأبيه كليمان الذي جاب أرجاء أسبانيا عام 1768 انتشار اللامبالاة بالدين انتشاراً واسعاً، لا بل الكفر بالعقيدة، المستتر وراء مراعاة الطقوس الكاثوليكية في الظاهر(26). وقد أبلغ ديوان التفتيش في 1778 أن كبار موظفي البلاط يقرؤون لجماعة الفلاسفة الفرنسيين(27).
وكان من الأهمية بمكان للتاريخ الأسباني أن يصبح بدرو أباركا، كونت أراندا، خلال رحلة قام بها في فرنسا، صديقاً لفولتير. وقد نحكم




صفحة رقم : 13297




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> التنوير يدخل أسبانيا


على علاقته من نشاطه اللاحق سفيراً لأسبانيا لدى فرنسا، وقد اختلط في غير تجرح بالموسوعيين في باريس وقامت بينه وبين دالامبير صداقة ملؤها الإعجاب به، وعبر فرنسا ليزور فولتير في فرنيه. وكان يصرح بولائه للكنيسة في أسبانيا، ولكنه هو الذي أقنع شارل الثالث بطرد اليسوعيين، وبإرشاده انظم إب صفوف "المستبدين المستنيرين" الذين كان يتطلع إليهم جماعة الفلاسفة باعتبارهم خير معوان لهم في نشر التعليم والحرية والعقلانية.




صفحة رقم : 13298




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث



5- شارل الثالث




1759 - 1788




أ- الحكومة الجديدة


حين وصل من نابلي كان يناهز الثالثة والأربعين. ورحب به الجميع إلا اليسوعيين(28) الذين ساءهم بيع أسبانيا لمستوطناته في باراجواي إلى البرتغال (1750)، وفيما عدا هذا كسب جميع القلوب بإعفاء الناس من الضرائب المتأخرة، ورد بعض الامتيازات التي فقدتها الأقاليم في ظل سياسة المركزية التي انتهجها فليب الخامس. وقد جلل موت زوجته ماريا أماليا بالحزن سنة حكمه الأولى لأسبانيا. ولم يتزوج بعدها قط وإنه لمما يشرف آل بوربون الأسبان في القرن الثامن عشر أنهم ضربوا لملوك أوربا المثل في الوفاء لأزواجهم والثبات على حبهم.
وقد رسم دبلوماسي بريطاني صورة بريطانية لشارل الذي كانت له مواجهات مع الإنجليز في نابلي.
"للملك مظهر غريب سواء شخصه أو زيه. فهو ضئيل القامة ولون بشرته شبيه بلون المحنة ولم يفصل له سترة طوال هذه السنين الثلاثين، لذلك يبدو في سترته وكأنها الزكيبة، وصدريته وسراويله وكوبه من الجلد عادة، وعل ساقه طماق يقيهما من البلل. وهو يخرج للرياضة كل يوم من أيام السنة غير عابئ بمطر أو ريح(29).




صفحة رقم : 13299




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


ولكن إيرل برستول- أردف في 1761، "إن للملك الكاثوليكي مواهب جيدة، وذاكرة مواتية، وسيطرة غير عادية على نفسه في جميع المناسبات. وقد بات يتشكك في الناس لكثرة ما خدعوه. وهو يفضل دائماً أن ينال موافقة الآخرين على رأيه باللين، وله من طول الأناة ما يجعله ينصح محدثه المرة بعد المرة دون أن يستعمل سلطته. ومع ذلك فرغم سيماء اللطف العظيم البادي عليه استطاع أن يبث الرهبة في قلوب وزرائه وحاشيته."(30)
ولم يكن في تقواه الشخصية ما ينذر بأنه سيهاجم اليسوعيين أو يضطلع بالإصلاحات الدينية. كان يختلف إلى القداس كل يوم. وقد أدهش عدواً إنجليزياً "وفاؤه الأمين العنيد بكل معاهداته مبادئه وارتباطاته"(31) وكان يخصص جزءاً كبيراً من كل يوم من أيام الأسبوع (عدا الأحد) لشؤون الحكم. يستيقظ في السادسة، ويزور أبناؤه، ويفطر، ويعكف على العمل من الثامنة إلى الحادية عشرة، ويجتمع بوزرائه، ويستقبل كبار القوم ويتناول غداءه مع غيره، ويخصص عدة ساعات للصيد، ويتعشى في التاسعة والنصف، ويطعم كلابه، ويتلو صلواته، ثم يمضي إلى فراشه. ولعل الصيد كان وقاءً صحياً قصد بن أن يصرف عنه الاكتئاب الموروث في الأسرة.
وبدأ ببعض الأخطاء الخطيرة. ذلك أنه لجهله بأسبانيا التي لم يرها من كان في السادسة عشرة اتخذ اثنين من الإيطاليين كانا قد أخلصا في خدمته بنابلس مساعدين أثيرين لديه: المركيز دي جريمالدي في السياسة الخارجية، والمركيز دي سكللاتشي في الشؤون الداخلية.
وقد وصف إيرل برستول سكللاتشي هذا بأنه "غير ذكي. أنه مولع بالعمل ولا يشكو أبداً من كثرته تنوع إدارات الحكومة التي تتركز فيه...وأعتقد أنه غير قابل للارتشاء، ولكنني لا أريد أن أكون مسئولاً بهذا القدر عن زوجته(32) ولم يحب جرائم مدريد ولا روائحها الخبيثة ولا ظلمتها، ومن ثم فقد نظم لها شرطة نشيطة وفرقة لتنظيف شوارعها، وأنار




صفحة رقم : 13300




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:35 مساء   رقم المشاركة : [395]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


العاصمة بخمسة آلاف مصباح. وأباح الاحتكارات لتزويد المدينة بالزيت والخبز وغيرهما من الضروريات. وحدث أن الجفاف رفع الأسعار، فطالبت الجماهير برأس سكللاتشي. وقد أغضب رجال الدين بلوائح حدت من امتيازاتهم وسلطتهم. وفقد المئات من المؤيدين حين صادر الأسلحة المخبأة. وأخيراً أثار الشعب بمحاولة تغيير زي الشعب. فقد أقنع الملك بأن العباءة أو الكاب الطويل الذي يخفي البدن والقبعة العريضة ذات الحافة المقلوبة التي تخفي كثيراً من الوجه، يسهلان إخفاء السلاح ويعوقان الشرطة عن التعرف على المجرمين. ومن ثم حظرت سلسلة متعاقبة من المراسيم الملكية الكاب والقبعة، وزود رجال الضبط بالمقصات الكبيرة يقصون بها العباءات المخالفة حتى يصلوا بها إلى الطول القانوني(33). وكان في هذا التحكم فوق ما يطيقه المدريديون الأباة. فثاروا في أحد الشعانين، 23 مارس 1766، واستولوا على مخازن الذخيرة، وأطلقوا السجناء، وتغلبوا على الجنود والشرطة، وهاجموا بيت سكللاتشي، وحصبوا جريمالدي، وقتلوا الحرس الولوني الذين يحرسون القصر الملكي، وجابوا الشوارع يرفعون رءوس هؤلاء الدخلاء الممقوتين على الرماح متوجة بقبعات عريضة الحواف. وظل الرعاع يومين يواصلون التقتيل والنهب. وهنا أذعن شارل، وألغى المراسيم، وأعاد سكللاتشي إلى إيطاليا محروساً. وكان في غضون ذلك قد أكتشف مواهب الكونت أراندا، وعينه رئيساً لمجلس قشتالة. فجعل أراندا العباءة والصمبريرة Sombrero أي القبعة العريضة الحافة الزي الرسمي للبلاد.وكان في هذا المعنى الجديد المتضمن ما زهد الناس في الزي القديم، ومن ثم اتخذ معظم أهل مدريد الزي الفرنسي.
كان أراندا سليل أسرة عريقة غنية في أرجوان. رأيناه يتشرب التنوير في فرنسا، كذلك ذهب إلى بروسيا حيث درس التنظيم العسكري ثم عاد إلى أسبانيا متشوقاً إلى العمل على أن يصل وطنه إلى مستوى تلك الدول الشمالية. وأفرط أصحابه الموسوعيون في الجهر باغتباطهم لتقليده السلطة، وأحزنه أنهم بذلك زادوا مهمته صعوبة،(34) وود لون أنهم درسوا




صفحة رقم : 13301




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


الدبلوماسية من قبل. وقد عرف الدبلوماسية السياسة بأنها فن "إعادة تنظيم قوة مختلفة السلطات، ومواردها، ومصالحها، وحقوقها، ومخاوفها وآمالها، حتى إذا سمحت المناسبة استطعنا أن نهدئ من هذه القوى، أو نفرق بينها، أو نهزمها أو نتحالف معها، ذلك رهن بكيفية خدمتها لمصالحنا وزيادتها لأمتنا"(35).
وكنا الملك في حالة نفسية مواتية لإصلاحات الكنيسة لتوجسه من أن الأكليروس شجعوا الثورة على سكللاتشي سراً(36). وكان قد أذن للمطبعة الحكومية في أن تطبع عام 1765 مقالاً غفلاً من أسم الكاتب عنوانه Tratado de la Regalia de L'amortizaction. تشكك في حق الكنيسة في جمع الثورة العقارية، وزعم أن الكنيسة ينبغي أن تكون خاضعة للدولة في جميع الأمور الزمنية. وكان المؤلف هو كونديه بدرو رودريجر دي كومبومانيس، وكان عضواً في مجلس قشتالة. وكان شارل قد أصدر عام 1761 أمراً يشترط موافقة الملك على نشر الأوامر أو الرسائل البابوية في أسبانيا، وفي تاريخ لاحق ألغى هذا الأمر. ولكنه عاد فجدده في 1768. وأيد الآن أراندا وكومبومانتيس في سلسلة من الإصلاحات الدينية شكلت من جديد وجه أسبانيا الفكري طوال جيل مثير.


ب - الإصلاح الديني الأسباني


لم يكن في نية المصلحين الأسبان أن يقضوا على الكاثوليكية في أسبانيا- ربما باستثناء أراندا. وكانت الحروب الطويلة التي خاضتها البلاد لطرد العرب (كالكفاح الطويل لتحرير أيرلندا) قد جعلت الكاثوليكية جزءاً من الوطنية وكتفتها إلى درجة إحالتها إلى إيمان قدسته تضحيات الأمة تقديساً لا يتيح التحدي الناجح أو التغيير الجذري. وكان أمل المصلحين أن يخضعوا الكنيسة لإشراف الدولة، وأن يحرروا عقل أسبانيا من رهبة محكمة التفتيش. وقد بدءوا بمهاجمة اليسوعيين.
كانت جماعة اليسوعيين قد ولدت بأسبانيا في عقل أغناطيوس لويولا




صفحة رقم : 13302




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


وتجاربه، وكان نفر من أعظم قادتها من أسبانيا. وكما حدث في البرتغال، وفرنسا، وإيطاليا، والنمسا اضطلعت الجماعة بالتعليم الثانوي، وزودت الملوك والملكات بآباء الاعتراف، وشاركت في تشكيل السياسات الملكية. وقد أثار سلطانها المتسع غيرة الأكليروس الكاثوليكي غير الرهباني، وأحياناً عداءه. وكان بعض هؤلاء يؤمنون بأن سلطة المجامع المسكونة تعلو على سلطة الباباوات، أما اليسوعيين فقد دافعوا عن سمو سلطة الباباوات على سلطة المجامع والملوك. وشكا رجال الأعمال الأسبان من أن اليسوعيين المشتغلين بتجارة المستعمرات يبيعون بأسعار أقل من التجار المحترفين بفضل ما يتمتعون به من إعفاءات كنسية من الضرائب، وقرروا أن هذا يقلل من الإيرادات الملكية. وآمن شارل بأن اليسوعيين ما زالوا يشجعون مقاومة هنود باراجواي لأوامر الحكومة الأسبانية(37)؛ وروعه أن يطالعه أراندا وكامبومانيس وغيرهما على خطابات ادعوا أنهم وجدوها بين رسائل اليسوعيين، وقد صرح أحد هذه الخطابات الذين زعموا أن كاتبه هو الأب ريكي قائد الطائفة اليسوعية؛ بأن شارل ابن غير شرعي ويجب أن يحل محله أخوه لويز. وقد رفض الكاثوليك وغير المؤمنين على السواء صحة هذه الخطابات(39)، ولكن شارل ظنها صحيحة وانتهى إلى أن اليسوعيين يأتمرون لخلعه، وربما لقتله(40). ولحظ أن محاولة- زعموا أن اليسوعيين كانوا ضالعين فيها- بذلت لاغتيال يوسف الأول ملك البرتغال (1758)، فصحت نيته على أن يحذو حذو يوسف ويطرد الطائفة من مملكته.
وحذره كامبومانيس من أن خطوة كهذه لن يتاح لها النجاح إلا بالاستعدادات المستورة تتبعها ضربة فجائية مدبرة، وإلا استطاع اليسوعيين الذين كانوا يحظون بتبجيل الشعب أن يثيروا ضجة مؤذية في الأمة وممتلكاتها جميعاً. وعملاً باقتراح أراندا أرسلت رسائل مختومة ممهورة بتوقيع الملك في مطلع عام 1767 إلى الموظفين في جميع أرجاء الإمبراطورية مشفوعة بالأمر بعدم فضها إلا في 31 مارس في أسبانيا، وفي 2 إبريل في المستعمرات،




صفحة رقم : 13303




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


وألا كان الموت عقاب المخالفين . وفي 31 مارس أستيقظ اليسوعيون الأسبان ليجدوا بيوتهم ومدارسهم يطوقها الجنود، ويجدوا أنفسهم معتقلين. وأمروا بالرحيل في هدوء، غير مصطحبين سوى ما يطيقون حمله، أما سائر ممتلكات اليسوعيين فقد صادرتها الدولة. ومنح كل مبعد معاشاً صغيراً يوقف أن عارض أي يسوعي في طرده. ثم أخذوا في عربات تحت الحراسة العسكرية إلى أقرب ميناء وأركبوا السفن إلى إيطاليا. وبعث شارل بكلمة إلى البابا كلمنت الثالث عشر يخيره أنه "ينقلهم إلى الأراضي الكنسية ليظلوا تحت إشراف قداسته الحكيم العاجل....وأني أرجو من قداستكم ألا تعتبروا هذا القرار إلا احتياطاً مدنياً لا غنى عنه، لم أتخذه إلا بعد البحث الناضج والتفكير العميق(41)".
فلما حاولت أولى السفن التي كانت تحمل ستمائة من اليسوعيين، أن تنزلهم في تشيفبتافكيا، رفض الكردينال تورجياني، السكرتير البابوي، السماح لهم بالرسو محتجاً بأن إيطاليا لا تستطيع بهذه السرعة المفاجئة أن تعنى بهذا العدد الكبير من اللاجئين(42). وظلت السفينة الأسابيع تجوب البحر المتوسط باحثة عن ميناء مضياف بينما يعاني ركابها البائسون من رداءة الجو ومن الجوع والمرض. وأخيراً سمح لهم بالنزول في قورسقه، وبعد حين استوعبتهم الولايات البابوية في جماعات سهلة القيادة. ولقي اليسوعيون في غضون هذا النفي المماثل من نابلي وبارما وأمريكا الأسبانية والفلبين. وناشد كلمنت الثالث عشر شارل الثالث أن يلغي هذه المراسيم التي سيصعق العالم المسيحي كله لا محالة لما فيها من مباغتة وقسوة. فأجاب شارل "أنني لرغبتي في أن أعفي العالم من فضيحة كبرى سأظل ما حييت مختبئاً في قلبي سر المؤامرة النكراء التي اقتضت هذه الصرامة. وينبغي لقداستكم أن تصدقوا كلمتي، فسلامة حياتي تفرض عليّ الصمت العميق(43)".
ولم يصفح الملك قط عن الأدلة التي قام عليها مراسيمه. وفي التفاصيل من التناقض والغموض ما يجعل المرء عاجزاً عن الحكم عليها. وقد اعترض




صفحة رقم : 13304




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


دالامبير على الطريقة التي نفي بها اليسوعيون، ولم يكن بصديق لهم. ففي 4 مايو 1767 كتب إلى فولتير يقول:
"ما رأيك في مرسوم شارل الثالث الذي طرد اليسوعيين على هذا النحو المفاجئ؟ ألا ترى، رغم اقتناعي بأن لديه مبررات كافية ووجيهة، بأنه كان ينبغي أن يصفح عنها لا أن يحبسها في "قلبه الملكي"؟ ألا ترى أنه كان ينبغي له أن يسمح لليسوعيين بتبرير أنفسهم، لا سيما لأن الجميع واثقون أنهم ما كانوا يستطيعون هذا؟ وألا ترى أيضاً أن من الظلم البين لهم أن يتركوا جميعاً ليموتوا جوعاً بينما الواجب على أخ علماني واحد، ربما يقطع الكرنب الآن في المطبخ، أن يقول كلمة بطريقة أو بأخرى في الدفاع عنهم؟...ألا يبدو لك أنه كان مستطيعاً أن يتصرف بتعقل أكثر في تنفيذ أمر هو رغم كل شيء أمر معقول(44)"؟
أكان طردهم إجراء محبباً لدى الشعب؟ بعد عام من استكمال هذا الطرد وفي عيد القديس شارل، طلع الملك على شعبه من شرفة قصره، فلما سألهم جرياً على عادة مألوفة عندهم أي منحة يرغبون في أن يهبهم صاحوا "بصوت واحد" أن يسمح لليسوعيين بالعودة، وأن يلبسوا رداء الأكليروس غير الرهباني- فأبى شارل، ونفى رئيس أساقفة طليطلة متهماً إياه بأنه المحرض على الالتماس الذي أشتبه في أنه يهدف إلى التوفيق(45). ولما طلب البابا في 1769 إلى أساقفة أسبانيا رأيهم في طرد اليسوعيين، وافق عليه اثنان وأربعون، وعارضه ستة، ولم يبد ثمانية رأياً في الأمر(46). وأغلب الظن أن الكهنة من غير الرهبان كانوا مغتبطين بإعفائه من منافسة اليسوعيين لهم. ووافق الأخوة الأوغسطينيون في أسبانيا على الطرد، ثم أيدوا بعد ذلك مطالبة شارل الثالث بفض جماعة اليسوعيين بجملتها(47).
أما ديوان التفتيش فلم يكن في الإمكان اتخاذ إجراء معجل كهذا معه، فقد كان أعمق من جمعية اليسوعيين تغلغلاً في رهبة وتقاليد الشعب الذي عزا إلى الديوان في صيانة الأخلاق والاحتفاظ بنقاء إيمانهم- بل حتى




صفحة رقم : 13305




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


نقاء دمائهم. وحين ولي شارل العرش كان الديوان يسيطر على عقل أسبانيا برقابة صارمة ساهرة. فأي كتاب تظن به الهرطقة الدينية أو الانحراف الخلقي يقدم إلى الفاحصين، فإذا رأوه خطراً بعثوا بتوصياتهم إلى مجلس ديوان التفتيش، وللمجلس سلطة الأمر بمصادرة الكتاب وعقاب مؤلفه. وكان الديوان يصدر دورياً فهرساً بالكتب المحرمة، وكان إحراز كتاب منها أو قراءته دون إذن كنسي جريمة لا يغتفرها إلا ديوان التفتيش، وقد يعاقب مرتكبها بالجرم. وكان على القساوسة خصوصاً في الصوم الكبير أن يسألوا جميع المعترفين بذنوبهم أن كانوا يملكون أو يعلمون أن إنساناً يملك كتاباً محظوراً. وكل مقصر في الإبلاغ عن انتهاك للفهرس يعتبر مذنباً كمنتهكه، وما كان لأية روابط أسرية أو علاقات ودية أن تعفيه من العقاب(48).
ولم ينجز وزراء شارل في هذا المضمار سوى إصلاحات صغيرة. ففي 1768 حد من سلطة الديوان في رقابة المطبوعات باشتراط الحصول على التصديق الملكي على جميع المراسيم المحرمة للكتب قبل تنفيذها. وفي 1770 أمر الملك محكمة الديوان بأن تقتصر على الهرطقة والارتداد دون غيرهما، وإلا تسجن إنساناً ما لم يثبت ذنبه على نحو قاطع. وفي 1784 أمر بأن تعرض عليه إجراءات الديوان الخاصة بكبار النبلاء، وأعضاء مجلس الوزراء والموظفين الملكيين، لمراجعتها. ثم عين رئيساً عاماً للديوان أبدى موقفاً أكثر تحرراً بازاء خلافات الفكر(49).
وكان لهذه الإجراءات المتواضعة بعض الأثر، لأن الرئيس العام لديوان التفتيش قرر في حزن أن الخوف من اللوم الكنسي على قراءة الكتب المحرمة يكاد يصبح في خبر كان(50)، وكان وكلاء الديوان بعد 1770 بوجه عام أقل غلواً، وعقوباته أرحم من ذي قبل. ومنح التسامح الديني للبروتستنت في عهد شارل الثالث، وللمسلمين في 1779، وأن لم يمنح لليهود(51). وفي عهد شارل الثالث أحتفل بإحراق المنحرفين أربع مرات، آخرها عام 1780 في إشبيلية حين أحرقت عجوز اتهمت بالسحر، وأثار إعدامها




صفحة رقم : 13306




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


هذا من النقد في كل أرجاء أوربا(52) ما مهد الطريق لإلغاء ديوان التفتيش الأسباني في 1713.
ومع ذلك ظلت حرية الفكر إذا أعرب صاحبها عنها حتى في عهد شارل الثالث تعاقب قانوناً بالموت. ففي 1768 أتهم بابلو أولافيدي أمام ديوان التفتيش بحيازته صوراً بذيئة في بيته بمدريد، وربما كانت نسخاً من عرايا بوشيه، لأن أولافيدي كان قد جاب فرنسا حتى فرنيه. ثم رمي بتهمة أخطر في 1774، هي أنه لم يسمح بإقامة أديرة في القرى النموذجية التي أنشأها في سييرا مورينا، وأنه حظر على الكهنة تلاوة القداس في غير يوم الأحد أو طلب الصدقات. وأحاط ديوان التفتيش الملك بأن هذه الجرائم وغيرها قد أثبتت بشهادة ثمانين شاهداً. وفي 1778 أستدعي أوفلافيدي لمحاكمته وأتهم بتأييده نظرية كوبرنيق الفلكية وتراسله مع فولتير وروسو. فرجع الرجل عن أخطائه وتصالح مع الكنيسة، وصودرت كل أملاكه، وحكم عليه بالحبس في دير ثمانية أعوام. وفي 1780 تداعت صحته، وسمح له بالاستشفاء بمياه منتجع معدني في قنلونيه، ومنها فر إلى فرنسا، حيث أستقبله أصحابه الفلاسفة في باريس استقبال الأبطال. ولكنه لم يقضِ في منفاه بضع سنوات حتى استبد به الحنين إلى مغانيه الأسبانية. فألف كتاباً مشرباً بروح التقوى عنوانه "الإنجيل المنتصر أو الفيلسوف المهدي" وعليه أذن ديوان التفتيش بعودته(53).
ونلاحظ أن محاكمة أوفلافيدي جرت بعد سقوط أراندا من رآسة مجلس قتشتالة وفي أخريات حكم أراندا أنشأ مدارس جديدة يقوم بالتدريس فيها أكليروس غير رهباني لملء الفراغ الذي خلفه اليسوعيون، وأصلح العملة بإحلال نقود من نوع جيد وتصميم أرقى محل العملات الممزوقة (1770). على أن إحساسه باستنارته الفائقة جعله بمضي الزمن نزقاً متغطرساً وقحاً. فبعد أن جعل سلطة الملك مطلقة سعى إلى تقييدها بزيادة نفوذ الوزراء. وفقد القدرة على الرؤية المتناسية وتقدير الأمور في أوضاعها الصحيحة، وحلم بإخراج أسبانيا بعد جيل واحد من كتلتها المطمئنة إلى تيار الفلسفة




صفحة رقم : 13307




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


الفرنسية. وأعرب في جرأة مغالية عن أفكاره المهرطقة، حتى لكاهن اعترافه. ومع أن الكثير من رجال الأكليروس غير الرهبان أيدوا بعض إصلاحاته الكنسية لما فيها من نفع للكنيسة(54)، فأنه أخاف عدد أكبر بالكشف عن أمله في حل ديوان التفتيش جملة(55). وأشتد كره الناس له حتى أنه لم يجرؤ على الخروج من قصره دون حرس. وراح يكثر من الشكوى من ثقل أعباء وظيفته حتى أخذه شارل آخر الأمر عن كلمته فأوفده سفيراً إلى فرنسا (1713- 87) وهناك تنبأ بأن المستعمرات الإنجليزية في أمريكا، التي بدأت ثورتها آنذاك، ستصبح في الوقت المناسب من أعظم دول العالم(56).


جـ - الاقتصاد الجديد


سيطر على الوزارة بعد رحيل أراندا ثلاثة من الرجال الأكفاء. فخلف خوزيه مونينو، كونت فلوريدا بلانكا، جريمالدي وزيراً للشؤون الخارجية (1776)، وسيطر على مجلس الوزراء حتى عام 1792. وقد تأثر بالفلاسفة الفرنسيين كما تأثر أراندا ولكن بدرجة أقل. وأرشد الملك في إجراءات لتحسين الزراعة والتجارة والتعليم والعلوم والفنون، ولكن الثورة الفرنسية أخافته فانتكس محافظاً، وقاد أسبانيا إلى أول تحالف ضد فرنسا الثورة (1792). أما بدور دي كامبومانيس فقد ترأس مجلس قشتالة خمس سنين، وكان المحرك الأول في الإصلاح الاقتصادي. وأما جسبار ملكور دي خوفللانوس، أرفع الأسبان في جيله(57)" فقد عرفته الجماهير أول ما عرفته قاضياً رحيماً نزيهاً في إشبيلية (1767) ومدريد (1778). وجاء أكثر نشاطه في الحكومة المركزية تالياً لعام 1789، ولكنه أسهم إسهاماً قوياً في السياسة الاقتصادية أيام شارل الثالث بكتاب ألفه في الإصلاح الزراعي (1787). وقد أذاع اقتراحه مراجعة القانون الزراعي، وهو الاقتراح الذي كتبه برشاقة أسلوب كاد يداني بها رشاقة أسلوب شيشيرون، وشهرته في أوربا طولاً وعرضاً. هؤلاء الثلاثة، بالإضافة إلى أراندا، كانوا أباء التنوير الأسباني والاقتصاد الجديد. ويرى دارس إنجليزي، بوجه عام، أن النتيجة الطيبة التي حققوها تضارع ما تحقق في مثل هذا




صفحة رقم : 13308




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


الزمن القليل في أي بلد آخر، ولا ريب في أن تاريخ أسبانيا لا يحوي فترة يمكن مقارنتها بحكم شارل الثالث(58).
كانت العقبات التي اعترضت الإصلاح في أسبانيا لا تقل خطراً في الاقتصاد عنها في الدين. فقد بدأ تركيز الملكية الثانية في الأسر الشريفة أو الجماعات الكنسية، واحتكار "المستا" لإنتاج الصوف، حاجزين في وجه التغيير الاقتصادي لا سبيل إلى التغلب عليهما. وكان ملايين الأسبان يفخرون بحياة الكسل التي يحيونها، ولا يخجلون من التسول، وكانوا لا يثقون في التغيير لأنه خطر يهدد بالتبطل . وكان المال يختزن في خزائن القصور والكنائس بدلاً من استثماره في التجارة أو الصناعة. وكان طرد المغاربة واليهود والموريسكو قد أزال كثيراً من مصادر تحسين الزراعة وتطوير التجارة. وقد نجم عن صعوبات الاتصال والنقل الداخليين أن تخلف داخل البلاد قرناً عن برشلونة وإشبيلية ومدريد.
على أن فريقاً صادقي النية- نبلاء وقساوسة وأفراد من طبقة العامة رجالاً ونساء- كونوا رغم هذه المعوقات "جمعية اقتصادية لأصدقاء السلام" لدراسة وتشجيع التعليم والعلوم والصناعة والتجارة والفنون. فأنشئوا المدارس والمكتبات، وترجموا الأبحاث الأجنبية وقدموا الجوائز على المقالات والأفكار، وجمعوا المال لمشروعات وتجارب اقتصادية تقدمية. وقد أدانوا تكديس الأمة للذهب باعتباره أثراً مذكراً بالركود، وذلك اعترافاً منهم بتأثير الطبيعيين الفرنسيين وآدم سمث. وأكد واحد منهم: "أن الأمة التي تملك معظم الذهب هي أفقر الأمم...كما أثبتت أسبانيا(60). ورحب خوفللانوس بـــ"علم الاقتصاد المدني" باعتباره "علم الدولة الحقيقي". وكثرت المقالات الاقتصادية. وكان مقال كاميومانيس عن الصناعة الشعبية إلهاماً للآلاف ومنهم الملك.




صفحة رقم : 13309




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


وبدأ شارل باستيراد الغلال والبذور للأقاليم التي اندثرت فيها الزراعة. وحث المدن على أن تؤجر أراضيها المشاع غير المزروعة للفلاحين بأقل إيجار عملي. وأنشأ فلوريدا بلايكا ببعض إيرادات التاج من دخول الرتب الكنسية الشاغرة أرصدة دينية في بلنسية وملقا لإقراض المال للمزارعين بفائدة منخفضة. ولكي يحد شارل من إزالة الغابات وتعرية التربة أمر جميع الكومونات بأن تزرع كل سنة عدداً محدداً من الأشجار. ومن هنا ذلك الاحتفال السنوي بــ"يوم الشجرة" الذي ظل في نصف الكرة تقليداً صحياً أيام شبابنا. وقد شجع إغفال الأوقاف القديمة، وثبط وقف الجديد منها، وبهذا يسر تجزئة الضياع الكبيرة إلى ملكيات للفلاحين. ثم اختزلت امتيازات احتكار أغنام المستا اختزالاً حاداً وأبيح زرع مساحات كبيرة من الأرض كانت من قبل حكراً للرعي. واستقدم المستعمرون الأجانب لتعمير المناطق الخفيفة السكان. مثال ذلك أن أولافيدي أنشأ (1767 وما بعدها) في إقليم سبيرا مورينا بجنوب غربي أسبانيا، الذي كان إلى ذلك الحين متروكاً للصوص والوحوش، أربعاً وأربعين قرية وإحدى عشرة مدينة مأهولة بالوافدين الفرنسيين أو الألمان، وأصبحت هذه المستوطنات مشهورة برخائها. وشقت القنوات الطويلة لربط الأنهار وري مساحات واسعة من الأرض كانت من قبل جرداء قاحلة. ثم شقت شبكة من الطرق الجديدة كانت في فترة خير الطرق في أوربا(62)، فربطت القرى والمدن في تيسير يعين على سرعة المواصلات والنقل والتجارة.
ومدت الحكومة يد العون للصناعة. ورغبة في إزالة الوصمة التي ألصقتها التقاليد بالعمل اليدوي، أعلن مرسوم ملكي أن لا تعارض بين الأعمال الحرفية وشرف المكانة الاجتماعية، وأن الحرفيين يصح منذ الآن اختيارهم للوظائف الحكومية. وأنشئت المصانع النموذجية: للمنسوجات في وادي الحجارة وسقوبية، وللقبعات في سان فرناندو، وللحرائر في طلبيه، وللصيني في بوين رتيرو، وللزجاج في سان إلدفونسو، وللزجاج والأثاث الخشبي الفاخر وقطع النسيج المرسوم في مدريد. وشجعت المراسيم الملكية تطور




صفحة رقم : 13310




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


الإنتاج الرأسمالي على نطاق واسع، لا سيما في صناعة النسيج. فكان في وادي الحجارة عام 1780 ثمانمائة نول تستخدم أربعة آلاف نساج، وأدارت شركة واحدة في برشلونة ستين مصنعاً تضم 2.162 نولاً نساج القطن، وكان في بلنسيه أربعة آلاف نول تنسج الحرير، وأخذت تنافس تجارة ليون في الحرير لما حظيت به من إمكانات التصدير. وفي 1792 كان في برشلونة ثمانون ألف نساج، ولم يفقها في إنتاج الأقمشة القطنية غير أقاليم إنجلترا الوسطى.
وكانت إشبيلية وقادس تتمتعان منذ عهد بعيد باحتكار تحميه الدولة للتجارة مع الممتلكات الأسبانية في الدنيا الجديدة، فأنهى شارل الثالث هذا الامتياز وسمح لمختلف الثغور بالاتجار مع المستعمرات، ثم أبرم بعد التفاوض مع تركيا معاهدة (1782) فتحت الموانئ الإسلامية للسلع الأسبانية. وكانت النتائج مجزية لجميع الأطراف. وازداد أمريكا الأسبانية سريعاً، وارتفع دخل أسبانيا من أمريكا ثمانمائة في المائة في عهد شارل الثالث، وتضاعفت تجارة صادرها ثلاث مرات(63).
وتطلبت أنشطة الحكومة المتسعة دخولاً أكبر. وقد أمكن الحصول عليها إلى حد ما باحتكار الدولة لبيع البراندي، والتبغ، وورق اللعب، والبارود، والرصاص، والزئبق، والكبريت، والملح. وفي بداية العهد كانت هناك ضرائب مبيعات نسبتها خمسة عشر في المائة في قتلونيا، وأربعة عشر قشتالة. وقد وصف خوفللانوس ضرائب المبيعات بحق إذ قال "إنها تفاجئ ضحيتها...عند ميلادها، وتطاردها وتعترضها حين تدور، ولا تغفل عينها عنها أبداً أو تدعها تفلت منها حتى تقضي عليها".(64) وفي عهد شارل الثالث ألغيت ضريبة المبيعات في قتلونيا، وفي قشتالة خفضت إلى اثنين أو ثلاثة أو أربعة في المائة(65). وفرضت ضريبة متدرجة معتدلة على الدخول. وضماناً للمزيد من المال بتشغيل مدخرات الشعب، أقنع فرانسسكو دي كاباروس الخزانة بأن تصدر سندات حكومية تقل فائدة. فلما هبطت هذه السندات إلى ثمانية في المائة من قيمتها الاسمية،




صفحة رقم : 13311




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


أسس (1782) أول مصرف قومي أسباني- بنكودي سان كارلوس- استهلك السندات بقيمتها الاسمية وأعاد الثقة المالية بالدولة.
وأثمر حسن الإدارة وروح الأقدام زيادة محسوسة في ثروة الأمة في جملتها. وكان أكثر الطبقات انتفاعاً هي الوسطى، لأن منظماتها هي التي أعادت تشكيل الاقتصاد الأسباني. ففي مدريد كون 375 من رجال الأعمال خمس نقابات تجارية كبرى سيطرت على معظم تجارة العاصمة. ونستطيع الحكم على مبلغ ثرائها من استطاعتها أن تقرض الحكومة عام 1776 ثلاثين مليون ريال(66).
وقد حبذت الحكومة بوجه عام ظهور طبقة رجال الأعمال هذا باعتباره أمراً لا غنى عنه لتحرير أسبانيا من الاعتماد الاقتصادي والسياسي على دول ذات اقتصاد أرقى. ولم تحظ البرولتاريا الناشئة، هنا شأنها في تلك الدول، بنصيب مذكور في الثراء الجديد. وارتفعت الأجور لا سيما في قتلونية حيث شكا الأغنياء من صعوبة العثور على الخدم والاحتفاظ بهم(67)، ولكن يمكن القول بوجه عام أن الأسعار ارتفعت بأسرع من ارتفاع الأجور، وإن الطبقات العاملة كانت فقيرة في ختام العهد فقرها في مطلعه. وقد لاحظ إنجليزي حساب لنسيه في 1797 ذلك التناقض بين (ثراء..التجار، وأصحاب المصانع، ورجال الدين، والعسكريين، والسادة من ملاك الأرض و "الفقر، والبؤس، والأسمال" التي ترى في كل شارع(68). وعليه فقد رحبت الطبقات الوسطى بالتنوير Luees الآتي من فرنسا وإنجلترا في حين كان موظفيهم الذين ملئوا الكنائس ولثموا المزارات يعوزون أنفسهم بالنعمة الإلهية وبآمال الفردوس.
واتسعت المدن في ظل الاقتصاد الجديد. وكان يعيش في المراكز البحرية الكبرى- برشلونة وبلنسية وإشبيلية وقادس- سكان يتفاوتون من 80.000 إلى 100.000 (1800). وكان يسكن مدريد (في 1797) 167.607، بالإضافة إلى 30.000 من الأجانب. وحين ولي شارل الثالث العرش كانت المدينة تشتهر بأنها أقذر عواصم أوربا. وكان الناس من سكان




صفحة رقم : 13312




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


الأحياء الفقيرة لا يزالون يفرغون قمامتهم في الشوارع معتمدين على الريح أو المطر لتبديدها، فلما حظر شارل هذه العادة رموه بالطغيان. قال "إن الأسبان أطفال يبكون حين يحممون(69)". وقد أقام موظفوه رغم هذا نظاماً لجمع القمامة وللصرف، ونظم الزبالون لجمع النفاية لاستخدامها سماداً(70)، وبذل جهد لمنع التسول ولكنه باء بالفشل، ورفض الشعب السماح للشرطة بالقبض على المتسولين- لا سيما المكفوفين منهم الذين شكلوا نقابة قوية فيما بينهم.
وأصلح شارل من أمر عاصمته عاماً بعد عام. فجيء لها بالماء من الجبال إلى سبعمائة نافورة، حمله منها 720 سقاء في مشقة وعناء لتوزيعه على بيوت المدينة. وأضيأت الشوارع بمصابيح الزيت من الغسق إلى نصف الليل طوال شهور ستة في الخريف والشتاء، وكان أكثر الشوارع ضيقاً ملتوياً يتبع دروباً عتيقة متعرجة ويتوارى من شمس الصيف، ولكن بعض الشوارع المشجرة العريضة الجميلة شقت، وتمتع الشعب بالبساتين الفسيحة والمماشي الظليلة. وكان أحبها إلى الناس (باسيوديل برادو) أو متنزه المرج، الذي لطفت هواءه النوافير والأشجار، وفضله العشاق للاستطلاع ولقاءات الغرام. وهناك في 1785 بدأ خوان دي فيللا نوفا تشييد متحف البرادو. وهناك في أي يوم تقريباً كانت تجري أربعمائة مركبة، وفي أي عشية كان يتجمع ثلاثون ألف مدريدي. وحظر عليهم التغني بالأغاني البذيئة، أو الاستحمام عراة في النوافير، أو عزف الموسيقى بعد منتصف الليل، ولكنهم كانوا يستمتعون بأصوات النساء الرخيمة وهن ينادين على البرتقال والليمون والبندق. ذكر الرحالة أن المشهد الذي كان يرى كل يوم على البادو في أخريات القرن الثامن عشر كان يعدل ما يرى في مدن أخرى في الفترة نفسها في الآحاد والعطلات فقط(71)، وأصبحت مدريد آنئذ، كما عادت في عصرنا هذا، من أجمل مدن أوربا.
لم ينجح شارل الثالث في السياسة الخارجية نجاحه في الشؤون الداخلية. وبدا أن ثورة المستعمرات الإنجليزية في أمريكا تتيح فرصة الانتقام للخسائر التي منيت بها أسبانيا في حرب السنين السبع، فحث أراندا شارل على تقديم




صفحة رقم : 13313




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> شارل الثالث


العون للثوار، فبعث له الملك سراً بمليون جنيه (يونيو 1776). وأفضت هجمات القراصنة الإنجليز على السفن الأسبانية آخر الأمر إلى إعلان أسبانيا الحرب على إنجلترا (23 يونيو 1779). واستعادت قوة أسبانية مينورقة، ولكن محاولة الأسبان الاستيلاء على جبل طارق باءت بالفشل. واتخذت العدة لغزو إنجلترا، ولكن الغزو عطلته العواصف (البروتستنتية) وفي صلح فرساي (1783) سحبت أسبانيا مطالبها بجبل طارق ولكنها استعادت فلوريدا.
وأحزن الملك في سنيه الأخيرة إخفاقه في استرداد وحدة الأراضي الأسبانية وكانت الحروب قد أتت على شطر كبير من الثروة التي أنتجها الاقتصاد الجديد. ولم يستطع وزراؤه الأكفاء أن يتغلبوا قط على شديدتين من قوى المحافظة- كبار النبلاء بضياعهم الشاسعة، والأكليروس بما لهم من مصلحة راسخة في سذاجة الشعب. أما شارل نفسه فنذر أن تذبذب في ولائه الأصيل للكنيسة. ولم يعجب به شعبه قط إعجابه حين يراه- وقد لقي موكباً دينياً- يعطي مركبته للأسقف حامل القربان ثم ينضم إلى الموكب سائراً على قدميه. وأكسبه ورعه المحبة التي افتقدها من الشعب وهو الغريب الوافد من إيطاليا- في العقد الأول من حكمه. فلما وافته منيته (14 ديسمبر 1788)، بعد أربعة وخمسين عاماً حكم فيها نابلي وأسبانيا، كان كثيرون يرون فيه أبر ملوك أسبانيا إن لم يكن أعظمهم. وقد تجلت فطرته الطيبة الرقيقة حين سأله الأسقف القائم على خدمته وهو على فراش الموت هل غفر لأعدائه جميعاً، فقال متسائلاً "كيف أنتظر جواز المرور هذا قبل أن أغفر لهم؟ لقد غفرت لهم أجمعين في اللحظة التالية للإساءة(72)".




صفحة رقم : 13314




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني



6- الخلق الأسباني


أي طراز من الناس كان أسبان القرن الثامن عشر هؤلاء؟ الإجماع على أنهم كانوا قوماً أفاضل إذا قيسوا بنظرائهم في إنجلترا وفرنسا. وكان لهم في تدينهم الشديد، ومن شجاعتهم وإحساسهم بالشرف، ومن تماسكهم ونظامهم الأسريين، عوامل تصحيح قوية لحساسيتهم الجنسية وكبريائهم




صفحة رقم : 13315




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني


العدوانية، حتى مع تكريسهم شوفينيه مشبوبة في مسائل العرق والدين. وقد أعاق الانتخاب الجنسي الشجاعة لأن النساء الأسبانيات وهن يطلبن الحماية كن يمنحن أرق ابتساماتهن للرجال الذين يواجهون الثيران في الحلبة أو الشوارع، أو الذين يبادرون برفض الإهانة والثأر لأنفسهم، أو الذين يعودون من الحرب مكللين بغار الانتصار.
ولانت الفضائل الجنسية يتفق الأفكار والعادات الفرنسية، وكانت الصبايا يحرسن حراسة مشددة، وكان رضا الوالدين (بعد 1766) شرطاً قانونياً للزواج، ولكن النساء في المدن الكبيرة كن بعد الزواج ينغمسن في الغزل والمعابثة وأصبح "الفرس التابع" ملحقاً ضرورياً للسيدة العصرية، وازداد الفجور(73). وابتدعت جماعة صغيرة تدعى "الماخو" و"الماخا" مظهراً فذاً من مظاهر الحياة الأسبانية. وكان الماخو رجالاً من الطبقة الدنيا يلبسون كالغنادير، ويرتدون العباءات الطويلة، ويطيلون شعورهم، ويغطون رؤوسهم بقبعات عريضة الحافة، ويدخنون السيجار الكبير، وكانوا على استعداد دائم للعراك، يعيشون عيشة بوهيمية على نفقة خليلاتهم-الماخا-كلما أمكن ذلك. ولم يعبئوا بالقانون في اتصالاتهم الجنسية؛ وكان للماخا في كثير من الحالات زوج يعولها بينما تعول هي خليلها الماخو، ويعرف نصف العالم الماخا، كاسية أو عارية من فرشاة جويا.
أما الفضيلة الاجتماعية فكانت عالية المستوى نسبياً. لقد وجد الفساد السياسي والتجاري، ولكن ليس على النطاق الواسع المعروف آنئذ في فرنسا أو إنجلترا، ذكر رحالة فرنسي أن "الأمانة الأسبانية مضرب الأمثال وتتجلى واضحة في العلاقات التجارية"(74).فكانت كلمة السيد الأسباني مستنداً أدبياً ساري المفعول من لشبونة إلى سانت بطرسبرج. وكثيراً ما كانت الصداقة في أسبانيا أبقى من الحب. أما البر بالفقراء فموفور. ففي مدريد وحدها كانت المؤسسات الدينية توزع كل يوم ثلاثين ألفاً من قصاع الحساء المغذي على الفقراء(75). وأسس الكثير من المستشفيات والملاجئ الجديدة،




صفحة رقم : 13316




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني


ووسع الكثير من القديم منها أو حسن. وكان جل الأسبان كرماء رحماء إلا مع المهرطقين والثيران.
وكان قتال الثيران ينافس الدين والجنس والشرف والأسرة محلاً لحب الأسبان. وكان الدفاع عن هذه المعارك، شأنه شأن ألعاب المجالدة في روما القديمة، يقوم على أساسين أن الشجاعة يجب أن تربى في الرجال، وأن الثيران لا بد أن تموت قبل أن تؤكل. وقد حرم شارل هذه المعارك، ولكنها استأنفت بعد موته بقليل. وكان مهرة المصارعين الفرسان ومغامروهم معبودي الطبقات كلها. وكان لكل منهم أنصاره، فدوقة ألبا تؤثر كوستللاريس ودوقة أوزونا تؤثر روميرو، وقسم الحزبان مدريد كمل قسم جلوك ويتشيني باريس. وراهن الرجال والنساء بأرزاقهم على مصير الثيران، وعلى كل شيء آخر تقريباً. وكان القمار محرماً بالقانون ولكنه شائع، لا بل كانت البيوت الخاصة تدير أمسيات للقمار وكانت المضيفات يقبضن رسوم اللعب.
وتخلت ملابس السادة شيئاً فشيئاً عن العباءة السوداء المقبضة والياقة الصلبة التي تزيا بها الجيل السابق، واستبدلت بها الزي الفرنسي-وهو السترة الملونة والصدرة الطويلة من الساقان أو الحرير، وسراويل الركوب، والجوارب الحريرية الطويلة، والحذاء ذو المشبك، يتوج هذا كله باروكة وقبعة مثلثة الأركان. أما المرأة الأسبانية فألفت أن تجعل من مفاتنها سراً غامضاً مقدساً تلفها في صدرات من الدنتللا وتنورات طويلة، ذات أطواق موسعة أحياناً. وتستعمل براقع من قماش الطرح إخفاء لعيونهن التي يود المعجب الأسباني لو أغرق روحه في أعماقها المظلمة. وكانت السيدة في القرن السابع عشر نادراً ما تكشف عن قدميها لأنظار الرجال، أما الآن فقد قصرت الجونلة إلى بضع بوصات فوق الأرض، واستعيض عن الخفين المستويين بحذاء مدبب عالي الكعب، وقد أنذر الوعاظ بأن تعرية النساء لأقدامهن على هذا النحو غير مهذب إنما يزيد نار الرجال المتقدة اشتعالاً. ولكن النساء ابتسمن، وزين أحذيتهن، ونشرن تنوراتهن، وروحن بمراوحهن




صفحة رقم : 13317




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني


حتى في أيام الشتاء. وكانت إيزابيللا فارنيزي تملك ذخيرة من 1626 مروحة زين بعضها برسوم لرسامين ذوي شهرة قومية.
وكانت الحياة الاجتماعية مقيدة في كل شيء إلا المراقص. فاجتنبت المجتمعات في الأمسيات النقاش الجاد مؤثرة عليه الألعاب والرقص والغزل. وكان الرقص غراماً كبيراً في أسبانيا، وقد أفرخ ألواناً اشتهرت في أوربا. فكانت "الفاندانجو" ترقص على ميزان ثلاثي بالصاجات، أما السجيديللا فيؤديها زوجان أو أربعة أزواج من الراقصين، بمصاحبة الصاجات وبالغناء عادة، وقد اتخذت رقصة مشتقة منها تسمى البوليرو وشكلها حوالي 1780، وسرعان ما اكتسبت شعبية مجنونة. وفي رقصة الكونترادانزا كان صف من الرجال يواجه صفاً من النساء في تقدم وتأخر متناوبين، وكأنما يرمز هذا إلى تكتيك الحرب الأبدية بين المرأة والرجل، أو كان أربعة أزواج يؤلفون ويحيطون مربعاً في رقصة فخمة تدعى الكونترا دانزا كوادرادا-أي الكدريل. وكانت حفلات الرقص المقنع تجتذب أحياناً 3.500 من الراقصين المتحمسين، وكان القوم في المرافع يرقصون حتى مطلع الفجر.
وجعلت هذه الرقصات الحركة شعراً حياً وحافزاً جنسياً. قيل إن المرأة الأسبانية التي ترقص السجيديللا كان في رقصها من الإغراء ما يخرج البابا ومجمع الكرادلة بأسره عن وقارهم(76). وقد وجد كازانوفا نفسه شيئاً يتعلمه في أسبانيا فقال:
"حين أوشك الليل أن ينتصف بدأت أعنف الرقصات وأكثرها جنوناً...وهي الفندانجو، التي ظننت في سذاجتي أنني طالما شهدتها، والتي فاقت (هنا) أشد تصوراتي جموحاً...ففي إيطاليا وفرنسا يحرص الراقصون على تجنب الإيماءات التي تجعل هذه الرقصة أكثر الرقصات شهوانية. ويخطو الزوجان-راقص وراقصة-ثلاث خطوات فقط، ثم يرتميان في مختلف الأوضاع الفاجرة وهما يصحبان الموسيقى بالمصاحبات ويعرضان قصة العشق كلها من مولده إلى ختامه من أول تنهيدة إلى آخر نشوه. فلم أملك لشدة انفعالي إلا أن أصيح عاليا(77)".




صفحة رقم : 13318




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني


وقد عجب من سماح ديوان التفتيش برقصة مثيرة كهذه إلى هذا الحد، فقيل له أنها "محرمة تحريماً باتاً، لولا أن الكونت أراندا أذن بها لما جرؤ أحد على رقصها".
وارتبطت بالرقص ألوان من الموسيقى الأسبانية كانت من أحبها إلى الشعب، مثال ذلك أن الكانتي فلامنكو أو الغناء الغجري (الفلمنكي) استخدم نغمة شاكية عاطفية كان كل المغنين الغجر يصاحبون بها "السجيديللا جيتانا". ولعل هذه الأغاني الشجية كانت أصداء لألحان مغربية، أو لعلها عكست النوعية المكتئبة للدين والفن الأسبانيين، أو العجز المسخط عن الوصول إلى جسد المرأة، أو انقشاع الوهم عقب الوصال. وقد وفدت نغمة أبهج بوفود الأوبرا الإيطالية (1703) وأغاني فازينللي. ولكن "الخصي" العجوز فقد الحظوة في عهد شارل الثالث بعد أن ظل يشدو بأغانيه طوال عهدين، وقد أنزله شارل عن عرشه بهذا السطر "أن الديوك المخصية لا تصلح إلا للأكل(78)". واتصل النفوذ الإيطالي بمجيء سكارلاتي، وانتصر مرة أخرى بمجيء بوكيريني الذي قدم في 1768، وسيطر على موسيقى البلاط على عهد شارل الثالث وشارل الرابع، ومكث بأسبانيا حتى وافاه الأجل (1805).
وبحركة عكس هذه الحركة وفق فنشنتي مارتن أي سولار، بعد أن حقق لنفسه الشهرة في أسبانيا، في أن يخرج الأوبرا الإيطالية في فلورنسة، وفيينا، وسانت بطرسبرج ونافست صوناتات أنطونيو سولر على الهاربسكورد صونتات سكارلاتي، وحول دون لويز ميسون "التونادا" أو السولو الصوتية، إلى "التوناد يللو" فاصلاً من الغناء بين فصول المسرحية. وفي 1799 أنهى أمر ملكي حكم الموسيقى الإيطالية في أسبانيا بحظر أداء أي تمثيلية ما لم تكتب باللغة القشتالية ويمثلها ممثلون أسبان(79).
والخلق الأسباني لا يمكن صبه في قالب متماثل واحد. فالروح الأسبانية تتفاوت بتفاوت المشهد الطبيعي من ولاية إلى ولاية، وكان الأسبان المتفرنسون الذين تجمعوا في مدريد طرازاً يختلف كل الاختلاف عن المواطنين الذين




صفحة رقم : 13319




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الخلق الأسباني


تجمدوا في العادات الأسبانية. ولكننا قد نستطيع بعد أن نغض النظر عن الأقليات الدخيلة ظان نتبين في الشعب الأسباني طبعاً أصيلاً متفرداً. فقد كان في الأسباني كبرياء ولكن في قوة صامته لا تستمد الكثير من الشوفينية أو القومية، كانت كبرياء الفردية، وإحساساً مصمماً بالكفاح المنفرد ضد الأذى الدنيوي أو الإهانة الشخصية أو الهلاك الأبدي. ولمثل هذه الروح كان يمكن أن يبتدي العالم الخارجي أمراً ذا أهمية ثانوية لا يستحق القلق أو الكد في سبيله، فلا أهمية إلا مصير النفس في الصراع مع الإنسان والبحث عن الله. إذن فما أتفه مشكلات السياسة، والسباق على المال، والإعلاء من قدرة الشهرة أو المنصب، وحتى انتصارات الحرب لا مجد يكللها ما لم تكن انتصارات على أعداء الدين. أما وقد ضربت جذور الأسباني في صميم هذا الدين، فقد كان في استطاعته أن يقابل الحياة بهدوء رواقي، وبإيمان بالقضاء والقدر ينتظر في اطمئنان ثواب الجنة بعد الممات.




صفحة رقم : 13320




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني



7- العقل الأسباني


حين قبل لويس الرابع عشر ما عرضه آخر ملوك الهابسبورج في أسبانيا من الإيصاء بتاجه لحفيد الملك العظيم، صاح سفير أسباني بفرساي في ابتهاج "لم يعد الآن وجود لجبل البرانس!" ولكن تلك الكتل الرهيبة لم تتزحزح عن موقفها عقبة كؤوداً في سبيل التنوير الفرنسي، ورموزاً للمقاومة التي ستلقاها محاولة قلة مخلصة أن تصبغ العقل الأسباني بالصبغة الأوربية.
وقد فاجأ كاميومانيس الشيوخ بمقال في التعليم الشعبي (1774-76)، جعل من التوسع في التعليم الشعبي أساساً لا غنى عنه لحيوية الأمة ونموها. ولم يرَ بعض كبار رجال الدين وملاك الأراضي معنى لإزعاج الشعب بمعرفة لا لزوم لها قد تفضي في النهاية إلى الهرطقة الدينية أو الثورة الاجتماعية. ولكن خوفيللانوس الذي لم يثنه هذا الاعتراض كافح لنشر الإيمان بالتعليم، وكتب يقول "كثيرة هي الجداول المؤدية إلى الرخاء الاجتماعي، ولكنها كلها تنبع من منبع واحد هو التعليم العام.(80) وكان يعلل نفسه بأن التعليم




صفحة رقم : 13321




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


سيعلم الناس أن يفكروا، وإن التفكير سيحررهم من سلطان الخرافة والتعصب، وإن العلم الذي يطوره أمثال هؤلاء سيستخدم موارد الطبيعة لقهر المرض والفقر. وتقبل بعض كرائم النبيلات هذا التحدي، والفن Junta dw Damas لتميل المدارس الابتدائية. وأنفق شارل الثالث مبالغ كبيرة في إنشاء المدارس الأولية المجانية. وشارك أفراد غير رسميين في تأسيس الأكاديميات لدراسة اللغات أو الأدب أو التاريخ أو الفن أو القانون أو الطب.
وكان طرد اليسوعيين ملزماً بإعادة تشكيل المدارس الثانوية وميسراً لها. وأمر شارل بتوسيع مقررات العلوم في هذه الكليات، وبتحديث كتبها المدرسية، وبالسماح للعلمانيين بالتدريس في أقسامها. وأعان الكليات بالمنح والهبات، وقرر المعاشات للبارزين من المعلمين(81)". ونصحت الجامعات بتدريس فيزياء نيوتن وفلسفة ديكارت وليبنتز في مناهجها. ورفضت جامعة سلمنقه النصيحة بحجة أن "مبادئ نيوتن...وديكارت لا تشابه الحقيقة الموحى بها بالقدر الذي تشابهها به مبادئ أرسطو(82)"، ولكن معظم الجامعات الأسبانية قبلت التوجيه الملكي، وكانت جامعة بلنسيه الآن (1784)، بطلابها البالغ عددهم 2.400، أكبر المراكز التعليمية وأكثرها تقدماً في أسبانيا. وأدخلت عدة طوائف دينية "الفلسفة الحديثة" في كلياتها. وحث قائد الرهبان الكرملين الحفاة، المعلمين الكرمليين على قراءة أفلاطون وشيشرون وفرنسيس بيكن وديكارت ونيوتن وليبنتز ولوك وفولف وكوندياك، هنا لم يكن للقديسين حكم. ودرست جماعة من الرهبان الأوغسطينيين هوبز، وأخرى هلفيتوس. وكانت مثل هذه الدراسات تلحق دائماً بردود تفندها، ولكن كثيراً من المؤمنين الغيورين فقدوا إيمانهم وهم يفندون دعاوى أعدائه.
من ذلك "حداثة" راهب فذ اشتهر يوم كان شارل لا زال شاباً، ذلك هو بنيتو خيرونيمو فيخواي مونتنجرو الذي انفق الأعوام السبعة والأربعين الأخيرة من عمره (1717-64) في دير بندكتي ياوفيدو،




صفحة رقم : 13322




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


ومع ذلك استطاع أن يدرس بيكن وديكارت وجاليلو وبسكال وجاسندي ونيوتن وليبنتز، ورأى في عجب وخجل كيف عزلت أسبانيا بعد سرفانتس عن التيارات الكبرى للفكر الأوربي. فأرسل من قلايته، بين عامي 1726 و1739، سلسلة من ثمانية مجلدات سماها Teatro Critico وهو لا يعني نقد المسرح، بل الامتحان الدقيق للأفكار. وقد هاجم فيها المنطق والفلسفة اللذين يدرسان في أسبانيا في أيامه، وامتدح دفاع بيكن عن العلم الاستقرائي، ولخص كشوف العلماء في كثير من المجالات، وهزأ بالسحر والكهنة والمعجزات الزائفة، والجهل بالطب، والخرافات الشعبية، ووضع قواعد للوثوق بالتاريخ نسفت الأساطير القوية الساذجة في غير رحمة، وطالب بنشر التعليم بين جميع الطبقات، ودافع عن حياة أكثر حرية وعلنية للنساء في التعليم والمجتمع.
واجتمع حول كتبه شرذمة من الأعداء يتهمون وطنيته وينددون بإقتحاماته. واستدعاه ديوان التفتيش أمام محكمته، ولكنها لم تهتد إلى هرطقة صريحة لا في شخصه ولا في كتابه. وفي 1742 استأنف حملته بأول مجلدات خمس عنوانه "رسائل متفقهة مستطلعة". وكان يكتب بأسلوب جيد، مقراً بالتزام كل مؤلف التزاماً أدبياً بأن يكون واضحاً، واستطاب الجمهور تعليمه وشجاعته فتكاثر الطلب على "التياترو" و "الرسائل" حتى بلغ ما طبع منها خمس عشرة طبعة حتى علم 1786. ولكنه لم يستطع قطع دابر الخرافة في أسبانيا، فظلت الساحرات والعفاريت والشياطين تملأ الجو وتخيف العقول، ولكن كان جهده بداية السير على الدرب، ومن مفاخر طائفته أن يقوم بهذا الجهد راهب لزم قلايته المتواضعة دون أن يزعجه أحد حتى أوفته منيته وهو في الثامنة والثمانين (1764).
وأكليريكي أخر هو الذي كتب أشهر كتاب نثري في أسبانيا في القرن الثامن عشر. وكما حرص البندكتيون على ألا يلحق بفيخواي أذى، فكذلك حمي اليسوعيون قسيساً منهم كان أهم إنتاج له نقداً لاذعاً للمواعظ. وكان خوزيه فرانسسكو ذي ايزلا هو نفسه واعظاً بليغاً، ولكن أضحكته




صفحة رقم : 13323




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


أول الأوامر، ثم أزعجته، الحيل الخطابية والأوهام الدبية، والتمثيل والتهريج الذي يجذب به بعض الوعاظ انتباه الشعب ودراهمه في الكنائس والميادين العامة. وفي 1758 سخر سخرية لاذعة بهؤلاء المبشرين في "قصة عن الراهب جيروندو الواعظ المشهور". يقول الأب ايزلا إن الراهب جيروندو:
"ألف أن يبدأ عظاته بمثل أو نكتة سوقية أو شذرة غريبة انتزعت من سياقها فبدت لأول وهلة غير منطقية أو تجديفاً أو كفراً حتى إذا ترك جمهوره لحظة مترقباً في عجب أنهى عباراته وطلع بتفسير أحال كل ما قاله إلى ضرب من التفاهة الحقيرة. من ذلك أنه كان يعظ ذات يوم عن سر الثالوث فاستهل عظته بقوله "أنى أنكر إن الله موجود كوحدة في الجوهر وثالوث في الذات" ثم توقف لحظة. وتلفت السامعون بالطبع حولهم..متسائلين ما عسى أن تكون خاتمة هذا التجديف المهرطق. وأخيراً، وبعد أن ظن الواعظ أنه قبض على ناصيتهم، وأصل الحديث قائلاً: "كذلك يزعم الأبيونيون، والمارسيونيون، والاريوسيون، والمانويون، والسوسينيون، ولكني أثبت ضلالهم كلهم من الأسفار المقدسة، والمجامع، وآباء الكنيسة(83)".
وبيعت ثمانمائة نسخة من كتاب "الراهب جيروندو" خلال يوم من صدوره. وهاجمه الرهبان الوعاظ زاعمين أنه يشجع على احتقار رجال الدين. وأستدعى أيزلا أما محكمة التفتيش، وأدين كتابه (1760)، أما هو فلم يعاقب. ثم أنضم إلى إخوانه اليسوعيين في المنفى، وأصيب في الطريق بالشلل. وقضى ختام عمره في بولونيا عائشاً على المعاش الضئيل الذي منحه إياه الحكومة الأسبانية.
أما الشعر فكان يقرضه كل أسباني ملم بالكتابة. وقد اجتمع في 1727 في مباراة شعرية (عام 1727) 150 متنافساً. وأضاف خوفيلانوس الشعر والدراما لضروب نشاطه الأخرى فقيهاً ومربياً ورجل دولة. وأصبح بيته




صفحة رقم : 13324




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


في مدريد ملتقى لرجال الأدب وقد ألف الهجائيات على طريقة جوفينال، موبخاً الفساد الذي وجده في الحكومة والقانون، وتغنى بمناهج الحياة الريفية الآمنة المطمئنة شأن كل ساكن للمدن. ونظم نقولا فرنانديز دي موراتن شعراً ملحمياً تناول مغامرات كورتيز، ويقول العارفون أن-هذه القصيدة "أرفع قصيدة من نوعها أنجبتها أسبانيا في القرن الثامن عشر(84)".
وكانت الأشعار المرحة المهذبة التي نظمها دييجو جونزالز، الراهب الأوغسطيني، أحب إلى الشعب من قصيدته التعليمية "مراحل الإنسان الأربع" التي أهداها إلى خوفيللانوس. كذلك اتخذ دون توماس دي أيريارتي أي أوروبيزا اتجاهاً تعليمياً في قصيدته "في الموسيقى"، وكان خيراً منها "قصصه الخرافية" (1782) التي طغت مغامز العلماء وأكسبته شهرة لم تزل حية إلى اليوم. وترجم بعض مآسي فولتير وملاهي موليير، وسخر من الرهبان "الذين يتسلطون على السموات وعلى ثلثي أسبانيا"، وقد حاكمه ديوان التفتيش فأنكر آراءه، ومات بالزهري وهو في الحادية والأربعين (1791)(85).
وفي 1780 أعلنت الأكاديمية الأسبانية عن جائزة تمنح لقصيدة تمجد الحياة الرعوية. فقال إيريارتي الجائزة الثانية ولم يغفر قط لصاحب الجائزة الأولى، لأن ميلانديز فالديس مضى ليصبح كبير الشعراء الأسبان في ذلك العهد. وتودد خوان إلى خوفيلانوس، وحصل بنفوذه على كرسي الإنسانيات في جامعة سلمنقة (1781) وهناك أقنع الطلاب أولاً، ثم الكلية، بدراسة منهج أكثر اقتحاماً، بلغ إلى حد قراءة لوك ومونتسيكو. وألف في أوقات فراغه فيما بين المحاضرات مجلداً من الأغاني والشعر الرعوي-هو استحضارات حية لمشاهدة الطبيعة في أبيات بلغت من الرقة وكمال الصقل ما لم تقرأه أسبانيا منذ أكثر من قرن. وكان للرضى الذي أسبغه عليه خوفللانوس الفضل في ترقيته إلى منصب القضاء بسرقسطة وإلى محكمة القضاء العالي في بلد الوليد، وأضرت السياسة بشعره. فلما نفي خوفيللانوس (1798) أقصى ميلانديز أيضاً. فجرد قلمه للتنديد بغزاة




صفحة رقم : 13325




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


أسبانيا الفرنسيين، وخص منهم جوزيف بونابرت، ولكنه عاد إلى مدريد في 1808، وقبل وظيفة تحت رآسية جوزيف بونابرت، وصدم أسبانيا بقصائد يتملق بها سادته الأجانب. وفي حرب التحرير التي خلعت جوزيف نهب الجنود الفرنسيون منزل الشاعر، وهاجمه هو نفسه الغوغاء الغاضبون، فهرب لحياته من أسبانيا. وقبل أن يعبر البيداسوا إلى فرنسا قبل آخر بقعة من التراب الأسباني (1813). وبعد أربع سنوات مات فقيراً مغموراً في مونبلييه.
وكان ينبغي أن يكون لأسبانيا كتاب مسرح أكفاء في هذا العهد، لأن الملوك البوربون كانوا ميالين للمسرح. وقد عملت على اضمحلاله ثلاثة عوامل: إيثار إيزابللا فارنيزي القوي الأوبرا، وفليب الخامس لفارنيللي، ومن ثم اعتماد المسرح على الجمهور الذي كان أكثر ما يستحسنه هو "الفرص"، والمعجزات، والأساطير والشقشقات اللفظية، وجهد كتاب الدراما الجادون لحبس تمثيلياتهم داخل "الوحدات الأرسطاطالية" في الحركة والمكان والزمان. وكان أحب كتاب المسرحية إلى الشعب في ذلك القرن هو رامون فرانسسكودي لاكروز، الذي كتب نحو أربعمائة فارص صغير يهجو فيها عادات الطبقتين الوسطى والدنيا وأفكارهما وحديثهما، ويصور مع ذلك ذنوب الجماهير وحماقاتهم بعطف غافر. أما خوفيللانوس، "رجل أسبانيا الجامع" فقد جرب الكوميديا، وظفر باستحسان الجمهور والنقاد جميعاً بملهاته "المجرم المكرم" (1773): وفحواها أن سيداً أسبانياً يرفض مراراً وتكراراً أن يبارز غريماً ثم يقبل التحدي أخيراً بعد إلحاح، ويقتله في معركة عادلة، ثم يحكم عليه بالإعدام قاضٍ يتبين أنه أبوه. وقد أستهدف خوفيللانوس، وهو المصلح على الدوام، من تمثيليته هذه الوصول إلى التخفيف من القانون الذي اعتبر المبارزة جريمة كبرى.
أما الحملة الداعية إلى الوحدات الأرسطاطالية فقد تزعمها الشاعر نيقولا فرنانديزدي موراتن: وواصلها حتى تكللت بالنجاح ابنه لياندرو. وقد أبهجت خوفللانوس أشعار هذا الفتى الباكرة، فحصل له على وظيفة في




صفحة رقم : 13326




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> العقل الأسباني


السفارة الأسبانية بباريس. وهناك صادق جولدوني، فوجهه إلى كتابة التمثيليات. وأغدق الحظ هباته على صوراتين الابن: فأوفد على نفقة الدولة ليدرس المسارح في ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا. وحين عاد إلى أسبانيا منح وظيفة شرفية أتاحت له الفراغ اللازم للعمل الأدبي. وقدمت ملهاته الأولى لمسرح في مدريد عام 1786، ولكن عرضها عطل أربع سنوات ريثما يفرغ المديرون والممثلون من الجدل في استطاعته تمثيلية تتبع قواعد أرسطو والتمثيلية الفرنسية أن تجتذب جمهوراً أسبانياً. وقد نجحت نجاحاً معتدلاً. وانقلب موراتين مهاجماً، ففي تمثيليته الكوميديا الجديدة (1792) سخر من المرهي الشهبية سخرية تقبل الجمهور بعدها الدرامات التي تدرس الخلق وتنير الحياة. وأشاد القوم بموراتين مولييرا أسبانيا، وسيطر على مسرح مدريد حتى غزا الفرنسيون أسبانيا عام 1808. وقادته ميوله الفرنسية وسياسته التحررية كما قادت ميلانديز وجويا إلى التعاون مع حكومة جوزف بونابرت، فلما سقط جوزيف لم ينج موراتين من السجن إلا بشق النفس. ولجأ إلى فرنسا، ومات أخيراً بباريس في 1828 وهي السنة التي مات فيها ببوردو الرسام جويا الذي نفى نفسه عن وطنه مختاراً.




صفحة رقم : 13327




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني



8- الفن الأسباني


ما الذي يمكن توقعه منه بعد اجتياح أسبانيا في حرب الوراثة لأسبانيا الطويلة؟ لقد سلبت الجيوش الغازية الكنائس، ونهبت المقابر، وأحرقت الصورة، وربطت خيولها في المزارات المقدسة. ثم جاء غزو جديد بعد الحرب، وخضع الفن الأسباني طوال نصف قرن للنفوذ الفرنسي أو الإيطالي فلما أنشئت أكاديمية سان فرناندو عام 1752 لإرشاد شباب الفنانين ومساعدتهم، جاهدت لتقر في أذهانهم مبادئ كلاسيكية جديدة غريبة كل الغرابة عن الروح الأسبانية.
وكافح الباروك كفاحاً عنيفاً في سبيل البقاء، وكان له ما أراد في المعمار




صفحة رقم : 13328




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني


والنحت. فانتصر في الأبراج التي أضافها فرناندو دي كازيس أي نوفا (1738) إلى كاتدرائية سنتياجودي كومبوستيلا، وفي الواجهة الشمالية التي شيدها فنتورا روديجيز _1764) لهذا الصرح ذلته تذكاراً للقديس يعقوب حامي أسبانيا وقد زعمت إحدى الأساطير المحببة للشعب أن تمثالاً للعذراء مقاماً على عمود في سرقسطة دبت فيه الحياة وتكلم مع القديس يعقوب. في ذلك الموقع شيدت التقوى الأسبانية "كنيسة عذراء العمود"، ولتلك الكنيسة صمم رودريجيز هيكلاً هو مقصورة من الرخام والفضية يضم تمثال العذراء.
وأقيم قصران مشهوران فيعهد فليب الخامس. فقد اشترى على مقربة من سقوبية أرض دير ومزرعته الملحقة، ووكل إلى فليبو يوفارا التوريني أن يشيد على هذه البقعة قصر سان الدوفونسو (1719 وما يليها)، وأحاط المباني بحدائق وست وعشرين نافورة تنافس نافورات فرساي. وعرفت هذه المجموعة بلاجرانغا، وقد كلفت الشعب 45.000.000 كراون. ولم تكد تكتمل حتى دمرت النار ليلة ميلاد عام 1734 "القصر" الذي كان المقر الملكي بمدريد منذ عهد الإمبراطور شارل الخامس وانتقل فيليب إلى بوين رتيرو التي شيد فيها فليب الثاني قصراً 1631. فظل هذا المقر الرئيسي للملك طوال ثلاثين عاماً.
وصمم يوفارا قصراً ملكياً آخر عوضاً عن "القصر" المحترق-يضم المساكن والمكاتب وحجرات الاجتماع ومصلى ومكتبة ومسرحاً وحدائق-لوشيد لفاق في فخامته أي قصر ملكي عرف يومها، وكان النموذج وحده يحوي من الخشب كمية تكفي لبناء بيت. ولكن يوفارا عاجلته المنية قبل أن يبدأ البناء (1736). ورفضت إيزابللا فارنيزي تصميمه لفداحة تكاليفه، فشيد خلفه جوفاني باتستا ساكيتي التوريني القصر الملكي (1737-64) القائم بمدريد اليوم-وطوله 470 قدماً، وعرضه 470 قدماً، وارتفاعه 100 قدم. هنا حل طراز النهضة المـتأخرة محل الباروك: فكانت الواجهة ذات أعمدة دورية وإيوانية، يتوجها درابزين انتشرت عليه تماثيل ضخمة




صفحة رقم : 13329




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني


لملوك أسبانيا القدامى. وحين صحب نابليون أخاه جوزيف ليملك في هذا القصر قال وهما يصعدان السلم الفخم "ستكون أفضل من مني منزلاً(86)". وقد انتقل شارل الثالث إلى هذا الصرح الهائل عام 1764.
أما النحت الأسباني ففقد بعض صرامته وجموده متأثراً بالفنين الفرنسي والإيطالي، وخلع الضحك على ملاكه (السيرافيم) والرشاقة على قديس أو قديسين. وكانت موضوعاته دينية على الدوام تقريباً، لأن الكنيسة كانت تدفع للنحاتين أعلى الأجور. من ذلك أن رئيس أساقفة طليطلة أنفق 200.000 دوقاتية على حجاب المذبح الشفاف الذي أقامه نارسيسوتومي (1721) خلف خورس الكاتدرائية: وهو مجموعة ملائكة من رخام يطوفون على سحب من رخام، وكان في ممشى الكنيسة المسقوف فتحه جعلت الرخام وضاء ومنه اتخذ حجاب المذبح اسمه. وعاشت الواقعية القديمة في تمثال "جلد المسيح(87)" الذي نحته لوزيز كارمونا-وهو تمثال من الخشب، رهيب بما فيه من آثار ضرب وجروح دامية. وأجمل منه تمثال الإيمان، والرجاء، والمحبة، التي نحتها فرانسسكو فرجارا الابن لكاتدرائيات كوينسا (1759). وقد عدها سبان-برموديز، فازارى أسبانيا، أروع ما أنتجه الفن الأسباني.
وأعظم الأسماء في فن النحت الأسباني في القرن الثامن عشر كان اسم فرانسسكو زاركيللو إي الكراز. مات أبوه ومعلمه، وكان نحاتاً في كابوا، وفرانسسكو في العشرين وخلفه العائل الأول لأمه وأخته وستة أخوة. وكان الفتة أفقر من أن يستأجر الموديلات، لذلك كان يدعو المارة، بل المتسولين ليشاركوه غداءه وليرسمهم، وربما كانت تلك هي الطريقة التي عثر فيها على الأشخاص لرائعته "العشاء الأخير" المحفوظة الآن في "دير يسوع" بمرسيه. وبمساعدة أخته اينيس التي كانت ترسم وتعمل نموذجاً له؛ وأخيه خوزيه، الذي كان ينحت التفاصيل، وأخيه القسيس باتريسيو، الذي كان يلون الأجسام والثياب، انتج فرانسسكو في سني عمره الأربع والسبعين 1.792 تمثالاً فيها الكبير وفيها الصغير، بعضها ذو حيل لا طعم لها كعباءة




صفحة رقم : 13330




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني


من المخمل المطرز فوق تمثال للمسيح، بعضها مؤثر بتقواه البسيطة تأثيراً حمل مدريد على أن تعرض عليه مهام مجزية لتزيين القصر الملكي. ولكنه فضل البقاء في وطنه مرسيه الذي شيعه عند وفاته عام 1781 في مشهد جليل.
أما التصوير الأسباني في القرن الثامن عشر فكان يرزخ تحت كابوس أجنبي مزدوج لم يفق منه حتى حطم جويا كل القيود بفنه الجارف الذي لم يسبق له نظير. جاءت أول موجة فرنسية بمجيء ران ورينيه وميشيل-آنج هواس، ولوي-ميشيل فانلو. وقد أصبح هذا مصور البلاط لفليب الخامس، ورسم لوحة هائلة للأسرة المالكة كلها، بالبواريك والجونلات المطوقة، وغيرها(88). ثم أقبل قطيع من الإيطاليين الذين يفيضون حيوية فانفينللي، واميجوني، وكورادو.
ووصل جامباتستا تيبولو وأبناؤه إلى مدريد في يونيو 1762. وعلى سقف غرفة العرش في القصر الملكي الجديد رسموا صورة جصية شاسعة "تمجيد أسبانيا"، احتفالاً بتمجيد الملكية الأسبانية وقتها وفضائلها وتقواها وأقاليمها: فيها الأجسام الأسطورية الرمزية متوازنة في الهواء، والنيريدات والتريتونات والزفيرات، والجن المجنح، والأطفال السمان، والفضائل والرذائل ملحقة في الفضاء المنور، وأسبانيا ذاتها متربعة على العرش وسط ممتلكاتها، ممجدة بكل صفات الحكومة الصالحة. وعلى سقف غرفة الحرس رسم تيبولو "اينياس تقوده فينوس إلى معبد الخلود"، وعلى يقف الحجرة الملحقة بمخدع الملكة رسم ثانية "انتصار الملكية الأسبانية". وفي 1766 كلف شارل تيبولو بأن يرسم سبع لوحات لمذبح كنيسة القديس بسكال بأرانحيز، واستخدم المصور في إحداها وجه حسناء أسبانية ليمثل حمل العذراء غير المدنس، ولا تزال الصورة تتألق. في البرادو. وأدان كاهن الملك، الأب خوالين دي إلكنا ما في فن تيبولو من وثنية وفجاجات لأنها دخيلة على روح أسبانيا. وتاب تيبولو، ورسم صورة قوية سماها إنزال المسيح عن الصليب"(89)، وهي تأمل في الموت تنيره الملائكة




صفحة رقم : 13331




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني


الواعدة بالقيامة وأرهقت هذه الجهود الجبار الهرم، فمات في مدريد عام 1770 وقد بلغ الرابعة والسبعين. وبعد قليل أزيلت لوحات مذبح ارانجنيز وكلف أنطوان روفائيل منجز برسم لوحات بدلها.
وكان منجز قد وفد على مدريد في 1761 وهو في الثالثة والثلاثين، فتى قوي واثق من نفسه آمر ناه. ولم يكن شارل يشعر قط بارتياح لمرأى غيوم تيبولو المنورة-فآنس الآن في هذا الألماني المقحام الرجل المطلوب لتنظيم العمل الفني اللازم للقصر. وفي 1764 عين منجز مديراً لأكاديمية سان فرناندو، وسيطر على التصوير الأسباني في فترات إقامته بأسبانيا. وقد أساء ترجمة الطراز الكلاسيكي إلى سكون لا دم فيه ولا حياة، وأغضب بذلك تيبولو الشيخ وجويا الشاب. ولكنه كافح كفاحاً نافعاً لينهي إسراف الزخرفة الباروكية وشطحات خيال الروكوك. ومن أقواله أن الفن يجب أن يسعى أولاً إلى "أسلوب طبيعي" بمحاكاته الأمينة للطبيعة، وعندها فقط يستهدف الأسلوب السامي "الذي انتهجه الإغريق. فكيف السبيل إلى هذا التسامي؟ بإقصاء الناقص وغير المتصل بالموضوع، بالربط بين الكمالات الجزئية التي توجد هنا وهناك في أشكال مثالية يتصورها خيال مدرب مع تجنب كل ضروب الإسراف.
وافتتح منجز إنتاجه برسم أرباب أولمب على سقف مخدع الملك، وزين مخدع الملكة بصورة مماثلة. وربما أدرك منجز أن صاحبي الجلالة، لم يتبعاه تماماً حتى جبل أولمب، لذلك رسم رافده مذبح للمصلى الملكي، "ميلاد المسيح" و "إنزال المسيح من الصليب". وكان يضني نفسه في العمل، ولا يأكل إلا قليلاً، بات عصبي المزاج، وانهارت صحته، وخيل إليه أنه واجد البرء في روما. ومنحه شارل إجازة مدها منجز إلى أربعة أعوام. وفي فترة إقامته الثانية بأسبانيا مزيداً من الرسوم الجصية إلى القصور الملكية في مدريد وأرانجيز. ولكن صحته تداعت مرة أخرى، فالتمس من الملك الأذن له بالتقاعد في روما. ومنحه الملك الطيب طلبته، وأجرى عليه معاشاً متصلاً من ثلاث آلاف كراون في العام.




صفحة رقم : 13332




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> الفن الأسباني


ولكن ألم يكن في أسبانيا آنئذ فنانون وطنيون يرسمون؟ أجل كانوا كثيرين ولكن اهتمامنا الذي تضائل مع بعد الشقة والزمان خلفهم على هامش الشهرة الخابية. كان هناك لويز ميلنديز للذي كاد يعدل شاروان في صور الطبيعة الصامتة (الطيور والفواكه) ويحتفظ متحف البرادو بأربعين منها، ومتحف بوسطن بمثال منها فاتح للشهية، ولكن اللوفر يبزهما جميعاً بصورة ذاتية رائعة. وهناك لويز باريت أي الكازار، الذي بارى كاناليتو في تصوير مناظر المدينة كما ترى في لوحته Puerta de Sol-أكبر ميادين مدريد، وأنطونيو فيلادامات، الذي شهد له منجز بأنه أكفأ مصوري العصر الأسبان، وفرانسسكو بايو لإي سوبياس، الرقيق المتهجم المخلص لفنه، الذي نال الجائزة الأولى في الأكاديمية عام 1758، وصمم قطع النسيج لمنجز، وأصبح صديقاً، وعدواً، وصهراً لجويا.




صفحة رقم : 13333




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا



9- فرانسسكو دي جويا أي لوسيبنتس




أ - نشأته


اتخذ فرانسسكو اسم قديس حام شأن جميع الصبيان الايبيريين، ثم اسم أبيه خوزيه جويا، واسم أمه أورجاسيا لوسيبنتس- أي ربة اللطف والنور. وكانت تنتمي إلى طبقة الهيدلج (أدنى طبقات النبلاء) ومن هنا إضافة "دي" التي أدخلها فرانسسكو على اسمه. ولد في 30 مارس 1746 بفونتينودوس، وهي قرية ارجونية يسكنها 150 من الأنفس ولا يزينها شجر- إنما هي تربة حجرية، وصيف قائظ، وشتاء قارس، يأتي على الكثيرين، ويصيب الأحياء بالاكتئاب والخشونة.
وراح فرانسسكو يتلهى بفرشاة الرسم، فرسم في صباه لكنيسة القرية صورة للعذراء "سيدة العمود"، حامية أرجون. وفي 1760 انتقلت الأسرة إلى سرقسطة، حيث اشتغل الأب بالطلاء بالذهب، وأتاح له دخله أن يوفد ابنه لدراسة الفن على يد خوزيه لوزان. ومع هذا الفنان وخوان راميريز نسخ جويا صور كبار الرسامين القدامى، وقلد تلوين تيبولو الناعم،




صفحة رقم : 13334




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


وتعلم من التشريح قدراً يكفي لرسم صور العرايا المحرمة. وفي رواية أنه شارك- ثم تزعم بعد قليل- فريقاً من الشباب الجموح الذين دافعوا عن قريتهم ضد قرية أخرى، وكيف أن بعض الفتيان قتلوا في إحدى المعارك، وكيف فر فرانسسكو إلى مدريد مخافة أن يقبض عليه.
وفي ديسمبر 1763 دخل امتحاناً للالتحاق بالأكاديمية فرسب. وتصف الأسطورة حياته الصاخبة في العاصمة، ولكن لا نعلم على التحقيق إلا أن جويا كان بينه وبين القوانين حب مفقود. وعاد إلى دخول امتحان المسابقة في 1766 ورسب. وربما كان هذا الرسوب المتكرر من حسن حظه: فقد أفلت من وصاية منجز الأكاديمية، ودرس الصور التي كان تيبولو يرسمها في مدريد، ثم أرسى أسلوب فذ تغلب عليه شخصيته. وتروي الأسطورة بعد ذلك أنه أنظم إلى فريق من مصارعي الثيران وسافر معهم إلى روما في تاريخ مجهول. ولقد كان دائماً شديد التحمس لمصارعي الثيران الراكبين (التوريادور) ومرة وقع باسم دي لويس تورس. كتب إلى موارنين في شيخوخته يقول "كنت في شبابي مصارع ثيران، لا أرهب شيئاً وسيفي في يدي"(91). وربما قصد بهذا أنه كان من أولئك الصبية المغامرين الذين يصارعون الثيران في الشوارع. على أية حال وصل إلى إيطاليا، لأنه في 1770 فاز بالجائزة الثانية في مسابقة بأكاديمية الفنون الجميلة في بارما. وتحكي الأسطورة أنه تسلق قبة كاتدرائية القديس بطرس وسطا على دير ليخطف راهبة. وأكثر من هذا احتمالاً أنه كان يدرس صور ماناسكو الذي ربما كان لتلوينه القاتم، وأجساده المعذبة، ومناظر محكمة تفتيشه، من الأثر العميق في نفسه ما فاق الأوضاع الهادئة الكلاسيكية التي أوصى بها منجز في أسبانيا.
وفي خريف 1771 نلتقي به في سرقسطة التي عاد إليها ليزين مصلى في الكاتدرائية "الكنيسة الكبرى لسيدة العمود".
وقد أجاد التصوير، وكوفئ بخمسة عشر ألف ريال نظير جهد استغرقه ستة أشهر، واستطاع الآن أن يعول زوجة إذا تزوج. وعامل القرب




صفحة رقم : 13335




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


في تقرير اختارنا شريك الحياة، وهكذا تزوج (1773) خوزيفا بايو، وكان فيها ريعان الشباب، ولها شعر ذهبي، ومكانها في متناوله. وقد استخدمها نموذجاً، ورسم صورتها مراراً، وصورتها المعلقة في البرادو تظهرها متعبة بتكرار الحمل، أو محزونة لخيانات فرانسسكو لها(92).
ثم نقل إلى مدريد (1775). وكلفه منجز (1776)- بتوصية من من بايو على الأرجح- بأن يرسم لوحات قماشية كبيرة تصلح رسوماً تخطيطية (كرتونات) للمصنع الملكي للنسجيات الذي أنشأه فليب الخامس على غرار مصنع الجوبلان. وغامر جويا الآن برفض خطير، فاتخذ قراراً شكل مستقبله. ذلك أنه أغفل ميل منجز إلى الميثولوجيا الكلاسيكية وتاريخ الأبطال، فرسم على اتساع كبير وبألوان ناصعة الناس الذين ينتمون إلى طبقته وعصره- رسم كدهم وحبهم، ومهرجاناتهم وأعيادهم، ومصارعاتهم مع الثيران ولعبهم بطائرات الورق، أسواقهم ورحلاتهم الخلوية وألعابهم، وإلى هذه الواقعية أضاف في جرأة أشياء تخيلها ولكنه لم يرها قط. أما منجز فقد ارتفع إلى مستوى الموقف: فلم يذم هذا الخروج على التقاليد الأكاديمية، وشعر بنبض الحياة يسري في الأسلوب الجديد، وأعطى هذا التمرد مزيداً من التكليفات. وأنتج جزياً خلال خمسة عشر عاماً خمسة وأربعين كلاتوناً أساسياً لعمله، بينما راح ينتقل إلى مجالات أخرى بثقة متزايدة. واستطاع الآن أن يأكل ويشرب مطمئناً. كتب إلى صديقه زاباترا "أن دخلي يتراوح بين اثني عشر ألفاً وثلاثة عشر ألف ريال في السنة".
على أن نوعاً من البكتريا تطفل على هذا النجاح الذي أصابه ولسنا نعرف مصدر الزهري الذي ابتلي به جويا، ولكنا نعرف أنه مرض مرضاً خطيراً في إبريل 1777(93). وأبلى منه شيئاً فشيئاً، ولكن لعل المرض كان له بعض الأثر في التشاؤم الذي شاب فنه، وربما في فقده السمع في 1793. على أنه تملك صحته في 1778 بالقدر الذي أتاح له المشاركة في مشروع وضعه شارل الثالث ليذيع في خارج أسبانيا بالنسخ المطبوعة عن الكليشهات ذخائر الفن الأسباني. ولهذا الغرض نسخ جويا ثماني عشرة




صفحة رقم : 13336




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


لوحة لفيلاسكيذ، ومن هذه النسخ صنع محفورات، وكانت هذه مهارة جديدة عليه، وظل مناقشه حيناً متردداً فجاً، ولكن من هذه البداية تطور ليصبح من أعظم الحفارين بعد رمبرانت. وسمح له بأن يقدم نسخة بشخصه إلى الملك، وفي 1780 سجل واحد من مصوري البلاط. وقبل الآن في الأكاديمية آخر الأمر. وحوالي 1785 رسم لوحة شارل الثالث الشهيرة، التي بدأ فيهل الملك لابسا حلة الصيد، مهيأ للقتل، ولكنه هرم، مكدود، متقوس الساقين محدودب الظهر، هنا ضحى جويا كعادته بالرضى في سبيل الصدق.
واستقدم جويا أمه وأخاه كاميلو بعد موت أبيه ليعيشا معه ومع خوزيفا والأطفال. وقبل شتى التكليفات ليعول هذه الأسرة المتكاثرة: فرسم لوحة جصية في كنيسة سان فرانسسكو الجراندي، وصوراً دينية لكلية كالاترافا بسلمنقة، ومشاهد من الحياة اليومية لمنزل دوق أوزونا الريفي، ثم رسم لوحات للأشخاص لكونها أربح فرع في مهنته. فرسم عدة لوحات لوزونا(94)، واحدة للدوق وأسرته- يبدو فيها الأطفال شديدي التصلب وأخرى لدوقة أوزونا بثلاثة أرباع طولها(95)- وهي معجزة من اللون والزيت تستحيل حريراً ومخرمات.
وربما كان جويا سعيداً عام 1784. ففي ذلك العام ولد له خافيد، وهو الابن الوحيد الذي قدر له أن يبقى حياً بعد موت أبيه. وأزيح الستار عن الصور الجصية التي رسمها لكنيسة القديس فرنسيس الكبير في احتفال رسمي، وأثنى مشاهدوها عليها كأروع لوحة في ذلك العهد، وكان الملك وكل حاشيته حضوراً، وقد شاركوا في الثناء. وحوالي 1787 رسم جويا لوحة المركيز دي بونتيخوس، وهي الآن من أنفس ما تملكه قاعة الصور القومية في واشنطن. وبعد عام إلى رسم الطبيعة في لوحته La Pradera de San Isidro(96)- وتمثل حقلاً غص بالمتنزهين يحتفلون بعيد القديس حامي مدريد العظيم بالركوب والتمشي والجلوس والأكل والشرب والغناء




صفحة رقم : 13337




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


والرقص على شواطئ مانزاناريس المعشية. وهي لا تعدوا أن تكون تخطيطاً، ولكنها آية من آيات التصوير.
ولم يزد عمر جويا على الثالثة والأربعين حين مات شارل (1788) ولكنه حسب نفسه قد شاخ. وكان قد كتب في ديسمبر من العام إلى زاياتر يقول "لقد شخت، وملأت التجاعيد وجهي حتى أنك لن تستطيع التعرف عليّ "لولا أنفي الأفطس وعيناي الغائرتان(97)". وما كان في استطاعته التنبؤ بأنه ما زال أمامه فسحة في الأجل تمتد أربعين سنة، وبأن أكثر مغامراته شططا وأروع إنتاجه مستكناً في مستقبل أيامه. لقد تطور في بطء والآن سيكرهه الغرام والثورة أن يتابع السير وإلا كان من المغرقين. فأرتفع مع الأحداث، وأصبح أعظم فنان في جيله.


ب - غرامه


وقد شغله 1789 رسم صور للملك والملكة الجديدين احتفالاً بدخولهما مدريد رسمياً في 21 سبتمبر. وكان "فيليبي" بن شارل الثالث البكر، قد أقصي عن وراثة العرش لعتهه، فآل العرش للابن الثاني الذي وصفه مؤرخ غير متعاطف بأنه "نصف معتوه(98)" لا أكثر. وكان شارل الرابع ساذجاً حسن الظن بالناس، فيه من الطيبة ما يكاد يغري الأشرار بالشر. وكان قد انصرف إلى حياة القنص والأكل والإنجاب لافتراضه أنه مقصي عن وراثة العرش، بحكم كونه الابن الثاني. أما وقد بات الآن بديناً لين العريكة، فأنه أستسلم راضياً لزوجته ماريا لويز البارمية، وتجاهل- أو جهل- فسقها مع عشقها، ورقى عشيقها مانويل دي جودوي رئيساً للوزارة (1792- 97).
وكانت الملكة الجديدة قد داعبت الأفكار التحررية قبل ولايتها للعرش، وقد شجع شارل الرابع في أول سني حكمه فلوريدا بلانكا، وخوفيللانوس، وكامبومانيس (وكلهم رسمهم جويا) على المضي في برنامج إصلاحاتهم. غير أن سقوط الباستيل روع شارل الرابع وفلوريدا بلانكا فارتدت الحكومة




صفحة رقم : 13338




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


إلى رجعة سياسية أعدتها إلى التعاون الكامل مع الكنيسة باعتبارها أقوى معقل للملكية. وأهمل الكثير من القوانين التقدمية التي سنت في عهد شارل الثالث، وأستعاد التفتيش بعض سلطاته، وأوقف استيراد الأدب الفرنسي، وحظرت جميع الصحف إلا صحيفة مدريد اليومية الرسمية، وأقصي عن البلاط خوفيللانوس وكامبومانيس وأراندا. وابتهج الشعب بانتصار إيمانهم الذي يعتزون به. وفي 1793 انضمت أسبانيا إلى الحرب التي خاضتها الملكيات ضد فرنسا الثائرة.
في وسط هذا المعمعان حالف الحظ جويا.ففي إبريل 1789 عين "رساماً للحجرة" فلما مرضت خوزيفا وأشار الطبيب بهواء البحر علاجاً لها صحبها جويا إلى بلنسيه (1790) حيث كرمه القوم كأنه فيلاسكويز أسبانيا الجديد. وواضح أن الطلب أشتد عليه من أقصى أسبانيا إلى أقصاها، لأننا نجده في 1792 في قادس ضيفاً على سبستيان مارتينيز. وفي طريق عودته أصيب في إشبيلية بالدوار والشلل الجزئي، فعاد إلى صديقه في قادس، وظل نهباً للقلق طوال فترة نقاهة غير قصيرة.
فأي مرض هذا الذي شكا منه؟ لقد وصفه بايو وصفاً غامضاً بقوله أنه "ذو طبيعة رهيبة جداً". وخامره الشك في أن جويا سيبرأ منه يوماً ما(99). وكتب رياتر صديق جويا في مارس 1793: "لقد جلب على جويا هذا المأزق افتقاره إلى التدبر، ولكن لابد من مواساته بكل الشفقة التي يتطلبها مصابه(100)". وقد فسر دارسون كثيرون هذا المرض بأنه من أعقاب الزهري(101) ولكن آخر تحليل طبي رفض هذا الرأي وشخصه بأنه التهاب أعصاب تلافيف الأذن(102). أياً كان الأمر فإن جويا كان فاقد السمع حين عاد إلى مدريد في يوليو 1793، وكذلك ظل إلى يوم مماته. وفي فبراير 1794 كتب خوفيللانوس في يوميته "كنبت إلى جويا، فرد بأنه كان عاجزاً حتى عن الكتابة نتيجة السكتة الدماغية التي أصيب بها(103)". ولكن الشلل زال شيئاً فشيئاً، وما وافى عام 1795 حتى كان في جويا من العافية ما أغراه بالوقوع في الحب.




صفحة رقم : 13339




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


وكانت تريزا كاتيانا ماريا ديل بيلار الدوقة الثالثة عشرة من سلالة ألبا الشهيرة. وكان أبوها قد تشرب الفلسفة الفرنسية، فرباها على مبادئ متحررة، وتلقت تعليماً هيأ لها عقلاً يقظاً وإرادة عنيدة. فلما بلغت الثالثة عشرة تزوجت الدوق خوزيه دي توليدو أوزوريو، دوق ألبا البالغ من العمر تسعة عشر ربيعاً. وكان الدوق رقيق الجسد معلولاً، فلزم بيته أكثر الوقت وأغرق نفسه في الموسيقى. ورسمه جويا جالساً إلى البيانو أمام نوتة لهايدن. وكانت الدوقة متغطرسة جميلة شهوانية. وقد لاحظ رحالة فرنسي أنه "ليس في رأسها شعرة لا تثير الشهوة(104)"، وكانت تشبع رغباتها دون قيد من فضيلة أو نفقة أو طبقة. واقتنت في بيتها شخصاً معتوهاً، وراهباً أعور، وزنجية صغيرة أصبحت ربيبتها المفضلة. ولكن كان وراء هذه المغامرات الجريئة نفس سمحة كريمة، ولعلها انعطفت نحو جويا لأنه كان أصم تعساً بقدر ما مالت إليه لأنه يستطيع أن يخلدها بفرشاته.
ولا بد أنه رآها مراراً قبل أن تقف ليرسمها، لأنها كانت تحوم داخل البلاط وخارجه وتثير الأقاويل بمغازلاتها وبعدائها الجريء للملكية. وأول صورة تحمل تاريخاً رسمها لها تبدو فيها بطولها كله، وقد لفت قسماتها النحيلة الحارة في لمة من الشعر الأسود، ويمناها تشير إلى شيء على الأرض. فإذا تأملنا الصورة قرأنا عليها بوضوح هذه العبارة "إلى دوقة ألبا دي جويا 1795(105)". وهنا إيماءة إلى صداقة قائمة فعلاً. وليست الصورة من روائع جويا. ويفضلها كثيراً تلك التي رسمها في العام نفسه لفرانسسكو بايو الذي كان قد مات لتوه. وفي نوفمبر خلفه جويا مديراً لمدرسة التصوير بالأكاديمية.
ومات دوق ألبا في يونيو 1796. واعتكفت الدوقة فترة حداد وجيزة في ضيعتها الريفية بسانلوكار، بين إشبيلية وقاديس. وليس من المؤكد أن جويا رافقها، ولا علم لنا إلا بغيابه عن مدريد من أكتوبر 1796 إلى إبريل 1797، وبتدوينه في كراستين رسوماً لبعض ما رأى في سانلوكار. ومعظم الرسوم تبدو فيها الدوقة تستقبل الضيوف، أو تربت الزنجية، أو تشد شعرها في نوبة غضب، أو تتقيل (بينما تنقل الخادمة المبولة)(106)، أو يغشى




صفحة رقم : 13340




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


عليها في نزهة، أو تعبث مع منافس أو آخر ممن ينافسون جويا على يديها الملاطفتين. وتدل الرسوم التخطيطية على غيرته المتصاعدة، وتبدو فيها أيضاً امرأة أخرى- تخرج عارية من الحمام، أو ترقد على الفراش نصف كاسية أو تضع الرباط على ساق بديعة التكوين، ولعل جويا انغمس كالدوقة في انحرافات الحب. ومع ذلك فالراجح أنه في سانلوكار رسم أعظم ما يفخر به من صورها(107)- في زي "ماخا" وقحة ترتدي ثوباً أسود في صفرة، بحزام من القرمز والذهب حول خصرها النحيل، وطرحة سوداء فوق رأسها، وفي يمناها (وهي في حد ذاتها من آيات التصوير) خاتمان يحمل أحدهما اسم "ألبا" والآخر "جويا"، وتشير سبابتها إلى اسمه، وتاريخ 1797، مكتوبين على التربة الرملية تحت قدميها. وكان يرفض دائماً بيع هذه اللوحة.
وكانت مغامرة غرامه المزدهر قد صورت حين رجع جويا إلى مدريد. وتتهمها بعض رسومه "الكابريكو" (1797) بالاستسلام الفاجر لأشتات من ذكور يفتقرون إلى اللياقة. وقد اتهمها جودوي بإغواء وزير الحربية وكتب إلى الملكة يقول أن ألبا وكل أنصارها ينبغي أن يدفنوا في حفرة كبيرة(108)". وحين ماتت الدوقة (23 يوليو 1803) وهي بعد في الأربعين، أرجفت مدريد أنها سممت، وعطف الناس عليها لأنها خلفت قدراً كبيراً من ثروتها الضخمة لخدمتها. كذلك أوصت براتب سنوي يبلغ 3.600 ريال لخافير بن جويا. وأمر الملك بالتحقيق في موتها- وعين جودوي رئيساً للمحققين- وزج بالطبيب وبعض أتباع الدوقة في السجن، وألغيت وصيتها، وحرم خدمها من أنصبتهم التي أوصت لهم بها، وسرعان ما تزينت الملكة بأجمل جواهر ألبا(109).


جـ - قمة المجد


كان جويا قد استقال عام 1797 من منصبه مديراً للتصوير في الأكاديمية، فقد أعجزته كثرة شواغله الآن عن التدريس. وفي 1978




صفحة رقم : 13341




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


اختير لزخرفة قبة كنيسة سان أنطوني دي لافلوريدا وقلب قوصرتها، ومع أنه أثار غضب الأكليروس بتصويره الملائكة بأطراف شهوانية، إلا أن الكل تقريباً أجمعوا على أنه نقل إلى تلك الفراغات المقدسة، في صورة الهام، حياة شوارع مدريد ودمها. وفي 31 أكتوبر 1799 عين "مصور البلاط الأول" براتب قدره خمسون ألف ريال في العام. ورسم في (1800) أشهر لوحاته قاطبة وهي "شارل الرابع وأسرته(110)"- وهي كشف قاس عن بلاهة الأسرة المالكة، ونحن نقشعر حين نتخيل منظر هذه المجموعة من الأبدان المنتفخة والأرواح القميئة إذا جردوا من ثيابهم البراقة- وتلك براعة في الإشعاع والتألق ندر أن بزها رسام في تاريخ الفن. ويروي التاريخ أن الضحايا أعربوا عن كامل الرضى عن اللوحة(111).
وفي ركن من اللوحة رسم جويا نفسه. وعلينا أن نغفر أنانية صوره الذاتية الكثيرة، ولا ريب في أن بعضها كان دراسات تجريبية استخدم فيها مرآة، شأنه فيها شأن ممثل يتدرب على التعبير بسحنته أمام المرآة، واثنتان منهما رائعتان. وخيرهما (اللوحة الأولى من الكابريكو) يبدو فيها في الخمسين ، أصم ولكن في كبرياء، له ذقن عدواني، وشفتان شهوانيتان وعيون فظة، وشعر ينمو فوق أذنيه ويكاد يصل إلى ذقنه، وتتوج هذا كله قبعة حريرية فاخرة تعلوا رأسه الضخم كأنها تحد لجميع نبلاء الدنيا المحظوظين. وبعد تسعة عشر عاماً من رسمه هذه اللوحة، وبعد أن نجا من ثورة، رمى القبعة، وفتح قميصه عن عنقه، وكشف عن نفسه في مزاج ألطف. لم تزل له كبرياؤه، ولكن فيه من الثقة الكبيرة بنفسه ما يربأ به عن التحديات(112).
وكان رسم الأشخاص أقوى نواحي فنه. ومع أن معاصريه كانوا يعلمون بأنه لن يتملقهم، فأنهم خضعوا في لهفة لحكم فن راودهم الأمل في أنه سيحمل ذكراهم قروناً طوالاً سواء كانت الذكرى مبعث صيت ذائع أو عار يخزيهم. ولدينا علم بثلاثمائة نبيل وثمانية وثمانين عضواً في الأسرة المالكة جلسوا أمامه ليرسمهم، وقد بقيت من هذه الصور مائتان. ومن أفضلها صورة لفرديناند جييمارويه، السفير الفرنسي، وقد أتى بها صاحبها إلى




صفحة رقم : 13342




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


باريس، واقتناها اللوفر 1865، وإليها يرجع بعض الفضل في بعث شهرة جويا في فرنسا. وأروع ما رسم من صور الأطفال صورة دون مانويل أوزوريو دي زونيجا، المحفوظة بمتحف المتروبوليتان للفن بنيويورك، هنا أدرك جويا فيلاسكيز. وقد ضارع فيلاسكيز ثانية في كوكبة النساء اللاتي صورهن، وانتظمت صوره لهن أشتاتاً، فيها النحيلات مثل "الطفلة الملكية يوزيفا"، وفيهن المرأة الساحرة الخلابة مثل السنيورا جارثيا(113)، والممثلة المتكهلة "لاتيرانا(114)"_جمال مصور ولكنه يخلي مكانه للشخصية.
أما أكثر نساء جويا سفوراً فهي "الماخا" الوقحة التي رقدت حوالي (1798) خالية من كل زينة ليرسم لها "الماخا العارية" ثم كاسية في إغراء ليرسم لها "الماخا في ثيابها" وهاتان اللوحتان الصنوان تجتذبان من رواد البرادو عدداً غفيراً كالذي تجتذبه الموناليزا من رواد اللوفر. والماخا العارية ولوحة فيلاسكويز "فينوس في المرآة" هما الصورتان العاريتان الوحيدتان في التصوير الأسباني، لأن رسم العرايا في الفن الأسباني كان عقابه السجن سنة ومصادرة المنقولات والنفي. وقد غامر به فيلاسكويز في حماية فليب الرابع، وجويا في حماية جودوي الذي وافق جويا على تفضيل الثديين الكبيرين والخصر النحيل والشفاه الممتلئة. "وماخا" جويا لم تكن صورة لدوقة ألبا رغم ما تواتر عنها، كذلك لم تكن الكاسية التي رسمها جويا لتحل محل العارية حين جاء الدوق الغاضب (كما تروي الأسطورة) وفي عينيه نذير المبارزة. ولكن اللوحتين اشترتهما الدوقة أو أعطيتا لها، وانتقلتا بعد وافتها إلى مجموعة جودوي.
وبينما كان جويا يمد أسرته بالمال الذي يكسبه من تصوير الأشخاص، راح يتسلى (1796- 97) بمحفورات وصور مائية نشرها في 1799 على أنها "نزوات"- ثلاث وثمانون صورة لعقل أرزن فيه خشونة وغضب، وتصف في هجاء قاتم وعناوين ساخرة عادات جيله وأخلاقه ونظمه. وألمع هذه السلسلة هي رقم 43: وهي تصور




صفحة رقم : 13343




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


رجلاً أستسلم للنوم على مكتبة بينما العفاريت تحوم حول رأسه: وعلى المكتب عبارة تقول "حلم العقل يبعث العفاريت". وقد فسر جويا هذا بأن "الخيال إذا هجره العقل أفرخ العفاريت، وإذا اتحد بالعقل كان خالق الفنون ومبدع أعاجيبها(114)". وهذه طعنة للخرافات التي أظلمت عقل أسبانيا، ولكنها كذلك وصف انصف إن جويا. فلقد كانت الأحلام المرعبة لا تبرحه، "ونزواته" على الأخص تمتلئ بمناظرها المروعة. هناك ترى جسد الإنسان وقد انحط إلى عشرات الأشكال الوارمة، العجفاء، الكسيحة، الوحشية، والبوم والقطط تنظر إلينا شزراً، والذئاب والنسور تجوس خلسة، والساحرات يطرن في الهواء، والأرض تبعثرت فيها الجماجم وعظام السيقان وجثث الأطفال حديثي الولادة حديثي الموت. وكأنما قفز خيال هيرونيموس بوش المريض عبر فرنسا متخطياً القرون ليدخل عقل جويا ويشيع فيه الفوضى.
أكان جويا عقلانياً؟ كل ما نستطيع أن نقوله هو أنه فضل العقل على الخرافة. ففي أحد رسومه صور شابة مكللة بالغار ممسكة بميزان تطارد طيور سوداء بالسوط، وتحت الصورة كتب جويا "أيها العقل المقدس لا تبق على أحد(116)". وفي رسم أخر رهبان يجردون أنفسهم من أرديتهم(117)؛ وقد ركب على جسد راهب يصلي وجه مجنون(118). وصور "محكمة ديوان التفتيش(119)" مشهداً كئيباً من ضحايا مساكين تحاكمهم سلطة باردة الشعور. وصور يهودياً مقيداً بالأغلال في زنزانة التفتيش، وكتب هذا التعليق "أي زاباتا، أن مجدك سيدوم إلى الأبد(120)". أكان هذا صدى لكتاب فولتير "أسئلة زاباتا"؟ وقد رسم تسعاً وعشرين لوحة لضحايا التفتيش يعانون شتى العقوبات(121)، وفي أخرهم رسم إنساناً مبتهجاً فوق هذا العنوان "الحرية المقدسة!"(122) ومع ذلك ظل إلى يوم مماته يرسم علامة الصليب على وجهه في روع، ويدعو المسيح والقديسين ويتوج رسائله برسم الصليب، وربما كانت هذه كلها أثار متخلفة من عادات كونها في صباه.




صفحة رقم : 13344




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا




د - ثورة


أكان جويا ثائراً؟ لا بل إنه لم يكن حتى جمهورياً. وليس في فنه أو كلامه علامة تدل على أنه يرغب في الإحاطة بالملكية الأسبانية. وقد ربط شخصه وحظه بشارل الثالث، وشارل الرابع، وجودوي، وجوزف بونابرت، وعاشر نبلاء البلاط في سرور وابتهاج. ولكنه خبر الفقر من قبل، وما زال يراه من حوله، ونفره إملاق الجماهير وما ترتب عليه من جهل وخرافة، وتقبل الكنيسة للفقر الجماعي نتيجة طبيعية لطبيعة البشر وفوارقهم. وقد خلد نصف فنه الأغنياء، أما النصف الأخر فكان صرخة تطالب بإنصاف الفقراء، واحتجاجاً على همجية القانون وديوان التفتيش والحرب. كان موالياً للملكية قي لوحاته الشخصية، كاثوليكياً في صوره، متمرداً في رسومه، ففيها أعرب بقوة تكاد تكون وحشية عن مقته للظلامية والظلم والحماقة والقسوة. ويمثل رسم منها رجلاً ممداً فوق مخدعه وعنوان الرسم "لأنه أكتشف حركة الأرض". ورسم آخر يصور امرأة وضعت في المقطرة لأنها "أبدت عطفها على قضية التحرير".
ومن هؤلاء الأسبان الذين سموا أنفسهم تحرريين؛ يبدوا أنهم كانوا أول حزب سياسي استعمل ذلك الاسم. وقد عنوا به التدليل على شوقهم إلى الحرية- حرية العقل من الرقابة، وحرية الجسد من الانحطاط، وحرية الروح من الطغيان. وكانوا قد تلقوا في عرفان "التنوير" الوافد من حركة التنوير الفرنسية. ورحبوا بدخول قوة فرنسية في أسبانيا (1807)، والواقع أنه نصف السكان رحبوا بها جيشاً للتحرير؛ ولم يسمع احتجاج حين استقال شارل الرابع وتوج ولده فرديناند السابع تحت حماية جنود مورا. وقد رسم جويا صورة للحاكم الجديد.
ولكن مزاج الشعب ومزاج جويا تغيرا حين استدعى نابليون شارل الرابع وفرديناند السابع إلى بايون وخلعهما؛ ونفى أحدهما إلى إيطاليا




صفحة رقم : 13345




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


والآخر إلى فرنسا، ونصب أخاه جوزف ملكاً على أسبانيا. وتجمع حشد غاضب أمام القصر الملكي. وأمر جنده بأن يخلوا الميدان، ففر الجمع، ولكنه عاد إلى الاحتشاد حتى بلغوا عشرين ألفاً في ميدان مايور. فلما زحف الجنود الفرنسيون والمماليك نحو الميدان أطلقت عليهم النيران من النوافذ والبواكي. فاشتد غضبهم، واقتحموا البيوت وراحوا يقتلون أهلها دون تمييز. ودارت بين الجند والجماهير معركة امتدت طوال النهار، هو يوم مايو الأشهر (2 مايو 1808)، وسقط مئات الرجال والنساء صرعى، وشهد جويا من موضع قريب شطراً من المذبحة(123). وفي 3 مايو أعدم ثلاثون من السجناء الذين قبض عليهم الجند بواسطة فرقة لإطلاق النار. وأعدم كل أسباني أمسك متلبساً ببندقية في يده. وهبت أسبانيا الآن كلها تقريباً ثائرة على الفرنسيين، وسرت "حرب التحرير" من إقليم لإقليم. ولطخت الطرفين بما اقترفا من فظائع وحشية وشهد جويا بعضها ولم تبرحه ذكراها حتى يوم مماته. وفي 1811 كتب وصيته مخافة أن يتفاقم سوء الحال. وفي 1812 ماتت خوزيفا. وفي 1813 استولى ولنجتن على مدريد، وعاد فرديناند السابع إلى عرشه.
واحتفل جويا بانتصار أسبانيا برسم لوحتين من أشهر لوحاته (1814)(124). إحداهما "يوم مايو" أعاد فيها يناء ما رأى أو سمع أو تخيل من المعركة الناشبة بين جماهير مدريد وجنود الفرنسيين والمماليك. فوضع المماليك في القلب، لأن اشتراكهم في القتال هو الذي أثار أبلغ استنكار في الذاكرة الأسبانية. ولا داعي للسؤال هل كانت الصورة تاريخاً صحيحاً، فهي فن رائع قوي، ابتداء من تدريجات الألوان التي تومض على جواد المملوك المجند وانتهاء بوجوه الرجال الذين روعهم ووحشهم الاختيار بين أن يقتلوا أو يُقتلوا. وأنصع من هذه اللوحة، اللوحة الأخت "الرمي بالنار في الثالث من مايو"- وفيها فرقة لحملة البنادق الفرنسيين يعدمون السجناء الأسبان. وليس في فن جويا ما هم أبلغ وقعاً في النفس من التباين بين الرعب والتحدي في الشخصية الوسطى في تلك المذبحة.




صفحة رقم : 13346




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


والآن وقد بات جويا أرملاً، أصم، مكرهاً على الصمت، فقد انكفأ إلى فنه وهو ما يزال "مصور الحجرة الملكية" ذا المعاش المقرر، ولكنه لم يعد أثيراً لدى البلاط. ولعل أقوى محفوراته قد حفرها في 1812. وهي "العملاق"(125)- وتثمل هرقول بوجه كاليبان، جالساً على حافة الكرة الأرضية، كأنه مارس يستريح بعد حرب ظافرة. وكان طوال الفترة من 1810 يرسم رسوماً تخطيطية صغيرة ثم يحفرها ويطبعها، وقد سماها "العقابيل القتالة لحرب أسبانيا الدموية مع بونابرت، وغيرها من النزوات". ولم يجرؤ على نشر هذه الرسوم الخمسة الثمانين ولكن أوصى بها لولده، الذي باعها أبنه لأكاديمية سان فرناندو، والتي نشرتها عام 1863 بعنوان "توارث الحرب".
وهذه الرسوم التخطيطية ليست مشاهد عادية للمعارك يستخفي القتال فيها في ثوب البطولة والمجد. إنما هي لحظات من الرعب والقسوة تنسى خلالها ضوابط الحضارة الهزلية في حميا الصراع ونشوة الدماء. هنا بيوت تحترق وتنهار على ساكنيها، ونسوة يهرعن إلى المعركة بحجارة أو رماح أو بنادق، هنا نساء تهتك أعراضهن، ورجال يشدون إلى أعمدة أما فرق ضرب النار، ورجال طاحت سيقانهم أو أذرعهم أو رؤوسهم, وجندي يحب الأعضاء التناسلية لرجل(126) وجثث تخوزق فوق جذوع أو أطراف الشر الحادة، ونساء ميتات مازلن قابضات على أطفالهن الرضع، وأطفال يرقبون في هلع قتال آبائهم، وأكداس من الموتى يقذف بهم في الحفر، والنسور تستمتع بالتهام الموتى من الآدميين. وتحت هذه الصور أضاف جويا تعليقات ساخرة. "هذا ما ولدت له"(127)، "هذا رأيته"(128)، "لقد حدث هكذا"(129)، "ليدفنوا الموتى ويلزموا الصمت"(130). وفي النهاية أعرب جويا عن يأسه وأمله. فالصورة رقم 79 تمثل امرأة تموت بين الحفارين والكهنة، وعنوانها "الحق يموت"، ولكن الصورة رقم 80 تظهرها وهي تشع ضياء، وتسأل "أتبعث حية مرة أخرى؟".




صفحة رقم : 13347




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا




هـ - انحدار


في فبراير 1819 أشترى بيتاً ريفياً على الضفة الأخرى لنهر مانزاتاريس. كانت الأشجار تظلله، ومع أنه كان عاجزاً عن سماع شدو الغدير الذي حف به، فإنه استطاع أن يحس الدرس المستفاد من جريانه الهادئ المطمئن. وكان جيرانه يسمون بيته "بيت الأصم". ولما كان خافير قد تزوج واستقل ببيته، فقد صحب جويا معه دونا لونادياوايس، خليلة ومديرة لبيته. وكانت امرأة سليطة اللسان قوية البدن، ولكن جويا كان في حصن حصين من لسانها السليط. وأتت معها بطفلين- صبي هو جييرمو، وفتاة صغيرة مرحة تدعى ماريا ديل روزاريو، وقد أصبحا عزاء لحياة الفنان في شيخوخته.
ولقد كان في أمس الحاجة لهذا الحافز الصحي لأن عقله كان على شفا الجنون.على هذا النحو فقط نستطيع أن نفهم "الرسوم الزنجية" التي غطى بها كثيراً من جدران البيت الذي كان مستشفاه. وراح يرسم بالأسود والأبيض في الأغلب، وكأنه يعكس ظلام عقله، ولم يعطِ حدوداَ معينة للأجساد التي رسمها وكأنه وفي لغموض رؤاه، ولكنه استعمل ألواناً جصية حسنة ليثبت بسرعة على الحائط صور حلم سريعة الزوال. وقد رسم على جدار جانبي طويل "رحلة سان ايزيدرو" وهو العيد الذي رسمه مبتهجاً عام 1788 قبل إحدى وثلاثين سنة ولكنه الآن أصبح مشهداً كئيباً لمتعصبين متوحشين مخمورين. وجمع على الجدار المقابل أشخاصاً أفظع حتى من هؤلاء في "سبت الساحرات" وهن يتعبدن لنيس أسود ضخم على نحوٍ رهيب لأنه شيطانهن وإلههن الآمر. وفي أقصى الحجرة ارتفعت أبشع صورة في تاريخ الفن، صورة ساترن يفترس ابنه- مار يفترس طفلاً عاريا، أكل رأسه وذراعه وأخذ يلتهم الذراع الباقية وهو يرش الدم من حوله(131). وربما كانت الصورة رمزاً مجنوناً لأمم مجنونة تأكل بنيها في الحرب. هذه رؤى رجل تعذبه أطياف الموت المروعة فهو يرسمها في جنون ليطردها من ذاته ويثبتها على الجدار.
وفي 1823 هربت ليوثاديا إلى بوردو بولديها لخوفها من الاعتقال




صفحة رقم : 13348




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> أسبانيا وحركة التنوير -> فرانسسكو دي جويا


بسبب نشاطها الماسوني. وقرر جويا أن يلحق بهم بعد أن ترك وحيداً مع الجنون الذي رسمه على جدرانه. ولكنه لو رحل بغير إذن من الملك لفقد حقه في الراتب الرسمي الذي كان يتقاضاه بوصفه مصور الحجرة، فألتمس إجازة شهوراً للاستشفاء بمياه بلومبيير، فمنح الإجازة. ونقل ملكية بيته لحفيده ماريانو، وفي يونيو 1824 يمم شطر بوردو، وليوثاريا، ماريا ديل روزاريو.
وبات حبه لحفيده ماريانو العاطفة المشبوبة المتسلطة عليه كلما دنت منيته. فأوصى بمعاش سنوي للصبي وعرض دفع النفقات إذا أتى خافيير بماريانو إلى بوردو. ولم يستطع خافيير الحضور ولكنه أرسل زوجته وأبته، فلما وصلا عانقهما جويا في انفعال انهار بسببه واضطر إلى ملازمة الفراش. وكتب إلى ابنه يقول: "يا عزيزي خافيير، إنما أردت أن أخبرك بأن هذه الفرحة كلها كانت فوق ما أحتمل...أدعو الله أن يتيح لك أن تأتي وتأخذهما وعندها تفيض كأس سعادتي(132)". وفي صباح الغد أحتبس صوته وشل نصف بدنه. وطال احتضاره ثلاثة عشر يوماً وهو ينتظر بصبر نافذ مجيء خافيير دون جدوى. ومات في 16 إبريل 1828. وفي 1899 نقل رفاته من بوربو إلى مدريد ودفن أمام مذبح كنيسة سان أنطونيو دي لافلوريدا، حيث رسم قبل مائة عام تحت القبة آلام الحياة الأسبانية وأحزانها وأفراحها وقصص حبها.




صفحة رقم : 13349




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع



الفصل الثاني عشر




وداعاً إيطاليا




1760 - 1789




1- جولة وداع


لو سمحنا لأنفسنا بنظرة واحدة أخرى إلى إيطاليا لوجدناها حتى في هذه القيلولة الظاهرية دافئة بالحياة. فسنرى تورين تحتضن الفيري، ولوكا تنشر موسوعة ديدرو، وفلورنسة تزدهر ثانية تحت حكم الدوق الكبير ليوبولد، وميلان تصلح القانون بفضل بيكاريا وبافيا وبولونيا تهتزان طرباً لتجارب فولتا وكلفاني، والبندقية تعاني من سلوك كازانوفا، ونابلي تتحدى البابوية، وروما متورطة في مأساة اليسوعيين، وعشرات من مرابي الموسيقى تصدر الأوبرا ومهرة العازفين ليهدئوا صدر الأقطار المتوحشة عبر الألب. وسنلتقي في إيطاليا بمائة ألف أجني قدموا إليها ليدرسوا كنوزها وليصطلوا بشمسها. ففي هذا العهد وفد إليها جوته بعد أن أرهقه نبلاء قيمار ليجدد شبابه ويروض ربة شعره.
كان انطباع جوته الأول وهو منحدر من الأب إلى فينتسيا ترد نتينا (سبتمبر 1786) تأثره بالهواء المعتدل والجو المشرق الذي "يضفي غاية البهجة على مجر الوجود بل حتى على الفقر"(1) ثم هذه الحياة الطليقة: "فالأهالي دائماً خارج بيوتهم وهم لخلو بالهم لا يفكرون في شيء، إلا في أن يحيوا". وظن أن التربة المثمرة لابد أن تجود على هؤلاء القوم البسطاء بحاجاتهم المتواضعة دون إبطاء، ولكن الفقر وعدم وجود الوسائل الصحية في المدن الصغيرة أفزعاه:
"حين سألت النادل عن مكان (لقضاء الحاجة) أشار لي على الفناء قائلاً "ممكن، تحت، في الحوش". فسألته "أين؟" فقال في لهجة ودية "في أي




صفحة رقم : 13350




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:37 مساء   رقم المشاركة : [396]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


مكان، كما تشاء...كل الأفنية الأمامية والأعمدة تلوثها الأقذار، لأن القوم يقضون حاجاتهم بطريقة طبيعية جداً"(2).
على أن التكيف الحسي جعله يسلم بالأمر الواقع شيئاً فشيئاً.
وكانت البندقية تستمتع بانحلالها اللطيف، فحوالي 1778 وصف كارلو جوتسي في مبالغة تغار على الفضيلة ما بدا له أنه انحلال عام في الأخلاق:
"إن منظر النساء وقد انقلبن رجالاً، والرجال نساء، وكلهم نسانيس، وكلهم غارقون...في دوامة الموضة، يفسدون ويغوون بعضهم بعضا بلهفة كلاب الصيد تجري وراء رائحة الفريسة، ويتنافسون في شهواتهم وسرفهم المدمر...ويحرقون البخور...ليريابوس(3)...(إله الشهوة)".
وفي 1797 ألقى اللوم على الفلسفة في هذا الانهيار:
"إن الدين، ذلك الكابح الصحي لشهوات البشر...قد أصبح هزؤوا بين الناس. ولست أملك إلا الإيمان بأن المشنقة مفيدة للمجتمع، لأنها أداة لعقاب الجريمة وردع من تحدثه نفسه بالإجرام. ولكن فلاسفتنا العصريين نددوا بالمشنقة زاعمين أنها تحيز ظالم وهكذا زادوا جرائم القتل على الطريق العام والسرقات وأعمال العنف مائة ضعف".
"وقد أكدوا لنا أن إبقاء النساء في بيوتهن لرعاية بنيهن وبناتهن...والإشراف على خدمة الأسرة واقتصادها، إنما هو تحيز بالٍ وهمي. وللتو انطلقت النساء من بيوتهن معربدات كالباخوسيات، صائحات "الحرية...الحرية..." وغصت الشوارع بهن...وأسلمن أثناء ذلك عقولهن الطائشة إلى الموضات والبدع التافهة، والملاهي ومغامرات الحب ومظاهر الدلال وسائر السفاسف .... أما الأزواج فلم يؤتوا من الشجاعة ما يمكنهم من مقاومة هذا التدمير لشرفهم ومالهم وأسرهم، وخافوا من أن يشهر بهم ويرموا بهذه الكلمة الرهيبة، كلمة "التحيز"...فقد وصفت مكارم الأخلاق،




صفحة رقم : 13351




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


والحشمة، والعفة، بأنها تحيز...وحين أكرهت جميع هذه التحيزات المزعومة على الهروب...ظهر الكثير من النعم الكبرى والبركات العظمى. كالكفر، والإحاطة بالاحترام والتوقير، وقلب العدالة رأساً على عقب...وتشجيع المجرمين والرثاء لهم، والخيالات الملتهبة، والأحاسيس المرهفة، والغرائز البهيمية، والانهماك في جميع اللذات والشهوات، والترف العاتي... والتفاليس... والخيانات الزوجية(4)".
ولكن أسباب الانحلال الرئيسية كانت بالطبع اقتصادية وحربية؛ ذلك أن البندقية فقدت ثراءها الذي لها الدفاع عن قوتها وعلى النقيض منها ازدادت قوة غريمتها النمسا البشرية ازدياداً مكنها من السيطرة على كل المداخل البرية إلى بحيرات البندقية، ومن خوض بعض حملاتها الحربية على أرض الجمهورية المحايدة العاجزة.
وفي 9 مارس 1789 انتخب لودوفيكومانن لرئاسة الجمهورية-وكان بذلك آخر الأدواج المائة والعشرين الذين تعاقبوا على كرسي رئاسة البندقية في استمرار رائع منذ عام 697. وكان رجلاً ذا ثراء طائل وشخصية هزيلة، ولكن ما كان في طوق الفقر أو الشجاعة أن يردا عنه مأساته. ذلك أن الباستيل سقط في أربعة أشهر، وتسلطت عبادة الحرية على خيال فرنسا، وحين أقبل هذا الدين مع فيالق نابليون اكتسح كل إيطاليا تقريباً تحت رايته وبقوة نشوته. وفرض الكورسيكي الظافر يظاهره ثمانون ألف جندي على ملكة الأدرياتيكي حكومة مؤقتة أملاها بنفسه (12 مايو 1797) محجاً بأن القوات النمساوية قد استعانت عليه بأرض البندقية، ومتهماً البندقية بأنها ساعدت أعداءه سراً. وفي ذلك اليوم أعطى الدوج مانن قلنسوة الرئاسة لأحد أتباعه بعد أن استقال، وأمره قائلاً "خذها بعيداً عني فلن تحتاج إليها ثاني(5)" وبعد أيام مات. وفي 16 مايو احتلت الجنود الفرنسية المدينة. وفي 17 أكتوبر وقع بونابرت في كاميوفورميو معاهدة نقلت البندقية وكل الأقاليم التي تمتلكها تقريباً إلى النمسا في مقابل تنازلات من النمسا لفرنسا في البلجيك وضفة الرين اليسرى. وحدث هذا بالضبط




صفحة رقم : 13352




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


بعد ألف ومائة عام من انتخاب أول دوج لحكم بحيرات البندقية والدفاع عنها.
أما بارما فكانت محمية أسبانية، ولكن دوقها، والدون فيليبي، ابن فيليب الخامس وايزابيللا فارنيزي، تزوج لويزا اليزابث ابنة لويس الخامس عشر وقد عود نفسه عاداتها المسرفة وجعل بلاطه فرسايا مصغرة. وأصبحت بارما مركزاً للثقافة تختلط فيه أساليب الحياة العالمية في بهجة ومرح. يقول كازانوفا "لقد خيل إلي أنني لم أعد عائشاً في إيطاليا، فكل شيء بدا منتمياً للجانب الآخر من الألب. ولم يكن المارة يتكلمون إلا الفرنسية والأسبانية(6)". وقام وزير مستنير يدعى جيوم دوتيو بإصلاحات حافزة للدوقية. هنا كانت تنتج مصنوعات من أبدع أنواع النسيج والبللور والقاشاني.
أما ميلان فقد شهدت توسعاً صناعياً ينبئ في تواضع بما بلغته من تفوق اقتصادي في إيطاليا اليوم. ذلك أن الحكم النمساوي أرخى قبضته على قدرات الأهالي وإقدامهم. وتعاون الكونت كارل يوزف فون فرميان، حاكم لومبارديا، مع الزعماء الوطنيين على تحسين الإدارة، وحد من السلطة الظالمة التي كان يمارسها البارونات الإقطاعيون الأوليجركيون في المدن. وظهرت طائفة من أحرار الاقتصاد يتزعمهم بيترو فري، وتشيزاري بونيزانا دي بيكاريا، وجوفاني كارلي، اعتنقت مبادئ الفيزوقراطيين، وألغوا المكوس على التجارة الداخلية، وأنهوا نظام الالتزام الضرائبي، ووزعوا العبء بفرض الضرائب على الأملاك الكنسية. ونمت صناعة النسيج حتى انتظمت في 1785 تسعاً وعشرين شركة تشغل 1.384 نولاً. ومسحت الأراضي، ومولت الدولة مشروعات الري، واشتغل الفلاحون بهمة صادقة. وفي السنوات الإحدى والعشرين فيما بين 1749 و1770 ارتفع سكان الدوقية من 90.000 إلى 130.000(7). وفي فترة انتعاش ميلانو هذه بنى مجتمعها التياترو الاسكالا (1776-78)، الذي اتسع لــ3.600 متفرج تحيط بهم زخارف فاخرة كزخارف القصور، واحتوى تسهيلات




صفحة رقم : 13353




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


للموسيقى، والسمر، والأكل، ولعب الورق، والنوم. وفوق هذا كلها صهريجاً للمياه صمم لإطفاء أي حريق. هنا ظفر تشيما روزا وكيروبيني بانتصارات مدوية.
وكان العصر عصر البطولة لكورسكا. لقد كانت تلك الجزيرة الجبلية الصغيرة مثقلة بأحداث التاريخ. فالفينيقيون القادمون من آسيا الصغرى أقاموا مستعمرات فيها حوالي 560ق.م. ثم قهرهم الأثروريون، الذين قهرهم القرطاجنيون، الذين قهرهم الرومان، الذي قهرهم الروم البيزنطيون، الذين قهرهم الفرنجة، الذي قهرهم المسلمون، الذين قهرهم إيطاليو تسكانيا، الذي قهرهم البيزاويون، الذي قهرهم الجنويون (1347). ومات في ذلك القرن ثلثا السكان من الطاعون الأسود. وفي ظل الحكم الجنوي انحدر الكورسيكيون الذين أرهقهم الوباء وغارات القراصنة، والذين حرمت عليهم المناصب الكبرى وأثقلت كواهلهم بضرائب لا يطيقونها، وانقلبوا إلى حال أشبه بالتوحش لم يحترم فيها قانون غير قانون الثورات العنيفة..وأخفقت الثورات التي اندلعت بين الحين والحين لما ابتلي به القوم من عداوات طاحنة وما افتقدوا من العون الأجنبي. أما جنوه ففي سبيل الدفاع عن حياتها ضد الجيوش النمساوية استنجدت بفرنسا لتعينها على حفظ النظام في كورسكا. واستجابت فرنسا مخافة أن يستولي البريطانيون على الجزيرة ويستخدموها قلعة يتسلطون منها على البحر المتوسط، فاحتلت الجنود الفرنسية أياتشو وغيرها من الحصون الكورسيكية (1719-48). ولما بدا أن الأمن قد استتب انسحب الفرنسيون، وعاد سلطان جنوه إلى سابق عهده، وبدأت ثورة باولي التاريخية.
وقد سبق باسكالي دي باولي هذه البطولات غاريبالدي بقرن كامل. وقد وصفه اللورد شاتام بأنه "واحد من هؤلاء الرجال الذين لم يعد الناس يعثرون عليهم إلا في صفحات بلوتارخ(8)". ولد (1725) ابناً لثائر كورسيكي وتبع أباه إلى المنفى، ودرس في نابلي على يد الاقتصادي المتحرر جينوفيزي، وخدم في جيش نابلي، ثم عاد إلى كورسيكا (1755)




صفحة رقم : 13354




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


واختير ليقود تمرداً على جنوه. وبعد عامين من القتال أفلح في طرد الجنويين من الجزيرة إلا بعض مدنها الساحلية فلما ولي رئاسة الجمهورية الجديدة بالانتخاب (1757-68) أظهر في ميدان التشريع والإدارة نبوغاً لا يقل عن نبوغه في استراتيجية الحرب وتكتيكها. فقد وضع دستوراً ديمقراطياً، وقمع الثورات، وألغى حقوق أمراء الإقطاع الظالمة، ونشر التعليم، وأسس جامعة في عاصمته كورتي.
واضطرت حنوه لعجزها عن قهره إلى بيع الجزيرة لفرنسا (15 مايو 1768) بمليوني فرنك. ووجد باولي الآن نفسه يقاتل جنوداً فرنسيين يعززون بالإمداد المرة بعد المرة. وكان سكرتيره ومساعده في ذلك الوقت كارلو بونابتي، الذي ولد له ابن سماه نابليوني باياتشو في 15 أغسطس 1769. فلم قهر الفرنسيون باولي في بونتينوفو (مايو 1769) طلق هذا النضال الذي لا أمل فيه ولجأ إلى إنجلترا، وهناك منحته الحكومة معاشاً، وأذاع بوزويل اسمه. وكان جونسون واحداً من أصدقائه. على أن الجمعية الوطنية لفرنسا الثورة استدعته من منفاه، وأشادت به "بطلاً وشهيداً للحرية" وعينته حاكماً على كورسيكا، (1791). ولكن المؤتمر الفرنسي حكم بأن في ميوله اليعقوبية قصوراً، فأرسل لجنة لخلعه، وخف الجنود البريطانيون لنجدته، ولكن القائد البريطاني استولى على الجزيرة وأعاد باولي إلى إنجلترا (1795). ثم جرد نابليون قوة فرنسية لتطرد البريطانيين (1796)، ورحب أهل الجزيرة بالفرنسيين باعتبارهم موفدين من قبل "الكورسيكي"، وانسحب البريطانيون، وخضعت كورسيكا لفرنسا.
أما توسكاني فقد ازدهرت تحت حكم كبار الأدواق الهابسبورج الذين خلفوا آل مديتشي (1738). وبعد أن اتخذ حاكمها الأسمى فرانسوا اللوريني النمسا مقراً له لزواجه من ماريا تريزا، فوض الحكم إلى مجلس وصاية يرأسه زعماء وطنيون نافسوا الميلانيين الأحرار في إصلاحاتهم الاقتصادية، فقد حققوا حرية التجارة الداخلية في الغلال (1767) قبل أن يبذل طورجو محاولة كمحاولتهم في فرنسا بسبع سنين. وحين مات فرانسوا




صفحة رقم : 13355




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


(1765) خلفه دوقاً أكبر ابنه الأصغر ليوبولد، الذي تطور حتى أصبح واحداً من أجرأ وأشجع "المستبدين المستنيرين". كبح الفساد في المناصب، وأصبح القضاء والإدارة المالية، وسوى بين الناس في الضرائب، وألغى التعذيب والمصادرة وحكم الإعدام، وأعان الفلاحين، وجفف المستنقعات، وأنهى الاحتكارات، ونشر حرية التجارة وحرية المؤسسات التجارية، وسمح للكومونات بالحكم الذاتي، وتطلع إلى وضع دستور شبيه بالدساتير الديمقراطية للدوقية. وقد راع جوته ما شهده من نظافة المدن التوستانية النسبية وصلاحية الطرق والكباري، وجمال الأشغال العامة وفخامتها(9). وحين أصبح يوزف أخو ليوبولد إمبراطوراً أوحد، أعان ليوبولد على إلغاء معظم الامتيازات الإقطاعية في تسكانيا، وإغلاق كثير من الأديرة، والحد من سلطة الأكليروس.
وفي ميدان الإصلاحات الكنسية تلقى ليوبولد تعاوناً صادقاً من سكبيوني دي ريكي أسقف بستويا وبراتو. وكان في تسكانيا عرف قاسي يقضي على جميع الفتيات اللاتي لا مهور لهن بالرهبة، وانضم ريكي إلى الدوق الكبير في رفع السن الدنيا لنذر الرهبنة وتحويل الكثير من الأديرة إلى مدارس للبنات. واتخذت التدابير لنشر التعليم غير الديني بإحلال المدارس العلمانية محل مدارس اليسوعيين. وكان ريكي يتلو القداس بالإيطالية. ويقاوم الخرافات، المر الذي أساء كثيراً إلى جماهير الشعب. فلما شاع أنه ينوي إزالة "حزام العذراء مريم" الشهير في براتو لأنه زائف، أحدث الشعب شغباً ونهبوا قصر الأسقف. على أن ريكي دعا رغم ذلك مجمعاً أسقفياً انعقد في بستويا عام 1786 وأعلن مبادئ تذكر بـــ"المواد الغالية" الصادرة في 1682. ومفادها أن السلطة الزمنية مستقلة عن السلطة الروحية (أي أن الدولة مستقلة عن الكنيسة)، وأن البابا عرضة للخطأ حتى في الأمور المتصلة بالعقيدة.
وكان ليوبولد يحيا حياة البساطة، وأحبه الناس لطباعه الفطرية غير المتكلفة. ولكن حين امتد حكمه وأرهقته خصومة السنين بات ظنوناً معتزلاً الناس، واستخدم عدداً غفيراً من الجواسيس ليكونوا له عيوناً على مساعديه




صفحة رقم : 13356




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


وأعدائه على السواء. وقد أسدى له يوزف النصيحة من فيينا قائلاً: "دعهم يغشونك أحياناً، فهذا خير من أن تعذب نفسك عذاباً متصلاً لا غناء فيه"(10). فلما غادر ليوبولد فلورنسة ليخلف يوزف إمبراطوراً (1790) انتصرت قوى الرجعية في تسكانيا وأدان البابا بيوس الداس ريكي في 1794 وأودعه السجن (1799-1805) حتى سحب هرطقاته. ورد قدوم حكومة نابليون (1800) الأحرار إلى سابق سلطانهم.
وهرول جوته إلى روما عبر تسكانيا. استمع إليه وهو يكتب في أول نوفمبر 1786:
"وأخيراً وصلت إلى عاصمة العالم العظيمة هذه..وكأنما طرت طيراناً فوق جبال النيرول. إن شوقي لبلوغ روما كان شديدا..حتى كان التفكير في التخلف في أي مكان ضرباً من المحال، وحتى فلورنسة لم أمكث فيها سوى ثلاث ساعات. والآن، كما أخالني سأظفر بالهدوء مدى الحياة، فلنا أن نقول إن حياة جديدة تبدأ حين يرى الإنسان بعينيه ما لم يسمع أو يقرأ عنه من قبل إلا قليلاً. وأنا الآن أرى جميع أحلام شبابي تتحقق أمام عيني".
وأي خليط يدير الرؤوس كانت روما القرن الثامن عشر وهي تشغى بالشحاذين والنبلاء، بالكرادلة والخصيان المغنين، بالأساقفة والبغايا، بالرهبان والتجار، باليسوعيين واليهود، بالفنانين والمجرمين، بالفتاك والقديسين، وبالسياح يبحثون عن الآثار نهاراً وعن الغواني ليلاً. وهنا، وعلى اثني عشر ميلاً من أسوار المدينة، مدرجات وثنية وأقواس نصر، وقصور ونافورات من عهد النهضة، وثلاثمائة كنيسة وعشرة آلاف قسيس و170.000 نسمة. ومن حول الفاتيكان قلعة المسيحية الكاثوليكية، عاش صنف من الرعاع كانوا أشد ما عرف العالم المسيحي صخباً وتمرداً وعداءاً للأكليروس. وكالنت الكراسات البذيئة المهاجمة للكنيسة يطاف بها في الشوارع، والمهرجون يقلدون في سخرية في الميادين العامة أقدس مراسم القداس. ولعل فنكلمان وهو الرجل الحي الرقيق كان يبالغ قليلاً حين قال:




صفحة رقم : 13357




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


"في النهار يسود روما هدوء معتدل، أما في الليل فإن الشيطان ينطلق من عقاله. ونتيجة للحرية الكبيرة التي تسود هنا، ولعدم وجود أي نوع من أنواع الشرطة، يتصل الشجار وضرب النار وإطلاق الصواريخ والألعاب الناري في جميع الشوارع الليل كله..والجماهير عاصية لا تخضع لسلطان، قد أعيا الحاكم كثرة النفي والشنق"(11).
كانت روما مدينة تتسم بطابع العالمية أكثر حتى من باريس-يختلط فيها الفنانون والطلاب والشعراء والسياح بالأحبار والأميرات في الصالونات وقاعات الفن والمسارح.
هنا كان فنكلمان ومنجز يبشران بإحياء الطراز الكلاسيكي، وهنا كان الباباوات المرهقون المحاصرون يكافحون لتهدئة ثائرة الجماهير التي طحنها الفقر بالخبز والبركات الروحية، ولتعطيل السفراء الذين يلحون في إلغاء الطائفة اليسوعية والحفاظ على صرح المسيحية المعقد بأسره من الانهيار تحت وطأة التقدم العلم وهجمات الفلسفة.
ولكن لنمضي قدماً مع جيته إلى نابلي. لقد خيل إليه أنه لم يشهد قط مثل هذه الفرحة بالحياة:
"إذا كان في استطاعة المرء وهو في روما أن يعكف من فوره على الدراسة، فليس في استطاعته هنا أن يفعل شيئاً إلا أن يعيش. فأنت تنسى نفسك والعالم، وأنا عن نفسي أجده شعوراً غريباً أن أتنقل من قوم لا يفكرون إلا في الاستمتاع بالحياة...عنا لا يعرف الناش شيئاً بعضهم عن بعض. وقلما يلحظون أن غيرهم يسيرون أيضاً في طريق سيرهم جنباً إلى جنب معهم. وهم يجرون سحابة نهارهم خلفاً وأماماً في فردوس دون أن يلتفتوا حولهم، ولو بدأ فكا الجحيم المجاوران ينفتحان ويثوران، فإنهم يستنجدون بالقديس يتيواريوس(12).
وكان الدوق كارلوس بعد رحيله عن نابلي قاصداً أسبانيا في 1759




صفحة رقم : 13358




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> جولة وداع


قد أوصى بمملكة بانلي وصقلية إلى ابنه فرديناند الرابع البالغ من العمر ثمانية أعوام، بوصاية المركيز دي تانوكي وواصل تانوكي حرب الكنيسة التي بدأها على عهد كارلوس. فألغى الكثير من أديرة الرهبان والراهبات ولم يتردد في إتباع تعليمات شارل الثالث ملك أسبانيا بطرد اليسوعيين. فما أن انتصف ليل 3-4نوفمبر 1767 حتى قبض الجند على جميع أعضاء الطائفة في المملكة، وقادوهم-وهو لا يحملون من مقتنياتهم سوى الثياب التي عليهم-إلى أقرب ثغر أو نقطة حدود، ومن هناك رحلوا إلى الولايات البابوية.
ولما بلغ فرديناند الرابع عامه السادس عشر (1767) أنهى وصاية تانوكي. وبعد عام تزوج ماريا كارولينا، الأبنة التقية لماريا تريزا. وسرعان ما سيطرت على زوجها وتزعمت حركة رجعية ضد سياسات تانوكي المناهضة لرجال الدين. وكانت إصلاحات المركيز قد قوت ملكية تانوكي ضد نبلاء الإقطاع والكنيسة، ولكنها لم تحقق شيئاً يذكر في تخفيف الفقر الذي لم يترك للجماهير أملاً إلا في الآخرة.
وانتهجت صقلية نهجاً مماثلاً. فكان بناء كاتدرائية بلرمو (1782-1802) أهم وأخطر في نظر الشعب من محاولة دمونيكو دي كاراكولي ترويض أمراء الإقطاع الذين سيطروا على البلاد. وكان قد عمل سنوات كثيرة سفيراً لنابلي في لندن وباريس، وأستمع إلى البروتستنت والفلاسفة. فلما عُين والياً على صقلية (1781) فرض الضرائب الباهظة على كبار ملاك الأراضي، واختزل حقوقهم الإقطاعية على أقنانهم، وأنه ما كان لهم من امتيازات اختيار القضاة المحليين. ولكن حين تجاسر على حبس أمير يحمي قطاع الطرق، وأمر بإنقاص يومين من العطلات التي تمنح تكريماً للقديس روزاليا حامي بلرمو، ثارت عليه جميع الطبقات، وقفل إلى نابلي مهزوماً (1785)(13). فالفلاسفة لم يكونوا قد برهنوا بعد على أنهم يفهمون حاجات الإنسان وطبيعته خيراً مما تفهمها الكنيسة.




صفحة رقم : 13359




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون



2- البابوات والملوك واليسوعيون


استندت قوة الكنيسة الكاثوليكية على إيمان بالخوارق ركب في فطرة البشر، والتسليم بالدوافع الحسية والمخلفات الوثنية والتسامي بها، وتشجيع الخصوبة الكاثوليكية، وغرس لاهوت غني بالشعر والأمل، نافع للتهذيب الخلقي والنظام الاجتماعي. كذلك كانت الكنيسة في إيطاليا لمصدر الرئيسي للدخل القومي، ورادعاً معترفاً بقيمته لشعب يؤمن إيماناً شديداً بالخرافات، وثني النزعة مشبوب العطفة. وقد كثرت الخرافات بين الإيطاليين، فحتى (1787) أحرقت الساحرات في بلرمو-وقدمت المرطبات للنبيلات العصريات اللاتي حضرن هذا المشهد(14). وعاشت المعتقدات والعادات والمراسم الوثنية في ظل موافقة الكنيسة عليها عن طيب خاطر. كتب جوته يقول "لقد انتهيت إلى اعتقاد القاطع بأن كل آثار المسيحية الأصلية قد انقرضت هنا في روما(15)". على انه بقي في العالم المسيحي الكثير من المسيحيين الحقيقيين، حتى في إيطاليا. ومن هؤلاء الكونت كايسوتي دي كيوزانو، أسقف أستي، الذي نزل عن ميراثه الكبير، وعاش في فقر اختياري، وكان لا يسافر إلا راجلاً. كذلك كان تستا أسقف مونريالي ينام على القش، ولا يأكل إلا ما يمسك رمقه ولا يحتفظ من دخله إلا بثلاثة آلاف ليرة لحاجاته الشخصية، ويخصص ما بقي منه للأشغال العامة وللفقراء(16).
واستجابت الكنيسة لحركة التنوير إلى حد ما. وبالطبع أدرجت أعمال فولتير وروسو وديدرو وهلفتيوس ودولباخ ولا متري وغيرهم من أحرار الفكر في قائمة الكتب المحرمة، ولكن أبيح الحصول على إذن بقراءتها من البابا. وكان المونسنيور فنتمليو أسقف قطنيا (1757-73) يقتني في مكتبته طبعات كاملة من فولتير وهلفتيوس وروسو(17). وألغيت محكمة التفتيش في تسكانيا وبارما عام 1769، وفي صقلية عام 1782، وفي روما عام 1809. وفي 1783 نشر قسيس كاثوليكي يدعى تابعورني، تحت اسم صديقه تراوتما نسدورف، مقالاً "في التسامح الكنسي والمدني"




صفحة رقم : 13360




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون


أدان فيه محكمة التفتيش وحكم على كل ضروب الإكراه للضمير بأنها منافية للمسيحية، ودافع عن جميع أنواع اللاهوت إلا الإلحاد(18).
وكان من سوء طالع البابوات في نصف القرن الثامن عشر هذا أن يضطروا إلى مواجهة مطالبة الملوك الكاثوليك بحل جمعية اليسوعيين كلية. وكانت الحركة المناهضة لليسوعيين جزءاً من صراع على القوة بين قومية الدولة الحديثة الظافرة، ودولية بابوية أضعفتها حركة الإصلاح البروتستانتي وحركة التنوير وصعود طبقة رجال الأعمال. ولم يلح أعداء الجمعية الكاثوليك إلحاحاً سافراً باعتراضهم الرئيسي عليها، وهو أنها دأبت على تأييد سلطة الباباوات باعتبارها فوق سلطة الملوك، ولكنه كرهوا أشد الكره أن يشكل قيام منظمة لا تعترف برئيس غير رئيسها، والبابا في الواقع داخل كل دولة عميلاً لسلطة أجنبية. وقد سلموا بغزارة علم اليسوعيين وتقواهم، وبإسهاماتهم في العلوم والأدب والفلسفة والفن، وبتربيتهم المثابرة الفعالة للشباب الكاثوليكي؛ وببطولتهم في البعثات الأجنبية وباستعادتهم كثيراً من الأرض التي فقدتها الكاثوليكية واستولت عليها البروتستنتية. ولكن التهمة التي وجهوها إلى الجمعية هي أنها كانت تتدخل المرة بعد المرة في الشؤون العلمانية؛ وأنها اشتغلت بالتجارة طمعاً في الربح المادي؛ وأنها غرست مبادئ الفتاوى التي تغتفر الفساد الخلقي والجريمة، وأغضت حتى عن قتل الملوك، وأنها سمحت للعادات والمعتقدات الوثنية بأن تعيش بين أتباعها المزعومين في آسيا؛ وأنها أساءت إلى الطوائف الدينية الأخرى وإلى كثير من الكهنة غير الرهبان، بحدتها في الجدل ونغمتها المشربة بالاحتقار. وأصر سفراء ملوك البرتغال وأسبانيا ونابلي وفرنسا على إلغاء الترخيص البابوي الخاص بالجمعية وعلى حل المنظمة رسمياً وفي كل مكان.
على أن طرد اليسوعيين من البرتغال في 1759 ومن فرنسا في 1764-67، ومن أسبانيا ونابلي في 1767، ترك الجمعية تواصل نشاطها وسط وشمالي إيطاليا، وفي سيليزيا وبولندا.وفي 7 فبراير 1768 طردوا من دوقية بارما البوربونية، وأضيفوا إلى حشد اللاجئين اليسوعيين في ولايات




صفحة رقم : 13361




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون


الكنيسة. واحتج البابا كلمنت الثالث عشر بأن بارما إقطاعة بابوية، وهدد الدوق فرديناند السادس ووزراءه بالجرم إذا نفذ مرسوم الطرد. فلما أصروا أصدر مرسوماً أعلن فيه مصادرة رتبة الدوق ولقبه وإلغاءهما. وبدأت الحكومات الكاثوليكية في أسبانيا ونابلي وفرنسا حرباُ على البابوية. واستولى تانوتشي على مدينتي بنيفنتو وبونتيكوفو البابويتين واحتلت فرنسا أفنيون. وفي 10 ديسمبر 1768 قدم السفير الفرنسي في روما باسم فرنسا ونابلي وأسبانيا إلى البابا مطلباً بسحب المرسوم الموجه ضد بارما وبإلغاء جمعية اليسوعيين. وانهار الحبر الأعظم تحت وطأة هذا الإنذار النهائي. وكان يبلغ من العمر آنذاك ستة وسبعين عاماً، فدعا لعقد مجمع من المطارنة والمبعوثين في 3 فبراير 1769 لدراسة الأمر. وفي 2 فبراير خر صريعاً بانفجار عرق في دماغه.
وانقسم الكرادلة الذين دعوا لاختيار خلف له فريقين: الغيورين الذين اقترحوا تحدي الملوك، والمهدئين الذين آثروا التسويات الهادئة. ولما كانت الكثرة العظمى من الكرادلة الإيطاليين من فريق الغيورين الذين اجتمعوا سريعاً في روما، فقد حاولوا افتتاح المجمع قبل أن يصل فريق الكرادلة المهدئين من فرنسا وأسبانيا والبرتغال. واحتج السفير الفرنسي فأجل المجمع. وفي غضون هذا عرض لورنتسو ريكي قائد اليسوعيين قضيتهم للخطر إذ أصدر كراسة اعترضت على سلطة أي بابا في إلغاء الجمعية(19). وفي مارس وصل الكاردينال دبيرني من فرنسا وبدأ طوافه على الكرادلة بهدف ضمان انتخاب بابا راغب في إرضاء أصحاب الجلالة الكاثوليك. وقد رفض المؤرخون، سواء منهم الكاثوليك(21)، وخصوم الكاثوليك(22)، الشائعات التي زعمت بعد ذلك(20) أنه هو أو غيره رشوا أغروا بوسيلة ما الكاردينال جوفاني جانجاتللي بأن يعد بهذا إذا اختير لكرسي البابوية. وكان جانجاتللي بإجماع الكل رجلاً عظيم الثقافة والتقوى والنزاهة، بيد أنه كان ينتمي إلى طائفة الفرنسسكان التي طالما خاصمت اليسوعيين سواء في ميدان البعثات التبشيرية أو اللاهوت(23).




صفحة رقم : 13362




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون


وفي 19 مايو 1769 انتخب باجماع آراء الكرادلة الأربعين، واتخذ اسم كلمنت الرابع عشر، وكان يومها في الثالثة والستين.
ثم ألفى نفسه واقفاً تحت رحمة الدول الكاثوليكية. ففرنسا ونابلي تتشبثان بالأقاليم البابوية التي استولتا عليها، وأسبانيا وبارما تتخذان موقف التحدي، وهددت البرتغال بإقامة بطريركية مستقلة عن روما، بل أن ماريا تريزا التي كانت حتى ذلك الحين حارة الولاء للبابوية واليسوعيين ولكنها الآن فقدت سلطانها الذي انتزعه منها ابنها حر التفكير جوزف الثاني، وردت على نداء البابا بطلب معونتها بـأنها لا تستطيع مقاومة الإرادة الموحدة لمثل هذا العدد الكبير من الملوك والحكام. وأصدر شوازيل الذي كان مسيطراً على حكومة فرنسا آنذاك تعليماته لبيرني بأن يخبر البابا أنه "إذا لم يستطع التوصل إلى تفاهم مع فرنسا ففي استطاعته أن يعتبر كل علاقاته به منتهية(24)".
وكان شارل الثالث ملك أسبانيا قد أرسل مثل هذا الإنذار النهائي في 22 إبريل. أما كلمنت، الذي حاول كسب الوقت، فقد وعد شارل بأنه عن قريب "سأرفع إلى حكمة جلالتكم وذكائكم خطة للقضاء المبرم على الجمعية(25)". وأمر مساعديه بالرجوع إلى السجلات وتلخيص تاريخ جمعية اليسوعيين وإنجازاتها وجرائمها المزعومة. ورفض التسليم بما طالب به شوازيل من الفصل في النزاع خلال شهرين. وقد اقتضاه الفص ثلاث سنين، ولكنه أذعن في النهاية.
ففي 21 يوليو 1773 وقع الرسالة البابوية التاريخية، وقد بدأت بقائمة طويلة من الجماعات الدينية التي حظرها الكرسي البابوي المقدس على مدى الأيام، وذكرت الشكاوى الكثير التي رفعت ضد اليسوعيين، والجهود الكثيرة التي بذلها البابوات لعلاج المساوئ المزعومة. "وقد لاحظنا ببالغ الحزن أن هذه العلاجات وغيرها مما استعمل بعد ذلك لم يكن لها من الفاعلية أو القوة ما يضع حداَ لهذه المتاعب والتهم




صفحة رقم : 13363




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون


والشكاوى(26)". واختتمت الرسالة بهذه العبارة "وإذ تبين لنا أن جمعية اليسوعيين لم تعد قادرة على أن تؤتي الثمرات الوفيرة والخير العظيم اللذين من أجلهما أسست ووافق عليها العدد الكبير من الباباوات أسلافنا الذين شرفوها بالكثير من المزايا الجديرة بالإعجاب، وإذ رأينا أنه من المستحيل تقريباً-بل أنه مستحيل إطلاقاً-على الكنيسة أن تتمتع بسلام صادق متين ما بقيت هذه الطائفة...فإننا بعد الفحص المتـأني، ونتيجة لمعرفتنا الخاصة وبحكم كمال سلطتنا الرسولية، نحل ونلغي بمقتضى هذه الرسالة البابوية جمعية اليسوعيين. ونبطل ونلغي كل مناصبها ووظائفها وإداراتها، ودورها، ومدارسها، وكلياتها وخلواتها، وملاجئها وسائر المؤسسات التي تخصها على أي وجه كائناً ما كان وفي أي إقليم أو مملكة أو دولة لها وجود فيه(27)".
ثم وعدت الرسالة البابوية بصرف معاشات لليسوعيين الذين لم يرسموا بعد ويريدون العودة لحياة العلمانيين، وأذن للكهنة اليسوعيين بالانضمام إلى الأكليروس غير الرهبان أو بأي طائفة دينية يوافق عليها الكرسي البابوي، وسمح لليسوعيين المقبولين في الرهبنة والذين نذروا أنفسهم نذراً نهائياً مطلقاً بأن يبقوا في بيوتهم السابقة شريطة أن يلبسوا رداء الكهنة غير الرهبان ويخضعوا لسلطة الأسقف المحلي.
وفي معظم الحالات؛ وباستثناء بعض المبعوثين في الصين، تقبل اليسوعيون حكم إعدام هذا الذي أصدره البابا على جمعيتهم بامتثال ونظام ظاهرين..بيد أن كراسات غفل من اسم المؤلف طبعت ووزعت دفاعاً عن قضيتهم، وقبض على ريتشي وعدد من معاونيه بتهم لم تثبت عليهم قط بأنهم يتراسلون مع خصوم المرسوم. ومات ريتشي في السجن في 24 نوفمبر 1775 بالغاً الثمانية والسبعين.
ولم يعش كلمنت الرابع عشر إلا عاماً واحداً أو يزيد بعد المرسوم. وكثرت الشائعات بأن عقله أختل في شهوره الأخيرة. وقد اجتمعت عليه




صفحة رقم : 13364




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> البابوات والملوك واليسوعيون


الأسقام، ومنها الأسقربوط والبواسير، لتجعل كل نهار وليل في حياته شقاء وتعاسة له. وأصابته في إبريل 1774 نزلة برد لم تبرحه قط، ولم تحل نهاية أغسطس حتى كان الكرادلة يناقشون مسألة خلافتهم، وفي 22 سبتمبر قضى كلمنت نحبه.
وبعد الكثير من التأجيلات والدسائس أجلس مجمع الكرادلة على كرسي البابوية (15 فبراير 1775) جوفاني براسكي الذي اتخذ اسم بيوس السادس. وكان رجلاً مثقفاً أكثر منه سياسياً، يجمع التف الفنية، ويسحر الجميع برفته، وقد حسن إدارة الكوريا (الإدارة البابوية) وأستصلح بعض المستنقعات الوبتية. ورتب حلاً وسطاً مؤقتاً مسالماً لليسوعيين مع فردريك الأكبر. وفي 1793 أنظم للحلف المعدي لفرنسا الثائرة. وفي 1796 غزا نابليون الولايات البابوية، وفي 1798 دخل الجيش الفرنسي روما، وأعلنها جمهورية، وطالب البابا بالتخلي عن كل سلطاته الزمنية. ولكنه أبى، فاعتقل، وظل في أماكن وحالات مختلفة من السجن حتى وفاته (29 أغسطس 1799). أما خليفته بيوس السابع فقد جعل رد جمعية اليسوعيين إلى سابق عهدها (1714) جزءاً من انتصار التحالف على نابليون.




صفحة رقم : 13365




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> القانون وبيكاريا



3- القانون وبيكاريا


ظلت أخلاق إيطاليا وسلوكها مزيجاً من العنف والتراخي، من الثأر والحب. كتب موتسارت من بولونيا عام 1770، وكان في الرابعة عشرة من عمره "إن إيطاليا بلد ناعس"(28)، ولم يكن قد تعلم فلسفة القيلولة. أما أبوه فكان رأيه في 1775 أن "الإيطاليين أوغاد في كل أنحاء العالم"(29).
وقد علق موتسارت وجوته كلاهما على الجريمة الإيطالية. كتب موتسارت يقول إن في نابلي "زعيماً للشحاذين يتقاضى من الملك خمساً وعشرين دوقاتية كل شهر مقابل تهدئتهم لا أكثر"(30). وكتب جوته يقول :إن أكثر ما يلفت نظر الغريب هو كثرة الاغتيالات. واليوم كان الضحية فناناً ممتازاً




صفحة رقم : 13366




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> القانون وبيكاريا


هو شفندمان...وقد طعنه القاتل الذي اشتبك معه عشرين طعنة، فلما أقبل الحارس طعن نفسه. وليس هذا ما يجري به العرف هنا عموماً، فالقاتل عادة يقصد أقرب كنيسة، فمتى بلغها أصبح في مأمن تام"(31). وكانت كل كنيسة تعطي المجرم الأمان في حرمها-أي الحصانة من الاعتقال ما بقي تحت سقفها.
وحاول القانون كبح الجريمة بتشديد العقوبة أكثر مما حاولها بكفاية الشرطة. فقد نصت قوانين بندكت الرابع عشر الرحيم على عقوبات التجديف بالجلد، فإذا تكررت الجريمة ثلاث مرات كان عقابها التشغيل خمس سنوات في سفن الأسرى والعبيد. وكان السطو على دير الراهبات ليلاً جناية كبرى، أما مغازلة امرأة شريفة أو معانقتها علانية فعقابه التشغيل المؤبد على هذه السفن. وكان تشويه السمعة الخلقية، حتى إذا لم يحتو غير الصدق يعاقب بالإعدام ومصادرة الممتلكات. (ومع ذلك لم يقلل هذا من المقطوعات الهجائية). ومثل هذه العقوبة فرضت على حمل الطبنجات المخبأة. على أن الجناة كانوا في كثير من المناطق يتفادون هذه الأوامر بالفرار إلى دولة مجاورة أو بفضل رحمة القاضي، أو الاحتماء بالكنيسة. ولكن العقوبات كانت تنفذ بصرامة في حالات عديدة. من ذلك أن رجلاً شنق لادعائه أنه كاهن، وآخر لسرقة ثوباً كهنوتياً باعه بفرنك وربع، وثالث ضرب عنقه لكتابته خطاباً أتهم البابا كلمنت الحادي عشر بعلاقة غرامية مع ماريا كلمنتينا سوبيسكا(32). وإلى تاريخ متأخر (1762) كان السجناء تحطم أجسادهم على دولاب التعذيب، عظمة بعد عظمة، أو يسحلون على الأرض في ذيل حصان مهموز. على أن من واجبنا أن نضيف جانباً أكثر إشراقاً على الصورة، هو أن بعض الجماعات كانت تجمع المال لدفع غرامات السجناء وتحريرهم. وغدا إصلاح القانون، سواء من حيث الإجراءات أو من حيث العقوبات، جزءاً طبيعياً من الروح الرحيمة التي أنجبها أبوان-حركة تنوير إنسانية، وأخلاقيات مسيحية تحررت من لاهوت قاس.
ومن مفاخر إيطاليا أن يصدر أقوى نداء يدعو لإصلاح القانون في هذا




صفحة رقم : 13367




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> القانون وبيكاريا


القرن عن شريف ميلاني. وقد كان هذا الشريف-تشزاري بونيزانا، مركيز بكاريا، نتاج اليسوعيين والفلاسفة الفرنسيين. ومع أنه وهب من الثراء ما يسمح له بحياة التبطل فإنه كرس نفسه بغيرة لا تفتر لحياة التأليف الفلسفي والإصلاح العملي. وقد أمسك عن مهاجمة دين الشعب؛ ولكنه تصدى رأساً للظروف الفعلية للجريمة والعقاب. وقد صدمه أن يرى قذارة السجون الميلانية التي كانت مرتعاً للأمراض، وأن يسمع من السجناء كيف ولم اعتادوا الإجرام وكيف حوكموا على جرائمهم. وأفزعه أن يكتشف مخالفات صارخة في الإجراءات القضائية، وألواناً من التعذيب الوحشي للمشبوهين والشهود، وضروباً من التعسف في الأحكام سواء بالتشديد أو التخفيف، وألواناً من القسوة الضاربة في العقاب. وحوالي 1761 انضم إلى بييتروفيري في جمعية سمياها "البونيات" (قبضات الأيدي)-نذرت نفسها للعمل والفكر معاً. وفي 1764 بدءا مجلة "المقهى" محاكاة لمجلة أديسون "سيكتير"، وفي ذلك العام نشر نيكاريا بحثه التاريخي "بحث في الجرائم والعقوبات".
وفي مستهل كتابه أعلن غي تواضع أنه يتأثر بخطى "روح القوانين" الذي ألفه "الرئيس الخالد" لبرلمان بوردو، فالقوانين يجب أن ترسي على العقل، ورائدها الأساسي ليس الانتقام من الجريمة بل حفظ النظام الاجتماعي، وينبغي أن تستهدف دائماً "أوفر سعادة موزعة على أكبر عدد(33)". هنا قبل بنتام بخمسة عشر عاماً، نجد المبدأ الشهير لأخلاقيات مذهب المنفعة. واعترف بكاريا بصراحته المعهودة بتأثره بهلفتيوس، الذي أورد الصيغة ذاتها في كتابه "في الروح" (1758). (وكان قد صدر في سلسلة فرانسس هتشسن "أفكار في الجمال والفضيلة" (1725).وقال بكايا أن توسع التعليم وتعميقه أملاً في الحد من الجرائم أصوب لمصلحة المجتمع من الالتجاء إلى عقوبات فد تحول شخصاً أجرم عرضاً من مخالطته المجرمين إلى مجرم عريق. فالواجب أن يكون لكل متهم الحق في محاكمة عادلة وعلنية أما قضاة أكفاء يتعهدون بالحياد والنزاهة.ويجب أن تقفو المحاكمة الاتهام سريعاً؛ وأن يكون العقاب متناسباً مع




صفحة رقم : 13368




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> القانون وبيكاريا


الضرر الواقع على المجتمع لا مع نية الفاعل. فضراوة العقوبة تولد ضراوة الخلق، حتى في الجمهور غير المجرم. أما التعذيب فيجب عد الالتجاء إليه إطلاقاً، فالمذنب الذي تعود على الألم قد يحتمله في تجلد وتفترض براءته، في حين قد يكره الألم بريئاً مرهب الأعصاب على الاعتراف بأي شيء فيحكم بأنه مذنب. ويجب ألا يسمح بعد بحماية الكنيسة للمجرمين، ويجب إلغاء عقوبة الإعدام.
وطبع الكتيب ست طبعات في ثمانية عشر شهراً، وترجم إلى اثنتين وعشرين لغة أوربية. وأشاد بكاريا بالترجمة الفرنسية التي قام بها مورلليه وقال أنها أفضل من الأصل. وقد شارك فولتير بمقدمة غفل من السم لتلك الترجمة؛ وأقر المرة بعد المرة بأثر بكاريا في جمهوره لإصلاح القانون. وبادرت معظم الدويلات الإيطالية إلى إصلاح قوانين عقوباتها. ولم يحل عام 1789 حتى كانت أوربا كلها تقريباً قد ألغت التعذيب. وتأثرت كاترين ببكاريا كما تأثرت بفولتير في إلغاء التعذيب في أملاكها. أما فردريك الأكبر فكان قد أنهاه فعلاً في روسيا(1740) إلا في حالات الخيانة.
وفي 1768 عين بكاريا في كرسي للقانون والاقتصاد أنشئ خصيصاً له في كلية البالاتين بميلان. وفي 1790 عين في لجنة لإصلاح القضاء في لمبارديا. وقد سبقت محاضراته عدة أفكار أساسية لآدم سمث ومالتامن في تقسيم العمل والعلاقة بين العمال ورأس المال، وبين السكان وكمية الطعام. وفيه بعثت "إنسانية" النهضة الأوربية من جديد في صورة التنوير في إيطاليا.




صفحة رقم : 13369




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات



4- مغامرات




أ - كاليوسترو


ولد جوزيبي بلسامو لصاحب متجر ببلرمو في 1743. ونضج مبكراً وسرعان ما أصبح لصاً بارعاً. وفي الثالثة عشرة قيد تلميذاً في دير




صفحة رقم : 13370




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


البنفراتيللي. وعين هناك مساعداً لصيدلي الدير، فتعلم كم قواريره ومحابيره وكتبه من الكيمياء والخيمياء ما يكفي لإعداد نفسه لاحتراف الشعوذة الطبية...ولما كلف بأن يقرأ حياة القديسين على الرهبان وهم يتناولون طعامهم، استبدل بأسماء القديسين أسماء أشهر مومسات بلرمو. وجلد عقاباً له، فهرب من الدير وانظم إلى عالم المجرمين السفلي، ودرس فن الأكل دون بذل العرق. واشتغل قواداً ومزوراً ومزيفاً للنقود، وقارئاً للبخت، وساحراً، ولصاً وأفلح في إخفاء آثاره بمهارة عجزت معها الشرطة عن إدانته إلا بالوقاحة.
فلما رأى نفسه مشبوهاً على نحو يضايقه، انتقل إلى مسينا، وعبر إلى ريدجو كالأبرياء، وجرب الفرص التي تتيحها نابلي وروما. وتكسب فترة بإدخال لمسات على نسخ الصور وبيعها على أنها من صنعه. ثم تزوج لورنتسا فيلكياني، وأثرى ببيع جسدها. وأنتحل اسم المركيز دي بللجريني، وأخذ نبيلته المكسبة إلى البندقية ومرسليا وباريس ولندن. ثم دبر أن تمسك زوجته بين ذراعي كويكري ثري؛ وعاشا على المال الذي ابتزاه نتيجة للخطة شهوراً. ثم غير اسمه إلى الكونت دي كاليوسترو، وتنكر بشوارب ولبس حلة كولونيل بروسي، وسمى زوجته من جديد بالكونتيسة سيرافينا. ثم عاد إلى بلرمو، وقبض عليه بتهمة التزوير، ولكن أفرج عنه تحت إلحاح منذر بالشر من أصحابه الذين روعوا القضاء.
وإذ بليت مفاتن سيرافينا لكثرة تداولها، فقد أخذ يطبق ما تعلم من كيمياء فجهز وباع العقاقير التي تضمن إزالتها التجاعيد وتأجيجها لنار العشق. ولما عاد إلى إنجلترا أتهم بسرقة قلادة من الماس وقضى فترة في السجن ثم انضم إلى جماعة الماسون وانتقل إلى باريس، وادعى أنه الرئيس الأكبر للماسون المصريين. وأكد لعشرات السذج أنه عثر على الأسرار القديمة لإعادة الشباب، الذي يمكن تحقيقه بعلاج يمتد أربعين يوماً تستعمل فيه المسهلات والمعرقات وغذاء من الجذور، والحجامة، والتيوصوفية(34). وكان كلما أفتضح أمره في مدينة مضى إلى غيرها؛ وأتصل بأسرها الفنية




صفحة رقم : 13371




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


بفضل طريقة المصافحة وخاتمه الماسونيين. وفي سانت بطرسبرج أشتغل طبيباً، وعالج الفقراء مجاناً؛ وأستقبله بوتمكين، ولكن طبيب كاترين الكبرى، وكان اسكتلندياً حاذقاً، حلل بعض أكاسير هذا الطبيب ووجدها فارغة لا قيمة لها. فسمح لكاليوسترو بيوم واحد يحمل فيه بضاعته ويرحل. وفي وارسو أفتضح أمره ثانية على يد طبيب آخر في كتيب سماه "نزع القناع عن كاليوسترو" (1780)، ولكن قبل أن يدركه كان قد انطلق إلى فيينا وفرانكفورت وستراسبورج. وهناك سحر الكردينال الأمير لوي-رينيه-إدوارد روهان، الذي وضع في قصره تمثالاً نصفياً لزعيم الماسون الأكبر كتب عليه "كاليوسترو المقدس" وأتى به الكردينال إلى باريس، وتورط النصاب الكبير على غير قصد منه قصة القلادة الماسية. فلما انكشفت هذه الخدعة زج بكاليوسترو في الباستيل؛ ولكن سرعان ما أفرج عنه لبراءته، ولكنه أمر بمغادرة فرنسا(1786). فوجد زبائن جدداً في لندن. وزار جوته أثناء ذلك أم كاليوسترو في صقلية وأكد لها أن ولدها الذائع الصيت قد أطلق سراحه وأنه في مأمن(35) .
وفي لندن حيث تكاثر المشككون في أمره انتقل الكونت والكونتيسة إلى بازل وتورين وزوفبريتو وترنت، يشتبه فيهما في كل بلد ثم يطردان. وتوسلت إليه سيرافينا أن يأخذها إلى روما لتصلي عند قبر أمها، فوافق الكونت. وفي روما حاولا أن يقيما محفلاً لماسونيته المصرية، فقبضت عليهما محكمة التفتيش (29 ديسمبر 1789)، واعترفا بأنهما دجالان نصابان، فحكم على كاليوسترو بالسجن مدى الحياة، وأنهى أيامه في قلعة سان ليو قرب بيزارو في 1795 وقد بلغ الثانية والخمسين. وهكذا كان هو أيضاً جزءاً من صورة القرن المستنير.


ب- كازانوفا


أضاف جوفاني ياكوبو كازانوفا لقب "دي سينجالت" الفخم لاسمه




صفحة رقم : 13372




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


بتفنيط عشوائي للأبجدية، باعتبار هذا اللقب تشريفاً يفيد في أبهر الراهبات وتحدى حكومات أوربا. ولد لممثل وممثلة في البندقية عام 1725، وظهرت عليه منذ طفولته أمارات النشاط الذهني. تتلمذ لاحتراف القانون، وزعم أنه نال الدكتوراه في جامعة بادوا وهو في السادسة عشرة. وعلينا في كل خطوة من "مذكراته" الشائقة أن نكون على حذر من شطط خياله، ولكنه يقص قصته بصراحة يدين بها نفسه إدانة تحملنا على تصديقه حتى ونحن نعلم أنه يكذب.
وبينما كان في بادو حقق أول غزواته-وهي بتينا، "فتاة حلوة في الثالثة عشرة" وأخت لمعلمه الكاهن الطيب جوتسي. فلما مرضت بالجدري عني بها كازانوفا وأصيب بالمرض. ويزعم في روايته أن أعمال الرحمة التي كان يقوم بها كانت تعدل غزواته الغرامية. وحين ذهب في شيخوخته إلى بادو لآخر مرة ،"ألفيتها عجوزاً، مريضة، فقيرة، وقد ماتت بين ذراعي".(37) وكل عشيقاته تقريباً يصورهن مغرمات به إلى النهاية.
على أنه عانى من فقر مذل رغم درجته القانونية. مات أبوه، وكانت أمه تمثل في مدن بعضها وصل في بعده حتى سانت بطرسبورج، وتنساه عادة. وكسب بعض المال من عزف الكمان في الحانات والشوارع. ولكنه وهب القوة كما وهب الوسامة والشجاعة. فلما أصيب السناتور البندقي زوان براجادينو (1746) بالنقطة وهو يهبط السلم، احتمله ياكوبو بين ذراعيه وأنقذه من سقطة فجائية. وبعدها بسط عليه السناتور حمايته في مآزق كثيرة وزوده بالمال لزيارة فرنسا والنمسا. وفي ليون انضم إلى الماسون الأحرار، وفي باريس "أصبحت رفيقاً، ثم رئيساً للطائفة". (ونحن نلحظ في شيء من الدهشة قوله "في زمني لم يكن في فرنسا من يعرف كيف يبالغ في الأسعار")(38).
وفي 1753 عاد إلى البندقية، وسرعان ما لفت نظر الحكومة باحترافه السحر والتنجيم. وبعد عام أبلغ محقق رسمي مجلس الشيوخ عنه فقال:




صفحة رقم : 13373


قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


لقد أفلح في التسلل إلى قلب الشريف زوان براجادينو.... وابتز ماله ابتزازاً باهظاً..... وقد أخبرني بنديتو بيزانو أن كازانوفا بسبيله إلى أن يصبح فيلسوفاً قبلانياً وأنه يحاول التكسب بالحجج الزائفة يموه بها في مهارة على عقول ضحاياه.....وقد أمكنه.....إقناع براجادينو بأن في استطاعته استحضار ملاك النور لينفعه.(39)
ويضيف التقرير أن كازانوفا قد بعث إلى أصحابه بكتابات تشي بحقيقته مفكراً ملحداً. ويقول كازانوفا "لقد وقر في نفسي سيدة تدعى مدام ممنو أنني أعلم ولدها مبادئ الإلحاد(40)".
"أن التهم التي وجهت إليّ تتعلق بالكرسي (البابوي) المقدس، والكرسي المقدس وحش ضارٍ من الخطر أن تمسه. وكانت هناك ظروف معينة...جعلت من الصعب عليهم حبسي في السجون الكنسية التابعة لمحكمة التفتيش، ولهذا السبب تقرر في النهاية أن تناط محكمة التفتيش الدولة "بمحاكمتي(41)".
ونصحه براجادينو بالرحيل عن البندقية، ولكن كازانوفا أبى. وفي الغداة قبض عليه، وصودرت أوراقه، وحبس دون محاكمة في البيومبي "ألواح الرصاص" هو اسم سجن الدولة البندقي نسبة إلى ألواح الرصاص المسقوف بها.
"حين جن الليل استحال على أن أغمض عيني لأسباب ثلاثة: أولها الفئران، وثانيها الطنين الرهيب الذي تحدثه ساعة كاتدرائية القديس مرقس التي كانت تدق وكأنها في حجرتي، وثالثها ألوف البراغيث التي أغارت على بدني تعضني وتلدغني وتسمم دمي بحيث أصابتني انقباضات عنيفة بلغت حد التشنجات"(42).
وحكم عليه بالسجن خمس سنين، ولكنه هرب بعد أن ظل رهين محبسه خمسة عشر شهراً (1757) بفضل سلسلة معقدة من الحيل




صفحة رقم : 13374




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


والمخاطرات والأهوال أصبحت روايته لها جزءاً من "عدة نصبه" في كثير من الأقطار.
فلما عاد ثانية إلى باريس اشتبك في مبارزة مع فتى يدعى الكونت نيكولا دلاتور دوقرن وأصابه بجرح، ثم شفاه بمرهم "سحري"، وكسب صداقته، فقدمه إلى عمة له غنية تسمى مدام دورفيه، كانت شديدة الإيمان بقوى السحر، ومؤملة أن تستعين بها على تغيير جنسها. واستغل كازونوفا سذاجتها، ووجد فيها وسيلة خفية للإثراء.
"إنني لا أستطيع وقد شخت الآن أن أرجع ببصري إلى هذا الفصل من حياتي دون أن أخمر خجلاً"(43). وهذا اتصل على مدى فصول كثيرة أخرى من كتابه. وأضاف إلى دخله بالغش في لعب الورق، وتنظيم يانصيب للحكومة الفرنسية، وبالحصول على قرض لفرنسا من الأقاليم المتحدة. وفي الرحلة من باريس إلى بوكسل قرأت كتاب هلفتيوس "في الروح" طول الطريق.(44) (ويقدم للمحافظين مثالاً مقنعاً من إنسان حر التفكير انقلب رجلاً فاسقاً وإن كانت المرحلة التالية هي العكس في أغلب الظن). وكان في كل محطة يلتقط خليلة، وفي كثير من المحطات يجد خليلة سابقة، وبين الحين والحين يقع مصادفة على ذرية له لم يقصد إنجابها.
وزار روسو في مونمورنسي، وفولتير في فرنيه (1760) وقد سبق أن استمتعنا بشطر من ذلك الحديث الخاص بينهم. وإذا جاز لنا أن نصدق كازانوفا، فإنه اغتنم الفرصة ليوبخ فولتير على فضحه سخافات الميثولوجيا الشعبية:
كازانوفا: هيك نجحت في القضاء على الخرافة، فماذا تحل محلها؟
فولتير: يعجبني هذا! حين أخلص البشرية من وحش ضار يفترسها، أتسألني ماذا أحل محله ؟




صفحة رقم : 13375




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


كازانوفا: إن الخرافة لا تفترس البشرية، بل أنها على العكس ضرورية لوجودها.
فولتير: ضرورية لوجودها! ذلك تجديف مخيف. إنني أحب البشر، وأود أن أراهم أحراراً سعداء مثلي. والخرافة والحرية لا يمكن أن يسيرا يداً بيد. أتظن أن العبودية تؤدي إلى السعادة؟
كازانوفا: إن ما تريده إذن هو سيادة الشعب؟
فولتير: معاذ الله! يجب أن يكون للجماهير ملك يحكمها.
كازانوفا: في هذه الحالة تكون الخرافة ضرورية، لأن الشعب لن يعطي رجلاً هو مجرد إنسان حق حكمه...
فولتير: أريد ملكاً يحكم شعباً حراً، ويلتزم قبله بشروط متبادلة تمنع أي ميل من جانبه للاستبداد.
كازانوفا: يقول أديسون أن هذا الملك...يستحيل وجوده. وأنا متفق مع هوبز. فعلى المرء أن يختار من الشرين أقلهما ضرراً. والأمة التي تحررت من الخرافة هي أمة من الفلاسفة والفلاسفة لا يعرفون كيف يطيعون. وما من سعادة ترجى لشعب لا يسحق ويذل ويظل مصفداً بالقيود.
فولتير: هذا شنيع! وأنت فرد في الشعب!...
كازانوفا: إن العاطفة المسيطرة عليك هي حبك للبشرية. وهذا الحب يعميك. أحب البشرية، ولكني أحبها كما هي. فالبشرية ليست قابلة للمزايا التي تود أن تغدقها عليها، فهذه المزايا لن تزيدها إلا تعاسة وانحرافاً.....
فولتير: يؤسفني أن يكون لك هذا الرأي السيئ في إخوانك في الإنسانية(45).
وكان كازانوفا يشق طريقه أينما ذهب إلى بيت من البيوت الأرستقراطية،




صفحة رقم : 13376




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


لأن الكثير من النبلاء الأوربيين كانوا ماسوناً، أو روزيكروشيين أو مدمنين على علوم السحر. وهو لم يقتصر على ادعاء العلم الغيبي في هذه الميادين، بل أضاف إلى دعواه القوام الممشوق، والوجه المتميز (وإن لم يكن وسيماً) والتمكن من اللغات، وتأكيد الذات الخداع، ومعيناً من القصص والفكاهات، وقدرة خفية غامضة على الكسب في لعب الورق أو ألعاب الكازينوات. وكان حيثما ذهب يساق عاجلاً أو آجلاً إلى السجن أو حدود البلاد. واضطر بين الحين والحين إلى الاشتباك في مبارزة، ولكنهم كالأمة في مراحل تاريخها لم يخسر قط.
وأخيراً غلبه الحنين إلى وطنه. وكان حراً في السفر أينما شاء في إيطاليا إلا في البندقية. والتمس الإذن مراراً بالعودة، وأخيراً منحه، وفي 1775 عاد إلى البندقية. واستخدمته الحكومة جاسوساً، وكان نصيب تقاريره الإهمال لاحتوائها على الكثير جداً من الفلسفة والقليل جداً من المعلومات، فرفت. وانتكس إلى عادات صباه وكتب هجاء للشريف جريمالدي، فأمر بأن يبرح البندقية وإلا واجه السجن مرة أخرى في "ألواح الرصاص". وفر إلى فيينا (1782)، ثم إلى سبا، ومنها إلى باريس.
وهناك التقى بالكونت فون فالدشتين، الذي أحبه فدعاه إلى العمل أميناً لمكتبته في قلعة دوكس بيوهيميا. وكانت فنون كازانوفا في العشق والسحر وخفة اليد قد وصلت إلى نقطة تقلصت فيها عائداتها، فقبل الوظيفة براتب ألف فلورين في العام. فلما وصل وتسلم منصبه، أحزنه أن يتكشف أنه أعتبر خادماً، وأن يتناول غداءه في قاعة الخدم. وفي دوكس أنفق أعوامه الأربعة عشر الأخيرة من عمره. وهناك كتب "تاريخ حياته" "أولاً لتخفيف هذا الركود الميت الذي يقتلني في بوهيميا الخاملة هذه...وقد استطعت بالكتابة عشر ساعات أو اثنتي عشرة كل يوم أن امنع الحزن الأسود من نهش قلبي المسكين وإتلاف عقلي"(46). وقد زعم الصدق المطلق في روايته،




صفحة رقم : 13377




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> مغامرات


وهي في كثير من الحالات تتفق والتاريخ في الهزء والسخرية، بيد أننا كثيراً ما نفتقر إلى إثبات صحة روايته، ولعل ذاكرته تداعت بينما قوي خياله. ولا نملك إلى القول بأن كتابه من أكثر مخلفات القرن الثامن عشر فتنة واستهواء للقارئين.
وقد عمر كازانوفا حتى ناح على موت النظام القديم فقال: "إيه يا فرنسا العزيزة الجميلة! البلد الذي كانت الأمور في تلك الأيام تجري فيه رخاء رغم أوامر الاعتقال الملكية، ورغم السحرة ورغم فقر الشعب! أي فرنسا العزيزة، إلام انتهى أمركِ اليوم؟ لقد أصبح الشعب ملكاً عليك، الشعب الذي هو أشرس الحكام قاطبة وأشدهم طغياناً"(47).
وهكذا في آخر أيامه، وهو 4 يونيو 1798، أختتم حياته في تقوى أتته في أوانه. "لقد عشت فيلسوفاً وهاأنذا أموت مسيحياً"(48). لقد حسب الفسق فلسفة، ورهان بسكال مسيحية.




صفحة رقم : 13378




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان



5- فنكلمان


ولننظر الآن إلى رجل مثالي على سبيل المقابلة بينت الأضداد.
وهذا الرجل الذي كان أعظم الشخصيات أثراً في تاريخ الفن في هذا العهد لم يكن فناناً بل دارساً كرس حياته الناضجة لدراسة تاريخ الفن، وحرك موته الغريب روح أوربا المثقفة. ولد في 9 ديسمبر 1717 بمدينة ستندال في براندنبورج. وكان أبوه الإسكافي يأمل أن يحترف ابنه حرفته، ولكن يوهان رغب في درس اللاتينية. وقد أدى نفقات تعليمه الباكر بالغناء. ثم تقدم سريعاً مدفوعاً بشوقه واجتهاده. فكان يعلم التلاميذ الذين تنقصهم الكفاية، ويشترى الكتب والطعام. فلما كف بصر معلمه كان يوهان يقرأ له، وراح يلتهم مكتبة أستاذه. وأجاد تعلم اللاتينية واليونانية، ولم يكن ميالاً إلى اللغات الأجنبية الحديثة. وحين سمع بأن مكتبة يوهان ألبرت فابريكوس الدارس الكلاسيكي الشهير ستباع بالمزاد لوفاته، سار 178 ميلاً من برلين إلى همبرج، واشترى روائع الكتب اليونانية واللاتينية، وحملها على كتفه عائداً إلى برلين(49). وفي 1738 دخل جامعة هاله طالب لاهوت، ولم يكن به شغف باللاهوت، ولكنه اغتنم الفرصة




صفحة رقم : 13379




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


لدراسة العبرية. وبعد أن تخرج اكتسب قوته بتعليم التلاميذ الخصوصيين وقرأ مرتين كل قاموس بيل "القاموس التاريخي والنقدي". ولعل هذه القراءة خلفت بعض الأثر على إيمانه الديني. وفي عام واحد قرأ الألياذة والأوديسة ثلاث مرات من أولهما لآخرهما باليونانية.
وفي 1743 قبل دعوة ليكون مديراً معاوناً لمدرسة بزيهاوزن في ألتمارك، بمرتب قدره 250 طالراً في العام. وكان في النهار يعلم "أطفالاً جرب الرؤوس أبجديتهم. بينما كنت...أتحرق شوقاً لمعرفة "الجنين"، وأردد تشبيهات من هومر"(50). وكان في المساء يدرس لتلاميذه الخصوصيين ليحصل على نفقات مسكنه وطعامه، ثم يعكف على الروائع الكلاسيكية حتى منصف الليل وينام حتى الرابعة، ثم يعود إلى روائعه الكلاسيكية ثانية، ثم يخرج متعباً ليدرس. وقبل بابتهاج دعوة وجهها إليه الكونت فون بون بوناو ليكون مساعداً لأمين مكتبة في قصره الريفي بنوتهنتز، قرب درسدن، لقاء السكن وخمسين إلى ثمانين طالراً في العام (1748). هناك ألفى المتعة البالغة في مجموعة من أضخم مجموعات الكتب في ذلك العصر.
وممن كانوا يختلفون إلى هذه المكتبة الكردينال أركنتو، القاصد البابوي في بلاط ناخب سكسونيا. وقد راعه علم فنكلمان وحماسته، ونحوله وشحوبه. فقال له "ينبغي أن تذهب إلى إيطاليا". وأجاب يوهان أن هذه الرحلة غاية مشها قلبه، ولكن موارده تعجز عن نفقتها. ودعاه القاصد لزيارته بدرسدن، فذهب إليه مرات. وقد أبهجه تفقه اليسوعيين الذين التقى بهم في بيت القاصد وأدبهم. وعرض عليه الكردينال باسونيي-وكان يقتني 300.000 مجلد في روما-وظيفة أمين مكتبته هناك، لقاء السكن والمعيشة وسبعين دوقاتية، ولكن الوظيفة لا يمكن أن يشغلها غير كاثوليكي. ووافق فنكلمان على الدخول في الكاثوليكية. وإذا كان قد أعرب من قبل عن إيمانه بأنك "بعد الموت ليس هناك ما يخيفك، ولا ما تؤمل فيه"(51) فإنه لم يجد صعوبات لاهوتية في هذا التحول، وكل صعوباته كانت اجتماعية. وقد كتب إلى صديق لأمه يقول "إن حب




صفحة رقم : 13380




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


المعرفة، وهذا الحب وحده، هو الذي يستطيع إغرائي بالاستماع إلى الاقتراح الذي رض علي"(52) .
وفي 11 يوليو 1754، في مصلى القاصد في درسدن، أعلن إيمانه الجديد، واتخذت الترتيبات لرحلته إلى روما. ولأسباب شتى مكث في درسدن عاماً آخر، ساكناً دارساً مع الرسام-النحات-الحفار آدم وايزن. وفي مايو 1755 نشر في طبعة محدودة لم تتجاوز خمسين نسخة أول كتبه "خواطر في تقليد الآثار اليونانية في الرسم والنحت". وقد وصف فيه الآثار التي جمعت في درسدن، ورأى بالإضافة إلى هذا الوصف أن فهم اليونان للطبيعة كان أسمى من الفهم العصري لها، وهذا هو السر في التفوق الهليني في الفن. ثم اختتم بقوله "إن سبيلنا الوحيد إلى العظمة، بل إلى العظمة التي لا تحاكي...هو بمحاكاة القدماء"(56). ومن رأيه أن روفائيل دون جميع الفنانين المحدثين هو الذي حقق هذا الهدف الأسمى. وكان هذا الكتيب علامة بداية للحركة الكلاسيكية الجديدة في الفن الحديث. وقد لقي قبولاً طيباً، وأجمع كلويشتوك وجوتشيد على الإشادة بعلمه وأسلوبه. وحصل الأب رواخ، كاهن الاعتراف الخاص بفردريك أوغسطس، لفنكلمان من الملك الناخب على معاش من مائتي طالر لكل من العامين التاليين، وأعانه بثمانين دوقاتية لرحلته إلى روما. وأخيراً، في 20 سبتمبر 1755، انطلق فنكلمان إلى إيطاليا في صحبة يسوعي شاب. وكان قد بلغ السابعة والثلاثين.




صفحة رقم : 13381




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


فلما بلغ روما لقي عنتاً في جمرك المدينة الذي صادر عدة مجلدات لفولتير من حقائبه، على أنها أعيدت له بعد ذلك. ووجد سكناً من خمسة مصورين في بيت على التل الينسي-الذي قدسته ظلال بوسان وكلود لوران. والتقى بمنجز، الذي أعانه بشتى الطرق الكثيرة. وأطلق له الكاردينال باسيونيي في العمل بمكتبته، ولكن فنكلمان كان إلى الآن يرفض أي وظيفة ثابتة لرغبته في ارتياد فن روما. فحصل على إذن بزيارات متكررة لبلفيدير الفاتيكان وأنفق الساعات أمام تماثيل أبوللو، وهرقول النصفي، واللاوكون، واتخذت أفكاره شكلاً أوضح بعد تأمله في هذه المنحوتات. وزار تيفولي وفراسكاتي وغيرهما من الضواحي ذات الأطلال القديمة. وأكسبه حبه للفن القديم صداقة الكردينال الساندور الباني، وأعطاه الكردينال أركنتو مسكناً في البلاتسوديللا كانسلليريا-وهو المقر البابوي، وفي مقابل هذه المنحة أعاد فنكلمان تنظيم مكتبة القصر. وأصبح الآن في سعادة غامرة. قال "لقد كان الله مديناً لي بهذا، فأنني قاسيت كثيراً جداً في شبابي"(57). وكتب إلى صديق في ألمانيا كما كان يكتب عشرات الزوار الكبار:
"كل شيء صفر إذا قورن بروما! لقد ظننت فيما مضى أنني درست كل شيء دراسة كاملة، وهاأنذا أدرك بعد مجيئي أنني لم أعرف شيئاً. لقد أصبحت هنا أصغر مما كنت يوم خرجت من المدرسة إلى مكتبة بوناو. فإذا شئت أن تتعلم كيف تعرف الرجال، فهذا مكانك، هنا رؤوس ذات مواهب لا حد لها، رجال أوتوا قدرات فائقة، وآيات في الطابع الرفيع الذي خلعه اليونان على تماثيلهم...وكما أن الحرية التي يتمتع بها الناس في الدول الأخرى ليست إلا ظلاَ إذا قيست بحرية روما-وهو ما قد تخاله مفرقة-كذلك تجد في هذه المدينة أسلوباً مختلفاً في التفكير. فروما في اعتقادي هي المدرسة العليا للعالم، وأنا أيضاً امتحنت فيها وهذبت"(58).
وفي أكتوبر 1757 غادر روما قاصداً نابلي مزوداً بخطابات تعريف.




صفحة رقم : 13382




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


وسكن هناك ديراً ولكنه كان يتناول طعامه مع رجال كتانوكي وجالياني. وزار مدناً عابقة بأريج التاريخ القديم-بوتسولي، وبايا، وميزينوم، وكاوماي-ووقف مدهوشاً أمام هياكل بايستوم المهيبة. وفي مايو 1758 قفل إلى روما محملاً بذخائر العلم بالآثار. في ذلك الشهر استدعى إلى فلورنسة ليصنف ويوصف المجموعة الضخمة من الجواهر، والمحفورات، والخرائط، والمخطوطات التي خلفها البارون فليب فون ستوش. وشغلته المهمة قرابة عام وكادت تهدم صحته. ومات أركنتو أثناء ذلك، واجتاح فردريك الأكبر أرض سكسونيا، وفقد فنكلمان مسكنه في الكانسليريا ومعاشه من الملك الناخب التعس. وخف ألباني لنجدته إذ قدم له أربع حجرات وعشرة أسكوزات في الشهر لقاء العناية بمكتبته. وكان الكاردينال نفسه اثرياً متحمساً، وفي كل أحد كان يركب مع فنكلمان لتصيد التحف القديمة.
وأضاف فمكلمان جديداً إلى سمعته بإصداره كتيبات عميقة في هذه الموضوعات المفردة "في جمال الأعمال الفنية، ملاحظات على عمارة القدماء، وصف لتمثال هرقول النصفي في البلفدير، دراسة الآثار الفنية". وفي 1760 حاول ترتيب رحلة إلى اليونان مع الليدي أورفورد، زوجة أخي هوراس ولبول؛ ولكن الخطة أخفقت. كتب يقول "ما من شيء في الدنيا تقت إليه بحرارة كهذه الرحلة. وما كنت لأضن بإصبع من أصابعي تقطع، لا بل وددت أن أجعل من نفسي كاهناً لسيبيل (إلاهة الطبيعة) لو استطعت أن أشهد هذا البلد في فرصة كهذه"(50) أما كهنة سيبيل فكان الشرط فيهم أن يكونوا خصياناً، ولكن هذا لم يمنع فنكلمان من التنديد بأمر قديم للحكومة الرومانية يشترط تغطية الأعضاء الداخلية لابوللو واللاردكون وغيرهما من التماثيل في البلفدير بمآزر المعدن، وقد أعلن "إنه لم يشرع في روما طوال عهدها مثل هذه السنة الغبية".
وكان للإحساس بالجمال من السلطان عليه ما ألغى تقريباً كل وعي فيه بالجنس. فإذا شعر بتفصيل جمالي فإن تفضيله يؤثر جمال جسم الذكر المكتمل




صفحة رقم : 13383




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


الرجولة عن حلاوة المرأة الهشة العابرة. ويبدو أن تمثال هرقل النصفي (التورسو) قد أثر فيه أكثر مما أثرت خطوط جسد فينوس الناعمة الملفوفة. وقال كلمة طيبة في الخناثي-على الأقل في التمثال الذي شهده في فيللابورجيزي(60). وقال مؤكد "لم أكن في حياتي عدوا للجنس الآخر، ولكن أسلوب حياتي أبعدني عن كل اتصال به. ولعلي كنت أتزوج، وأكبر ظني أنه كان واجباً على أن أفعل، لو أنني عدت إلى زيارة وطني الأول، أما الآن فإن هذا لا يكاد يخطر لي ببال"(61). وفي زيهاوزن كانت صداقته لتلميذه لامبريشت تقوم مقام التعلق بالمرأة، وفي روما عاش مع رجال الكنيسة، وندر أن التقى بالشباب مع النساء. وذكروا "إنه كان يتناول العشاء في السبوت فترة طويلة مع فتى من روما، نحيل وسيم الطلعة، فارع القامة، يتحدث معه عن الحب"(62). وقد "رسمت بناء على طلبه صورة لمغن جميل من الخصيان"(63) ثم إنه أهدى للشريف الفتى البارون فريدرش راينهولد فون برج "رسالة في القدرة على الإحساس بالجمال"، "وقد وجد القراء فيها وفي خطاباته لبرج لغة الحب لا لغة الصداقة، وهي في الواقع كذلك"(64).
وفي 1762 و1764 عاد إلى زيارة نابلي. وقد قدم للدارسين الأوربيين قي "خطاب عن آثار هوكولانيوم" (1762) و"تقرير عن أحدث كشوف هوكولانيوم"(1764) أول معلومات منظمة وعلمية عن الكنوز التي تم الحفر عنها في تلك المدينة وفي بومبي. وكان الآن معترفاً به أعظم حجة في الفن الكلاسيكي القديم. وفي 1763 عين بالفاتيكان في وظيفة "أثرى الحجرة الرسولية" وأخيراً، في 1764، نشر المجلدات الضخمة التي كان يؤلفها ويحيلها بالصور طوال سنوات سبع Geschichte der Kunst des Alterthums "تاريخ الفن القديم". وقد أحتوى الكتاب على أخطاء كثيرة رغم ما أنفق في إعداده من وقت وجهد، واثنان من هذه الأخطاء كانا خدعتين قاسيتين. ذلك أن صديقه منجز كان قد درس رسمين هما وليدا خيال منجز وزعم




صفحة رقم : 13384




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


إنهما نسختان دقيقتان لصورة أثرية. وأدرج فنكلمان الصورتين في كتابه، واستعمل الرواسم وأهدى الكتاب كله لمنجز. وتضمنت المترجمات التي ظهرت سريعاً في الفرنسية والإيطالية كل الأخطاء تقريباً، مما أشعر فنكلمان بالخزي، فكتب إلى بعض أصحابه "إننا اليوم أحكم مما كنا بالأمس. ليتني أستطيع أن أريك كتابي "تاريخ الفن" وقد نقح تنقيحاً كاملاً ووسع توسيعاً كبيراً! لم أكن قد تعلمت الكتابة بعد حين شرعت في تأليفه فلم تكن الأفكار مترابطة بدرجة كافية، وفي مواضع كثيرة افتقار إلى الانتقال من السابق إلى اللاحق-وهو ملاك الفن الأسمى"(65). ومع ذلك أنجز الكتاب عملاً غاية في العسر-هو إجادة الكتابة في الفن. وقد رفعه حبه الشديد لموضوعه إلى مستوى الأسلوب الجميل.
وقد اتجه حرفياً إلى تاريخ الفن لا إلى الفنانين، وهو موضوع أيسر مأخذاً بكثير. وبعد أن مسح مسحاً متعجلاً الفن المصري والفينيقي واليهودي والفارسي والاتروري، أطلق العنان لحماسته الفياضة في 450 صفحة تناولت فن اليونان القديم. وفي فصول ختامية ناقش الفن اليوناني في عهد الرومان. وكان توكيده دائماً على اليونان لأنه كان مقتنعاً بأنهم عثروا على أسمى صور الجمال: في رهافة الخط لا في لمعة اللون، في تمثيل الأنماط لا الأفراد، في طبيعة الأجسام ونبلها، في انضباط التعبير العاطفي، في هدوء المظهر وصقله، في اطمئنان القسمات حتى في الحركة، وفوق هذا كلها في النسبة والعلاقات المتسقتين بين الأجزاء المتميزة في كل موحد توحيداً منطقياً. لقد كان الفن الإغريقي في رأي فنكلمان هو عصر العقل مجسماً.
وقد ربط تفوق الفن الإغريقي بالاحترام العظيم الذي كان الإغريق يكنونه بامتياز الجسد في الجنسين. "كان الجمال امتياز يقضي إلى الشهرة، لأننا نجد تواريخ الإغريق تذكر أولئك الذين تميزوا به"(66)، على نحو ما تفعل التواريخ الآن في ذكر كبار الساسة والشعراء والفلاسفة. وكانت هناك مباريات في الجمال عند الإغريق كما كانت مباريا للألعاب الرياضية. وعند فنكلمان أن الحرية السياسية، وتزعم اليونان لعالم البحر المتوسط




صفحة رقم : 13385




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


قبل حرب البلوبونيز، هذان أفضيا إلى مركب من العظمة والجمال، وأنتجا "الطراز الفخم" في فيدياس مكانه لبراكستليس، وبدأ الاضمحلال. وكانت حرية الفن جزءاً من الحرية اليونانية، وتحرر الفنانون من القواعد الصارمة وجزءوا على خلق أجساد مثالية لا توجد في الطبعة. فلم يقلدوا الطبيعة إلا في التفاصيل، وكان العمل الفني كله مجموعة كمالات لا توجد في أي شيء طبيعي إلا جزئياً. لقد كان فنكلمان رومانتيكياً يبشر بالشكل الكلاسيكي.
ولقي كتابه القبول في أوربا بأسرها باعتباره حدثاً في تاريخ الأدب والفن. وأرسل إليه فردريك الأكبر دعوة (1765) للحضور إلى برلين مشرفاً على المكتبة الملكية وإدارة الآثار. ووافق فنكلمان نظير ألفي طالر في العام، وعرض فردريك ألفاً فقط، وأصر فنكلمان على موقفه، وذكر فردريك بقصة المغني الخصي الذي طالبه بمبلغ ضخم نظير أغانيه، فشكا فردريك من أنه يطلب أكثر مما يكلفه خير قواده، فكان رد المغني "إذن فليكلف قائده بالغناء".
وفي 1765 عاد فنكلمان لزيارة نابلي، هذه المرة في صحبة جون ولكز الذي كان قد جعل أوربا تدوي بتحديه للبرلمان ولجور الثالث. وبعد أن جمع المزيد من المعلومات عاد إلى روما وأكمل كتابه الهام الثاني "آثار قديمة غير منشورة" (1767). وكان أصدقاؤه من الأحبار قد شكوا من كتابته "تاريخه" بالألمانية التي لم تكن إلى ذلك الحين أداة كبرى من أدوات الدرس فأبهجهم الآن استعماله الإيطالية، وانتشى المؤلف السعيد، الجالس بين كردينالين، بقراءة جزء من كتابه في كاستل جاندولفو على كلمنت الثالث عشر وجمع غفير من الأعيان. على أنه أتهم بحيازته كتباً مهرطقة وإبدائه ملاحظات(68)، ولم يحصل من البابوية قط على المنصب الذي شعر بأنه جدير به.




صفحة رقم : 13386




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


وقرر أن يزور ألمانيا (1768) ربما مؤملاً أن يحصل فيها على مورد يمكنه من رؤية بلاد اليونان. ولكن استغراقه الشديد في الفن الكلاسيكي وأساليب الحياة الإيطالية أفقده اللذة في وجوده بأرض الوطن، فتجاهل مناظرها الطبيعية وساءه معمارها وزخارفها الباروكية. وكان يردد مائة مرة لرفيق رحلته(69)، "لنعد إلى روما" وقد احتفى به القوم في ميونخ، وأهدوه جوهرة أثرية رائعة. وفي فيينا أعطته ماريا تريزا مداليات غالية، ودعته الإمبراطورة والأمير فون كاونتز للإقامة هناك، ولكنه ما لبث أن قفل إلى إيطاليا في 18 مايو وهو لم يكد يغيب عنها شهراً واحداً.
وفي تريستا تعطل انتظاراً لسفينة يستقلها إلى أنكونا. وأثناء أيام الانتظار هذه تعرف إلى مسافر آخر يدعى فرانشيسكون أركانجيلي. وكانا يتمشيان معاً ويشغلان حجرتين متجاورتين في الفندق. وسرعان ما أراه فنكلمان الميداليات التي تلقاها في فيينا. على أنه-على قدر علمنا-لم يريه كيسه المملوء بالذهب. وفي صبيحة 8 يونيو 1768 دخل أركانجيلي حجرة فنكلمان، ووجده جالساً إلى منضدة، فألقى أنشوطة حول عنقه، ونهض فنكلمان واشتبك معه، فطعنه أركانجيلي خمس مرات وفر هارباً. وضمد طبيب جروحه ولكنه قال أنها مميتة. وتناول فنكلمان الأسرار المقدسة، وأملى وصيته، وأعرب عن الرغبة في أن يرى مهاجمه ويصفح عنه، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة في الرابعة بعد الظهر. وقد خلدت تريستا ذكراه بتماثل جميل.
وقبض على أركانجيلي في 14 يونيو. فاعترف بجريمته، وفي 18 يونيو صدر عليه هذا الحكم: "عقاباً على جريمة القتل التي اقترفتها على جسد يوهان فنكلمان..قضت محكمة الجنايات الإمبراطورية بأن...تحطم حياً على دولاب التعليم، من رأسك إلى قدميك حتى تفارق روحك بدنك" وكذلك صنع به في 20 يوليو.
كانت عيوب فنكلمان وثيقة الصلة بالجغرافيا. فلأنه لم يحقق قط أمله في زيارة اليونان في ظروف كانت ستتيح له الدرس المستفيض للآثار القديمة،




صفحة رقم : 13387




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> فنكلمان


كان يفكر في الفن اليوناني وكأنه الفن اليوناني الروماني كما وجده في المتاحف والمجموعات والقصور في ألمانيا وإيطاليا، وفي إطلال هركو لانيوم وبوميي. وتفضيله النحت على التصوير، وتمثيل الأنماط لا الأفراد، والهدوء لا التعبير عن العاطفة، وإيثاره النسبة والتناسق، ومحاكاة القدامى دون الابتكار والتجريب. كل هذا فرض على الدوافع الخلاقة في الفن عدة قيود أسفرت عن الانتقاص الرومانتيكي على ما في الأشكال الكلاسيكية من الصرامة الباردة. وقد أعماه التركيز على اليونان والرومان عن حقوق الطرز الأخرى وإمكاناتها، وكان يرى-كما رأى لويس الرابع عشر-إن رسوم الحياة اليومية التي أنتجتها الأراضي الواطئة ليست إلا من قبيل "الجروتسك".
ومع ذلك كان إنجازه رائعاً. فقد أحدث انتفاضة في كل دنيا الفن والأدب والتاريخ الأوربي بتمجيده لليونان. ولقد جاوز حدود النزعة الشبيهة بالكلاسيكية التي نزعت إليها إيطاليا النهضة وفرنسا لويس الرابع عشر إلى الفن الكلاسيكي ذاته. ونبه العقل الحديث إلى ما في النحت اليوناني من كمال ناصع مطمأن. وجعل من فوضى مئات التحف الرخامية والبرونزية والصور والمجوهرات والعملات آثار علمية. وكان تأثيره على أفضل العقول في الجيل التالي هائلاً. فقد ألهم لسبخ، ولو بالاعتراض على آراءه، وشارك في إنضاج هيردر وجوته، ولعله لولا الإلهام الذي انبعث من فنكلمان لما توج بيرون شعره بالموت في بلاد اليونان. وقد أعان هذا الهلنستي الغيور على تشكيل مبادئ منجز ونورفالدسن الكلاسيكية الحديثة، وتصوير جاك-لوي دافيد الكلاسيكي الحديث. يقول هيجل "يجب أن يعد فنكلمان واحداً من أولئك الذين عرفوا في ميدان الفن كيف يخلقون أداة جديدة للروح الإنسانية"(70).




صفحة رقم : 13388




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفنانون



6- الفنانون


لم تكن إيطاليا في حاجة إلى حث يأتيها من فنكلمان، لأنها كانت تكرم أربابها، وكان فنها المتراكم يقوم في كل جيل بمهمة المدرسة التي تدرب مئات الفنانين من أقطار كثيرة. من ذلك أن كارلو ماركيوني صمم فيلا




صفحة رقم : 13389




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفنانون


الباني الفخمة (1758) التي جمع فيها الكردينال الباني بإرشاد فنكلمان مجموعة عالمية الشهرة من المنحوتات القديمة-لا تزال غنية رغم طول لعدوان عليها. (فقد سرق نابليون 294 من تحفها لفرنسا، وربما كان هذا هو العلة في قول إيطالي مأثورة في تلك الأيام: ليس كل الفرنسيين لصوصاً، بل عدد عديد منهم).
وأنجبت البندقية أكثر كبار المصورين الإيطاليين في تلك السنة، وقد ورث ثلاثة منهم أسماء مشهورة. أولها أليساندرو لونجي بن بييترو، الذي أبرز عبقرية قومه بصور شخصية رقيقة منها صورتان لجولدوني(71). ولقد رأينا من قبل دومنيكو تيبولو يصحب أباه إلى أوجزبورج ومدريد، ويعرض في تواضع تخصصه على عامة الشعب. ففي مضيفة فيلا فالمارنا أستهل إنتاجه المستقل بصور المشاهد اليومية في حياة الريف، فصورة "الفلاحين يستجمون" أشبه بالقصيدة الرعوية، تصور أدواتهم وقد سقطت عنهم، وتصور استرخاءهم في دعة واطمئنان. وبعد أن مات أبوه في أسبانيا عاد دومنيكو إلى البندقية وأطلق العنان لأسلوب الواقعية الساخرة الذي اتخذه لنفسه(72).
وثالث هؤلاء هو فرانشسكو جواردي، صهر جامباتستا تيبولا، الذي تعلم التصوير من أبيه، وأخيه، وكانا ليتو. وقد فاته التقدير في جيله، ولكن لوحته "فيدوتي" لفتت أنظار النقاد ببراعتها في التقاط ونقل لطائف الضوء وتقلبات الجو، وربما أوحى ببعض الإلماعات للتأثريين الفرنسيين. ولم ينتظر تحذير كونستابل الذي قال "تذكر أن الضوء والظل لا يقفان ساكنين أبداً"(74) وكأنما صممت أجواء البندقية ومياهها لتهيئ هذه المناظر المضببة المنصهرة. وقد ذكروا أن جواردي كان أحياناً يحمل مرسمه في زورق ويسير به على القنوات الصغرى ليلتقط مناظر لم تبتذل بطول إلف الناس لها. وكان يرسم الناس بغير عناية، وكأنه شعر بأنهم ليسوا سوى




صفحة رقم : 13390




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفنانون


تفاصيل سريعة الزوال إلى جوال المعمار المكين والبحر والسماء الدائمين رغم مل يطرأ عليهما من تغير. ولكنه كان قادراً على تصوير الناس أيضاً، فتراهم يزحمون البياتسيتا في لوحة "المهرجان(75)"، أو يسيرون في ثياب فاخرة في "صالة فيلارمونيتشي(76)" الكبرى. وكان أخوه جوفاني يعد أثناء حياتهما مصوراً أفضل منه. وكاناليتو أعظم من كليهما، أما اليوم فإن جواردي يعد بالبقاء بعد أن تخبو شهرة الاثنين.
وعاد أنطونيو روفائيل منجز من أسبانيا عام 1768، وسرعان ما أصبح قطب التصوير في روما. ولم يشك أحد في تفوقه على معاصريه من الفنانين. كانت الرؤوس المتوجة تسعى إلى ريشته. وتسعى إليها دون جدوى أحياناً. وكان فنكلمان يلقبه بروفائيل عصره، وأشاد بلوحته الرهيبة "جبل بارناس" "رائعة" خليقة بأن ينحني أمامها حتى روفائيل(77)، وضمن كتابه "تاريخ الفن القديم" تقديراً عظيماً لصديقه(78).
وأروع الصور التي رسمها منجز في هذه الفترة صورته الذاتية (1773؟)(79) ويبدو فيها وهو ما يزال قوياً وسيماً أسود الشعر معتزاً بنفسه في الخامسة والأربعين. وبعد أن أقام فترة ثانية في أسبانيا عاد (1777) ليقضي ما بقي له من أجل في إيطاليا. وواصل نجاحه، ولكن موت زوجته (1778) حطم روحاً كانت من قبل شديدة المرح. واجتمعت عليه شتى الأسقام فأضعفته، وأجهز عليه التجاؤه إلى المشعوذين والعلاجات السحرية. ومات عام 1779 وهو في الحادية والخمسين. وأقام تلاميذه لذكراه نصباً في البانتيون، إلى جوار تمثال روفائيل. واليوم لا تجد من يجل ذكراه من النقاد مهما صغر شأنه.




صفحة رقم : 13391




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى



7- الموسيقى


كانت موسيقى الكنيسة قد اضمحلت مع تحول الحياة شيئاً فشيئاً بعيداً عن الدين، ووصلتها العدوى من الأشكال الأوبرالية. وكانت موسيقى الآلات تزكو، من جهة بفضل التحسين الطارئ على البيانو، ولكن أهم




صفحة رقم : 13392




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 29-03-11, 09:39 مساء   رقم المشاركة : [397]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى


من ذلك لشعبية الكمان (الفيولينه) المتزايدة. وغزا كبار العازفين من أمثال يوفياني وفيوتي ونارديني أوربا بقوس الكمان. وطاف موتزيو كلمنتي، الذي غادر إيطاليا ليعيش في إنجلترا عشرين سنة، بالقارة عازفا على الأرغن والبيانو، ونافس موتسارت تعليقاً على عزفه أن هذا العزف آلي أكثر مما يجب. وكان أنجح معلم للبيانو في القرن الثامن عشر، وقد أرسى أسلوب القرن التاسع عشر في تكنيك البيانو بسلسلة تمارينه ودراساته الشهيرة "خطوات إلى بارناس" موطن ربات الفنون Muses اللاتي اشتقت منهن الموسيقية اسمها. وورث جاتيانو بونياني تفنن أستاذه تارتيني في عزف الكمان وأسلمه إلى تلميذه جوفاني باتستا فيوتي، الذي عبر أوربا من ألها لآخرها ظافراً. ومازال في استطاعة آذاننا المؤثرة للقديم أن تستمتع بكونشرتو كمان فيوتي في مقام الصغير.
أم لويجي بوكيريني فقد رحل كما رحل الكثير من الإيطاليين عن البلد اكتظ بالموسيقيين ليلتمس جمهوراً من المستمعين الخارج. وقد سحر أسبانيا من 1768 حتى مماته في 1805 بآلة التشيللو كما سحرها من قبل فارنيللي بصوته وسكارلاتي ببيانه القيثاري (الهاريسكورد). وعلى مدى جيل كامل كانت مؤلفاته الآلية تنافس مؤلفات موتسارت في ظفرها بالإشادة والإطراء من شتى الدول، وكان فردريك وليم الثاني ملك بروسيا، وهو نفسه عازف تشيللو، يفضل رباعيات بوكيريني على رباعيات موتسارت(80). وقد ألف خلال سنيه الاثنتين والستين خمساً وتسعين رباعية وتربة، وأربعاً وخمسين ثلاثية، واثنتي عشرة خماسية للبيانو، وعشرين سمفونية، وخمسة كونشرتوات للتشيللو، وأوراتوريوين، وبعض الموسيقى الدينية. ويعرف نصف العالم حكته "الكنويت" وهي حركة من إحدى خماسياته. ولكن يجب أن يعرف العالم كله الكونشوتو بمقام B الشديد الانخفاض الذي ألفه للفيولو منشيللو والأوركسترا.
واستسلمت أوربا دون مقاومة (فيما عدا باريس مرة أخرى) للغناء الإيطالي الجميل "الملعلع" (البيل كانتو). فمن أكثر من عشر من مدن




صفحة رقم : 13393




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى


الحذاء السحري تدفقت مغنيات الأوبرا من أمثال كاترينا جابر بيللي والمغنين الخصيان أمثال جسبارو باكييروتي عبر الألب إلى فيينا وميونخ وليبرج ودرسن وبرلين وسانت بطرسبورج وهمبورج وبروكسل ولندن وباريس ومدريد. وكان باكييروتي آخر الخصيان المشهورين في عالم الغناء، وقد نافس فن فارنيللي جيلاً بأكمله. واسترق أسماع لندن أربعة أعوام، ومازال إطراء الإنجليز له يتردد في "يومية"(81) فاني بيرني، وفي كتاب أبيها "تاريخ الموسيقى العام(82).
وتبع المؤلفون الموسيقيون وقادة الأوركسترا الإيطاليون المغنين. فألف بييتر جوليبمي مائتي أوبر، وتنقل بين نابلي ودرسدن وبرنزويك ولندن ليقودها. وقد انحدر إلينا ذكر موسيقى آخر من نابلي هو نيكولا بيتشيني، ولكنه ذكر شوهته منافسة لم يرغب فيها مع جلوك في باريس، ولكن جالياني وصفه بأنه "رجل شريف جداً(83)". وقد ظلت أوبراته الهازلة عقداً كاملاً للبدعة السائدة في نابلي وروما، لا بل إت أوبرا برجوليري "الخادمة التي انقلبت ربة البيت" لم تحظ بمثل الشعبية التي حظيت بها أوبرا بيتشيتي (1760). وكان جوميللي، وبرجوليزي، وليو، وجولبي قد لحنوا "أولبميادي" التي ألفها متاستازيو، فنهج بتشيني نهجهم وبزهم كلهم بإجماع الرأي. وفي 1776 قبل دعوة إلى باريس، أما الحرب الضارية التي تلت ذهابه إلى هناك فلابد أن تنتظر دورها الجغرافي، ولكن بتشيني سلك من أولها لآخرها مسلكاً غاية في المجاملة، مبقياً على صداقته مع منافسيه جلوك وساكيني رغم أن المتشيعين لهما هددوا حياته.(83) فلما أغرقت أحداث الثورة الفرنسية هذه الأوبرا الهازلة عاد بتشيني إلى نابلي. وهناك حددت إقامته في منزله أربع سنوات لتعاطفه مع فرنسا، وكانت أوبراته تقاطع بصيحات السخرية حتى توقف تمثيلها، وعاش في فقر يشين وطنه. وبعد أن فتح نابليون إيطاليا دعي إلى باريس مرة أخرى 1798، ومنحه القنصل الأول وظيفة شرفية متواضعة، ولكن أصابته بالشلل حطمته جسداً وروحاً، ومات في باريس عام 1800.




صفحة رقم : 13394




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى


أما أنطونيو ساكيني فقد ولد لأب كان صياد سمك في بوتسولي، وكان يدرب ليخلف أباه حين سمعه فرانشسكو دورانتي يغني، فانطلق به إلى نابلي تلميذاً ومحسوباً له. وقد أحتفى الجمهور بأوبراه "سمير أميدي" في التياترو أرجنتينو بروما احتفاء أبقاه مع ذلك المسرح سبع سنين مؤلفاً للأوبرات. وبعد أن أقام ردحاً في البندقية خرج ليغزو ميونخ وشتوتجارت...ولندن 1772. وصفق الجمهور لأوبراته هناك، ولكن الدسائس المعادية أضرت بشعبيته، وأتلفت عاداته الفاجرة صحته. ولما انتقل إلى باريس أخرج رائعته Oedipe a Colone (1786) التي احتلت خشبة الأوبرا طوال 583 عرضاً في السنوات السبعة والخمسين التالية، وفي وسعنا أن نسمعها إلى اليوم على الهواء من حين لحين. وقد اقتبس عدة إصلاحات مما أدخله جلوك، وأقلع عن أسلوب الإيطاليين في جعل الأوبرا تلفيقاً من الألحان، وفي أوديبي تسيطر القصة على الألحان، وتضفي الكوراس التي استلهمتها من أوبوراتوريوات هندل الجلال والعظمة على الموسيقى والموضوع كليهما.
واتصل الغزو الغنائي بأنطونيو سالييري، عدو موتسارت وصديق بيتهوفن الشاب. ولد قرب فيرونا، وأرسل وهو في السادسة عشرة إلى فيينا (1766)، وبعد ثماني سنوات عينه يوزف الثاني مؤلفاً موسيقياً للبلاط، وفي 1788 رئيساً لفرقة المنشدين. في هذه الوظيفة فضل مؤلفين آخرين على موتسارت، ولكن القصة التي زعمت أن هذه المعارضة سببت انهيار موتسارت ليست إلا خرافة(85). فبعد موت موتسارت صادق سالييري الابن وأعان على تطوره الموسيقي. وقد قدم بيتهوفن عدة مؤلفات لسالييري، وقبل اقتراحاته بتواضع لم يعهد فيه.
أما "ألمع نجم في سماء الأوبرا الإيطالية خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر(86)" فهو جوفاني بانيزيللو. كان أبناً لجراح بيطري في تارانتو، وقد أعجب معلموه اليسوعيين بصوته إعجاباً حملهم على إقناع أبيه بأن يوفده إلى معهد جماهير نابلي شديدي الحب لبتشيني، لذلك قبل دعوة وجهتها إليه كاترين الكبرى. وفي سانت بطرسبورج ألف (1782) Il Barbiere di Siviglia




صفحة رقم : 13395




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى


(حلاق إشبيلية)، وقد كتب لها من النجاح الخالد في أوربا كلها ما جعل الجمهور يلعن أوبرا عرضها نفس الموضوع بروما (5 فبراير 1816) الموسيقي روسيني لأنها تطفل غير كريم على أرض حرام لبايزيللو الذي كان لا يزال على قيد الحياة. وتوقف بايزيللو بفيينا في طريق عودته من روسيا عام 1784 فترة أتاحت له تأليف اثنتي عشرة "سمفونية" ليوزف الثاني، وأخرج أوبرا Il ne Teodoro "تيودور الملك" سرعان ما ظفرت بقبول عم كل أوربا. ثم عاد إلى نابلي رئيساً لفرقة المرتلين لفرديناند الرابع. وأقنع نابليون فرديناند بأن "يعيره" بازيللو، فلما وصل المؤلف إلى باريس (1802) أستقبل استقبالاً بلغ من الفخامة والبهاء ما أثار عداء الكثيرين. وفي 1804 قفل إلى نابلي تحت حماية جوزيف بونابرت ومورا.
ويجب أن نلاحظ في مرورنا مبلغ الصبر والأناة التي كان هؤلاء الإيطاليون يعدون بهما مستقبلهم المهني. فبايزيللو درس تسع سنين في معهد دورانتي الموسيقي "دي سان أو نوفريو"، وتشيماروزا درس إحدى عشرة سنة في معهد سانتا ماريا دي لورينو، ثم في نابلي. وبعد أن تتلمذ دومنيكو تشيماروزا طويلاً على يد ساكيني وبتثيني وغيرهما، أخرج أول أوبرا له Rtravaganze Del Cont "إسراف الكونت" وسرعان ما استمع الناس لأوبراته في فيينا ودرسدن ولندن. وفي 1787 ذهب بدوره إلى سان بطرسبورج حيث أبهج قلب القيصرة المزواج بأوبرا كليوباترة. وحين دعاه ليوبولد الثاني ليخلف سالييري رئيساً للمرتلين بفيينا، أخرج هناك أشهر أوبراته وهي "الزواج السري" (1792). وقد بلغ سرور الإمبراطور بها حداً جعله يأمر بعد انتهائها بتقديم العشاء لجميع الحاضرين، ثم أمر بإعادة الأوبرا كلها(87). وفي 1793 دعي ثانية إلى نابلي "رئيساً للمرتلين" لفرديناند الرابع. فلما خلع جيش من جيوش الثورة الفرنسية الملك (1799) رحب تشيماروزا بالحدث ترحيباً حاسماً، فلما رد فرديناند إلى عرشه حكم على تشيماروزا بالإعدام. ثم خفف الحكم إلى النفي. ويمم المؤلف شطر سانت بطرسبورج، ولكنه مات في الطريق بالبندقية (1801). واحتوت مخلفاته التي تركها بالإضافة إلى العديد من الكنتاتات، والقداسات،




صفحة رقم : 13396




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الموسيقى


والأوراتوريوات، نحو ست وستين أوبرا كانت تلقى استحساناً أكثر بكثير ما ظفرت به أوبرات موتسارت، وهي حتى في وقتنا هذا يجب أن تعد في مرتبة تالية لأوبرات موتسارت فقط في أوبرا القرن الثامن عشر الهازلة.
وإذا كانت الملوديا هي لب الموسيقى، فالموسيقى الإيطالية إذن أسمى الموسيقات. كان الألمان يفضلون التناغم متعدد الأصوات (الهارمونيا البوليفونيه) على الخط الميلودي البسيط. وفي هذه الناحية ظفرت إيطاليا بنصر آخر على ألمانيا حين أخضع الأماني موتسارت البوليفونيه للميلودية.ولكن الإيطايين غلبوا الميلوديا تغليبا جعل أوبراتهم أقرب إلى أن تكون سلسلة من الأغاني الرخيمة أكثر منها درامات موسيقية كالتي قصد إليها أوائل مؤلفي الأوبرا الإيطاليين (حوالي 1600) في محاولتهم منافسة فن الإغريق الدرامي. وهكذا نرى دلالة الحركة الإيطالية، بل دلالة الكلمات في حالات كثيرة، تضيع وسط بهاء الأغنية وروعتها وكان هذا جميلاً، ولكن إذا كان الفن كما اعتدنا أن نراه هو استبدال النظام بالفوضى للكشف عن المغزى أو الدلالة، فإن الأوبرا في الأيدي الإيطالية قصرت دون بلوغ أسمى إمكاناتها، وقد اعترف بهذا بعض الإيطاليين مثل جوميللي وتراييتا، وجهدوا لصب الموسيقى والتمثيلية في كل موحد، ولكن ذلك الإنجاز كان عليه ينتظر أوبرات جلوك ليحقق أنصع صوره. وهكذا توقف في بندول الحياة الغزو الإيطالي لأوربا بالميلوديا، حين أخرج جلوك عام 1774 في باريس "أفحبيني في أولدي" التي أخضعت الموسيقى للتمثيلية. ولكن الصراع بين الميلوديا والدراما أتصل، وكسب فاجنز معركة للدراما، واستولى فردي على غنائم جديدة للميلوديا. وليت النصر الكامل لا يتحقق لأي من الفريقين.




صفحة رقم : 13397




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري



8- الفييري


لم ينجب هذا العصر رجلاً على شاكلة دانتي، ولكن كان هناك باريني في الشعر وفيلانجييري في النثر، والفييري في الدراما والنثر والشعر.
ولقد شق جوزيبي باريني طريقه صعداً من الفقر، وكسب قوته بنسخ




صفحة رقم : 13398




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


المخطوطات، ودخل دنيا النشر (1752) بديوان صغير من "الشعر المنثور" واحترف القسوسة وسيلة للعيش، وحتى بعد هذا اضطر لكسب قوته بإعطاء الدروس الخصوصية لأن إيطاليا اكتظت بالقساوسة. وأرهف الفقر قلمه فاتجه إلى الهجاء. وتأمل في حياة الكثير من نبلاء الإيطاليين العاطلة المترفة فخطر له أن يصف يوماً نموذجاً في حياة شريف ذي "دم أزرق". وفي 1763 أصدر أول جزء سماه (الصباح)، وبعد عامين أضاف (الظهيرة)، ثم أكمل الجزء الثالث الذي لم يعش لينشره (المساء) و(الليل)، وهي في مجموعها تؤلف هجائية ضخمة سماها "اليوم" Il Giorno وأبدى الكونت فوني فيرمان نبلاً حقيقياً بتعيينه القس الشاعر محرراً لجازيته ميلان، وأستاذاً للآداب البحتة في "السكولا بالاتينا" ورحب باريني بالثورة الفرنسية، وكافأه نابليون بعضوية مجلس مدينة ميلان. والقصائد الغنائية التي نظمها بين 1757 و1795 تدع من عيون الأدب الإيطالي الصغيرة. و لا يصلنا بالترجمة إلا صوت خافت منه، كما نسمعه في هذه السوتينته التي توحي بأن كاتبها عاشق لا قسيس:


إيه أيها الكرى الرحيم، يا من تشق بجناحك الرقيق




طريقك الهادئ متعجلاً في الليل البهيم




وتتراءى بالأحلام الكثيرة السريعة




للنفس المضناة على فراشها الساكن:




أذهب إلى حيث تضع "فيليس" رأسها اللطيف




وخدها النضر على الوسادة الهادئة،




وبينما يرقد جسدها روع روحها




برؤيا جسم كئيب خلقته بسحرك،




وليكن شديد الشبه بي،




شوه الشحوب وجهه،




حتى تستيقظ وقد هزها الحنان علي.






صفحة رقم : 13399




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري




إنك لو تفضلت عليّ بهذا الصنيع،




لجدلت لك إكليلاً مزدوجاً من الزهر




ووضعته في سكون على مذبحك(88)


ولنضف إلى هذه الباقة من الزهر زهرة من التنوير الإيطالي هي فقرة كتاب جايتانو فيلانجييري "على التشريع" La Seienza Della Legislazione، (1780- 85)، استوحاها من بكاريا وفولتير.
"ما ينبغي أن يكون الفيلسوف مخترعاً للمذاهب بل رسولاَ للحقيقة، وما دامت الشرور التي ابتليت بها البشرية قائمة بغير شفاء، وما دام مسموحاً للخطأ والتحيز بأن يخلدا هذه الشرور، وما دامت الحقيقة مقصورة على القلة وعلى المميزين، محجوبة عن معظم النوع الإنساني وعن الملوك، فسيظل واجب الفيلسوف أن يبشر بالحقيقة، وأن يحافظ عليها ويشجعها، وينيرها. وحتى إذا كانت الأضواء التي ينشرها لا تفيد في جيله وقومه، فإنها لا شك ستفيد في بلد وجيل آخرين. فالفيلسوف- ذلك المواطن في كل مكان وزمان- أمامه الدنيا كلها وطناً، والأرض مدرسة، والأجيال القادمة تلاميذ"(89).
وقد لخص العهد كله في الفييري: فالإنتقاض على الخرافة، وتمجيد الأبطال الوثنيين، والتنديد بالاستبداد، والإشادة بالثورة الفرنسية، والنفور من شططها والصيحة المطالبة بتحرير إيطاليا- كل هذا مضافاً إلى قصة غرام حرام ووفاء نبيل. وقد سجل هذه الحياة المشبوهة في "حياة فيتوريو الفييري...وكتوبة بقلمه، موصولة إلى ما قبل موته بخمسة أشهر. وهي من أعظم التراجم الذاتية، لا تقل كشفاً عن نفس صاحبها عن "اعترافات" روسو. ويستهلها بعبارة يلقي القارئ أمامها السلاح: "إن حديث المرء عن نفسه، وأكثر منه الكتابة عن نفسه- إنما هو دون أدنى شك وليد المحبة الفائقة التي يحبها المرء لذاته، وبعدها لا يتوارى الكاتب خلف قناع من التواضع ولا تند عنه أمارة على عدم الأمانة:




صفحة رقم : 13400




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


"ولدت في مدينة أسني بييدمونت في 17 يناير 1749 لأبوين شريفين ثريين محترمين. وأنا أذكر هذه الظروف على أنها ظروف سعيدة للأسباب التالية. فقد خدمن شرف المولد خدمة كبرى،..لأنه مكنني من أن أذم النبالة لذاتها دون أن أتهم بالدوافع الدنيئة أو بدافع الحسد، وأن أميط اللثام عن حماقاتها، ورذائلها، وجرائمها...أما الثراء فعصمني من قبول الرشوة، وأطلق حريتي في خدمة الحق دون سواه"(90).
ومات أبوه وهو طفل، وتزوجت أمه ثانية. وانطوى الغلام على نفسه، وأطال التفكير، وفكر في الانتحار في الثامنة ولكنه لم يهتد إلى أي طريقة مريحة. وتكفل به خال له وأرسله وهو في التاسعة ليتلقى العلم في أكاديمية تورين. وهناك تولى خادم خاص خدمته والسيطرة عليه بالعنف. وحاول معلموه أن يحطموا إرادته كأول مرحلة في تنشئته رجلاً، ولكن طغيانه ألهب كبرياءه وشوقه إلى الحرية "إن درس الفلسفة...كان من النوع الذي ينوم الطالب وهو واقف منتصباً"(91). على ـن موت خاله تركه المتصرف في ثروة عريضة وهو بعد في الرابعة عشرة.
وبعد أن حصل على موافقة ملك سردينيا التي كانت شرطاً للسفر خارج البلاد بدأ في 1766 جولة في أوربا استغرقت ثلاثة أعوام. ووقع في غرام نساء شتى، وعشق الأدب الفرنسي والدستور الإنجليزي. ودمرت قراءته لمونتسيكو وفولتير وروسو لاهوته الموروث، وبدأت كراهيته للكنيسة الرومانية- مع أنه بالأمس فقط لثم قدم كلمنت الثالث عشر "شيخ لطيف في جلال وقور"(92). وفي لاهاي شغف حباً بامرأة متزوجة، فابتسمت ثم انصرفت عنه، وعاد يفكر في الانتحار، وكان العهد عهد فرتر، والانتحار فكرة شائعة في الجو. ثم عاد ليكتشف أن الفكرة أشد جاذبية منها تنفيذا، فرجع إلى بيدمونت ولكنه شقي في جو ملؤه الخضوع السياسي والديني شقاء حمله على استئناف أسفاره (1769).
وجاب الآن أرجاء ألمانيا والدنمرك والسويد- حيث أحب الطبيعة كما يقول وأحب الناس وحتى الشتاء. ومنها إلى روسيا، فاحتقرها لأنه لم يرَ في




صفحة رقم : 13401




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


كاترين الكبرى إلا مجرمة متوجة، ورفض أن يقدم لها. ولم يسغ بروسية فردريك خيراً من إساغته روسيا، فهرول إلى هولندا التي أنتجت نهج الجمهورية في بسالة، وإلى إنجلترا التي كانت تحاول أن تعلم جوج الثالث أن يخلي بينه وبين شؤون الحكم. وقد أغوى زوجة رجل إنجليزي، وبارز، وجرح. ثم أصيب بعدوى الزهري في أسبانيا(93)، وعاد إلى تورين للعلاج (1772).
وفي 1774 تماثل للشفاء بالقدر الذي أتاح له الدخول في ثاني مغامراته الغرامية الكبرى، مع امرأة تكبره بتسع سنين. وتشاجرا ثم افترقا. وأزاحها من أحلامه بكتابة تمثيلية سماها "كليوبطرة"، وأي شيء أكثر إثارة من عضوية في حكومة ثلاثية، وملكة، ومعركة، وصل؟ وأخرجت التمثيلية بتورين في 16 يونيو 1775 "وسط تصفيق الاستحسان ليلتين متعاقبتين"، ثم سحبه لإجراء تعديلات فيها. وأخذ الآن يتحرق شوقاً إلى الشهرة غاية في النبل والسمو. وأعاد الآن قراءة بلوتارخ وعيون الأدب اللاتيني، ودرس اللاتينية من جديد ليغوص في مآسي سنيكا، وفي هذه القراءات وجد موضوعات وأشكالاً لدراماته. وعزم على استعادة الأبطال والفضائل القديمة كما استعاد فنكلمان الفن القديم.
وفي غضون هذا (1777) كان يكتب رسالته "في الطغاة". ولكنها احتوت من التهم الحادة للدولة والكنيسة ما جعله ينكص عن نشرها، فلم ترَ النور إلا في 1787. فقد كانت ملتهبة بغيرة أشبه بالغيرة الدينية:
"ليس الفقر الطاحن...ولا عطل الأرقاء الذي تتردى فيه إيطاليا، كلا، فما هذه هي الدوافع التي وجهت عقلي إلى الشرف الرفيع الحق، شرف تجريد قلمي للهجوم على الإمبراطوريات الزائفة. ذلك أن إلهاً ضارباً إلهاً مجهولاً، ظل يسوط ظهري منذ نعومة أظافري...إن روحي الحرة لن تجد سلاماً أو راحة حتى أكتب صفحات قاسية لهدم الطغاة"(94).




صفحة رقم : 13402




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


وهذا تعريفه للطغاة:
"كل الذين توسلوا بالقوة أو الحيلة- أو حتى بإرادة الشعب أو النبلاء- إلى القبض التام على أطراف الحكم ويعتقدون أنهم فوق القانون، أو هم كذلك...والطغيان هو الصفة التي يجب أن تنعت بها...أي حكومة يستطيع فيها الشخص أن المنوط بتنفيذ القوانين أن يضعها أو يقضي عليها أو ينتهكها أو يفسرها أو يعرقل سيرها أو يوقفها وهو في مأمن من العقاب"(95).
وعند الفييري أن الحكومة الأوربية كانت مستبدة باستثناء الجمهورية الهولندية والملكيتين الدستوريتين في إنجلترا والسويد. وقد أشاد بالجمهورية الرومانية متأثراً في ذلك بمكيافيللي، وراوده الأمل في أن الثورات ستقيم جمهوريات في أوربا عما قليل. ورأيه أن خير ما يستطيع أي وزير لطاغية مستبد أن يفعله هو أن يشجعه على ألوان من الطغيان تبلغ من الشطط ما يسوف الشعب إلى الثورة(96). والثورة في سنيها الأولى معذورة إذا لجأت إلى العنف لتمنع عودة الاستبداد إلى الحياة:
"وبما أن الآراء السياسية كالآراء الدينية لا يمكن تغييرها تغييراً كاملاً أبداً دون استعمال الكثير من العنف، لذلك كانت كل حكومة جديدة مضطرة لسوء الحظ إلى أن تعنف إلى حد القسوة، بل تظلم أحياناً حتى تقنع أو ربما تكره أولئك الذين لا يرغبون في التجديد ولا يفهمونه ولا يحبونه ولا يرتضونه"(97).
ومع أن الفييري كان نبيلاً، ولقبه الكونت دي كوتيميليا، فأنه أدان الأرستقراطية الوراثية لأنها شكل من أشكال الطغيان أو أداة من أدواته. وأدان بالمثل جميع الأديان المنظمة ذات السلطان. وقد سلم بأن "المسيحية أسهمت بقدر غير قليل في تلطيف العادات الشائعة بين جميع الناس"، ولكنه أشار إلى "الكثير من أعمال الوحشية الغبية الجاهلة" التي




صفحة رقم : 13403




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


ارتكبها الحكام المسيحيون "من قسطنطين"(98). ويمكن القول عموماً:
"إن الدين المسيحي يكاد لا يتفق والحرية...فالشعب، وحكمة التفتيش والمطهر، والاعتراف، والزواج الذي لا انفصام له، ورهبانية الكهنة- هذه هي الحلقات الست في السلسلة المقدسة التي تقيد السلطة الزمنية (الدولة) بقيود أوثق حتى لتزداد على الأيام ثقلاً وامتناعاً على التحطيم"(99).
وبلغ من مقت الفييري للاستبداد أنه نصح باجتناب الخلف أو الزواج إطلاقاً في دولة مستبدة. وبدلاً من أن ينجب أطفالاً، أخرج في خصوبة إيطالية مماثلة أربع عشرة مأساة بين 1775، و1783، كلها بالشعر المنثور، وكلها كلاسيكية بناء وشكلاً، وكلها يشب الطغيان بسخط خطابي، ويمجد الحرية باعتبارها أشرف من الحياة. فترى ميوله في "البازي" مع محاولة المتآمرين الإحاطة بلورنتسو وجوليانودي مديتشي، وفي "بروتس الأول" و "بروتس الثاني" لم يعف من اللوم تاركوين وقيصر، وفي "فليبو" كان بكل قلبه مع كارلوس ضد ملك أسبانيا، ولكنه في "ماريا ستواردا" (ماري ستيوارت) وجد في رؤساء العشائر الاسكتلندية من الطغيان أكثر مما في الملكة الكاثوليكية. فلما أنتقد على إخضاعه التاريخ لفكرته دافع عن نفسه بقوله:
"سيسمع الناس أكثر من لسان خبيث يقول...أنني لا أصور شيئاً إلا الطغاة في صفحات مفرطة الطول لا لطف فيها، وإن قلمي الدموي المنقوع في السلم يضرب دائماً على نغمة واحدة رتيبة، وأن ربة شعري الفظة لا تنهض إنساناً من العبودية الشريرة، بل تثير ضحك الكثيرين. ولكن هذه الشكاوى لن تحول روحي عن هدف بمثل هذا السمو، ولا تعوق فني مهما كان ضعيفاً غير كفء لتلبية حاجة بهذه الشدة. لا ولن يكون نصيب كلامي أن تبدده الرياح إذا ولد رجال صادقون بعدما يؤمنون بأن الحرية لا غنى عنها للحياة(100)".




صفحة رقم : 13404




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


وقد أولع بكونتيسة ألباني ولعاً لم يفقه إلا ولعه بالحرية وكانت ابنة جوستاف أدولف- أمير شتولبرج- جديرن فتزوجت (1773) الأمير تشارلز إدوارد ستيوارت، المطالب الشاب بعرش بريطانيا، الذي سمى الآن نفسه كونت ألباني. وقد انغمس هذا الذي كان فتى أنيقاً جداً يوم كان "الأمير الحلو تشارلي" في الشراب ومصاحبة الخليلات لينسى هزائمه. ولم يعقب هذا الزواج الذي رتبه البلاط الفرنسي، وكان زواجاً شيقاً، ويبدو أن الكونتيسة ذاتها لم تكن مبرأة من العيوب. وقد التقى بها الفييري في 1777، ورثى لها، ثم احبها. ولكي يكون قريباً منها، حراً في مساعدتها وتتبع تقلبات حظها دون أن يتكبد مشقة الحصول على إذن ملكي لكل خطوة عبر الحدود، تخلى عن مواطنه بيدمونت، ونزل عن معظم ثروته وضيعته لأخته، ثم انتقل إلى فلورنسا 1778. وكان الآن في التاسعة والعشرين من عمره.
واستجابت الكونتيسة لغرامه برقة وحذر مراعية كل أصول اللياقة. وفي 1780 حين أمست حياتها في خطر من جراء عنف زوجها السكير، اعتكفت في دير، ثم في بيت زوج أختها في روما. كتب الفييري يقول "بقيت في فلورنسا كأني يتيم مهجور، وعندها اقتنعت كل الاقتناع أنني بدونها لم أكن أوجد ولو نصف وجود، لأنني ألفيتني عاجزاً كل العجز تقريباً عن القيام بأي عمل جيد(101)". وما لبث أن ذهب إلى روما، حيث سمح له برؤية محبوبته بين الحين والحين، ولكن زوج أختها قاوم جهوده في الحصول على قرار بإبطال زواجها، مسترشداً بذلك في رأي القساوسة. (ومن هنا دفاعه الملتوني عن الطلاق "ديللا تيرانيدي(102)"). وأخيراً منعها زوج أختها من زيارة الكونتيسة، فغادر روما، وحاول أن يرفه عن نفسه بالأسفار والخيل- التي كانت "غرامه الثالث"، بعد الفنون و "سيدتي النبيلة". وفي 1784 حصلت عل انفصال شرعي، فانتقلت إلى كولمار في الألزاس. وهناك لحق بها الفييري، وبعدها عاشا




صفحة رقم : 13405




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


في رباط غير زوجي حتى أتاح لهما موت زوجها أن يتزوجا. وقد كتب الفييري عن حبه في نشوة تذكرنا بما كتبه دانتي في "الحياة الجديدة".
"هذا الحب المحموم- الحب الرابع والأخير،..كان يختلف عن علاقاتي الغرامية الثلاث السابقة. ففيها لم أجد نفسي منفعلاً بأي عاطفة ذهنية توازي وتمتزج بعاطف القلب. نعم كان هذا الحب أقل عنفاً وحرارة ولكنه أكثر استمراراً وأعمق تغلغلاً في الشعور والوجدان. وبلغ من قوة عاطفتي أنها...سيطرت على كل انفعال وخاطر فيّ، ولن تنطفئ في داخلي أبداً إلا بانطفاء الحياة نفسها. وقد وضح لي...أنني وجدت فيها امرأة حقة، لأنها بدلاً من أن تصبح كسائر المساء العاديات عقبة في طريقي إلى الشهرة الأدبية- امرأة تقدم الاهتمامات النفعية وترخص...أفكار المرء- وجدت فيها التشجيع والعزاء والقدوة الحسنة في كل عمل صالح. وإذا تبينت هذا الكنز الفريد وقدرته حق قدره، فأنني بذلت لها ذاتي باستسلام مطلق. ولا ريب في أنني لم أكن مخطئاً في هذا، لأنني الآن وقد مضى على حبي لها أكثر من اثني عشر عاماً...يزداد حبي لها كلما ذبلت تلك المفاتن العابرة (وهي ليست نفسها الباقية) بحكم الزمن. ولكن عقلي وقد تركز فيها يسمو ويرق، ويزداد حسناً كل يوم، وأما عقلها هي فأنني أجرؤ على القول بأن هذا يصدق عليها، وأن من حقها أن تستمد مني العون والقوة(103)".
وبهذا الحافز مضى يكتب المزيد من المآسي، وبعض الملاهي، وشيئاً من الشعر بين الحين والحين. وكان قد كتب خمس قصائد غنائية بعنوان Ameraca Libra. وفي 1788 انتقل الحبيبان إلى باريس، حيث أشرف الفييري على نشر مطبعة بومارشين في كيل على الراين لأعماله. وحين سقط الباستيل هلل الفييري للثورة وكله حماسة متقدة للحرية وقال أنها فجر عصر أسعد للبشر. ولكن سرعان ما قزز شطر الثورة وسرقها روحاً كان تصورها للحرية أرستقراطياً، روحاً تطالب بالتحرر من الغوغاء والأغلبيات ومن البابوات والملوك على حد سواء. ففي 18 أغسطس 1792 غادر هو والكونتيسة




صفحة رقم : 13406




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> وداعاً إيطاليا -> الفييري


باريس بما استطاعا حمله من مقتنياتهما في مركبتين فأوقفهما عند أبواب المدينة حشد يسألهما عن حقهما في مغادرته. يقول الفييري "قفزت من المركبة بين الغوغاء، ملوحاً بجوازات سفري السبعة وأخذت أصيح وأحدث ضجة.. وهو دائماً السبيل إلى التغلب على الفرنسيين(104)". وواصلا الرحلة راكبين إلى كاليه وبركسل، وهناك نما إليهما أن السلطات الثورية في باريس أمرت بالقبض على الكونتيسة. فهرعا إلى إيطاليا، واستقرا في فلورنسا. وكتب الفييري الآن Misogallo مضطرباً بنار الحقد على فرنسا و"حشد عبيدها أبناء السفاح"(105).
وفي 1799 استولى جيش الثورة الفرنسية على فلورنسا فلجأ الفييري والكونتيسة إلى فيللا في ضاحية حتى رحل الغزاة. وقد أضعفه وأشابه انفعال هذه السنين، فاعتقد في ختام ترجمته الذاتية التي كتبها عام 1802 وهو بعد في الثالثة الخمسين أنه شاخ. وأوصى بكل ممتلكاته للكونتيسة ثم مات بفلورنسا في 7 أكتوبر 1803 ودفن في كنيسة سانتا كروتشي. وهناك أقامت له الكونتيسة أثراً ضخماً من صنع كانوفا، وقد مثلت فيه إيطاليا تنوح فوق المقبرة. وقد ضمت إلى حبيبها هناك في 1824.
وتكرم إيطاليا الفييري باعتباره Il Vate d'Italia نبي الأحياء الذي حررها من الأغلال الأجنبية الكنيسية. وكانت دراماته على ما فيها من حدة ورتابة تقدماً منشطاً خلف ورائه المآسي العاطفية التي كانت تقدم للمسرح الإيطالي قبله. ومن تمثيلياته "فليبو" و "شاول" و"ميرا" أعدت روح إيطاليا نفسها لماتزيني جاريبالدي.
ولم يقتصر نشر الطغاة Della Tirannide في الخارج على كيل (1787) وباريس، بل طبع في ميلانو (1800) وغيرها من المدن الإيطالية في 1802 و1803 و1805 و1809 و1840 و1849 و1860، وأصبح لإيطاليا ما كان لفرنسا وإنجلترا وأمريكا كتاب يبين "حقوق الإنسان" (1750). وكان الفييري بداية الحركة الرومانسية في إيطاليا، بيرونا قبل بيرون، يبشر بتحرير العقول والدول من أغلالها. وبعده كان لزاماً على إيطاليا أن تتحرر.




صفحة رقم : 13407




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطورية الجديدة



الفصل الثالث عشر




حركة التنوير في النمسا




1756 - 1790




1- الإمبراطورية الجديدة


إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا أن كلمة "النمسا" إنما تدل على أمة، وقد تدل تجاوزاً على الإمبراطورية التي تزعمتها النمسا. فمن الناحية الشكلية كانت هذه الإمبراطورية حتى عام 1806 هي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي انتظمت ألمانيا وبوهيميا وبولندا والمجر وأجزاء من إيطاليا وفرنسا. بيد ا، الأهداف القومية أضعفت من الولاء للإمبراطورية إلى حد لم يبق معه الآن (1756) من هذه الأقطار سوى إمبراطورية نمساوية مجرية تظم النمسا وستيريا وكارنتيا وكارنيولا وتيرول والمجر وبوهيميا ومطرانيات كولونيا وتريير وماينز الكاثوليكية، وأشتاتاً متباينة من إيطاليا، ثم منذ 1713 الأراضي الواطئة النمساوية-التي كانت أسبانية فيما مضى-وهي على التقريب بلجيكا الحالية.
أما المجر التي كان يسكنها قرابة خمسة ملايين من الأنفس فكان يسودها نظام إقطاع فخور. فأربعة أخماس الأرض يملكه النبلاء المجريون ويفلحه الأقنان، ولم يقع عبء الضرائب إلا على الفلاحين وأهل المدن الألمان أو الصقالبة. وكان الإمبراطورية الجديدة قد ولدت شرعياً في 1687، حين تخلى النبلاء المجريون عن حقهم القديم في اختيار ملكهم واعترفوا بأباطرة الهابسبورج ملوكاً عليهم. ودعت ماريا تريزا كبار النبلاء المجريين إلى بلاطها متبعة استراتيجية البوريون، وأعطتهم المناصب والألقاب والأنواط، وهدأتهم حتى قبلوا القانون الإمبراطوري قانوناً لأملاكهم وفيينا عاصمة لهم. وكلفت الإمبراطورة في استجابة سمحة لوكاس فون هلد براند بعمل




صفحة رقم : 13408




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطورية الجديدة


تصميمات للمباني الحكومية في بودا؛ وبدأ العمل في 1769، ثم جدد في 1894 فأعطى العاصمة القديمة بناء من أروع المباني الملكية في العالم. وشيد أغنياء النبلاء المجريين القصور الريفية الفخمة على الدانوب أو في خلواتهم الجبلية منافسين في ذلك الملكة، فبنى الأمير بال أسترهاتي مقراً لأسرته في أيزنشتات (1663-72) وبنى الأمير ميكلوس يوزف أستراهاتي بطراز النهضة على نحو ثلاثين ميلاً قلعة أسترهاتي الجديدة (1764-66) التي ضمت 126 حجرة للضيوف، وردهتين كبيرتين للاستقبالات وحفلات الرقص، ومجموعة غنية من التحف، وعلى مقربة منها مكتبة بها 7.500 مجلد ومسرح به أربعمائة مقعد. ومن حول القصر حول مستنقع شاسع إلى حدائق زينت بالمغارات والمعابد والتماثيل، وجهزت بالصوبات وأشجار البرتقال والأرض المخصصة للوحوش والطيور البرية. يقول رحالة فرنسي "هذه القلعة لا يضارعها أي مكان في فخامتها-ربما باستثناء فرساي". وإليها أقبل المصورون والمثالون والممثلون والمغنون والعازفون، وهنا ظل هايدن جيلاً كاملاً يقود فرقته ويؤلف موسيقاه ويتوق للانطلاق إلى عالم أرحب.
أما بوهيميا-وهو اليوم القسم التشيكي من تشيكوسلوفاكيا-فلم تحظ بمثل هذا التفوق في عهد ماريا تريزا. وكانت قد انسحبت من التاريخ بعد حرب الثلاثين وقد حطم روحها القومي حكم أجنبي وعقيدة كاثوليكية فرضت على شعب عرف يوماً يان هوس وجيروم البراغي. وعانت الملايين الثمانية التي تسكنها من جراح الحرب في الصراع المتكرر الذي دارت رحاه بين روسيا والنمسا، وانتقلت عاصمتها التاريخية من يد إلى يد مراراً وتكراراً، إذا كانت ملكتها الغربية تنتقل من هزيمة إلى نصر إلى هزيمة. واضطرت بوهيميا إلى أن تقنع باستقلال في الثقافة والذوق، فنشأت مؤلفيها الموسيقيين أمثال جيورج بندا، وتفردت براغ باستقبالها الحار لأول عرض لأوبرا موتسارت "دون جوفاني" (1787)، التي لم تصب بعد ذلك في فينا غير إطراء فاتر كان أشبه بالذم منه بالمديح.
وأما في الأراضي الواطئة النمساوية فقد كان كفاح النبلاء المحليين




صفحة رقم : 13409




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطورية الجديدة


للاحتفاظ بسلطتهم التقليدية أنجح منه في بوهيميا، وسكيدر أيام "الإمبراطور الثائر" الأخيرة. وقد كان لتلك الأقاليم السبعة بالبانت (التي ضمت بروكسل، وأنتورب، ولوفان)، ولكسمبورج، وفلاندر، وهاينوت، ونامور، وجلدرز- تاريخ عريق جليل، وكان النبلاء الذين حكموا رعاياهم الملايين الأربعة شديدي الحرص على الامتيازات التي ثبتت لامتحان قرون كثيرة. وعرض المجتمع العصري أزياءه، وقامر بمكاسبه، وشرب أحياناً المياه المعدنية كما شرب الأنبذة في سبا في أسقفية ليبج المجاورة. وكان زهرة ذلك المجتمع في هذا العصر المير شارل-جوزف دلين، الذي وهبته بروكسل للعالم في 1735. وقد قام على تعليمه عدة أباء من الرؤساء الكاثوليك "لم يؤمن بالله منهم غير واحد"؛ أما هو نفسه فكان "متديناً أسبوعين"(1) في هذا البلد المغرق في الكثلكة. وقد أبلى بلاء حسناً في حرب السنين السبع وخدم يوزف الثاني مستشاراً وصديقاً حميماً، والتحق بالجيش الروسي في 1787؛ ثم رافق كاترين الكبرى في "مسيرتها" إلى القرم، وبنى لنفسه قطراً ريفياً فاخراً وقاعة للفنون قرب بروكسل، وكتب أربعة وثلاثين مجلداً من "المنوعات"؛ وأثار الإعجاب في النفوس-حتى نفوس الفرنسيين-بطباعه المهذبة، وأضحك أندية أوربا العالمية الطابع بظرفه وخفة دمه المشربة بالفلسفة .
هذه الإمبراطورية المعقدة؛ الممتدة من الكربات إلى الرين؛ هي التي دانت أربعين سنة لامرأة من عظيمات نساء التاريخ.




صفحة رقم : 13410




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا



2- ماريا تريزا


رأيناها من قبل في الحرب، وفيها لم تسلم إلا لفردريك وأبلت في السياسة الحربية، وفي اتساع النظرة وإلحاح الهدف، وفي الشجاعة تواجه الهزيمة.




صفحة رقم : 13411




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


قال فردريك عنها في 1752 "إذا استثنينا ملكة المجر وملك سرينيا (شارل إيمانويل الأول) الذي انتصرت عبقريته على تعليمه الرديء، لم نجد في ملوك أوربا وأمراءها كلهم غير معتوهين مشهورين(3). لقد فاقتها في فن الحكم إليزابث الأولى ملكة إنجلترا من قبلها، وكاترين الثانية قيصرة روسيا من بعدها ، ولم يفقها ملكات غير هاتين. وكانت في رأي فردريك "طموحاً محبة للثأر"(4). ولكن أكان يتوقع منها ألا تحاول استرجاع سيليزيا التي اغتصبها؟ أما الأخوان جونكور فرأيا فيها "ذهناً متوسطاً جيداً يرافقه قلب محب، وإحساساً سليماً بالواجب، وقدرات مذهلة على العمل، وحضوراً قوياً وجاذبية غير عادية...أماً حقيقية لشعبها"(5). وكانت غاية في اللطف مع كل من لم يهاجم إمبراطوريتها أو إيمانها؛ وعلى سبيل المثال نذكر استقبالها الحار لأسرة موتسارت في 1768(6). وكانت أماً فاضلة، ورسائلها لأبنائها نماذج في الرقة والمشورة الحكيمة، ولو أستمع إليها يوزف لما مات إنساناً فاشلاً، ولو أتبعت ماري أنطوانيت نصيحتها لكان من الجائز أن يُعفى رأسها من الجيلوتين.
لم تكن ماريا تريزا ملكة "مستبدة مستنيرة". فهي لم تكن مستبدة. وفي رأي فولتير "أنها وطدت ملكها في جميع القلوب بدماثة طبع وشعبية لم يؤتهما غير قلة من أسلافها، وقد ألغت المراسم والقيود من بلاطها...ولم ترفض مقابلة إنسان، ولم يبرح شخص حضرتها غير راضٍ"(7). ولم تكن قط مستنيرة بالمعنى الذي يقصده فولتير، فقد أصدرت المراسيم المتعصبة ضد اليهود والبروتستانت، وظلت كاثوليكية صادقة إلى النهاية، وشهدت في هلع تسرب الشكوك الدينية إلى فينا من لندن وباريس، وحاولت أن تصد هذا التيار بتشديد الرقابة على الكتب والدوريات، ومنعت تدريس الإنجليزية "لطابع هذه اللغة الخطر من حيث مبادئها الدينية والخلقية المفسدة"(8).
ومع ذلك لم تنجُ تماماً من تأثير ذلك العداء للأكليروس الذي كان يكنه مستشاروها وابنها. فقد ذكروا لها أن ممتلكات الأكليروس الإقليمية




صفحة رقم : 13412




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


وغيرها من أسباب الثراء تتزايد بسرعة نتيجة لتلميح الكهنة للمرضى المشرفين على الموت بأن في استطاعته التكفير عن آثامهم واسترضاء الله بالإيصاء ببعض الثروة للكنيسة، فإذا سارت الأمور على هذا المنوال فلابد أن يأتي قريباً ذلك اليوم الذي تصبح فيه الكنيسة-التي هي فعلاً دولة داخل الدولة-سيدة على الحكومة. وكانت أديرة الراهبات والرهبان تتكاثر فتقصي الرجال والنساء على الحياة الناشطة وتعفي المزيد من الثروة من الضرائب. وكان الصبايا يغرين بنذر أنفسهن للرهبنة قبل أن يبلغن السن التي يدركن فيها مغزى التكريس مدى الحياة وقد بلغ تسلط الأكليروس على التعليم حداً تشكل معه كل عقل نامٍ على أن يدين بولائه الأعلى للكنيسة لا للدولة. واستسلمت الملكة لهذه الحجج استسلاماً حملها على الأمر ببعض الإصلاحات الهامة. فحظرت وجود الكنسيين عند كتابة الوصايا. وأنقصت عدد المؤسسات الدينية، وأمرت بفض الضرائب على جميع الثروة الدينية. وحرمت النذر للرهبنة قبل سن الحادية والعشرين. وحظرت الكنائس والأديرة إيواء المجرمين بمقتضى "حق اللجوء". وأمرت بألا يعترف بأي منشور بابوي في المملكة النمساوية قبل أن يحصل على تصديق الإمبراطورة. واخضع ديوان التفتيش لإشراف الحكومة، لا بل أنه في الواقع ألغيً. وأعيد تنظيم التعليم تحت إدارة جوهارت فان سفيتن (طبيب الملكة) والأب فرانتس راوتنشراوخ، وأحل العلمانيون محل اليسوعيين في كثير من كراسي الأساتذة(9)، وأخضعت جامعة فيينا للإدارة العلمانية وإشراف الدولة، وروجت المناهج فيها وفي غيرها بهدف التوسع في تعليم العلوم والتاريخ(10). وهكذا سبقت الإمبراطورة التقية إلى حد ما الإصلاحات الكنسية التي سيقوم بها ابنه الشكاك.
وكانت مثلاً في الفضيلة في زمن نافست فيه قصور الدول المسيحية الآستانة في تعدد الزوجات. ولعل الكنيسة كانت مستخدمة إياها حجة وبرهاناً على فضل التمسك بالعقيدة لولا أن أغسطس الثالث ملك بولندا ولويس الخامس عشر ملك فرنسا وكلاهما كاثوليكي كان أشره العشاق




صفحة رقم : 13413




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


استكثاراً من النساء. ولم تقتد أرستقراطية فيينا بها. فقد فر الكونت أركو إلى سويسرا مع خليلته، وهربت الكونتسية أسترهاتسي إلى فرنسا مع الكون فون در شولنبورج، وكان الأمير فون كاونتي يصحب خليلته في تلك الفترة في مركبته، فلما عاتبته الإمبراطورة قال لها "سيدتي، لقد أتيت لأتحدث عن شؤونكِ لا عن شؤوني(11)" ونظرت ماريا تريزا باشمئزاز إلى هذا التحلل، وأصدرت مراسم قاسي لفرض الوصية السادسة على الشعب. وأمرت بتطويل تنانير النساء في أسفلها وقمصانهن في أعلاها(12). ونظمت جيشاً من ضباط العفة خولت لهم القبض على أي امرأة يشتبه في احترافها البغاء. وشكا كازانوفا من أن "تعصب الإمبراطورة وضيق عقلها جعل الحياة شاقة على الأجانب بوجه خاص(13)".
ويرجع الفضل في كثير من نجاحها إلى وزرائها الأكفاء. فقد قبلت إرشادهم وكسبت إخلاصهم. وظل المير فون كاونتز منوطاً بالشؤون الخارجية رغم فشل سياسته "قلب الأحلاف"، وقد أخلص في خدمة الإمبراطورية أربعين عاماً. وغير لودفج هاوجفتز من الإدارة الداخلية، وأعاد رودلف شوتك تنظيم الاقتصاد. هؤلاء الرجال الثلاثة أدوا للنمسا ما أداه ريشليو وكولبير من قبل لفرنسا، والواقع أنهم خلقوا دولة جديدة، أقوى بما لا يقاس من المملكة المختلة النظام التي ورثتها ماريا تريزا.
بدأ هاوجفتز بإعادة بناء الجيش الإمبراطوري. وكان يعتقد أن هذا الجيش انهار أما الانضباط البروسي لأنه كان مؤلفاً من وحدات مستقلة يجمعها ويقودها نبلاء شبه مستقلين، واقترح وأنشأ جيشاً ثابتاً قوامه 108.000 محارب يخضعون لتدريب موحد وإشراف مركزي. ولكي يمول هذا الجيش أوصى بفرض الضرائب على النبلاء والكهنة كما تفرض على العامة، واحتج النبلاء والكهنة، وتصدت لهم الإمبراطورة بشجاعة وفرضت عليهم ضريبة ملكية وضريبة دخل. وامتدح فردريك عدوته إدارية كفئاً، "لقد نظمت ماليتها تنظيماً لم يبلغه أسلافها قط، ولم تقتصر على تعويض




صفحة رقم : 13414




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


ما فقدته بالنزول عن أقاليم لملكي بروسيا وسردينيا بالإدارة الحسنة بل أنها زادت من دخلها زيادة كبيرة(14)". وواصل هاوجفتز جهوده لتنسيق القانون، وتحرير القضاء من تسلط النبلاء، ولإخضاع أمراء النبلاء لإشراف الحكومة المركزية. وأذيع في 1768 قوانين موحدة.
وكان شوتك يجاهد أثناء ذلك ليبث النشاط في الاقتصاد الخامل. فالصناعة كانت تعرقل مسيرتها الاحتكارات التي حابت النبلاء، ولوائح النقابات الحرفية التي ظلت سارية حتى 1774، على أن لنتز كلن بها رغم هذا مصانع للصوف تضم 26.000 عامل، وتفوقت فيينا في صناعة الزجاج والخزف الصيني، وتصدرت بوهيميا سائر أقطار الإمبراطورية في عمليات التعدين. وكان في النمسا والمجر مناجم منتجة، ففي غاليسيا رواسب ملحية كبيرة، وكانت المجر تستخرج من الذهب كل عام ما قيمته سبعة ملايين جولدن. وحمى شوتك هذه الصناعات بالرسوم الجمرجية، لأنه كان لزاماً أن يتحقق للنمسا، المشتبكة في حروب متكررة، اكتفاء ذاتي في السلع الضرورية، فالتجارة الحرة كالديمقراطية ترف لا يتأتى إلا في الأمن والسلام.
ومع ذلك ظلت الإمبراطورية زراعية إقطاعية. ذل أن الإمبراطورية شأنها في ذلك شأن فردريك، لم تجرؤ وهي تواجه الحرب على المجازفة بالتفسخ الاجتماعي الذي قد يحدث نتيجة لمهاجمة الإشراف الراسخين في امتيازاتهم. وقد ضربت المثل الطيب بإلغاء القنية في أراضيها، وفرضت على أعيان المجر المتغطرسين مرسوماً يخول للفلاح أن يتنقل ويتزوج ويربي أبناءه كما يشاء، وأن يستأنف أحكام سيده الإقطاعي أمام محكمة المقاطعة(15). على أن طبقة الفلاحين في المجر وبوهيميا كانت رغم هذه المسكنات في فقر قريب من فقر فلاحي روسيا. وكانت الطبقة الدنيا في فيينا تعيش في فقر تقليدي، بين القصور الباذخة والأوبرات المتقنة والكنائس الضخمة توزع الأمل على البشر.




صفحة رقم : 13415




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


وكانت فيينا بادئة في منافسة باريس وضواحيها في الأبهة الملكية. فكان قصر شونبرن (الربيع الجميل) الواقع خارج المدينة مباشرة يحوي 495 فداناً من الحدائق، مخططة (1753-75) على غرار فرساي، بسياجات شامخة مستقيمة، ومغارات غريبة وبرك متناسقة، وتماثيل بديعة من نحت دونر وبيير ومعرض وحوش وحديقة نباتات، وعلى رابية في خلفية "جلورييت" بناها في 1775 يوهان فون هوهنبرج-مبنى مقنطر معمد في طراز رومانيسكي خالص. أما قصر شونبرون ذاته، وهو مجمع ضخم من 1441 حجرة، فقد صممه يوهان برنهارت فشر فون أرلخ في 1965، ولكنه ترك ناقصاً في 1705. فكلفت ماريا تريزا نيكولوبا كاسي بتصميمه من جديد، واسئؤنف العمل فيه عام 1744 وأكمل عام وفاة الإمبراطورة (1780). وكان في داخله قاعة كبرى طولها 141 قدماً لها سقف روكوكي الطراز رسمه جريجوريو جولييلمي (1761). وكان قصر شونبرون مقراً للبلاط من الربيع إلى الخريف.
وبلغ عدد أفراد الحاشية الآن 2400. واقتضت رعاية الخيل والمركبات استخدم مائتين وخمسين سائساً وخادماً. وبلغت جملة نفقة صيانة القصر وملحقاته 4.300.000 وجولدن غب العام(16). أما الملكة ذاتها فقد مارست القصد في النفقة واعتذرت عن بهاء قصرها بضرورته لمراسم الحكم الملكي. وعوضت عن ذبح حاشيتها بسخائها في أعمال البر. ذكرت مدام دستال في معرض حديثها عن النمسا بعد جيل "إن عناصر البر هناك تنظم بكثير من الترتيب والسخاء، فالإحسان الخاص والعام يصرف بروح سامية من وكل شيء في هذا العدل...وكل شيء في هذا البلد يحمل طابع حكومة أبوية حكيمة متدينة(17)".
ولم يكد يوجد أثر للتسول رغم فقر الشعب، وكانت الجرائم قليلة نسبيا.(18) ووجد أفراد الشعب مسراتهم البسيطة في التزاور، واللقاء والاختلاط في الميادين، والابتراد في البساتين الوارفة الظلال والتمشي في




صفحة رقم : 13416




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


طريق البراتر الذي يحفه الشجر، والتنزه في الريف، أو-في أدنى طبقاتهم-طرب لمرأى المعارك الضارية تنظيم بين حيوانات تتضور جوعاً. وأجمل منه هذه الرقصات لا سيما المنويت التقليدية، ففي هذه الرقصة نادرا ما كان الرجل والمرأة يتلامسان، فكل حركة تحملها التقاليد والقاعدة، وتؤدي بانضباط ورشاقة. أما الموسيقى فكان نصيبها في حياة فيينا من البر بحيث تطالبنا بتناولها في فصل خاص بها.
وبالقياس إلى هذا كله كان الأدب ضعيفاً فجاً.فلم يكن للنمسا التي سيطرت عليها المقدسات نصيب في حركة "شتورم فوند درانج" التي أثارت ألمانيا. ولم تكن ماريا تريزا راعية للعلم ولا للأدب البحت. ولم يكن في فيينا صالونات أدبية، ولم يختلط المؤلفون والفنانون والفلاسفة بالنساء والنبلاء والساسة كما في فرنسا. لقد كان مجتمعاً ساكناً، فيه ما في أساليب العيش القديمة المحسوبة من سحر وراحة، أنقذ من ضجيج الثورة وعجيجها ولكن أعوزته فتنة الأفكار المتحدية. وكانت صحف فيينا الخاضعة لرقابة دقيقة عوائق غبية للفكر، وربما باستثناء "الفيير تسايتونج" التي أسست في 1780. أما مسارح فيينا فكان ديدنها الأوبرا للأرستقراطية والبلاط، أو الملاهي الغليظة لعامة الشعب. كتب ليوبولد موتسارت يقول إن "شعب فيينا في جملته لا يشعر بالحب لأي شيء جاد أو معقول، بل إن أفراده لا يفهمونه. وفي مسارحهم البراهين الوفيرة على أن الهراء المطلق دون غيره هو الذي يرضيهم-كالرقصات والمنوعات المسرحية الخفيفة (البرلسك) والتهريجات وحيل الأشباح وألاعيب الشيطان"(19). ولكن بابا مونسارت كان قد خيب أمله استقبال فيينا لولده.
هذا الخليط من الممثلين والموسيقيين والعامة والأقنان والبارونات ورجال البلاط والكنيسة حكمته الإمبراطورة العظيمة بسهر الأم واهتمامها الشديد. وكان زوجها فرانسوا اللوريني قد توج إمبراطوراً في 1745، ولكن مواهبه وجهته إلى التجارة لا الحكم. فنظم الصناعات، وزود الجيوش النمساوية بالحلل والخيول والسلاح، وباع الدقيق والعلف لفردريك




صفحة رقم : 13417




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> ماريا تريزا


بينما كان هذا مشتبكاً في حرب مع النمسا (1756)(20)، وترك إدارة الإمبراطورية لزوجته. على أنه في الأمور الزوجية كان يتشبث بحقوقه، وقد أنجبت له الإمبراطورة التي أحبته رغم خياناته ستة عشر طفلاً(21). وربتهم في محنة وصرامة، وأكثرت من تعنيفهم، وأعطتهم من جرعات الفصيلة والحكمة ما جعل ماري أنطوانيت تبتهج بالفرار إلى فرساي، أما يوزف فكان يتسلى بالفلسفة. ودبرت الخطط بمهارة لتحصيل على مراكز مريحة لأبنائها الآخرين، فجعلت ابنتها ماريا كارولينا ملكة على نابلي، وابنتها ليوبولد دوقاً أكبر لتسكانيا، وأبتها فرديناند حاكما على لمبارديا. وكرست نفسها لإعداد ولدها البكر يوزف للاضطلاع بالتبعات الجسام التي ستخلفها له، وراقبت في قلق تطوره أثناء التعليم والزواج، وزعزع الفلسفة وخطوب الحب، حتى أتى الوقت الذي رفعته في نشوة من المحبة والتواضع وهو في الرابعة والعشرين ليتربع بجوارها على عرش الإمبراطورية.




صفحة رقم : 13418




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> يوزف في مرحلة النمو



3- يوزف في مرحلة النمو




1741 - 1765


كانت قد وكلت اليسوعيين بتعليمه، ولكنها في سبق لأفكار روسو طلبت أن يعلم كما لو كان يلهو.(22) فلما ناهز الرابعة شكت من أن "ولدي يوزف لا طاقة له على الطاعة"(23) ولا غرور فالطاعة ليست لهواً. ذكر السفير البروسي حين كان يوزف في السادسة "لقد كون فكرة مغرورة عن منصبه" ولجأت ماريا تريزا إلى التهذيب وفرض التقوى، ولكن الصبي وجد الطقوس الدينية مملة، وأنكر الأهمية التي يعلقها الناس على العالم فوق الطبيعي. فحسبه العالم الذي يعيش فيه ويرث جزءاً منه. وما لبث أن سئم إتباع العقائد السنية وأكتشف ما في فولتير من فتنة. وفيما عدا ذلك لم يكن يهتم اهتماماً يذكر بالأدب، ولكنه شغف بالعلوم والاقتصاد والتاريخ والقانون الدولي. ولم يتخلص قط مع الزمن من غطرسة صباه




صفحة رقم : 13419




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> يوزف في مرحلة النمو


وكبريائه، ولكنه ترعرع وأصبح فتى وسيماً يقظاً لم تباعد أخطاؤه بعد بينه وبين أمه. فكان في أسفاره يكتب لها رسائل تفيض رقة بنوية حارة.
فلما بلغ العشرين عين عضوا في مجلس الدولة (شتاتسرات). ولم يلبث (1761) أن وضع ورقة تحمل أفكاره في الإصلاح السياسي والديني وقدمها إلى أمه، وظلت هذه الأفكار جوهر سياساته إلى نهاية حياته. وقد أشار على الإمبراطورة بأن تنشر التسامح الديني في ربوع مملكتها، وتقلص سلطة الكنيسة، وتخفف عن الفلاحين أعباء الإقطاع، وتسمح بحرية أكبر في انتقال السلع والأفكار.(24) وطلب إليها أن تقلل من نفقة البلاط ومراسمه، وتزيد من نفقة الجيش. وقال إن على كل عضو في الحكومة أن يعمل ليستحق راتبه، وإن من الواجب فرض الضرائب على الإشراف شأنهم شأن سائر الشعب.(25)
وكان أثناء ذلك يتعلم جانباً آخر من الحياة. ذلك أن لويس الخامس عشر كان قد عرض حفيدته إيزابللا البارسية عروساً تصلح للدوق الأكبر، كجزء من اتفاق عكس الأحلاف. وبدأ أن الحظ حالف يوزف: فإيزابللا فتاة في الثامنة عشر جميلة ذات خلق طيب باستثناء ميلها للاكتئاب. وفي 1760 جاءت عبر الألب في قافلة يجرها ثلاثمائة جواد. واحتفل بالزفاف في مهرجان باذخ، وسعد يوزف بأن يجد بين ذراعين مخلوقاً بهذا الحسن. ولكن إيزابللا كانت عميقة الإيمان باللاهوت الذي تلقته، ولم تجد لذة في كل الهبات التي حبتها بها الحياة، بل تاقت إلى الموت. كتبت إلى أختها في 1763 تقول "أن الموت رحيم، ولم أفكر فيه يوماً أكثر مما أفكر فيه الآن. وكل شيء يوقظ في الرغبة في أن أموت سريعاً. علم الله كيف أتمنى أن أترك حياة تهينه تعالى كل يوم...ولو كان مسموحا للمرء أن يقتل نفسه لما ترددت في ذلك"(26). وفي نوفمبر 1763 أصيبت بالجدري، ولم يبد منها أي تشجيع للأطباء الذين حاولوا شفاءها، فما انقضت خمسة أيام حتى ودعت الحياة. أما يوزف الذي أحبها عميقاً فلم يفق من هذه اللطمة.




صفحة رقم : 13420




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> يوزف في مرحلة النمو


وبعد شهور أخذه أبوه إلى فرنكفورت-على-المين ليتوج ملكاً على الرومان-وهي الخطوة التقليدية إلى العرش للإمبراطوري. وهناك انتخب في 26 مارس 1764 (وكان الشاب جوته بين الجمع الحاضر)، وفي 3 إبريل توج. ولم يستمتع بالمراسم المطولة، والخدمات الدينية، والخطب، وشكا في خطاب لأمه من "الهراء والحماقات البالية التي كان لزاماً علينا أن نستمع إليها طوال اليوم. أنه يقتضي جهوداً جبارة أن أمنع نفسي من مصارحة هؤلاء السادة بملغ ما في عملهم وكلامهم من بلاهة. "ولم يكف خلال هذا كله عن التفكير في الزوجة التي فقدها. "علي أن أبدو في غاية الابتهاج رغم ما يعتصر قلبي من ألم...أنني أحب الوحدة..ومع ذلك يجب أن أعيش بين الناس..وعلي أن أثرثر طوال النهار وأفوه بأحاديث كلها لغو وتفاهة(27)". ولابد أنه أحسن إخفاء مشاعره، لأن أخاه ليوبولد قرر أن "ملكنا-ملك الرومان-ساحر دائماً، رائق المزاج دائماً، مرح، كيس، مؤدب، وهو يكسب جميع القلوب(28)".
فلما عاد إلى فيينا أبلغ بضرورة زواجه ثانية، ذلك أن استمرار الحكومة المنتظم اقتضى فيما يبدو استمرار أسرة هابسبورج. واختار كاونتز زوجة له هي يوزيفا البافارية، لأن كاوتنز كان يأمل أن يضيف بافاريا إلى ملك النمسا. ووقع يوزف مشروع الزواج الذي وضعه له كاونتز، وبعث به، وكتب إلى دوق بارما (والد ايزابيللا) وصفاً ليوزيفا قال فيه "إنها مخلوق صغير قصيرة بدينة تجردت من سحر الشباب، على وجهها دمامل وبقع حمراء وأسنان منفرة..فاحكم بنفسك ما كلفني هذا القرار..ألا رفقاً بي، ولا يفتر حبك لابن لك قد دفن في قلبه إلى الأبد صورة معبودته رغم أن له زوجة ثانية"(29). وقد زف يوزف إلى يوزيفا في بواكير عام 1765. وحاولت أن تكون له زوجة صالحة، ولكنه زهد فيها سراً وعلانية. وقاست في صمت، ثم ماتت بالجدري في 1767. ورفض يوزف أن يتزوج مرة أخرى. وكرس الآن مل بقي من حياته للحكم وفية مزيج محزن من الفتور والإخلاص، من المثالية والغرور.




صفحة رقم : 13421




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها



4- الأم وولدها




1765 - 1780


طلت ماريا تريزا فترة محطمة الجسد والعقل بعد موت الإمبراطور فرانسوا الأول (18 أغسطس 1765). وشاركت خليلته الحزن عليه، وقالت لها: "يا عزيزتي الأميرة؛ لقد فقدت كلتانا الكثير".(30) وقصت شعرها، وتصدقت بصيوان ثيابها، ونبذت كل أنواع الخلي ولبست السواد إلى يوم مماتها. وسلمت شؤون الحكم ليوزف ورددت حديث الاعتكاف في أحد الأديرة. على أنها عادت إلى الحياة العامة لخشيتها من أن يكون وريثها الطائش غير كفء للحكم؛ ثم وقعت في 17 نوفمبر إعلاناً رسمياً بالمشاركة في الحكم. واحتفظت بالسلطة العليا في الشؤون الداخلية للنمسا والمجر وبوهيميا؛ أما يوزف فتقرر باعتباره إمبراطوراً أن يناط به الشؤون الخارجية الجيش؛ ثم الإدارة والمالية بسلطة أقل؛ ولكنه في الشؤون الخارجية قبل إرشاد، كاونتز، وفي جميع الميادين خضعت قراراته لمراجعة الإمبراطورة. وقد خفف احترامه وحبه لأنه من حدة شغفه بالسلطة. فلما أشرفت على الموت تقريباً بالجدري في 1767 لزم سريرها إلا نادراً؛ وأذهل الحاشية بعمق قلقه وحزنه. وأخيراً أقنعت هذه الهجمات الثلاث التي أصاب بها المرض الأسرة المالكة الأطباء النمساويين بإدخال التطعيم ضد الجدري.
وأقلق الابن النحب أمه بإلحاح أفكاره المطالبة بالإصلاح. ففي نوفمبر 1765 أرسل إلى مجلس الدولة مذكرة لابد أنها أفزعت قراءها:
"رغبة في الاحتفاظ بالمزيد من كفاءة الرجال القادرين على خدمة الدولة سأصدر أمراً-مهماً قال البابا وجمع الرهبان في العالم-يحرم انقطاع أي من رعاياي للعمل الكنسي قبل...سن الخامسة والعشرين. فالعواقب والوخيمة-للجنسين-التي كثيراً ما تنجم عن النذور المبكرة خليق بها أن تقنعنا بنفع هذه الترتيب، فضلاً عن المبررات المتصلة بالدولة.
"وينبغي أن يكون التسامح الديني والرقابة المعتدلة على المطبوعات،




صفحة رقم : 13422




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


والكف عن المحاكمة على الأخلاق وعلى التجسس في خصائص الناس-ينبغي أن يكون هذا كله من مبادئ الحكم الأساسية. إن الدين والأخلاق هما ولا شك من بين أهداف الملك الرئيسية". ولكن غيرته يجب ألا تتجاوز الحد إلى عقاب الأجانب وتحويلهم عن دينهم. فالعنف لا جدوى منه في مسائل الدين والأخلاق؛ إنما الحاجة إلى الإقناع. أما عن الرقابة فينبغي أن نكون شديدي التنبه لما يكتب ويباع ولكن تفتيش جيوب الناس وحقائبهم ولا سيما الأجانب إجراء متطرف في الغيرة.ومن اليسير أن نثبت أن كل كتاب محرم يوجد الآن في فيينا رغم الرقابة الصارمة على المطبوعات الآن، وفي وسع أي إنسان أن يغريه هذا التحريم أن يشتريه بمثلي ثمنه..
"ويجب دفع الصناعة والتجارة قدماً بحظر جميع البضائع الأجنبية فيما عدا التوابل، وبإلغاؤ الاحتكارات، وإنشاء مدارس تجارية، وبالقضاء على الوهم الذي يزعم أن الاشتغال بالتجارة لا يتفق مع النبالة.
وينبغي تقرير حرية الزواج، حتى ما ندعوه الآن بالزواج غير المتكافئ. فلا القانون إلهي ولا الطبيعي يحرمه، فالتحيز وحده هو الذي يوهمنا بأنني أعظم قدراً لأن حدي كان كونتاً، أو لأنني أملك رقاً وقع عليه شارل الخامس. أننا لا نرث من آبائنا غير الوجود البدني، إذن فالملك أو الكونت أو البرجوازي أو الفلاح كلهم سواء(31)".
ولابد أن ماريا تريزا ومستشاريها قد شموا ريح فولتير أو "الموسوعة" في هذه المقترحات. وكان على الإمبراطور الشاب أن يسير الهوينا، ولكنه تقدم. فنقل إلى الخزانة عشرين مليون جولدن-نقداً وسندات وأملاكاً-خلفها له أبوه يف وصيته، ثم غير الدين القومي بفائدة أربعة في المائة بدلاً من ستة. وباع أراضي الصيد والقنص التي كانت للإمبراطور المتوفى، وأمر بذبح الخنازير البرية التي كانت هدفاً وأداة تدمير لمحاصيل الفلاحين. وفتح البراتر وغيره من البساتين للشعب رغم احتجاجات النبلاء ولكن بموافقة أمه(32).




صفحة رقم : 13423




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


وفي 1769 صدم الإمبراطور والبلاط بذهابه إلى نايسي في سيليزيا وقضائه ثلاثة أعوام أيام (25-27 أغسطس) في مناقشات ودية مع فردريك الأكبر أعدى أعداء النمسا. وكان قد أخذ عن ملك بروسيا فكرة الملك "الخادم الأول للدولة". وأعجب بإخضاع فردريك الكنيسة للدولة، والتسامح مع شتى المذاهب والديانات، وحسد بروسيا على تنظيمها العسكري وإصلاح شرائعها. وقد شعر كلا الرجلين أن الوقت حان لإغراق خلافتهما في اتفاق وقائي ضد روسيا الصاعدة. وكتب يوزف لأمه يقول "بعد العشاء...دخنا ودار حديثنا حول فولتير(33)" ولم يكن الملك البالغ من العمر آنئذ سبعة وخمسين عاماً فكرة طيبة عن الإمبراطور ذي الثمانية والعشرين. كتب يقول "لقد اتخذ الملك الشاب مظهر الصراحة الذي ناسبه تماماً...أنه رغب في أن يتعلم، ولكنه لم يؤت من الصبر ما يتيح له أن يعلم نفسه، ومنصبه الرفيع يجعله سطحياً والطمع الذي لا حد له ينهش قلبه..وله من الذوق ما يكفي لقراءة فولتير وتقدير مزاياه(34).
وقد حمل المنذر بالخطر، الذي حققته كاترين الثانية في روسيا، كاونتز على ترتيب اجتماع ثانٍ مع فردريك. والتقى الملك والإمبراطور والأمير في تويشتات بمورافيا في 3-7 سبتمبر 1770. ولابد أن يوزف تطور تطوراً كبيراً خلال ذلك العام، لأن فردريك كتب الآن إلى فولتير يقول "أن الإمبراطور الذي نشئ في بلاط متعصب قد نبذ الخرافة، واتخذ العادات البسيطة رغم أنه ربي في جوف مترف، وهو متواضع رغم ما يحرق له من بخور، وهو مع شوقه للعظمة والمجد يضحي بأطماعه في سبيل واجبه البنوي(35).
وكان هذان اللقاءان جزءاً من تربية يوزف السياسية. وقد أضاف إليها بزيارة ممتلكاته وفحصه مشكلاتها وإمكاناتها بنفسه. ولم يزرها بوصفه إمبراطور بل سافر مثل عامة الناس يركب جواداً. وتجنب




صفحة رقم : 13424




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


المراسم ونزل في الفنادق بدلاً من قصور الريف. وحين زار المجر في 1764 و1768 لاحظ فقر الأقنان المدقع وصعق حين رأى في أحد الحقول جثث أطفال ماتوا جوعاً. وفي 1771-72 رأى مثل ه1ا في بوهيميا ومورافيا وكان حيثما ذهب يسمع أنباء أو يشهد الأدلة على خشية الإقطاعيين وجوع الأقنان. وكتب يقول "إن الموقف الداخلي لا يصدق ولا يوصف، أنه يفطر القلوب(36)". فلما عاد إلى فيينا سخط على التحسينات التافهة التي ينويها مستشارو الإمبراطورة فقال "إن الإصلاحات الصغيرة لن تجدي قتيلاً، إذ لابد من تغيير في الكل". واقترح البدء بالاستيلاء على بعض الأرضي الكنسية في بوهيميا ليبني فوقها مدارس وملاجئ ومستشفيات. وبعد نقاش طويل اقنع المجلس بأن يصدر (1774) قانوناً ميسراً يقلل وينظم حجم تشغيل اٌنان (الذي كان البوهيميون يسمونه روبوتا) الواجب عليهم للسيد الإقطاعي وقاوم إقطاعيو بوهيميا والمجر، وهب الأقنان البوهيميون في ثورة غير منظمة، فأخضعتهم قوات الجيش. ولامت ماريا تريزا ابنها على هذه الضجة الكبرى فكتبت لعاملها في باريس مرسي دارجنتو:
"إن الإمبراطور الذي يسرف في شعبيته قد أفرط في الحديث خلال لرحلاته المختلفة...حول الحرية الدينية وتحرير الفلاحين. وقد أحدث هذا كله الاضطراب في جميع ولايتنا الألمانية...فليس الفلاح البوهيمي وحده هو الذي يخشى منه، بل المورافي والستيري والنمساوي أيضاً، لا بل أنهم في قسمنا يجرءون على التمادي في أشد الوقاحات(37)".
وزاد توتر العلاقات بين الابن والأم (1772) حين انظم يوزف إلى فردريك وكاترين الثانية في التقسيم الأول لبولندا. فاحتجت على اغتصاب أمة صديقة وكاثوليكية. وبكت حين أقنعها يوزف وكاونتز بعد إلحاح بإضافة توقيعها إلى الاتفاق الذي أعطى شطراً من بولندا للنمسا. وقد علق فردريك بخبث "أنها تبكي، ولكنها تأخذ(38)". على أنها كانت مخلصة في أسفها كما نرى من خطابها لولدها فرديناند "كم من مرة جاهدت لأتجنب اشتراكي في عمل يلوث ملكي




صفحة رقم : 13425




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


كله؟ ليت الله يمنحني الإعفاء من تبعته في عالم آخر. إنه يثقل قلبي ويعذب ذهني، ويشيع المرارة في أيامي(39).
وقد تأملت خلق ولدها في خوف ومحبة. "إنه يحب الاحترام والطاعة،،ويرى المعارضة شيئاً كريهاً لا يكاد يحتمل...وكثيراً ما يكون غير مراع لشعور الآخرين...وحيويته الكبيرة المتزايدة تفضي إلى رغبة عاتية في أن ينال ما يريد بكل دقائقه...أن لولدي قلباً طيباً. ومرة أنبته بمرارة:
"حين أموت أخادع نفسي بأنني سأظل حية في قلبك، بحيث لا تخسر الأسرة والدولة بموتي...أن تقليدك (لفردريك) ليس بالأمر السار. فهذا البطل... هذا الفاتح-أله صديق واحد؟...أية حياة هذه التي تنعدم فيها الإنسانية. أياً كانت مواهبك فليس أن تكون جربت كل شيء. حذار من الوقوع في خطيئة الحقد؟ إن قلبك ليس شريراً إلى الآن، ولكنه سيكون كذلك. لقد حان الوقت للكف عن التلذذ بكل هذه الملاحظات الظريفة، هذه الأحاديث الذكية البارعة التي لا هدف لها إلا السخرية من الغير...إنك عابث تتظاهر وأنت في الواقع لست إلا مقلداً عديم التفكير حين تحسب نفسك مفكراً مستقلاً(40)".
وكشف يوزف عن جانبه من الموقف في خطاب إلى ليوبولد:
"لقد بلغت شكوكنا وعدم ثقتنا هنا قمة لا تستطيع تخيلها. فالواجبات تتراكم كل يوم ولا شيء يعمل. وأنا أكدح كل يوم حتى الخامسة أو السادسة لا يتخلل ذلك غير ربع ساعة أتناول فيها الطعام وحيداً، ومع ذلك لا شيء يحدث. فإن أسباباً تافهة، ودسائس طالما كنت ضحيتها تسد الطريق، وكل شيء أثناء ذلك يذهب إلى الشيطان. أنني أهديك منصبي بوصفي الابن البكر(41)".
وقد احتقر الرجال الذين شاخوا في خدمة أمة. ولم يؤيده غير كاونتز، ولكن في حذر يغيظه.




صفحة رقم : 13426




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


وأما الإمبراطورة المسنة فقد استمعت إلى أفكار ابنها الثورية في ذعر. وصارحته برأيها:
"إن أهم مبادئك السياسية هي: 1- إطلاق الحرية في ممارسة الدين، وهو ما لا يستطيع ملك أو أمير كاثوليكي السماح به دون أن يتحمل تبعة ثقيلة. 2- القضاء على طبقة النبلاء القنية... 3- الدفاع عن الحرية في كل شيء وهو مبدأ يتردد كثيراً جداً...أنني بلغت من الشيخوخة حداً لا يستطيع معه تقبل أفكار كهذه، وأسأل الله ألا يجربها خلفي أبداً. أن التسامح الديني، وعدم الاكتراث واللامبالاة هما بالضبط يكبح الجماح؟ لا ضابط ولا المشنقة ولا دولاب التعذيب.. إنني أتكلم سياسياً لا كمسيحية. فما من شيء ألزم وأنفع من الدين. أتريد السماح لكل إنسان بأن يسلك على هواه؟ وإذا لم يكن هناك عادة ثابتة، وخضوع للكنيسة، فأين ترانا نكون؟ ستكون النتيجة قانون القوة...ليس لي من أمنية إلا أن أستطيع حين أموت الانضمام إلى أسلافي متعرية بأن ابني سيكون عظيماً تقياً كأجداده، وأنه سيقلع عن حججه الباطلة، وعن الكتب الشريرة، وعن الاتصال بأولئك الذين أغووا روحه على حساب كل شيء ثمين مقدس، لا لشيء إلا لإقامة حرية موهوبة لا يمكن..أن تفضي لغير الخراب الشامل(42)".
ولكن إذا كان ثمة شيء يتوق إليه يوزف فهو حرية الدين. ربما لم يكن ملحداً كما خاله بعضهم(43)، ولكنه كان قد تأثر تأثيراً عميقاً بأدب فرنسا. وكانت جماعة من رجال الفكر النمساويين وقد ألفت فعلاً في 1772 حزب التنوير(44). وفي 1772 نشر جورجي بيسينيي المجري في فيينا مسرحية تردد أفكار فولتير، وقد قبل الدخول في الكاثوليكية إرضاء لماريا تريزا، ولكنه ارتد إلى العقلانية بعد موتها(45). ولا ريب أن يوزف كان على علم بهذا الكتاب المشهور المسمى "الوضع الكنسي والقانوني لبابا روما" (1763)، الذي أكد فيه أسقف كاثوليكي بارز تخفى تحت اسم فيرونيوس، من جديد سمو المجامع




صفحة رقم : 13427




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


العامة على الباباوات، وحق كل كنيسة قومية في أن تحكم نفسها. ورأى الإمبراطور الشاب في ثروة الكنيسة النمساوية الموطدة الأركان عقبة كؤوداً في طريق التطور الاقتصادي، وفي سيطرة الكنيسة على التعليم، المعوق الأكبر لنضج العقل النمساوي. وفي يناير 1770 كتب إلى شوازيل:
"أما عن خطتك للتخلص من اليسوعيين فأنا موافق عليها موافقة تامة...ولا تسرف في الاعتماد على أمي، فإن التعلق الوثيق باليسوعيين صفة موروثة في أسرة الهابسبورج...على أن لك صديقاً في كاونتز، وهو ينفذ ما يشاء من الإمبراطورة(46)".
ويبدو أن يوزف استعمل نفوذه في روما ليوصل كلمنت الرابع عشر إلى الخطوة النهائية، وقد أبهجه إلغاء البابا للطائفة 1773(47).
ولو عرفت ماريا تريزا من خطابات ولدها مبلغ انحرافه إلى معسكر "الفلاسفة" لصعقت. لقد بذلت قصاراها لتمنع حل جمعية اليسوعيين، ولكن كاونتز أقنعها بالامتثال لرأي سائر الدول الكاثوليكية. كتبت إلى صديقة لها تقول "إنني مغمورة يائسة لما أصاب اليسوعيين. لقد أحببتهم وأكرمتهم طوال حياتي، ولم أرَ قط فيهم غير كل شيء بناء للروح(48)". وقد عطلت تنفيذ الأمر البابوي بتعيين لجنة لدراسة. وأتيح لليسوعيين النمساويين الوقت لنقل أموالهم ومقتنياتهم الغالية وأوراقهم من البلد. وصودرت أملاك اليسوعيين، ولكن الإمبراطورة حرصت على أن يلتقي أعضاء الطائفة المعاشات والثياب وشتى العطايا.
ووسع اغتباط يوزف الواضح بحل جماعة اليسوعيين الهوة بين الأم وولدها. ففي ديسمبر 1773 انهار تحت وطأة التوتر وتوسل إليها أن تعفيه من كل مشاركة في شؤون الحكم. وأفزعها اقتراح مذهل كهذا، وكتبت إليه نداء مؤثراً للمصالحة:
"يجب أن أعترف بأن قدراتي، ووجهي، وسمعي، وحذقي-كلها




صفحة رقم : 13428




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


تتدهور سريعاً وبأن الضعف الذي ارتعت منه طوال حياتي-وهو التردد في اتخاذ القرارات-يرافقه الآن، تثبيط الهمة والافتقار إلى الخدام الأوفياء فالجفوة منك ومن كاونتز وموت مستشاري المخلصين، والمروق عن الدين، وتدهور الأخلاق، والرطانة التي تجري على كل لسان، والتي لا أفهمها-كل هذا يكفي لسحقي. أنني أقدم لك كامل ثقتي، وأسألك أن تنبهني لأي خطأ ارتكبه..أعن أما...تعيش في وحدة، وسيقضي عليها أن ترى كل جهودها وأحزانها ذهبت أدراج الرياح. قل لي ما تريد أفعله لك(49)".
وتصالح معها، ووافقت المرأة التي حاربت يوماً فردريك وأوقفت تقدمه، مؤقتاً على أن تتعاون مع تلميذ فردريك المعجب به. واستخدما معاً ثروة اليسوعيين المصادرة في الإصلاح التعليمي. وفي 1774 أصدرا "نظاماً عاماً للتعليم" أحدث تنظيماً جديداً أساسياً للمدارس الابتدائية والثانوية. فوفرت مدارس متدرجة للتعليم الإلزامي لجميع الأطفال، وسمحت بدخول البروتستنت واليهود طلاباً ومعلمين، وقدمت لتلاميذها التعليم الديني في كل دين، ولكنها وضعت الأشراف في أيدي موظفين حكوميين. وسرعان ما أصبحت مدارس الشعب Voikschulen هذه تعد خير المدارس في أوربا. وأنشئت مدارس لتدريب المعلمين، وتخصصت المدارس العليا Hauptschulen في العلوم والتكنولوجيا، وعلمت المدارس الثانوية Gymnasien اللاتينية والعلوم الإنسانية، وخصصت جامعة فيينا إلى حد كبير للقانون والعلوم السياسية والإدارة، وأدت وظيفة دار الحضانة لموظفي الدولة. واستبدل بإشراف الكنيسة على التعليم إشراف من الدولة لا يقل عنه صرامة ودقة.
واستمر التعاون بين الأم وولدها فألغى التعذيب (1776). ولكن الاتفاق بينهما حطمته أحداث السنة التالية. ذلك أن يوزف كان بنوي منذ زمن زيارة باريس-لا ليرى "الفلاسفة" وسيدفئ في الصالونات، بل ليدرس موارد فرنسا جيشها وحكومتها، وليرى ماري أنطوانيت،




صفحة رقم : 13429




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


وليقوي الروابط التي ربطت ربطاً واهياً جداً بين الأعداء القدامى في حلفهما الهش. فلما مات لويس الخامس عشر، وبدا أن فرنسا على شفا التمزق، كتب يوزف إلى ليبوبولد يقول: "أنني قلق على أختي فسيكون عليها أن تلعب دوراً شاقاً(50)". ووصل باريس في 18 إبريل 1777، وحاول أن يتكتم زيارته فتخفى تحت اسم الكونت فون فلكشتين وأشار على الملكة الشابة المرحة بأن تقلع عن الإسراف والطيش، وصبغ وجنتيها وشفتيها، وأصغت إليه في ضجر. وحاول ولكنه فشل في كسب لويس السادس عشر إلى حلف سري لكبح توسع روسيا(51). وتحرك بسرعة في أرجاء العاصمة و"لم تمضِ أيام حتى عرف عنها أكثر مما سيعرف لويس السادس عشر طوال حياته(52)". وزار الأوتيل ديو ولم يخف دهشته لسوء الإدارة غير الإنسانية لذلك المستشفى. وفتن أهل باريس، وذعرت حاشية فرساي، حين وجدت أرفع ملوك أوربا يمشي في زي مواطن بسيط، يتكلم الفرنسية كأحد أبنائها. ويلتقي بجميع الطبقات دون تكلف. أما عن نجوم الأدب فقد التمس أولاً لقاء روسو ويوفون. وحضر أمسية عند مدام نكير، والتقى بجبون، ومارمونتيل، والمركيزة دودفان، ومما يشرفه أن رباطة جأشها وشهرتها أربكتاه أكثر مما أربكها مقامه الرفيع، فالعمى يسوي بين الناس لأن الشالات يتكون نصفها من الثياب. وحضر جلسة لبرلمان باريس وأخرى للأكاديمية الفرنسية. وأحس الفلاسفة أنهم وجدوا في النهاية الحاكم المستنير الذي تطلعوا إليه أداة لثورة سليمة. وبعد أن قضى يوزف شهراً في باريس تركها في جولة بالأقاليم فسافر شمالاً إلى نورمندية، ثم على الساحل الغربي إلى بايون، ثم تولوز، فمونيليه فمرسليا، ثم صعد مع الرين إلى ليون وشرق إلى جنيف. ومر بفرنيه دون أن يزور فولتير، إذ لم يشأ أن يغضب أمه أو يرتبط جهاراً برجل يخاله الشعب النمساوي والملك الفرنسي شيطاناً مجسماً.
وكان حريصاً على استرضاء أمه، لأن عشرة آلاف مورافي هجروا




صفحة رقم : 13430




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


الكثلكة في غيبته إلى المذهب البروتستنتي، وكان رد الفعل من جانب ماريا تريزا-أو مجلس الدولة-على هذه الكارثة اتخاذ إجراءات تذكرنا بغارات الفرسان على بيوت الهجونوت أيام لويس الرابع عشر. فقبض على زعماء الحركة وشتتت اجتماعات البروتستنت وجند المتحولون العنيدون في الجيش وفرضت عليهم الأشغال الشاقة وأرسلت نساؤهم إلى الملاجئ. فلما عاد يوزف إلى فيينا قال لأمه محتجاً "أن السبيل لإعادة هؤلاء الناس إلى الكثلكة أن تجعلي منهم جنوداً أو ترسليهم إلى المناجم أو تستخدميهم في الأشغال العامة...يجب أن أعلن صراحة...أن المسئول عن هذا الأمر، أيا كان، هو أحقر خدامك، وهو لا يستحق مني غير الازدراء، لأنه أحمق وقصير النظر(53)". وأجابت الإمبراطورة بأنها ليست مصدرة هذه المراسيم بل مجلس الدولة، ولكنها لم تسحبها. وجاء وفد من المورافيين البروتستنت لمقابلة يوزف، فأمرت ماريا تريزا بالقبض على أفراده. وكانت الأزمة بين الأم وولدها تسير إلى طريق مسدود حتى أقنعها كاونتز بسحب المراسيم. فأوقفت الاضطهادات، وسمح لمعتنقي البروتستنتية بممارسة عبادته الجديدة شريطة أن يكون ذلك في هدوء ببيوتهم. وتوقف صراع الجيلين برهة.
ثم استؤنفت لما مات مكسمليان يوزف ناخب بافاريا في 30 ديسمبر 1777 دون أن يعقب بعد حكم طويل رخي. وفي الصراع على وراثة دولته أيد يوزف الثاني ناخب بالاتين شارل (كارل) تيودور شريطة أن ينزل للنمسا عن جزء من بافاريا، وأيد فردريك الأكبر شارل دوق تزافا يبروكن، وأعلن أنه سيقاوم أي محاولة من النمسا لتملك أرض بافارية. وحذرت الإمبراطورة ولدها من تحدي ملك بروسيا الذي لم يزل منيعاً لم يقهر بعد. ولكن يوزف تجاهل نصيحتها، وأيده كاونتز، وجردت قوة نمساوية على بافاريا. وأمر فردريك جيشه بدخول بوهيميا والاستيلاء على براغ ما لم يجل النمساويون عن بافاريا. وقاد يوزف جيشه الرئيسي ليدافع عن براغ، واقترب الجيشان العدوان، ولاح أن حرباً نمساوية بروسية أخرى وشيكة على سفك




صفحة رقم : 13431




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


دماء الأخوة. أما فردريك فقد تجنب خوض المعركة منتهكاً بذلك السوابق والتوقعات، واكتفى بإطلاق جنوده على المحاصيل البوهيمية ليأتوا عليها، وأما يوزف فقد تردد في الهجوم لعلمه بشهرة فردريك قائداً للجيوش. وكان يأمل أن تخف فرنسا لنجدته، وأرسل على وجه السرعة نداءات لماري أنطوانيت. فأرسل له لويس السادس عشر خمسة عشر مليون جنيه، ولكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من هذا، لأن فرنسا كانت قد وقعت (6 فبراير 1778) حلفاً من المستعمرات الأمريكية الثائرة، وكان عليها أن تعد نفسها لخوض حرب مع إنجلترا. وأقام يوزف في معسكره نهباً للغيظ والقلق بينما نهبته البواسير في الطرف الآخر.
وهنا قبضت ماريا تريزا على أزمة الأمور انتفاضة أخيرة من انتفاضات الإرادة، وأرسلت إلى فردريك عرضاً للصلح (12 يوليو) ووافق فردريك على للتفاوض، وأذعن يوزف لأمه، وتوسط لويس ملك فرنسا وكاترين قيصرة روسيا في النزاع. وانتهى الأمر بمعاهدة تشن (13 مايو 1779) التي عزت بوزف بأربعة وثلاثين ميلاً مربعاً من بافاريا، ولكن شارل تيودور استأثر بكل ما بقي من تلك الإمارة الناخبة، وهكذا توحدت بافاريا وبالاتينات، واتفق على أن تحصل بروسيا على بايرويت وانسباخ بعد موت حاكمها الأبتر. وادعى كل فريق أنه المنتصر.
هذه الأزمة الثالثة بين فردريك المسن والإمبراطورة المسنة قضت عليها. وكانت لا تتجاوز الثالثة والستين عام 1780، ولكنها كانت بدينة مصابة بالربو، أضعف قلبها حربان وستة عشر حملاً فضلاً عن الهم المقيم.وفي نوفمبر حاصرها مطر غزير وهي راكبة عربة مكشوفة، فأصابها سعال خبيث، ولكنها أصرت على أن تقضي الغد تعمل في مكتبها. وقد قالت مرة "إنني ألوم نفسي على الوقت الذي أنفقه في النوم"(54) وقضت أيام مرضها الأخيرة جالسة على كرسي إذ استحال عليها تقريباً أن تتنفس وهي راقدة. واستدعى يوزف أخوته وأخواته إلى جوارها، وقام على رعايتها في محبة. وطلق الأطباء كل أمل في شفائها فارتضت أن تتناول الأسرار الأخيرة. وفي ساعاتها




صفحة رقم : 13432




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الأم وولدها


الأخيرة قامت وتعثرت من كرسيها إلى سريرها. وحاول يوزف أن يريحها فقال "إن جلالتك في سيئ". فأجابت "نعم، ولكنه وضع مناسب للموت فيه". وماتت في 29 نوفمبر 1780.




صفحة رقم : 13433




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير



5- المستبد المستنير




1780 - 1790


بعد أن حزن يوزف حزناً صادقاً على أم أدرك الآن مبلغ عظمتها، شعر بأنه حر في أن يكون نفسه، وأن يبدأ بتنفيذ أفكاره المتفتحة في الإصلاح. كان الحاكم المطلق للنمسا والمجر وبوهيميا والأراضي الواطئة الجنوبية، وكان أخوه ليوبولد مطيعاً له في تسكانيا، وأخته ماري أنطوانيت معينة له في فرنسا. وأحس إحساساً عميقاً بالفرص التي واتته في قمة حياته وذروة سلطته.
فأي رجل كان يومئذ؟ لقد بلغ الأربعين، ما زال في ربيع الحياة وكان وسيماً جداً حين يغطي رأسه الأصلع بباروكة. وقد وهب عقلاً يقظاً نشطاً نشاط شبه محموم، متمشياً مع جيله، ولكن هدأه شيئاً إلمامه بالتاريخ وخلق البشر. وكان دائم الإحساس بشح الوقت، لذلك لم يخطئ إلا بسبب التسرع والعجلة، وقلما أخطأ عن سوء قصد. وتروي القصص الكثيرة عن رفاهة حسه بخطوب غيره واستعداده لرفع المظالم التي يمكن رفعها(55). وقد أباح للشعب الالتقاء به على قدر ما سمحت به واجباته. وكان يعيش عيشة البساطة ويرتدي من الثياب ما يرتديه أي جندي، ويتجنب الظهور في ثياب الملوك الفاخرة. وكان مبرأ كفردريك من مخاللة الخليللات، ولم يكن له "أصدقاء إغريق"، وكان عمله غرامه الذي استغرقه. وكان كفردريك يبذل من الجهد في عمله أكثر مما يبذل أي مساعد له. وكان قد أعد نفسه إعداداً صادقاً أميناً للقيام بتبعاته، فلم يسافر للمتعة والظهور، بل للملاحظة والدراسة وفحص صناعات الكثير من الأقطار وفنونها وبيوتها الخيرية ومستشفياتها ومحاكمها ومؤسساتها البحرية والحربية؛ ونظر بعينيه هو إلى شعوب مملكته وطبقاتها ومشكلاتها. فصحت نيته الآن، على قدر ما وسع رجلاً واحداً،




صفحة رقم : 13434




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


على تحقيق أحلام الفلسفة. "ما دامت قد ارتقت العرش، ولبست أعظم تاج في العالم، فقد جعلت الفلسفة المشرع لإمبراطوريتي"(56) ونظر الفلاسفة في كل أرجاء أوربا إلى المغامرة الكبرى وكلهم تطلعات صادقة.
وكانت أولى الصعوبات في طريقه أن يجد الأعوان الذين يشاركونه حلمه. فأكثر الذين آلوا إليه بالوراثة كانوا من الطبقات العليا التي اختزلت إصلاحاته امتيازاتهم. لقد أيده كاونتز وفان شفيتن، وشجعه اثنان من المستشارين الخصوصيين-هما كوالتنبورج وجيلر-واثنان من أساتذة جامعة فيينا هما-مارتيني وزوننفيلس-، ولكن الأعوان الأدنى مرتبة من هؤلاء لم يكونوا سوى بيروقراطيين تجمدوا في المألوف من العادات، واستراحوا إلى الموروث من التقاليد، وقاوموا التغيير تلقائياً. وراح يوزف في عجلة لا تسمح بالمجاملة يعامل هؤلاء الأعوان معاملة الخدم، ويربكهم بحشد من الأوامر، ويطلب إليهم إبلاغه عن أي خطأ جسيم يرتكبه مساعدوهم(57)، ويغرقهم بالاستبيانات ويطالبهم بجهد لا يفتر كجهده. ووعدهم هم وأراملهم بمعاشات يستحقونها بعد خدمة عشر سنين، فشكروه، وأنكروا أساليبه، وسدروا في كبريائهم. وأفضت ثقة يوزف بعدالة أهدافه إلى ضيقه بكل نقد أو نقاش. وكتب إلى شوازيل (الذي كان الآن ينعم بالتقاعد) "عش أسعد مما أستطيع إنني لم أكد أعرف السعادة، وسوف أشيخ قبل أن أكمل الطريق الذي رسمته لنفسي"(58). ولكن أجله قصر عن أن يدرك سن الشيخوخة.
وقد نبذ كل تفكير في الديمقراطية، فقد أحس أن أفراد شعبه غير مستعدين لإصدار الحكم الصائب في السياسة، وأنهم باستثناءات قليلة سيعتنقون أي آراء يتسلمونها من سادتهم أو كهنتهم. وحتى الملكية الدستورية بدت له غير مبشرة بخير؛ فبرلمان كالبرلمان الإنجليزي سيكون مجتمعاً مغلقاً من كبار ملاك الأرض والأساقفة الذين يتحدون أي تغيير جذري. وكان من المسلمات في رأي يوزف أن الملكية المطلقة دون غيرها هي القادرة على تحطيم جدار العادات وكسر أغلال التعصب وحماية الضعفاء السذج من الأقوياء الماكرين.




صفحة رقم : 13435




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


ومن ثم تناول كل مشكلة بشخصه، وأصدر توجيهات نظمت كل مناحي الحياة. ورغبة في تشجع الأمثال لأوامره أنشأ نظام جاسوسية أفسدت عليه حسناته. وكان من مقومات حكمه المطلق أن يجند بالإلزام جيشاً دائماً كبيراً لا يعتمد على أمراء الإقليم، يغذيه بالتجنيد الإلزامي العام، ويخشنه بالتدريب البروسي. وراوده الأمل في أن يقوى هذا الجيش من صوته في المسائل الدولية، وأن يلزم فردريك حدوده، وربما أعانه على التهام بافاريا وطرد الترك من البلقان المجاورة (ولا عجب فقد كان في نفس فيلسوفنا شيء من شهوة التملك). ثم عين لجنة من الفقهاء لإصلاح القوانين وتنسيقها، وبعد أن قضت اللجنة ست سنوات من العمل الشاق نشرت قانوناً مدنياً جديداً للإجراءات القضائية. فخففت العقوبات، وألغيت عقوبة الإعدام. (في إنجلترا المعاصرة كانت مائة جريمة لا تزال تعتبر من الجرائم الجسمية) ولم تعد الشعوذة ولا السحر ولا الارتداد جرائم يعاقب عليها القانون. وحرمت المبارزة؛ واعتبر قضاء المبارز على غريمه في مبارزة جريمة قتل. وجعل الزواج عقداً مدنياً، وأحل الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين، وقضى بإمكان الحصول على الطلاق من السلطة المدنية. أما القضاة فلا يعينون إلا بعد تريب خاص وبعد اجتيازهم امتحانات عسيرة، وألغى الكثير من المحاكم الكنسية. وتقررت مساواة جميع الأشخاص أمام القانون، وصعق النبلاء حين عرض أحد أفرادهم في المشهرة وحكم على آخر بكنس الشوارع.
وألغيت القنية بسلسلة من المراسيم، 1781-85. وكفل للجميع حق تغيير المسكن أو المهنة، وحق التملك، وحق الزواج بالرضى المتبادر، وأعد محامون خصوصيون لحماية الفلاحين في حرياتهم الجديدة. وفقد البارونات حق محاكمة مستأجريهم جنائياً، ولكن تحاشياً لضعف الإنتاج في ضياع البارونات، أجيز للسادة أن يقتضوا أقنانهم السابقين بعض الخدمات المألوفة.
وشجع بوزف الصناعة الرأسمالية لاقتناعه بأن لوائح الطوائف الحرفية معطلة للتطور الاقتصادي، ولكنه عارض في الاستكثار من الآلات مخافة (أن تحرم الألوف من أرزاقهم)(59). وأعفى العمال الصناعيين من التجنيد،




صفحة رقم : 13436




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


ولكنهم تذمروا من إنقاصه أيام العطلات المقدسة. ثم رفع من مقام التجار ورجال الصناعة والمصارف وخلع عليهم ألقاب الشرف وأسباب التكريم القومي. وألغى المكوس الداخلية أو خففها، ولكنه أبقى على الرسوم الحماية الجمركية المرتفعة على الواردات. ورفع رجال الصناعة الوطنيون الأسعار بعد أن حصلوا على التحصن من المنافسة الأجنبية وانتخبوا السلع الرديئة(60). وساء بروسيا وسكسونيا وتركيا فرض هذه التعريفات فأوصدت أبوابها في وجه حاصلات الإمبراطورية. وفقد الألب والاودر والدانوب بعض تجارتها. وحاول يوزف أن يزيد حركة التجارة البرية مع ثغور الأدرياتيكي بشق طريق جديد هو طريق يوزفينا الذي اخترق جبال الألب الكرنيوليه، وأسس شركة هند شرقية وراوده الأمل في تطوير التجارة مع الشرق وأفريقيا وأمريكا بطريق ثغري فيومي وتريسته الحرين. وفي 1784 أبرم معاهدة تجارية مع تركيا، ولكن بعد ثلاث سنوات أغلقت حربه مع تركيا منافذ الدانوب إلى البحر الأسود وأفلس تجار الدانوب الواحد تلو الآخر.
وتشجيعاً لتداول رأس المال ألغى من القوانين التحريم القديم للفائدة، وأحل القروض بفائدة 5% ورقى مصرفياً يهودياً إلى رتبة البارونية. وقدم القروض الحكومية والاحتكارات الموقوتة إلى المشروعات الجديدة. واقتبس فكرة الفزيوقراطيين في فرض ضريبة واحدة تقع على الأرض فقط، وتتفاوت حسب الموقع والخصوبة، ويؤديها ملاك الأرض كبارهم وصغارهم واقتضى المشروع مسح جميع أراضي الإمبراطورية، فتم هذا بنفقة بلغت 120.000.000 جولدن دفعها الملاك. وقضى القانون الجديد بأن يحتفظ الفلاح بسبعين في المائة من محصوله أو دخله، ويعطي للدولة اثني عشر في المائة، ويقسم الباقي بين الفروض الإقطاعية والعشور الكنسية، وكان قبل ذلك يدفع للدولة أربعاً وثلاثين في المائة وللملك تسعاً وعشرين في المائة، وللكنسية عشرة في المائة، ولا يحتفظ لنفسه إلا بسبعة وعشرين في المائة(61). واحتج النبلاء بأن هذا التقسيم الجديد سيجلب عليهم الخراب، وفي المجر قاموا بثورة.




صفحة رقم : 13437




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


وزاد عدد سكان النمسا والمجر وبوهيميا من 187.700.000 في 1780 21.000.000 في 1790(62). وقرر كاتب معاصر أن الأكواخ المبنية بالآجر أخذت تحل محل الزرائب الريفية العتيقة، وأن الآجر يأخذ مكان الخشب في منازل المدن(63). وظل الفقر جاثماً على الصدور، ولكن مرسوماً إمبراطورياً صدر في 1781 أنشأ "مؤسسات للفقراء، يستطيع أي شخص عاجز عن التكسب أن يطالب بالمعونة منها دون أن يريق ماء الوجه.
ومع أن يوزف كان من الناحية الرسمية "نائب المسيح" والمدافع عن الكنسية المسيحية و"حامي فلسطين...والإيمان الكاثوليكي"، فقد شرع بمجرد تقليده زمام السلطة المطلقة في تقليص دور الكنيسة في أراضيه "المورثة"-أي النمسا والمجر وبوهيميا. ففي 12 أكتوبر 1781 أصدر مرسوم التسامح، وبمقتضاه تقررت حرية البروتستنت والروم الأرثوذكس في أن يكون لهم معابدهم ومدارسهم واجتماعاتهم، وفي تملك الأملاك وامتهان المهن الراقية، وشغل المناصب السياسية والحربية. وحث الإمبراطور الشعب على تجنب كل دواعي النزاع بسبب الخلافات المذهبية....ومعاملة من ينتمون لطائفة دينية أخرى بالود واللطف(64). وفي توجيه أصدره يوزف إلى فان زفيتن كشف في صراحة عن مصادر إلهامه: "إن التعصب قضي عليه في إمبراطوريتي التي قد يسعدها أنها لم تضح بأشخاص مثل كالاس وسرفن...أن التسامح هو ثمرة انتشار التنوير (Les Iumieres) الذي شاع الآن في جميع أرجاء أوربا. وهو قائم على الفلسفة، وعلى عظماء الرجال الذي أسسوها...إن الفلسفة دون غيرها هي التي يجب أن تكون رائد الحكومات"(65).
على أنه كان لهذا التسامح حدود كما كان في مقال فولتير "عن التسامح" (1763)، فقد نبه بعض المستشارين يوزف إلى أن إزالة جميع الضوابط والقيود ستسفر عن نمو العقائد الجامحة نمواً مفرطاً، لا بل الإلحاد السافر، وأن هذا سيفضي إلى المذاهب المتناحرة والفوضى الاجتماعية وامتهان كل سلطة فلما نما إليه أن بضع مئات من البوهيميين جاهروا بالربوبية (1783) أمر بأن أي رجل يجهر بعقيدته هذه "يجب دون مزيد من التحقيق أن




صفحة رقم : 13438




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


يجلد أربعاً وعشرين جلدة على ردفيه بسوط من جلد ثم يصرف". وتكرر هذه العملية كلما تجدد الجهر بهذه العقيدة(66). ورحل بعض الغلاة من الربوبيين إلى المستعمرات العسكرية. وسترى في مكان لاحق إلى أي حد بلغت جهود يوزف في تحرير اليهود.
وكان من نتائج مرسون التسامح الزيادة السريعة في عدد من جهروا بالبروتستنتية في المملكة، من 74.000 في 1781 إلى 157.000 في 1786. ونمت حرية الفكر، ولكنها ظلت محصورة في الدوائر الخاصة. أما الماسون الأحرار الذين رسخت أقدامهم في النمسا فقد نظموا في فيينا (1781) محفلاً أنظم إليه الكثير من المواطنين البارزين، وقد حماه الإمبراطور نفسه (رغم ربوبيته المفهومة ضمناً). قال أحد أعضائه "كان هدف الجماعة إعمال حرية الضمير والفكر التي احتضنتها الحكومة هذا الاحتضان الموفق، ومكافحة الخرافة والتعصب في ...طوائف الرهبان التي هي أهم سند لهذه الشرور(67), وتكاثرت المحافل الماسونية حتى بلغت ثمانية في فيينا وحدها، وأصبح من مجاراة العصر أن ينتمي شخص إليها، وارتدى الجنسان الشعارات الماسونية، وألف موتسارت الموسيقى للحفلات الماسونية. وبمضي الوقت اشتبه يوزف في اشتعال هذه المحافل بالتآمر السياسي. ففي 1785 أمر بأن تندمج محافل فيينا في محفلين فقط، ولم يسمح بأكثر من محفل واحد في عاصمة إقليمية.
وعين يوزف لجنة لتراجع قوانين الرقابة على المطبوعات. وفي 1782 نشر النتائج التي انتهت إليها في مدونة جديدة. فخطرت الكتب التي دأبت على مهاجمة المسيحية أو المحتومة على "عبارات لا أخلاقية وبذاءات قذرة"، ولكن حظرت أيضاً الكتب "المحتومة على أخبار المعجزات والأشباح والرؤى الخرافية وما إلى ذلك مما قد يقضي بعامة الناس إلى الإيمان بالخزعبلات ويثير الاشمئزاز في نفوس الدارسين"(68). وسمح بالمطبوعات المحتومة على انتقادات أو هجائيات ساخرة حتى لو هاجمت الإمبراطور، شريطة أن تحمل اسم المؤلف الحقيقي، وأن تخضع لقانون القذف. وأبيح للدارسين أن يقرءوا في المكتبات الكتب المدرجة في فهرس الكتب التي حرمتها الكنيسة




صفحة رقم : 13439




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


الرومانية. وتعفى الكتب العلمية من الرقابة كلية، وكذلك الكتب الثقافية، شريطة أن تؤكد طابعها الثقافي سلطة معترف بها. وأبيح استيراد الكتب المؤلفة بلغات أجنبية وبيعت دون معوق. ووسعت الحرية الأكاديمية. فلما اتهم أربعة عشر طالباً بجامعة انزبروك معلمهم أمام السلطان لأنه زعم أن العالم أقدم من ستة آلاف سنة، حسم يوزف الأمر بهذه العبارة السريعة الموجزة "يجب أن يطرد الطلاب الأربعة عشر، لأن أدمغة في فقر أدمغتهم لن تفيد من التعليم(69)". وأثارت النظم الجديدة الاحتجاجات الغاضبة من الكهنوت، فرد يوزف بإعطاء فيينا حرية النشر الكاملة (1787). وحتى قبل هذا التحرير أفاد ناشرو فيينا من التراخي في تنفيذ قانون 1782: فأغرقت النشرات والكتب والمجلات النمسا بالفحش أو ما يقرب من الفحش، وبكشف أسرار الراهبات، وبالهجمات على الكنيسة الكاثوليكية أو على المسيحية ذاتها.
وأحس يوزف أن واجبه أيضاً أن ينظم الشؤون الكنسية. ففي 29 نوفمبر 1781 أصدر مرسوماً أغلق عدداً كبيراً من أديرة الرهبان والراهبات التي "لا تدير مدارس ولا تعنى بمرضى ولا تشتغل بدراسات". فأغلق 413 بيتاً دينياً من 2163 بتاً دينياً في الأقاليم الألمانية (النمسا وستيريا وكارنثيا وكارنيولا). وأفرج عن 27.000 من شاغليها البالغ عددهم 65.000 وقررت لهم معاشات، وأجرى مثل هذا الخفض في بوهيميا والمجر. قال يوزف "أن المملكة أشد فقراً وتخلفاً من أن تسمح لنفسها بترف الإنفاق على العاطلين(70)". أما ثورة هذه المؤسسات المنحلة-التي بلغت نحو ستين مليون جولدن-فقد أعلن أنها ملك للشعب، وصادرتها الدولة.
وأعلن أن الأديرة الباقية لا يجوز لها أن ترث أملاكاً. أما طوائف الرهبان المتسولين فأمرت بأن تكف عن التسول ومنعت من قبول رهبان جدد. وألغيت جماعات الأخوان الدينية. وتقرر أن تسجل جميع الممتلكات الكنسية لدى الحكومة، التي حرمت بيعها أو تبادلها.




صفحة رقم : 13440




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


ثم واصل يوزف جهوده ليخضع الأساقفة الكاثوليك لإشراف الدولة. فاشترط على الأساقفة الجدد أن يقسموا يمين الطاعة للسلطات العلمانية. وتقرر ألا تجار أي لائحة أو مرسوم بابوي في النمسا إلا بإذن الحكومة. أما الأوامر البابوية الصادرة في 1362 و1713، التي دانت المهرطقين والجانسنيين فتهمل. على أن يوزف نظم أبرشيات جديدة، وبنى الكنائس الجديدة، وقد الرواتب لإعانة طلاب القسوسة، وفتح مدارس لاهوتية جديدة ووضع لها برنامجاً يؤكد على العموم المعارف العلمانية كاللاهوت والطقوس سواء بسواء.
وأثارت هذه القوانين الأكليروس في كل أرجاء أوربا. ورجا أحبار كثيرون يوزف أن يلغي مراسيمه المعادية للأكليروس. فلما لم يلق إليهم بالا هددوه بالجحيم، فايتسم ومضى في طريقه. وأخيراً اتخذ البابا بيوس السادس بشخصه، وكان رجلاً وسيماً مثقفاً رقيقاً مغروراً، خطوة غير مألوفة، إذ غادر إيطاليا (27 فبراير 1782) وعبر الابنين والألب في الشتاء ووصل إلى فيينا (22 مارس) وقد عقد النية على الاتجاه برجاء شخصي للإمبراطور، وكانت هذه أول مرة منذ 1414 تطأ فيها أقدام أحد الباباوات أرض ألمانيا. أما يوزف خرج من المدينة مع رفيقيه في الشكوكية كاونتز ليرافقا الحبر الأعظم إلى الأجنحة التي كانت تشغلها ماريا تريزا. وخلال إفاقة البابا كانت الجموع تحتشد كل يوم تقريباً أمام القصر الملكي التماساً لبركته. وقد وصفهم بعد ذلك يوزف بهذه العبارات:
غصت جميع ممرات القصر وسلالمه بالناس، واستحال على الإنسان رغم مضاعفة عدد الحراس أن يحمي نفسه من كل الأشياء التي أتوا بها إليه ليباركها: أوشحة كتفيه، ومسبحات، وصور، وكان يتجمع لنيل البركة التي يمنحها من الشرفة سبع مرات في اليوم حشد من الناس لا يمكن أن يكون المرء فكرة عن ضخامته إلا إذا رآه. وليس من المبالغة القول أنه تجمع مرة ستون ألفاً على الأقل. وكان المنظر غاية




صفحة رقم : 13441




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 30-03-11, 04:59 مساء   رقم المشاركة : [398]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


في الجمال، فقد أقبل الفلاحون وزوجاتهم وأبنائهم من مناطق تبعد عشرين فرسخاً. وبالأمس ديست امرأة تحت نافذتي مباشرة(71).
وكان تأثر يوزف بمناشدات البابا البليغة أقل من تأثره بهذا الدليل على سلطان الدين على العقل البشري، ومع ذلك واصل إغلاق الأديرة "حينما كان بيوس في ضيافته(73)". وحذره البابا تحذير المتنبئ. أنك إن مضيت في مشروعاتك المدمرة للإيمان وقوانين الكنيسة فإن يد الرب ستكون ثقيلة الوطأة عليك، وستعطلك في مسيرتك، وستحفر من تحتك هوة تبتلعك وأنت بعد في عنفوانك، وستضع حداً للملك الذي كان في وسعك أن تجعله ملكاً عظيماً مجيداً(73). وبعد شهر من أسباب التكريم والإخفاق عاد بيوس حزيناً إلى روما. وعقب ذلك عين الإمبراطور رئيساً لأساقفة ميلان رجلاً يدعى فسكونتي غير مقبول من الإدارة البابوية، ورفض البابا أن يصدق على التعيين، وأشرفت الكنيسة والإمبراطورية على القطيعة. ولم يكن يوزف مستعداً لمثل هذه الخطوة العنيفة، فهرول إلى روما (ديسمبر 1782) وزاد بيوس وأعلن ولاءه للكنيسة وكسب موافقة البابا على تعيين الدولة للأساقفة-حتى في لمبارديه. وافترق الملك والحبر الأعظم على ود. ونثر يوزف ثلاثين ألف سكودي على جماهير روما، وهتف له القوم بصيحات الشكر "يحيا إمبراطورنا".
فلما عاد إلى فيينا واصل حركته الإصلاحية الدينية القائمة على فرد واحد. وبعد أن تحدى البابا كما تحداه لوثر (الذي يشبهه به الكثير من البروتستنت وهم معترفون بفضلهم)، وبعد أن هاجم الأديرة كما هاجمها هنري الثاني، شرع مثل كلفن في تطهير الكنائس، فأمر بإزالة لوحات النذور ومعظم التماثيل، وبكف المصلين عن لمس الصور وتقبيل الرفاة وتوزيع التمائم...ونظم طول الخدمات الدينية وعددها، والملابس التي تغطي تماثيل العذراء، وطابع الموسيقى الكنسية، وتقرر أن تتلى الابتهالات مستقبلاً بالألمانية لا باللاتينية، وأن تحصل رحلات الحج




صفحة رقم : 13442




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> المستبد المستنير


والمواكب الدينية على موافقة السلطات المدنية، وانتهى الأمر بعدم التصريح إلا بموكب واحد-لعيد القربان المقدس، وأحيط الشعب رسمياً بأنه لا داعي للركوع في الشوارع أمام أي موكب ديني حتى ولو حمل القربان المقدس، ويكفي في هذه المناسبات خلع القبعات. وأخبر أساتذة الجامعات بأنه لا حاجة تدعوهم بعد اليوم إلى أن يقسموا بأنهم يؤمنون بعقيدة حمل العذراء غير المدنس.
ولم يستطع أحد أن يتشكك في إنسانية أهداف يوزف. فالثروة التي أخذها من الأديرة المستغنى عنها خصصها لإعانة المدارس والمستشفيات والمبرات، ولصرف معاشات الرهبان والراهبات الذين أخرجوا من أديرتهم، ولصرف إعانات إضافية لكهنة الأبرشيات الفقراء. وأصدر الإمبراطور سلسلة طويلة من الأوامر للنهوض بالتعليم، فكان على كل الجماعات المحتوية على مائة طفل بلغوا سن الالتحاق بالمدارس أن تمول مدارس أولية لهم. وتقرر أن يكون التعليم الأولي إلزامياً وعاماً. ووفرة الأديرة أو الدولة مدارس للبنات وأعينت الجامعات في فيينا وبراغ ولمبرج وبست ولوفان، أما جامعات انزبروك وبرون وجراتز وفرايبورج فحولت إلى معاهد Lyc(es لتعليم الطب أو القانون أو لفنون العملية. وأنشئت مدارس للطب من بينها "اليوزفينوم" للطب والجراحة العسكريين. وأخذت فيينا تشق طريقها لتصبح من أرقى المراكز الطبية في العالم.




صفحة رقم : 13443




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة



6- الإمبراطور والإمبراطورية


تضاعفت المصاعب في وجه مشروعات يوزف الثورية بسبب تنوع ملكه. لقد كان يعرف النمسا جيد المعرفة، ولكنه لم يدرك رغم أسفاره الشاقة مبلغ تغلغل السادة المجريين في حياة أمتهم الاقتصادية والسياسية، ولا أدرك كيف تستطيع وطنية الجماهير المجرية أن تتغلب على المصالح الطبقية. ولقد رفض عند تقلده الملك أن يتبع تقليداً جرى عليه السلف فيذهب إلى برسبورج ليتوج ملكاً على المجر، لأنه سيطالب في ذلك الحفل




صفحة رقم : 13444




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


بأن يقسم يمين الولاء للدستور المجري الذي يكرس أنظمة المجتمع الاقتصادية. ثم أغضب كل مجري حين أمر بنقل تاج القديس اسطفانوس حامي المجر من بودا إلى فيينا (1784). وكان قد أحل الألمانية لا المجرية محل اللاتينية لغة للقانون والتعليم في المجر. وأغضب رجال المال والأعمال المجريين حين عطلت رسومه الجمركية تصدير محاصيلهم إلى النمسا. ثم أنه صدم الكنيسة الكاثوليكية بتدخله في طقوسها التقليدية وبسماحه للجماعات البروتستنتية المجرية بالتكاثر من 272 إلى 758 في عام واحد (1783-84). ووقعت المجر في فوضى أصطرعت فيها الطبقات والقوميات واللغات والمذاهب.
وفي 1784 قام فلاحو قلاشيا (بين الدانوب والألب الترنسلفانية) بثورة عنيفة ضد سادتهم الإقطاعيين، وأشعلوا النار في 182 قصراً ريفياً للأشراف وستين قرية، وقتلوا 4.000 مجري، وأعلنوا أنهم يفعلون هذا كله برضى الإمبراطور. وعطف يوزف على كرههم للظلم الطويل(75)، ولكنه كان يحاول إنهاء الإقطاع سلمياً بالتشريع، وما كان في وسعه أن يسمح للفلاحين بتعجيل الأمور بالتحريق والتقتيل. وعليه فقد أرسل جنوده لقمع الثورة، وأعدم مائة وخمسون من زعماء الثورة، وهدأت الثورة. ولامه النبلاء على الثورة، ولامه الفلاحون على فشلها. وتهيأ المسرح لثورة قومية على الإمبراطور في 1787.
وفي نوفمبر1780 ذهب يوزف بشخصه ليدرس مشكلات الأراضي الواطئة النمساوية. فزار تامور ومونز وكورتراي وابيير ودنكرك واوستنذ وبروج وغنت وأودنارد وأنتوب ومالين ولوفان بروكسل. وقام برحلة جانبية إلى الأراضي الواطئة المتحدة..إلى روتردام، ولاهاي ولايدن وهارلم وأمستردام وأوترخت وسبا (حيث تغذى مع الفيلسوف رينال). وقد راعه التناقض بين رخاء هولندا والركود النسبي في الاقتصاد البلجيكي. وعزا هذا إلى نشاط رجال الأعمال الهولنديين وفرصهم، وإلى إقفال نهر الشلت في وجه تجارة المحيط نتيجة لمعاهدة مونستر (1648) فعاد إلى




صفحة رقم : 13445




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


بروكسل وعقد عدة اجتماعات لمحاولة تحسين التجارة والإدارة والمالية والقضاء. وفي يناير 1781 عين أخته ماريا كرستين وزوجها ألبرت دوق ساكستشن حاكمين على الأراضي الواطئة النمساوية.
وأدرك الآن لأول مرة مبلغ التضارب بين إصلاحاته والالتزامات الموروثة التي تمتعت بها الطبقات العليا في هذا البلد التاريخي. فكان إقليم من أقاليمها مثلاً، وهو برابانت، يملك مرسوماً للحريات يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر ويعرف بـــ "المدخل البهيج". وكان يتوقع من كل حاكم يدخل بروكسل أن يقسم يمين الولاء لهذا المرسوم، وجاء في إحدى مواده إنه لو انتهك الحاكم أي مادة منه كان لرعاياه الفلمنكيين الحق في أن يمتنعوا عن أداء أي خدمة له وأن يرفضوا طاعته. وطالبت مادة أخرى الملك بأن يحافظ على الكنيسة الكاثوليكية، في جميع امتيازاتها وممتلكاتها وسلطاتها الراهنة، وأن يطبق جميع قرارات ترنت. وأشباه هذا الدستور كان يتعلق بها الأشراف والأكليروس في الأقاليم الأخرى. وعقد يوزف النية على ألا يسمح لهذه التقاليد بأن تتحدى إصلاحاته. وبعد أن قام بزيارة قصيرة لباريس (يوليو 1781) قفل إلى فيينا.
وفي نوفمبر بدأ يطبق مرسوم التسامح الديني على هذه الأقاليم. فجعل الأديرة البلجيكية مستقلة عن البابا، وأغلق عدداً منها وصادر إيراداتها. واحتج أساقفة بروكسل وأنتورب ومالبن، ولكن يوزف واصل مسيرته ففرض على "بلجيكا" لوائحه الخاصة بلوحات النذور والمواكب والطقوس الدينية. ثم سحب من الأساقفة حقهم في الإشراف على المدارس قائلاً "إن أبناء لاوي (أي الكهنة) ينبغي أن يكفوا عن احتكار عقول البشر"(76). ثم ألغى الامتيازات الخاصة التي طالما تمتعت بها جامعة لوفان. وأنشأ هناك مدرسة لاهوتية جديدة محررة من السيطرة الأسقفية، وأمر بأن يدرس فيها كل طالب بلجيكي القسوسية خمس سنين(77). وإذ كان تواقاً إلى تحسين حكومة الأقاليم، فقد أستبدل بالمجالس الإقليمية والمجالس الخاصة




صفحة رقم : 13446




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


الأرستقراطية القديمة (يناير 1787) مجلساً واحداً للإدارة العامة يرأسه مفوض يعينه الإمبراطور، ثم أحل هيئة قضائية موحدة علمانية محل المحاكم القائمة إذ ذاك، من إقطاعية وإقليمية وكنسية. وأعلن أن جميع الأشخاص أياً كانت طبقتهم سواسية أما القانون.
وأنظم الأشراف وكثير من البرجوازيين إلى الأكليروس في مقاومة هذه القوانين. ولم يلطف من أعدائهم تلك الجهود العقيمة التي بذلها يوزف بإعادة فتح الشلت أما تجارة المحيط، فقد رفضت هولندا الإذن بها، وشاركتها الرفض فرنسا رغم توسلات ماري أنطوانيت. وف يناير 1787 أخطر مجلس برابانت يوزف بأن لا سبيل إلى إحداث تغييرات في دستور الإقليم القائم إلا بموافقة المجلس، ومعنى ذلك في الواقع أنهم أخبروه أن حكمه للأراضي الواطئة النمساوية يجب أن يكون ملكية دستورية لا مطلقة. وتجاهل هو الإعلان، وأمر بتنفيذ مراسيمه. ورفض المجلس الموافقة على الضرائب ما لم تلقَ اعتراضاتهم الاهتمام. ثم تفجر الهياج في عنف اتسع نطاقه بحيث اضطرت ماريا كرستينا إلى الوعد بإلغاء الإصلاحات البغيضة (31 مايو 1787).
أين كان الإمبراطور خلال هذا الجو الهائج المائج؟
كان يغزل كاترين الثانية دبلوماسياً، مؤمناً بأن التحالف مع روسيا سيعزل بروسيا ويشد أزر النمسا في حربها مع الترك. وكان يوزف حتى قبل موت أمه قد زار القيصرة في موجيليف (7 يونيو 1780) ومن هناك مضى إلى موسكو وسانت بطرسبوج. وفي مايو 1781 وقعت النمسا وروسيا تحالفاً تعهد فيه الطرفان بأن يخف الواحد لنجدة الآخر إذا هوجم.
فلما خيل إليه أن هذا الاتفاق سيشل حركة الملك السبعيني فردريك، عاد من جديد (1784) يعرض الأراضي الواطئة النمساوية على الأمير الناخب شارل تيودور بديلاً عن بافاريا. وكان العرض مغرياً للأمير، ولكن فردريك استنفر كل طاقاته ليفسد هذه الخطة. فحرك ثورة على




صفحة رقم : 13447




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


الإمبراطور في المجر وبلجيكا، وحرض دوق تزفايبروكن-الوريث لعرش بافاريا-على مقاومة هذا البدل، وبعث عملاءه ليقنعوا الأمراء الألمان بأن استقلالهم يتهدده التوسع النمساوي. وأفلح في أن ينظم (23 يوليو 1785) بروسيا وسكسونيا وهانوفر وبرونزيك وماينز وهسي كاسل وبادن وساكسي فيمار وجوتا ومكلنبورج وأنزباخ وانهالت في حلف أمراء Furstenbund تعهدوا فيه بمقاومة أي توسع للنمسا على حساب أي دولة ألمانية. واستنجد يوزف ثانية بشقيقته في فرساي، واعترف يوزف بهزيمته أمام الثعلب العجوز الذي كان يوماً ما معبود شبابه. ولما تلقى في أغسطس 1786 نبأ موت فردريك أعرب عن أسف مضاعف: "بوصفي جندياً يؤسفني رحيل رجل عظيم كان صانع جيل في فنون الحرب، وبصفتي مواطناً يؤسفني أن موته تأخر ثلاثين عاماً"(78).
أصبح الآن أمل الإمبراطور الوحيد في توسيع ملكه معقوداُ على الإنضمام إلى كاترين في حملة لتقسيم أملاك تركيا الأوربية في ما بينهما. فلما خرجت قيصرة الروسيا في يناير 1787 لتزور وترهب فتوحها الجديدة في الجنوب دعت يوزف ليلتقي بها في الطريق ويرافقها إلى القرم. ولكنه لم يوافق لتوه على اقتراحها بشن حرب صليبية موحدة، وقال "غنما أريد سيليرنيا، والحرب مع تركيا لن تنيلنيها"(79). ومع ذلك فحين أعلنت تركيا الحرب على روسيا (15 أغسطس 1787) وجد يوزف نفسه مكرهاً على خوضها، فقد ألزمه تحالفه مع كاترين أن يعينها في حرب "دفاعية". يضاف إلى هذا أن الفرصة أتيحت الآن للنمسا بسبب اشتباك تركيا في الحرب اشتباكاً حرجاً لاسترداد الصرب والبوسنة، وربما أيضاً للحصول على ثغر على البحر الأسود. وعليه ففي فبراير 1788 أرسل جنوده إلى الحرب وأمرهم بأن يستولوا على بلغراد.
ولكن السويديين اغتنموا هذه الفرصة ليرسلوا قوة تهاجم سانت




صفحة رقم : 13448




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


بطرسبورج. واستدعت كاترين الجيش من الجنوب ليدافع عن عاصمتها. فلما خف على الترك ضغط الروس ركزوا قوتهم على النمساويين. وحين ذهب يوزف ليقود جيشه رآه وقد أضعفته اللامبالاة وفرار الجند ومرضهم، فأمر بالتقهقر وعاد إلى فيينا يملؤه اليأس ويجلله العار. وسلم القيادة إلى لاودن، وهو من أبطال حرب السنين السبع وأنقذ المارشال العجوز شرف الجيش النمساوي باستيلائه على بلغراد (1789). ولما فشل هجوم السويد على روسيا عاد جنود كاترين يتدفقون على الجنوب وتباروا مع الأتراك في مذابح رهيبة تركت الحياء منهم أكثر قليلاً من أعدائهم. وكان يوزف مغتبطاً بأمل النصر العسكري الذي طال ارتقابه، وإذا ببروسيا وإنجلترا والسويد وهولندا تتدخل لمساعدة الترك خوفاً من توسع الروس. ووجد يوزف فجأة أن جميع أوربا البروتستنتية تقريباً قد اتحدت وأخذت تمتشق الحسام ضده. وعاد ثانية يستنجد بفرنسا، ولكن فرنسا كانت في 1789 مشغولة بالثورة. ووقعت بروسيا التي يملك عليها فردريك وليم الثاني حلفاً مع تركيا (يناير 1790) وأرسلت العملاء لإذكاء الثورة على الإمبراطور في المجر والأراضي الواطئة النمساوية.
ورحبت المجر بهذه الدسائس لأنها كانت في ثورة سافرة على مراسيم يوزف في التجنيد الإجباري والضرائب وتغيير اللغة والإصلاح الديني. وفي 1786 دعا إمريش مالونجي المجريين إلى انتخاب ملك خاص بهم. وفي 1788 دبر رميجيوس فرانيو مؤامرة لجعل فردريك وليم ملكاً على المجر، وأفشى الكونتان أسترهاتي وكاروليي سر المؤامرة للإمبراطور فحكم على فرانيو بالسجن ستين عاماً. وفي 1789 وجه مجلس الطبقات المجري إلى بروسيا نداء لتحرير المجر من سلطان النمسا. ولما بلغ نبأ الثورة الفرنسية للمجر دوت صيحات المطالبة بالاستقلال في أرجاء البلاد. أما يوزف الذي شعر بالموت يسري في عروقه فلم يعد له من القوة ما يمكنه من الثبات على موقفه. وحثه أخوه ليوبولد على الاستسلام. وفي يناير 1790 أعلن ما يأتي:
"لقد قررنا أن نرد إدارة المملكة-أي المجر-إلى وضعها في 1780




صفحة رقم : 13449




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الإمبراطور والإمبراطورة


لقد أرسينا (الإصلاحات) بدافع الغيرة على الصالح العام مؤمنين أنكم بعد التجربة ستجدونها مبعث سرور لكم، بيد أننا الآن أقنعنا أنفسنا بأنكم تؤثرون النظام القديم...ولكننا نريد أن يظل قانون التسامح نافذاً...وكذلك قانون الأقنان ومعاملتهم وعلاقتهم بسادتهم"(80).
وفي فبراير رد تاج القديس أسطفانوس إلى بودا وكان يلقى الترحيب والابتهاج من الجماهير في كل خطوة على الطريق. وهدأت الثورة.
أما الثورة في الأراضي الواطئة النمساوية فقد انطلقت بكل قوتها لأنها شعرت هناك بحرارة الحرة الثورية في فرنسا المجاورة. وأبى يوزف المصادقة على الوعد الذي قطعته شقيقته لمجلس برابانت بإلغاء الإصلاحات التي كرهوها. فأصدر الأمر بتنفيذها وأمر جنوده بإطلاق النار على أي حشود تقاومها، ففعلوا وقتل ستة من القائمين بالشغب في بروكسل (22 يناير 1788) وعدد غير معروف في أنتورب ولوفان. ودعا محامٍ من بروكسل يسمى هنري فان دن نوت أفراد الشعب إلى التسلح والتطوع في جيش استقلال. وأيد الأكليروس النداء تأييداً إيجابياً، وأضيف إليه حافز لم يكن في الحسبان هو نبأ سقوط الباستيل، وسرعان ما احتشد في الميدان عشرة آلاف من الوطنيين وعلى رأسهم قائدة أكفاء. وفي 24 أكتوبر أذاع إعلان "للشعب البرابانتي" خلع يوزف الثاني من منصب الحاكم عليهم. وفي 26 أكتوبر هزمت قوة من الوطنيين الجنود النمساويين. واحتل الثوار المدينة تلو المدينة. وفي 11 يناير 1790 أذاعت الأقاليم السبعة قرار استقلالها، وأعلنت قيام جمهورية الولايات المتحدة البلجيكية، واتخذت اسمها هذا من القبائل البلجيكية التي دوخت قيصر قبل ثمانية عشر قرناً. وأسعد إنجلترا وهولندا وبروسا أن تعترف بالحكومة الجديدة. واستنجد يوزف بفرنسا، ولكن فرنسا ذاتها كانت مشغولة بخلع ملكها. وبدا أن كل العالم القديم الذي عرفه يوزف يتمزق وينهار. ثم إن الموت كان يدعوه إليه.




صفحة رقم : 13450




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الموت الأسود



7- الموت الأسود


كانت مرارة تلك الأشهر الأخيرة كاملة. فقد كانت المجر وبلجيكا تضطرمان بالثورة، والأتراك يتقدمون، وجيشه متمرداً، وشعبه من النمساويين الذين أحبوه يوماً ما انقلبوا عليه منتهكاً لحرمة تقاليدهم ومعتقداتهم المقدسة. وندد به القساوسة ملحداً، وكرهه النبلاء لأنه حرر أقنانهم، وتصايح الفلاحون مطالبين بمزيد من الأرض، وكان فقراء المدن يتضورن جوعاً، ولعنت جميع الطبقات الضرائب والأسعار المرتفعة التي سببتها الحرب. وفي 30 يناير 1790 أغلى يوزف جميع الإصلاحات التي أمر بها منذ وفاة ماريا تريزا بعد أن ألقى السلاح مستسلماً، ولم يبقَ منها إلا على إلغاء القنية.
ترى لم فشل؟ لقد قبل بملء الإيمان وصادق الثقة نظرية جماعة الفلاسفة القائلة بأن الملك الذي يتوافر له التعليم الجيد والنية الحسنة هو خير أداة للتنوير والإصلاح. وقد أوتي التعليم الجيد، أما النية الحسنة فقد شوهها حبه للسلطة، وأخيراً غلبت لهفته على أن يكون فاتحاً حماسته لإجلاس الفلسفة على العرش. كان يفتقر إلى قدرة الفيلسوف على الشك، وكان من المسلمات لديه صواب وسائله كصواب غاياته. وقد حاةول إصلاح الكثير جداً من الشرور في وقت واحد، وفي عجلة كبيرة، ولم يستطع الشعب أن يستوعب تعدد قراراته المربك. ولقد كان يأمر بأسرع مما يستطيع أن يقنع، وحاول أن يحقق في عشر سنين ما يحتاج تحقيقه إلى قرن من التعليم والتغيير الاقتصادي. والشعب أساساً هو الذي خذله. فقد تعمقت جذوره وترسخت في امتيازاته وأهوائه، وفي تقاليده وكنائسه، إلى حد منعه من أن يعطيه التفهم والتأييد اللذين أصبح حكمه المطلق بدونهما عاجزاً لا حول له في مثل هذه الإصلاحات العسيرة..وآثر أفراده كنائسهم وقساوستهم وعشورهم على ضرائبه وجواسيسه وحروبه. ولم يستطيعوا وضع ثقتهم في رجل يهزأ بأساطيرهم الحبيبة، ويضايق أساقفتهم، ويذل باباهم.
وطوال هذه السنوات المرهقة بعد 1765 كان بدنه متمرداً على إرادته.




صفحة رقم : 13451




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الموت الأسود


فلم تقوَ معدته على هضم سرعة عدوه، وقد حذرته مراراً ودون جدوى بحاجته إلى الراحة. وأنذره الأمير دلين بأنه يقتل نفسه، وكان عليماً بهذا، ولكنه قال "وما الذي أستطيعه؟ أنني أقتل نفسي لأنني لا أستطيع أن استنفر الآخرين ليعملوا"(81). وكانت رئتاه مريضتين، وصوته ضعيفاً مكتوماً، وكان يشكو الدوالي وتدميع عينيه، والحمرة، والبواسير..وقد عرض نفسه لكل الأجواء في حربه مع الترك، وأصابته حمى الربيع كما أصابت الألوف في جيشه. وكان لا يقوى على التنفس أحياناً؛ "أن قلبي يخفق لأقل حركة"(82) وفي ربيع 1789 بدأ يتقيأ دماً-تقريباً ثلاث أوقيات في الدفعة كما كتب لأخيه ليوبولد. وفي يونيو أصيب بآلام عنيفة في كليتيه. "إنني أتبع أشد نظم التغذية صرامة فلا آكل لحماً ولا خضراً ولا مستحضرات ألبان، وغذائي الحساء والأرز"(83) ثم طلع له خراج شرجي وكان لابد من شقه هو وبواسيره بمبضع الجراح. وأصيب بالاستسقاء. فدعا ليوبولد ليحضر ويتسلم شؤون الحكم. وقال: "لست آسف على التخلي عن العرش. كل ما يحزنني أن يكون عدد الناس السعداء قلة قليلة كهذه"(84). وكتب إلى الأمير دلين "لقد قتلني وطنك. كان الاستيلاء على عنت عذابي وخسارة بروكسل هي موتي..اذهب إلى الأراضي الواطئة وأعدها إلى ملكها، فإن لم تستطع فابقَ هناك. لا تصحِ بمصالحك من أجلي فأنت أب لأطفال"(85). ثم كتب وصيته وترك الهبات السخية لخدمه وللـــ"سيدات الخمس اللاتي أطقن عشرته"(86). وتناول في استسلام أسرار الكنيسة الكاثوليكية الأخيرة وطلب الموت وفي 20 فبراير 1790 استجابت السماء وكان يومها في الثامنة والأربعين. واغتبطت فيينا برحيله وقدمت المجر الشكر لله.
أكان إنساناً فاشلاً؟ في الحرب نعم، بلا جدال. وقد وجد ليوبولد الثاني (1790-92) أن من الحكمة رغم انتصارات لاودن أن يبرم الصلح مع تركيا (4 أغسطس 1791) على أساس الوضع السابق للحرب. وإذ عجز عن تهدئة الأشراف المجريين فقد ألغى منح الحرية للأقنان. أما في بوهيميا والنمسا فقد احتفظ بمعظم الإصلاحات ولم تلغَ مراسيم الصلح، ولم تفتح




صفحة رقم : 13452




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> حركة التنوير في النمسا -> الموت الأسود


الأديرة التي أغلقت، وظلت الكنيسة خاضعة لقوانين الدولة. وكان التشريع الاقتصادي قد حرر التجارة والصناعة وحفزهما. وانتقلت النمسا دون ثورة عنيفة من دولة وسيطة إلى أخرى عصرية، وشاركت في حيوية القرن التاسع عشر الثقافية المنوعة.
وكان يوزف قد كتب إلى كاونتز يقول "إنني لاقتناعي العميق بنزاهة نياتي أرجو أن يبحث الخلف بعد موتي أعمالي وأهدافي قبل أن يحكم علي وسيكون أميل وأنزه ومن ثم أكثر إنصافاً لي من معاصري"(88).
وقد اقتضى هذا البحث الخلف ردحاً طويلاً، ولكنه تعلم في النهاية أن يرى فيه-رغم أسفه على أوتقراطيته وتعجبه-أكثر "المستبدين المستنيرين" جرأة وتطرفاً وإن كان أقلهم حكمة..وبعد أن ولى رد الفعل الذي جاء في عهد مترنيخ، أعيدت إصلاحات يوزف الثاني واحداً بعد الآخر . ووضع ثوار 1848 إكليلاً من الزهور على قبره اعترافاً بفضله.




صفحة رقم : 13453




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> مقدمة



الفصل الرابع عشر




إصلاح الموسيقى


إننا لا نتصور بسهولة يوزف الثاني موسيقياً وهو الرجل المتأهب للمعارك ومع ذلك يقال لنا أنه تلقى "تعليماً موسيقياً دقيقاً شاملاً" إنه كان صاحب صوت جهير رخيم، وكان يستمع إلى حفلة موسيقية كل يوم تقريباً، وكان عازفاً ماهراً على الفيولنشللو والفيولة والكلافير(1). وكان كثير من النبلاء موسيقيين، وأكثر منهم رعاة للموسيقى، وحذت الطبقة الوسطى حذوهم، فكان في كل بيت بيان قيثاري "هاربسيكورد" وتعلم كل إنسان أن يعزف على آلة موسيقية، وعزفت الثلاثيات والرباعيات في الشوارع، والحفلات الموسيقية في المتنزهات ومن زوارق مضاءة على قناة الدانوب في عيد القسيس يوحنا. وازدهرت الأوبرا في البلاط وفي مسرح الأوبرا الذي أنشأه يوزف الثاني في 1778.
وارتقت فيينا إلى مقام الصدارة في مطالع القرن التاسع عشر بوصفها العاصمة الموسيقية لأوربا لأنه جمعت في أخريات القرن الثامن عشر بين تقاليد ألمانيا وإيطاليا الموسيقية المتنافسة. فمن ألمانيا جاءت البوليفونية، ومن إيطاليا الميلوديا، ومن ألمانيا جاءت الزنجشبيل-وهو مزيج من الدراما الهزلية والحوار المنطوق والموسيقى العارضة والأغاني الشعبية، ومن إيطاليا جاءت الأوبرا الهازلة، وتحالف الشكلان في فيينا كما نرى في أوبرا موتسارت "الاختطاف من السراي". ويمكن القول عموماً أن التأثير الإيطالي غلب الألماني في فيينا، فلقد غزت إيطاليا النمسا بالألحان كما غزت النمسا شمالي إيطاليا بالسلاح. وفي فيينا كانت الأوبرا الجادة إيطالية في أكثرها، إلى أن جاء جلوك، وجلوك نُشئ على الموسيقى الإيطالية.




صفحة رقم : 13454




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك



1- كرستوفر فليبالت جلوك




1714 - 1787


ولد في إيرازباخ من أعمال البالاتينات العليا، لحراج كاثوليكي انتقل بأسرته في 1717 إلى نويشلوس ببوهيميا. وتلقى كريستوفر في المدرسة اليسوعية بكوموتاو تعليماً في الدين واللاتينية والآداب القديمة والترتيل والكمان والأرغن والبيان القيثاري. فلما رحل إلى براغ 1732 تلقى دروساً في الفيولنشللو، وتعيش بالترتيل في الكنائس، والعزف على الكمان في المراقص، وإحياء الحفلات الموسيقية في المدن المجاورة.
وكان كل صبي ذكي في بوهيميا ينجذب إلى براغ، واستطاع نفر من ألمعهم شق طريقهم إلى فيينا. واستهدف جلوك الحصول على وظيفة في أوركسترا الأمير فرديناند فون لوبكوفتز. وفي فيينا استمع إلى الأوبرات الإيطالية وأحس جاذبية إيطاليا القوية. وأعجب الأمير فرانشسكو ملتزي بعزمه، فدعاه إلى ميلان (1737). ودرس جلوك التأليف الموسيقي على يد سامارتبني، وتعلق بالأساليب الإيطالية في الموسيقى، وانتهجت أوبراته الأولى (1741-45) نهج الطرائق الإيطالية، وقاد حفلاتها الافتتاحية في إيطاليا. وأتته هذه الخطوات الموفقة بدعوة لتأليف وإخراج أوبرا لمسرح هيماركت في لندن.
وهنا قدم أوبرا La Caduta Degiganti (سقطة العملاق) (1746). ورفضت مصحوبة بمديح هزيل، وقال هندل العجوز الفض أن جلوك لا يعرف "عن الكونترابنت أكثر مما يعرف طباخي"(2) ولكن الطباخ كان صاحب صوت باص-جهير-حسن، ولم يكتب لجلوك أن تعتمد شهرته على الكونترابنت. والتقى برني بجلوك وقال في وصفه "إن له مزاجاً في شراسة مزاج هندل. ويشوهه الجدري تشويهاً رهيباً..وله جهمة كريهة"(3). وأذاع جلوك على الجماهير-ربما لموازنة ميزانيته-أنه سيقدم "كونشرتو على ست وعشرين كأس شراب ضبطت (بملئها إلى مستويات مختلفة) بماء نبع تصاحبها فرقة موسيقية كاملة (أوركسترا)، لأن هذه آلة موسيقية جديدة من اختراعه يعزف عليها كل ما يمكن عزفه على الكمان أو بيان قيثاري". ومثل هذه




صفحة رقم : 13455




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


"الهارمونيكا الزجاجية أو الكؤوس الموسيقية" كانت قد أدخلت في دبلن قبل سنتين. واستحضر جلوك الأنغام بلمس حواف الكؤوس بإصبعه المبللة. واستهوى الحفل (23 إبريل 1746) أصحاب الفضول، فكرر بعد أسبوع.
وغادر جلوك لندن قاصداً باريس في 26 ديسمبر وهو مبتئس بهذا النجاح. وهناك درس أوبرات رامو الذي كان قد اتجه إلى الإصلاح بإدماج الموسيقى والباليه بالحركة. وفي سبتمبر قاد الأوبرات في همبورج واتصل في علاقة غرام مع مغنية إيطالية وأصيب بالزهري. وكان شفاؤه بطيئاً جداً، حتى أنه حين ذهب إلى كوبنهاجن كان عاجزاً عن قيادة الأوركسترا. ثم عاد إلى فيينا، وتزوج ماريان برجيا (15 سبتمبر 1750) ابنة تاجر غني. وقد منحه صداقها الأمن المالي فاتخذ بيتاً في فيينا، واختفى عن الأنظار في استجمام طويل.
وفي سبتمبر 1754 عينه الكونت مارتشالو دوراتزو قائداً للأوركسترا نظير ألفي فلورن في العام ليلحن للبلاط. وكان دواتزو قد مل الأوبرا الإيطالية التقليدية، فتعاون مع جلوك في دراما موسيقية سميت L'innocenza Giustificata (البراءة المبررة) لم تكن القصة مجرد تكئة للموسيقى، ولا موسيقى مجرد تجميع الألحان، إنما الموسيقى تعكس الحركة، والألحان حتى الكوراس-تدخل في الحبكة دخولاً فيه شيء من المنطق. وهكذا كانت حفلة الافتتاح (8 ديسمبر 1755) البشير والنتاج الأول للإصلاح الذي يقرن التاريخ بينه وبين اسم جلوك. وقد رأينا في موضع سابق مساهمات بنديتو مارتشللو وجومللي وترايتا في هذا التطور، والنداء الذي وجهه روسو وفولتير والموسوعيون لربط أوثق بين الدراما والموسيقى. وكان مناستازيو قد أعان عليه بإصراره في إباء على أن الموسيقى يجب أن تكون خادمة للشعر(4).وربما تأثر جلوك بشغف فنكلمان بإحياء المثل الإغريقية في الفن، وكان الملحنون يعرفون أن الأوبرا الإيطالية كمحاولة لإحياء الدراما الكلاسيكية التي أخضعت موسيقاها للتمثيلية وكان جان-جورج نوفير أثناء ذلك ينادي (1760) بالتسامي بالباليه من مجرد الرقص الإيقاعي إلى الإيماء




صفحة رقم : 13456




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


الدرامي المعبر عن "عواطف كل شعوب الأرض وعاداتهم وتقاليدهم ومراسمهم وأزيائهم(5)". ونسج جلوك هذه العناصر كلها في شكل أوبراوي جديد بفضل ما أوتي من كيمياء العبقرية العجيبة.
إن من أسرار المرء أن يغتنم الفرصة إذا سنحت. فما الذي حدا بجلوك إلى هجر نصوص أوبرات متاستازيو ويتخذ رانييرو دا كالتابيجي شاعراً لأوبرا "أورفير وأورديتشني"؟ لقد ولد كالزابيجي في ليفورنو. وبعد مغامرات في الحب والمال وفد على باريس ونشر هناك ترجمة لــ"الشعر الدرامي" لمتاستازيو (1755) وقدم لها بــ"رسالة" أعرب فيها عن أمله في ظهور نوع جديد من الأوبرا-"كل مبهج يكون خلاصة التفاعل بين كورس كبير وبين الرقص والحركة التمثيلية التي يتحد فيها الشعر والموسيقى بطريقة رائعة(6)". فلما انتقل إلى فيينا أثار اهتمام دوراتزو بأفكاره عن الأوبرا، ودعاه الكونت ليكتب نصاً لأوبرا، فكتب.."أورفيو وأورديتشي". وعرض دوراتزو القصيدة على جلوك، فرأى في الحبكة البسيطة الموحدة موضوعاً يمكن أن يبتعث كل طاقاته.
وقدمت النتيجة لفيينا في 5 أكتوبر 1762. واستطاع جلوك أن يجند لدور أورفيوس أكبر المغنين الخصيان ذوي الصوت الكونترالتو وهو جاتيانو جواديني. أما القصة فقديمة قدم الأوبرا، وقد استعملها أكثر من عشرة كتاب لنصوص الأوبرا بين 1600، 1761، واستطاع جمهور السامعين تتبع الحركة دون أن يفقهوا الإيطالية. واستغنت الموسيقى عن السرد الذي لا يصاحبه العزف، والألحان الأساسية المعادة، (da capo)، والزخارف والمحسنات، وفيما عدا ذلك نهجت نهج الأسلوب الإيطالي ولكنها سمت إلى آفاق غنائية فيها من النقاء ما ندر أن بلغه أحد من قبل ولا من بعد. وصرخة اليأس المنبعثة من أورفيوس بعد أن أفقده الموت حبيبته مرة ثانية؟ Che Faro Sanz Euridice "ماذا أفعل بدون أورديتشي"؟ ما تزال أجمل ألحان الأوبرا قاطبة، ونحن




صفحة رقم : 13457




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


حين نسمع هذا اللحن، ولحن القلوب الحزين في "رقصة الأرواح المباركة" تعجب كيف وجد هذا البوهيمي العاصف هذه الرهافة في روحه.
ولم تلقَ أورفيو استقبالاً حاراً في فيينا؛ ولكن ماريا تريزا تأثرت بها تأثيراً عميقاً وأرسلت إلى جلوك صندوق سعوط محشواً بالدوقاتيات. وما لبث أن اختير لتعليم الغناء للأرشيدوقة ماريا أنطونيا. وكان أثناء ذلك مكباً هو وكالزابيجي على تأليف أوبرا عدها البعض أكمل ما ألفاه من أوبرات، وهي "السيست". وقد أعلن المؤلف في مقدمة النسخة المنشورة كتبها كلزابيجي لجلوك مبادئ إصلاحه للأوبرا. قال:
"حين اضطلعت بكتابة الموسيقى لألسيست صممت على أن أجردها تماماً من كل تلك المساوئ..التي طالما شوهت الأوبرا الإيطالية..وقد جهدت لأقصر الموسيقى على وظيفتها الحقيقية وهي خدمة الشعر بالتعبير وبمتابعة مواقف القصة دون قطع الحركة المسرحية أو خنقها بحشو لا غناء فيه من التعليقات. ولم أرَ أن من واجبي أن أمر مرور الكرام بالقسم الثاني من لحن ما، ربما كانت كلماته آخر وأهم الكلمات-لكي أعيد بانتظام...كلمات القسم الأول...وقد أحسست أن الافتتاحية يجب أن تحيط المتفرجين بطبيعة الحركة التي ستقدم لهم وتكون-إن شئت-خلاصتها.., أن الآلات الأوركسترالية يجب أن تدخل متناسبة مه أهمية الكلمات وقوتها ولا تترك ذلك التناقض الحاد بين اللحن والسرد في الحوار...الذي يشوه بشكل غشوم قوة الحركة وحرارتها...وقد آمنت بأن جهدي الأعظم يجب أن ينصرف إلى البحث عن البساطة الجميلة(7)".
وباختصار، يجب أن تخدم الموسيقى الدراما وتزيد من حدتها، لا أن تجعل منها مجرد تكئة للعروض الصوتية أو الأوركسترالية. وقد عبر جلوك عن الأمر تعبيراً فيه غلو بقوله "أنني أحاول أن أنسى أنني موسيقي(8)"، وأن عليه أن يندمج مع كاتب النص في تأليف "دراما




صفحة رقم : 13458




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


بالموسيقى". "وقصة السست تمتنع قليلاً على التصديق، ولكن جلوك أنقذها بافتتاحية قاتمة سبقت بتصوير الحركة المأساوية وأفضت إليها، وبمشاهد عاطفية مؤثرة بين السست وأطفالها، وبدعائها لآلهة العالم السفلي في لحن "أرباب ستاكس"، وبالكروالات الجليلة والمجموعات الفخمة. واستمع جمهور فيينا لهذه الأوبرا في ستين حفلة بين الافتتاح في 16 ديسمبر 1767 و1779. ولكن النقاد وجدوا فيها أخطاء كثيرة، أما المغنون فشكوا من أنها لم تفسح لهم المجال الكافي لعرض فنهم.
وبذل الشاعر والمؤلف محاولة ثانية في أوبرا "باريز وهيلانة" (30 نوفمبر 1770). وقد اقتبس كلزابيجي الحبكة من أوفيد الذي جعل من قصة باريز وهيلانة مغامرة غرامية شخصية بدل أن تكون فاجعة دولية. وعرضت الأوبرا عشرين مرة في فيينا، ومرة في نابلي، ولم تعرض في غيرهما. وتحمل كالزبيجي تبعة هذا الفشل النسبي، وطلق كتابة النصوص الأوبرات. وراح جلوك يبحث عن تربة يلقي فيها بذرته. وأشار عليه صديق في السفارة الفرنسية في فيينا يدعى فرانسوا دي رولليه أن يقدم لجماهير باريس تحية يرحبون بها، في صورة أوبرا فرنسية يضع موسيقاها مؤلف ألماني. وعملاً باقتراحات لديدرو وألجاروتي أشار فيها بأن تمثيلية راسين "إفجييني" تتيح موضوعاً مثالياً للأوبرا صاغ دورولليه التمثيلية نصاً لأوبرا وقدمها لجلوك..ورأى جلوك مادتها متفقة تمام الاتفاق مع ذوقه فعكف على العمل من فوره.
ورغبة في تمهيد الطريق إلى باريس وجه دورولليه خطاباً إلى مدير دار الأوبرا نشر في المركيز دفرانس أول أغسطس 1772-ذكر فيه أن "مسيو جلوش" كان ساخطاً أشد السخط على الزعم بأن اللغة الفرنسية لا تتلاءم مع الموسيقى، وأنه اقترح إثبات العكس بــ"إفجييني في أوليد". ولطف جلوك من غضب روسو المتوقع (وكان يومها يعيش منزوياً في باريس) بأن أرسل إلى المركيز خطاباً (أول فبراير 1773) أعرب فيه عن أمله في التشاور مع روسو حول "الوسيلة التي أنوي اتخاذها لإخراج موسيقى




صفحة رقم : 13459




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


صالحة لجميع الأمم، وإزالة فوارق الموسيقى الوطنية السخيفة(9)". واستكملاً لهذا الإعلان الذي يبلغ الغاية في البراعة، استعملت ماري أنطوانيت-التي لن تنس أستاذها القديم-نفوذها في دار الأوبرا. ووافق مديرها على إخراج "إفجيني"، وحضر جلوك إلى باريس، وألزم المغنين وأوركسترا ببروفات بلغت من الشدة والانضباط حداً ندر أن عرفوه من قبل. وتبين أن صوفي أرنوا كبيرة المغنيات متمردة على أوامره فهدد بالإقلاع عن المشروع. وبدا أن جوزيف لجرو قد أضعفه المرض إلى حد منعه من تمثيل دور الجبار أخيل: "أما جانتان فستري" إله الرقص وقتها، فأراد أن يكون نصف الأوبرا باليهاً(10). وشد جلوك شعره، أو قل باروكته، وأصر على موقفه، وانتصر. وكانت حفلة الافتتاح (19 إبريل 1774) حدث العالم الموسيقي المثير. وقد نحس بما كانت عليه العاصمة الجياشة من هياج إذا قرأنا خطاب ماري أنطوانيت لأختها ماريا كرستينا في بروكسل. قالت:
"إنه نصر عظيم يا عزيزتي كرستين، إن الحماسة تجرفني، ولم يعد الناس يتكلمون على شيء غير هذا. وكل الرؤوس تجيش نتيجة لهذا الحدث...فهناك إنشقاقات ونزعات أشبه بالنزاع الديني. ومع أنني أعلنت في البلاط أنني في صف هذا العمل الملهم، فإن هناك تحريات ومناقشات شديدة الحيوية. أما في المدينة فيبدوا أن الحال أسوأ من هذا(11)".
ورد روسو تحية جلوك بإعلانه أن "أوبرا مسيو جلوك قلبت كل أفكاره رأسا على عقب، وقد اقتنع الآن أن اللغة الفرنسية تستطيع أن تنسجم كأي لغة أخرى مع الموسيقى القوية المؤثرة الحساسة(12). وكانت الافتتاحية رائعة حتى أن الجمهور في الليلة الأولى طالب بإعادتها ووجه النقد للألحان لأنها مسرفة في الطول، ولأنها تقطع سير الدراما، ولكنها تميزت بعمق مركب الشعور تفردت به موسيقى جلوك. وقد قال الأبيه أرنو عن أحدها وهو "أجاممنون" "بمثل هذا اللحن قد يؤسس المرء دينا(13)".




صفحة رقم : 13460




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


ونافس جلوك الآن لويس الخامس عشر المحتضر محوراً لحديث باريس. وكان بدنه الضخم القوي ووجهه الأحمر وانفه الكبير يشار إليها كلها حيثما ذهب. وأصبح طبعة الغضوب موضوعاً الغضوب موضوعاً لعشرات النوادر. ورمم له جروز صورة ظهرت فيها طبيعته الطيبة المرحلة من خلف خطوط النضال والتوتر. وراح يأكل كما يأكل الدكتور جونسون، ويسرف في الشراب إسرافاً لا يبرزه فيه غير بوزويل، ولم يتظاهر باحتقار المال، وكان يبادر للاشتراك في الثناء على عمله. وقد عامل الحاشية وعامة الناس معاملة واحدة باعتبارهم أدبي منه قدراً، وكان ينتظر من كبار النبلاء أن يناولوه باروكته ومعطفه وعصاه، ولما قدم إليه أحد الأمراء فلم يبرح جلوك مقعده علل سلوكه هذا بقوله "لقد ألف الناس في ألمانيا ألا يقوم الواحد منهم إلا لمن يحترمه(14)".
وكان مدير الأوبرا قد أنذروه بأنه في حالة نجاح "إفجيني وأوليد"، فسيضطر جلوك إلى كتابة خمس أوبرات أخرى في تعاقب سريع، لأن إفجيني ستطرد جميع الأوبرات الأخرى من المسرح. ولم يرهب الإنذار جلوك أنه اعتاد أن يقتطع أجزاء من مؤلفاته القديمة ويحشرها في الجديدة وترجمت له "اورفيو واوريديتشي" إلى الفريسة، ولما لم يجد مغنياً كفوءاً ذا صوت رنان "كونترالتو" في متناوله، أعاد كتابة دور اورفيو لليجرو ذي الصوت الصارخ (التينور). أما صوفي أرنو التي لانت عريكتها الآن فقد لعبت دور اوريديتشي. ونجحت حفلة الافتتاح الباريسية نجاحاً ادفأ صدره. وجادت ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا الآن، بمعاش قدره ستة آلاف فرنك لـــ"عزيزي جلوك"(15). وقفل إلى فيينا ورأسه يطاول النجوم.
وفي مارس 1776 عاد إلى باريس بترجمة فرنسية لألسست، أخرجت فلم تلق غير استحسان متوسط في 23 إبريل. أما جلوك الذي تعود النجاح فقد استجاب لهذه النكسة بكبرياء غاضبة وقال "ليست ألسست من نوع الأعمال التي تسر الجمهور سروراً مؤقتاً، أو التي تسرهم لجدتها.




صفحة رقم : 13461




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


فليس للزمن عليها سلطان. وأنا أزعم أنها ستسر السامعين نفس السرور بعد مائتي عام إذا لم يطرأ على اللغة الفرنسية تغيير"(16). وفي يونيو عاد إلى فيينا، وسرعان ما بدأ يلحن النص الذي كتبه مارمونتيل من جديد لمسرحية "رولان" التي سبق أن كتب نصها كينو.
وبدأت الآن أشهر المعارك في تاريخ الأوبرا. ذلك أن إدارة الأوبرا كانت أثناء هذا قد كلفت نيكولوبتشيني النابولي بتلحين النص ذاته، وأن يحضر إلى باريس ويخرجه. وحضر (31 ديسمبر 1776)، فلما أنبئ جلوك بهذا التكليف أرسل إلى درولليه الذي كان بباريس آنذاك خطاباً يضطرم بغضبه أولمبية:
"لقد تلقيت للتو خطابك الذي...ناشدتني فيه مواصلة تلحين أوبرا "رولان". ولكن هذا لم يعد ممكناً، لأنني حين سمعت أن إدارة الأوبرا التي لم تجهل أنني ألحن رولان كلفت بهذا العمل ذاته مسيوبتشيني، أحرقت كل ما كتبت منه، ولعله لم يكن يساوي الكثير...وأنا لم أعد رجلاً يدخل في منافسة، وسكون للمسيو بيتشيني ميزة كبيرة جداً عليّ لأنه بغض النظر عن كفايته الشخصية وهي بلا شك عظيمة جداً-سيكون له ميزة الجدة...وأنا واثق أن سياسياً معيناً من معارفي سيقدم الغذاء والعشاء لثلاثة أرباع باريس ليكسب له أنصاراً(17).
ولأسباب ليست الآن واضحة نشر هذا الخطاب-الذي كان من الواضح إنه خطاب خاص-في "الأنية ليترير" عدد فبراير 1777 فأصبح عن غير قصد إعلاناً للحرب.
ووصل جلوك إلى باريس في 29 مايو ومعه أوبرا جديدة هي "أرميد" والتقى المؤلفان الغريمان على الغداء، فتعانقا وتحدثا حديثاً ودياً. وكان بتشيني قد حضر إلى فرنسا دون أن يخطر له أنه سيكون بيدقاً في مؤامرة حزبية قذرة وتجارة أوبرالية، كان هو شخصياً شديد الإعجاب بفن جلوك. ولكن الحزب مضت في الصالونات والمقاهي، وفي الشوارع




صفحة رقم : 13462




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


والبيوت، رغم ما بين الغريمين من مودة؛ وروى تشارلز ببرني أنه "ما من باب فتح لزائر دون أن يوجه إليه هذا السؤال قبل يسمح له بالدخول: سيدي أأنت من أنصار بتشيني أم من أنصار جلوك(18)؟" أما مارمونتيل ودالامبير ولاهارب فقد تزعموا الحزب المناصر لبتشيني والأسلوب الإيطالي، وأما الأبيه أرنو فقد دافع فقد دافع عن جلوك في "إعلان للإيمان بالموسيقى"، وأما روسو، الذي كان قد افتتح الحرب بمقاله المناصر للموسيقى الإيطالية "في الموسيقى الفرنسية"(1753)، فقد ناصر جلوك.
وأخرجت أرميد في 23 سبتمبر 1777. وكان موضوعها وموسيقاها رجوعاً إلى أشكال رسخت قبل إصلاح جلوك، وقد اقتبست القصة من تاسو، ومجدت رينالد والمسيحي وأرميدا الوثنية، وكانت الموسيقى موسيقى لوللي معادة برقة رومانسية، وأما الباليه فباليه نوفير في أروعه، وأعجب هذا المزيج الجمهور فاستقبل الأوبرا استقبالاً حسناً، ولكن انصار بيتشيني نددوا بأرميد قائلين إنها ليست سوى صقل للوللي ورامو. وانتظروا في شوق أوبرا رولان الذي كان يلحنها حامل لوائهم. وأهداها بيتشيني إلى ماري أنطوانيت مشفوعة باعتذاراته: لقد كنت في حاجة لكل شجاعتي وأنا مزدرع ومعزول في بلد كل شيء فيه جديد عليّ تفت في عضدي مئات العقبات المعترضة علي، ولقد فارقتني شجاعتي(19). وكان أحياناً يوشك أن يكف عن النضال ويعود إلى إيطاليا. ولكنه ثابر، ووجد عزاء في نجاح حفلة العرض الأولى (27 يناير 1778). وبدا أن الانتصارين يلغي أحدهما الآخر. وواصلت الحرب السافرة احتدامها. وقد رأتها مدام فيجيه لبرون رأى العين فقالت "كانت ساحة القتال العادية هي حديقة الباليه رويال. فهناك كان أنصار جلوك وبيتشيني يتشاجرون مشاجرات بلغ من عنفها أنها أفضت إلى مبارزات كثيرة.
وعاد جلوك إلى فيينا في مارس، وتخلف في فرتية ليرى فولتير. ثم صحب معه إلى بيته نصين أولهما كتبه نيكولا-فرانسوا جيار وبناه على مسرحية أوربيدس "إفجيني في تاورس". أما الثاني فكتبه البارون




صفحة رقم : 13463




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


جان-باتيس وتشودي عن موضوع الصدى ونارسيس. وعكف على الكتابين فما حل خريف 1778 حتى شعر أنه على استعداد لخوض معركة أخرى. وهكذا نجده في نوفمبر في باريس مرة أخرى، وفي 18 مايو 1779 قدم في دار الأوبرا أوبرا "إفجيني في تاوريد" التي يعدها معظم الطلاب أعظم مؤلفاته الموسيقية. وهي قصة قاتمة، وكثير من موسيقاها شكاة رتيبة، ونحن نمل أحياناً لنواح إفجيني العالي. ولكن حين ينتهي العرض ويسكت سحر الموسيقى والأبيات عقلنا الشكاك ندرك أننا استمعنا إلى دراما عميقة قوية. وقد لاحظ معاصران أن فيها فقرات كثيرة رائعة، أما الأبيه أرنو فقال "إن فيها فقرة رائعة واحدة فقط، هي العمل كله(21)". واستقبل الجمهور العرض الأول للأوبرا بحماسة بالغة.
على أن جلوك تحدى الآلهة، فتعجل بتقديم أوبراه الثانية "الصدى ونارسيس" (21 سبتمبر 1779). ولكنها فشلت، فغادر المايسترو باريس في غضبة مضرية معلناً أنه شبع من باريس وأنه لن يكتب مزيداً من الأوبرات. ولو أطال مكثه فيها لسمع "إفجيني في تاورند". أخرى أخرجها بتشيني بعد عامين من الجهد الشاق. واستقبل الجمهور العرض الأول (23 يناير 1780) استقبالاً حسناً، ولكن في الليلة الثانية كانت الآنسة لا جير التي غنت دور إفجيني مخمورة بصورة واضحة حتى لقد حطمت صوفي أرنو العرض بتلقيها الأوبرا "إفجيني في شمبانيا(22)". وأنهى هذا الحادث المؤسف الحرب الأوبرالية، واعترف بيتشيني بهزيمته اعترافاً جميلاً.
أما جلوك فقد حلم في فيينا بانتصارات أخرى. ففي 10 فبراير 1880 كتب إلى كارل أوجست دوق ساكسي-فيمار راعي جوته: لقد شخت كثيراً، وقد بعثرت خير طاقات ذهني على الأمة الفرنسية. ولكني أشعر بدافع باطني يدفعني لكتابة شيء لبلدي(23). ثم لحن بعض أناشيد كلويشتوك التي مهدت الطريق لأجمل الليدات. وفي 1781 أصيب بالنقطة، ولكن كان عزاء له استقبال فيينا لإفجيني في تاروس وأحياء




صفحة رقم : 13464




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> كرستوفر فليبالت جلوك


"أورفيو والسست". وفي 15 نوفمبر 1787 بينما كان يستضيف جماعة من أصدقائه تعاطى في جرعة واحدة قدحاً من مسكر قوي كان محظوراً عليه. وأصابته تشنجات لم تمهله غير ساعات. وحاول بتشيني وهو في نابلي دون جدوى جمع المال لإحياء حفلات موسيقية سنوية تذكاراً لمنافسه(24). ذلك أن إيطاليا التي كانت تحبذ الميلوديا لم تأبه بإصلاحات جلوك: ونهج موتسارت نهج الإيطاليين، ولابد أنه صعق لفكرة تسخير الموسيقى للشعر. أما هردر الذي جاء في ختام هذه الفترة الخلاقة والذي رجع البصر إليها بمعرفة محدودة بباخ وهايدن وموتسارت فقد وصف جلوك بأنه أعظم ملحني القرن قاطبة(25).




صفحة رقم : 13465




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن



2- يوزف هايدن




1732 - 1809


من الأيسر علينا أن نحب هايدن، فهاهنا رجل لم يتشاجر مع إنسان غير زوجته، رجل يشيد بمنافسيه كأنهم أصدقاؤه، رجل أشرب موسيقاه بالمرح، وكان بمزاجه الفطري عاجزاً عن المأساة.
ولم يحبه الحظ شرف المولد. فقد كان أبوه صانع عربات ونقاشاً في روراو، وهي مدينة صغيرة على الحدود بين النمسا والمجر. أما أمه فكانت طاهية لأشراف هاراش وكان أبواه كلاهما من أصل سلافي كرواتي لا ألماني. وكثير من ألحان هايدن تردد صدى الأغاني الكرواتية. وكان الثاني بين اثني عشر طفلاً مات ستة منهم في مستهل طفولتهم. وقد عمد باسم فرانتس يوزف هايدن، ولكن كان من المألوف يومها أن ينادى الأطفال باسمهم الثاني.
فلما ناهز السادسة أرسل ليعيش مع قرب يدعى يوهان ماتياس فرانك، صاحب مدرسة في هاينبورج. هناك كان يومه يبدأ بدروس في الفصل من الساعة السابعة إلى العاشرة، ويلي القداس، ثم الرجوع للبيت لتناول الغداء، ثم دروس من الثانية عشرة إلى الثالثة، ثم دروس في الموسيقى. وقد درب على التدين ولم يفقده قط. وكانت أمه تتوق إلى




صفحة رقم : 13466




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


تخرجه قسيساً، وأحزنها حزناً عميقاً اختياره حياة الموسيقى التي لا ضمان لاستقرارها. على أن فرانك شجع ميل الطفل للموسيقى وعلمه كل ما في طاقته أن يتعلمه، وألزمه نظاماً صارماً للدرس. وقد ذكر هايدن في شيخوخته هذا الرجل وغفر له قائلاً "سأكون ما حييت شاكراً لذلك الرجل أنه الزمني العكوف على العمل وإن اعتدت أن أنال من الجلد أكثر مما أنال من الطعام(26)". وبعد أن قضى يوزف عامين مع فرانك أخذه إلى فيينا جبورج روتير، مدير فرقة المرتلين في كاتدرائية القديس اسطفانوس، ورأى رويتر إن صوته "الضعيف الحلو" قد يجد مكاناً متواضعاً في فرقة المرتلين. وهكذا ذهب الغلام الحيي المشتاق ليعيش في مدرسة المرتلين "الكانتوربي" الملحقة بالكاتدرائية. وهناك كان يتلقى دروساً في الحساب والكتابة واللاتينية والترتيل والكمان. ورتل في الكاتدرائية وفي المصلى الإمبراطوري، ولكنه كان لا ينال إلا أتفه الغذاء، فكان يرحب بدعوات للغناء في البيوت الخاصة يستطيع أن يملأ معدته فضلاً عن إنشاد أغانيه.
وفي 1745 أنظم إليه في مدرسة المرتلين أخوه ميخائيل الذي كان يصغره بخمس سنين. وحوالي هذا التاريخ بدأ صوت يوزف يصبح أجش، فعرض عليه أن يخصى ليحتفظ بصوته السوبرانو، ولكن أبويه لم يوافقا. واحتفظ به رويتر أطول ما يستطيع، وأخيراً في 1748 وجد يوزف نفسه وهو في السادسة عشرة حراً ومفلساً، لم يؤت من حسن السمت وجاذبيته ما يكسبه رضى الحظ عنه. فقد نقر الجدري وجهه، وكان أنفه بارزاً، وساقاه أقصر مما يناسب جسمه، ولباسه رثاً، ومشيته لا رشاقة فيها، ومسلكه خجولاً متردداً. ولم يكن بعد قد حذق العزف على أي آلة، ولكنه كان في تلك الآونة يقلب الألحان في رأسه.
وعرض عليه زميل في صف المرتلين حجرة على السطح، وأقرضه أنطوان بوخهولتز 150 فلوريناً ردها إليه هايدن الأمين فيما بعد. وكان عليه أن يجلب الماء صعداً إلى حجرته العليا كل يوم، ولكنه حصل على




صفحة رقم : 13467




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


كلافير (لوحة مفاتيح) قديم، وبدأ يعلم بعض التلاميذ، فأعانه هذا على الحياة. وكان أكثر الأيام يعمل ست عشرة ساعة بل أكثر، ويعزف على الكمان في الكنيسة، ثم على الأرغن في مصلى خاص للكونت هاوجفتز وزير ماريا تريزا، ويغني بصوت التينور بين آن وآخر في كاتدرائية القديس اسطفانوس. وكان لمناستازيو الشهير شقة في الميناء ذاته فحصل لهايدن على وظيفة معلم موسيقى لابنة صديق له، وعن طريق مناستازيو التقى هايدن ببوربورا، ووافق هايدن على أن يخدم أمير معلمي الغناء هذا على أي وجه شاء مقابل تعليمه التأليف الموسيقي. ثم تلقى دروس التأليف الثمينة، وكان ينظف حذاء المايسترو ومعطفه وباروكته ويقوم بمصاحبة بوربورا وتلاميذه على الكلافير. وقد قال هايدن وهو يذكر تلك الأيام فيما بعد "يستطيع الشباب أن يتعلموا من أن شيئاً يمكن أن يخرج من لا شيء. فكل ما أنا عليه الآن إنما هو ثمرة أوقات الشدة التي عانيتها(27)".
وعن طريق أصدقائه الجدد تعرف إلى جلوك، ودترزدورف وعدة أفراد من النبلاء. وأخذ كارل يوزف فون فورنبرج (1755) ليمكث معه طويلاً في بيته الريفي-فيتزيرل-بقرب ملك، هناك وجد هايدن أوركسترا من ثمانية عازفين واتسع بعض الفراغ للتأليف. فكتب الآن أولى رباعياته. ثم أضاف إلى هيكل الصوناتا المكون من ثلاث حركات والذي نقله عن كارل فيليب إيمانويل باخ منويتا، ودون الحركات الأربع لقطع أربع، ثم أعطى الآلية شكلها الحديث. وعاد إلى فيينا في 1756 ولفت أنظار نفر من التلاميذ النبلاء مثل الكونتيسة فون تون. ثم قبل (1759) وظيفة مدير الموسيقى للكونت مكسمليان فون مورتزن الذي كان أوركستراه الخاص المؤلف من اثني عشر إلى ستة عشر عازفاً يعزف في فيينا شتاءً، وفي فيللا الكونت بلوكافيك ببوهيميا صيفاً. ولهذه المجموعة كتب هايدن أولى سمفونياته (1759).
وإذ كان يكسب الآن مائتي فلورين في العام يضاف إليها المسكن والمأكل، فقد رأى أن في وسعه المغامرة بالزواج. وكان من بين تلاميذه




صفحة رقم : 13468




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


ابنتان لصانع باروكات. فأغرم بالصغرى ولكنها ترهبت، وأقنع الأب هايدن بأن يتزوج شقيقتها ماريا أنا (1760). وكانت في الحادية والثلاثين وهو في الثامنة والعشرين. وتبين أنها مشاغبة متعصبة مسرفة عقيم. يقول هايدن "لا يهمها مثقال ذرة أن كان زوجها فناناً أو إسكافياً(28)". وبدأ ينظر إلى غيرها من النساء.
وكان يختلف إلى بيت مورتزن أحياناً للاستماع إلى الموسيقي الأمير يال أنطوان استرهاتسي. فلما حل مورتزن أوركستراه أستخدم الأمير هايدن (1761) مساعداً لمدير الموسيقى في مقره الريفي بأيزنشتات في المجر. ونص العقد على أن يتقاضى هايدن أربعمائة فلورن في العام بالإضافة إلى مكان على مائدة الموظفين، و "يلاحظ بصفة خاصة أنه حين يدعي الأوركسترا للأداء أما جمهور أن يبدو الموسيقيون في بزة رسمية مرتدين الجوارب الطويلة البيضاء والقمصان البيضاء...وضفيرة أو باروكة(29)". وفي أيزنشتات كان رئيس فرقة المرتلين جريجور فرنر عاكفاً على الموسيقى الكنسية، فجهز هايدن الحفلات وألف لها الموسيقى. وكان يترأس على أربعة عشر موسيقياً وسبعة مغنين وكورس أختير من بين خدم المير. وقد شارك حجم الأروكسترا الصغير، وطابع المستمعين، في تقرير نوع الموسيقى الخفيف اللطيف الذي كتبه هايدن لأسرة استرهاتسي. وأكسبته طبيعته محبة الموسيقيين ولم يمض على مجيئه إلى أيزنشتات كثير حتى راحوا يلقبونه "بابا هايدن" رغم إنه لم يتجاوز وقتها التاسعة والعشرين(30). وألف لهم الصوناتات والثلاثيات والرباعيات والكونشروتوات والأغاني والكنتاتات ونحو ثلاثين سمفونية. وكثير من هذه المؤلفات وإن كانت ملكاً للأمير حسب نص العقد نشر أو تداوله الناس مخطوطاً في فيينا وليبزج وأمستردام وباريس ولندن، ولم يحل عام 1766 حتى كان اسم هايدن ذائعاً دولياً.
فلما مات بال أنطون (18 مارس 1762) خلفه في رآسة أسرة إسترهاتسي أخوه ميكلوس يوزف الذي كاد يحب الموسيقى حبه لحلته




صفحة رقم : 13469




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


المرصعة بالماس. وكان يحسن العزف على "الفيولادي بوردوني". (وهي شكل مختلف من أشكال الفيولادا جامبا)، وكان سيداً لطيفاً لهايدن طوال عشرتهما التي امتدت قرابة ثلاثين عاماً. يقول هايدن "كان أميري على الدوام راضياً عن أعمالي فلم احظ منه بمجرد تشجيع الاستحسان الدائم، ولكن بوصفي قائداً للأوركسترا استطعت أن أجري التجارب وألاحظ ما يحدث منها أثراً وما يضعف هذا الأثر، وهكذا كنت في وضع أتاح لي إن أحسن، وأغير..وأغامر كما أشاء. لقد كنت مقطوع الصلة بالعالم وما من أحد يشوش علي أو يعذبني، فأكرهت على الابتكار(31).
ومات فرنر في 5 مارس 1766، وأصبح هايدن رئيساً لفرقة المرتلين. وسرعان ما انتقلت الأسرة إلى القصر الجديد "قلعة هاتسي" التي كان ميكلوس قد بناها في الطرف الجنوبي لنويزيدلر زي في شمال غربي المجر. وكان الأمير شديد التعلق بهذا القصر حتى يسكنه من مطلع الربيع حتى آخر الخريف، ثم ينتقل شتاء إلى فيينا مصطحباً موسيقييه أحياناً. وكان العازفون المغنون يكرهون هذه العزلة الريفية لاسيما لأنها كانت تفصلهم عن زوجاتهم وأبنائهم ثلاثة فصول في العام، ولكنهم كانوا يتعاطون أجوراً حسنة ولم يجرؤا على الشكوى. وذات مرة أراد هايدن أن يلمح لميكلوس بأن موسيقييه مشتاقون إلى أخذ إجازة، فألف "سمفونية الوداع" (رقم 5) وفي ختامها كانت الآلة تلو الأخرى تختفي من المدونة والعازف يطفئ شمعته ويتناول موسيقاه وآلته ثم يغادر المسرح. وفطن الأمير إلى القصد فرتب الفرقة إلى فيينا في وقت قريب.
وسمح لهايدن على سبيل الاستثناء بأن يصحب معه زوجته إلى استرهاتسي، ولكنه لم يقدر هذا الامتياز. ففي 1779 وقع في غرام لويجا بولتسللي، وكانت مغنية وسطاً استخدمتها استرهاتسي مع زوجها عازف الكمان أنطونيو. ويبدو أن هايدن أحس أنه ما دامت الكنيسة الكاثوليكية لم تسمح له بتطليق زوجته المتعبة فإن عليها من قبيل الرأفة أن تسمح له بإنحرافة أو اثنتين، ولم يبذل كثيراً من الجهد في إخفاء علاقته الغرامية هذه. أما أنطونيو فقد بلغ




صفحة رقم : 13470




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 30-03-11, 05:00 مساء   رقم المشاركة : [399]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


من الكبر والمرض ما منعه من الاحتجاج الفعال، وكان يعلم أن الفضل في بقائه في وظيفته راجع إلى أن رئيس فرقته يستطب لويجا. وكانت قد قدمت إلى استرهاتسي بغلام في الثانية، وفي 1783 ولدت صبياً آخر نسبته الشائعات إلى بابا هايدن، وتعلق قلب هايدن بالغلامين جميعاً وكان عوناً لهما طوال حياته.
وخلال تلك السنوات الحافلة بالشواغل في استرهاتسي لم يتطور هايدن في فن التلحين إلا تطوراً بطيئاً لأنه افتقد الحافز والمنافسة الخارجيين، فلم ينتج شيئاً يستحق أن يذكر به إلى أن أبلغ الثانية والثلاثين-وهي سن كان موتسارت قد أكمل فيها "أعماله الكاملة" باستثناء "الناي السحري" و"القداس الجنائزي". وقد أنتج هايدن أبدع أعماله بعد بلوغه الخمسين، وأولى سمفونياته الكبرى حين قارب الستين، و"الخليقة" حين كان في السادسة والستين. وكتب عدة أوبرات تؤدى في استرهاتسي، ولكن حين دعته براغ لتقديم أوبرا فيها، ضمن سلسلة تقرر أن تحتوي على الزواج فيجارو ودون جوفاني، أحجم في رسالة كلها تواضع نبيل (ديسمبر 1787)، قال:
"تريد مني أوبرا هازلة...فإذا كان قصدك إخراجها في براغ فأني لا أستطيع أن أسدي إليك هذا الصنيع. ذلك أن أوبراتي لا تنفصل عن المجتمع الذي كتبت له، ولن تحدث التأثير المقصود منها إذا عزلت عن بيئتها الأصلية. ولكن يكون أمراً آخر أن أشرف بتكليفي بكتابة أوبرا جديدة لمسرحكم. على أنه حتى في هذه الحالة، سيكون من المغامرة أن أضع نفسي منفساً لموتسارت العظيم. ولو أنني استطعت فقط أن ألهم كل عاشق للموسيقى، خصوصاً بين العظماء، بمشاعر تبلغ في عمقها مشاعري، وفهم واضح كفهمي، وهم يستمعون إلى أعمال موتسارت الممتنعة على التقليد، إذن لتبارت الأمم على حيازة هذه الجوهرة الكريمة داخل حدودها. وعلى براغ أن تجاهد الاحتفاظ بهذا الكنز في قبضتها، ولكن بمكافأته المكافأة اللائقة. وإغفال هذا الجزء كثيراً ما يكون مصدر حزن في حياة عبقري




صفحة رقم : 13471




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


عظيم، وتثبيط للمزيد من الجهود ولمستقبل الأيام. وأني لأشعر بالسخط لأن موتسارت لم يستخدم إلى الآن في أي بلاط إمبراطوري أو ملكي. عفواً إن كنت قد خرجت عن الموضوع، فموتسارت رجل عزيز علي جداً"(32).
وكان هايدن نفسه يتوق إلى بلاط تنشر فيه موهبته جناحيها على نطاق أوسع، ولكن كان عليه أن يقنع بالمجاملات الملكية. ووصلته الهدايا من فرديناند الرابع ملك نابلي وفردريك وليم الثاني ملك بروسيا وماريا فيودروفنا الأرشيدوقة الروسية. وفي 1781 بعث إليه شارل الثالث ملك أسبانيا علبة سعوط ذهبية مرصعة بالماس، وسافر السفير الأسباني لدى فيينا إلى استرهاتسي ليقدم إليه هذا الكنز الصغير بشخصه. ولعل لبوكيريني يداً في هذه اللفتة، وكان يومها يقيم في مدريد، لأنه اقتبس أسلوب هايدن بحماسة شديدة حتى لقد لقب بــ"زوجة هايدن"(33). ولما قرر مجلس الكاتدرائية في قادس تكليف موسيقى بوضع الإطار الموسيقي لــ"كلمات مخلصنا السبع الأخيرة" رسا التكليف على هايدن، فاستجاب بأوراتوريو (1785) لم يلبث أن أدى في أقطار كثيرة-في الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ مبكر (1791). وفي 1784 طلب مخرج باريسي ست سمفونيات، فأتحفه هايدن بست "سمفونيات باريسية". ووصلته عدة دعوات ليقود الحفلات الموسيقية في لندن. وشعر هايدن بأنه مربوط باتسرهاتسي برباط الولاء كما هو مربوط برباط التعاقد، ولكن خطاباته الخاصة تشي بشوقه المتزايد إلى مسرح أرحب لفنه.
وفي 28 سبتمبر 1790 مات الأمير نيكلوس يوزف. ولم يكن الأمير الجديد انطون استرهاتسي ولوعاً بالموسيقى، ففصل كل الموسيقيين تقريباً، ولكنه احتفظ بهايدن اسمياً في خدمته، ومنحه معاشاً سنوياً قدره ألف وأربعمائة فلورين، وسمح له بأن يسكن حيث يشاء. وانتقل هايدن إلى فيينا لتوه تقريباً، وتلقى الآن عدة عروض، أعجلها من يوهان بيتر سالومون،




صفحة رقم : 13472




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


الذي صرح له بهذه العبارة "لقد جئت من لندن لآخذك معي، وسنبرم اتفاقنا غداً". وعرض عليه 300 جنيه لقاء أوبرا جديدة، و300 أخرى نظير ست سمفونيات، و200 أخرى نظير حق تأليفها، و200 أخرى نظير عشرين حفلة موسيقية في إنجلترا، و200 أخرى نظير حفلة موسيقية تحيا فيها لصالح هايدن-ومجموعها كلها 1200 جنيه. وكان هايدن يجهل الإنجليزية ويخشى عبور المانش. وتوسل إليه موتسارت ألا يضطلع بهذه الأعباء والمغامرات قائلاً "يا أبت لم تتلق أي تعليم يؤهلهم للعالم الواسع، وأنت لا تتكلم إلا القليل جداً من اللغات!" وأجاب هايدن "ولكن لغتي مفهومة في العالم كله".(34) وباع البيت الذي منحه إياه الأمير ميكلوس يوزف في أيزنشتات، ودبر معاش زوجته وخليلته، ثم انطلق إلى مغامرته الكبرى. وأنفق مع موتسارت الأيام الأخيرة قبل الرحيل، وبكى موتسارت حين رآه يرحل (إنني أخشى يا أبتاه أن يكون هذا آخر وداع لنا).
وغادر هايدن وسالومون فيينا في 15 ديسمبر 1790، ووصلا إلى لندن في أول يناير 1791. وكانت أولى حفلات هايدن الموسيقية (11 مارس) انتصاراً له. وختمت "المورننج كرونكل" تقريرها عنها بهذه العبارة "لا نستطيع أن نخفي أملنا الوطيد في أن يكون في هذا الترحيب البالغ الذي لقيه منا أعظم عباقرة الموسيقى في جيلنا هذا ما يغريه بأن يتخذ مقامه في إنجلترا"(35). ونجحت كل الحفلات الموسيقية، وفي 16 مايو أبهجت قلب هايدن حفلة أحييت لصالحه بــ350 جنيه. وفي ذلك الشهر حضر حفلة تذكارية لهندل في كنيسة وستمنستر. واستمع إلى (المسيا) وبلغ به التأثر حد البكاء، وقال في تواضع (هندل، أستاذنا جميعاً)(36). واقترح بيرني على جامعة أكسفورد أن تمنح هندل الجديد درجة فخرية، وقبل الاقتراح، وذهب هندل إلى الجامعة في يوليو، وأصبح دكتوراً في الموسيقى، وقاد هناك سمفونية في مقام G الكبير (رقم 92) وكان قد ألفها قبل ثلاث سنوات، ولكن التاريخ يعرفها منذ ذلك الوقت بسمفونية




صفحة رقم : 13473




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


أكسفورد.. وتذكرنا حركتها البطيئة الجميلة بالأغنية الشعبية الإنجليزية القديمة "لورد راندول".
ولقد أتيح لهايدن أن يستمتع بمشهد الريف الإنجليزي الذي رأى فيه تمجيداً سماوياً للنبات والمطر، لذلك قبل مغتبطاً عقب عودته إلى لندن دعوات لبيوت ريفية. وهناك وفي لندن كسب الكثير من الأصدقاء بترحيبه بالعزف والغناء في حفلات خاصة. واتخذ له تلاميذ متقدمين في الموسيقى ليعلمهم التأليف، ومن بينهم أرملة وسيمة غنية تدعى يوهانا شروتر. ومع أنه كان في الستين، فأن هالة شهرته أدارت رأسها فعرضت عليه حبها. وقد ذكر هذا الحديث فيما بعد فقال "أغلب الظن أنني كنت متزوجها لو كنت عزباً"(37). وفي غضون هذا كانت زوجته تلح عليه في العودة. وفي خطاب أرسله إلى لويجا بولتسيللي قال متذمراً (إن زوجتي -الوحش الجهنمي-كتبت لي أشياء بلغت من الكثرة ما أكرهني على الجواب بأنني لن أعود أبداً)(38).
وراح يشتغل بهمة رغم ما أثقل ضميره وجيبه من النسوة الثلاث، فألف الآن ستاً (رقم 93-98) من سمفونياته اللندنية الأثنتي عشرة. ونرى فيها تطوراً ملحوظاً من إنتاجه في إيزتشتات واسترهاتسي. ولعل سمفونيات موتسارت قد شحذت فنه، أو لعل احتفاء إنجلترا به قد اخرج خير ما فيه، أو لعل استماعه إلى هندل حرك فيه أعماقاً لم تمسها بيئته الساكنة الهادئة في ربى المجر، أو لعل علاقاته الغرامية قد رفعته إلى العواطف الرقيقة كما بعثت فيه الفرحة البسيطة. وشق عليه إن يبرح إنجلترا؛ ولكنه كان مرتبطاً يعقد مع الأمير أنطون استرهاتسي الذي أصر الآن على عودة هايدن ليشارك في المهرجانات الممهدة لتتوج الإمبراطور فرانسيس الثاني. ومن ثم نراه يقتحم المانش ثانية في أواخر يونيو 1792، وينتقل من كاليه إلى بروكسل إلى بون، ويلتقي ببيتهوفن (الذي كان آنئذ في الثانية والعشرين)، ويحضر التتويج في فرانكفورت، ثم يصل إلى فيينا في 26 يونيو.




صفحة رقم : 13474




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


ولم تشر صحيفة واحدة إلى عودته، ولا نظمت له حفلات موسيقية، ولا حفل به البلاط. ولو كان موتسارت موجودا لاحتفى بمقدمه، ولكن موتسارت كان قد قضى. وكتب هايدن إلى أرملته، وتطوع بإعطاء دروس مجانية لابنه؛ وحث الناشرين على طبع المزيد من موسيقى موتسارت. ثم ذهب ليعيش مع زوجته في المنزل المحتفظ به الآن متحفاً لهايدن (هايدن-جاسي 19). وأرادته الزوجة أن يكتب لها البيت فرفض. وازدادت مشاجراته معها حدة. وقدم بيتهوفن في ديسمبر 1792، ليدرس عليه. ولكن العبقريين لم ينسجما معاً، فقد كان بيتهوفن متكبراً مسيطراً، وكان هايدن يلقبه "المغولي الأكبر"(39). وقد شغله استغراقه في عمله هو عن تصحيح تمرينات تلميذه بأمانة، ووجد بيتهوفن سراً معلماً آخر، ولكنه واصل تلقي الدروس عن هايدن. فقال الجبار الصغير "لم أتعلم منه شيئاً(40)"، ومع ذلك فكثير من قطعه الأولى تنهج نهج هايدن، وقد أدهى بعضها لمعلمه الشيخ.
وازداد تقدير القوم لهايدن في النمسا وفي روراو، فأقام الكونت فون هاراخ في روراو، عام 1792، تمثالاً لابن البلدة الذي غداً الآن ذائع الصيت، ولكن ذكرى انتصاراته وصداقاته في إنجلترا كانت لا تزال حارة، ومن ثم لم يتردد الموسيقى في الموافقة على العرض الثاني الذي قدمه لم سالومون بالذهاب إلى لندن وتكلفه كتابة ست سمفونيات جديدة. فغادر فيينا في 19 يناير 1794 ووصل إلى لندن في 4 فبراير. وكانت إقامته هذه التي امتدت ثمانية عشر شهراً في إنجلترا نصراً مؤزراً شدد عزمه كنصره الأول. وظفرت المجموعة الثانية من "السمفونيات اللندنية" (أرقام 99-104) باستقبال طيب، وخرج هايدن من حفلة أحييت لصالحه بدخل صافي قدره 400 جنيه. وكان تلاميذه يدفعون له جنيهاً إنجليزياً في الدرس، وكانت السيدة شروتر تسكن بقربة، وعاد الأثير المقرب للطبقة الأرستقراطية، فاستقبله الملك وأعداء الملك على السواء، وأمير ويلز، وعرضت عليه الملكة مسكناً في ونزر طوال الصيف إذا أطال مقامه في إنجلترا موسماً آخر. ولكنه اعتذر بأن




صفحة رقم : 13475




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


أمير استرهاتسي الجديد يدعوه للعودة، وأنه لا يستطيع الغياب عن زوجته فترة طويلة كهذه (!). وكان الأمير أنطون قد مات، وأراد خلفه الأمير ميكلوس الثاني أن يعيد الحفلات الأوركسترالية في ايزنشتات. وهكذا غادر هايدن لندن في 15 أغسطس 1795 بعد أن حزم حقائبه وجيوبه عامرة ويمم شطر وطنه.
وبعد أن زار تمثاله في روراو قدم نفسه لميكلوس الثاني في ايزنشتات ونظم الحفلات الموسيقية لشتى المناسبات هناك. على أنه كان يقيم في بيته في أطراف فيينا باستثناء الصيف والخريف. وفي عامي 1796-97 كان نابليون يسوق النمساويين أمامه في إيطاليا، وهدد تصاعد المشاعر الثورية في النمسا نظام هابسبورج الملكي، وتذكر هايدن كيف شدت الحماسة التي أثارها إنشاد النشيد الإنجليزي "حفظ الله الملك" إزر أسرة هانوفر في إنجلترا، وساءل نفسه إلا يمكن أن يفعل نشيد قومي مثل هذا في شد أزر الإمبراطور فارنسيس الثاني؟ وتقدم صديقه البارون جوتفريد فان زفيتن (ابن طبيب ماريا تريزا) بهذا الاقتراح إلى الكونت فون زاوراو وزير الداخلية. وعين زاوراو ليوبولد هاشكا ليؤلف نصاً للنشيد، واستجاب الشاعر بنشيده "حفظ الله الإمبراطور فرنسيس، إمبراطورنا الصالح فرانسيس".
ووفق هايدن لهذه الكلمات لحناً لأغنية كوراتية قديمة، وكانت النتيجة نشيداً قومياً مؤثراً رغم بساطته. وأنشد علانية في عيد ميلاد الإمبراطور في 12 فبراير 1797 في جميع المسارح الكبرى في مملكة النمسا والمجر. وقد ظل مع بعض التغيير في ألفاظه-النشيد القومي النمساوي حتى 1938. وطور هايدن اللحن، مع تنويعات، ليصبح الحركة الثانية في رباعيته الوترية (76 رقم 3).
ثم حاول أن ينافس "المسيا" وهو ما يزال أسيراً لسحر هندل. وكان




صفحة رقم : 13476




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


سالومون قد قدم له نصاً مصنفاً من قصيدة لمتن "الفردوس المفقود"، وترجم فان زفيتن النص إلى الألمانية، ولحن هايدن الأوراتوريو الضخم "دي شويفونج" (الخليقة). وأدى إوراتوريو "الخليقة" أمام جمهور دعى إلى قصر الأمير فون شفارتسنبرج في 29-30 إبريل 1798. وبلغ احتشاد الجمهور خارج القصر مبلغاً اقتضى معه حفظ النظام استخدام خمسين شرطياً من الخيالة (كما يؤكدون)(41). ومول الأمير حفلة عامة في المسرح القومي في 19 مارس 1799، ونفح مؤلف الموسيقى بكل دخلها (الذي بلغ أربعة آلاف فلورن). وحيا السامعون الموسيقى بحماسة أشبه بالحماسة الدينية، وما لبث الأوراتوريو أن استمع إليه الناس في كل مدينة كبرى تقريباً في العالم المسيحي. وأدانت الكنيسة الكاثوليكية اللحن لأنه أخف وأجذل من يصلح لموضوع جليل كهذا، ووافق شيلر بيتهوفن في السخرية من تقليد هايدن لحيوانات جنة عدن، أما جوته فقد أشاد بالعمل، وظفر اللحن في بروسيا بعروض في القرن التاسع عشر فاقت في كثرتها أي لحن كورالي آخر.
وقدم فان زفيتن نصاً آخر اقتبسه من قصيدة جيمس طومسن "الفصول". وعكف هايدن عليه بهمة قرابة عامين (1799-1801)، مما أضر كثيراً بصحته. وقد قال "أن "الفصول" قصمت ظهري". وحظيت حفلة العرض الأولى باستقبال طيب، ولكن اللحن لم يثر حماسة واسعة أو دائمة. وبعد أن قاد هايدن "كلمات المسيح السبع الأخيرة" لصالح أحد المستشفيات اعتزل حياته النشيطة.
وكانت زوجته قد ماتت في 20 مارس 1800، ولكنه كان الآن قد بلغ من الكبر حداً لا يتيح له الاستمتاع بحريته وإن لم يمنعه من الاستمتاع بشهرته. فقد اعترف به الناس أمام المؤلفين الموسيقيين، وتكاثرت عليه أسباب التشريف من شتى المدن، ووفد عليه مشاهير الموسيقيين-أمثال كيروبيني، وآل فيبر، واجناز بلييل، وهوميل-لتقديم واجب الاحترام والإجلال له. ولكن الروماتزم والدوار وغيرهما من الأصواب أورثته




صفحة رقم : 13477




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


الاكئتاب وسرعة الغضب والتشبث الرهيب بأهدب الدين. وحين زاره كاميل بلييل في 1805 وجده "ممسكاً بمسبحة في يديه، وأعتقد أنه يقضي أكثر يومه في الصلاة، وهو لا يفتأ يقول أن نهايته قد دنت...ولم نطل المكث معه لأننا رأينا أنه يريد أن نصلي(42). في ذلك العام انتشرت شائعة كاذبة زعمت أن هايدن مات. وكتب كيروبيني كنتاتا عن موته، وخططت باريس لحفلة موسيقية تذكارية يعزف فيها قداس موتسارت الجنائزية، ثم وصل نبأ بأن الشيخ ما زال على قيد الحياة. فلما سمع هايدن بالأمر قال معقباً "إذن لسافرت إلى باريس لأقود القداس الجنائزي بنفسي"(43).
وظهر آخر مرة أمام الجمهور في 27 مارس 1809 حين رتلت "الخليقة" في جامعة فيينا احتفالاً بعيد ميلاده السادس والسبعين الوشيك. وأرسل الأمير استرهاتسي مركبته لنقل الرجل العاجز إلى الحفلة الموسيقية. وحمل هايدن على كرسي ذي مسندين إلى القاعة بين الجمهور من النبلاء ومشاهير القوم، ولفت الأميرات شيلانهن حول جسده المرتعش. وجثا بيتهوفن وقبل يده. وغلب التأثر المؤلف العجوز، ولم يكن بد من إعادته إلى بيته في فترة الاستراحة.
وفي 12 مايو 1809 بدأت مدفعية نابليون تقصف فيينا. وسقطت قنبلة على مقربة من بيت هايدن فهزته هو وسكانه، ولكن هايدن قال ليطمئنهم "يا أبنائي لا تخافوا، فحيث يوجد هايدن لن يصيبكم سوء". وصدق قوله إلا عن نفسه، فقد حطم القصف جهازه العصبي. فلما استولى الفرنسيون على المدينة أمر نابليون بأن يرابط حرس شرف أمام بيت المؤلف. ورتل ضابط فرنسي عند دخوله لحناً من "الخلقية" بطريقة فيها كثير من الرجولة والسمو حتى أن هايدن عانقه وفي 31 مايو قضى نحبه وهو في السابعة والسبعين، وأقامت كبرى مدن أوربا كلها الصلوات تذكاراً له.
يقتصر إنجاز هايدن التاريخي على تطوير الأشكال الموسيقية. وقد أضفى على الأوركسترا حيوية جديدة بما أوجده من توازن بين الأوتار وآلات النفخ والنقر. وإذ بنى فوق جهود سامارتيني وشتامنز وكارل




صفحة رقم : 13478




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


فليب إيمانويل باخ: فإنه أرسى شكل الصوناتا باعتبارها عرضاً وتفصيلاً وتلخيصاً لموضوعات متعارضة وأعد لموتسارت الموسيقي الخفيفة المسلية المسماة "ديفرتمنتو" باعتبارها أقل شكلية من المتتالية وأنسب اللقاءات الاجتماعية. وأعطى الرباعية الوترية صورتها الكلاسيكية بإطالتها إلى أربع حركات، وبإعطاء الحركة الأولى "شكل الصوناتا". وهنا كان على خلفائه أن يستخدموا عدد ونوع الآلات التي استخدمها هايدن، وقد حقق في كثير من الحالات جمالاً مشرقاً رقيقاً يعود إليه بعضنا متخففاً من التعقيدات العسيرة التي نجدها في رباعيات بيتهوفن الأخيرة.
ولا تزال على قيد الحياة تسمع سمفونيات أو عشر من السمفونيات هايدن المائة والأربعة. ولم تكن الأسماء التي تحملها من اختياره ولكنها من وضع المعلقين أو الناشرين. وقد لاحظنا في مكان سابق تطور "السمفونية" (رأى الأصوات المجمعة) من المقدمة بفضل تجارب سامرتيني وشتامتز. وقد سبق كثيرون هايدن في صياغة بناء السمفونية "الكلاسيكية" فلما خرج من استرهاتسا إلى عالم أرحب لم يكن قد بلغ من الكبر حداً يعجزه عن أن يتعلم من موتسارت كيف يملأ البناء مغزى وعاطفة. وتحدد "سمفونية أكسفورد" مرحلة صعوده إلى مدى أبعد وقوة أعظم، وترينا "السمفونية اللندنية" هايدن في قمة آفاقه السمفونية. والسمفونية رقم 101 (سمفونية الساعة) مبهجة، ورقم 104 لا يقل مستواها عن سمفونيات موتسارت.
ويمكن القول بوجه عام إننا نحس في موسيقاه طبيعة لطيفة سمحة ربما لم تشعر بأعماق الحزن أو الحب، طبيعة اضطرت إلى الإنتاج في عجلة لم تسمح بإنضاج الفكرة أو الموضوع أو الجملة. لقد كان هايدن أسعد من أن يبلغ العظمة العميقة، ولقد تكلم أكثر مما يتيح له التعبير عن الكثير. ومع ذلك فإن في هذه الأنغام اللعوب ذخيرة من البهجة الصافية الهادئة، فهنا كما قال "قد يستمتع المتعبون المكدودون، أو الرجل الذي أثقلته هموم الحياة، ببعض السلوى والانتعاش(44)".




صفحة رقم : 13479




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> إصلاح الموسيقى -> يوزف هايدن


وعقب موت هايدن انصرف العصر عن موسيقاه. فلقد عكست أعماله عالماً إقطاعياً ثابتاً وطيد الأركان، وبيئة من الأمن والدعة الأرستقراطيين، وكان في هذه الأعمال من المرح والرضى عن النفس ما لا يشبع قرناً ملؤه الثورات والأزمات والنشوات الرومانسية واليأس. ولكن الناس عادوا يقبلون عليه حين امتدحه برامز وكتب دبوسي "تحية إجلال لهايدن" (1909). عندها أدرك الناس أنه إذا كان روفائيل وميكل أنجيلو الموسيقي اللذان جاء بعده قد سكبا فكراً أعمق مع تمكن أرهف في مؤلفاتهما الموسيقية، فأنهما لم يستطيعا ذلك إلا لأن هايدن ومن سبقوه صاغوا الأشكال التي تلقاها فنهما الرائع. قال هايدن "إني أعلم أن الله منحني موهبة، وأنا شاكر له هذه المنحة وأحسبني قمت بواجبي وكنت ذا نفع..فليصنع الآخرون كما صنعت"(45).




صفحة رقم : 13480




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب



الفصل الخامس عشر




موتسارت




1- الصبي العجيب




1756-1766


كانت سالزبورج مخفراً موسيقياً لفيينا، شأنها في ذلك شأن براغ وبرسبورج واسترهاتسا، لها طابعها الخاص أولاً بسبب مناجم ملحها التي تعلل اسمها، وثانياً بسبب جبالها المجاورة ونهر زالتساخ الذي يشطرها شطرين، وثالثاً بسبب نموها حول الدير والكرسي الأسقفي اللذين أنشأهما هناك القديس روبرت الفورمزي حوالي عام 700م. وقد رقي رئيس أساقفتها لرتبة (الأمير الإمبراطور) في 1278، ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 1802 ظل حاكم المدينة المدني والديني جميعاً. وفي 1731-32 أكره نحو ثلاثين ألف بروتستنتي على الهجرة، مخلفين سالزبورج كاثوليكية خالصة محكومة كلها بحكومة من رجال الدين الكاثوليك. وفيما عدا ذلك كان نير رئيس الأساقفة خفيفاً على سكان سنيي العقيدة، أقبلوا على المتع الجسدية وغيرها من مباهج الدنيا بعد أن اطمأنوا إلى حقائق الأبدية المؤكدة. وكان زيجسموند فون شراتنباخ رئيس الأساقفة أيام صبي موتسارت، رجلاً يتحلى بقدر كبير من الطيبة والشفقة إلا مع المهرطقين.
إلى هذه البلدة الجميلة إذن قدم ليوبولد موتسارت في 1737 وهو في الثامنة عشرة من وطنه أوجزبورج، ربما ليدرس اللاهوت ويمتهن القسوسية. ولكنه أسلم قلبه للموسيقى، وخدم ثلاث سنين موسيقياً وتابعاً في بيت أحد النبلاء، وفي 1743 أصبح رابع عازفي الكمان في أوركسترا رئيس الأساقفة. فلما تزوج آنا ماريا بيرتل (1747) عدهما القوم أجمل عروسين في سالزبورج. وقد ألف الكونشرتوات والقداسات والسمفونيات، كما ألف كتاباً مدرسياً لتقنية الكمان حظي طويلاًَ بالتقدير. وفي 1757 عين مؤلفاً موسيقياً لبلاط رئيس الأساقفة. ولم يبق الموت إلا على اثنين من




صفحة رقم : 13481




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


أطفاله السبعة جاوزا سن الطفولة: ماريا آنا (ماريا "نانيزل") المولودة في 1751، وفولفجانج أماديوس المولود في 27 يناير 1756 (واسم الغلام الكامل-الذي تشفعت به الأسرة لدى قديسين عديدين- كان يوانس خريسوستومس فولفجانجس تيوفيلوس موتسارت، وقد ترجم تيوفيلوس من اليونانية إلى اللاتينية بأماديوس أي محب الله). وكان ليوبولد زوجاً وأباً طيباً، مخلصاً ومجتهداً. وخطاباته لولده تفيض محبة ولا تعوزها الحكمة. وكان بيت موتسارت-إذا أغضينا عن قليل من نابي الحديث يدور فيه-مرفأ للحب المتبادل، والتقوى الأبوية، والدعابات الطفلية، والموسيقى التي لا تنقضي.
كان القوم يتوقعون من كل طفل ألماني أن يصبح موسيقياً إلى حد ما، يعزف على إحدى الآلات. وعلم ليوبولد أطفاله الموسيقى مع مبادئ القراءة. فكانت ماريانا قد أتقنت في الحادية عشرة العزف على الكلافيكورد. أما فولفجانج فقد عكف على الكلافير في شغف بعد أن حفزته قدوتها، فاستطاع في الثالثة أن يميز بين الأوتار، وفي الرابعة أن يعزف عدة قطع من الذاكرة، وفي الخامسة ابتكرا ألحاناً سجلها أبوه أثناء عزفها. وامتنع ليوبولد عن اتخاذ تلاميذ آخرين يلقنهم الموسيقى ليفرغ بجملته لطفليه وإن كلفة ذلك بعض التضحية. ولم يرسل "فولف" إلى المدرسة، لأنه نوى أن يكون معلمه في كل شيء. ولعل هذا التعليم اقتضى شيئاً من الضبط الألمانيين ولكن لم تكن الحاجة لكثير منه في هذه الحالة، ذلك أن الغلام كان يلزم لوحة المفاتيح من تلقاء نفسه ساعات طوالاً إلى أن يجبر على مبارحتها(1). وقد كتب إليه ليوبولد بعد هذه الفترة بسنوات يقول:
"لقد كنت في مرحلة الطفولة والصبى تسلك مسلكاً جاداً يختلف عن مسلك سائر الأطفال، وحين كنت تعزف الكلافير، أو تعكف على الموسيقى، لم تكن تسمح بأقل مزاح معك. لا بل إن سحنتك ذاتها كانت تتسم بطابع الجد الشديد، حتى لقد تنبأ الكثيرون ممن راقبوك بأنك ستموت قبل أوانك بسبب نبوغك المبكر ومظهرك الجاد(2)".




صفحة رقم : 13482




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


وفي يناير 1762، حين كانت ألمانيا مازالت تمزقها الحرب، اصطحب ليوبولد ابنته وابنه إلى ميونخ ليعرض على الأمير الناخب مكسمليان يوزف براعتهما في العزف، وفي سبتمبر استصحبهما إلى فيينا. ودعيا إلى شونبرون، وابتهجت ماريا تريزا وفرانس الأول بالطفلين، وقفز فولفجانج إلى حجر الإمبراطورة، وضمها إليه وقبلها، ولما تحداه الإمبراطور عزف على الكمان بأصبع واحد، وعزف على الكلافيكورد دون أن يخطئ رغم حجب المفاتيح بقطعة من قماش. وفيما كان فولفجانج يمرح وهو يجري مع الأميرات، زلت قدمه وسقط، فالتقطته الأرشيدوقة ماريا أنطونيا-وكانت في السابعة-وراحت تسري عنه. فقال لها "أنت طيبة"، ثم أضاف شاكراً "سوف أتزوجك(3)". وفتح الكثير من النبلاء بيوتهم لآل موتسارت وبهتوا للموسيقى التي سمعوها وأثابوا ثلاثتهم بالمال والهدايا. ثم ألزم الغلام الفراش أسبوعين لإصابته بالحمى القرمزية-وكان هذا أول الأمراض الكثيرة التي ستنغص عليه رحلاته. وفي 1763 عادت الفرقة إلى سالزبورج.
وأغضى رئيس الأساقفة المتسامح عن تجاوز ليوبولد فترة إجازته، لا بل رقاه نائباً لرئيس فرقة المرتلين ولكن في 9 يونيو شد ليوبولد رحاله مرة أخرى مضحياً بالمزيد من الترقيات، مصطحباً هذه المرة زوجته، ليعرض ولديه على أوربا، إذ لم يكن ممكناً أن يظلا أبد الدهر طفلين معجزين. وقدم الطفلان حفلتين موسيقيتين في ماينز وأربعاً في فرانكفورت وقد استعاد جوته بعد ستين عاماً ذكرى استماعه إلى إحداها، وكيف تعجب من "الرجل القصير ذي الباروكة والسيف"-لأنه هكذا ألبس ليوبولد ابنه فولفجانج كأنه عجيبة من عجائب السرك. ففي إعلان نشر في جريدة فرانكفورتية بتاريخ 30 أغسطس 1763 وعد المتفرجون في حفلة ذلك المساء بالآتي:
"ستعزف الفتاة الصغيرة ذات الإحدى عشرة سنة أعسر مؤلفات كبار الموسيقيين، أما الصبي الذي لم يبلغ السابعة بعد فسيعزف على الكلافيكورد




صفحة رقم : 13483




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


أو الهاربسيكورد. كذلك سيعزف كونشرتو للفيولينة، ويصاحب سمفونيات على الكلافير ولوحة المفاتيح مغطاة بالقماش في يسر بالغ كأنه يبصر المفاتيح. وسيسمى جميع النغمات التي تعزف عن بعد، سواء مفردة أو متوافقة، على الكلافير أو على أية آلة أخرى-جرساً كانت أو كأساً أو ساعة. وأخيراً سيرتجل على الهابسيكورد والأرغن طوال ما يراد له أن يعزف، وفي أي مقام(4)".
وربما أضرت هذه المطالب المرهقة التي فرضت على مواهب الصبي بعض الضرر بصحته أو أعصابه، ولكن يبدو أنه استمتع بتصفيق الجمهور استمتاع أبيه بدنانيره.
وقد عزفوا في كوبلنتز، وخاب أملهم في بون وكولونيا، ولكنهم أحيوا حفلة في آخن. وفي بروكسل توقعوا أن يشرف الحاكم العام الأمير شارل اللوريني الحفل بحضوره، ولكنه كان مشغولاً. كتب ليوبولد غاضباً:
"لقد انقضى علينا الآن قرابة ثلاثة أسابيع في بروكسل..دون أن يحدث شيء...وما من شغل لسموه غير الصيد والتهام الطعام والشراب، وقد تبين لنا في النهاية أنه مفلس...صحيح أننا لتقينا العديد من الهدايا هنا، ولكنا لا نريد أن نحولها إلى نقود...وسيكون في استطاعتنا بعد قليل أن نفتح متجراً بكل هذه الهدايا من علب النشوق والحقائب الجلدية وما إليها منة توافه رخيصة(5)".
وأخيراً وافق الأمير على الحضور فأحييت الحفلة، وجمعت الدنانير، وركبت الفرقة ميممة باريس.
وفي 15 نوفمبر 1763 بلغوا باريس بعد معاناة ثلاثة أيام من السفر على طريق وعرة تملوها الحفر. وكانوا يحملون خطابات تقديم إلى كثير من الأعيان، ولكن تبين أن أثمنها خطاب إلى ملشيور جريم، الذي رتب أن يستقبل آل موتسارت مدام ديمبادور، والأسرة المالكة، وأخيراً لويس الخامس عشر والملكة ماري لسزنسكا. وفتحت الآن أفخم البيوت للزائرين،




صفحة رقم : 13484




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


وحالف التوفيق حفلاتهم الخاصة والعامة، وكتب جريم إلى قرائه في حماسة يقول:
"إن المعجزات الحقيقية نادرة، ولكن ما أعجب أن تتاح لنا الفرصة لرؤية واحدة منها! لقد قدم لتوه رئيس فرقة مرتلين من سالزبورج اسمه موتسارت بصحبة اثنين من أجمل الأطفال في العالم في فاما ابنته البالغة من العمر أحد عشر ربيعاً فتعزف على البيان أروع عزف، وتؤدي أطول المقطوعات وأصبعها بدقة مذهلة. وأما أخوها الذي سيبلغ السابعة في فبراير القادم فظاهرة خراقة بحيث لا تكاد تصدق ما تراه بعينيك...فيداه صغيرتان جداً...وهو يرتجل ساعة، مستسلماً لوحي عبقريته، بذخيرة من الأفكار المبهجة...وليس لدى أكفأ رئيس لفرقة موسيقى ما لهذا الطفل من المعرفة العميقة يتآلف الألحان والتنقل بين النغمات...وليس أيسر عنده من حل أي رموز تضعها أمامه. وهو يكتب ويؤلف بيسر مدهش، ولا يجد ضرورة للذهاب إلى البيانو واختبار الأوتار التي يريدها. وكتب له "منويتا" وطلبت إليه أن يضع باصاً لها. فأمسك بقلم وكتب الباص دون أن يذهب إلى البيان...أن الطفل سيدير رأسي إن استمعت إلى المزيد من عزفه...ومن أسف أن الناس في هذا البلد لا يفقهون عن الموسيقى إلا أقل القليل(6)".
وبعد أن حققت الأسرة الكثير من الانتصارات في باريس غادرتها إلى كاليه (10 إبريل 1764). وفي لندن استقبلهم جورج الثالث. وفي 19 مايو، أمام الملك والحاشية، طوال أربع ساعات عزف فولفجانج موسيقى هندل وباخ. غيرهما من كبار الموسيقيين بمجرد النظر إلى المدونة وصاحب غناء الملكة شارلوت، وارتجل لحناً جديداً لباص أغنية لهندل. أما بوهان كرستيان باخ، الذي كان قد اتخذ لندن مقاماً له في 1762، فأجلس الصبي على ركبته وعزف معه صوناتا، وكان كل منهما يعزف فاصلة بدوره "في دقة بالغة ما كان في استطاعة أحد معهما أن يحسب العزف من عازفين لا من عازف واحد(7)". وبدأ بلخ "فوجة"، وتابعها




صفحة رقم : 13485




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


فولفجانج، كما لو كان العازفان العبقريان عازفاً واحداً هنا أيضاً. وبعدها طلت مؤلفات موتسارت سنوات عديدة متأثرة بيوهان كرستيان باخ. وفي 5 يونيو أحيا الطفلان حفلة أبهجت قلب ليوبولد بمائة جنيه إنجليزي خالصة. ولكن الأب أصيب بالتهاب شديد في الحلق، واعتكفت الأسرة للاستجمام أسابيع عدة، ألف فيها فولفجانج سمفونيتين (ك16 و19)، وكان الآن يناهز الثامنة.
وفي 24 يوليو 1765 غادروا لندن إلى هولندا، ولكن في مدينة ليل مرض الوالد وولده، وأرجئت الجولة شهراً، وإن كان رئيس الأساقفة فون شراتنباخ قد طلب إلى ليوبولد أن يعود منذ زمن. ووصلوا إلى لاهاي في 11 سبتمبر، ولكن في الغد مرضت ماريانا بدورها، ولم تلبث أن تدهورت حالها حتى أنها في 21 أكتوبر تناولت الأسرار المقدسة الأخيرة. وفي 30 سبتمبر أحيا فولفجانج حفلة بدون مساعدة أخته. وما أن تماثلت للشفاء حتى دهمته الحمى، واضطرت الأسرة إلى تعطل كلفها غالياً حتى يناير1766. وفي 29 يناير و26 فبراير أحيوا حفلات في أمستردام، وعزفت الآن لأول مرة سمفونية لموتسارت (ك22) أمام الجمهور. وكان الصبي خلال هذه الشهور يؤلف في نشاط محموم. وفي مايو قفلوا إلى باريس حيث كانوا كثيراً من حقائبهم. وهيأ جريم لهم مسكناً مريحاً، وعادوا يعزفون في فرساي وفي حفلات عامة، ولم يقتلعوا أنفسهم من العاصمة الفاتنة إلا في 9 يوليو.
وأطالوا المكث في ديجون ضيوفاً على أمير كونديه، وأنفقوا أربعة أسابيع في ليون، وثلاثة في جنيف، وأسبوعاً في لوزان؛ وآخر في برن، وأثنين في زيورخ، واثني عشر يوماً في دوناوشنجن ثم وقفات قصيرة في بيبراخ، وأولم، وأجزبورج، وفترة أطول في ميونخ، حيث مرض فولفجانج مرة أخرى. وأخيراً ، في آخريات نوفمبر 1766، وبعد غيبة ثلاث سنين ونصف، وصلت الأسرة إلى سالزبورج. وصفح عنهم رئيس الأساقفة الشيخ، واستطاعوا الآن أن ينعموا بأسباب الراحة المتاحة في




صفحة رقم : 13486




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الصبي العجيب


بيتهم. وبدا أن كل شيء على ما يرام، ولكن موتسارت لم يستعد بعدها صحته موفورة قط.




صفحة رقم : 13487




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة



2- مرحلة المراهقة




1766 - 1777


كان ليوبولد رب عمل صارماً لا يعرف هوادة ولا لين له قناة. درب ولده تدريباً شاقاً على دراسة الكونترابنط. والباص الدقيق الكامل، وغير ذلك من عناصر التأليف الموسيقي التي تلقاها من الموسيقى الألمانية والإيطالية. وحين سمع الأسقف أن فولفجانج يؤلف الموسيقى تساءل ألم يتعاون معه أبوه في هذا التأليف. ولكي يقطع الشك باليقين دعا الغلام معه أسبوعاً ثم عزله عن كل معونة خارجية، ودفع إليه ورقاً وقلماً وأعطاه هاربسيكورداً وطلب إليه أن يؤلف قسماً من أوراتوريو عن الوصية الأولى. وفي ختام الأسبوع قدم إليه موتسارت نتيجة عمله، وقيل لرئيس الأساقفة. إنها جديرة بالثناء. وكلف رئيس أوركستره ميخائيل (أخا يوزف) هايدن بأن يؤلف قسماً ثانياً، وعازف أرغنه أن يؤلف قسماً ثالثاً، ثم عزف الكل في قصر رئاسة الأسقفية في 12 مارس 1767، وروي أنه يستحق الإعادة في 2 إبريل. وقسم موتسارت وارد الآن تحت رقم 35 في كتالوج كوشل .
وبلغ ليوبولد أن الأرشيدوقة ماريا يوزفا ستزف قريباً إلى فرديناند ملك نابلي، فخطر الاحتفالات التي ستقام في القصر الإمبراطوري ستتيح فرصة جديدة لولديه. وعليه قصدت الأسرة فيينا في 11 سبتمبر 1767. فاستقبلوا في القصر، وكانت النتيجة إصابة فولفجانج وماريانا كليهما بالجدري الذي التقطا عدواه من العروس. وأخذ الأبوان التعسان طفليهما المعجزين إلى أولموتز بمورافيا، حيث قدم لهما الكونت بوتستاتسكي




صفحة رقم : 13488




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


المأوى والرعاية وظل موتسارت أعمى تسعة أيام. وفي 10 يناير عادت الأسرة إلى فيينا. واحتفلت بهم الإمبراطورة ويوزف الثاني، ولكن البلاط كان في حداد على وفاة العروس، ولم يكن هناك محل لأحياء حفلات موسيقية.
وبعد غياب طويل لا نفع فيه عادت الأسرة إلى ساليزبورج (5 يناير 1769) وواصل موتسارت دراسته مع أبيه، ولكن في أواخر ذلك العام قدر ليوبولد أنه علم الصبي كل ما يستطيع أن يعلمه، وأن ما يحتاج إليه فولفجاج الآن هو الإلمام بحياة إيطاليا الموسيقية. ومن ثم حصل الأب وابنه على خطابات تقديم لكبار الموسيقيين الإيطاليين من يوهان هاسي وغيره، ثم انطلقا في رحلتهما في 13 ديسمبر 1769 تاركين ماريانا وأمها ليحتفظا بموطئ قدم في سالزبورج. وفي الليلة التالية أحيا موتسارت حفلة في إنزبروك، وعزف بمجرد الإطلاع على النوتة كونشرتو غير مألوف وضع أمامه امتحاناً لمهارته، وهللت الصحافة المحلية لـــ"معلوماته الموسيقية الخارقة(8)". وفي ميلان التقيا بسامارتيني وهاسي وبتشيني، وحصل الكونت فون فرميان لفولفجانج على تكليف بتأليف أوبرا، وهذا معناه مائة دوقاتية تدخل الأسرة. وفي بولونيا استمعنا إلى صوت فارينللي الذي لم يزل معجزاً، وكان قد عاد من انتصاراته في أسبانيا، ورتبا مع بادري مارتيني أن يعود فولفجانج ليدخل الاختبارات المؤهلة لدبلوم "الأكاديميات فيلارمونيكا" المرموق. وفي فلورنسة، في قصر الأرشيدوق ليوبولد، عزف موتسارت على الهاربسيكورد مصاحباً فيولينة نارديني. ثم هرع الأب وولده إلى روما ليلحقا موسيقى أسبوع الآلام.
ووصلا في 11 إبريل 1770، أثناء عاصفة رعدية برقية، فحق لليوبولد أن يكتب أنهما "استقبلا استقبال عظماء الرجال بإطلاق المدافع(9)". وكان وصولهما بالضبط في وقت سمح لهما بالذهاب إلى كنيسة السستين والاستماع إلى "ميزريري" (لحن المزمور الخمسين "أرحمني") الذي ألفه جريجوريو الليجري، والذي كان يرتل هناك كل عام. وكان من العسير




صفحة رقم : 13489




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


الحصول على نسخ من هذا الكورال الأشهر المكتوب لأربعة أصوات أو خمسة أو تسعة، فأصغى إليه موتسارت مرتين ثم كتبه من الذاكرة. ومكثا في روما أربعة أسابيع، وأحييا حفلات موسيقية في بيوت النبلاء مدنيين وكنسيين. وفي 8 مايو انطلقا في رحلتهما إلى نابلي. وكان الطريق خطراً لانتشار اللصوص فيه، فسافر موتسارت وأبوه مع أربعة رهبان أوغسطينين لينالا الحماية الدينية أو يظفرا بتناول القربان قبل الموت في هذه الضرورة الملحة. واستبقتهما نابلي شهراً بأكمله لأن النبلاء ابتداء من تانوتشي فتازلا دعوهما لأمسيات ووضعوا كل أسباب الترف تحت تصرفهما. فلما عزف فولفجانج في "الكونسر فاتوريو ديللا بييتا" غزا الجمهور المؤمن بالخرافات براعته لضرب من السحر كامن في خاتم يلبسه. وأدهشهم أنه واصل العزف بالبراعة ذاتها بعد أن خلع خاتمه.
وبعد أن استمتعا بالمقام في روما مرة أخرى عبرا الأبنين ليصليا للعذراء في كنيستها "سانتا كازا" بلوريتا، ثم اتجها شمالاً لينفقا ثلاثة أشهر في بولونيا. وكان موتسارت يتلقى كل يوم تقريباً دروساً من بادري مارتيني في أسرار التأليف الموسيقي. ثم تقدم لاختبار القبول في "الأكاديميا فيلارمونيكا"، فأعطى قطعة من ترنيمة بسيطة جريجورية، طلب إليه أن يضيف إليها وهو محبوس وحده في حجرة نوتات عليا ثلاثاً بالأسلوب التقليدي الدقيق "Stile Osserrato" وأخفق في المحاولة، ولكن البادري الطيب صحح إجابته، وقبل المحلفون الصورة المنقحة "نظراً إلى الظروف الخاصة"-ربما لصغر سن موتسارت.
وفي 18 أكتوبر كان الوالد والولد في ميلان. هناك حقق فولفجانج أول انتصاراته مؤلفاً موسيقياً، ولكن بعد الجهد الجهيد والمعاناة الكثيرة وكان موضوع الأوبرا التي كلف بها "مترداتي، ملك بنطس"، وقد اخذ النص من راسين. وراح الفتى الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة يكد ويكدح تأليفاً وعزفاً وتنقيحاً حتى كلت أصابعه واستحالت حماسته ضرباً من الحمى، فاضطره أبوه إلى أن يحدد ساعات عمله ويهدئ من اضطرابه بنزهة على




صفحة رقم : 13490




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


الأقدام بين الحين والحين. وأحس موتسارت أن هذا الاختبار، وهو أول أوبرا جادة يؤلف موسيقاها، أشد خطراً له من ذلك الامتحان العتيق الذي أداه في بولونيا. فقد يكون مستقبله مؤلفاً لموسيقى الأوبرا رهنا بنتيجته. وتوسل الآن إلى أمه وأخته أن يصليا من أجل نجاح هذه المغامرة رغم أنه لم يكن شديد الميل إلى التقوى والورع، "حتى ننعم كلنا بالعيش معاً مرة أخرى"(10). وأخيراً حين كادت تضنيه كثرة البروفات، قدمت الأوبرا للجمهور (26 ديسمبر 1770)، وقادها مؤلفها، وكان انتصاره كاملاً. وقوبلت كل أغنية هامة بالتصفيق الحاد، وبعضها بهتافات يحيى المايسترو يحيى المايسترو الصغير. أعيد عرض الأوبرا عشرين مرة. كتب الأب الفخور التقي "بهذا نرى كيف تعمل قوة الله فينا حين لا ندفن المواهب التي منحنا إياها فضلاً منه"(11).
واستطاعا الآن أن يعودا إلى موطنهما برؤوس مرفوعة. ففي 28 مارس 1771 وصلا إلى سالزبورج. وما أن بلغاها حتى تلقيا طلباً من الكونت فون فرمان، باسم الإمبراطورة، يرجو أن يكتب فولفجانج سريناتا أو كنتاتا، ويحضر إلى ميلان في أكتوبر ليقودها جزءاً من الاحتفالات التي ستقام بمناسبة زفاف الأرشيدوق فرديناند إلى أميرة مودينا. ووافق رئيس الأساقفة زجسموند على أن يتغيب ليوبولد مرة أخرى عن أعماله، وفي 13 أغسطس يمم الوالد والولد من جديد شطراً إيطالياً، فلما وصلا إلى ميلان وجدا فيها هاسي يعد أوبرا للاحتفالات ذاتها. وقد رتب المديرون-ربما عن غير عمد منهم-لقاء للعبقرية يتنافس فيه أشهر مؤلفي الأوبرا الإيطالية الأحياء، البالغ آنذاك ثلاثة وسبعين عاماً، مع غلام الخامسة عشرة الذي لم يكد يفرغ من اختبار جناحه في التحليق الأوبرالي. وأديت أوبرا هاسي المسماة "رورجيرو" في 16 أكتوبر فقوبلت بتصفيق حار وفي الغد رتلت كنتاتا موتسارت المسماة (Aseanio in Alba) تحت عصا قيادته، وكان التصفيق خارقاً. وكتب ليوبولد لزوجته "يؤسفني أن سريناتا فولفجانج طمست أوبرا هاسي طمساً تاماً(12). وكان هاسي




صفحة رقم : 13491




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


كريماً سمح النفس، فشارك في الثناء على موتسارت، وفاه بنبوءة مشهورة "إن هذا الفتى سيلقينا كلنا في زوايا النسيان"(13).
وعاد الوالد والولد إلى سالزبورج (11 ديسمبر 1771). وبعد خمسة أيام مات زجسموند الطيب. وكان خلفه في رئاسة الأسقفية، وهو هيرونيموس فون باولا، كونت كوللوريدو رجلاً عقلاني الثقافة، معجباً بروسو وفولتير، مستبداً مستنيراً يتوق إلى تنفيذ الإصلاحات التي كان يعدها يوزف الثاني. ولكنه فاق حتى يوزف في استبداده مع استنارته، فكان يشترط الانضباط والطاعة ولا يطيق المعرضة. ولم يقنع من موتسارت إسهاماً في حفل تنصيبه في 29 إبريل 1772 بأقل من أوبرا يؤلفها لهذه المناسبة. واستجاب الفتى الذي ذاع صيته سريعاً بأوبرا "حلم سكيبيو"، وقد وفت بالغرض منها ثم نسيت. واغتفرها كوللوريدو، وعين فولفجانج لفرقة الموسيقى براتب سنوي قدره 150 فلوريناً. وعكف الفتى شهوراً على تأليف السمفونيات الرباعية والموسيقى الدينية، ولكنه أكب أيضاً على أوبرا "لوتشيو سيللا" التي طلبتها ميلان لتعرض في 1773.
ولم يحل 4 نوفمبر 1772 حتى كان ليوبولد وصانع ثروته في عاصمة لومبارديا مرة أخرى، وراح فولف بعد قليل يكدح ويكدح ليوفق بين أفكاره الموسيقية ونزوات المغنين وقدراتهم. وبدأت مغنية الأوبرا الأولى "البريمادونا" بالغطرسة والبرم بكل شيء، وكان "المايسترينو" صبوراً طويل الأناة معها، وانتهت بحبه وصرحت بأنها "قد متنتها المعاملة الفذة التي عاملها بها موتسارت"(14). ولم تلق حفلة الافتتاح (26 فبراير 1772) النجاح الأكيد الذي لقيته "متريداتي" قبل عامين، فقد مرض المغني التينور أثناء البروفات، واقتضى الأمر إحلال مغن آخر محله لم يكن له سابق خبرة على خشبة المسرح، ومع ذلك احتملت الأوبرا تسعة عشر عرضاً. وكانت موسيقاها صعبة، والأغاني منشودة بالانفعالات فوق ما ينبغي. ولعل أثراً من الحركة الأدبية الألمانية المسماة




صفحة رقم : 13492




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


Sturm und Drang (أي الدفع والجهاد، وهي ثورة على التنوير الفرنسي) وقد دخل هنا دخولاً معارضاً إلى الأوبرا الإيطالية(15). على موتسارت جلب معه نظير هذا وضوح الغناء الإيطالي الجميل (البيل كانتو)، وزادت أجواء إيطاليا المشرقة وحياة هوائها الطليق من إشراق روحه السعيدة بفطرتها. وتعلم غب إيطاليا أن الأوبرا الهازلة، كما سمعها في أعمال بتشيني وبايزييللو، يمكن أن تكون فناً رفيعاً، فدرس شكلها، وأبلغه الكمال في "دون جوفاني" لقد كانت كل تجربة يمر بها تعليماً لذهنه اليقظ وأذنيه المرهقتين.
وشهد 13 مارس 1773 الوالد والولد مرة أخرى في سالزبورج. ولم يكن رئيس الأساقفة الجديد متسامحاً في فترات غيابهما الطويل كما كان زجسموند، ولم ير مبرراً لمكافأة ليوبولد بترقيته، وعامل فولمفجانج كأنه مجرد فرد في حاشيته الخاصة. وتوقع من موتسارت وأبيه أن يزودا كورسه وأوركستراه بالموسيقى فورية، جديدة، جيدة. فظلا يشقيان عامين ليرضياه. ولكن ليولولد لم يدر كيف يستطع أن يعول أسرته دون هذه الجولات الإضافية، أما فولفجانج الذي تعود على سماع تصفيق الاستحسان له فلم يستطع تقبل وضعه خادماً موسيقياً. ثم أنه أراد أن يكتب الأوبرات، وكان مسرح سالزبورج، وكورسها، وأوركستراها وجمهورها-كل أولئك أصغر من أن يسمح لهذا الفرخ الألمعي بأن يرفرف جناحيه النامين.
ثم انقشعت السحب قترة حين كلف مكسمليان يوزف أمير بافاريا الناخب موتسارت بأن يكتب لأوبرا هازلة لكرنفال ميونخ لعام 1775، وحصل على موافقة رئيس الأساقفة، بمنح المؤلف وأبيه إجازة من العمل. فغادرا سالزبورج في 6 ديسمبر 1774. وعانى فولفجانج من البرد القارس الذي ابتلاه بوجع في الأضراس أسى من أن تخفف من الموسيقى أو الفلسفة ولكن حفلة الافتتاح لأوبرا "البستانية المزعومة" التي قدمت في 13 يناير 1775 حملت كرستيان شوبارت-وكان مؤلفاً مرموقاً-على التنبؤ بأنه




صفحة رقم : 13493




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


"ما لم يثبت موتسارت في النهاية أنه نبات ربه ربي في مستنبت زجاجي (أي عجلت بنموه العناية البيتية المكثفة)، فست أشك في أنه سيصبح من أعظم المؤلفين الموسيقيين حتى يومنا هذا"(16).وعاد موتسارت إلى سالزبورج ورأسه يدوم بنشوة النجاح ليقوم بخدمة أحس أنها ضرب حقير من العبودية.
وأمر رئيس الأساقفة بدراما موسيقية احتفالاً بزيارة الآرشيدوق مكسمليان ابن ماريا تريزا الأصغر، وأخذ موتسارت نصاً قديماً لمتاستازيو وألف "الملك الراعي". وقد أديت في 23 إبريل 1775. والقصة سخيفة، أما الموسيقى فرائعة، وما زالت مقتطفات منها تظهر في ربرتولا الحفلات الموسيقية. وكان موتسارت في غضون هذا يتدفق بالصوناتات والسمفونيات والكونشرتوات والسرينادات، والقداسات، ومن مؤلفات هذه الأعوام التسعة قطع تعد من روائعه الخالدة-مثل كونشرتو البيانو في مقام E (ك250). على أن رئيس الأساقفة قال له إنه لا يفقه شيئاً في فن التأليف الموسيقي، وإن علبه أن يذهب ليدرس في كونسرفتوار نابلي(17).
وطلب ليوبولد بأن يأخذ ابنه في جولة بعد أن عجز عن احتمال الموقف فوق ما احتمل، فرض كوللوريدو وقال إنه لا يسمح بأن يظل أفراد من موظفيه "يستجدون الرحلات" فلما عاود ليوبولد الطلب فصله رئيس الأساقفة هو وابنه من وظيفتيهما. وأغتبط فولفجانج، ولكن ليوبولد روعته فكرة القذف به وهو في السادسة والخمسين في خضم عالم لا يميز الطيب من الخبيث. ولانت قناة رئيس الأساقفة ورده إلى منصبه، ولكنه لم يسمح له بأي غياب عم عمله. فمن تراه يصحب فولفجانج الآن في الغزوة البعيدة التي اختطت له؟ لقد بلغ موتسارت الحادية والعشرين، وهي سن المغامرة الجنسية والقيود الزيجية، ولقد كان الآن أحوج إلى الإرشاد منه في وقت مضى. ومن ثم قرر أن تصحبه أمه. أما ماريا التي حاولت أن تنسى أنها هي أيضاً كانت فيما مضى فتاة عبقرية فقد مكثت لتبذل لأبيها




صفحة رقم : 13494




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> مرحلة المراهقة


أكرم الرعاية والمحبة. وفي 23 سبتمبر 1777 غادرت الأم وأبنها يالزبورج ليغزوا ألمانيا وفرنسا.




صفحة رقم : 13495




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الموسيقى والزواج



3- الموسيقى والزواج




1777 - 1778


كتب موتسارت لأبيه-من ميونخ في 26 سبتمبر يتغنى بما ظفر به من تحرر: "إنني أفضل حالاتي النفسية، فرأسي تخفف من الأثقال كـأنه الريشة منذ انطلقت بعيداً عن ذلك الهراء، وفوق ذلك أصبحت أسمن من ذي قبل"(18). ولابد أن هذا الخطاب تقاطع مع خطاب من ليوبولد، الذي قد يذكرنا انفعاله مرة أخرى بأن أحداث التاريخ كتبت على أجساد البشر:
"بعد أن رحلتما كلا كما صعدت سلمنا في غاية التعب، وألقيت بنفسي على مقعد. وحين تبادلنا عبارات الوداع بذلت جهوداً كبيرة لأتماسك حتى لا أجعل فراقنا شديد الإيلام؛ وفي غمرة الزحام والاضطراب نسيت أن أمنح ولدي بركة الأب. فعدوت إلى النافذة وأرسلت بركتي خلفك ولكني لم أرك...وقد بكت نانيرل بكاء مراً...وكلانا نرسل التحيات ونقلك أنت وهي ملايين المرات"(19).
وعلمت ميونيخ فولفجانج إنه لم يعد معجزاً في عالم الموسيقى، إنما هو موسيقى فرد بلد يفوق فيه المعروض من مؤلفي الموسيقى وعازفيها عدد المطلوب منهم. وكان الأمل قد راوده في الحصول على وظيفة طيبة في حاشية الناخب الموسيقية، ولكن كل الوظائف كانت مشغولة. فمضت الأم وولدها إلى أوجزبورج، حيث أفنيا نفسيهما في زيارة أصدقاء ليوبولد أيام شبابه استجابة لإلحاح ليوبولد، ولكن أحياء منهم كان أكثرهم الآن يشكو السمنة والركود، ولم يجد فولفجانج فيهم ما يثير اهتمامه اللهم إلا ابنه عم مرحة تدعى ماريا أنا تكلا موتسارت سوف يخلد اسمها بعبارات بذيئة. وكان أدنى إلى غرضه صانع بيانات يدعى بوهان أندرياس شتاين، هنا




صفحة رقم : 13496




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الموسيقى والزواج


ولأول مرة بدأ موتسارت الذي كان إلى الآن يعزف على الهاربسيكورد يقدر إمكانيات الآلة الجديدة، وما أن بلغ باريس حتى كان قد تم انتقاله إلى البيانو. وفي حفلة موسيقية في أوجزبورج عزف على البيانو والفيولينة فظفر بتصفيق شديد وربح ضئيل.
وفي 26 أكتوبر مضت الأم وابنها إلى مانهايم. هناك استمتع موتسارت بالصحبة والتشجيع من موسيقيين بارعين، ولكن الأمير الناخب كارل تيودور لم يستطيع أن يجد له وظيفة، واكتفى بأن أثابه على أدائه في البلاط بساعة ذهبية لا أكثر. وكتب موتسارت إلى أبيه يقول "كان أصلح لي أن ينفحني بعشرة كارواينات...إن النقود هي ما يحتاج إليه المرء وهو في رحلة، وأعلم أنني الآن املك خمس ساعات...وأنا أفكر جدياً في عمل جيب للساعات في كل سروال من سراويلي، وحين أزور شريفاً كبيراً سألبس ساعتين...حتى لا يخطر له أن ينفحني بساعة(20)". ونصحه ليوبولد أن يبادر بالرحيل إلى باريس حيث يتلقى المساعدة من جريم ومدام دبينيه، وكلن فولفجانج اقنع أمه بأن الرحلة أشق من أن تطيقها في شهور الشتاء. وإذا افترض ليوبولد أنهما راحلان عما قليل إلى باريس، فقد حذر فولفجانج من نسائها وموسيقييها، وذكره بأنه الآن الأمل المرجو في إعالة الأسرة. وقال ليوبولد إنه استدان سبعمائة جولدن، وإنه يعطي دروساً خصوصية في شيخوخته.
"وهذا أيضاً في بلدة يبخس فيها أجر هذا العمل المرهق...إن مستقبلنا رهن بفطنتك الكبيرة...وأنا عليم بأنك تحبني، لا بوصفي أباك فحسب، بل أصدق أصدقائك وأوفاهم، وأنك تفهم وتقد أن سعادتنا وشقاءنا، وأكثر من ذلك طول أجلي أو التعجيل بموتي، كلها...في يديك أنت بعد الله. وإذا كنت قد أصبت في قراءة أفكارك، فإني لا أتوقع منك غير الفرح والاغتباط، وهذا وحده خليق أن يعزيني وأنا محروم لغيابك من بهجة الأب وأما أسمعك وأبصرك وأضمك بين ذراعي..من صميم قلبي أمنحك بركتي الأبوية(21)".




صفحة رقم : 13497




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الموسيقى والزواج


وفي إحدى خطابات ليوبولد (9 فبراير 1778) أضافت "نانيريل" التي بلغت الآن السادسة والعشرين والتي كانت لعدم توفر المهر تواجه مستقبل العوانس، سطوراً تكمل صورة هذه الأسرة المتاحة:
"إن بابا لا يترك لي أبداً كتب لماماً ولكن...إني أتوسل إليها إلا تنساني...وأتمنى رحلة سعيدة سارة إلى باريس مقرونة بالصحة السابغة. على أنني أرجو صادقة أن أستطيع عناقكما سريعاً. والله وحده عليم متى يحدث هذا. كلانا تواق لأن تحقق لنفسك الثراء، فهذا معناه سعادتنا جميعاً. إني أقبل يدي ماما وأعانقك، وآمل أن تذكرنا وتفكر فينا دائماً. ولكن عليك ألا تفعل إلا إذا كان في وقتك متسع، ولو ربع ساعة تتخفف أثناءه من التأليف والتدريس"(22).
في هذا المزاج من التفاؤل العظيم والثقة المشربة بالحب تلقى ليوبولد خطاباً كتبه فولفجانج في 4 فبراير يعلن إليه فيه وصول كيوبيد. ذلك أن رجلاً من صغار الموسيقيين في مانهايم يدعى فريدولين فيبر، حباه الحظ وأثقل كاهله بزوجة وخمس بنات وولد. وكانت السيدة فيبر تلقي شباكها لتقتنص الأزواج، لا سيما لكبرى بناتها يوزيفان ذات التسعة عشر ربيعاً، التي بلغت سن الزواج وخيف أن تفوتها سوقه. ولن موتسارت تعلق بألويسيا ذات الستة عشر ربيعاً، التي جعلها صوتها الملائكي ومفاتنها الرائعة حلماً يراود خيال الموسيقي الشاب. ولم يكد يلحظ مونستانتسي ذات الأربعة عشر ربيعاً التي قدر لها أن تكون زوجة. وقد ألف لألويسيا بعضاً من أرق أغانيه. فلما غنتها نسي مطامحه وفكر في مرافقتها-مع يوزيفان وأبيهما-إلى إيطاليا حيث تستطيع الحصول على تدريب صوتي وتتاح لها فرص أوبرالية، بينما يعينهم هو على العيش بإحياء الحفلات الموسيقية وتأليف الأوبرات. كل هذا شرحه العاشق الصغير الشجاع لأبيه قال:
"لقد أحببت هذه الأسرة التعسة حباً جعل أعز أماني أن أسعدهم....ونصيحتي إليهم أن يقصدوا إيطاليا. والآن أود أن تكتب لصديقنا الطبيب




صفحة رقم : 13498




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الموسيقى والزواج


لوجاتي، وخير البر عاجله، وتستفسر منه عن أفضل الشروط التي تُعطى لمغنية أوبرا أولى في فيرونا...أما عن غناء ألويسيا فأني أراهن بحياتي أنها ستجلب لي الشهرة..فإذا نجحت خطتنا-فإننا-الهرفيبر، وأبنتا وأنا-سنشرف بزيارة أختنا العزيزة أسبوعين في طريقنا مروراً بسالزبورج...وسيسرني أن أكتب أوبرا لفيرونا لقاء خمسين تسكيني (650 دولاراً) ولو تتاح لها فرصة الشهرة...وسوف تكون الأبنة الكبرى نافعة جداً لنا، لأنها تستطيع أن تدير شؤون بيتنا، فهي خبيرة بالطهو، وبالمناسبة، لا تدهش كثيراً إذا عرفت أنه لم يبقَ معي سوى اثني وأربعين جولديناً من السبعة والسبعين، وليس هذا إلا نتيجة ابتهاجي لوجودي مرة أخرى في صحبة قوم شرفاء على شاكلتي في لتفكير...
"وافني برد سريع. ولا تنس مبلغ شوقي لكتابة الأوبرات. وأنا أحسد أي إنسان يؤلف أوبرا. وأكاد أبكي غيظاً حين أسمع...لحناً (آرباً). ولكن أوبرا إيطالية لا ألمانية، وجادة لا هازلة..والآن قد كتبت كل ما يثقل صدري. وأمي راضية تمام الرضى عن أفكاري...وفكرة مساعدة أسرة فقيرة دون الإضرار بي تبهج نفسي في الصميم. إنني أقبل يديك ألف مرة، وما زلت حتى الموت ولدك المطيع جداً(23)".
ورد ليوبولد في 11 فبراير:
"يا ولدي العزيز: لقد قرأت خطابك المؤرخ 4 الجاري بدهشة ورعب..لقد جفاني النوم الليل كله...يا إلهي الرحيم!...لقد ولت تلك اللحظات السعيدة حين كنت وأنت طفل أو غلام لا تمضي إلى فراشك دون أن تقف على كرسي وترتل لي...وتقبلني المرة بعد المرة على طرف أنفي وتقول لي إنني حين أشيخ ستضعني في صندوق زجاجي وتحميني من كل نسمة هواء، حتى تحتفظ بي دائماً وتكرمني. أصغِ إليّ إذن وتذرع بالصبر!..."
ومضى يقول إنه كان يأمل أن يؤجل فولفجانج زواجه حتى يؤمن




صفحة رقم : 13499




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الموسيقى والزواج


لنفسه مكاناً مكيناً في عالم الموسيقى، وعندها يبني بزوجة صالحة، وينجب أسرة طيبة، ويعين أبويه وشقيقته. ولكن هذا الابن ينسى الآن أبويه بعد أن فتنته "سيرانة" شابة، ولا يفكر إلا في أن يتبع فتاة إلى إيطاليا كأنه فرد من بطانتها. فياله من هراء لا يصدق!
"انطلق إلى باريس، ومن فورك، وأبحث عن مكانك بين عظماء القوم، فأما أن تكون شيئاً عظيماً أو لا شيء إطلاقاً، فمن باريس يدوي اسم الرجل ذي الموهبة العظمى وشهرته ويجلجلان في أرجاء الدنيا بأسرها. هناك يعامل النبلاء العبقريين بأعظم احترام وتقدير ومجاملة، وهناك سترى أسلوباً مهذباً في الحياة هو النقيض المذهل لخشونة رجال حاشيتنا الألمان ونسائهم، وهناك تستطيع التمكن من اللغة الفرنسية"(24).
وأجاب موتسارت في تواضع بأنه لم يأخذ مأخذ الجد الشديد خطة مرافقة آل فيبر إلى إيطاليا، ثم ودع الأسرة وداعاً باكياً، ووعد بأن يراهم في طريقه إلى أرض الوطن. وفي 14 مارس 1778 اتخذ هو وأمه طريقهما إلى باريس مستقلين المركبة العامة.




صفحة رقم : 13500




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> في باريس



4- في باريس




1778


وبلغاها في 23 مارس، وصادف وصولهما بالضبط حركة تمجيد فولتير التي طغت على نبأ قدومهما. واتخذا لهما مسكنا بسيطاً، وأنطلق موتسارت باحثاً عن عمل يكلف به. واستجمع جريم ومدام دبينيه جهدهما ليلفتا بعض النظر إلى الشاب الذي هللت له باريس عجيبة موسيقية قبل أربعة عشر عاماً. فعرضت عليه فرساي وظيفة عازف أرغن البلاط لقاء ألفي جنيه لخدمة ستة أشهر كل سنة ونصحه ليوبولد بقبول العرض، وعرض جريم، ورفض موتسارت الوظيفة لأن الأجر بخس، وربما لأنها لا تناسب موهبته. وفتحت له بيوت كثيرة إن قبل العزف على البيانو لقاء وجبة غداء أو عشاء. ولكن حتى الوصول إلى هذه البيوت اقتضى رحلة غالية في عربة تشق طريقاً موحلة. ولاح بصيص من الأمل




صفحة رقم : 13501




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> في باريس


في أحد النبلاء المدعو الدوق دجين، وألف موتسارت له ولابنته الكونشرتو الرائع في مقام "C" للفلاوته والهارب (ك 299)، وأعطى الشابة النبيلة دروساً في التأليف الموسيقي لقاء أجر طيب، ولكنها لم تلبث أن تزوجت ولم يدفع الدوق سوى ثلاثة جنيهات ذهبية "لوي دور" (75 دولاراً) لكونشرتو كان خليقاً بأن يطرح باريس تحت قدمي موتسارت. ولأول مرة في حياته فارقته شجاعته. فكتب إلى أبيه في 29 مايو يقول "إنني في صحة لا بأس بها ولكنني كثيراً ما أتساءل هل الحياة تستحق أن يعيشها المرء". وانتعشت روحه المعنوية حين كلفه لجرو، مدير الكونسير سيرتيوبل بكتابة سمفونية (ك 297) أديت بنجاح في 18 يونيو.
ثم ماتت أمه في 3 يوليو. وكانت قد بدأت حياتها الجديدة بالاستمتاع بتخففها من متاعب سالزبورج وعناء الزوجية، ولكن سرعان ما حنت إلى بيتها وواجباتها واتصالاتها اليومية التي تضفي على حياتها غنى ومغزى. وحطمت صحتها رحلة الأيام التسعة إلى باريس في مركبة مهتزة ورفقة منفرة ومطر غزير، وألقى فشل ابنها في أن يجد له وظيفة في باريس ظلاً من الكآبة على روحها المرحة عادة. وراحت تقضي الأيام وحيدة وسط بيئة غريبة وألفاظ لا تفهمها، بينما يذهب ابنها إلى تلاميذه وإلى الحفلات الموسيقية والأوبرات...ورآها موتسارت الآن تذبل في هدوء، وأنفق الأسابيع الأخيرة بجوارها يرعاها ويحنو عليها ولا يكاد يصدق أنها قد تموت بهذه السرعة.
وقدمت له مدام دبينيه حجرة في منزلها مع جريم، ومكاناً على مائدتها، وحرية استعمال بيانها. ولم ينسجم تماماً مع جريم في هذه الجيرة، القريبة فلقد كان جريم يمجد فولتير وموتسارت يحتقره، وصدمه زعم مضيفيه وأصدقائهم بأن المسيحية ليست سوى أسطورة نافعة في ضبط المجتمع. وأراده جريم أن يقبل التكليفات الصغيرة سبيلاً إلى الكبيرة، وأن يعزف دون أجر الأسر ذات النفوذ، بيد أن موتسارت أحس أن عملاً كهذا سينضب قوته التي يؤثر أن يدخرها للتأليف. وحكم




صفحة رقم : 13502




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> في باريس


جريم بأنه كسلان، وأخبر ليوبولد بحكمه هذا فأمن عليه(25). وزاد الموقف سوءاً اقتراض موتسارت المرة بعد المرة من جريم مبالغ بلغت جملتها خمسة عشر جنيهاً ذهبياً (375 دولاراً). وأخبره جريم أن في إمكانه تأجيل السداد إلى أجل غير مسمى. وكذلك كان(26).
وحسم الموقف خطاب (31 أغسطس 1778) من موتسارت الأب يقول إن رئيس الأساقفة كوللوريدو عرض أن يرقى الأب رئيساً للمرتلين إذا عمل فولفجانج عزفاً على الأرغن ورئيساً للموسيقيين، على أن يعطي كل منهما خمسمائة فلورين في العام، يضاف إلى هذا "أن رئيس الأساقفة صرح أنه على استعداد لأن يسمح لك بالسفر حيث تشاء إن أردت كتابة أوبرا". ثم أضاف ليوبولد طعماً قدر أن موتسارت لابد مبتلعه، فقال أن ألويسيا فيبر ستدعى على الأرجح للانضمام إلى كورس سالزبورج، وفي هذه الحالة "لابد أن تعيش معنا"(27). ورد موتسارت (11 سبتمبر) "حين قرأت خطابك هزني الطرب لأنني شعرت بأنني أصبحت فعلاً في حضنك. صحيح أن العرض لا يحمل أملاً كبيراً لي في المستقبل كما أخالك معترفاً، ولكن حين أتطلع إلى لقائك وعناق أختي العزيزة جداً لا أفكر في أي أمل آخر".
وعليه ففي 26 سبتمبر استقل المركبة إلى نانسي. وفي ستراسبورج كسب بضعة جنيهات لقاء حفلات شاقة في مسارح كادت تخلوا من روادها. وتلبث مايهايم أملاً في تعيينه قائداً للأوبرا الألمانية، ولكن هذا الأمل أيضاً خاب كغيره ومضى إلى ميونخ وهو يحلم بألويسيا فيبر. ولكنها كانت قد وجدت مكاناً في كورس الأمير الناخب، ربما في قلبه، فاستقبلت موتسارت بهدوء لم يبدُ فيه أي رغبة في أن تكون عروساً له. فألف وغنى أغنية مرة، ثم راضَ نفسه على قبول سالزبورج.




صفحة رقم : 13503




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> سالزبورج وفيينا



5- سالزبورج وفيينا




1779 - 1782


وصل إلى البيت في منتصف يناير، واستقبل باحتفالات ألقى عليها ظلاً من الحزن إدراكه الأليم الآن لحقيقة موت الأم. وسرعان ما شد إلى




صفحة رقم : 13504




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> سالزبورج وفيينا


نيره عازفاً للأرغن ورئيساً لفرقة الموسيقى، وسرعان ما أصابه القلق والتبرم وقد تذكر هذه الأيام فيما بعد:
"في سالزبورج كان العمل عبئاً عليّ، ولم أكن أستطيع أن أسكن إليه قط. فلم ذلك؟ لأنني لم أكن قط سعيداً...فليس في سالزبورج-من وجهة نظري على الأقل-تسلية لها أي قيمة. وأنا أرفض الاختلاط بأشخاص كثيرين هناك-أما غيرهم فأكثرهم لا يرونني صالحاً لصحبتهم أضف إلى ذلك إنه ليس هناك من حافز لموهبتي. وكأن الجمهور خشب مسندة لا تستجيب حين أعزف أو حين تؤدى قطعة من تأليفي. أتمنى لو كان في سالزبورج ولو مسرح واحد متوسط الجودة(28)".
وتاقت نفسه إلى كتابة الأوبرات؛ ورحب بطلب الأمير الناخب كارل تيودور أن يكتب أوبرا لمهرجان ميونخ التالي. فشرع يكتب "إيدومنيو ملك كريت" في أكتوبر 1780، وفي نوفمبر ذهب إلى ميونخ لعمل البروفات. وفي 29 يناير 1781 أخرجت الأوبرا بنجاح رغم طولها غير العادي. ومكث موتسارت في ميونخ ستة أسابيع أخرى، يستمتع بحياتها الاجتماعية، حتى استدعاه رئيس الأساقفة كوللوريدو ليلحق به في فيينا. هناك سره أن يسكن القصر الذي يسكنه رئيسه، ولكنه كان يأكل مع الخدم. "يجلس التابعان على رأس المائدة؛ وأنا أحضى بشرف الجلوس مقدماً على الطباخين(29)". وكان هذا عرفاً شائعاً في ذلك العصر في بيوت النبلاء، وقد احتمله هايدن باستياء مكظوم، أما موتسارت فقد تمرد عليه في علانية متزايدة. وقد سره أن تعرض موسيقاه وموهبته في بيوت أصدقاء رئيس الأساقفة؛ ولكنه استشاط غيظاً حين رفض كوللوريدو معظم توسلاته أن يأذن له بقبول ارتباطات خارجية قد تأتيه بدخل إضافي وشهرة أوسع. "حين أفكر في أنني سأغادر فيينا دون أن يكون في جيبي ألف فلورين على الأقل يغوص قلبي في باطني(30)".
وصحت نيته على أن يترك خدمة كوللوريدو. ففي 2 مايو 1781 ذهب ليسكن نزيلاً مع آل فيبر الذين كانوا قد انتقلوا إلى فيينا. فلما أرسل




صفحة رقم : 13505




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> سالزبورج وفيينا


إليه رئيس الأساقفة تعليماته بالعودة إلى سالزبورج، أجاب بأنه لن يستطيع الرحيل قبل 12 مايو. وتلا ذلك لقاء مع رئيس الأساقفة، وروى موتسارت ما دار فيه لأبيه فقال:
"إنه رماني بأقذع الشتائم-أوه! إنني في الحق لا أستطيع حمل نفسي على أن أكتبها كلها لك! وأخيراً، حين أحسست بالدم يغلي في عروقي، لم أطق أن أحتمل أكثر مما احتملت؛ فقلت له "إذن فسموك لست راضياً عني" ماذا! أتريد أن تهددني؛ أيها الوغد أيها النذل؟ دونك الباب إذن، لن يكون لي صلة بعد اليوم برجل تعس مثلك! "وأخيراً قلت" ولا أنا بك. "إذن فأخرج!" وفيما أنا خارج قلت "فليكن، وغداً سيصلك مني خطاب". قل لي يا أبي العزيز أما كان لزاماً عليّ أن أقول هذا عاجلاً أو آجلاً؟..."
"أكتب لي سراً بأنك مسرور-لأن لك الحق في أن تسر حقيقة-وانتقدني انتقاداً قاسياً علانية، حتى لا يقع عليك أي لوم أو تثريب. ولكن إذا نالك من رئيس الأساقفة أي إهانة فتعال إليّ فوراً في فيينا. ففي وسعنا نحن الثلاثة أن نعيش على دخلي(31)".
ودفع بليوبولد في أزمة أخرى. وبدا أن منصبه تعرض للخطر، وكان لابد أن ينقضي بعض الوقت حتى تصلني تأكيدات من كوللوريدو. وأفزعه نبأ مساكنة ابنه لآل فيبر. فقد مات رب الأسرة، وتزوجت إليوسيا الممثل يوزف لانجي، ولكن كان للأرملة بنت أخرى تدعى كونستانتسي تنتظر زوجاً. أفهذا طريق مسدود أخر أمام فولفجانج؟ وتوسل إليه ليوبولد أن يعتذر لرئيس الأساقفة ويعود. ورفض موتسارت لأول مرة أن يطيع أباه. "إنني في سبيل رضاك يا أبي مستعد لأن أتخلى عن سعادتي وصحتي بل وحياتي ذاتها، ولكن شرفي فوق كل شيء عندي، وكذلك يجب أن يكون عندك. يا أعز الآباء وأكرمهم، طالبني بما شئت إلا هذا(32)". وفي 2 يوليو بعث إلى ليوبولد بثلاثين دوقاتي عربوناً لمساعدته المقبلة.




صفحة رقم : 13506




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> سالزبورج وفيينا


وتوجه ثلاث مرات إلى مسكن رئيس الأساقفة لفيينا ليقدم استقالته الرسمية. ورفض حاجب كولليوريدو أن ينقلها لسيده، وفي المرة الثالثة "ألقى بموتسارت خارج حجرة الانتظار وأردف ذلك بركلة في ظهره"-وهي العبارة التي وصف بها موتسارت المشهد في خطابه المؤرخ 9 يونيو(33). ولكي يرضى أباه أنتقل من بيت فيير إلى مسكن آخر. وأكد لليوبولد أنه إنما كان "يمزح" فقط مع كونستانتسي. "ولو كان على أن أتزوج كل من ضحكت معهن لكان لدي على الأقل مائة زوجة(34)". على أنه كتب لأبيه في 15 ديسمبر يقول إن كونستانتسي غاية في اللطف والسذاجة وحب البيت، وهو لذلك يريد أن يتزوجها".
"أترعبك الفكرة؟ ولكني أتوسل إليك يا أعز أب وأحبه أن تصغي إلي...إن صوت الطبيعة يتكلم في باطني عالياً كما في غيري-بل ربما أعلى مما يتكلم في رجل ضخم قوي غليظ. إنني ببساطة لا أستطيع أن أعيش كما يعيش معظم الشباب في هذه الأيام. أولاً لأنني متدين جداً، وثانياً لأنني أشد حباً للجار، وأرفع إحساساً بالشرف من أن أغوي فتاة بريئة، وثالثاً لأن بي من الرعب والتقزز، ومن رهبة الأمراض والخوف منها، ومن الرعاية لصحتي، ما يعصمني من العبث مع النسوة الفاجرات. وفي وسعي أن أقسم أنه لم يكن لي قط علاقات من هذا النوع مع أي امرأة...وأراهن بحياتي على صدق ما قلته لك...
"ولكن من هي موضوع حبي؟..أليست إحدى بنات فيبر؟ بلى..إنها كونسانتسي...أرقهن كلهن وأذكاهن وأفضلهن جميعاً...قل لي هل في استطاعتي أن أتمنى لنفسي زوجة خيراً منها..قصارى ما أطمع فيه أن يكون لي دخل مضمون صغير (وهذا رجائي الوطيد بحمد الله)، وعندها لن أكف عن رجائك بأن تسمح لي أن أنقذ هذه الفتاة المسكينة وأن أحقق لي-ولنا جميعاً إن جاز لي القول-السعادة الكاملة. فلا أشك في أن سعادتي تسعدك؟ وستحظى بنصف دخلي الثابت...أرجوك أن تشفق على ولدك!(35)"




صفحة رقم : 13507




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> سالزبورج وفيينا


ولم يعرف ليوبولد ماذا يصدق. فقد بذل كل جهد ليثني ولده المفلس تقريباً عن الزواج، ولكن موتسارت أحس بأنه بعد أن قضى ستة وعشرين عاماً من الطاعة لأبيه آن الأوان لينقذ مشيئته ويحيا حياته. وظل سبعة أشهر يلتمس عبثاً موافقة أبيه، وأخيراً، في أغسطس 1782، تزوج دون هذه الموافقة. وفي 5 أغسطس وصلت الموافقة، وأصبح موتسارت الآن حراً في أن يكتشف إلى أي حد يستطيع المرء أن يعول أسرة بتأليف حشد من أكثر أنواع الموسيقى الرائعة تنوعاً في تاريخ الإنسان.




صفحة رقم : 13508




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي



6- المؤلف الموسيقي


كان له عذره في الثقة بنفسه، لأنه كان قد أشتهر عازفاً على البيان، وحصل على دروس خاصة لتلاميذ يدفعون أجور مجزية، وأخرج أوبرات ناجحة، فلم يمض شهر على تركه خدمة رئيس الأساقفة حتى تلقى من الكونت أورسيني-روزتبرج مدير مسارح بلاط يوزف الثاني، تكليفاً بتأليف (دراما منطوقة) تتخللها الأغاني، وعرضت النتيجة في 16 يوليو 1782، في حضرة الإمبراطور، تحت اسم (الاختطاف من السراي). وأدانها فريق من خصومه، ولكن كل السامعين تقريباً فتنتهم الأغاني المرحة التي ازدان موضوع عتيق: حسناء مسيحية يأسرها القراصنة، ويبيعونها لحريم تركي، ثم ينقذها حبيبها المسيحي بعد دسائس لا تصدق. وكان تعليق يوزف الثاني على الموسيقى "أنها يا عزيزي موتسارت أجمل مما تحتمله آذننا، وأنغامها كثيرة جداً". وهو تعليق أجاب عنه المؤلف المتهور "إنها بالضبط يا صاحب الجلال بالكثرة التي يقتضيها المقام".(36) وأعيد عرض الأوبريت ثلاثاً وثلاثين مرة في فيينا في سنيها الست الأولى. وقد أطرها جلوك، وإن أدرك أنها أغفلت تماماً "إصلاحه" للأوبرا، وأعجب بالتأليفات الآلية لهذا الشاب العنيف، ودعاه لتناول الغداء معه.
وقد استمد موتسارت إلهامه من إيطاليا لا من ألمانيا، وآثر اللحن والتوافق البسيط على البوليفونية "تعدد الأصوات" المعقدة المتعمقة. ولم




صفحة رقم : 13509




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


يشعر بتأثيرات قوية من هندل ويوهان سبستيان باخ إلا في عقده الأخير. وفي 1782 انضم إلى الموسيقيين الذين كانوا يحيون الحفلات تحت رعاية البارون جوتفريد فان زفيتن، وأكثرها من تأليف هندل وباخ، في المكتبة القومية أو في بيت فان زفيتن. وفي 1774 كان البارون قد جلب من برلين إلى فيينا كتاب (فن الفوجة) و (الكلافورد الحسن الضبط) وغيرهما من أعمال ي.س. باخ. واستنكر الموسيقى الإيطالية لأنها تفتقر إلى الإتقان الشديد، ورأى أن الموسيقى الحقة تتطلب الالتفاف الدقيق للفوجة، والبولوفونية، والكونترابنط. أما موتسارت فهو وإن لم يسمح قط للبناء أو القاعدة أو التشكل بأن تكون غالية في ذاتها، فقد أغد من نصيحة فان زفيتن وموسيقاه، ودرس هندل وآل باخ الكبار بعناية. بعد 1787 قاد موسيقى هندل في فيينا، وسمح لنفسه بشيء من الحرية في توفيق مدونات هندل لأوركسترا فيينا. وفي موسيقاه الآلية اللاحقة زواج بين الميلوديا الإيطالية والبولفونية الألمانية في وحدة متسقة.
والنظرة العجلى إلى كتالوج كوشل لمؤلفات موتسارت هي إحدى التجارب الشديدة الوقع في النفس. فهناك قائمة ضمت 626 عملاً-وهي أكبر حجم من الموسيقى خلفه أي مؤلف عدا هليدن، وكلها أنتج في حياة صاحبها التي لن تتجاوز ستاً وثلاثين سنة، وتحوي روائع من شتى الأشكال: 77 صوتا، و8 ثلاثيات، و29 رباعية و5 خماسيات، 51 كونشرتو، و96 قطعة خفيفة (ديفرتمنتي) أر رقصات أو سرينادات، و52 سمفونية، و90 لحنا أو أغنية، 60 مؤلفاً دينياً، و22 أوبرا. وإذا كان بعض ن كانوا قريبين من موتسارت حسبوه كسولاً، فربما كان السبب أنهم لم يدركوا تماماً أن عناء الروح قد يضني الجسد، وأن العبقرية إذا حرمت فترات الكسل انزلقت إلى الجنون. وقد قال له أبوه (إن التأجيل خطيئتك التي لا تفتأ محدقة بك)(37). وكان موتسارت في كثير من الحالات يؤجل ساعة تدوين الموسيقى التي كانت تتخلق في رأسه. قال "إنني-إن شئت-منقوع في الموسيقى. فهي في عقلي طوال اليوم، وأنا أحب أن أحلم بها، وأدرسها، وأتأملها"(38). وقد روت زوجته "كان دائم النقر على شيء ما-على قبعته، أو كاتينة




صفحة رقم : 13510




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


ساعته-أو المائدة أو المقعد وكأنها لوحة المفاتيح".(39) وكان أحياناً يواصل هذا التأليف الصامت حتى وهو يبدو مصغياً لإحدى الأوبرات. وكان يحتفظ بقصاصات من ورق تدوين الموسيقى في جيوبه أو في جيب العربة الجانبي وهو مسافر، ثم يدون عليها نوتات متناثرة، وقد ألف أن يحمل علبة من الجلد تتلقى هذه الأشتات. فإذا تأهب لم يجلس إلى لوحة المفاتيح بل إلى المنضدة. وتقول كونستانتسي "كان يكتب الموسيقى كما يكتب الخطابات، ولم يحاول قط عزف حركة حتى تكتمل". أو قد يجلس إلى البيان ساعات بأكملها يرتجل ويترك خياله الموسيقي حراً طليقاً في الظاهر ولكنه في نصف وعي يخضعه لبناء متميز-كشكل الصوناتا، أو الآريا، أو الفوجة...وكان الموسيقيون يستمتعون بارتجالات موتسارت لأنهم كانوا يستطيعون أن يتبينوا في ابتهاج خفي النسق المتواري خلف أنغام تبدو عفوية في ظاهر الأمر. قال نيمتشك في شيخوخته "لو جرؤت على أن أصلي لفرحة أرضية أخرى لكانت أن أسمع موتسارت يرتجل"(40).
وكان في استطاعة موتسارت أن يعزف أي موسيقى تقريباً بمجرد الإطلاع نوتتها لأن طول خبرته بارتباطات النوتات وتعاقبها المعينة أتاح له قراءتها كأنها نوتة واحدة، وكانت أنامله المدربة تعزفها كأنها جملة أو فكرة موسيقية واحدة، تماماً كما يستوعب القارئ المدرب سطراً كأنه كلمة، أو فقرة كأنها سطراً. واقترنت ذاكرة موتسارت بهذه القدرة على إدراك الكليات، والإحساس بالمنطق الذي يلزم الجزء بالدلالة على الكل. وفي السنوات اللاحقة كان يستطيع أن يعزف أياً من كنشرتواته تقريباً عن ظهر قلب. وفي براغ كتب أجزاء الطبلة والبوق للخاتمة الثانية في "دون جوفاني" دون أن تتاح له نوته الآلات الأخرى، وكان قد حفظ تلك الموسيقى المعقدة في ذاكرته. وذات مرة دون جزء الفويولينه فقط من صوناتا للبيانو والفيولينه، وفي الغد، ودون بروفا، عزفت رجينا سترينا زاكي جزء الفيواينه في حفلة، وعزف موتسارت جزء البيانو من مجرد ذكرى تصوره دون أن يتسع له الوقت لتدوينها على الورق(41). ولعل صحائف التاريخ لا تحوي ذكرى رجل آخر استغرقته الموسيقى إلى هذا الحد.




صفحة رقم : 13511




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


ونحن ننظر إلى صوناتات موتسارت على إنها أقرب إلى الخفة والمعابثة، وأنها لا تقف في صف مع ألحان بيتهوفن المشبوبة القوية من نفس النوع، وقد يكون السبب أنها كتبت لتلاميذ محدودي المهارة في العزف، أولها ربسيكوردات ذوات تصويت محدود، أو البيانو لم يؤت وسيلة لمواصلة نغمة(42). والصونات في مقام A (ك331). وما حوت من "منويته" ممتعة، و"الروندو اللأتوركا" ومازالت (1778) بأسلوب الهاربسيكورد.
ولم يكن موتسارت أول الأمر يهتم بموسيقى الحجرة، ولكن في 1773 وقع على رباعيات هايدن المبكرة، وحسد ما فيها من براعة كونترابنطية، وقلدها قارب النجاح في الرباعيات الست التي ألفها في تلك السنة. وفي 1781 نشر هايدن سلسلة أخرى، وحرك هذا موتسارت ثانية للمنافسة فأصدر (1782-85) ست رباعيات (ك 387، 421، 428، 458، 464-65) تعترف الجمع الآن بأنها من أرفع الأمثلة في بابها. وشكا العازفون من صعوبتها الهائلة، وانتقد النقاد الرباعية السادسة على الأخص لتنافراتها المتعارضة ومزجها الصاخب بين المفاتيح الكبيرة والصغيرة ورد موسيقي إيطالي النوتة للناشر محتجاً بأن من الواضح أنها تزخر بالأخطاء الفظيعة. ومزق أحد المشترين أوراقها وقد استشاط غضباً حين وجد إن التنافرات متعمدة. ومع ذلك فإن هايدن قال لليوبولد موتسارت بعد عزفه الرباعيات الرابعة والخامسة والسادسة مع موتسارت وديترسدورف وغيرهما "أمام الله وبصفتي رجلاً صادقاً، أقول لك إن ابنك أعظم من عرفت من المؤلفين قاطبة سواء شخصياً أو بالاسم. فهو ذواقة، وأكثر من ذلك يملك أعمق معرفة بالتأليف الموسيقي(42)". فلما نشرت الرباعيات الست (1785) أهداها موتسارت إلى هايدن بخطاب يتألق بتفرده حتى وسط ما تبادلا من رسائل كلها رائع:
"إن أباً قرر أن يدفع بأبنائه إلى الدنيا الواسعة فرأى من واجبه أن يكلهم إلى رعاية وإرشاد رجل كان ذائع الصيت في ذلك الحين، واتفق فوق ذلك إنه كان أصدق أصدقائه. وبالمثل أدفع بأبنائي الستة إليك، أيها الصديق




صفحة رقم : 13512




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


الأعز الأشهر. حقاً أنهم ثمرة درس طويل شاق، ولكن الأمل الذي عللني به أصدقاء كثيرون بأن تعبي فيهم سيعوضه بعض الجزاء...يملوني زهواً بهذه الفكرة، وهي أن أبنائي هؤلاء سوف يكونون يوماً ما مبعث عزاء لي.
"لقد أعربت لي أثناء مقامك بهذه العاصمة...عن استحسانك لهذه المؤلفات، ويشجعني تقديرك لها أن اهديها إليك ويغريني بالأمل بأنك لن تراها غير جديرة برضائك. فأرجو أن تتفضل بقبولها، وكن لها بمثابة الأب والمرشد والصديق. ومنذ هذه اللحظة أنزل لك عن جميع حقوقي عليها. على أنني التمس منك أن تعفو عن الأخطاء التي ربما غابت عن عين مؤلفها المتحيزة، وأن تواصل برغمها صداقتك الكريمة لرجل يقدر هذه الصداقة أسمى تقدير(44)".
وكان لموتسارت ولع خاص بخماسياته. وكان يرى أن خماسيته بمقام E المنخفض للبيانو والأوبرا والكلارنيت والهورن والباصون (ك 452) "خير ما ألفت قاطبة(45)". ولكن هذا كان قبل أن يكتب أوبراته الكبرى. وكانت قطعة Einekleine Nachtmusik "موسيقى ليلية صغيرة" في الأصل (1787) مؤلفة كخماسية، ولكن سرعان ما تلقتها الأوكسترات الصغيرة، وهي الآن تصنف بين سرنادات موتسارت. وكان يقدر السرينادة بمقام E المنخفض (ن 375) لأنها مكتوبة "بشيء من العناية"، وهي القطعة التي عزفت له هو نفسه ذات أمسية في 1781، ولكن الموسيقيين يؤثرون عليلها في المرتبة السرنادة بمقام C الصغير (ن 388)-التي تعدل في قتامتها ألحان بتهوفن وتشايكوفسكي الحزينة (الباتتيك).
ووجه موتسارت الأوركسترا بعد أن اكتشفه إلى عشرات التجارب: افتتاحية، وموسيقات حالمة، ومتتاليات، وكاساسيونات Cassations (وهي تنوعات للمتتالية) وموسيقات راقصة، وأخرى خفيفة (ترفيهية Divertimenti)، وقصد بالأخيرة عادة إن تخدم هدفاً عابراً لا أن يتردد




صفحة رقم : 13513




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 30-03-11, 05:02 مساء   رقم المشاركة : [400]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


صداها في بهاء التاريخ، وعلينا أن نستمتع بها لا أن نزنها. وحتى مع هذا، فإن القطعة الخفيفة رقم 15 (ك 334) عملان قيمان، وأبعث للبهجة من معظم السمفونيات.
واستعمل موتسارت كما استعمل هايدن لسمفونياته "فرقة" من خمسة وثلاثين عازفاً، ومن ثم تقصر دون توصيل قيمتها الكاملة لآذان ألفت الجهورية المضاعفة في أوركسترات القرن العشرين ويطري النقاد السمفونية رقم 25 (ك 183) لأنها "مشبوبة العاطفة(46)". و"آية في التعبير العنيف(47)". ولكن أقدم سمفونيات موتسارت المشهورة هي "باريس" (رقم 31 ك 297) التي طوعها موتسارت لحب الفرنسيين للرقة والفتنة. أما سمفونية هافنر (رقم 35 ك385) فقد ألفت أصلاً على عجل لتزدان بها المهرجانات التي أعدها زجسموند هافنر، عودة سالزبورج السابق، لزفاف ابنته (1782)، وفي تاريخ لاحق أضاف موتسارت إليها أدواراً للفولاوته والكلارنيت ثم قدمها في فيينا (3 مارس 1783) في حفلة حضرها يوزف الثاني "وصفق لي الإمبراطور تصفيقاً حاراً"، ونفحه بخمسة وعشرين دوقاتيه(48). وفي هذه السمفونية ورقم 36، التي كتبها في لنتز في نوفمبر 1783، ظل موتسارت محافظاً على الشكل والطابع-المبهجين دائماً، العميقين فيما ندر-اللذين طبع بهما هايدن السمفونية، وفي السمفونيتين تقع الحركة البطيئة من الآذان المسنة موقع الاغتباط والعرفان. وعلينا أن نتكلم باحترام أكثر على السمفونية رقم 38 التي ألفها موتسارت لبراغ في 1786، هنا تبهج الحركة الأولى الموسيقى بمنطقها الغنائي ومهارتها الكونترابنطية، أما حركتها المعتدلة البطء (الأندانتي) التي أضافت التأمل إلى اللحن، فقد حملت الخبراء على الإشادة بــ "كمالها الخالد(49)" وبــ "عالمها السحري(50)".
وهناك إجماع على أن أعظم سمفونيات موتسارت قاطبة هي الثلاث التي سكبها في سيل متدفق من الإلهام في صيف 1788، في حقبة من حياته ألم به فيها فقر كئيب وأثقلته ديون متفاقمة. والأولى مؤرخة 26 يونيو،




صفحة رقم : 13514




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


والثانية 25 يوليو، والثالثة 10 أغسطس-ثلاثة أطفال أنجبت في ثلاثة أشهر. وعلى قدر علمنا لم تعزف واحدة منها في حياته قط، ولم يسمعها قط، بل ظلت في ذلك العالم الخفي الغامض الذي كانت فيه البقع السوداء المسطورة على فرخ من الورق في نظر مؤلفها-"قصائد معدة للغناء لا صوت لها"-علامات وإيقاعات لا يسمعها غير الذهن. والثالثة التي تسمى خطأ "جوبيتر" (رقم 41 بمقام C ك551) تعد عادة خيرها، ويرى شومان أنها تعدل أعمال شكسبير وبيتهوفن(51)، ولكنها لا تصلح لتذوق الهواة. والسمفونية رقم 40 في مقام G الصغير (ك 550) تبدأ بقوة ترهص بموسيقى Eroich ثم تتطور تطوراً دعا المعلقين-في نضالهم للتعبير عن الموسيقى بالألفاظ دون جدوى-إلى أن يقرؤوا فيها "ليرا" أو "مكبثا" من المأساة الشخصية(52)، ولكنها للآذان الأبسط تبدو مبهجة بهجة ساذجة تقريباً. وهذه الآذان نفسها تجد أن أعظم السمفونيات إشباعاً لها هي رقم 39 في مقام E المنخفض (ك543)، فهي لا يثقلها كرب، ولا تعذبها التقنية، إنما هي الإيقاع واللحن ينسابان في غدير هادئ مطمئن، وهي من نوع الموسيقى التي قد تبهج قلوب الآلهة في إجازة ريفية من الأعباء السماوية.
و "السمفونية كونشرتانتي" هي هجين بين السمفونية والكونشرتو، وقد نبتت من الكونشرتو جروسو بمقابلة آلتين أو أكثر للأوركسترا في حوار بين الميلوديا والموسيقى المصاحبة. وقد ارتفع موتسات بهذا الشكل إلى ذروته في "السمفونية كونشرتانتي" في مقام E المنخفض (ك364) للفلاوته والفيولينه والفيوله (1779)، وهي لا تقل روعة عن أي من سمفونياته الأخرى.
وكان الكونشرتوات مبهجة، ففيها تعين فقرات العزف المنفرد الأذن غير المدربة على تتبع مواضيع وأنغام قد يحجبها في السمفونيات التعقيد التقني أو التفنن الكونترابنطي. والحوار فيها طريف، ويزداد طرافة إذا كانت المناظرة بين واحد والكل "Solo Contra Tutti" كما نرى في شكل الكونشرتو كما اقترحه كارل فليب إيمانويل باخ وطوره موتسارت. ولما كان موتسارت




صفحة رقم : 13515




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


يستطيب هذه المواجهات الهارمونية، فإنه كتب نعظم كونشرتواته للبيانو، ففيها كان يعزف دور العازف المنفرد بنفسه مضيفة عادة في أواخر الحركة الأولى قفلة تتيح له أن يسرح ويمرح. وأن يتألق عازفاً بارعاً لآلته.
وأول ما بدأ يتفوق في هذا الضرب كان في كونشرتو البيانو رقم (9) في مقام E المنخفض (ك 271). وأول كونشرتواته التي مازالت محببة للسامعين هي رقم 20 في مقام D الصغير (ك466) الشهرة بــ"الرومانتسي" الطفلية الطابع تقريباً. ويجوز لنا أن نقول أنه في هذه الحركة البطيئة بدأت الحركة الرومانسية في الموسيقى. وسواء كان السبب هو الكسل أو الشواغل، فإن موتسارت لم يكمل تدوين موسيقى هذا الكونشرتو إلا قبل ساعة من الزمن المحدد لأدائه (11 فبراير 1785)، ووصلت نسخة العازفون وأدى موتسارت دوره أداء خبير صناع، حتى لقد طلبت إعادة الكونشرتو مرات كثيرة في السنوات التالية.
وقدم موتسارت موسيقى رفيعة لآلات منفردة أخرى. ولعل الكونشرتو الرخيم في مقام A للكلارينت (ك622) يصلنا مذاعاً مراراً أكثر من أي مؤلفاته الأخرى. وفي شبابه المرح (1774) كان يستمتع أيما استمتاع بكونشرتو في مقام B المنخفض للباصون. وكانت كونشرتوات الهورن فقاعات تنفخ في مرح على النوتة-التي كانت أحياناً تحوي تعليمات مضحكة للعازف. "Da Bravo! Corraggio! Bestia!" لأن موتسارت كان خبيراً بأكثر من آلة نفخ واحدة. ثم يرفعنا كونشرتو الفلاوته والهارب (ك299) إلى السماء الأعلى.
وفي 1775 حين كان موتسارت في التاسعة عشرة ألف خمسة كونشرتوات للفيولينة وكلها رائع، وثلاثة منها ما زالت تحتويها ربرتوارات حية إلى اليوم. والكونشرتو رقم 3 في مقام G (ك226) فيه حركة بطيئة (أداجو) انتشى لها رجل كآينشتاين(53)، ورقم 4 في مقام D من روائع الموسيقى، ورقم 5 في مقام A فيه حركة غنائية معتدلة البطء تنافس معجزة صوت المرأة.




صفحة رقم : 13516




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


لا عجب إذا كان موتسارت قد أنتج بعضاً من ألذ الألحان في التأليف الموسيقي قاطبة، لا سيما في سنوات حبه لألويسية فيبر. وهي ليست أغاني (ليدات) مكتملة التفتح كالتي حققت تطويرها الناجح على يد شوبرت وبرامز، إنما هي أبسط وأقصر، تزين في الغالب كلمات سخيفة، ولكن موتسارت إذا وجد شعراً بمعنى الكلمة كقصيدة جوته (البنفسجية) "ارتفع إلى ذرى الشكل (ك476). فها هنا بنفسجة مرتعشة فرحاً باقتراب راعية حسناء تقول في نفسها ما أحلى الرقاد على صدرها؟ ولكن بينما كانت الراعية تمشي وهي تغني في جذل إذا هي تسحقها تحت قدمها دون أن تلحظها"(54). أكانت هذه ذكرى ألويسية القاسية؟ لقد كتب لها موتسارت من قبل لحناً من أرق ألحانه Non So D'onde Diene. ولكنه لم يلقِ بالاً إلى مثل هذه الأغاني المنعزلة، فقد احتفظ بموارد فنه الصوتي الخفية لألحان أوبراته وللمؤلفات التي وضعها للكنيسة.
على أنه قل أن سمعت موسيقاه الدينية خارج سالزبورج، لأن الكنيسة الكاثوليكية لم ترضَ عن المحسنات الأوبرالية التي كان رؤساء الأساقفة الذين خدمهم موتسارت يتوقعونها منه فيما يبدو. فالقداس المطول في سالزبورج كان يرتل في مصاحبة الأرغن، والوتريات، والأبواق، والترنبونات، والطبول، وكانت فقرات من المرح تنطلق فجأة في أكثر المواضع وقاراً ورهبة في قداسات موتسارت. ومع ذلك فإن الروح الدينية لابد تحركها موتينات نسجد لك (ك327) و"القديسة مريم أم الرب" (ك341 ب)، وأبدع نغم يفوق جماله الموصول كل أنغام موتسارت يظهر في "سبحوا الرب" في القسم الرابع من تسبيحة الاعتراف المسائية (ك339)(55).
يمكن القول عموماً أن موسيقى موتسارت هي صوت عصر أرستقراطي لم يسمع بسقوط الباستيل، وحضارة كاثوليكية لم يكد إيمانها مكدر، حرة في الاستمتاع بمباهج الحياة دون أن تسعى هذا السعي الحثيث لتجد مضموناً جديداً لحلم أفرغ من مضمونه القديم. وهذه الموسيقى في جوانبها الأخف تتسق مع رشاقة الزخرف الركوكي، ومع رومانسيات فاتو التصويرية،




صفحة رقم : 13517




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> المؤلف الموسيقي


وأولمب تيبولو الطافي في هدوء، وابتسامات مدام دبومبادور وأروابها وخزفها. وهي في عمومها موسيقى هادئة صافية، تشوبها بين الحين والحين لمسات من الألم والغضب، ولكنها لا ترفع صلاة متذللة ولا تحدياً بروميثياً للآلهة. لقد بدأ موتسارت موسيقاه في طفولته، وكانت تكمن في مؤلفاته خصيصة طفلية حتى اتضح له أن القداس الجنائزي الذي كان يكتبه لرجل غربياً كان قداساً لجنازته هو.




صفحة رقم : 13518




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الروح والجسد



7- الروح والجسد


لم يوهب موتسارت فتنة الجسد. فقد كان قصير القامة، رأسه أكبر مما يناسب جسمه، وأنفه اضخم من أن يلائم وجهه، وشفته العليا راكبة على السفلى، وحاجباه الكثيفان يحجبان عيناه القلقتين، لا يروع الناظر إليه غير شعره الأشقر الغزير. وفي سني عمره اللاحقة حاول التعويض عن عيوب قامته وقسماته باللباس البهي: قميص من الدنتلا، وسترة زرقاء، ذات ذيول، وأزرار ذهبية وسراويل تصل إلى الركبة ومشابك فضية فوق حذائه(56). ولم يكن الناظر إليه ينسى مظهره إلا وهو يعزف على البيانو، عندها تضطرم عيناه بالتركيز الشديد، وتخضع كل عضلة في بدنه نفسها لحركة ذهنه ويديه.
وكان في صباه متواضعاً طيب القلب، واثقاً بالناس محباً لهم، ولكن ما ظفر به من شهرة مبكرة، وما اغتذى عليه كل يوم تقريباً من التصفيق والاستحسان، أحدث عيوباً في خلقه. وقد حذره ليوبولد (1778) قائلاً "إنك يا بني سريع الغضب مندفع...شديد التحفز للرد في لهجة ساخرة على أول تحد"(57). واعترف موتسارت بهذا وبأكثر منه. فكتب يقول "لابد أن انتقم لنفسي إن أساء إنسان، فإذا لم أرد لعدوي الصاع صاعين أراني إنما جازيته صاعاً بصاع ولم أعاقبه"(58). ثم كان أشد الناس غلواً في تقدير عبقريته. "إن الأمير كاونتز أخبر الأرشيدوق بأن أمثالي لا يجود بهم الزمان إلا مرة كل مائة عام(59).




صفحة رقم : 13519




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الروح والجسد


وكان يسود خطاباته ويظهر في موسيقاه روح الفكاهة حتى آخر سني عمره. وكان هذا الروح عادة ضاحكاً معابثاً في براءة، يشتد أحياناً فيصبح هجاء جاداً، وفي شبابه كان بين الحين والحين ينحرف إلى فحش القول وهجره. وقد مر بمرحلة من الافتتان بالغائط. وحين كان في الحادية والعشرين كتب لابنة عمه ماريا أنا تكلا موتسارت تسعة عشر خطاباً تلوثها سوقية لا تصدق(60). وأشاد خطاب كتبه لأمه بالتطبل (أي امتلاء البطن بالغازات) نثراً وشعراً(61) ولم تكن أمه شديدة الاحتشام، فقد نصحت زوجها في خطاب كتبته له فقالت "اعتن بصحتك يا حبيبي، وادفع عجزك إلى فمك" ويبدو أن هذه العبارات "القعرية" كانت عرفاً سائداً في أسرة موتسارت وبيئتها، ولعلها كانت ميراثاً من جيل أشد شبقاً. على أنها لم تمنع موتسارت من أن يكتب لأبويه وشقيقته خطابات تفيض بأرق الحب. وكان في زعمه عريساً بكراً. فهل كان زوجاً وفيا؟ لقد اتهمته زوجته بــ"مغازلات الخدم(63)" ويقول كاتب سيرته المخلص:
"وانتشرت الشائعات بين الجمهور وفي الصحف، وبولغ في وصف لحظات نادرة من الضعف عنده، فجعلت سمات مميزة لخلقه. فنسبت إليه مغازلة كل تلميذة من تلاميذه وكل مغنية كتب لها أغنية، وكان يعد من الفكاهات أن يلقب بالسلف الأول لدون جوان(64)".
وقد نجم عن كثرة لزوم زوجته الفراش للوضع، وتكرار أسفارها إلى المنتجعات الصحية وغيابه عنها في جولاته الموسيقية، وحساسيته لكل مفاتن النساء، واختلاطه بالمغنيات الفاتنات والممثلات المتحررات-نجم عن هذا كله موقف كانت فيه المغامرة لا مفر منها تقريباً. وقد روت كونستانتسي كيف أنه أعترف لها بــ"حماقة" من هذا النوع ولمَ غفرتها له-"لقد كان طيباً جداً بحيث يستحيل على الإنسان أن يغضب منه" ولكن أختها تقص أنباء تفجرات عنيفة بينهما بين الحين والحين(65). ويلوح أن موتسارت كان شديد التعلق بزوجته، وقد أحتمل عيوبها ربة للبيت، وكان يكتب لها أثناء فراقهما خطابات تفيض إعزازاً كإعزاز الأطفال(66).




صفحة رقم : 13520




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الروح والجسد


ولم يكن موفقاً من الناحية الاجتماعية. من ذلك أنه قسا في الحكم على بعض منافسيه "إن صوناتات كلمنتي عديمة القيمة...فهو مشعوذ ككل الإيطاليين(67)". "بالأمس أسعدني الحظ بالاستماع إلى الهر فريهولت يعزف كونشرتواً من تأليفه التعس. ولم أجد فيه إلا القليل جداً مما يستحق الإعجاب(68)". ولكنه امتدح الرباعيات التي نشرها مؤخراً أجنازبلييل وإن نافست رباعياته. ووبخه أبوه لأنه يبغض الناس فيه بصلفه(69)، وأنكر موتسارت الصلف، ولكن لا نكران في أنه لم يكن له إلا قلة ضئيلة من الأصدقاء بين موسيقيي فيينا، وأن روحه المتكبرة ألقت العقبات في طريق تقدمه. ذلك إن حظ الموسيقى في النمسا وألمانيا كان يعتمد على الطبقة الأرستقراطية، وقد رفض موتسارت أن يقدم النبالة على العبقرية.
ثم إنه عانى من معوق آخر هو أنه لم يختلف قط إلى المدرسة أو الجامعة. ولم يكن أبوه قد أتاح له متسعاً من الوقت للتعليم العام. وقد أقتنى موتسارت فيما اقتنى من كتب قليلة دواوين شعر لجسنر وفيلاند وجلليرت، ولكن يبدو أنه استعملها في الكثير الغالب مصدراً لنصوص ممكنة للأوبرات. وكان قليل الاكتراث للفن أو الأدب, وكان في باريس حين مات فولتير، فلم يستطع أن يفقه لم ضجت المدينة هذا الضجيج الكثير بسبب زيارة الثائر الهرم وموته. كتب لأبيه يقول "إن هذا الوغد الكافر فولتير قد نفق كأنه كلب، كأنه حيوان! وهذا جزاؤه الحق(70)". وقد تشرب بعض العداء لرجال الدين من أخواته الماسون، ولكنه شارك في موكب لعيد القربان المقدس وهو يمسك شمعة في يده(71).
ولعل سذاجة عقله هي التي جعلته محبوباً رغم أخطائه. فالذين لم ينافسوه في الموسيقى وجدوه أنيس المعشر بشوشاً رفيقاً هادئ الطبع عادة. كتبت أخت زوجته صوفي فيبر "لم أرَ موتسارت طوال حياتي هائج الطبع، ولا حتى غاضباً(72)". ولكن هناك روايات تناقض هذه. وكان بمثابة الحياة لكثير من الحفلات الخاصة، دائم الرغبة في العزف، دائم الاستعدادات لنكتة أو لعبة. وكان يحب البولنج، والبليارد، والرقص، ويبدو أحياناً فخوراً




صفحة رقم : 13521




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الروح والجسد


برقصه أكثر من موسيقاه(73). وإذا لم يكن كريماً سمح النفس مع منافسيه، فإنه كان أريحياً دون تفكير تقريباً مع كل من عداه. وندر أن رد سائلاً. فأقترض منه ضابط أوتار البيانو المرة بعد المرة دون أن يرد قروضه. وكان موتسارت لا يخفي احترامه الشديد للمال، ولكن مرد ذلك أنه كان يفتقر أشد الافتقار إلى الوقت أو الميل للتفكير في المال، حتى أنه كثيراً ما أعوزه هذا المال. وإذ اضطر إلى الاعتماد على وسائله في كسب المال، واضطر إلى أن يعول أسرة بمنافسة عشرات الموسيقيين الغيورين منه فقد أهمل شؤون ماله، وسمح لمكاسبه أن تتسرب من بين أصابعه دون اكتراث منه، وأنحدر إلى درك الإملاق اليائس وهو يكتب أروع موسيقى جيله في سمفونياته الثلاث الأخيرة وأوبراته الثلاث الأخيرة.




صفحة رقم : 13522




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الأوج



8- الأوج




1782 - 1787


لقد بدأ حيات الاحتراف موسيقياً مستقلاً في فيينا بنجاح قرت به عينه. فكان يتقاضى أجراً طيباً على الدروس التي يعطيها، وأتاه كل كونشرتو عزف في 1782-84 بنحو خمسمائة جولدن(74). ولم ينشر من مؤلفاته في حياته سوى سبعين، ولكنه تقاضى عنها ثمناً معقولاً. وأعطاه الناشر أرتارين مائة دوقاتية نظير الرباعيات الست المهداة إلى هايدن-وكان ثمناً طيباً في تلك الأيام(75). وخسر ناشر آخر يدعى هوفمايستر بطبعه رباعيات موتسارت للبيانو في مقام G الصغير (ك478) وE الخفيض (ك493)، فقد وجدها الموسيقيون عسيرة جداً (وهي الآن تعد سهلة)، وأنذر هوفمايستر قائلاً: "أكتب بشعبية أكثر وإلا فلن أستطيع أن أطبع المزيد من مؤلفاتك أو أنقدك عنه"(76). وكان موتسارت يتقاضى الأجر العادي عن أوبراته، وهو مائة دوقاتية، ولكنه تقاضى عن "دون جوفاني" 225 دوقاتية مضافاً إليها حصيلة حفلة موسيقية أحييت لصالحه. واجتمع له في هذه السنين "دخل طيب جداّ"(77) كتب أبوه وقد زاره في 1785 يقول "إذا لم يكن على ولدي ديون مستحقة ففي ظني أنه يستطيع الآن أن يودع في المصرف ألفي جولدن"(78).




صفحة رقم : 13523




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الأوج


ولكن موتسارت لم يودع ذلك المال في المصرف، بل أنفقها على مصروفاته الجارية، وعلى الترفيه، والملابس الفاخرة، وعلى تلبية حاجات الأصدقاء المتسولين. لهذا السبب وغيرها من أسباب أكثر غموضاً وقع في هوة الدين في ذروة الطلب على خدماته ومؤلفاته. وفي تاريخ مبكر (15 فبراير 1783) كتب إلى البارونة فون فالدتشتيتن يقول إن أحد دائنيه هدده بأن "يقاضيني...وأنا في هذه اللحظة لا أستطيع الوفاء بالمبلغ-ولا حتى بنصفه...أتوسل إليك يا سيدتي بحق السماء أن تعيني على الاحتفاظ بشرفي وسمعتي(79). وجاءه الفرج المؤقت من نجاح حفلة موسيقية أحييت لصالحه في مارس، إذ أتته بألف وستمائة جولدن، وقد أهدى بعض هذا المال لأبيه.
وفي مايو 1783 انتقل إلى منزل حسن في رقم 244 بميدان يودن. هناك ولد له طفله الأول (17 يونيو) "صبي جميل قوي، ملفوف كالكرة". ولان جانب الأب بفضل هذا الحدث والهدية بعد أن ساءه زواج ابنه. واستغل فولفجانج وكونستانتسي هذا اللين ليزورا ليوبولد ونانيرل في سالزبورج، بعد أن تركا الطفل في فيينا مع مربية. وفي 19 أغسطس مات الطفل. وبقي أبواه في سالزبورج لأن موتسارت كان قد رتب أن يعزف فيها قداسه في مقام C الصغير الذي سترتل فيه كونستانتسي. وأطال فولفجانج وكونستانتسي مكثهما فوق أصول الضيافة، لأن ليوبولد كان عليه أن يحسب حساب كل درهم، ورأى أن زيارة ثلاثة أشهر أطول مما يحتما. وفي طريق عودتهما إلى فيينا تخلفا في لنتز، حيث كلف الكونت فون تون موتسارت بكتابة سمفونية.
فلما عاد إلى بيته عكف بهمة على التدريس والتأليف والعزف والقيادة. وفي ثلاثة أشهر (26 فبراير إلى 3 إبريل 1784) أحيا ثلاثة حفلات موسيقية وعزف في تسع عشرة حفلة أخرى(80). وفي ديسمبر انضم إلى أحد المحافل الماسونية السبعة بفيينا، وأستمتع باجتماعاتهم، ولم يتردد في الموافقة على تأليف الموسيقى لأعيادهم. وفي فبراير قدم أبوه في زيارة طويلة بعد أن




صفحة رقم : 13524




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الأوج


ألانه مولد ولد أخر لكونستانتسي. وفي 1785 دخل لونتسودا بونتي حياة موتسارت.
وقد عاش لورنتسو هذا حياة فيها من المغامرة ما يقرب من مغامرة صديقه كازانوفا. كان قد ولد في 1749 ابناً لدباغ جلود في حي يهود تشينيدا. فلما بلغ الرابعة عشرة أخذ أبو إيمانويلي كونليانو وإخوان له الأطفال إلى لورنتسودا بونتي، أسقف تشينيدا، ليعمدهم اتباعاً للكنيسة الكاثوليكية. واتخذ إيمانويلي أسم الأسقف، وأصبح كاهناً، واتصل في البندقية بامرأة متزوجة، فنفي، وانتقل إلى درسدن، ثم إلى فيينا، وفي 1783 استخدمه المسرح القومي شاعراً وكاتباً لنصوص الأوبرات.
واقترح عله موتسارت إمكان تأليف نص لأوبرا يؤخذ من كوميديا "زواج فيجارو" الحديثة التي ألفها بومارشيه. وكانت الكوميديا قد ترجمت إلى الألمانية لتمثيلها في فينا، ولكن يوزف الثاني حظر عرضها بحجة احتوائها على نزاعات ثورية تسيء إلى بلاطه. فهل في الإمكان إقناع الإمبراطور، الذي لم يكن هو نفسه مفتقراً إلى النزعة الثورية، بأن يسمح بأوبرا تستخلص من التمثيلية بحكمة وحصافة؟ وكان بونتي معجباً بموسيقى موتسارت، وسيبدي فيه الرأي التالي في تاريخ لاحق، وهو أنه رجل "لم يستطع حتى الآن، برغم ما أوتي من مواهب تفوق مواهب أي مؤلف موسيقي في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، أن يستغل عبقريته السماوية في فيينا بسبب دسائس خصومه"(81). ثم حذف من التمثيلية الحواشي المتطرفة التي كتبها بومارشيه، وحول ما بقي إلى نص إيطالي يضارع خير نصوص متاستازيو.
كانت قصة "زوتج فيجارو" هي المتاهة القديمة التي تتشابك فيها الاستخفاءات والمفاجآت والاكتشافات واستغفال الخدم الذكي لسادتهم: وكل هذا مألوف في الكوميديا منذ عهد ميناندر وبلوتس. وسرعان ما أحب موتسارت الموضوع، وألف الموسيقى بسرعة تكاد تبلغ سرعة تشكل النص، فتم الاثنان




صفحة رقم : 13525




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الأوج


في ستة أسابيع. وفي 29 إبريل 1786 كتب موتسارت الافتتاحية، وفي أول مايو حالف النجاح العرض الأول للأوبرا. وربما كان بعض الفضل في نجاحها لبنوتشي، الباصو المرح الجهوري الصوت، الذي غنى دور فيجارو ولكن لابد أن الفضل الأكبر لحيوية الموسيقى وملاءمتها للمناسبة، والألحان رائعة مثل شكاة كيروبينو "ما الذي تعرفونه (Voi Che Sapete)، وتوسل الكونتيسة توسلاً حاراً فيه ضبط للنفس إلى إله الحب في لحن الحب "Porgi Amor" وقد استعيدت الألحان غير مرة حتى استغرق العرض مثلي الوقت العادي، وفي نهايته طلب الجمهور موتسارت مرات ليظهر على خشبة المسرح.
وكانت حصيلة إخراج "فيجارو" في فيينا وبراغ خليقة بأن تعين موتسارت على الوفاء بديونه عاماً لولا إسرافه ولولا تكرار مرض زوجته وحملها. وفي إبريل 1787 انتقلا إلى بيت أقل تكلفة، في رقم 224 شارع لاند شتراسي. وبعد شهر مات ليوبولد مخلفاً لولده ألف جولدن.
وكلفته براغ بأوبرا أخرى. واقترح بونتي مغامرات دون جوان الجنسية موضوعاً لها. وكان ترسو دي مولينا قد عرض "الدون" الأسطوري على المسرح بمدريد في 1630 تحت اسم "مخادع إشبيلية"، وروى موليير القصة في باريس وسماها "وليمة الحجر" (1665) وقدمها جولدوني في البندقية باسم "دون جوفاني تنوريو" (1736) وكان فنتشنتي ريجيني قد عرض "وليمة الحجر" في فيينا عام 1777، وفي عام 1787 هذا نفسه كان جوزيبي جاتسانيجا قد أخرج بالعنوان ذاته أوبرا سطا بونتي على أسطر كثيرة منها، ومن بينها قائمة مرحة بخطايا جوفاني.
وعرفت "أعظم الأوبرات قاطبة" (كما سماها روسين) أول مرة في براغ في 29 أكتوبر 1787). وذهب موتسار الكونستانتسي إلى العاصمة البوهيمية ليشهدا هذا الحادث، وكثرت الحفاوة بهما إلى حد دعاه إلى تأجيل تأليف الافتتاحية حتى عشية العرض الأول، وفي منتصف الليل




صفحة رقم : 13526




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الأوج


"بعد قضاء أبهج أمسية يمكن تصورها(82)" ألف قطعة أقرب ما تكون إلى موسيقى فاجنر في إيذانها بالعناصر التراجيدية والكوميدية للتمثيلية. ووصلت نوتة الافتتاحية إلى الأوركسترا بالضبط في الوقت المحدد للأداء(83). كتبت جريدة فيينا تسايتونج تقول "مثلت اليوم الاثنين أوبرا الموسيقار موتسارت "دون جوفاني" التي طال انتظارها.....ويجمع الموسيقيون وأهب الخبرة على أن مثل هذا العرض لم يرَ في براغ قط من قبل. وقاد الهر موتسارت بشخصه الموسيقيين، وكان ظهوره في الأوركسترا إيذاناً بترديد الهتاف الذي تكرر عند خروجه(84)".
وفي 12 نوفمبر عاد الزوجان السعيدان إلى فيينا. وبعد ثلاثة أيام مات جلوك، وعين يوزف الثاني موتسارت ليخلفه رئيس موسيقيي الحجرة للبلاط. وبعد معاناة شديدة مع المغنين أخرجت "دون جوفاني" بفيينا في 17 مايو 1788 دون أن تلقى استحساناَ يذكر. وأدخل موتسارت وبونتي عليها المزيد من التغيير والتبديل، ولكن الأوبرا لم تحظَ قط في فيينا بالنجاح الذي حظيت به في براغ ومانهايم وهامبورج. وشكا ناقد برليني فقال أن "التمثيلية الهازلة" عدوان على الفضيلة. ولكنه أردف "إن كان لأمة من الأمم أن تفخر بأحد أبنائها، فإن لألمانيا أن تفخر بموتسارت مؤلف هذه الأوبرا(85)". وبعد تسع سنوات كتب جوته إلى شيلر "إن آمالك التي ترجوها للأوبرا تحققت بوفرة في دون جوفاني(86)" وتحسر أن موتسارت لم يعش ليكتب موسيقى فاوست.




صفحة رقم : 13527




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الحضيض



9- الحضيض




1788 - 1790


لم تلبث حصيلة دون جوفاني أن نفذت، ولم يكفِ راتب موتسارت المتواضع لشراء الطعام إلى بالجهد. وقبل إعطاء التلاميذ دروساً خصوصية ولكن التدريس كان عملاً مرهقاً مضيعاً للوقت. وعليه فقد انتقل إلى مسكن أرخص في ضاحية فيرنجر شتراسي. ومع ذلك تكاثرت عليه الديون. فاقترض أينما استطاع-خصوصاً من تاجر كريم وأخ في الماسونية يدعى




صفحة رقم : 13528




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الحضيض


ميخائيل بوشبرج. وقد كتب إليه موتسارت في يونية 1788 يقول:
"ما زلت مديناً لك بثماني دوقاتيات. ورغم أني في هذه اللحظة لست في وضع يمكنني من سداد هذا المبلغ لك، فإن ثقتي فيك لا حد لها، بحيث أجرؤ على التوسل إليك بأن تسعفني بمائة جولدن حتى الأسبوع القادم وهو الموعد المحدد لبدء حفلاتي الموسيقية في الكازينو. عندئذ سأكون بالتأكيد قد تسلمت نصيبي الذي وعدتُ به فأستطيع بغاية السهولة أن أرد لك 136 جولدناً مقروناً بأحر عبارات شكري(87)".
وأرسل أليه بوشبرج المائة جولدن. وشجع هذا موتسارت، فرجاه (17 يونيو) في إقراضه ألف جولدن أو ألفين لمدة عام أو عامين بفائدة مناسبة "وكان قد ترك متأخرات من إيجار بيته القديم دون أن يدفعها، فهدده المالك بحبسه، فاستدان موتسارت ليؤدي له دينه. والظاهر أن بوشبرج لم يوافه بكل ما طلب، لأن المؤلف اليائس أرسل إليه توسلات جديدة في يونيو ويوليو. وفي تلك الشهور النكدة المزعجة ألف موتسارت "السمفونيات الكبرى" الثلاث.
ثم رحب بدعوة أتته من الأمير كارل فون لشنوفسكي ليركب معه إلى برلين. واقترض لتلك الرحلة مائة جولدن من فراتنز هوفدميل. وغادر الأمير والصعلوك فيينا في 8 إبريل 1789. وفي درسدن عزف موتسارت أما الأمير الناخب فردريك أغسطس فظفر بمائة دوقاتية. وفي ليبزج عزف في حفلة عامة على أرغن باخ، وتأثر بترتيل فرقة "تماستولي" ليموتيته باخ "أنشدوا للرب". Singet Dem Herron. وفي بوتسدام وبرلين (28 إبريل إلى 28 مايو) عزف لفردريك وليم الثاني، فنفحه بسبعمائة فلورين، مع تكليف بست رباعيات وست صوناتات. ولكن مكاسبه أنفقت بسرعة عجيبة، وقد عزت شائعة غير مؤكدة بعض هذا الإنفاق إلى صلة غرام بمغنية برلينية تدعى هنرييته بارونيوس.(88) وفي 23 مايو كتب إلى كونستانتسي يقول "أما عن عودتي فعليكِ أن تتطلعي إليّ أنا أكثر من التطلع إلى النقود(89)" ووصل أرض الوطن في 4 يونيو 1789.




صفحة رقم : 13529




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الحضيض


واحتاجت كونستانتسي، التي كانت حاملاً مرة أخرى، إلى الأطباء والعقاقير وإلى رحلة غالية للاستشفاء بمياه بادن-باي-فيين. وفزع موتسارت إلى بوشبرج مرة أخرى:
"يا إلهي العظيم! لست أتمنى لأعدى أعدائي أن يكون في موقفي الراهن. إنكَ لو تخليت عني يا أعز صديق وأخ (ماسوني) لقضي علينا قضاء مبرماً-نفسي التعسة البريئة وزوجتي المريضة المسكينة وأطفالي...فكل شيء رهن...بموافقتك على إقراضي خمسمائة جولدن أخرى، وإلى أن تسوى أموري أتعهد بأن أرد لك عشرة جولدنات كل شهر، ثم أسدد لك المبلغ كله. يا إلهي! لا أكاد أقوى على حمل نفسي على إرسال هذا الخطاب، ومع ذلك فلابد مما ليس منه بد! اغفر لي بالله، فقط اغفر لي!(90)".
وأرسل له بوشبرج 150 جولدناً أنفق أكثرها في سداد فواتير كونستانتسي في بادن. وفي 16 نوفمبر، ولدت في بيتهم بنتاً ماتت في اليوم نفسه. وأعانه يوزف الثاني بأن كلفه هو وبونتي بكتابة، "مسرحية هازلة" عن موضوع قديم (استخدمه ماريفو في لعبة الحي والحظ 1730): خلاصتها إن رجلين يتنكران لاختبار وفاء خطيبتيهما فيجدان فيهما ليناً ورخاوة، ولكنهما يغفران لهما على أساس أن كل النساء هكذا "Cosi Fan Tutte" ومن هنا اسم الأوبرا "هكذا يفعلن جميعاً". ولم يكن الموضوع بالذي يتفق ومزاج موتسارت المأساوي آنئذ (إذا استثنينا قليلاً من العبث بدر من كونستانتسي في بادن)، ولكنه قدم للنص البارع الظريف موسيقى هي التجسيد الكامل للبراعة والظرف، وندر أن مجد هراء بمثل ما مجد به هذا الهراء. وقد لقي عرض الأوبرا الأول في 26 يناير 1790 نجاحاً لا بأس به، وأعيد العرض أربعة مرات في شهر واحد، وكانت الحصيلة مائة دوقاتية لموتسارت. ثم مات يوزف الثاني (20 فبراير)، وأغلقت مسارح فيينا أبوابها حتى 12 إبريل.
وراود موتسارت الأمل في أن يجد له الإمبراطور الجديد عملاً، ولكن




صفحة رقم : 13530




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الحضيض


ليوبولد الثاني تجاهله. وكذلك تجاهل بونتي فرحل إلى إنجلترا وأمريكا، وانتهى به المطاف (1838) مدرساً للإيطالية فيما هو الآن جامعة كولومبيا بنيويورك(91). واستنجد موتسارت بيوشبرج من جديد (29 ديسمبر 1789، 20 يناير، 20 فبراير، 1،8، 23 إبريل 1790)، ولم يرده خائباً قط، ولكن ندر أن تلقى منه كل ما طلب. وفي أوائل مايو طلب ستمائة جولدن ليؤدي ما استحق عليه من إيجار، فأرسل إليه بوشبرج مائة. واعترف ليوشبرج في 17 مايو "أنني مضطر للالتجاء إلى المرابين" وفي ذلك الخطاب ذكر أنه لم يبق له من تلاميذه سوى اثنين، ورجا صديقه "أن يذيع بين الناس أنني مستعد لإعطاء الدروس(92)" على أن ما به من توتر الأعصاب وضيق الخلق كان يحول بينه وبين إجادة التعليم. وكان أحياناً يخلف مواعيده مع تلاميذه وأحياناً يلعب معهم البليارد بدلاً من أن يعطيهم درساً(93). ولكنه كان إذا وجد طالباً ذا موهبة مبشرة بذل له نفسه دون تحفظ، وهكذا نراه يعلم يوهان هومل في اغتباط وبنجاح، وقد تتلمذ له (1787) وهو لا يزال في الثامنة، وأصبح عازفاً شهيراً للبيانو في الجيل التالي.
وأضافت الأمراض الخطيرة آلاماً إلى أحزان موتسارت. وقد شخص طبيب أوجاعه بأنها "التهاب مفرز لحويصلة الكلية مصحوب بتقيح، وتضررات بؤرية كامنة، تفضي بالضرورة إلى عجز كلوي تام(94)". وهذا معناه التهاب في الكلى صديدي مضعف. كتب إلى بوشيرج في 14 أغسطس 1790 يقول "إنني اليوم في منتهى التعاسة لم يغمض لي جفن في الليلة البارحة لشدة الألم...تصور حالي-عليل تتوشني الهموم والمنغصات...ألا تستطيع إعانتي بمبلغ تافه؟ إنني أرحب جداً بأقل مبلغ". وأرسل له بوشبرج عشرة جولدنات.
واتخذ موتسارت رغم سوء حالته الصحية خطوة يائسة ليعول أسرته. ذلك أنه تقرر تتويج ليوبولد بفرانكفورت في 9 أكتوبر 1790. وكان في حاشية الإمبراطور سبعة عشر موسيقياً للبلاط، ولكن موتسارت لم يدعَ. ومع ذلك ذهب بصحبة فرانتز هوفر زوج أخته وعازف الفيولينه. ورهن موتسارت آنية الأسرة الفضية ليغطي نفقة الرحلة. وفي فرانكفورت عزف




صفحة رقم : 13531




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> الحضيض


وقاد في 15 أكتوبر كونشرتو البيانو في مقام D (ك537)، الذي ألفه قبل ثلاث سنوات، ولكن شاءت نزوة من نزوات التاريخ أن تسميه "كونشرتو التتويج"-وهو ليس من أفضل موسيقاه. كتب لزوجته يقول "لقد نجح نجاحاً باهراً من حيث الشرف والمجد، ولكنه أخفق من حيث المال(95)". وقفل إلى فيينا دون أن يزيد ما كسبه عما أنفق إلا قليلاً. وفي نوفمبر انتقل إلى منزل أرخص في راوهنشتاينجاسي حيث قدر له أن يلقى منيته.




صفحة رقم : 13532




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> القداس الجنائزي



10- القداس الجنائزي




1791


وأعانته على الحياة عاماً آخر ثلاثة تكليفات وافته في تتابع سريع. ففي مايو 1791 عرض عليه إيمانويل شيكانيدر، الذي كان يخرج الأوبرات والتمثيليات الألمانية في مسرح بإحدى ضواحي، مخططاً لنص يدور حول ناي سحري، ورجا أخاه في الماسونية أن يؤلف موسيقى للنص، فقبل موتسارت. ولما ذهبت كونستانتسي وهي حبلى مرة أخرى إلى بادن-باي فيين في يونيو، قبل دعوة شيكانيدر أن ينفق نهاره في بيت وسط حديقة قرب المسرح حيث يستطيع تأليف "الناي السحري" تحت حث المدير وإلحاحه. أما الأمسيات فقد صحب فيها شيكانيدر في حياة الليل بالمدينة. يقول يان "كانت الحماقة والترف الرفيقين الحتميين لمثل هذه الحياة، وسرعان ما وصلت أنباؤهما إلى آذان الجماهير...فلوثت اسمه شهوراً بقدر من القدح فوق ما يستحق(96)". ووسط هذه الاسترخاءات وجد موتسارت وقتاً للركوب إلى بادن (على أحد عشر ميلاً من فيينا) ليزور زوجته التي ولدت له فولفجانج موتسارت الثاني في 26 يوليو.
في ذلك الشهر وافاه طلب من غريب مجهول الاسم، يعرض عليه مائة دوقاتية يؤلف لقاءها سراً قداساً جنائزياً، ثم يرسله إليه دون أي إعلان لاسم المؤلف. وتحول موتسارت من مرح "الناي السحري" إلى موضوع الموت، وإذا هو يتلقى في أغسطس تكليفاً من براغ بتأليف أوبرا "La Clemenza Di Tito" "شفقة تيتو" تمثل هناك في مناسبة وشيكة هي تتويج ليوبولد الثاني ملكاً على بوهيميا. ولم يتح له غير شهر واحد لوضع موسيقى جديدة لنص متاستازيو القديم. وعكف عليه في مركبات مهتزة




صفحة رقم : 13533




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> القداس الجنائزي


وفنادق صاخبة أثناء رحلته مع زوجته إلى براغ. وغنيت الأوبرا في 6 سبتمبر دون أن تحظى إلا باستحسان وسط. وكانت الدموع تترقرق في عيني موتسارت وهو يغادر المدينة الوحيدة التي ناصرته من قبل، ويدرك أن الإمبراطور شهد فشله. ولم يكن له من عزاء إلا أجر المائتي دوقاتية، والنبأ اللاحق بأن إعادة عرض الأوبرا في براغ 30 سبتمبر لقي كل النجاح.
في ذلك اليوم قاد من البيانو أول عرض للناي السحري. والقصة كانت في بعضها من قصص الجان، وفي بعضها تمجيداً لشعائر الدخول في الماسونية. وأفرغ موتسارت خير فنه في تأليف موسيقاها وإن اتبع معظم الألحان لخط ميلودي بسيط يناسب جمهوره المؤلف من الطبقة الوسطى. وقد أغدق فيضاً من الزوقات (الكولوراتورا) على "ملكة الليل"، ولكنه كان بينه وبين نفسه يسخر من غناء الكواوراتورا ويشبهه بــ"الشرائط المقطعة"(97). ومارس الكهنة الذي يفتتح الفصل الثاني موسيقى ماسونية، ولحن كبير الكهنة "In Diesen Leiligen Hallen" "في هذه القاعات المقدسة لا نعرف شيئاً عن الانتقام، ومحبة الداخلين في الإيمان لإخوانهم من البشر هو المبدأ الهادي"-هذا اللحن هو زعم الماسونية بأنها ردت أخوة البشر التي تبشر بها المسيحية من قبل. (قارن جوته بين الناي السحري والجزء الثاني من فاوست، الذي بشر هو أيضاً بالأخوة، وإذ كان هو نفسه ماسونياً فقد قال عن الأوبرا إن لها "معنى أسمى لن يغيب عن أعضاء الجماعة"(98). ولقي العرض الأول نجاحاً قلقاً، وصدم النقاد ذلك المزج بين الفوجة والمرح(99)، على أن الناي السحري ما لبث أن أصبح أحب أوبرات موتسارت إلى الناس، وأحب الأوبرات قبل فاجنر وفردي. وقد أعيد أداؤه مائة مرة خلال أربعة عشر شهراً من العرض الأول.
وجاء هذا النصر الأخير وموتسارت يشعر بيد الموت تمسه. وكأن القدر أراد أن يؤكد سخريته، إذ تلقى الآن من جماعة من نبلاء المجريين تعهداً باشتراك سنوي قدره ألف فلورين، ثم عرض عليه ناشر أمستردامي مبلغاً أكبر حتى من نظير اختصاصه بحق طبع بعض أعماله. ثم تلقى في سبتمبر دعوة إلى لندن من بونتي، فرد عليه قائلاً "كان بودي أن اتبع نصيحتك، ولكن كيف أستطيع؟...إن حالتي تنبئني بأن ساعتي قد




صفحة رقم : 13534




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الجنوب الكاثوليكي -> موتسارت -> القداس الجنائزي


حانت، وأنا موشك على فراق الحياة. وقد أتت النهاية قبل أن أستطيع إثبات موهبتي. ومع ذلك كانت الحياة جميلة"(100).
وفي شهوره الأخيرة أفرغ عافيته المتداعية في تأليف "القداس الجنائزي" وراح يعكف عليه أسابيع عديدة عكوفاً محموماً. فلما حاولت زوجته أن تصرفه عنه إلى شواغل أقل جهامة قال لها "إنني أكتب القداس الجنائزي لنفسي، وسيصلح صلاة لمأتمي"(101) وألف لحن "يا رب أرحم" Kyrie وأجزاء من "يوم الغضب" والبوق السماوي Yuba Mirum "والملك الموهوب" Rex Tremendae واذكرني Recordare و"الباكية" Lacrimosa و"أيها الرب" و"المدانون Confutatis" و"القرابين" Hostias. وقد ترك هذه الأجزاء المتناثرة دون مراجعة، وهي تشي باضطراب عقل يواجه الانهيار. وقد اكمل فرانتز زافير زوسماير "القداس الجنائزي" على نحو رائع.
وفي نوفمبر بدأت يدا موتسارت ورجلاه تتورم ورماً مؤلماً، وأصابه شلل جزئي. فاضطر إلى لزوم فراشه، في تلك الأمسيات حين كانت أوبرا "الناي السحري" تمثل كان يضع ساعته إلى جواره ويتابع كل فصل في خياله، مدندناً بالألحان أحياناً. وفي آخر يوم من حياته طلب نوتة القداس الجنائزي، ورتل دور الألتو، ورتلت السيدة شاك السوبرانو، وفرانتز هوقر التنور، والهر جيرل الباص. فلما بلغوا "الباكية" بكى موتسارت. وتنبأ بأنه سيموت الليلة. وناوله كاهن الأسرار المقدسة الأخيرة. وقرب المساء فقد الوعي، ولكنه فتح عينيه منتصف الليل بقليل ثم أدار وجهه إلى الحائط وسرعان ما انتهت آلامه (5 ديسمبر 1791).
ولم تستطع زوجته ولا أصدقاؤه أن يشيعوه كما ينبغي أن يشيع. صلي على الجثمان في كنيسة القديس إسطفانوس في 6 ديسمبر، ودفن في فناء كنيسة القديس مرقص. ولم يشتر له قبر، بل أدلي الجثمان في قبو عام صنع ليتلقى أجساد خمسة عشر أو عشرين من الفقراء المعدمين. ولم تحدد الموضع علامة من صليب أو نص، فلما ذهبت إليه أرملته بعد أيام لتصلي، لم يستطع أحد أن يدلها على البقعة التي ضمت رفات موتسارت.




صفحة رقم : 13535




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك



الكتاب الرابع




الإسلام والشرق السلافي




1715 - 1796




الفصل السادس عشر




الإسلام




1715 - 1796




1- الأتراك


حوصرت المسيحية في القرن الثامن عشر بين فولتير ومحمد (صلى الله عليه وسلم) بين حركة التنوير والإسلام. فمع أن العالم الإسلامي كان قد فقد سطوته الحربية منذ رد سويبسكي الترك على فيينا عام 1683، إلا أنه ظل مسيطراً على المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وشبه جزيرة العرب وفلسطين وسوريا وفارس وآسيا الصغرى والقرم وجنوبي روسيا وبسارابيا وملدافيا وولاشيا (رومانيا) وبلغاريا والصرب (يوغسلافيا) والجبل الأسود والبوسنة ودلماشيا واليونان وكريت وجزر الأرخبيل وتركيا. وهذه الأقطار كلها- باستثناء فارس- كانت جزءاً من إمبراطورية الأتراك العثمانيين المترامية الأطراف. فعلى الساحل الدلماشي بلغوا الأدرياتيك وواجهوا الولايات البابوية، وعلى البوسفور تسلطوا على المنفذ البحري الوحيد من البحر الأسود، وكان في مقدورهم أن يقفوا سداً منيعاً بين الروس والبحر المتوسط متى شاءوا.
فإذا عبرنا الأقاليم المجرية إلى بلاد المسلمين لم نلحظ للوهلة الأولى فرقاً يذكر بين المدينتين المسيحية والإسلامية. فهنا أيضاً كان فقراء المسلمين السذج الأتقياء يفلحون الأرض تحت إمرة سادتهم الأغنياء والأذكياء المتشككين. ولكن المشهد الاقتصادي يتغير فيما وراء البوسفور: فلا يكاد المزروع من الأقاليم يبلغ 15%، أما الباقي فصحراء أو جبال لا تتيح




صفحة رقم : 13536




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


غير التعدين أو الرعي، هناك كان الإنسان يتميز به الإقليم هو البدوي الذي أسود لونه وتحمص جلده من الشمس، وتدثر على نحو معقد اتقاء للرمال والقيظ. أما المدن الساحلية والمتفرقة هنا وهناك كانت حافلة بالتجارة والحرف اليدوية، ولكن الحياة بدت أكثر دعة واسترخاء مما كانت في المراكز المسيحية، فالنساء يلزمن بيوتهن أو يسرن في وقار شديد تحت أحمالهن ووراء خمرهن، والرجال يمشون الهوينا في الشوارع. وكان جل الصناعة يدوياً، وورشة الصانع ملحقاً يتصدر بيته، وكان يدخن غليونه ويتجاذب الحديث مع غيره أثناء العمل، وأحيناً يشارك زبوناً قهوته.
ويمكن القول بوجه عام أن التركي العادي كان قانعاً غاية القناعة بمدينته، حتى لقد ظل قروناً لا يطيق أي تغيير ذي بال. وكانت التقاليد هنا كما كانت في التعاليم الكاثوليكية مقدسة قداسة التنزيل. أما الدين فكان أعظم قوة وانتشاراً في الأقطار الإسلامية مما كان في العالم المسيحي، والقرآن هو الشريعة والديانة معاً، وفقهاء الإسلام شراح الشريعة الرسميون. وكان الحج إلى مكة المكرمة يقود كل عام درامته المثيرة فوق رمال الصحراء وعلى الطرق المتربة. أما في الطبقات العليا فإن البدع العقلانية التي طلع بها معتزلة القرن الثامن الميلادي، والتي واصلها الشعراء والفلاسفة المسلمون طوال عصر الإيمان، لقيت قبولاً واسعاً مستوراً. كتبت الليدي ماري ورتلي مانتاجيو من الاستانة في 1719 تقول:
"إن الأفندية (أي الطبقة المتعلمة).. ليسوا أكثر إيماناً بالوحي الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) منهم بعصمة البابا. ويصرحون بالربوبية بينهم وبين من يثقون بهم ولا يتكلمون على شريعتهم (أي ما يمليه القرآن الكريم) إلا بوصفها مؤسسة سياسية، تصلح الآن لأن يتقيد بها العقلاء من الناس وإن كانت أصلاً من عمل رجال السياسة والمتحمسين من رجال الدين"(1).
وانقسم الإسلام بين مذهبي السنة والشيعة كما انقسمت مسيحية الغرب




صفحة رقم : 13537




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


بين الكاثوليكية والبروتستنتية، ثم قام مذهب جديد في القرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب، أحد شيوخ نجد- وهو الهضبة الوسطى التي نعرفها اليوم بالعربية السعودية. وكان الوهابيون من الإسلام أشبه بالبيورتان من المسيحية: استنكروا التعبد للأولياء، وهدموا أضرحة المشايخ والشهداء، واستهجنوا لبس الحرير والتدخين، ودافعوا عن حق كل فرد في أن يفسر القرآن لنفسه(2). وقد شاعت الخرافات في جميع المذاهب على السواء، ولقى دجاجلة الدين كما لقيت المعجزات الكاذبة التصديق السريع، وكان جل المسلمين يعدون مملكة السحر عالماً حقيقياً كعالم الرمال والشمس الذي يكتنفهم(3).
أما التعليم فهيمن عليه رجال الدين الذين آمنوا بأن أضمن سبيل لتكوين المواطنين الصالحين أو الأتباع الأوفياء القبيلة هي ترويض الخلق لا تحرير الفكر. وكان رجال الدين قد انتصروا في معركتهم مع العلماء والفلاسفة والمؤرخين الذين ازدهروا أيام الإسلام الوسيط، فانتكس الفلك إلى التنجيم، والكيمياء إلى الخيمياء، والطب إلى السحر، والتاريخ إلى الأساطير. ولكن في كثير من المسلمين حلت المحكمة الصامتة محل التعليم والتفقه في المعرفة. وكما قال داوتي الحكيم البليغ: "إن العرب والترك، الذين كتبهم هي وجوه الرجال... والذين شروحهم وتفاسيرهم هي الأقوال المأثورة السائرة ومئات الأمثال الحكيمة القديمة السائدة في عالم الشرق، هؤلاء قريبون من إدراك الحقائق الإنسانية. إنهم شيوخ راسخون في الحكمة وهم لا يزالون شباباً، ولا ينسون بعد ذلك إلا القليل مما تعلموا(4)". وقد أكد ورتلي مونتجيو في خطاب كتبه عام 1717 لأديسون أن "الرجال ذوي الشأن من الأتراك يبدون في أحاديثهم مهذبين لا يقلون تحضراً عن أي رجال التقيت بهم في إيطاليا"(5)، أجل فالحكمة ليس لها وطن.
ولقد كان عالم الإسلام على الدوام غنياً بالشعراء. ذلك أن الصحاري الرهيبة، والسماء المحيطة، والنجوم المنتشرة إلى ما لا نهاية في الليالي الصافية، كل أولئك حرك الخيال كما حرك الإيمان الديني بالإحساس بما في الكون من




صفحة رقم : 13538




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


أسرار ملغزة، وأضفى دم الشباب المضطرم بالرغبة المكبوتة على مفاتن النساء تصوراً مثالياً، تلك المفاتن التي زدنها إغراء في ذكاء وحكمة باحتجابهن وحيائهن. وفي 1774 نشر السير وليم جونس كتابه "شروح على الشعر العربي" الذي كشف للعقول اليقظة في غربي أوربا عن حب المسلمين للشعر وما ينطوي عليه من رقة وعاطفة مشبوبة. أما أعظم فحول الشعراء العثمانيين في القرن الثامن عشر فهو نديم، الذي تغنى بشعره أيام السلطان محمد الثالث (1703- 30):


إيه أيها الحب الحائر، إن قلبي وروحي ضاعا هباءً




وفرغ مني الصبر وذهب الجلد




ذات مرة كشفت عن صدرها البديع،




فإذا الراحة والسلام يهربان من صدري...




لها خال في خدها وثني، وضفائر وثنية، وعيون وثنية...




أقسم أن دنيا جمالها القاسي بأسرها وثنية خالصة.




ولقد وعدتني بقبلات على نحرها، وبقبلات على صدرها،




ولكن ويلي فقد حنثت الوثنية بوعدها السابق.




يا للرشاقة المحببة التي أبرزت بها غدائرها من تحت طربوشها،




كل مخلوق أبصرها تأمل حسنها مشدوهاً لتوه.




يا قاسية القلب، لأجلك يبكي الرجال وينوحون يأساً،




إن قدك الرقيق لزكي من كل شذى وأبهج من كل لون،




فليت شعري هل أرضعتك وردة عطرة من ثديها.




وأنك لتقبلين أيتها الحلوة وفي إحدى يديك وردة وفي الأخرى كأس.




فلا أدري أي الثلاثة آخذ- الوردة أم الكأس أم أنت.






صفحة رقم : 13539




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك




لكأن نبعاً متدفقاً تفجر من نهر الحياة.




حين طلعت عليَّ بذلك القد اللدن البديع(6).


وكان على النساء الإفادة ما استطعن من قدودهن اللدنة الرشيقة، فمتى ذبلت محاسنهن جر عليهن الزمن ذيول النسيان في زوايا الحريم. وكان لفظ "الحريم" هذا لا يقصر على أزواج الرجل وسراريه، بل ينسحب على كل إناث بيته. وقد ظل الحجاب مضروباً عليهن في القرن الثامن عشر، وكان يسمح لهن بالخروج من الدار، ولكن (بعد 1754) كان عليهن إذا خرجن أن يخفين كل عضو فيهن إلا عيونهن الساحرة، ولا يدخل جناحهن غير الأب، أو الأخ، أو الزوج، أو الابن. وحتى بعد الموت كان المفروض أن يتصل هذا الفصل بين الجنسين في الدار الآخرة. فالمؤمنات لهن جنتهن غير جنة الرجال، والمؤمنون يمضون إلى فردوس آخر ترفه فيه عنهم حور من الجنة أبكار متجددات الشباب. وكانت خيانة المرأة لزوجها تعاقب عقاباً صارماً ويندر حدوثها، وكان العربي يحلف بـ "شرف حريمه" كأغلظ الإيمان(7). وروت الليدي ماري أن النساء التركيات اللاتي سمح لها بلقائهن لم تضقن بالحجاب الذي عزلهن عن الرجال. وقد رأت بعضهن يعدلن في جمال الوجه وحسن القد ورفاهة الطبع "أشهر حساننا الإنجليزيات(8). فلما أذن لها بدخول أحد الحمامات العامة الكثيرة، تبين لها أن النساء يمكن أن يكن جميلات حتى لو تجردن من الثياب. وقد افتتنت على الأخص بنساء الطبقة الراقية في حمام بأدرنة. دعوتها لخلع ملابسها والاستحمام معهن، فاعتذرت. "ولما اشتد إلحاحهن عليَّ اضطررت في النهاية إلى أن أفتح قميصي وأريهن مشدي (الكورسيه)، فأقنعهن هذا تماماً إذ رأيت أنهن اعتقدن أني حبيسة بقيود تلك الآلة بحيث لا أقوى على فتحها، وقد عزون هذه الحيلة لتدبير زوجي. وعلقت إحداهن قائلة "انظرن كم يقسو الأزواج الإنجليز على نسائهن المساكين(9)".
وكان الأتراك فخورين بحماماتهم العامة، يرون أنفسهم على العموم شعباً




صفحة رقم : 13540




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


أنظف من النصارى الكفار. وكان الكثيرون من أفراد الطبقتين العليا والوسطى يختلفون إلى الحمام التركي مرتين في الأسبوع، وأكثر منهم يختلفون مرة في الأسبوع. هناك يجلسون في غرفة ملئت بخاراً حتى يتصببون عرقاً، ثم يأتي عامل فيدعك كل مفصل في أجسامهم ويدلك لحمهم ويكيسه بقطعة من القماش الخشن ثم يغسله. لا عجب إذن إن لم نسمع الكثير عن روماتيزم المفاصل في تركيا. على أن أمراضاً أخرى تفشت بينهم لا سيما الرمد، فالرمال والذباب كانت تنقل العدوى إلى العيون. ولكن الأتراك كما أسلفنا علموا أوربا التطعيم ضد الجدري.
ولم يخامرهم شك في أن مدينتهم تفوق مدنية الأقطار المسيحية. صحيح أنهم سلموا بأن الرق كان أوسع انتشاراً في بلاد المسلمين، ولكنهم لم يروا فرقاً حقيقياً بين الأرقاء في تركيا والأقنان (Serfs) أو الخدم (Servants) في العالم المسيحي، وقد اتفقت معهم في الرأي الليدي ماري واصل اللفظ. وكانوا لا يقلون عنا غلواً في حب الأزهار والعناية بها، فكانت لهم مثلنا مباريات مجموعة في تربية زهرة الطوليب؛ كما شهدت الآستانة في عهد السلطان أحمد الثالث (1703- 30)؛ ويبدو أن الأتراك هم الذين أدخلوا إلى أوربا المسيحية بطريق البندقية وفيينا والأراضي الواطئة أزهار الطوليب والياقوتية (Hyacinth) الشرقية وحوزان الحدائق (ranuneulus) كما أدخلوا أشجار القسطل (أبي فروة)- والميموزا(10).
أما الفن في تركيا فكان الآن في اضمحلال شأنه في معظم الأقطار المسيحية. واعتبر الأتراك أنفسهم أرقى في صناعات الفخار والنسيج والأبسطة والزخرفة وحتى في المعمار. فقد ورثوا عن آبائهم كيف يضفون على التصوير التجريدي منطقاً وتواصلاً ودلالة. وفاخروا ببهاء القاشاني الذي صنعوه (كما يرى على نافورة أحمد الثالث في الآستانة)، وبيريق قرميدهم الذي لا ينطفئ، وبصلابة منسوجاتهم ورقتها" وبتألق أبسطتهم ومتانتها. واشتهرت الأناضول والقوقاز في هذه الحقبة بوبرهما اللامع وتصميم السجاد الهندسي الدقيق، لا سيما سجاجيد الصلاة التي توجه أعمدتها وأقواسها المدببة




صفحة رقم : 13541




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


المصلى الراكع صوب المحراب الذي يشير في كل مسجد إلى قبلة مكة المكرمة. كذلك فضل الأتراك جوامعهم ذات القباب والقرميد والمآذن على أبراج الكاتدرائيات القوطية وعقودها وفخامتها الكابية. وشيدوا حتى في هذه الحقبة المضمحلة المساجد العظيمة في نوري- عثمانية (1748) ولا ليلى- يامسي (1765)، وحاكى أحمد الثالث طراز الحمراء في القصر الذي شيده في عام 1729. أما الآستانة فلعلها كانت أروع العواصم الأوربية، كما كانت أوسعها رقعة برغم شوارعها المتشابكة وأحيائها الفقيرة الكثيرة الضجيج، وكان سكانها البالغون مليونين من الأنفس(11) مثلى سكان لندن، وثلاثة أمثال سكان باريس، وثمانية أمثال سكان روما(12). وحين أطلت الليدي ماري على المدينة والميناء من قصر السفير البريطاني، خيل إليها أنهما "ربما يؤلفان معاً أبهى مشهد في العالم"(13).
على عرش هذه الإمبراطورية العثمانية، من الفرات إلى الأطلنطي، تربع سلاطين عصر الاضمحلال. ولقد نظرنا في موقع آخر من هذا الكتاب(14) في أسباب ذلك الاضمحلال: وهي انتقال تجارة غربي أوربا التي تقصد آسيا، إذ أصبحت تدور حول أفريقيا بحراً بدلاً من طريقها البري الذي كان يختر مصر أو غربي آسيا؛ وتخريب قنوات الري أو إهمالها؛ وتوسع الإمبراطورية وامتدادها إلى مسافات مترامية لا تتيح لها الحكم المركزي الفعال وما ترتب على ذلك من استقلال الباشوات ونزوع الولايات إلى الانفصال؛ وتدهورت الحكومة المركزية لتفشي الرشوة والعجز والكسل، وتمرد الانكشارية المرة تلو المرة على النظام الصارم الذي كان له الفضل فيما بلغوا من قسوة وتسلط القدرية والجمود على الحياة والفكر، وتراخي السلاطين الذين استطابوا خدور النساء وآثروها على ساحات الوغى.
وقد استهل أحمد الثالث حكمه بسماحة للإنكشارية بأن يملوا عليه اختياره لكبير وزرائه (الصدر الأعظم). وهذا الوزير هو الذي قبل رشوة بلغت 230.000 روبل بعد أن قاد 200.000 تركي ضد 38.000 جندي من جيش بطرس الأكبر عند نهر بروت، لقاء سماحه للقيصر المحاصر




صفحة رقم : 13542




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الأتراك


بالفرار (21 يوليو 1711). وحدث أن حضرت البندقية أهل الجبل الأسود على الثورة على تركيا، فأعلنت هذه الحرب عليها (1715) وأتمت فتح كريت واليونان.. فلما أن تدخلت النمسا، أعلنت تركيا الحرب عليها (1716)، ولكن أوجين أمير سافوا هزم الترك في بترفارداين وأكره السلطان بمقتضى معاهدة بساروفتز (1718) على الجلاء من المجر، والنزول عن بلغراد وأجزاء من ولاشيا للنمسا، وتسليم البندقية حصوناً في ألمانيا ودلماشيا. ولم تسفر المحاولات التي بذلتها تركيا لتعويض هذه الخسائر بالغارات تشنها على فارس إلا على المزيد من النكسات والهزائم، وقد قتل الغوغاء- بقيادة عامل حمام- الوزير إبراهيم باشا وأكرهوا أحم على التنازل عن العرش (1730).
وجدد ابن أخيه محمود الأول (1730- 54) الصراع مع الغرب ليفرض بالحرب تدفق الضرائب وتعاليم الدين، وانتزع جيش تركي أوخاكوف وكلبورون من الروسيا، واسترد جيش آخر بلغراد من النمسا. غير أن اضمحلال تركيا عاود سيرته الأولى في عهد مصطفى الثالث (1757- 74). ففي 1762 أعلنت بلغاريا استقلالها. وفي 1769 خاضت تركيا الحرب مع الروسيا منعاً لانتشار سلطان الروسيا في بولندا. وهكذا بدأ ذلك الصراع الطويل الذي أنزلت فيه جيوش كاترين الكبرى هزائم ساحقة بالأتراك. فلما مات مصطفى أبرم أخوه عبد الحميد الأول (1774- 89) معاهدة مذلة تسمى قجوق قينارجي (1774)، قضت على النفوذ التركي في بولندا وجنوبي الروسيا ومالدافيا وولاشيا، وعلى هيمنة الأتراك على البحر الأسود. وجدد عبد الحميد الحرب في 1787، فهزم هزائم منكرة، ومات كمداً. وكان على تركيا أن تنتظر حتى يجيء كمال باشا (أتاتورك) لينهي قرنين من الفوضى ويجعل منها دولة حديثة.




صفحة رقم : 13543




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في أفريقيا



2- الإسلام في أفريقيا


بعد أن فتح العثمانيون مصر (1517) أنابوا عنهم في حكمها الباشوات والولاة. وسمحوا للمماليك الذين كانوا يحكمون مصر منذ 1250 بالاحتفاظ




صفحة رقم : 13544




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في أفريقيا


بسلطتهم بكوات على السنجقيات الاثنتي عشرة التي قسمت إليها البلاد. وبينما كان الباشوات يبددون عافيتهم في البذخ والترف، درب البكوات جنودهم على الولاء لأشخاصهم. وسرعان ما تحدوا سلطة الولاه المكروهين. وكان أكثر هؤلاء الحكام المحليين إقداماً هو على بك [الكبير]، الذي كان في طفولته قد بيع عبداً. ففي 1766 خلع الباشا وفي 1769 أعلن استقلال مصر. وانتشى بخمرة النصر فقاد جنده المماليك ليفتح جزيرة العرب، واستولى على مكة، واتخذ لقب سلطان مصر وخاقان البحرين (الأحمر والمتوسط). وفي 1771 أوفد "أبا الذهب" على رأس ثلاثين ألف مقاتل لفتح الشام، ففتحها، ولكنه تحالف مع الباب العالي، وقاد جيشه عائداً إلى مصر. وفر على بك إلى عكا، وجند جيشاً آخر، والتقى بقوات أبي الدهب والأتراك، وقاتل حتى أثخن بالجراح فعجز عن المضي في القتال، ووقع في الأسر، ثم قضى نحبه بعد أسبوع (1773). وعادت مصر ولاية عثمانية من جديد.
ودون ذبذبات السلطة ونشوات القتل هذه استطاعت مراكب التجارة وقوافلها، واجتهاد الحرفيين، وفيضان النيل السنوي، وعرق الفلاحين في التربة الطمية الخصبة-استطاعت كلها أن تبقى في مصر على اقتصاد لم يجن ثماره غير قلة حبتها الطبيعية أو الظروف بالكفاية أو المنصب. وأنتج جهد الحقول والبحار ومحصولها طعاماً للمدن وخصوصاً الإسكندرية التي كانت من أعظم الثغور، والقاهرة التي كانت من أكثر العواصم سكاناً في عالم القرن الثامن عشر. وكانت الشوارع ضيقة لتحجب الشمس، وقد زينت بالمشربيات والشرفات التي يستطيع الحريم اختلاس النظر منها إلى الحياة من تحتهن. وكانت الشوارع الكبيرة تعج بالحرف التي تحدت تطفل رأس المال أو إنتاج الآلات. وكانت كل صناعة في أقطار الإسلام فناً، وحلت الجودة محل الكم. فصنع الفقراء التحف والطرف للأغنياء ولكنهم لم يبيعوهم قط آباءهم وعزة نفوسهم.
وقام في القاهرة ثلاثمائة مسجد تدعم فقراءها بالرجاء، وتزين




صفحة رقم : 13545




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في أفريقيا


المدينة بالقباب الضخمة والأروقة المعمدة الظليلة والمآذن الشامخة. وكان أحدها وهو الجامع الأزهر جامعة الإسلام الأولى، يؤمه على الطلاب ألفان أو ثلاثة من أقصى بقاع الأرض، من ماليزيا شرقاً إلى المغرب غرباً، ليتعلموا لغة القرآن وعلوم البلاغة والتوحيد والأخلاق والشريعة، وكان خريجو الجامعة يؤلفون جماعة العلماء، ومنهم يختار المعلمون والقضاة. لقد كان نظاماً وضع لسنية صارمة في الدين والأخلاق والسياسة.
وهكذا لم يكد يطرأ على الأخلاق أي تغيير من قرن إلى قرن. وكانت سن بلوغ الأحداث متقدمة عنها في الأقطار الشمالية، فتزوج كثير من البنات في الثانية أو الثالثة عشرة، وبعضهن في العاشرة، وبقاء الفتاة بغير زواج إلى السادسة عشرة كان عاراً. ولم يقدر على تعدد الزوجات الذي أباحته الشريعة الإسلامية إلا أغنياء القوم. أما الزوج الذي تخونه زوجته فلم يكن من حقه الشرعي أن يقتل هذه الزوجة المجرمة فحسب، بل كان يلقى التشجيع من الرأي العام(15). وكان الفكر الإسلامي، كالمسيحي، يعتبر المرأة مصدراً رئيسياً للشر، لا يمكن السيطرة عليه إلا بإخضاعها إخضاعاً صارماً. وكان الأطفال ينشأون على نظام الحريم، فيتعلمون أن يحبوا أمهم وأن يخشوا أباهم ويجلوه، وكانوا كلهم تقريباً يتعلمون ضبط النفس وحين الأدب(16). وساد حسن السلوك جميع الطبقات، مع شيء من يسر الحركة ورشاقتها، لعله أخذ عن النساء اللائي ربما اكتسبنه من حمل الأثقال على رءوسهن. وكان المناخ مانعاً من العجلة مشجعاً على الكسل.
ولم يمنع تعدد الزوجات البغاء، ففي استطاعة البغايا توفير الإثارة التي أخمدها طول الألفة. وتخصصت غواني مصر في الرقصات الفاجرة، وبعض الآثار القديمة تكشف عن قدم هذا الإغراء. وكانت كل مدينة كبرى تخصص للبغايا حياً يمارسن فيه حرفتهن دون خوف من عقاب القانون. وكانت النساء اللائي يحذقن الراقصات الفاجرة، شأنهن في جميع الحضارات،




صفحة رقم : 13546




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في أفريقيا


يستأجرن لهز أجسادهن أمام محافل الذكور، وفي بعض الحالات كانت النسوة أيضاً يستمتعن بمشاهدة هذا الرقص(17).
أما الموسيقى فكانت تخدم الحب والحرب، فهي تستفز المهاجمين وتهدي المهزومين. وكان الموسيقيون المحترفون من الجنسين يؤتى بهم للترفيه. كتب إدوارد لين في 1833 يقول "سمعت في القاهرة أعظم الموسيقيين شهرة وأطربتني أغانيهم أكثر من أي موسيقى أخرى استمتعت بها في حياتي(18). وكانت الآلة المفضلة هي "الكمنجة"، وهي ضرب من الفيولا النحيلة، ولها وتران من شعر الخيل على صندوق مصمت مصنوع من جوزة هند شقت بين وسطها ورأسها وغطيت بقشر سمك مشدود . وكان العازف يتربع ويسند طرف الآلة المدبب على الأرض، ويضرب أوتارها بقوس من شعر الحصان وخشب الدردار. أو قد يقعد العازف وفي حجره قانون كبير وينقر الأوتار بريشة من القرن ملصقة بسبابتيه. وتحول العود القديم الآن إلى شكل الجيتار. فإذا أضفت تاياً، وماندولينا، وطمبورينا، اكتمل لك أوركسترا يروق الذوق المتحضر، خيراً من تلك الموسيقى البدائية التي تهيج اليوم المحافل الغربية.
أما "دول البربر" أي البلاد التي زعموا أنها "بربرية" أو همجية-وهي طرابلس وتونس والجزائر ومراكش-فقد دخلت التاريخ في القرن الثامن عشر أولاً بفضل بطولات قراصنتها أو اغتيال "باياتها" أو "داياتها" وقد احتفظت هذه الحكومات باستقلالها الفعلي بإرسالها "الهدايا" بين الحين والحين إلى السلاطين بالآستانة. وكان قوت الشعب يأتي أكثره من الزراعة أو القرصنة، وكانت الفدية التي تؤدى على الأسرى النصارى جزءاً هاماً من الدخل القومي: غير أن قباطنة القراصنة كان أكثرهم نصارى(19). أما الفنون فظلت محتفظة بوجود قلق، ولكن البنائين المغاربة احتفظوا بقدر من المهارة أتاح لهم أن يزركشوا بالقرميد الأزرق والأخضر المتألق "باب منصور" الفخم الذي أضيف في 1732 بوابة بقصر مولاي إسماعيل وجامعه الضخم




صفحة رقم : 13547




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في أفريقيا


الذي ابتناه في القرن السابع عشر في مكناس، وكانت آنئذ مقر سلاطين مراكش. أما مولاي إسماعيل هذا فقد أقر النظام في حكمه الذي امتد خمسة وخمسين عاماً (1672-1727) وأنجب مئات الأبناء، ورأى في منجزاته ما يبرر طلب يد ابنة للويس الرابع عشر يضمها إلى حريمه(20). ويصعب علينا أن نسيغ أساليب حياة شديدة التباين ن أساليب حياتنا، ولكن قد يعيننا على ذلك أن نتذكر ملاحظة قالها رحالة مغربي عند عودته من زيارة إلى أوربا "يا لها من متعة أن يعود المرء إلى الحضارة"(21).




صفحة رقم : 13548




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس



3- الإسلام في فارس




1722-1789


ولو سئل رجل فارسي في هذه الحقبة لأعرب عن شعوره بالراحة شبيه بهذا عند عودته إلى وطنه بعد مقامه حقبة في الأقطار المسيحية أو حتى في أقطار العثمانيين المسلمين. فالفارسي المتعلم حتى سقوط الدولة الصفوية (1736) في أغلب الظن كان يضع المدنية الإيرانية في مرتبة أعلى من أي حضارة معاصرة، ربما باستثناء الصينية. وكان يستنكر النصرانية باعتبارها انتكاساً غلى الشرك الشائع بين العوام. ولعله كان يسلم بتفوق بلاد النصارى في العلوم والتجارة والحرب، ولكنه كان يؤثر الفنون على العلوم، والحرف اليديوة على الصناعة المميكنة.
كان القرن الثامن عشر قرناً أليماً على فارس. فأنى لإيران وقد غزاها الأفغانيون من الجنوب الشرقي، ولاحقتها غارات قناصة العبيد من الأزبك في الشمال الشرقي، وهاجمتها غارات السلب والنهب الروسية في الشمال، واجتاحتها المرة بعد المرة الجيوش التركية في الغرب، وأفقرها طغيان نادر شاه ملكها المحب للأبهة وتعسفه في جميع الضرائب، ومزق أوصالها الصراع الوحشي بين الأسر المتناحرة طمعاً في العرش الفارسي-نقول أني وكيف تستطيع إيران وقد ابتليت بهذا الاضطراب كله أو تواصل التقاليد العظمى للأدب والفن الفارسيين.
وكان البلد الذي نسميه الآن أفغانستان في القرن السادس عشر تتقاسمه




صفحة رقم : 13549




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس


ثلاث حكومات: كابول الخاضعة للحكم الهندي، وبلخ الخاضعة للأزبك، وهراة وقندهار الخاضعتان للفرس. وفي 1706-8 ثار أفغانيو قندهار بقيادة مير (أمير) فايز وطردوا الفرس. وغزا ابنه مير محمود فارس، وخلع الحاكم الصفوي حسيناً، ونصب نفسه شاهاً. وقد دعم الدين سلاحه، لأن الأفغانيين كانوا يتبعون المذهب السني، ويكفرون الفرس المتشيعين. وقتل محمود في سورة غضب ثلاثة آلاف من حرس حسين وثلاثمائة من أشراف الفرس، ونحو مائتي طفل اشتبه في أنهم استنكروا قتل آبائهم. وبعد راحة طويلة قتل محمود في يوم واحد (7 فبراير 1725) جميع الأحياء من أفراد الأسرة المالكة خلاً حسيناً واثنين من أبنائه الصغار. ثم التاث عقل محمود، فقتله وهو لا يزال في السابعة والعشرين ابن عمه أشرف (22 أبريل 1725) الذي نادى بنفسه شاهاً. وهكذا بدأ سفك الدماء الذي هد كيان فارس في ذلك القرن.
واستنجد طهماسب بن حسين بروسيا وتركيا، فاستجابت بالاتفاق على اقتسام فارس فيما بينهما (1725). ودخل جيش تركي فارس واستول على همدان وقزوين والمراغة، ولكن هزمه أشرف قرب كرمانشاه. وكان الجنود الأتراك يفتقرون إلى الحماسة، فقد تساءلوا أي سبب يدعوهم لمقاتلة الأفغانيين، وهم أخوة لهم سنيون على شاكلتهم، ليردوا الصفويين الشيعيين الزنادقة إلى الحكم. وتصالح الأتراك مع أشرف ولكنهم احتفظوا بالأقاليم التي فتحوها (1727).
وبدا أن أشرف قد غدا الآن في أمان، ولكن ما مضي عليه عام حتى تحدى سلطانه المغصوب الدخيل ظهور رجل فارسي مغمور انقض على العدو في بضع سنين، فحقق انتصارات من أروع وأفظع ما سجله تاريخ الحروب قاطبة. وقد ولد هذا المقاتل واسمه نادر قيلي (أي عبد الله) في خيمة بشمال شرقي إيران (1686) وكان يعين أباه على رعي ما يملكان من قطعان الغنم والماعز، ولم يتح له من التعليم غير ما لقنته الحياة الشاقة المحفوفة




صفحة رقم : 13550




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس


بالمخاطر. فلما بلغ الثامنة عشرة وخلف أباه كبيراً لأسرته اختطفه هو وأمه المغيرون الأزبك وحملوهما إلى خيوة حيث باعوهما عبيداً. وماتت الأم في ذل السر، ولكن نادراً هرب وأصبح زعيماً لعصابة لصوص، واستولى على كالات ونيشابور ومشهد، وأعلن ولاءه وولاء هذه المدن للشاه طهماسب، وتعهد بطرد الأفغانيين من فارس ورد عرش فارس إلى طهماسب. وقد أنجز هذا كله في حملات متلاحقة (1729-30) ورد طهماسب إلى عرشه، فعين نادراً سلطاناً على خراسان وسيستان وكرمان ومازندران.
وما لبث القائد المظفر أن شرع في استرداد الأقاليم التي استولت عليها تركيا. فاستطاع بهزيمة الترك هزيمة فاصلة في همدان (1731) أن يخضع العراق وأزربيجان لحكم الفرس. ثم نمى إليه نبأ تمرد في خراسان، فرفع الحصار عن أروان وزحف ألفاً وأربعمائة ميل عبر العراق وإيران ليحاصر هراة، وهو زحف يتضاءل بالقياس إليه الزاحف الشهير الذي عبر فيه فردريك الأكبر ألمانيا مراراً في حرب السنين السبع. ونزل طهماسب بشخصه أثناء ذلك إلى ساحة القتال ضد الترك فخسر كل ما كسبه نادر، ونزل عن جورجيا وأرمينيا لتركيا نظير تعهد الترك بمساعدته ضد روسيا (1732). فأسرع نادر قافلاً من الشرق وأنهى المعاهدة، وخلع طهماسب وسجنه، وأجلس على العرش غلاماً لطهماسب لم يجاوز عمره ستة أشهر باسم الشاه عباس الثالث، ونادى بنفسه وصياً على الصبي، وأرسل إلى تركيا إعلاناً بالحرب.
ثم زحف على الترك بجيش عدته ثمانون ألف مقاتل جندهم بالإقناع أو بالإرهاب. وعلى مقربة من سامراء التقى بجيش عرمرم من الترك يقودهم توبال عثمان من محفته لبتر ساقيه. وأطلقت النار مرتين على جوادي نادر أسفله، وفر حامل علمه ظناً منه أنه قتل، وانقلبت عليه فرقة عربية كان يعتمد على معونتها، وهكذا كانت هزيمة الفرس هزيمة نكراء ماحقة (18 يوليو 1733). ولكنه لملم فلول جيشه في همدان، وجند آلافاً




صفحة رقم : 13551




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس


جدداً، وسلحهم وأطعمهم، ثم كر على الترك وبطش بهم في ليلان في مذبحة رهيبة لقي فيها توبال عثمان حتفه. ثم اندلعت ثورة أخرى في جنوب غربي فارس، فشق نادر طريقه من الغرب إلى الشرق، وهزم الزعيم المتمرد فانتحر. وفي عودته عبر فارس والعراق، التقى بثمانين ألف تركي في بغاوند (1735)، وهزمهم هزيمة نكراء أكرهت تركيا على إبرام صلح نزلت بمقتضاه لفارس عن تفليس وجوندة وأروان.
لم ينس نادر أن بطرس الأكبر هاجم فارس في 1722-23، واستولى على أقاليم جيلان وأستراباد ومازندران على بحر قزوين، وعلى مدينتي دربند وباكو. وكانت روسيا قد ردت الأقاليم الثلاثة لفارس (1732) لانشغالها في جهات أخرى. فهدد نادر الآن (1735) بالتحالفمع تركيا ضد روسيا إن لم تنسحب من دربند وباكو. وعليه سلمت إليه المدينتان، ودخل نادر أصفهان دخول الفاتح الظافر الذي أعاد بناء قوة فارس. فلما مات الصبي عباس الثالث (1736) مختتماً بموت ملك الصفويين، جمع نادر بين الواقع والمظهر، وارتقى العرش باسم نادر شاه.
وكان يؤمن بأن الخلافات الدينية بين تركيا وفارس تعمل على نشوب الحروب المتكررة، لذلك أعلن أن فارس ستتخلى منذ الآن عن بدعة التشيع وترتضي السنية مذهباً لها. فلما أدان زعيم الشيعة هذه الخطوة شنقه نادر بكل هدوء مستطاع. ثم صادر أوقاف قزوين الدينية ليفي بنفقات جيشه لأن فارس على حد قوله مدينة لجيشها أكثر مما هي مدينة لدينها(22). ثم إذ شعر بالحنين إلى الحرب، فأشرك معه في الملك ابنه رضا قلي، ثم قاد جيشاً من 100.000 مقاتل ليفتح به أفغانستان والهند.
وضرب الحصار عاملاً كاملاً حول قندهار. فلما استسلمت له (1738) كان كريماً رحيماً مع المدافعين عنها، حتى أن جيشاً من الأفغانيين انضوى تحت لوائه وظل وفياً له إلى يوم مماته. ثم زحف على كابول مفتاح ممر




صفحة رقم : 13552




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس


خيبر، وهناك أعانته الغنائم التي ظفر بها على رفع الروح المعنوية في جيشه. وكان محمد شاه، إمبراطور الهند المغولي، يأبى أن يصدق إمكان الغزو الفرس للهند، وكان أحد ولاته قد قتل مبعوث نادر إليه، فعبر نادر جبال الهملايا، واستولى على بشاور، وعبر السند، وزحف على دلهي حتى لم يعد بينه وبينها سوى ستين ميلاً قبل أن يهب جيشه محمد لمقاومته والتقى الجيشان الهائلان على بطاح كرنال (1739)، واعتمد الهنود على فيلتهم، أما الفرس فقد هاجموا هذه الحيوانات الصبورة بكرات النار، فانقلبت الفيلة هاربة وأشاعت الفوضى في جيش الهنود، وقتل منهم عشرة آلاف، وأسر عدد زاد على القتلى، ويروي نادر أن محمد شاه جاءه يلتمس الرأفة "أمام حضرتنا السماوية". (23) وفرض عليه القائد المنتصر تسليم دلهي وكل ثروتها القابلة للنقل تقريباً، والتي تقدر بـ 87.500.000 جنيه، بما فيها عرش الطاووس الأشهر، الذي كان قد صنع (1628-35) لشاه جيهان في أوج سطوة المغول. وقتل بعض جنود نادر في شغب أحدثه الأهالي، فانتقم بالسماح بجيشه بذبح 100.000 من الوطنيين في سبع ساعات. واعتذر عن هذه الفعلة بتزويج ابنه نصر الله من ابنة محمد. ثم زحف قافلاً إلى فارس لا يعوقه عائق بعد أن أثبت أنه أعظم الفاتحين قاطبة منذ تيمور لنك.
وكان قدره المقدور أنه لو سرح جيشه فربما يعيث فساداً في الأرض ويشق عليه عصا الطاعة، ولو أبقى عليه جيشاً عاملاً فلزام عليه أن يكسوه ويطعمه، وكانت النتيجة التي خلص إليها أن الحرب أرخص له من السلم إذ استطاع خوضها على ساحة غريبة. فمن ترى يكون هدفه الآن؟ وتذكر غارات الأزبك على شمال شرقي فارس، وكيف باعوه عبداً، وكيف ماتت أمه في رقها. وإذن ففي 1740 قاد جيشه زاحفاً على أزبكستان، ولم يكن لأمير بخاري لا القوة ولا الميل للوقوف في وجه نادر، ومن ثم فقد أذعن، وأدى تعويضاً ضخماً، ووافق أن يكون نهر سيحون كما كان في القدم الحد بين أزبكستان وفارس. وكان أخاه خيوه قد أعدم مبعوث نادر، فقتل نادر هذا الخان، وأطلق سراح آلاف من العبيد الفرس والروس (1740).
كان نادر بكل شخصيته مقاتلاً استغرقت الحرب عقله كله، فلم يعد فيه ذرة من الرغببة في الحكم والإدارة. وبات السلام عنده عبئاً ثقيلاً لا يطيقه. وجعلته الغنائم والأسلاب إنساناً جشعاً بخيلاً بدلاً من أن يكون جواداً كريماً. فحين ملأت خزائنه كنوز الهند أعلن تأجيل دفع الضرائب في فارس ثلاث سنين، ثم عدل عن رأيه وأمر بجمع الأموال كما كانت تجمع من قبل، وأفقر جباته فارس كما لو كانت بلداً مغلوباً. ثم خامرته الظنون بأن ابنه يتآمر على خلعه، فأمر بأن تفقأ عيناه. وقال له ابنه رضا قلي "إنك تفقأ عيني بل عيني فارس"(24). وبدأ الفرس يمقتون منقذهم كما تعلم الروس من قبلهم أن يمقتوا بطرس الأكبر. وأثار الزعماء الدينيون عليه بغض أمة طعنت في إيمانها الديني. فحاول أن يخمد التمرد المتعاظم بإعدام المتمردين بالجملة، حتى لقد بنى أهراماً من جماجم ضحاياه. وفي 20 يونيو 1747 اقتحم خيمته أربعة رجال من حرسه وهجموا عليه، فقتل اثنين منهم، ولكن الآخرين صرعاه. وتنفست فارس كلها الصعداء.
وهوت من بعد البلاد إلى درك من الفوضى أسوأ مما تردت فيه أيام سيطرة الأفغانيين. فطالب نفر من خانات الأقاليم بالعرش، وتلا ذلك مباراة في التقتيل والاغتيال. وقنع أحمد خان بتأسيس مملكة أفغانستان الحديثة. أما شاه رخ-الرجل الوسيم اللطيف الرحيم-فقد سملت عيناه بعد اعتلائه العرش بقليل، فتقهقر ليحكم خراسان حتى 1796. وخرج كريم خان منتصراً من الصراع، وأسس الأسرة الزندية (1750) التي احتفظت بسلطانها حتى 1794. واختار كريم شيراز عاصمة لملكه، وزينها بالمباني الجميلة، وساد جنوبي فارس تسعة وعشرين عاماً من نظام وسلام لا بأس بهما. فلما مات جعل التطاحن على السلطة يتخذ من جديد صورة الحرب الأهلية، وعادت الفوضى تضرب أطنابها من جديد.
اختتمت فارس آخر مراحلها الفنية العظمى بسقوط الدولة الصفوية على




صفحة رقم : 13553




قصة الحضارة -> روسو والثورة -> الإسلام والشرق السلافي -> الإسلام -> الإسلام في فارس


يد الأفغانيين، فلم تجملها بعد ذلك غير بعض الآثار الفنية الصغيرة. وقد وصف اللورد كرزن مدرسة الشاه حسين (1714) بأصفهان-وكانت كلية لتدريب الدارسين والمحامين-بأنها "من أفخم الأطلال في فارس"(25). وتعجب السيربرسي سايكس من "قرميدها البديع... ورسومها المخرقة الجميلة"(26). وكان صناع القرميد لا يزالون أمهر صناعه في العالم بأسره، بيد أن افتقار الطبقات العليا نتيجة للحروب الطويلة قضى على سوق المهارة والتفوق وأكره الخزافين على الهبوط بفنهم إلى مستوى الصناعة. وصنعت أغلفة الكتب الفاخرة من الورق المعجن المصقول. وأنتج النساجون أقمشة مقصبة ومطرزة غاية في الرهافة. وظلت السجاجيد الفارسية تنسج للمحظوظين من شعوب كثيرة رغم أنها شهدت آخر أمجادها في عهد الشاه عباس الأول. وفي يوشاجان، وهراة، وكرمان، وشيراز على الأخص، كان النساجون ينتجون سجاجيد "لا يقلل من روعتها في عين الناظر إلا مقارنتها بأسلافها الكلاسيكية"(27).
أما الشعر الفارسي فقد حطم الفتح الأفغاني قلبه، وتركه أخرس أو كالأخرس طوال حقبة العبودية التالية لهذا الفتح. وحوالي 1750 صنف لطف على بك أدار-قاموساً بسير الشعراء الفرس، اختتم بستين من معاصريه. ومع هذه الوفرة الظاهرة فإنه آسف على ما رآه مجاعة في الكتاب المجيدين في عصره، وعزا ذلك إلى الفوضى والفقر السائدين، "واللذين استشريا بحيث لم يعد لإنسان رغبة في قراءة الشعر فضلاً عن قرضه"(28). ونسوق هنا تجربة نموذجية للشيخ على خازن، الذي نظم أربعة دواوين من الشعر، ولكنه أمسك في حصار الأفغانيين لأصفهان، ومات كل أهل بيته في الحصار، وظل هو على قيد الحياة، ثم أفاق من محنته، وهرب من أنقاض المدينة التي كانت رائعة الجمال يوماً ما، وأنفق الأعوام الثلاثة والثلاثين الباقية من أجله في الهند. وقد خلد في "مذكراته" (1742) ذكرى مائة شاعر فارسي في جيله، وأعظمهم في رأيه سيد أحمد هاتف الأصفهاني، ولعل أكثر قصائده ظفراً بالثناء تلك التي أكد فيها بوجد المتصوفة إيمانه بالله رغم الشك والدمار:




صفحة رقم : 13554




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

اخر المشاركات و المواضيع
the central ballycastle [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : deandynibia ] [ آخر مشاركة : deandynibia ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
أربعون يوماً .. لرحيل صديقي [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : رفعت كنوزي ] [ آخر مشاركة : رفعت كنوزي ] [ عدد الزوار : 1768 ] [ عدد الردود : 7 ]
أيقونة الجبل للأستاذ غاندي يوسف سعد [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : عصام زودي ] [ عدد الزوار : 182 ] [ عدد الردود : 2 ]
بكل محبة ... [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 754 ] [ عدد الردود : 1 ]
الف مبروك لكل الناجحين في الثانوية العامة [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 405 ] [ عدد الردود : 0 ]
المرحوم الشاب منعم كاسر الياس [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 498 ] [ عدد الردود : 0 ]
خيار وفقوس توزيع المعونة في برشين [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
أكتب كلمتك الأرتجالية [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 2468 ] [ عدد الردود : 32 ]
أضغط على الصورة هنا للذهاب للصفحة الرئيسية للموقع :
جميع الأوقات بتوقيت برشين

عدد الزيارات :




النسخة الماسية الإصدار Powered by  vBulletin 3.6.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات برشين ملتقى شباب و صبايا برشين .... جميع المشاركات والمواضيع في منتديات برشين لا تعبر عن رأي الإداره بل تمثل وجهة نظر كاتبها