منتديات برشين  

سألت القمر نورك إجا من وين يضّوي العتم بليل تـشــــريني؟؟ قَلي بفخر رافع لفوق جبين رح جاوبك تكرم على عيني نوري أنا ولون الدهب تخمين عطية إجتنا من عند الله ومن حِمرتك تفاح برشيني ...::... فريق الإدارة في موقع قرية برشين يرحب بزوارنا الكرام و يتمنى لهم كل الفائدة من مواضيع منتدانا ... اهلا بكم في برشين

ياربنا يسوع المسيح بشفاعة القديس العظيم مارجرجس شفيع قريتنا افرج يارب شدة كل اولادك المتضايقين اذكر يا ربنا ابناء قريتنا المغيبن عنها ... اذكر يا رب الأخوة ... عصام مخول ... فايز عيسى ... ... و فرج عنهم ... آمين .... :: ....


الرئيسية المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة
العودة   منتديات برشين > القسم التاريخي و الجغرافي > التاريخ القديم و المعاصر
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

التاريخ القديم و المعاصر كل شيء عن التاريخ القديم و التاريخ المعاصر و ما بينهما

إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  
 
أدوات الموضوع
قديم 27-03-11, 09:54 صباحاً   رقم المشاركة : [371]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


عن حظوته. كتب فولتير إلى مدام دنيس في 2 سبتمبر يقول "بذلت قصارى جهدي لكيلا أصدق لامتري، ولكني ما زلت حائراً." ثم كتب إليها في 29 أكتوبر يقول "مازلت أحلم بقشرة البرتقالة تلك... وما أشبهني بذلك الرجل الذي كان يسقط من برج فلما وجد نفسه مرتاحاً في الهواء قال لا بأس بهذا الوضع لو دام"(107).
وكان في ألمانيا رجل آخر شارك في المهزلة. وقال فردريك إنه لا بد من زوال واحد من رجلين فرنسيين في بلاط واحد(108) ذلك أن موبرتوي عميد أكاديمية برلين، كان لا يتقدم عليه مقاماً بين ضيوف الملك في سانسوسي غير فولتير؛ وكان كلا الرجلين ضيفاً بهذا الجوار؛ ولعل فولتير لم ينس أن مدام دشاتليه كانت يوماً ما مغرمة بموبرتوي. وفي أبريل 1751 أقام فولتير وليمة دعا إليها موبرتوي فلبى الدعوة. وقال له فولتير إن كتابك "عن السعادة" أمتعني كثيراً، باستثناء بضعة غوامض سنناقشها معاً ذات مساء." وعبس موبرتوي وقال "غوامض"؟ قد يكون هناك غوامض بالنسبة لك يا سيدي." ووضع فولتير يده على كتف العالم وقال "سيدي العميد، إنني أقدرك، فأنت رجل شجاع، تريد الحرب. فلتخوضها إذن، ولكن دعنا الآن نأكل شواء الملك"(109). وكتب إلى دارجنتال (4 مايو) يقول "لم يؤت موبرتوي من آداب السلوك ما يفتن كثيراً. إنه يقيس أبعادي بربعيته في خشونة؛ ويقولون أن معلوماته يخالطها الحسد... إنه رجل فيه بعض الفظاظة، وليس اجتماعياً جداً." ثم كتب إلى ابنة أخته دنيس في 24 يوليو يقول"لقد أشاع موبرتوى بدهاء أنني وجدت "أعمال" الملك رديئة جداً، وأنني قلت لبعضهم وأنا أتسلم بعض أشعار الملك (ألا يتعب إرسال غسيله القذر إلى لأغسله"؟(110) وليس من المؤكد أن موبرتوي حمل هذه الشائعة إلى فردريك، ولكن فولتير ظنه مؤكداً، فعقد النية على الحرب.
وكان من إسهامات موبرتوي في العلم "مبدأ الحركة الدنيا"_ أي أن كل التماثيل في عالم الحركة تنجز بأقل قوة تكفي لأحداث النتيجة. وقد تعثر صموئيل كوينيج، الذي دان لموبرتوي بعضويته في أكاديمية برلين، على




صفحة رقم : 12297




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


وثيقة قيل إنها نسخة من خطاب غير منشور كتبه ليبنتز، وسبق فيه إلى وضع هذا المبدأ. وكتب كوينيج مقالا عن هذا الكشف، ولكنه عرضه على موبرتوي قبل أن ينشره، وأبدى استعداده للعدول عن النشر إذا اعترض عليه العميد. غير أن موبرتوي وافق على نشره، ربما بعد أن اطلع عليه على عجل. وطبع مقال كوينيج في عدد مارس 1751 من مجلة "أكتا إيروديتورم" التي تصدر في ليبزج، فأثار نشره ضجة. وطلب موبرتوي إلى كوينيج أن يقدم خطاب ليبنتز إلى الأكاديمية، ورد كوينيج بأنه لم ير غير نسخة منه بين أوراق صديقه هنتسسي الذي شنق في 1749، وأنه نقل نسخة عن هذه النسخة، وهو مرسلها الآن إلى موبرتوي، ولكن هذاعاد فطالب بالأصل. واعترف كوينيج بأن الأصل لا يمكن العثور عليه الآن لأن أوراق هنتسي تبددت بعد موته. وعرض موبرتوي الأمر على الأكاديمية (7 أكتوبر 1751)، فأرسل سكرتيرها إلى كوينيج أمراً نهائياً أصل الخطاب، فلم يستطع. وعليه ففي 13 أبريل 1752 حكمت الأكاديمية بأن خطاب ليبنتز المزعوم مزيف. ولم يحضر موبرتوي هذه الجلسة لأنه شكا نزفاً سببته إصابة بالسل(111). وأرسل كوينيج استقالته من الأكاديمية، وأصدر "نداء إلى الشعب" (سبتمبر 1752).
وكان كوينيج قد أنفق مرة عامين في سيريه ضيفاً على فولتير ومدام دشاتليه. وقرر أن ييضرب ضربة دفاعاً عن صديقه القديم ضد عدوه الحالي. ففي عدد 18 سبتمبر من مجلة "المكتبة العقلانية" ظهر مقال بعنوان "رد عضو في أكاديمية برلين على عضو في أكاديمية باريس" دافع من جديد عن كوينيج وخلص إلى أن:
"السيد موبرتوي مذنب أمام الدوائر العلمية الأوربية لا بالانتحال والخطأ فحسب، بل باستغلال منصبه لمصادرة النقاش الحر، واضطهاد رجل شريف... وقد احتج عدة أعضاء من أكاديمتنا على هذا الإجراء الفاضح، ولولا خشيتهم من إغضاب الملك لتركوا الأكاديمية"(112).
وكان المقال غفلا من الإمضاء، ولكن فردريك عرف لمسة فولتير




صفحة رقم : 12298




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


الغادرة. وبدلا أن يقذفه بصاعقة ملكية، كتب رداً وصف فيه الرد المذكور بأنه "خبيث، جبان، دنئ" ووسم كاتبه بأنه "دجال لا يستحي"، "ولص قبيح" و "ملفق للطعون الغبية"(113). وكان هذا الرد أيضاً غفلا من التوقيع، ولكن صفحة الغلاف تحمل الأسلحة البروسية ومعها النسر، والصولجان، والتاج. وأحس فولتير أن كبرياءه قد جرحت، ولم يكن في طاقته قط أن يترك لعدو الكلمة الأخيرة، ولعله وطن النفس على أن يختصم الملك. وكتب لمدام دينس (18 أكتوبر 1752) يقول "لست أملك صولجاناً، ولكني أملك قلماً." ثم استغل غاية الاستغلال نشر موبرتوي مؤخراً (درسدن، 1752) لسلسلة من "الرسائل" اقترح فيها حفر ثقب في الكرة الأرضية، إلى مركزها إن أمكن، لدراسة تركيبها، ونسف هرم من أهرام مصر للكشف عن أسرار هدفها وتصميمها، وبناء مدينة لا يتكلم الناس فيها غير اللاتينية حتى يقضي الطلاب فيها عاماً أو عامين ويتعلموا تلك اللغة كما تعلموا القومية، وألا ينقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض، وأن جرعة كافية من الأفيون قد تمكن متعاطيها من التنبؤ بالمستقبل، وأن العناية الصحيحة بالجسم قد تتيح لنا إطالة العمر إلى ما لا نهاية(114). وانقض فولتير على هذه الرسائل انقضاضه على فريسة سهلة، مغفلا بعناية أي فقرة فيها إدراك سليم أو أي لمحات من الفكاهة ثم قذف بالباقي في مرح على قرون دعابته الذكية. وهكذا كتب في نوفمبر 1752 "خطاب الدكتور أكاكيا، طبيب البابا المقيم." وكامة Diatribe (ومعناها الآن هجاء) كانت تعنى يومها خطاباً، أما akakia فكلمة يونانية معناها "غرارة أو غفلة". وقد بدأ الطبيب المزعوم في براءة ظاهرة بتشككه في أن يكون رجل عظيم كعميد أكاديمية برلين مؤلفاً لكتاب بهذا السخف. وعلى أي حال "ليس في عصرنا هذا ما هو أشيع وأعم من أن يزيف مؤلفون صغار جهل على العالم، تحت أسماء مشهورة، كتباً غير جديرة بالمؤلفين المزعومين. فلا بد أن هذه الرسائل هي من هذا الضرب من التزييف، لأنه مجال أن يكون العميد العلامة قد




صفحة رقم : 12299




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


كتب هذا الهراء. وخص الدكتور أكاكيا بالاحتجاج على ذلك الاقتراح بعدم نقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض- وهو اقتراح ربما كان يمس وتراً متعاطفاً في صدر فولتير الموجع، ولكن "أينكر الموكل على محاميه أتعابه التي يستحقها لأنه خسر قضيته؟ إن الطبيب يعد مريضه بأن يعينه لا بأن يشفه. وهو يبذل ما في وسعه وينقد أجره على هذا الأساس"، وكيف يكون شعور عضو الأكاديمية إذا اقتطع قدر معين من الدوقاتيات من راتبه السنوي نظير كل غلطة ارتكبها، أو كل قول سخيف فاه به، خلال العام؟ وراح الطبيب يفصل ما اعتبره فولتير أغلاطاً أو سخافات في أعمال موبرتوي(115).
ولم يكن هجاؤه هذا بالبراعة التي يخالها الناس عموماً، فكثير منه معاد وبعض ما فيه من نبش عن الأخطاء تافه غير كريم؛ ونحن نخفي حقدنا في أيامنا هذه بأدب أكثر. ولكن فولتير سر بتمثيليته هذه سروراً لم يستطع معه أن يقاوم بهجة رؤيتها مطبوعة. فأرسل مخطوطة منها إلى ناشر في لاهاي، وأرى الملك في الوقت نفسه مخطوطة أخرى. واستمتع فردريك بقراءة الهجاء(أو هكذا قيل) وكان بينه وبين نفسه يوافق على أن موبرتوي فيه أحياناً غرور لا يطاق، ولكنه نهى فولتير عن نشره، وواضح أنه وجد في لنشر مساساً بكرامة أكاديمية برلين وسمعتها. وسمح له فولتير بأن يحتفظ بالمخطوطة، ولكن الهجاء نشر رغم ذلك في هولندا. وسرعان ما انبثت ثلاثون ألف نسخة منه في أرجاء باريس، وبروكسل، ولاهاي، وبرلين. ووصلت نسخة منها ليد فردريك، فأعرب عن غضبه بعبارات جعلت فولتير يفر إلى مسكن خاص في العاصمة. وفي 24 ديسمبر 1752 رأى من نافذته جلاد الدولة الرسمي يحرق كتابه على الملأ. وفي أول يناير 1753 رد لفردريك مفتاحه الذهبي بوصفه أميناً للقصر، وصليب الاستحقاق الذي خلعه عليه.
وكان الآن مريضاً حقاً، تلهب الحمرة جبينه، وترهق الدوزنتاريا أمعاءه، وتبرى الحمى جسده. فلزم فراشه في 2 فبراير ولم يبرحه طوال




صفحة رقم : 12300




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


أسبوعين، وبدا عليه كما قال زائر عاده في مرضه "كل مظهر الهيكل العظمى"(116). ورق له قلب فردريك، فأوفد طبيبه الخاص ليرعى الشاعر. فلما تحسنت صحته كتب إلى الملك يستأذنه في زيارة بلومبيير، فلعل مياهها تشفى حمرته. وأمر فردريك سكرتيره بأن يرد عليه (16 مايو) "بأن في استطاعته أن يترك هذه الخدمة حين يشاء، وأنه لا حاجة به للاعتذار بمياه بلومبيير، ولكن عليه أن يتكرم قبل رحيله بأن يرد إلى ... مجلد القصائد الذي عهدت به إليه"(117). وفي الثامن عشر من الشهر دعا الملك فولتير للعودة إلى مسكنه القديم في سانسوسي. وأتى فولتير، ومكث ثمانية أيام، وبدا أنه أصلح ما بينه وبين الملك- ولكنه احتفظ بقصائد الملك. وفي 26 مارس ودع فردريك، وتظاهر كلاهما بأن الفراق إلى حين. وقال الملك "اعتن بصحتك قبل كل شئ، ولا تنس أنني أنتظر عودتك بعد استشفائك بالمياه... رحلة طيبة!"(118) ولم يلتقيا بعدها قط.
وهكذا انتهت هذه الصداقة التاريخية، ولكن العداوات السخيفة استمرت. فقد انطلق فولتير مع سكرتيره ومتاعه يتأرجح في مركبته إلى الأمان في ليبزج السكسونية. هناك تلكأ ثلاثة أسابيع بحجة ضعف صحته، وأضاف مزيداً إلى "الخطاب". وفي 6 أبريل تلقى رسالة من موبرتوي يقول فيها:
تقول الجرائد إنك تخلفت في ليبزج لمرضك، ولكن معلوماتي الخاصة تؤكد لي أنك لا تمكث هناك إلا لطبع مزيد من القذف في.. إنني لم أسئ إليك قط، وما كتبت ضدك ولا قلت شيئاً قط. لقد كنت على الدوام أراه أمراً لا يليق بي أن أراد على السفاهات التي رحت تذيعها عني... ولكن إذا صح أن في نيتك العودة إلى مهاجمتي في مسائل شخصية،... فإنني أنذرك بأن في من العافية ما يمكنني من العثور عليك أنى كنت، وأصب جام غضبي وانتقامي عليك(119).
ورغم ذلك طبع فولتير "الخطاب" المنقح، وطبع معه رسالة موبوتوي. وأصبح الكتيب، الذي تضخم الآن حتى بلغ خمسين صفحة، حديث القصور والبلاطات في ألمانيا وفرنسا. وكتبت فلهلمينا من بايرويت إلى فردريك




صفحة رقم : 12301




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


(24 أبريل 1753) تعترف بأنها لم تملك نفسها من الضحك على الخطاب. أما موبرتوي فلم ينقذ تهديده، كذلك لم يمت غيظاً وكمداً كما ظن البعض؛ فلقد عمر ست سنوات بعد الدكتور أكاكيا، ومات بالسل في بازل عام 1759.
وفي 19 أبريل رحل فولتير إلى جوتا، ونزل فندقاً عاماً بها، ولكن سرعان ما أقنعه دوق ودوقة ساكس-جوتا بالنزول ضيفاً عليهما قصرهما. ولما كان بلاطهما الصغير يهتم بالثقافة، فقد جمعت الدوقة الأعيان والأدباء، وقرأ لهم فولتير شيئاً من أعماله، حتى من قصيدة "لا بوسيل المرحة". ثم مضى إلى فرنكفورت -أم على -مين، وهناك أدركته إلهة الانتقام.
ذلك أن فردريك حين تبين أن فولتير يواصل الحرب التي شنها على موبرتوي، خامرته الظنون في أن الشاعر المستهتر قد يذيع على الناس القصائد التي كتبها الملك، والتي لم تزل نسخة منها-طبعت سراً- في حوزة فولتير وهي قصائد في بعضها خروج عن اللياقة، وبعضها يتهكم بالمسيحية، وبعضها يتحدث عن الأحياء من الملوك حديثاً فيه من الدعاية أكثر مما فيه من الاحترام، فمن شأنها أن تنفر منه قوى نافعة. وعليه فقد أرسل إلى فربتاج، المقيم البروسي في فرانكفورت، يأمره بحبس فولتير حتى يسلم "ذلك الهيكل العظمى، الشيطاني" قصائد الملك وشتى الأوسمة التي خلعها عليه إبان "شهر العسل". وكانت فرانكفورت "مدينة حرة"، ولكنها تعتمد على رضى فردريك اعتماداً لم تجرؤ معه على التدخل في هذه الأوامر؛ أضف إلى ذلك أن فولتير كان من الناحية الرسمية لا يزال في خدمة ملك بروسيا وفي إجازة ممنوحة منه. ومن ثم قصد فربتاج في أول يونيو فندق الأسد الذهبي الذي وصل إليه فولتير البارحة، وطلب إليه في أدب أن يسلمه الأوسمة والقصائد. وسمح فولتير للمقيم بأن يفتش متاعه ويأخذ الأوسمة الملكية، أما قصائد الملك فقال إنها على الأرجح في صندوق أرسله إلى همبورج. وأمر فربتاج بوضعه تحت الحراسة حتى يعاد الصندوق من همبورج. وفي 9 يونيو تعزى الفيلسوف المغيظ بوصول مدام دنيس،




صفحة رقم : 12302




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


التي أعانته على التنفس عن غيظه. وقد راعها هزاله "كنت على يقين من أن هذا الرجل (فردريك) قاتلك! "وفي 18 يونيو وصل الصندوق، وعثر فيه على المجلد المحتوى على القصائد، وسلم للمقيم، ولكن في يوم ذاته وصل توجيه جديد من بوتسدام يأمر فربتاج بالاحتفاظ "بالوضع الراهن" لحين وصول أوامر أخرى. فحاول فولتير الهروب بعد أن عيل صبره، وفي 20 يونيو ترك حقائبه مع ابنة أخته وفر هو وسكرتيره خلسة من فرانكفورت.
ولكن فربتاج لحق بهما قبل أن يجتازا الحدود الإدارية للمدينة، وعاد بهما إليهما وأودعهما سجينين في فندق العنزة، لأن "صاحب فندق الأسد أبى أن يستبقي فولتير أطول مما بقي عنده بسبب شحه الذي لا يصدق"(120) (في رواية فربتاج). واستولى آسرو فولتير على نقوده كلها، وعلى ساعته، وبعض جواهره التي يتحلى بها، وصندوق نشوقه-الذي رد إليه سريعاً بناء على توسله لأنه قال إنه لا غنى لحياته عنه. وفي 21 يونيو وصل خطاب من فردريك يأمر بالإفراج عن فولتير، ولكن فربتاج رأى أن الأمانة في أداء الواجب تقتضيه أن ينبئ الملك بمحاولة فولتير الهروب، فهل يطلق سراحه رغم ذلك؟ وفي 5 يونيو وافق فردريك على الإفراج عنه، وأطلق سراحه بعد اعتقاله خمسة وثلاثين يوماً. وفي 7 يونيو غادر فرانكفورت إلى مينز، وعادت مدام دنيس إلى باريس، بأمل الحصول على إذن لفولتير بدخول فرنسا.
وكان نبأ اعتقاله قد ذاع، فاحتفل به القوم وأشادوا به حيثما ذهب، لأن فردريك لم يحبه أحد غير أخته فلهلمينا، أما فولتير فهو رغم شيطنته كلها كان أعظم الأحياء من الشعراء، والمسرحيين، والمؤرخين. وبعد أن قضى ثلاثة أسابيع في مينز رحل في بطانة كبطانات الأمراء إلى مانهايم وستراسبورج (15 أغسطس إلى 2 أكتوبر) حيث أمتع روحه بفكرة وجوده على أرض فرنسية. ثم مضى إلى كولمار (2 أكتوبر) حيث زارته فلهلمينا في طريقها إلى مونبليه وطيبت خاطره "بالأنعامات" واسترد من عافيته ما أوحى إليه ببعض رسائل ظريفة لمدام دنيس التي كانت تشكو ورماً في فخذيها:




صفحة رقم : 12303




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


بالله يا طفلتي العزيزة ما الذي تريد ساقاك وساقاي أن تقول؟ لو أنها كانت معاً لما شكت مرضاً... إن فخذيك لم يخلقا للألم. فهذان الفخذان اللذان سيقبلان بعد قليل يلقيان الآن معاملة مخزية(121).
وكتب في لهجة أكثر تواضعاً إلى مدام بمبادور يتوسل بنفوذها على لويس الخامس عشر ليسمح له بالعودة إلى باريس. ولكن ناشراً لصاً في لاهاي كان قد نشر طبعة مشوهة سماها "موجز التاريخ العام" اختصر منها كتاب "مقال التاريخ العام" أو "مقال في العزف" الذي لم يتمه فولتير، وقد احتوى نقداً جارحاً للمسيحية. وبيع الموجز بسرعة في باريس، قال لويس الخامس عشر لبومبادور "لست أريد أن يأتي فولتير إلى باريس"(122) وطالب اليسوعيون في كولمار بطرده من تلك المدينة، فحاول أن يسترضى أعداءه الكنسيين بتناوله القربان في عيد القيامة. وكانت النتيجة الوحيدة لهذا العمل أن انضم أصدقاؤه لليسوعيين في رميه بالنفاق. وكان تعقيب مونتسكيو "انظروا إلى فولتير الذي لا يعرف أين يضع رأسه" ثم أضاف "أن النفس الصالحة أغلى ثمناً من النفس الجميلة"(123).
وفكر الفيلسوف المشرد، بعد أن سدت في وجهه المسالك، في الرحيل عن أوربا والإقامة في فيلادلفيا. وكان معجباً بروح بن وجهود فرانكلن الذي وحد مؤخراً بين البرق والكهرباء "لولا أن البحر يسبب لي دواراً لا يطاق لقضيت بقية عمري بين كويكريي بنسلفانيا"(124). وفي 8 يونيو 1754 غادر كولمار ووجد ملجأ في دير سنون البندكتي بالورين. هناك علم أن دوم أوجستن كالميه رئيس للدير، وأن بمكتبة الدير اثنا عشر ألف مجلد؛ ووجد فولتير السلام وسط الرهبان ثلاثة أسابيع. وفي 2 يوليو رحل إلى بلومبيير، وشرب من مياهها في خاتمة المطاف. ولحقت به مدام دنيس هناك. وظلت منذ ذلك الحين سيدة (Mistrest خليلة) بيته على الأقل. واستأنف تجواله، وعاد إلى كولمار، ولم يجد فيها راحته، فانطلق إلى ديجون ومكث فيها ليلة، ثم إلى ليون التي أقام فيها شهراً (11 نوفمبر إلى 10 ديسمبر). ونزل أسبوعاً ضيفاً على صديقه ومدينه القديم لدوق ريشليو، ثم انتقل إلى فندق الباليه رويال، ربما خوفاً من أن يؤذى سمعته. وذهب إلى أكاديمية




صفحة رقم : 12304




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> فردريك الأكبر وماريا تريزا -> فولتير في ألمانيا


ليون وتلقى كل ما خلعته عليه من تكريم. وأخرجت بعض تمثيلياته على المسرح المحلي، ورفع تصفيق الاستحسان معنوياته. وفكر في الإقامة في ليون، ولكن رئيس الأساقفة تنسان اعترض، فرحل فولتير عنها. وأيقن أنه قد يقبض عليه في أية لحظة لو مكث في فرنسا.
وعليه ففي ختام عام 1754، أو مطلع عام 1755، عبر جبال الجورا وألقى عصا التسيار في سويسرا.




صفحة رقم : 12305




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> فيللا المباهج ليدليس



الفصل الرابع عشر




سويسرا وفولتير




1715- 1758




1- فيللا المباهج (ليدليس)


على طريق لبون، خارج أبواب جنيف مباشرة ولكن في حدودها الإدارية، وجد فولتير في خاتمة المطاف مكاناً يستطيع أن يرقد فيه آمناً مطمئناً، هو فيلا فسيحة تسمى سان- جان، ذات حدائق مدرجة تهبط إلى نهر الرون. ولما كانت قوانين الجمهورية تحرم بيع الأرض إلا للبروتستنت السويسريين، فقد قدم 87.000 فرنك لشراء الملك (فبراير 1755) بواسطة وكالة لابا دجرانكور وجان روبير ترونشان هو الآن (1965) متحف للفن، يضم مخلفات صغيرة لفولتير.@ جان روبير، المصرفي والمدير العام لجنيف، (2) باكوب، عضو المجلس، (3) فراسوا، المؤلف والمصور (4) تيودور، الطبيب. و"ترونشان" هنا يقصد به تيودور، ما لم ينص على غير هذا. ما زال البيت موجودا (1965)، وقد نقصت مساحته كثيرا، ولكن مدينة جنيف تحتفظ به معهداً ومتحفاً لفولتير.@ . وبكل حماسة أهل المدن اشترى دجاجات وبقرة، وزرع حديقة خضر، وغرس الأشجار. لقد أنفق من عمره ستين عاماً حتى تعلم أننا "يجب أن نزرع حديقتنا". وخطر له أن في وسعه الآن أن ينسى فردريك، ولويس الخامس عشر، وبرلمان باريس، والأساقفة، واليسوعيين، ولم يبق إلا مغصه ونوبات صداعه. وبلغ ابتهاجه بيته الجديد مبلغاً جعله يسميه "ليدليس" أي المباهج وكتب إلى تيريو يقول: "إن بي من السعادة ما يخجلني"(1) . ولما كانت استثماراته الذكية تأتيه بدخل مترف، فإنه أشبع رغبته في العيش المترف. فاحتفظ بستة جياد وأربع مركبات، وسائق، وجودي يمتطي أحد جياد العربة، وتابعين، وخادم خاص، وطاه فرنسي، وسكرتير، ونسناس- كان يحب أن يقارن بينه وبين الإنسان. وتربعت على عرش المؤسسة مدام دنيس، التي وصفها مدام دينيه حين زارت البيت في 1757 بهذه العبارات:




صفحة رقم : 12306




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> فيللا المباهج ليدليس


"امرأة قصيرة سمينة، مدورة كالكرة، تناهز الخمسين، ... قبيحة، طيبة، كذابة دون قصد ودون خبث، ليس فيها ذكاء ومع ذلك تبدو وكأن لها نصيباً منه... تكتب الشعر وتناقش في منطق وفي غير منطق... دون كثير ادعاء أو غرور، وأهم من ذلك كله دون أن تسئ إلى أحد.. تعبد خالها، بوصفه خالا وبوصفه إنساناً، وفولتير يحبها، ويضحك عليها، ويعبدها. إن هذا البيت، باختصار يجمع بين النقائض، ومشهد بمتع المتفرجين(2)(1).
ووصف زائر آخر هو الشاعر مارنتيل، المالك الجديد فقال "كان في فراشه حين وصلنا. فمد ذراعيه وعانقني وبكى فرحاً... ثم قال "هاأنت تجدني مشرفاً على الموت، فتعال وردني إلى الحياة، أو تلق آخر أنفاسي"... وبعد لحظة قال "سأنهض وأتناول الغداء معك"(3).
وكان في فيللا المباهج هذه عيب واحد- وهو برودتها في الشتاء، وفولتير يحتاج إلى الحرارة لشدة هزاله. وعليه فقد وجد لوزان خلوة صغيرة تدعى مونريون يقيها موقعها من ريح الشمال، فاشتراها، وأنفق فيها بعض شهور الشتاء خلال 1755- 57. وفي لوزان ذاتها اشترى (يونيو 1757) على نهر جران شين "بيتاً لو كان في إيطاليا لسمى قصراً" له خمس عشرة نافذة تطل على البحيرة. "هناك ودون أي معارضة من رجال الدين أخرج تمثيليات أكثرها من تأليفه. وكتب يقول "إن الهدوء شئ جميل. ولكن الملل ينتمي أرد عني هذا القريب القبيح أقمت مسرحاً(4).
هكذا، في غدوه وراحه، بين جنيف ولوزان عرف سويسرا.




صفحة رقم : 12307




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية



2- المقاطعات السويسرية (الكانتونات)


في 1742 تساءل صموئيل جونسن "بأي سياسة عجيبة، أو بأي توافق سعيد بين المصالح، أمكن تجنب الفتن العنيفة في دولة تتألف من شتى




صفحة رقم : 12308




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


المجتمعات ومختلف الأديان، رغم أن في أهلها من الولع بالحرب ما يجعل من تقرير جيش ومن حشده شيئاً واحداً؟(5).
هذا المركب الغريب من ثلاثة شعوب، وأربع لغات، ومذهبين، ظل في سلام مع العالم الخارجي منذ 1515. فبمقتضى ضرب من الميثاق المبرم بين اللصوص أمسكت الدول عن مهاجمته، ولقد كان مطمعاً غاية في الصغر (بلغ 227 ميلا في أقصى طوله، و137 في أقصى عرضه) فقيراً جداً في موارده الطبيعية، شديد الوعورة في أرضه، اتصف أهله بشجاعة تثبط همة المعتدى. واستمر السيسرون ينجبون خيرة الجنود في أوربا، ولكن الاحتفاظ بهم كان غالي الكلفة، لذلك كانوا يؤجرون لشتى الحكومات بسعر للجندي. وفي 1748 كان هناك ستون ألفاً من هؤلاء الجنود "الجوالين" في خدمة الدول الأجنبية. وقد أصبحوا في بعضها جزءاً دائماً من المؤسسة العسكرية؛ وكانوا أحب الحرس للبابوات والملوك الفرنسيين وأحوزهم لثقتهم؛ والعالم كله يعرف كيف قضى الحرس السويسري لآخر رجل منهم دفاعاً عن لويس السادس عشر في 10 أغسطس 1792.
وفي 1715 كانت ثلاثة عشرة مقاطعة تؤلف الاتحاد السويسري: أبنتسيل، وبازل، وجلاروز، وشافهاوزن، وزيورخ-وكانت في أغلبها ألمانية وبروتستنتية؛ ثم لوسرن، وشفيتس، وزولوتورن، وأونترفالدن، وأورى، وبتسوج-كلها ألمانية وكاثوليكية، ثم برن، وكانت ألمانية وفرنسية، بروتستنتية وكاثوليكية؛ ثم فريبورج، وكانت فرنسية وكاثوليكية. وفي 1803 ضم الاتحاد إليه مقاطعات أراجاو، وسانت جالين، وتورجاو (ألمانية بروتستنتية)، وتيتشينو (إيطالية وكاثوليكية)، وفو (فرنسية وبروتستنتية). وفي 1815 أضيفت ثلاث مقاطعات جديدة هي جنيف (فرنسية وبروتستنتية تنقلب الآن كاثوليكية بسرعة)، وفاليه (فرنسية، وألمانية، وكاثوليكية) والأقاليم المعروف للفرنسيين باسم جزيزون وللألمان باسم جراوبوندن تغلب عليه البروتستنتية، ويتكلم الألمانية أو الرومانش، وهي لاتينية أثرية.




صفحة رقم : 12309




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


وكانت سويسرا جمهورية النظام، ولكنها لم تكن ديمقراطية بمعناها المعروف، ففي كل مقاطعة تنتخب أقلية من السكان الذكور البالغين، الذين ينتمون عادة للأسر العريقة، مجلساً صغيراً يتألف من أربعة وعشرين إلى أربعة وستين عضواً. وكان المجلس الصغير يعين مجلساً خاصاً أصغر منه وعمدته وهو أكبر موظفي المقاطعة. ولم يكن هناك فصل للسلطات، فالمجلس الصغير هو أيضاً المحكمة العليا. وقصرت المقاطعات الريفية (وهي أوري، وشفيتس، وأونتفالدن، وجلاروز، وتسوج وأبنتسيل) حق الانتخاب على الأسر الوطنية، أما غيرها من المقيمين بها، مهما طال مقامهم، فيحكمون بوصفهم طبقة تابعة(6). ومثل هذه الأولجركيات كانت شائعة في سويسرا. فلوسرن مثلا قصرت صلاحية التعيين في الوظائف الحكومية على تسع وعشرين أسرة، ولم تسمح لأسرة جديدة بدخول هذه الدائرة إلا إذا انقرضت إحدى الأسر القديمة(7). وفي برن كانت 243 أسرة صالحة للتعيين في الوظائف، ولكن نحو ثمان وستين منها فقط هي التي تقلدت المناصب بصفة دائمة. وفي 1789 لاحظ المؤرخ الروسي نيكولاي كارامزين أن مواطني زيورخ "يفخرون بلقبهم فخر ملك بتاجه" لأن "أحداً من الأجانب لم يحصل على حق المواطنة منذ نيف و150 سنة."(8) (وعلينا أن نذكر أنفسنا بأن كل الديمقراطيات تقريباً أو الأولجركيات، لأن الأقليات يمكن تنظيمها للحركة والسلطة، أما الأغلبيات فلا).
وكان في حكومة المقاطعة نزوع إلى النظام الأبوي الذي يتطلب الطاعة لأولي الأمر. مثال ذلك أن المجالس في زيورخ أصدرت القوانين المنظمة للأكل، والشرب، والتدخين. وقيادة العربات، وحفلات الزفاف، واللباس، والتزين، وقص الشعر، وأجور العمل، ونوعية المنتجات، وأسعار الضروريات، وكانت هذه الأوامر من مخلفات القوانين البيئية أو النقابية القديمة، والواقع أن "معلمي" النقابات الحرفية الأثنى عشرة في زيورخ كانوا يكتسبون عضوية المجلس الصغير تلقائياً، بمعنى أن هذه المقاطعة كانت إلى حد كبير دولة نقابية. وقد كتب جوته في أخريات القرن




صفحة رقم : 12310




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


أن شواطئ بحيرة زيورخ تعطي "فكرة جذابة مثالية عن أروع وأسمى حضارة"(9).
أما "مدينة وجمهورية" برن فكانت أكبر وأقوى المقاطعات. فهي تضم ثلث سويسرا، وتتمتع بأغنى اقتصاد، وحكومتها محط الإعجاب عموماً لما تتميز به من تدبير وطفاية؛ وقد شبهها مونتسكيو بروما في أزهى عصور الجمهورية. أما وليم كوكس، وهو قسيس بريطاني ومؤرخ عالم، فقد وصف المدينة كما رآها في 16 سبتمبر 1779 بهذه العبارات:
حين دخلت برن أدهشني ما تميزت به من نظافة وجمال. شوارعها الرئيسية عريضة طويلة، ليست مستقيمة، بل منعطفة انعطافاً هينا، وتكاد بيوتها تكون متماثلة، وهي مبنية بحجر تغلب عليه الشهبة ومن تحتها البواكي. ويجري وسط الشوارع نهير نشيط، ماؤه شديد الصفاء، في مجرى صخري، وهناك نافورات عديدة تضفي على المدينة جمالا يعدل نفعها لأهلها. ويكاد نهر آر يحيط بالمدينة، إذ يلتف مجراه فوق قاع صخري أوطأ كثيراً من مستوى الشوارع.. والريف المجاور غني بالزرع، فيه تنويع لطيف من تلال ومروج وغابات ومياه... وترسم على الأفق البعيد سلسلة شديدة الانحدار من جبال الألب الوعرة المكللة بالثلوج(10)".
أما الخطأ الفادح الذي ارتكبه نبلاء برن ففي معاملتهم لمقاطعة فو. فهذا الفردوس الأرضي كان يمتد بحذاء الضفة السويسرية لبحيرة جنيف من أرباض مدينة جنيف حتى لوزان (العاصمة) ويصل شمالا إلى بحيرة نيوشاتل. على هذه الضفاف الجميلة والتلال الزاخرة بالكروم استمتع فولتير وجيبون بحياة غاية في التحضر، وشب روسو وتعذب، واختار بيت جولي الفاضل (في كلارنس، قرب فيفي). وقد خضع الإقليم لسيادة برن في 1536، ففقد مواطنوه حقهم في تقلد المناصب الحكومية، واشتد تبرمهم بالحكم البعيد عنهم، وتكررت ثوراتهم دون جدوى.
وكانت المقاطعات شديدة الحرص على استقلالها الذاتي. كل منها تعتبر نفسها دولة ذات سيادة، لها الحرية في خوض الحرب أو إبرام الصلح




صفحة رقم : 12311




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


أو الدخول في أحلاف أجنبية، مثال ذلك أن المقاطعات الكاثوليكية ارتبطت بفرنسا طوال حكم لويس الخامس عشر. ورغبة في التخفيف من الصراع بين المقاطعات كانت كل منها ترسل مندوبين عنها إلى مجلس سويسري (ديت) ينعقد في زيورخ. ولكن هذا المجلس الاتحادي (الكونجرس) كانت سلطاته محدودة جداً، فهو لا يستطيع فرض قراراته على أي مقاطعة ترفضها. ويجب أن توافق جميع المقاطعات على هذه القرارات لكي تكون قانونية. وكانت حرية التجارة مقبولة من حيث المبدأ، ولكن حروب المكوس بين المقاطعات انتهكت هذا المبدأ. ولم تكن هناك عملة مشتركة، ولا إدارة مشتركة للطرق التي تربط المقاطعات.
على أن الحياة الاقتصادية زكت رغم العوائق الطبيعية والحواجز التشريعية. وكان رق الأرض قد زال في بضع مناطق على الحدود الألمانية أو النمساوية، فملك الفلاحون كلهم تقريباً الأرض التي يزرعونها. وكان الفلاحون فقراء في "مقاطعات الغابات" (وهي أوري، وشفايتس، وأونترفالدن، ولوسرن) وذلك لظروف جغرافية؛ أما حول زيورخ فازدهرت أحوالهم، وفي برن جمع العديد من الفلاحين ثروات بالفلاحة التي اتسمت بالعناية والمثابرة. وقد اضطر كثير من السويسريين إلى الجمع بين الزراعة والصناعة لطول الشتاء وصعوبة النقل؛ فالأسرة التي تغزل القطن أو تصنع الساعات تزرع الحدائق أو تغرس الكروم. واشتهرت فريبورج بجبها الجروبير (جرافيرا)، وزيورخ بدنتللتها، وسانت جالين بقطنها، وجنيف بالساعات، ونيوشاتل بالدنتيللا، وسويسرا كلها بالأنبذة. وكانت المالية السويسرية حتى في ذلك الحين مثار حسد أوربا، والتجار السويسريون نشيطين في كل بلد. وأثرت بازل من الاتجار مع فرنسا وألمانيا، وزيورخ من الاتجار مع ألمانيا والنمسا. ونافست بازل وجنيف ولوزان، أمستردام ولاهاي مراكز للنشر. وبعد أن أشاد هاللير وروسو بجمال البحيرات السويسرية المتألق وجبال الألب السويسرية المهيب، أمدت السياحة الاقتصاد الاتحادي بدعم متزايد.




صفحة رقم : 12312




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


أما مستوى الأخلاق فلعله كان في سويسرا أرقى منه في أي بلد آخر باستثناء إسكندناوة، حيث أنتجت الظروف المماثلة نتائج مماثلة. فكانت أسرة الفلاح مثالاً للجد، والعفة، والوحدة، والتدبير. وكان في المدن بعض الفساد في السياسة وبيع المناصب، ولكن حتى في هذه الأماكن أعانت الخشونة التي ولدها المناخ القاسي، والإقليم الجبلي، والآداب البروتستنتية، على الاستقرار الخلقي. وكان اللباس محتشما سواء عند الأغنياء أو الفقراء. وظلت قوانين الإنفاق صارمة مرعية الجانب في سويسرا(11).
أما الدين فكان نصف الحكم ونصف الصراع. فالحضور إلى الكنيسة إجباري، والمدن من الصغر بحيث يستحيل على الخوارج المتمردين أن يجدوا ملاذا في زحمة الجماهير. ويوم الأحد يوم تعبد لا هوادة فيه، ويروى إن الحانات في زيورخ كانت تهتز بالمزامير ترتل فيها في يوم الرب(12). ولكن المذهبين المتنافسين - الكلفني والكاثوليكي- ضربا أسوأ أمثلة السلوك، لأنهما أطلقا العنان للحقد والكراهية وقيدا العقل بالأغلال. وحظرت بعض المقاطعات الكاثوليكية كل عبارة إلا الكاثوليكية، وبعض المقاطعات البروتستنتية كل عبادة إلا البروتستنتية(13). وحرم القانون الخروج على الكنيسة الرسمية وتأليف مذاهب مستقلة. وفي لوسرن عذب ياكوب شمدلن في 1747 ثم شنق لمحاولته تنظيم حركة "تقوية" مستقلة عن الكنيسة. وكان حلف يمين الالتزام بالكلفنية شرطاً لشغل المناصب السياسية أو الكنسية أو التعليمية في لمقاطعات البروتستنتية(14). وفرضت الكنيسة والدولة رقابة شديدة على المطبوعات. وفي مقاطعات الغابات تضافر فقر الفلاحين، والعواصف، وإنزلاقات الأرض، وانهيارات الثلوج، وآفات الزرع، والفيضانات، والرهبة من الجبال المحيطة بالسكان- كلها اجتمعت تولد فيهم خوفاً خرافياً من الأرواح الشريرة الساكنة في القمم المحملة والرياح المدومة، ولكي يقهر الفلاحون المكروبون أعداءهم الخارقين للطبيعة كانوا يتوسلون إلى قساوستهم أن يخرجوا الأرواح النجسة ويمنحوا قطعانهم البركة في مراسم دينية. وقد انتهى حرق المتهمين بالسحر في جنيف عام 1652،




صفحة رقم : 12313




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


وفي برن عام 1680، وفي زيورخ عام 1701، وفي المقاطعات الكاثوليكية عام 1752، ولكن امرأة في جلاروز قطع رأسها عام 1782 وكانت تهمتها أنها سحرت طفلاً(15).
وانبثق لنور وسط هذه الظلمة بفضل المدارس الحكومية والمكتبات العامة. وكانت جامعة بازل تعاني اضمحلالا من جراء التعصب الديني، فلم تكد تقدر منجزات يوهان وياكوب ودانيل برنويللي، وأكرهت ليونارد أويلر على الهروب إلى قاعات أكثر سماحة لضيوفها. ولكن سويسرا رغم هذا أنجبت الأدباء والشعراء والعلماء في تناسب كامل مع عدد سكانها. وقد ذكرنا من قبل العالمين الزيورخيين يوهان ياكوب بودمير ويوهان ياكوب برايتنجر، وقد كان لهما أثر دائم على الأدب الألماني لأنهما عارضا إعجاب جوتشيد المفرط ببوالو والأشكال الكلاسيكية؛ ودافعا عن حقوق الوجدان، والعناصر الغيبية، بل اللامعقولة، في الأدب والحياة؛ وأشادوا بالشعر الإنجليزي وفضلا على الفرنسي، وقدما شكسبير وملتن لقراء الألمانية، وبعثا الأغاني القديمة (1751) وشعراء العصر الوسيط الغنائيين الألمان minnesungers وانتقل مذهبهم إلى ليسنج، وكلوبشتوك، وشيلر، والشاب جوته، وفتح الطريق للحركة الرومانسية في ألمانيا ولإحياء الاهتمام بالعصور الوسطى. وسار على هذا الدرب شاعر زيورخي يدعى سالومون جسنر، وأصدر قصائد"رعوية" (1756) فيها من فتنة الريف ما جعل أوربا بأسرها تترجمها، وشعراء مثل فيلاند وجوته يحجون إلى بيته.
وأنبه سويسريي القرن الثامن عشر ذكراً بعد جان جاك روسو هو البريشت فون هاللر البرني، أعظم الشعراء والعلماء في بلده وعصره. درس في برن، وتوبنجن، وليدن، ولندن، وباريس، وبازل، القانون والطب والفسيولوجيا والنبات والرياضة. فلما عاد إلى برن اكتشف جبال الألب. وأحس بجمالها وجلال خطوطها، فتدفق شعراً. وأصدر وهو بعد في الحادية والعشرين (1729) مجلداً من الشعر الغنائي سماه "الألب" ذهب كوكس المتحمس له إلى أنه شامخ خالد كالجبال التي يتغنى بها(16). وكان الكتاب




صفحة رقم : 12314




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


سبقاً لروسو في كل شئ تقريباً. دعا العالم للإعجاب بجبال الألب لما فيها من علو شاهق ملهم وشهادة بعظمة الله؛ وأزرى بالمدن لأنها أوكار للترف والكفر تقضي انحلال الجسم والخلق، وأشاد بالفلاحين وأهل الجبال لصلابة عودهم ومتانة أيمانهم واعتدال عاداتهم. وأهاب بالرجال والنساء والأطفال أن يتركوا المدن ليعيشوا في الخلاء عيشة أبسط وأعقل وأصح.
ولكن علم هاللر هو الذي أذاع شهرته في أوربا. ففي 1736 عرض عليه جورج الثاني أستاذية النبات والطب والجراحة في جامعة جوتنجن. وهناك ظل يدرس سبعة عشر عاماً، بكفاية حملت أكسفورد وهاللي على دعوته، وأراد فردريك الأكبر أن يخلف موبرتوي عميداً لأكاديمية برلين، وحاولت كاترين الثانية إغراءه بالذهاب إلى سانت بطرسبورج وأرادت جوتنجن أن تعينه عميداً لها. ولكنه بدلا من هذا كله قفل إلى برن واشتغل طبيباً، واقتصادياً، ورئيساً لمقاطعته، وعكف في مثابرة على رائعة من روائع القرن العلمية هو كتابه"الأصول الفسيولوجية لجسم الإنسان" الذي سنلتقي به ثانية في مكان لاحق.
وظل طوال هذه السنين، وطوال اشتغاله بهذه العلوم، محتفظاً بنقاء صادق في عقيدته الدينية ونزاهة صارمة في أخلاقه. فلما قدم فولتير ليعيش في سويسرا خيل لهاللر أن الشيطان رفع رايته فوق جنيف ولوزان. وقد زار كازانوفا كلا من هاللر وفولتير في 1760، وكان ينافس هاللر في تذوقه للجمال. فلنستمتع مرة أخرى برواية كازانوفا لمغامرته المزدوجة:
كان هاللر رجلا كبير الجسم والعقل، طوله ستة أقدام، عريضاً في أبعاده-فهو عملاق في الجسم والعقل. وقد هش للقائي كثيراً، وفتح لي عقله، وأجاب عن كل أسئلتي في دقة وتواضع.. فلما أخبرته أنني أتطلع إلى لقاء المسيو فولتير، قال إنني محق تماماً في تطلعي هذا، وأضاف دون مرارة "أن المسيو فولتير رجل يستحق أن يعرفه المرء، رغم أن كثيراً من الناس وجدوه أعظم عن بعد، وهذا يناقض قوانين الفيزياء".




صفحة رقم : 12315




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> المقاطعات السويسرية


وبعد بضعة أيام زار كازانوفا فولتير في فيلته المباهج": قلت له: مسيو فولتير، هذا اليوم مفخرة حياتي الكبرى. لقد كنت تلميذك طوال عشرين عاماً، وإن قلبي ليطرب لروية معلمي.


وسألني من أين جئت.




قلت "من روش. إنني لم أرد أن أبرح سويسرة دون أن أرى هاللر.. ولقد احتفظت بك كأنك النقل أختم به طعامي."




"هل سررت من هاللر؟"




"لقد أنفقت معه ثلاثة من أسعد أيام حياتي."




"إني أهنئك"




"يسرني أنك تنصفه. ويؤسفني أنه لا ينصفك إنصافك إياه"."




"أها! ربما كان كلانا مخطئاً"(17).


وفي 1775، نشر هاللر آخر كتبه وكأنه يذيع على العالم كلمته الأخيرة، واسم الكتاب "وسائل تتناول عدة محاولات أخيرة للفكر الحر.. ضد الوحي"، وهو محاولة جادة لمعارضة كتاب فولتير "أسئلة في الموسوعة." وكتب رسالة مؤثرة للزنديق الرهيب، دعاه (وهو في الحادية والثمانين) إلى أن يستعيد "تلك السكينة التي تهرب حين تدنو العبقرية"، ولكنها تقبل على الإيمان الواثق؛" عندها سيكون أشهر رجل في أوربا أسعدهم كذلك"(18). على أن هاللر نفسه لم يظفر بهذه السكينة قط. فقد كان برما في المرض لفرط إحساسه بالألم "كان في سنواته الأخيرة يدمن تعاطي الأفيون الذي لم يكن له من أثر إلا زيادة ضجره الفطري لأنه لم يكن سوى ملطف وقتي لألمه"(19). وكان يعاني من خوف الجحيم، ويلوم نفسه على فرط ما بذل "لنباتاتي وغيرها من الحماقات"(20). وقد أدرك السكينة في 12 ديسمبر 1777.




صفحة رقم : 12316




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف



3- جنيف


لم تكن جنيف في هذا القرن مقاطعة داخلة في الاتحاد، بل جمهورية قائمة بذاتها- المدينة وما وراء البحيرة - تتكلم الفرنسية وتدين بالمذهب




صفحة رقم : 12317




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف


الكلفني. وقد وصفها دالامبير في مقاله عنها في "الموسوعة" وصف معجب بها كما رآها في 1756:
من العجيب أن مدينة لا يزيد سكانها على 24.000 نسمة وتشمل رقعتها أقل من ثلاثين قرية، قد حافظت على استقلالها، وهي من أكثر المجتمعات ازدهاراً في أوربا. وهي في غناها بحريتها وتجارتها ترى كل ما حولها يشعل دون أن يمسها من ذلك أذى. فالأزمات التي تضطرب بها أوربا ليست بالنسبة لها غير مشهد تتفرج عليه دون أن تشارك فيه. وهي مع ارتباطها بفرنسا برباط الحرية والتجارة، وبإنجلترا برباط التجارة والمذهب الديني، تبدي رأيها بإنصاف في الحروب التي تخوضها هاتان الأمتان الواحدة ضد الأخرى، ولكنها أحكم من أن تنحاز لإحداهما. وهي تصدر حكمها على جميع ملوك أوربا دون تملق، أو إساءة، أو خشية(21).
وكانت هجرة الهيجونوت من فرنسا نعمة على جنيف، لأنهم جلبوا إليها مدخراتهم ومهاراتهم، وجعلوا المدينة عاصمة صناعة الساعات في العالم بأسره. وقد قدرت مدام دبينيه عدد المشتغلين بتجارة المجوهرات بستة آلاف(22). فأصبح جاك نكير وزيراً لمالية لويس السادس عشر، وألبير جالاتان وزيراً لخزانة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جفرسن.
وكان الحكم في جنيف امتيازاً طبقياً شأنه في كل المقاطعات، فلا يقبل في الوظائف العامة غير السكان الذكور الذين ولدوا في جنيف لآبا وأجداد مواطنين. وتلي طبقة الأشراف هذه طبقة البورجوازية من أرباب الصناعات، والتجار، وأصحاب الحوانيت ومعلمي الحرف، وأعضاء المهن. وكان الأشراف والبورجوازيون، الذين قل أن جاوز عددهم ألفاً وخمسمائة(23)، يجتمعون كل سنة في كاتدرائية القديس بطرس لينتخبوا "مجلساً كبيراً" من مائتي عضو "ومجلساً صغيراً" من خمسة وعشرين عضواً. ويختار المجلسان أربعة مأمورين، كل منهم لعام واحد، رؤساء تنفيذيين للدولة. وهناك طبقة ثالثة مجردة من حق الانتخاب، هم "المستوطنون" المنحدرون من آباء أجانب، وطبقة رابعة هم "الأهالي" المولودون في جنيف لجنيفيين




صفحة رقم : 12318




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 27-03-11, 09:55 صباحاً   رقم المشاركة : [372]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف


غير وطنيين هؤلاء "الأهالي" الذين ألفوا ثلاثة أرباع السكان لم يكن لهم من الحقوق المدنية غير دفع الضرائب، فهم لا يستطيعون الاشتغال بالأعمال التجارية أو المهن ولا بوظائف الجيش أو برآسة حرفة في نقاب. ولقد دار التاريخ السياسي لهذه الجمهورية حول الصراع البورجوازيين للحصول على حق شغل وظائف الدولة، وصراع الطبقتين الدينيتين للحصول على حق التصويت. وفي 1737 امتشق مواطنو المدينة الحسام ليقاتلوا طبقة الأشراف، وأكرهوها على قبول دستور جديد يقضي لجميع الناخبين بالحق في أن ينتخبوا أعضاء في المجلس الكبير، ولهذا المجلس حق إصدار القرارات النهائية في مسائل الحرب والسلم، والأحلاف والضرائب، وإن كان التشريع لا يقدم إلا من المجلس الصغير، أما"الأهالي" فقد سمح لهم بالاشتغال ببعض المهن مع بقائهم محرومين من التصويت. وظلت الحكومة أوليجاركية، ولكنها كانت تدار بكفاية، ومحصنة نسبياً ضد الفساد.
وكان يلي طبقة الأشراف في النفوذ مجمع القساوسة الكلفينين. فقد نظم هذا المجمع شئون التعليم، والأخلاق، والزواج، ولم يسمح بأي تدخل في سلطته من السلطة العلمانية. ولم يكن هنا أساقفة ولا رهبان. وقد أشاد الفيلسوف دالامبير بفضائل الأكليروس الجنيفي ووصف المدينة بأنها أشبه بجزيرة من الأدب والعفة، رآها النقيض للفوضى الخلقية التي فشت بين فرنسي الطبقة العليا. أما مدام دبينيه فبعد أن مارست العديد من العلاقات الغرامية، امتدحت "العادات الصارمة... لشعب حر، هو عدو للترف(24).
ولكن رجال الدين زعموا أن شباب جنيف يفسد في لكباريهات، وأن الصلوات العائلية تتقلص، وأن الناس يثرثرون في الكنيسة، وأن بعض المصلين المتواجدين في المؤخرة يأخذون أنفاساً من "بيباتهم" ليستعينوا بها على ابتلاع العظة(25). وشكا الوعاظ من عجزهم عن توقيع العقوبات إلا الروحي منها، ومن إغفال تحذيراتهم وإنذاراتهم إغفالا متزايداً.
وقد أبهج فولتير أن يجد العديد من رجال الدين الجنيفيين متقدمين نوعاً ما في لاهوتهم. فقد أتوا ليستمعوا بضيافته في فيللا المباهج، واعترفوا له سراً




صفحة رقم : 12319




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف


بأنهم لا يحتفظون من عقيدة كلفن القائمة إلا بالقليل. وقد أشار أحدهم، وهو جاك فيرن، في كتابه "التعليم المسيحي" (1754) بأن يبني الدين على العقل حين يخاطب الكبار، أما "عامة الناس... فمن المفيد أن تشرح لهم هذه الحقائق ببعض الطرق الشعبية ببراهين تصلح... لإحداث أثر أكبر في عقول الجماهير"(26). وكتب فولتير إلى سيدفيل (12 أبريل 1756) يقول: "لم تعد جنيف هي جنيف كلفن-بل على العكس، فهي بلد يحفل بالفلاسفة. و"المسيحية المعقولة" التي نادى منها لوك هي دين كل القساوسة تقريباً، وعبادة كائن أعلى عبادة مقترنة بنسق أخلاقي، هي دين كل القضاة الآتية: في "مقال الأعراف" (1756).
"يبدو أن ترضية تقدم اليوم لرماد سرفيتوس، فإن رعاة الكنائس البروتستنتية المثقفين. قد اعتنقوا آراءه (التوحيدية)"(28).
أما دالامبير، فبعد أن زار جنيف وبيت فولتير (1756)، وبعد أن تحدث إلى بعض القساوسة، وتبادل الرأي مع فولتير، كتب للمجلد السابع (1757) من الموسوعة مقالا عن جنيف أثنى فيه على تحرر إكليروسها فقال:
"إن العددين منهم لا يؤمنون بلاهوت المسيح الذي كان زعيمهم كلفن شديد الغيرة في الدفاع عنه والذي أمر بسببه بحرق سرفيتوس.. وجهنم التي هي أحد أركان إيماننا لم تعد كذلك عند الكثيرين من قساوسة جنيف. فهم يقولون أن من الإهانة لله أن نتصور أن هذا الكائن الذي يفيض طيبة وعدلا في طاقته أن يعاقب أخطاءنا بألوان من العذاب الأبدي... وهم يعتقدون أم هناك عقوبات في حياة أخرى، ولكنها مؤقتة. فالمظهر الذي كان من أهم أسباب انفصال البروتسنت عن كنيسة روما، هو اليوم العقاب الوحيد الذي يسلم به كثير منهم للخاطئ بعد موته، وهذه لمسة جديدة تضاف إلى تاريخ تناقضات البشر.
والخلاصة أن الكثير من رعاة جنيف لا يدينون بغير السوسنيانية الخالصة، ويرفضون كل ما يسمى أسراراً، ويتصورون أن أول مبدأ للدين الحق هو




صفحة رقم : 12320




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف


ألا يطلب إلى الناس الإيمان بشيء يناقض العقل... وهكذا نرى من الناحية العلمية أن الدين اختزل إلى عبادة إله واحد، على الأقل بين جميع الذين لا ينتمون إلى طبقات العوام"(29).
فلما قرأ رجال الدين الجنيفيون هذا المقال انزعجوا كلهم- المحافظون منهم لوجود أمثال هؤلاء المهرطقين على المنابر الكلفنية، والمتحررون لفضح هرطقاتهم الخاصة على هذا النحو. وقامت لجنة بفحص الرعاة المشبوهين فأنكروا بشدة مزاعم دالامبير، وأصدرت اللجنة تأكيداً رسمياً جديداً للسنية الكلفنية(30).
على أن كلفن نفسه كان من بواعث هذه الاستنارة الشائعة التي أطراها دالامبير، لأن الأكاديمية التي أسسها أصبحت الآن من أروع المؤسسات التعليمية في أوربا. لقد علمت طلابها المذهب الكلفني، ولكنها لم تغل في تعليميه، وزودتهم بدراسات ممتازة في الأدب الكلاسيكي، وأعدت معلمين أكفاء لمدارس جنيف-وتحملت الدولة جميع النفقات. وأعارت مكتبة تضم 25.000 مجلد الكتب للجماهير، وقد وجد دالامبير "الشعب أفضل تعليما منه في أي بلد آخر"(31).
وأدهش كوكس أن يسمع تجاراً يناقشون الأدب والسياسة بذكاء. وفي هذا القرن أسهمت جنيف في العلوم بمنجزات شارل بونيه في الفسيولوجيا وعلم النفس، ومنجزات أوراس دسوسير في الأرصاد الجوية والجيولوجيا. أما في الفن أعطت العالم فنانها جان إتين ليوتار، بكل ما في كلمة العطاء من معنى. ذهب إلى روما بعد أن درس في جنيف وباريس، فصور هناك البابا كلمنت الثاني عشر وكرادلة كثيرين، ثم إلى الآستانة حيث عاش وعمل خمس سنوات، ثم إلى فيينا، وباريس، وإنجلترا، وهولندا، حيث كسب قوته من صنع اللوحات الشخصية، والصور بالباستل، وبالمينا، وبالمحفورات والصور على الزجاج. وقد رسم صورة أمينة غاية الأمانة لنفسه في شيخوخته(32) ظهر فيها أقرب من فولتير إلى القردة العليا.




صفحة رقم : 12321




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> جنيف


أما في ميدان الأدب فلم توفق جنيف توفيقاً يذكر. ذلك أن الرقابة اليقظة على المطبوعات فنقت الطموح والأصالة الأدبيين. فحظرت الدراما باعتبارها مباءة للفضائح. وحين أخرج فولتير مسرحيته "زائير" أول مرة في 1755 في قاعة الاستقبال بفيللا دليس، تذمر رجال الدين، ولكنهم تسامحوا ي الجريمة باعتبارها عيباً خاصاً في ضيف كبير. ولكن حين نظم فولتير فرقة من الممثلين من شباب جنيف، وعرض سلسلة من التمثليات، طالب المجمع الكنسي (31 يوليو 1752) المجلس الكبير بتطبيق مراسيم 1732و1739 التي تحظر كل عروض للمسرحيات عامة كانت أو خاصة، وأمر الرعاة بمنع رعاياهم من "تمثيل أدوار في المآسي ببيت السيد فولتير." وأعلن فولتير توبته، ولكنه أخرج المسرحيات في بيته الشتوي بلوزان. ولعله هو الذي أوعز لدالامبير بأن يضمن المقال المذكور الذي كتبه عن جنيف نداء لرفع الحظر:
ليس السبب استهجان جنيف للمسرحيات في ذاتها، بل لأنها (كما يقولون) تخشى الميل إلى التبرج، والانحلال، والإباحية التي تنشرها الفرق المسرحية بين الشباب، ومع ذلك، أليس في الإمكان علاج هذه المساوئ بقوانين صارمة مرعية التنفيذ؟... إن الأدب في هذه الحالة ينهض دون أن يزيد الرذيلة وستجمع جنيف بين حكمة إسبرطة وثقافة أثينا.
ولم يستجيب المجمع الكنسي لهذا النداء، ولكن جان جاك روسو رد عليه (كما سنرى) في خطابه المشهور"خطاب إلى مسيو دالامبير عن المسرحيات" (1758). وبعد أن اشترى فولتير إقطاعية فيرنيه تخطى الحظر ببناء مسرح في شاتلين، على أرض فرنسية ولكن بجوار حدود جنيف. هناك أخرج التمثيليات، واستقدم لحفلة الافتتاح أكبر ممثلي باريس، هنري لوي لوكان. وحظر رعاة جنيف حضور التمثليات، ولكن الحفلات وجدت إقبالا شديداً من الجماهير حتى أن قاع المسرح كان يغص بالنظارة قبل بدء البرنامج بساعات في هذه المناسبات، حين يكون مقرراً أن يظهر لوكان على المسرح. وكسب المقاتل العجوز آخر الأمر معركته، ففي 1766 أنهى المجلس الكبير حظر جنيف لتمثيليات.




صفحة رقم : 12322




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد



4- التاريخ الجديد


وصف شاهد عيان أداء لوكان دوره في مسرحية فولتير "سميراميس" ظهور لمؤلف في المسرح فقال:
كان فولتير جزءاً لا يستهان به في العرض، وهو جالس في صدر بنوار أول، في مواجهة جميع النظارة، يصفق كمن به مس، مبدياً استحسانه تارة بعصاه وتارة بعبارات الإعجاب "ليس في الإمكان أبدع مما كان! آه، رباه، ما كان أروع تمثيل هذا الجزء!"... وبلغ من عجزه عن السيطرة على حماسته أنه ما أن ترك لوكان خشبة المسرح... حتى جرى خلفه... ولا يمكن تصور مفارقة أدعى للضحك من هذه، فقد أشبه فولتير واحداً من شيوخ الكوميديا-بجواربه المطوية على ركبتيه، والزي الذي يرتديه-زي "أيام زمان الحلوة" وهو لا يتماسك فوق ساقيه المرتعشتين إلا بالتوكؤ على عصاه، وكل أمارات الشيخوخة مرتسمة على محياه، فخداه غائران متغضنان، وأنفه مستطيل، وعيناه أوشكتا أن ينطفئ بريقهما"(33).
وبين المسرحيات والسياسة، والزوار، وفلاحة حديقته، وجد متسعاً من الوقت ليكمل في فيللته"دليس" عملين كبيرين وينشرهما. وقد ساءت سمعة الأول لما قيل عن خروجه عن للياقة، أما الثاني فقد فتح عهداً جديداً في كتابة التاريخ.
كان يحتفظ بقصيدته"لابوسيل"منذ 1730 باعتبارها ترفيهاً أدبياً: ويبدو أنه لم يكن في نيته أن ينشرها، لأنها لم تكتف بالتهكم بعذراء أورليان (جان دارك) البطلة، بل هاجمت عقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وجرائمها، وشعائرها، وأخبارها. وأضاف الأصدقاء والأعداء إلى مخطوطاتها المتداولة ينهم نتفاً فيها من البذاءة والمرح ما كان حتى فولتير ليكتبه. والآن، في 1755، بعد أن وجد الهدوء والسلام في جنيف، ظهرت في بازل طبعة مسروقة من القصيدة. فحرمها البابا، وأحرقها برلمان باريس، وصادرتها شرطة جنيف، وزج بناشر باريسي في سفينة الأسرى والعبيد لأنه أعاد إصدارها في 1757. وقد أنكر فولتير أنه كاتبها، وأرسل إلى ريشليو، ومدام بومبادور، وبعض موظفي الحكومة، نسخاً من نص مهذب نسبياً، وفي 1762 نشر هذا النص،




صفحة رقم : 12323




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


فلم يناكده أحد بسببه. وحاول أن يكفر عن إساءته لجان دارك بتصويرها صورة أكثر إنصافاً وجداً في كتابه "مقال عن الأعراف"(34).
وقد قصد بهذا المقال أن يكون رائعته الكبرى، وكان أيضاً-بمعنى من المعاني-أثراً يخلد العشيقة التي استعاد ذكراها. ذلك أنه تقبل الاحتقار الذي صبته مدام دشاتليه على من عرفت من مؤرخين محدثين على أنه تحد له: قالت "ماذا يهمني، أنا المرأة الفرنسية التي تسكن ضيعتها هذه أن أعرف أن إيجل خلف هاكون على عرش السويد، وأن عثمان كان ابن أرطغرل؟ إنني قرأت بلذة تاريخ اليونان والرومان، ولقد قدموا لي صوراً رائعة اجتذبتني، ولكني لم أستطع إلى الآن أن أكمل قراءة أي تاريخ مطول لأممنا الحديثة. ولا أكاد أرى في هذه التواريخ شيئاً غير الخلط والتشويش: فهي حشد من الأحداث الصغيرة التي لا ترابط بينها ولا تسلسل، وألف معركة لم تحسم شيئاً. لقد زهدت في دراسة تغرق العقل دون أن تنيره(35).
ووافقها فولتير على هذا الرأي، ولنه كان يعرف أن هذا ليس إلا التاريخ "كما يكتب". ولقد أسف على مسخ الأهواء الحاضرة للماضي، ففي هذا المعنى "ليس التاريخ إلا مجموعة حيل ندخلها على الموتى (36) ومع ذلك فإن إغفال التاريخ معناه أن تكرر إلي مالا نهاية أخطاءه، ومذابحه، وجرائمه. وهناك ثلاثة مسالك تفضي إلى هذا المنظور الفسيح السمح الذي يسمى الفلسفة: أولها دراسة البشر في الحياة عن طريق التجربة، الثاني دراسة الأشياء في المكان عن طريق العلم، الثالث دراسة الأحداث في الزمان عن طريق التاريخ. وحاول فولتير أن يسلك المسلك الثاني بدراسة نيوتن؛ ثم اتجه الآن إلى الثالث. ومنذ عام 1738 وضع هذا المبدأ الجديد "يجب أن يكتب المرء التاريخ مفلسفاً(38). وعليه فقد عرض على المركيزة ما يلي:
لو أنك تخيرت من بين هذا القدر الوافر من المادة الغفل التي لم تتشكل ما تبنين به صرحاً لاستعمالك الخاص، ولو أنك رغم إسقاطك كل تفاصيل الحروب... وكل المفاوضات التافهة التي لم تكن سوى ألوان من الخبث




صفحة رقم : 12324




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


واللؤم لا غناء فيها... ولو أنك رغم احتفاظك بتلك التفاصيل التي تصور العادات، استطعت أن تؤلفي من تلك الفوضى صورة عامة واضحة المعالم؛ ولو أنك اكتشفت في الأحداث "تاريخ العقل البشري" أفتعتقدين عندها أنك ضيعت وقتك هباء؟"(39).
وظل عاكفاً على مشروعه هذا على مراحل متقطعة مدى عشرين عاماً يقرأ بنهم، ويسجل المراجع، ويجمع الملاحظات، حتى إذا جاء عام 1739، وضع لمدام شاتليه "مجملا للتاريخ العام"؛ وفي 1745-46 طبعت أجزاء منه في صحيفة "لامركير دفرانس". وفي 1750 أصدر "تاريخ الحروب الصليبية"؛ وفي 1753، في لاهاي، ظهر "المجمل" في مجلدين، وفي 1754 في ثلاثة، وأخيراً نشر النص الكامل بجنيف في 1756 في سبعة مجلدات بعنوان "مقال في التاريخ العام"، وكان يشمل "عصر لويس الرابع عشر" وبعض فصول تمهيدية عن الحضارات الشرقية. وفي 1762 أضاف "خلاصة لعصر لويس الرابع عشر" وثبتت طبعة 1796 العنوان النهائي للكتاب كالآتي: "مقال في أعراف الأمم وروحها منذ شرلمان حتى أيامنا هذه "وكلمة الأعراف moeurs لم تكن العادات والأخلاق فحسب، بل التقاليد والأفكار والمعتقدات والقوانين. ولم يغط فولتير دائماً كل هذه المواضيع، ولا دون تاريخ الثقافة، أو العلم، أو الفلسفة، أو الفن؛ ولكن كتابه كان مجموعة تناولا جزيئاً لتاريخ الحضارة من أقدم العصور حتى زمانه. والأجزاء التي عالجت تاريخ المشرق مقدمات موجزة، أما القصة الأكمل فتبدأ بشرلمان، حيث توقف كتاب بوسويه "حديث في التاريخ العالمي" (1679). كتب فولتير يقول "أريد أن أعرف ما هي الخطوات التي انتقل بها البشر من الهمجية إلى المدينة"-وهو يعنى الانتقال من العصور الوسطى إلى الأزمنة الحديثة"(40).
وقد أثنى على بوسويه لمحاولته كتابة "تاريخ عالمي". ولكنه اعترض على تصور هذا التاريخ تاريخاً لليهود والمسيحيين، ولليونان والرومان




صفحة رقم : 12325




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


في علاقاتهم بالمسيحية على الأخص. وهاجم إهمال الأسقف بوسويه للصين والهند، وفكرته عن العرب، أنهم مجرد زنادقة همج. وأقر بالجهد الفلسفي الذي بذله سلفه في البحث عن موضوع موحد أو عملية رابطة في التاريخ، ولكنه لم يستطيع موافقته على أن التاريخ يمكن تفسيره تدبيراً تسيره العناية الإلهية، أو برؤية يد الله في كل حدث كبير. فلقد رأى التاريخ -بدلا من هذا- المسيرة البطيئة المترددة التي خطا بها الإنسان، بفضل الأسباب الطبيعية والجهد البشري، من الجهل إلى المعرفة، ومن المعجزات إلى العلم، ومن الخرافة إلى العقل. ولم يستطيع رؤية أي خطة إلهية في دوامة الأحداث. وقد جعل من الدين المنظم شخصية "الشرير" في قصته، ربما انتفاضاً على بوسويه لأنه بدا له على العموم حليفاً للظلامية، ميالاً إلى الطغيان، مثيراً للحرب. وهكذا دفع فولتير حرصه على استنكار التعصب والاضطهاد إلى الغلو في تحميل قصته من جانب، غلو بوسويه في تحميلها من الجانب الآخر.
وفي منظوره العالمي الجديد الذي أتاحه له تقدم الجغرافيا بفضل تقارير الرواد، والمبعوثين الدينيين، والتجار، والرحالة، اتخذت أوربا مكاناً أكثر تواضعاً في لوحة التاريخ الواسعة. فقد أعجب فولتير بتلك "المجموعة من لمشاهدات الفلكية التي تجمعت خلال ألف وتسعمائة سنة متعاقبة في بابل، والتي نقلها الاسكندر إلى اليونان"(41) وخلص إلى أنه لا بد أن دجلة والفرات قد غنيا بحضارة راقية، لا تظفر عادة بأكثر من جملة أو جملتين في تواريخ كتاريخ بروسويه. وتأثر أكثر بعراقة الحضارة في الصين وانتشارها وتفوقها؛ ومع ذلك فإن هذه الأمة وأمة الهند، أقدم الدول الحية... اللتين اخترعتا كل الآداب والفنون تقريباً قبل أن نعرف واحداً منها، كان نصيبها الإغفال حتى يومنا هذا في تواريخنا التي نزعم أنها عالمية."(42) وقد طاب لهذا المقاتل عدو المسيحية أن يجد ويقدم للقراء الكثير من الحضارات العظيمة التي سبقت المسيحية بزمن طويل، والتي لم يكن لها أي علم بالكتاب المقدس، ومع ذلك أنجبت الفنانين، والشعراء، والحكماء، والقديسين،




صفحة رقم : 12326




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


قبل مولد المسيح بأجيال كثيرة. وقد أبهج عدو السامية المرابي، الحانق، أن يختزل كثيراً ذلك الذي قامت به يهوذا في التاريخ.
على أنه بذل بعض الجهود لينصف المسيحيين. فليس كل البابوات في صفحاته أشراراً، ولا كل الرهبان طفيليين. ولم يضن على رجل كالبابا إسكندر الثالث بكلمة طيبة، فقد "ألغى العبودية الإقطاعية... ورد حقوق الشعب، وعاقب لؤم الرؤوس المتوجة"(43). وأعجب بالشجاعة الهائلة "التي اتصف بها بوليوس الثاني، وعظمة آرائه"(44) وتعاطف مع الجهود البابوية لإقامة سلطة أخلاقية تكبح حروب الدول ومظالم الملوك. واعترف بأن أساقفة الكنيسة، بعد سقوط الدول الرومانية الغربية، كانوا أكفأ الحكام في ذلك العصر الذي كان يضم أوصاله بعدما أصابها من تفكك. ثم:
"في تلك العصور الهمجية، والناس غية في البؤس، كان من التعزيات الكبرى أن يجد المرء في الديورة ملاذاً آمناً من الظلم والطغيان(45).... ولا نكران في أن الدير كان يضم فضائل عظمى، فلم يكد يوجد دير لم يحو أفراداً جديرين بالإعجاب يشرفون الطبيعة البشرية. وقد طاب للكثيرين جداً من الكتاب أن ينبشوا عن المفاسد والرذائل التي لوثت أحياناً بيوت التقوى والصلاح هذه"(46).
ولكن فولتير، الذي تورط مع الموسوعيين المتحفزين للمعركة في حرب مع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، أكد بوجه عام على أخطاء المسيحية في التاريخ، وهون من اضطهاد روما للمسيحيين، وسبق جيبون إلى اعتبار هذا الاضطهاد أقل تكراراً من اضطهاد الكنيسة للمهرطقين. ثم سبق جيبون أيضاً إلى القول بأن الدين الجديد أضعف الدولة الرومانية. وذهب إلى أن القساوسة اغتصبوا السلطان ببث التعاليم السخيفة بين الجهال والسذج، وباستعمال قوة الطقوس المنومة لإماتة العقل وتقوية هذه الأوهام. ورمى البابوات بأنهم بسطوا نفوذهم وجمعوا الثروات باستعمال وثائق مثل "هبة قسطنطين" التي يسلم الناس عموماً الآن بأنها زائفة وصرح بأن محكمة التفتيش الإسبانية، ومذبحة الأليجنس المهرطقين، هما أحط ما وعى التاريخ من أحداث.




صفحة رقم : 12327




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


وبدت له العصور الوسطى في العلم المسيحي فاصلا مقفراً بين جوليان ورابليه، ولكنه كان من أول من اعترفوا بدين الفكر الأوربي لعلم العرب وطبهم وفلسفتهم. وأشاد بلويس التاسع مثلا أعلى للملك المسيحي، ولكنه لم ير نبلاً في شرلمان، ولا فهماً في الفلسفة المدرسة (الكلامية)، ولا عظمة في الكاتدرائيات القوطية التي أنكرها لأنها "خليط غريب من الجلافة والتخريم" ولم يكن متوقعاً من روحه المطاردة أن تقدر دور العقيدة والكهانة المسيحيتين في تشكيل الخلق والفضائل وحفظ النظام والسلام في المجتمعات، وتشجيع كل الآداب والفنون تقريباً، وإلهام الموسيقى الرائعة، وتجميل حياة الفقراء بالمراسيم والأعياد والتراتيل والأمل. ولا عجب، فلقد كان إنساناً يخوض حرباً، ولا يستطيع إنسان أن يقاتل ما لم يتعلم الكراهية. والغالب وحده هو الذي يستطيع تقدير عدوه حق قدره.
أكان مصيباً في وقائعه؟ عموماً، ولكنه ارتكب أخطاء بالطبع، وقد نشر الأبيه نونوت مجلدين بعنوان "أغلاط فولتير"، وأضاف بعضاً من أغلاطه هو(47). ولكن روبرتسن، وهو مؤرخ كبير، أعجب بدقة فولتير عموماً في هذا الميدان الشاسع(48). ولما كان فولتير يغطي هذه المواضيع الكثيرة في هذه الأقطار الكثيرة خلال قرون كثيرة، فهو لم يدع أنه تقيد بالوثائق الأصلية أو المصادر المعاصرة، ولكنه استعمل مراجعه الثانوية بتمييز ووزن حكيم للشواهد. ورسم لنفسه قاعدة هي التشكك في أي شهادة تناقص "الحسن المشترك" أو الخبرة العامة للنوع الإنساني. ولا ريب في أنه كان معترفاً في أيامنا هذه بأن غرائب عصر ما قد تقبل في العصر الذي يليه على أنها أمور عادية، ولكنه وضع هذا المبدأ الهادئ، وهو "أن عدم التصديق هو الأساس لكل أنواع المعرفة"(49). وهكذا سبق بارتولد نيبور في رفضه الفصول الأولى لليفي لأنها من قبيل الأساطير، وسخر من قصة رومولوس، وريموس، والذئبة التي كانت لهما الأم الرؤم، وسخف مزاعم ليفي، واتهم تاسيتوس بالمبالغات الانتقامية في وصفه لرذائل طبباريوس، وكلوديوس، ونيرون، وكاليجولا؛ وارتاب في هيرودوت وسوتنيوس لأنهما مروجان للشائعات والأقاويل، وذهب إلى أن في بلوتارخ من الولع بالنوادر ما لا يجعله موضع الثقة الكاملة، ولكنه قبل تيوسبديدس، وزينوفون،




صفحة رقم : 12328




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


ويوليبيوس، مؤرخين جديرين بالثقة. وتشكك في الأخبار التي كتبها الرهبان، ولكنه أثنى على دوكانج ونللمون "المدقق" ومابيون "العميق" ورفض أن يواصل التقليد القديم، تقليد الخطب الخيالية، أو التقليد الحديث، تقليد "اللوحات"التاريخية. وأنزل مكان الفرد في المجرى العام للأفكار والأحداث، وكان الأبطال الوحيدون الذين عبدهم هم أبطال العقل.
وقد ألمع فولتير في "المقال" وفي غيره إلى فلسفته في التاريخ دون أن يصوغها. وكتب "فلسفة للتاريخ" وقدم بها لطبعة من "المقال" في 1765. وكان ينفر من "مذاهب" الفكر، ومن كل المحاولات لاختزال الكون في صيغة أو قانون، ويعرف أن الحقائق أقسمت أن تكون خصماً أبدياً للتعليمات. ولعله أحس أن أي فلسفة للتاريخ ينبغي أن تلي سرد الأحداث وتنبع منه، لا أن تسبقه وتقرره. على أن استنتاجات عريضة انبعثت من روايته للتاريخ: فالحضارة سبقت "آدم" و"الخليقة" بآلاف السنين؛ والطبقة البشرية في جوهرها واحد في كل زمان ومكان، ولكن شتى العادات والتقاليد عدلتها تعديلا منوعاً، وأن المناخ والحكومة، والذين، هي العوامل الأساسية التي تقرر هذه الاختلافات، وأن دولة العادات والتقاليد أوسع كثيراً من دولة الطبيعة"(50) والاتفاق والمصادفة (في نطاق السلطات الشامل للقوانين لطبيعة (يلعبان دوراً هاماً في توليد الأحداث، والتاريخ لا تصنعه عبقرية الأفراد بقدر ما تصنعه الأفعال الغريزية التي تؤثر بها الجماهير البشرية في بيئتها؛ وهكذا تنتج، جزءاً فجزءاً، العادات، والأخلاق، والاقتصاديات، والقوانين، والعلوم، والفنون والآداب التي تصغ حضارة وتبعث روح العصر."إن هدفي الرئيسي هو دائماً ملاحظة روح العصر، لأنه هو الذي يوجه أحداث العالم الكبرى"(51).
والتاريخ في جملته، كما فولتير في "تلخيصه"، قصة مرة محزنة (كما يكتب عموماً).
"لقد اجتزت الآن المشهد الضخم للثورات التي عرفها العالم منذ عهد شارلمان؛ فإلام كان اتجاهها؟ إلى الخراب، وخسارة ملايين الأنفس! فكل حدث كبير كان نكبة كبرى. ولم يحفظ لنا التاريخ وصفاً لعصور السلم




صفحة رقم : 12329




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


والطمأنينة؛ فهو لا يروي غير الغارات المدمرة والكوارث... والتاريخ كله بإجاز، ليس إلا سلسلة طويلة من أعمال القسوة العقيمة... مجموعة من الجرائم، والحماقات، والنكبات، التقينا وسطها بين الحين والحين ببعض الفضائل، وبعض الأوقات السعيدة، أننا حين نرى أحياناً أكواخاً مبعثرة في صحراء مقفرة... وبما أن الطبيعة ألقت في قلب الإنسان الأنانية والكبرياء وجميع الأهواء، فلا عجب إذن... أن نلتقي بسلسلة من الجرائم والكوارث لا تكاد تنقطع"(52).
وهذه صورة مقبضة جداً وكأن صاحبها رسمها فيما بين أيامه النكدة في برلين، أو وسط ضروب الإهانة والقهر التي لقيها فرنكفورت. ولعل الصورة كانت تصبح أكثر إشراقاً لو أن فولتير أنفق صفحات أكثر على رواية تاريخ الأدب، والعلم، والفلسفة، والفن. أما والصورة قائمة إلى هذا الحد، فـإنا نتساءل: ما باله قد جشم نفسه كل هذه المشقة ليرسمها بهذا الإسهاب الشديد؟ ولعله كان يجيب: لكي يصدم القارئ حتى يتنبه ضميره وفكره، ويهز الحكومات حتى تعيد صياغة التعليم والتشريع لتكون ناساً أفضل. صحيح أننا لا نستطيع أن نغير الطبيعة البشرية، ولكنا نستطيع أن نعدل تصرفاتها بتقاليد وعادات أصح وشرائع أحكم. وإذا كانت الأفكار قد غيرت العالم، فلم لا تصنع الأفكار الأفضل عالماً أفضل؟ وهكذا خفف فولتير في النهاية من تشاؤمه بالأمل في نشر التعقل عاملا صابراً من عوامل النهوض بالبشر.
وسرعان ما نقد الناقدون ما في "مقال الأعراف"؛ من عيوب.فلم يقتصر الأمر على نونوت، بل إن لارشير، وجينيه، وكثيرين غيرهم نددوا بأخطاء الحقائق التي وردت فيه، ولم يعسر على اليسوعيين كشف التحامل لذي شوهه. واتفق معهم مونتسكيو في الناحية فقال "إن فولتير يشبه الرهبان الذين لا يكتبون من أجل الموضوع الذي يعالجونه، بل لمجد طائفتهم؛ إنه يكتب من أجل ديره."(53) ورد فولتير على نقاده بأنه أكد على أخطاء المسيحية لأن غيره ما زالوا يدافعون عنها؛ ثم استشهد




صفحة رقم : 12330




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


بأقوال مؤلفين معاصرين امتدحوا الحروب التي شنت على الالبيجنس، وإعدام هس، بل مذبحة القديس برتلميو، فالعالم يحتاج ولا ريب إلى التاريخ يدمغ هذه الأفعال بالإجرام ضد الإنسانية والفضيلة(54). -وربما أخطأ فولتير في فهم وظيفة المؤرخ رغم كل فكرته المنيرة عن الكيفية التي ينبغي أن يكتب بها التاريخ، فلقد جلس في مجلس القضاء يحاكم كل شخص وكل حادث، ويصدر الأحكام كأنه "لجنة أمن عام" التزمت بحماية الثورة الفكرية ودفعها قدماً. وقد حكم الناس لا بلغة زمانهم الفاسد ومعرفتهم المحدودة، بل في ضؤ المعرفة الأوسع التي توافرت منذ أن ماتوا. وقد ألف فولتير "المقال" في أوقات متفرقة على مدى عشرين عاماً، وسط الكثير من المغامرات والشدائد التي شتتت انتباهه، لذلك افتقر هذا الكتاب إلى اتصال الرواية ووحدة الشكل، ولم يدمج أجزاءه تماماً في كل متماسك.
ولكن محاسن الكتاب لا تحصى. فرقعة معرفته هائلة، وهي شهادة ما بذله فيه مؤلفه من البحث الجاد المثابر. وأسلوبه المشرق، الذي أثقلته الفلسفة وخففته الفكاهة، رفعه إلى مرتبة دونها مرتبة أكثر كتب التاريخ فيما بين كاسيتوس وجيبون. وقد لطفت روحه الهامة من تحيزه، وما زال الكتاب ينبض بمحبة الحرية، والتسامح، والعدالة، والعقل. في هذا أيضاً أصبحت كتابة التاريخ فناً، بعد الكثير جداً من كتب الأخبار التي اتسمت بالغفلة وافتقرت إلى الحياة. وفي جيل واحد أحال ثلاثة كتب تاريخ أخر أحداث الماضي أدباً وفلسفة: "تاريخ إنجلترا" لهيوم، و"تاريخ حكم الإمبراطور شارل الخامس" لروبرتسن، و "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" لجيبون-وكلها مدينة لروح فولتير، ومن بعض الوجوه للمثال الذي ضربه. وقد نوه ميشليه بالكتاب فقال في عرفان بالجميل أنه."التاريخ" الذي صنع فن كتابة التاريخ كله، والذي أنجبنا كلنا، نقاداً ورواة على السواء(55). وليت شعري ما الذي نفعله نحن هنا إلا السير على درب فولتير؟
عندما وضعت حرب السنين السبع فرنسا في صف أعداء فردريك، انبعث حب فولتير الكامل لوطنه من جديد، ربما ممزوجاً بذكريات قديمة




صفحة رقم : 12331




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> سويسرة وفولتير -> التاريخ الجديد


فرانكفورت وارتياب جديد في جنيف. فبعد دالامبير، وتراجع أكليروس جنيف عن الآراء الجريئة التي ربطهم بها المقال، أحس فولتير بأن الخطر عليه في سويسرا لا يقل عنه في فرنسا. فمتى يستطيع العودة إلى وطنه؟
وحالفه الحظ هذه المرة. ذلك أن الدوق دشوازيل الذي أمتعته قراءة كتب هذا الطريد المنفي عن بلده تقلد وزارة الخارجية في 1758، وبلغت مدام دبومبادور ذروة نفوذها رغم اضمحلال جسدها، وكانت قد عفت عن حماقات فولتير؛ واستطاعت الحكومة الفرنسية الآن، والملك يلهو وسط حريمه، أن تغض عن عودة الزنديق الرهيب إلى فرنسا. ففي أكتوبر 1758، انتقل ثلاث أميال ونصفاً خارج سويسرة، وأصبح سيد فيرنيه. وكان في الرابعة والستين، لم يزل قريباً من الموت كما قال من قبل، ولكنه اختصم أقوى دوله في أوربا في أخطر صراعات القرن.




صفحة رقم : 12332




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية



الكتاب الرابع




تقدم العلم




1751-79




الفصل الخامس عشر




الأدباء




1- البيئة الفكرية


تعطل نمو المعرفة نتيجة للجمود، والخرافة، والاضطهاد، والرقابة، وهيمنة الكنيسة على التعليم. حقيقة أن هذه المعوقات ضعفت عن ذي قبل، ولكنها ظلت أقوى كثيراً منها في حضارة صناعية يضطر فيها الناس، بسبب تنافس الأفراد، والجماعات، والأمم، إلى البحث عن أفكار وأساليب جديدة، عن وسائط جديدة لغايات قديمة. وكان أكثر الناس في القرن الثامن عشر يتحركون في بيئة بطيئة التغيّر، تكفي الاستجابات والأفكار التقليدية عادة لسد حاجات الحياة فيها. فإذا لم تسمح المواقف والأحداث الجديدة بالتفسيرات الطبيعية دون عناء، عزتها عقول العوام لأسباب خارقة ثم أخلدت إلى الراحة.
وبقيت مئات الخرافات جنباً إلى جنب مع الاستنارة المطردة. مثال ذلك أن نساء الطبقة العليا كن يرتعن إذا كانت طوالعهن نحوساً؟، أو يؤمن بأن في الإمكان إحياء طفل غريق إذا أضاءت امرأة فقيرة شمعة وعومتها في فنجان لتشعل النار في كوبري على السين. وقد وعدت أميرة كونتي الأبيه لورو بجاشية فخمة إذا عثر لها على حجر القلاسفة. واحتفظت جولي دلبسيناس بإيمانها بالأيام السعيدة والمشئومة رغم أنها عاشرت العالم الشاك دالامبير عدة سنين.




صفحة رقم : 12333




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وكان قارئوا البخت يعيشون على صيت شفافيتهم؛ من ذلك أن مدام دبومبادور، والابيه دبيرنيس، والدوق دشوازيل كانوا يستشيرون خفية مدام بونتان، التي تقرأ لهم البخت في تفل القهوة(1). ويقول مونتسكيو أن باريس تعج بالسحرة وغيرهم من الدجالين الذين يكفلون للناس التوفيق في دنياهم أو التمتع بشباب دائم. وقد أقنع الكونت سان جرمان لويس الخامس عشر أن في الإمكان إصلاح ماليات فرنسا التي فسدت بوسائل خفية لصنع الماس والذهب(2) وكان الدوق دريشليو يتسلى بالسحر والشعوذة-مستعيناً بالشيطان. أما أمير انهالت دساو العجوز، الذي كسب معارك كثيرة لبروسيا، وكفر بالله، فكان إذا التقى بثلاث عجائز في طريقة إلى الصيد قفل إلى بيته، لأن "اليوم نحس"(3). وكان آلاف الناس يحملون التمائم أو الطلاسم اتقاء الشرور. واستعملت مئات الوصفات السحرية علاجات طبية شعبية. واعتقد الناس أن في قدرة المخلفات الدينية أن تشفي كل عليل تقريباً، وكانوا يجدون مخلفات أو ذخائر القديسين في أي مكان-فقطعه من ثوبه في ترييه، وعباءته في تورين ولاون، ومسمار من مسامير الصليب الحقيقي في دير سان-دنيس. وقد تدعمت قضية المطالبين الإستيواريين بالعرش في إنجلترا بفضل فكرة آمن بها أكثر الناس، وهي أن في استطاعتهم شفاء الداء الخنازيري بلمسة منهم - وهي قوة حرم منها الملوك الهانوفريون لأنهم "غاصبون" لم يتباركوا بحق الملوك الإلهي. وكان أكثر الفلاحين على يقين من أنهم سعوا العفاريت أو الجنيات في الغابات. ومع أن الاعتقاد بوجود العفاريت كان في اضمحلال، فإن دوم أوجستن كالميه، البندكتي المثقف، كتب تاريخاً لمصاصي الدماء Vampires- وهي جثث تترك قبورها في الليل لتمتص دم الأحياء؛ وقد نشر هذا الكتاب بموافقة السوربون(4).
واختفت في هذا القرن شر الخرافات قاطبة، وهي الإيمان بالسحر، اللهم إلا بعض بقاياه المحلية. ففي 1736 اتخذ "أحبار الكنائس المسيحية المتحدة" الاسكتلندية قراراً يؤكد من جديد إيمانهم بالسحر(5)، وفي 1765 (وهو تاريخ متأخر) كتب أشهر الفقهاء الإنجليز، السر وليم




صفحة رقم : 12334




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


بلاكستون في "تعليقاته" يقول: "إن إنكار إمكان السحر والمعرفة، لا بل وجودهما الفعلي، إنما هو تكذيب صريح لكلمة الله، فالشيء وذاته حقيقة شهدتها كل أمة في العالم بدورها". ولكن القانون الإنجليزي الذي جعل من السحر جناية كبرى ألغى في 1736 رغم بلاكستون والكتاب المقدس. ولم يرد ذكر لأي حكم بالإعدام عقاباً على تهمة السحر لا في فرنسا بعد 1718، ولا في إسكتلندة بعد 1722؛ وحكم الإعدام الذي نفذ في سويسرا عام 1782 هو آخر ما ورد من أحكام إعدام في القارة الأوربية(6). وكان لازدياد الثروة، وتكاثر المدن، وانتشار التعليم، وتجارب العلماء، ونداءات الأدباء والفلاسفة - كان لهذا أثره في الحد شيئاً فشيئاً من دور الشياطين والعفاريت في حياة الناس وتفكيرهم، ورفض القضاة الاستماع إلى تهم العرافة، متحدين في ذلك التعصب الجماهيري. وبدأت أوربا تنسى أنها ضحت بمائة ألف رجل، وامرأة، وفتاة، على مذبح خرافة واحدة فقط من خرافاتها الكثيرة(7).
وظل اضطهاد الكنيسة والدولة، والكاثوليك والبروتستنت، للمنشقين والخوارج يرهب الناس بأهواله ليحجب عن عقولهم أي أفكار قد تمس لمعتقدات الراسخة أو تزعج السلطات المقررة. وقد زعمت الكنيسة الكاثوليكية أن مؤسسها هو ابن الله، فهي إذن مستودع الحق الإلهي، والمفسر لشرعي الوحيد له، ولها إذن حق قمع الهرطقة. وقد انتهت إلى أنه لا خلاص لإنسان من الهلاك الأبدي خارج الكنيسة. ألم يقل المسيح "من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن"؟(8) ومن ثم فإن مجمع اللاتران المسكوني الرابع، المنعقد في 1215، جعل النص الآتي جزءاً من العقيدة النهائية التي يلزم بها كل كاثوليكي "هناك كنيسة جامعة واحدة للمؤمنين، لا خلاص خارجها لأحد على الإطلاق"




صفحة رقم : 12335




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وقد قبل لويس الخامس عشر هذه العقيدة باعتبارها منطقياً مستقاة من نصوص الكتاب المقدس، نافعة في تشكيل عقل قومي موحد. وفي 1732 كانت ممارسة العبادة البروتستنتية علانية في فرنسا محرمة، وإلا كان التعذيب، أو التشغيل في مراكب الأسرى، أو الموت، عقاباً للمخالفين(9). على أن الأهالي الكاثوليك كانوا أكثر تسامحاً من قادتهم، فأنكروا هذه العقوبات الوحشية، واشتد التراخي في تطبيق المرسوم حتى جرؤ هيجونوت فرنسا في 1744 على عقد مجمع قومي لهم على أن السوربون، كلية اللاهوت في جامعة باريس، أكدت من جديد في 1767 الدعوى القديمة، "أن الملك تلقى السيف الزمني ليقمع به مذاهب المادية، والإلحاد، والربوبية، تمزق روابط المجتمع وتحرض على لجريمة؛ وليسحق أيضاً كل تعليم يهدد بزعزعة أسس الإيمان الكاثوليكي."(10) وقد طبقت هذه السياسة بصرامة في أسبانيا والبرتغال؛ وفي إيطاليا طبقت تطبيقاً أكثر ليناً، وفي روسيا اشترطت الكنيسة الأرثوذكسية إجماعاً مماثلا.
ووافق الكثير من الدول البروتستنتية الكاثوليك على ضرورة الاضطهاد. ففي الدنمرك والسويد طالبت القوانين بالتزام المذهب اللوثري، ولكن غير اللوثريين من البروتستنت، بل الكاثوليك أيضاً، كانوا من الناحية العلمية في مأمن من الاضطهاد، وإن ظلوا محرومين من حق شغل مناصب الدولة. وفي سويسرا كانت كل مقاطعة حرة في اختيار مذهبها وفرضه على أهلها. وفي ألمانيا كانت القاعدة التي تقضي بأن يتبع الناس دين أميرهم تغفل باطراد.




صفحة رقم : 12336




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


وفي الأقاليم المتحدة رفض رجال الدين البروتستنت التسامح باعتباره محرضاً على اللامبالاة الدينية، ولكن العلمانيين رفضوا الاقتداء برجال الدين في هذا الأمر، فأصبحت هولندا بفضل تحريرها النسبي من الاضطهاد ملاذاً للأفكار والمطبوعات غير التقليدية. وفي إنجلترا سمحت القوانين بالانشقاق الديني، ولكنها تعقبت المنشقين بالقيود الاجتماعية والسياسية. وقد صرح صموئيل جونسن في 1763 بأن "التعليم الباطل ينبغي قمعه بمجرد ظهوره؛ وينبغي أن تتكالف السلطة المدنية مع الكنيسة في عقاب من يجرؤن على مهاجمة الدين المقرر"(11). وأحرقت الحكومة الإنجليزية ين الحين والحين الكتب، أو وضعت في المشهرة مؤلفيها الذين تشككوا في أسس الإيمان المسيحي؛ مثال ذلك أن وولستن غرم وحبس في 1730، وفي 1762 حكم على بيتر آرنت بوضعه في المشهرة، ثم بالسجن سنة مع الأشغال الشاقة، بسبب تهجمه على المسيحية. وكانت القوانين التي شرعت ضد الكاثوليك تطبق في إنجلترا تطبيقاً غير دقيق، ولكنها نفذت بصرامة في إيرلندة، إلى أن رفض اللورد تشسترفيلد تطبيقها حين تولى حكم الإقليم في 1745؛ وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ألغي بعض اللوائح الصارمة. ويمكن القول بصفة عامة أن نظرية الاضطهاد كان يؤمن بها رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت حتى سنة 1789، إلا حيث كان الكاثوليك أو البروتستنت أقلية، ولكن ممارسة الاضطهاد تضاءلت بظهور رأى عام جديد مع تطور الارتياب الديني. وانتقلت غريزة الاضطهاد من الدين إلى السياسة بحلول الدولة محل الكنيسة حارساً على الإجماع والنظام وهدفاً للانشقاق المبتدع.
أما الرقابة على الكلام والمطبوعات فكانت في الدول البروتستنتية بصفة عامة منها في الدول الكاثوليكية، وكانت أهون ما تكون في هولندا وإنجلترا. وكانت صارمة في أكثر المقاطعات السويسرية. وقد أحرق آباء المدينة في جنيف بعض الكتب الخارجة على السنة، ولكن ندر أن اتخذوا إجراء ضد مؤلفيها. وفي ألمانيا تعطلت الرقابة لتعدد الولايات التي كان لكل منها عقيدته الرسمية الخاصة؛ وكان في استطاعة الكاتب أن ينتقل عبر الحدود




صفحة رقم : 12337




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


من بيئة معادية إلى بيئة صديقة أو محايدة. وفي بروسيا ألغي فردريك الأكبر الرقابة عملياً، ولكن خلفه أعادها في 1786. أما الدنمرك فإنها احتفظت بالرقابة على الكتب حتى عام 1749 باستثناء فاصل قصير في عهد شتروينزي. وأما السويد فقد حظرت نشر المواد التي انتقدت اللوثرية أو الحكومة، وفي 1764 أصدرت جامعة أوبسالا قائمة بالكتب المحرمة؛ ولكن في 1766 قررت السويد الحرية الكاملة للمطبوعات.
كانت الرقابة في فرنسا قد اتسعت من سابقة إلى سابقة منذ عهد فرنسوا الأول، ثم جددت بمسوم صدر في 1723 ينص على "ألا يطبع ناشرون أو غيرهم، أو يعيدوا طبع، أي كتب في أي مكان في المملكة، دون الحصول سلفاً على إذن بخطابات مختومة بالخاتم الكبير". وكان هناك ستة وسبعون رقيباً سمياً في 1741، بطلب إلى الرقيب منهم قبل أن يمنح الكتاب "إذن الملك وامتيازه" أن يشهد بأن الكتاب لا يحوي شيئاً ضد الدين، أو النظام العام، أو الخلق القويم. ويجوز لبرلمان باريس أو السوربون أن يشجبا الكتاب حتى بعد نشره بإذن الطبع الملكي. وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر لم تطبق الرقابة الملكية إلا تطبيقاً هيناً، فظهرت آلاف الكتب دون إذن ودون أن يمسها سؤ، وفي كثير من الحالات لا سيما حين مالزبرب رئاسة الرقابة (1750-63) كان المؤلف يحصل على "إذن ضمني"- وهو تعهد غير رسمي بأن الكتاب المراد نشره يصرح بطبعه دون خوف من محاكمة. فإذا صدر كتاب لم تصرح الحكومة بنشره جاز أن يحرقه جلاد الدولة بينما يظل المؤلف حراً طليقاً، فإذا زج به في الباستيل لم يسجن غير سجن قصير كريم(12).
على أن هذه الحقبة من التسامح النسبي انتهت بمحاولة داميان اغتيال لويس الخامس عشر(5 يناير 1757). ففي أبريل قضي مرسوم وحشي بالموت على "جميع من يدانون بكتابة أو طبع أي مؤلفات قصد بها التهجم على الدين أو العدوان على السلطة الملكية أو تكدير نظام المملكة وهدوئها". وفي 1764 حرم مرسوم آخر نشر الكتب التي تتناول مالية الدولة. وأخضعت الكتب، والنشرات، وحتى مقدمات المسرحيات، لأكثر ضروب الفحص




صفحة رقم : 12338




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


والإشراف تفصيلاً. وفرضت أحكام تتفاوت بين الوضع في المشهرة والجلد، وبين التشغيل تسع سنين في سفن الأسرى والعبيد عقاباً على شراء أو بيع نسخ من قصيدة فولتير "لابوسيل" أو "قاموسه الفلسفي". وفي 1762 كتب دالامبير إلى فولتير يقول: "إنك لا تتصور مبلغ الهياج الذي بلغته محكمة التفتيش (في فرنسا). فإن مفتشي الفكر... يحذفون من جميع الكتب ألفاظاً مثل "الخرافة" و"التسامح" و "الاضطهاد"(13). واشتدت الكراهية في طرفي الصراع بين الدين والفلسفة؛ وما بدأ حملة على الخرافة تصاعد حتى أصبح حرباً على المسيحية. وقد نشبت الثورة في فرنسا، لا في إنجلترا القرن الثامن عشر، من بعض الوجوه لأن رقابة الدولة أو الكنيسة، التي كانت معتدلة في إنجلترا، اشتدت في فرنسا إلى حد استحال معه على العقل الحبيس أن ينطلق إلا بتحطيم أغلاله تحطيما عنيفاً.
واحتج "الفلاسفة" (وهو اصطلاح يراد به الفلاسفة الفرنسيون الذين شاركوا في الهجوم على المسيحية) على الرقابة لأنها تحكم على الفكر الفرنسي بالعقم. ولكنهم هم أنفسهم كانوا أحياناً يطلبون إلى الرقيب أن يكبح جماح خصومهم. مثال ذلك أن دالامبير رجا مالزيرب أن يصادر مجلة فريرون المسماة "عدو الفيلسوف"، و"العام الأدبي". ولكن مالزيرب أبى رغم ميله للفلاسفة(14). وطلب فولتير إلى الملكة أن تحظر تمثيل تقليد ساخر لمسرحيته "سميراميس"، فلم تشأ حظرها، ولكن بومبادور حظرتها(15).
واحتال الفلاسفة أثناء ذلك بشتى الطرق لتفادي الرقابة فأرسلوا مخطوطاتهم إلى الناشرين الأجانب، عادة إلى أمستردام، أو لاهاي، أو جنيف؛ ومن هناك كانت كتبهم بالفرنسية تستورد بالجملة إلى فرنسا، فتصل كل يوم تقريباً بالمراكب إلى بوردو أو غيرها من الموانئ على الساحل أو الحدود الفرنسية. وكان الباعة يطوفون بها من شاع إلى شارع، ومن بلد إلى بلد، متخفية وراء عناوين بريئة. وسمح بعض النبلاء الذين لم يكونوا شديدي الإخلاص للحكومة الممركزة ببيع هذه الكتب في أرضهم(16). ونجت رسائل فولتير، التي وحدت الحملة الفلسفية من كثير من الرقابة لأن صديقه داميلافيل شغل حيناً منصباً في إدارة المالية، فاستطاع أن يصدق بختم الرقيب العام على رسائل فولتير وشركائه وطرودهم(17). وقرأ




صفحة رقم : 12339




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


الكثير من موظفي الحكومة، وبعض رجال الدين، بلذة تلك الكتب التي شجبتها الحكومة أو الأكليروس. وندر أن وضع مؤلفو الكتب الفرنسيون المنشورة خارج فرنسا أسماءهم على الغلاف، فإذا اتهموا بتأليفها كذبوا بضمير جرئ، وكان هذا جزءاً من اللعبة باركته قوانين الحرب. ولم يكتف فولتير بإنكار تأليف العديد من كتبه، به أنه أحياناً نسب تأليفها إلى الموتى. وضلل الرقيب بنشره مقالات ينقد فيها كتبه أو يندد بها. واشتملت اللعبة على حيل في الصياغة أو التعبير أعانت على تشكيل ما في النثر الفرنسي من رقة ورهافة في تورياته، وحواراته، ورمزياته، وقصصه، ومفارقاته، ومبالغاته الشفافة، وفي ما يتسم به في مجموعة من ذكاء وظرف بلغا مبلغاً لم يضارعه فيها أدب قط. وقد عرف الأبيه جالياني البلاغة بأنها فن قول الشيء دون أن يزج بقائله في الباستيل.
وثمة عقبة أخرى في طريق التفكير الحر لم تفقها غير عقبة الرقابة، وهي هيمنة رجال الدين على التعليم. فقد كان القساوسة المحليون في فرنسا يعلمون أو يشرفون على التعليم في مدارس الأبرشيات. وكان التعليم الثانوي في قبضة اليسوعيين معلمين للغات والآداب الكلاسيكية، ولكنهم كانوا أقل عوناً في ميدان العلوم. وقد شحذ التعليم اليسوعي أذهان عدد كبير من "الفلاسفة". وكانت جامعة باريس تخضع لقساوسة أشد محافظة من اليسوعيين أما جامعة أورليان المشهورة بالقنون، وجامعة مونبليه المشهورة بالطب، فكانتا علمانيتين نسيباً. ومما له دلالة أنه لا مونتسكيو، ولا فولتير، ولا ديدورو، ولا موييرتوي، ولاهلفيتيوس، ولا بوفون، درسوا في جامعة فقد ازدهر العقل الفرنسي المناضل للتحرر من سلطان اللاهوتيين، لا في الجامعات، بل في الأكاديميات والصالونات.
وكانت الأكاديميات العلمية قد ظهرت في هذا القرن في برلين (1701) وأوبسالا (1710) وسانت بطرسبورج (1724) وكوبنهاجن (1743). وفي 1739 ألف لينيوس وخمسة أدباء سويديين آخرين "الكوليجيوم كوريوزم"، وفي 1741 تأسست من هذه الهيئة أكاديمية "كونجليجا زفنسكا فيتنسكابس"، التي أصبحت الأكاديمية الملكية السويدية. وكان في فرنسا




صفحة رقم : 12340




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


أكاديميات أقليمية في أورليان، وبوردو، وتولوز، وأوجزير، ومتز، وبيزانسون، وديجون، ولبون، وكان، وروان، ومونتوبان، وأنجير، ونانسي، وأكس-أن-بروفانس. وتجنبت الأكاديميات الهرطقة، ولكنها شجعت العلم والتجربة، وتسامحت في النقاش وشجعته، ومسابقات الجوائز التي قدمتها أكاديمية ديجون في 1749و1754 هي التي أطلقت روسو على الدرب إلى الثورة الفرنسية. وفي باريس أيقظ انتخاب دوكلو (1746) ودالامبير (1754) أكاديمية الخالدين المحتضرين الفرنسية من غفواتها الدجماطيقية؛ وكان ارتقاء دوكلو إلى منصب استراتيجي في الأكاديمية، هو منصب "السكرتير الدائم" (1755) إيذاناً بسيطرة الفلاسفة على الأكاديمية.
وأضافت المجلات العلمية مزيداً من الحفز للحركة الفكرية. وكان من خيرة هذه المجلات "مذكرات للانتفاع بها في تاريخ العلوم والفنون الجميلة" التي رأس تحريرها اليسوعيون من 1701 إلى 1762، وتعرف بمجلة "تريفو" نسبة إلى دار النشر في تريفو، قرب ليون، وكانت أكثر المطبوعات الدينية تفقهاً وتحرراً. وكان في باريس وحدها ثلاث وسبعون مجلة وعلى رأسها "المركيز دفرانس" و"مجلة العلماء". ورأس اثنان من أقوى خصوم فولتير وأشدهم لدوداً تحرير مجلتين واسعتي النفوذ: فأسس ديفونتين "أخبار الأدب" في 1721، ونشر فريرون "العام الأدبي" من 1754 إلى 1774. ونسجت ألمانيا على هذا المنوال، فأصدرت "رسائل في الأدب الجديد" التي كان ليسنج وموسى مندلسون من بين من زودوها بمقالاتهم الكثيرة. وفي إيطاليا تناولت "مجلة الأدباء" المواضيع العلمية والأدبية والفنية، أما مجلة "كافية" فكانت صحيفة رأى على طريقة "الاسبكتاتور الإنجليزية" وفي السويد جعل أولوف فون دالين من صحيفة "سفنسكا آرجوس" رسولاً للتنوير. ولما كانت كل هذه الدوريات تقريباً اللغات القومية ولا تخضع لإشراف كنسي، فقد كانت بمثابة خميرة طالعة في حركة عصرها المضطربة.




صفحة رقم : 12341




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


ومن سمات القرن الثامن عشر، كما أنه من سمات الحاضر، ذلك التشوف المنتشر إلى المعرفة - وهو بالضبط تلك الشهوة الفكرية التي أنكرتها العصور الوسطى باعتبارها خطيئة الغرور الأحمق. وقد استجاب الكتاب بحماسة ليجعلوا أوسع منالا وفهماً. فكثرت "الخلاصات"، وحاولت كتب مثل "الرياضة الميسرة" و"آراء بيل الأساسية" و "عقل مونتيني" و"عقل فونتيل" أن تضع العلم، والأدب، والفلسفة في متناول جميع الناس، وازداد باطراد عدد الأساتذة الذين يحاضرون باللغات الوطنية، ووصلت بذلك محاضراتهم إلى جماهير لا قبل لها بتعليم اللاتينية. وأخذت المكتبات والمتاحف تتسع وتفتح كنوزها للطلاب. ففي 1753 أوصى السير هانز سلون للأمة البريطانية بمجموعة البالغة خمسين ألف كتاب، وعدة آلاف من المخطوطات، وعدداً كبيراً من الصور، والعملات، والتحف الأثرية. وقرر البرلمان تعويض ورثته بعشرين ألف جنيه، وأصبحت المجموعة نواة للمتحف البريطاني، وأضيف إليها مجموعتا مخطوطات هارلي وكوطن، والمكتبات التي جمعها إنجلترا؛ وفي 1759 فتح المتحف العظيم للجمهور. وكان يقتني في 1928 نحو 3.200.000 مجلد مطبوع و 56.000 مخطوط، تملأ أرففه البالغ طولها خمسة وخمسين ميلاً.
وأخيراً ظهرت الموسوعات لتجمع، وترتب، وتوصل للقراء ذخائر العلم الجديد لكل قادر على القراءة والتفكير. وقد عرفت العصور الوسطى موسوعات كتلك التي وضعها ايزيدور أسقف إشبيلية (حولي 600-626)، وفانسان البوفي (حوالي 1190-1264)؛ وفي القرن السابع عشر كان هناك موسوعة يوهان هنريش آلستيد (1630) و "القاموس التاريخي الكبير" لمورتيري (1674). وكان "القاموس النقدي" لبيل (1697) أقرب إلى تجميع لحقائق مقلقة، ونظريات موحية، منه إلى الموسوعة، ولكن تأثيره على فكر أوربا المثقفة فاق تأثير أي مؤلف مماثل آخر قبل ديدور. وفي لندن نشر أفرايم تشيمبرز عام 1728، في مجلدين "موسوعة أو قاموساً عاماً للآداب والعلوم". وقد أسقط منه التاريخ، والتراجم، والجغرفيا، ولكنه بفضل نظام الإحالات أو الاسنادات




صفحة رقم : 12342




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> البيئة الفكرية


الترافقية الذي ابتكره، وبغير ذلك من الوسائل، فتح الطريق الذي سلكته "موسوعة" ديدرو ودالامبير الخطيرة (1751 وما بعدها). وفي 1771 ظهرت في ثلاثة مجلدات الطبعة الأولى من "الموسوعة البريطانية"، أو قاموس الآداب والعلوم- من وضع بعض السادة في اسكتلندة، ومطبوعة في أدنبرة وبلغت طبعة ثانية منها (1778) عشرة مجلدات، وتقدمت على سابقتها باحتوائها التاريخ والتراجم. وهكذا اطرد نموها من طبعة لأخرى خلال مائتي عام. وما أكثر الذين تزودوا منا من هذا المحصول، وسطوا على تلك الذخيرة، غير مرة كل يوم".
وما وافى عام 1789 حتى كانت الطبقات الوسطى في أوربا الغربية لا تقل ثقافة عن طبقتي الأشراف والأكليروس. لقد شقت الطباعة طريقها، تلك كانت الثورة الأساسية رغم كل ما يقال.




صفحة رقم : 12343




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية



2- إلهام الدراسات الكلاسيكية


كانت الدراسات الكلاسيكية تهبط في رفق من مكان القمة الذي تربعت عليه أيام جوليوس وجوزف سكاليجر، وكازوبون، وسالماسيوس، وبنتلي؛ ولكن نيكولا فريري واصل ما نهجوا عليه من تفان جدير بالعلماء، وما حققوه من نتائج بعيدة المدى. فقد قبل عضواً في الأكاديمية) الفرنسية الملكية للمأثورات والآداب البحتة وهو في السادسة والعشرين، وقرأ لها في ذلك العام (1714) بحثاً "في أصل الفرنجة" قلب الأسطورة الفخور التي زعمت أن الفرنجة رجال "أحرار" قدموا من اليونان أو طروادة، فقال إن الأصح أنهم كانوا همجاً من ألمان الجنوبيين. وأبلغ عنه الأبية فرتو الحكومة لأنه قذف في الملكية. فزج بالعالم الشاب في الباستيل فترة قصيرة، وبعدها قصر أبحاثه على بلاد غير فرنسا. ورسم 1,375 خريطة توضح الجغرافيا القديمة. وجمع البيانات المثيرة عن تاريخ العلوم والآداب الكلاسيكية، وعن أصول الأساطير اليونانية. وقد صححت مجلداته الثمانية عن التأريخ القديم (الكرونولوجيا) كتاب جوزف يوسطس سكاليجر الخطير، وأرسى التاريخ الصيني على أسس مقبولة في يومنا هذا، فكان هذا




صفحة رقم : 12344




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


واحداً من مئات الوخزات العلمية التي أحدثت تقوياً في مفهوم الكتاب المقدس للتاريخ:
ووجهت ضربة مماثلة للخرافات الكلاسيكية حين قرأ بوبي على الأكاديمية (1722) بحثاً يتشكك في رواية ليفي للتاريخ الروماني القديم. وكان لورنتسو فاللا قد ألمع إلى هذه الشكوك عن هذه النقطة حوالي عام 1440، وقد طورها فيكو عام 1721، ولكن بحث بوبي المستفيض سخف بشكل قاطع قصص رومولوس وريموس، والهوراشين، والكورياتيين، باعتبارها مجرد أساطير؛ ومهد الطريق لعمل بارتولد نيبور في القرن التاسع عشر. ولا تدخل الكتب التالية تماماً في النطاق الزمني لهذا الفصل، مع انتمائها إلى القرن الثامن عشر، وهي كتاب "ملاحظات تمهيدية عن هومر" (1795) الذي فكك فيه فريدرش فولف الشاعر هومر إلى مدرسة وأسرة كاملة من المنشدين؛ وطبعات رتشارد بورسن المدققة لأسخيلوس ويوربيديس، وكتاب يوزف ايكيل "نظرية المسكوكات" (1792-98) الذي أسس علم المسكوكات والمعادن.
ولم يشعر عالم الدراسات الكلاسكية ثانية بنشوة إلهام كذلك الإلهام الذي جاءه من إنساني النهضة، إلا حين اكتشفت مدينة هركولانيوم. ففي 1738 كان عمال يضعون أساس بيت للصيد يبني لشارل الرابع ملك نابلي، فكشفوا بطريق الصدفة عن أطلال هركولانيوم، وفي 1748 أظهر فحص مبدئي بعض الأبنية المذهلة لمدينة يومبي التي طمرها هي أيضاً ثوران فيزوف في 79 م. وفي 1752 استنفذت المعابد الفخمة التي بناها المستعمرون اليونان في بيستوم في غياهب القرون المظلمة. وقد رسم الحفار الكبير بيرانيزي معابد بومبي وقصورها وتماثيلها التي أخرجتها الحفائر على محفورات وجدت النسخ المنقولة عنها إقبالاً من المشترين في كل أنحاء أوربا. وأسفرت هذه الكشوف عن إحياء حار لاهتمام القوم بالفن القديم، ودافع قوى للحركة الكلاسيكية الجديدة التي تزعمها فنكلمان، وإضافة هائلة للمعرفة الجديدة بأساليب الحياة القديمة.
ويجب أن نقف هنا هنيهة للإقرار بدين العلم للرهبان الذين استخدموا




صفحة رقم : 12345




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


مكتباتهم ومجموعات مخطوطاتهم للقيام بأبحاث وتصنيف سجلات كانت معينة جداً للفكر الحديث. من ذلك أن رهبان القديس مور البندكتيين واصلوا عكوفهم القديم على الدراسات التاريخية. وأنشأ دوم برنار دمونفوكون علم الباليوغرافيا (الكتابات القديمة) بكتابه "الباليوغرافيا اليونانية"(1708)، ووضح التاريخ القديم بالفن القديم في كتابه "العلم القديم مشروحاً وممثلا بالصور" (عشرة مجلدات، 1719-24) ووجه دراساته المدققة لوطنه في خمسة مجلدات من القطع الكبير "آثار المملكة الفرنسية" (1729-33). وبدأ دوم أنطوان ريفيه دلاجرانج في 1733 التاريخ البندكتي المسمى "التاريخ الأدبي لفرنسا" الذي أصبح السلف والمعين الذي استمدت منه جميع التواريخ اللاحقة للأدب الفرنسي القديم. وكان أعظم علماء القرن الثامن عشر البندكتيين هؤلاء هو دوم أوجستن كالميه، الذي التجأ فولتير إلى ديره نصية على جميع أسفار العهدين القديم والجديد" (1707-16)، بل سطا عليه أحياناً. ورغم ما في هذه المجلدات الأربعة والعشرين من مآخذ(18) فقد امتدحها القراء باعتبارها أثراً شامخاً للتفقه في العلم. وقد ألف كالميه عدة كتب أخرى في تفسير الكتاب المقدس، وحذا حذو بوسويه في تصنيف "تاريخ للعالم" (1735)، وأنفق كل ساعات يقظته تقريباً في الدرس والصلاة. ومرة سأل فولتير في جهل سعيد "من تكون مدام دبومبادور هذه؟"(19) ورفض منصب الأسقفية، وكتب قبريته التي قال فيها باللاتينية "هنا يرقد إنسان قرأ كثيراً، وكتب كثيراً، وصلى كثيراً فلعله أحسن عملا! آمين"(20).
وشارك بعض العلمانيين الأجرياء في نقد الكتاب المقدس مثال ذلك الطبيب جان آستروك، الذي درس الأسفار الخمسة، التي افترض أن موسى كاتبها، في كتابه "استقراءات حول السجلات الأصلية التي يبدو أن موسى اقتنع بها في كتابة سفر التكوين"(1753)؛ هنا ذكر لأول مرة أن استعمال اسمين مختلفين لله، وهما يهوه وأيلوهيم، يشير إلى قصتين أصليتين للخليفة، ربط بينهما في سفر التكوين ربطاً واهياً متكرراً. وحاول آخرون من دارسي الكتاب المقدس أن يحبسوا تاريخ الخليفة من واقع




صفحة رقم : 12346




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


الأسفار الموسوية الخمسة، فخلصوا إلى مائتي نتيجة مختلفة. وأزعج المستشرقون المؤمنين المحافظين بذكرهم التأريخ المصري (الكرونولوجيا) الذي زعم أنه يرجع إلى ثلاث عشر ألف سنة، والحسابات الصينية التي قدرت الذين يعتقدون أن العالم عمر 326,669 عصرا، يحتوي كل منها على قرون كثيرة(21).
أما أجرأ وأخطر إسهام في دراسات الكتاب المقدس Biblcal Studies في القرن الثامن عشر فصاحبه أستاذا ألماني للغات الشرقية في أكاديمية هبورج، هو هرمان رايماروس. وقد ترك عند موته في 1768 مخطوطاً من أربعة آلاف صفحة عكف عليه عشرين عاماً، وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانية". ولم يجرؤ أحد على نشره إلى أن نشر وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانيين". ولم يجرؤ على نشره إلى أن نشر ليسنج (1774-78) سبع قطع مه وصفها بأنها "كسر من كتاب مجهول المؤلف وجد في فولفتبوتل" (حيث كان ليسنج أميناً للمكتبة). وهبت كل ألمانيا المثقفة تقريباً محتجة إلا فردريك الأكبر. لا بل أن يوهان زملر، العالم المتحرر، رمى ليسنج بالجنون لأنه احتضن مثل هذا النقد المدمر للمعتقدات السنية. ذلك أن رايماروس لم يكتف في الكسرة السابعة التي تناولت "هدف المسيح وتلاميذه" برفض معجزات المسيح وقيامته، بل صوره يهودياً شاباً، جاداً، لطيفاً مخدوعاً، ظل وفياً لليهودية إلى النهاية، وقبل معتقد بعض اليهود بأن العالم مشرف على الزوال، وأرسى مبادئه الأخلاقية على هذه المقدمة إعداداً للحدث. وذهب رايماروس إلى أن المسيح فسر عبارة "ملكوت السموات" بالمعنى المتعارف عليه بين قومه، وهو ملك آت لليهود المحررين من روما(22). وزعم أن صرخته اليائسة على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" كانت اعترافاً بناسوته وبهزيمته. وبهذا المعنى لم يكن مفتتح المسيحية هو المسيح بل الرسل. ويقول ألبرت شقايتسر، المفسر العلامة لكتاب رايماروس، "ربما كان كتابه أروع إنجاز في كل مسار البحث التاريخي في حياة المسيح، لأنه أول




صفحة رقم : 12347




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


من أدرك أن حياة الفكر التي تحرك المسيح كانت في صميمها أخروية (eschatatological) "- أي مبنية على نظرية نهاية وشيكة للعلم"(23).
ومن دراسة الآثار اليهودية انتقل العلماء في حذر إلى شعوب الشرق التي رفضت المسيح أو لم تسمح باسمه قط. فترجمة جالان الفرنسية لألف ليلة بورينيه "تاريخ الفلسفة الوثنية" (1724)، وكتاب بولانفلييه "حية محمد" (1730)، وترجمة سيل الإنجليزية للقرآن-هذه كلها أظهرت الإسلام، لا عالماً من الهمجية، بل ساحة لعقيدة منافسة قوية، ولنظام خلقي بدا موفقاً رغم تسامحه مع فطرة تعدد الزوجات في جنس الرجال. وفتح إبراهام هياسنت آنكتيل-دوبرون ميداناً ى خر بترجمته أسفار البرت المقدسة. وقد جذبته إليها قراءته مختارات من الزند أفستا في مكتبة بباريس، فعدل عن تحضيره للقسوسية، واعتزم أن يرتاد كتب الشرق المقدسة في أصولها. ولما كان أفقر من أن يدفع نفقات الرحلة، فقد انخرط وهو في الثالثة والعشرين (1754) في سلك الحملة الفرنسية إلى الهند. وما أن وصل إلى بوندتشيري حتى تعلم قراءة الفارسية الحديثة، وفي شاندرناجور درس السنسكريتية، وفي صورات أقنع كاهناً برتيا بأن يعلمه البهلوية والزندية. وفي 1762 عاد إلى باريس ومعه 180 مخطوطاً شرقياً عكف على ترجمتها؛ وكان خلال ذلك يعيش على الخبز والجبن والماء، ويتجنب الزواج لأنه ترف لا طاقة له به. وفي 1771 نشر ترجمته الفرنسية للزند-أفستا، وشذرات من كتب أخرى للبرت، وفي 1804 أصدر "الأوبانيشادات". وقد شارك الوعي بالديانات والنواميس الأخلاقية غير المسيحية، ببطئ، في تقويض دجماطيقية العقائد الأوربية.
وكان أبعد هذه الإلهامات العرقية أثراً إماطة المرسلين والرحالة والعلماء الأوربيين اللثام عن تاريخ الصين وفلسفتها. وكانت البداية هي عودة ماركو بولو إلى البندقية في 1295؛ وعززتها الترجمات الفرنسية والإنجليزية (1588) لكتاب الأب اليسوعي خوانذاليس دي مندوزا "تاريخ الصين" (لشبونة 1584)، وترجمة هاكلويت الإنجليزية، في كتابه




صفحة رقم : 12348




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


"رحلات" (1589-1600)، لمقال لاتيني "عن مملكة الصين" (مكاو، 1590). وظهر الأثر الجديد في مقال مونتيني" في التجربة (1591) حيث يقول "الصين، التي تفضل حكومتها وآدابها وفنونها نظائرها عندنا في كثير من مواطن التفوق، دون أي علم منها بنظمنا."(24) وفي 1615 نشر الأب اليسوعي نيكولاس تريجوت وصفه للبعثة المسيحية إلى الصين، وسرعان ما ترجم إلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية في "حجاج برتشاش"(1625). وقد امتدح تويجوت وغيره النظام الصيني الذي قضى باشتراط التعليم المتخصص المفصل لتولي المناصب العامة، وبالسماح لجميع الطبقات من السكان الذكور بالامتحان للوظائف، وبإخضاع كل الهيئات الحكومية للتفتيش الدوري. ونشر يسوعي آخر هو أثناسيوس كيرشر، العلامة المدهش المتعدد المعارف، في عام 1670، موسوعة بمعنى الكلمة اسماها "الصين المصورة" امتدح فيها الحكومة الصينية لأن على رأسها ملوكاً -فلاسفة(25).
وأثنى اليسوعيون ثناء مستطاباً على ديانة الصين وفلسفتها. فقال تريجوت إن الصينيين المتعلمين يتصورون الله روح العالم، والعالم جسده؛ وكان في وسع سبينوزا، الذي قال بمثل هذا الرأي، أن يقرأ هذه الفكرة في كتاب نشر بأمستردام في 1649، يقتنيه في مكتبته فرانز فان دن إندن، الأستاذ الذي علمه اللاتينية(26)؛ وفي 1622 نشر اليسوعيون ترجمة لاتينية لكونفوشيوس "حكمة الصين" وفي خلاصة أخرى سموها "الفيلسوف الصيني كونفوشيوس"(1687) وصفوا النظام الأخلاقي الكونفوشي بأنه "أرقى فضيلة علمت للناس، فضيلة يجوز القول بأنها منبثقة من مدرسة المسيح"(27). وقد كتب الأب اليسوعي لوي لكونت في "مذكراته عن الصين"(1696) أن الشعب الصيني "حفظ معرفة الإله الحق مدى ألفي عام" وأنه "مارس أنقى ناموس للفضيلة في الوقت الذي كانت فيه أوربا لا تزال متردية في حماة الخطيئة والفساد"(28) وقد شجبت السوربون هذا الكتاب. وفي 1697 نشر ليبنتز الحذر سياسياً، المتيقظ لكل هبة نسيم في جو الفكر، كتابه "آخر الأنباء من الصين". وقد قدم فيه أوربا على الصين في العلوم والفلسفة، ولكن:




صفحة رقم : 12349




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


"من كان يعتقد هناك شعباً يبزنا فيما يتبعه من مبادئ الحياة المدنية؟ فهذا الذي نراه في حالة الصينيين... في الخلاق والسياسة. فمحال أن نصف الجمال الذي وجهت به كل الأشياء في قوانين الصينيين لتحقيق الطمأنينة والسلام أكثر من توجيهها في قوانين الشعوب الأخرى...ويخيل إلى أن الوضع في شئوننا قد بلغ من السوء-بسبب انتشار الفساد بيننا بغير حدود-مبلغاً يكاد يكون فيه من الضروري أن يبعث إلينا مرسلون صينيون ليعلمونا فائدة الدين الطبيعي وممارسته، تماماً كما نبعث إليهم بالمرسلين ليعلموهم الدين السماوي. لذلك أعتقد أنه لو اختير حكيم ليصدر حكمه... في فوق الشعوب، لأعطى قصب السبق للشعب الصيني -اللهم إلا في تمايزنا عليه بشيء سام واحد ولكه فوق الطبيعة البشرية، وأعني به العطية إلهية التي وهبناها، وهي الدين المسيحي."(29)
وحث ليبنتز أكديمات أوربا على جمع المعلومات عن الصين، وساعد في إقناع الحكومة الفرنسية بإرسال العلماء اليسوعيين الأكفاء للانضمام إلى البعثة في الصين وتقديم التقارير الواقعية. وفي 1732 لخص جان باتيست دوهالد هذه التقارير من المعلومات في كتابه "وصف... إمبراطورية الصين"، وبعد عام ترجم الكتاب إلى الإنجليزية، فكان له في فرنسا وإنجلترا تأثير بعيد المدى. وكان دوهالد أول من أذاع شهرة الفيلسوف الصيني مينسيوس في أوربا. وما انتصف القرن الثامن عشر حتى كان كتاب بوسويه في "تاريخ العالم" قد غص من قدرة ذلك الكشف عن حضارات قديمة، واسعة، مستنيرة، كاد تاريخه "العالمي" يغفلها تماماً، وأصبح الطريق ممهداً لمنظور فولتير الأوسع عن قصة الحضارة.
وظهرت نتائج هذه المبالغات الحماسية في التقاليد والفنون والعادات والآداب والفلسفة الأوربية. ففي 1739 نشر المركيز دارجنس سلسلة من "الرسائل الصينية" بقلم صيني وهمي، انتقد فيها النظم والعادات الأوربية، وفي 1757 أضحك هوراس ولبول إنجلترا بكتابه "رسالة من الفيلسوف الصيني كسوهو"، وفي 1760 لجأ جولدسمث إلى نفس الحيلة في كتابه "مواطن العالم". وحين كان الإمبراطور جوزيف الثاني يحرث بنفسه قطعة




صفحة رقم : 12350




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


أرض كان يقلد عادة اتبعها الأباطرة الصينيون(30). وحين كانت سيدات باريس الراقيات يفتحن شماسيهن اتقاء الشمس، كن يعرضن بدعة جميلة أدخلها اليسوعيون إلى فرنسا من الصين(31)، وفي أخريات القرن الثامن عشر تطورت الشمسية pavasol إلى المطرية umbrella. وكان الخزف الصيني والاكيه الياباني قد أصبح في القرن السابع عشر مقتنيات غالية من البيوت الأوربية، واستهوى خيال الإنجليز حوالي عام 1700 ورق الجدران الصيني الذي تؤلف وحداته الصغيرة الموضوعة في مكانها الصحيح رسماً كبيراً واحداً. ودخل الأثاث الصيني البيوت الإنجليزية حوالي عام 1750. وطوال القرن الثامن عشر كان الولع بالصينيات Chinoisees وهي الأدوات الصينية الصنع أو الطراز - يميز الزخرفة الإنجليزية والفرنسية، وسرى إلى إيطاليا وألمانيا، واختلط بحلية الروكوك، واستبدت بدعته بالناس استبداداً حمل الكثير من النقاد على أن يهبوا لتحدى طغيانه. وأصبح الحرير الصيني رمزاً لعلو المكانة الاجتماعية، وانتشرت الحدائق الصينية في غرب أوربا، وأحرقت الألعاب النارية الصينية أباهم الأوربيين(32). وكانت "توراندوت" التي ألفها جوزي "فنتازيا" صينية. وظهر نيف وعشر مسرحيات بخلفية صينية على المسرح الإنجليزي، وطور فولتير مسرحيته "يتيم صيني" من دراما صينية في المجلد الثالث من كتاب دوهالد(33).
وكان التأثير الصيني في الفكر الغربي على أشده في فرنسا، حيث تلقفه أحرار الفكر سلاحاً آخر يشهرونه على المسيحية. وأبهجهم أن يجدوا أن كونفوشوس كان رجلاً حر التفكير لا يسوعياً مرحل عن وطنه. وصرحوا بأن نظام كونفوشوس الخلقي أثبت أن الناموس الخلقي الذي لا يعتمد على دين سماوي شئ ممكن عملياً(34). لاحظ بيل (1685) أن إمبراطوراً صينياً كان يمنح المرسلين الكاثوليك حرية العمل في الوقت الذي يفرض فيه لويس الرابع عشر، بعد إلغائه مرسوم نانت المتسامح الذي أصدره هنري الرابع، الامتثال لمذهب الدولة، مستعينا على ذلك بالعنف الهمجي الذي استعملته خيالاته في احتلالها بيوت الهيجونوت. وقد أخطأ بيل في تفسير عقيدة الكونفوشوسين فحسبهم ملحدين، ومن ثم استشهد بهم لدحض الحجة المستمدة من الإجماع العالمي على وجود الله(35). أما مونتسكيو




صفحة رقم : 12351




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


فلم يستسلم للمد الشرقي، ووصف الأباطرة الصينيين بأنهم حكام مستبدون، وندد بالتجار الصينيين غير الأمناء، وفضح فقر الجماهير الصينية، وتنبأ بما سيسفر عنه تكاثر السكان في الصين من عواقب وخيمة(36). وحاول كزينيه الرد على مونتسكيو في كتابه "حكم الصين الاستبدادي" (1767)، فأثنى علة هذا الحكم لأنه "استبداد مستنير" واستشهد بنماذج صينية على إصلاحات لازمة في الاقتصاد والحكم الفرنسي. أما طرجو، المرتاب في مثالية الصين، فقد كلف كاهنين كاثوليكيين صينيين في فرنسا بأن يذهبا إلى الصين ويحاول الحصول على إجابات حقيقية عن اثنين وخمسين سؤالا، وقد شجع تقديرهما على تقييم أكثر واقعية لما في الحياة الصينية من خير وشر(37).
وقد قرأ فولتير عن الصين في إفاضة وشغف. وخص لحضارة الصينية بالفصول الثلاثة الأولى في "المقالة عن العرف"، ووصف الصين في قاموسه الفلسفي بأنها "أروع ممالك الأرض، وأقدمها، وأوسعها، وأحفلها بالسكان، وأحسنها تنظيما"(38).
وقد أسهم إعجابه بالحكومة الصينية في ميله إلى الاعتقاد بأن خير أمل في الإصلاح الاجتماعي معقود على "الاستبداد المستنير"، الذي عنى به الملكية المستنيرة. وكان كالعديد من الفرنسيين، وكالفيلسوف الألماني فولف، على استعداد لسلك كونفوشيوس في زمرة القديسيين، لأنه "علم الشعب مبادئ الفضيلة قبل تأسيس المسيحية بخمسمائة سنة"(39). وذهب فولتير، وهو الذي عرف عنه أدب السلوك، إلى أن ما تحلى به الصينيون من ذوق وضبط للنفس، ومسالمة هادئة، مثال ينبغي أن يقتدي به مواطنوه السريعوا الانفعال(40)، وربما أن يقتدي به هو نفسه. فلما ترجمت إلى الفرنسية قصيدتان من نظم تشين لونج (حكم 1736-96) إمبراطور الصين في تلك الفترة، استجاب فولتير لهما شعراً. فأهداه الإمبراطور زهرية من الخزف الصيني.
وكان علم الأوربيين بالأديان والأنظمة الأجنبية عاملا قوياً في إضعاف اللاهوت المسيحي. وأفضت الأنباء الواردة من فارس، والهند، ومصر، والصين، وأمريكا، إلى سلسلة لا آخر لها من الأسئلة المربكة. فتساءل




صفحة رقم : 12352




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الأدباء -> إلهام الدراسات الكلاسيكية


مونتسكيو مثلا كيف يتأتى للمرء أن يختار الدين الحق من بين ألفي دين مختلفة(41)؟ وتساءل عشرات غيره كيف أمكن خلق العالم سنة 4004 ق.م، في حين أن الصين كان لها حضارة راقية سنة 4000 ق.م؟ ولم تحتفظ الصين بسجل أو تقليد متوارث لطوفان نوح الذي تقول التوارة- إنه أغرق الأرض كلها؟ ولم خص الله بوحيه الكتابي أمة صغيرة في غرب آسيا إن كان قد قصد به البشرية كلها؟ وكيف يستطيع إنسان أن يصدق بأنه لا خلاص بعيداً عن الكنيسة؟- فهل كل تلك الملايين التي عاشت في الهند، والصين، واليابان، تصلى الآن نار جهنم؟ وطافح اللاهوتيون للإجابة عن هذه الأسئلة وأشباهها بتلال شروخ يوماً بعد اليوم، في الغالب نتيجة لتقارير البعثات الدينية، ولاح أحياناً أن اليسوعيين في الصين قد اعتنقوا الكونفوشيوسية بدلا من أن يهدوا الصينيين إلى المسيح.
وألم يكن العلم الذي جاء به هؤلاء اليسوعيون المثقفون، لا اللاهوت الذي علموه، هو صاحب الفضل في كسبهم الكثير جداً من الأصدقاء من بين الصينيين؟




صفحة رقم : 12353




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> البحث المتسع



الفصل السادس عشر




التقدم العلمي




1750-1789




1- البحث المتسع


كان العلم أيضاً يزود الناس بإلهام جديد. ونمو العلم -نمو طلبه، وطرائقه، وكشوفه، وتنبؤاته، وثمراته الناجحة، وسلطانه، ومكانته-هذا النمو هو الجانب الإيجابي لذلك التطور الحديث الأساسي الذي كان جانبه السلبي هو اضمحلال الإيمان بالخوارق. ونشب الصراع بين كهانتين: الأولى كرست نفسها لتشكيل الخلق بطريق الدين، والثانية لتربية العقل بطريق العلم. والكهانة الأولى هي الغالبة في عصور الفقر أو الكوارث، حين يكون الناس شاكرين لفضل العزاء الروحي والنظام الخلقي، والثانية هي الغالبة في عصور الثروة المتصاعدة، حين يميل الناس إلى قصر آمالهم على هذه الدنيا.
ومن المألوف اعتبار القرن الثامن عشر دون السابع عشر في إنجازاته العلمية، لا شك أنه يخلو من الفحول الشوامخ أمثال جاليلو أو نيوتن، ومن المآثر التي يمكن أن تقاس باتساع العالم المعروف، أو الامتداد الكوني للجاذبية، أو صياغة حساب التفاضل والتكامل، أو كشف الدورة الدموية. ومع ذلك فأي كوكبة من النجوم يتألق بها المشهد العلمي في القرن الثامن عشر! -أويلر ولاجرانج في الرياضة، وهرشل ولابلاس في الفلك، ودالامبير وفرانكلن وجلفاني وفولتا في الفيزياء، وبريستلي ولافوازبيه في الكيمياء، ولنابيوس في النبات، وبوفون ولاماركفي الأحياء، وهالر في الفسيولوجيا، وجون هنتر في التشريح، وكوندياك في علم النفس، وجنر بوبرها في الطب-




صفحة رقم : 12354




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> البحث المتسع


وقد خصصت الأكاديميات المتكاثرة المزيد من وقتها ومالها للبحث العلمي. وأدخلت الجامعات العلوم بازدياد في برامجها، فأنشأت كمبردج بين عامي 1702و1750 كراسي في التشريح، والفلك، والنبات، والكيمياء، والجيولوجيا، و"الفلسفة التجريبية"-أي الفيزياء. وأصبحت الطريقة العلمية تجريبية بصورة أدق.. وهبطت الخصومة الوطنية، التي لوثت دولية الفكر بالجدل المحتدم بين نيوتن وليبنتز، وتكاتفت الكهانة الجديدة عبر الحدود، والحقائد اللاهوتية، والحروب، لترتاد المجهول المتعاظم. وجاء طلاب البحث من كل طبقة، من بريستلي الرقيق الحال ودالامبير اللقيط، إلى بوفون حامل لقب الشرف ولافوزييه المليونير. ودخل الملوك والأمراء ساحة البحث: فاشتغل جورج الثالث بالنبات، وجون الخامس بالفلك، ولويس السادس عشر بالفيزياء. وعكف الهواة أمثال مونتسكيو وفولتير، والنساء أمثال مدام دشاتليه والممثلة الآنسة كليرون، على العمل بجد في المختبرات أو تلهوا بها، وحاول العلماء اليسوعيون امثال بوسكوفش الجمع بين الإيمانين القديم والجديد.
ولم يتمتع العلم بمثل هذه الشعبية وهذا التشريف حتى جاء عصرنا الحاضر المتفجر. فقد رفع دوي كشوف نيوتن في الرياضة والميكانيكا والفلك هامات العلماء في كل بلد في أوربا. صحيح إنهم لم يستطيعوا الارتقاء حتى يصل أحدهم -كما وصل نيوتن- إلى منصب مدير دار المسكوكات، ولكنهم في القارة، بعد عام 1750، وجدوا الترحيب في المجتمع المعطر وغشوا المحافل جنباً إلى جنب مع اللوردات والأدواق. وفي باريس غصت قاعات المحاضرات العلمية بالمستمعين من الجنسين ومن جميع المراتب. كتب جولدسمث الذي زار باريس في 1755 يقول: "رأيت في المحاضرات روويل في الكيمياء من نجوم الجمال المتألقة ما هو خليق بأن يزين بلاط الملك في فرساي."(1) وكانت نساء المجتمع العصريات يحتفظن بكتب العلوم على خزانات زينتهن، وترسم لهن الصور-كما صورت مدام بومبادور-وعند أقدامهن، المربعات والتلسكوبات. وفقد الناس الاهتمام باللاهوت، ونفضوا عنهم العالم الآخر مع حرصهم على خرافاتهم. وغدا العلم الأسلوب والمزاج لعصر يتحرك في نهر معقد من التغير المحموم إلى نهايته الوبيلة.




صفحة رقم : 12355




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة



2- الرياضة




أ - أويلر


كان التغيير في الرياضة الآن أبطأ لأن الكثير جداً قد أنجز في ذلك الميدان طوال خمسة آلاف عام، بحيث بدا أن نيوتن لم يترك زيادة لمستزيد. وبعد موته (1727) حدث رد فعل، بعض الوقت، ضد فروض حساب التفاضل وابهاماته. فهاجمها الأسقف باركلي، في مقال نقدي قوي (المحلل، 1734)، لأنها تعادل تماماً غوامض الميتافيزيقا واللاهوت، ورمى أتباع العلم بـ"الخضوع للسلطان، وقبول الأشياء بالتسليم، والإيمان بنقاط لا يمكن تصورها" وهي بالضبط التهم التي اتهم بها من قبل أتباع الدين. وقد لقى الرياضيون وما زالوا يلقون من العنف في الرد في هذه النقطة ما يلقاه الماديون في تفنيد مثاليته.
على أن الرياضة بنت لها جسوراً، واستمر لبحث في الأرقام. فطور أبراهام ديموافر، ونيكولاس سوندرس، وبروك تيلر في إنجلترا، وكولن مكلورن في إسكتلندة، الشكل النيوتوني للتفاضل. ودفع ديموافر قدما رياضيات الصدفة ومعاشات مدى الحياة. وإذ كان فرنسي المولد، إنجليزي الموطن، فقد اختارته جمعية لندن الملكية (1712)حكماً في دعاوي نيوتن وليبنتز المتنافسة على أيهما سبق صاحبه إلى اختراع حساب التفاضل النهائي الصغر. أما سوندرس فقد كف بصره في عامه الأول، فتعلم حل المسائل الحسابية الطويلة العويصة عقلياً، وعين أستاذاً للرياضة في كمبردج في عامه الحادي والعشرين (1711)، وألف كتاباً في "الجبر" حاز الاستحسان الدولي. وسنرى كيف استهوت سيرته ديدرو. وترك تلور اسمه على النظريات الأساسية في حساب التفاضل، وأثبت مكلورين أن الكتلة السائلة التي تدور حول محورها تتخذ شكل القطع الناقص.
وفي بازل واصلت أسرة بونوللي إنجاب العلماء المبرزين طوال أجيال ثلاثة. وكانت هذه الأسرة البروتستنتية المذهب قد فرت من أنتورب (1583) اتقاء فظائع دوق ألفا. وينتمي اثنان من الرياضيين البرنولليين السبعة لعصر لويس الرابع عشر، وكان الثالث وهو يوهان الأول) 1667-




صفحة رقم : 12356




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


1748 (مخضرماً أدرك حكم ملكين) لويس 14و15) وأصبح دانيال (1700-82) أستاذاً للرياضة في سانت بطرسبورج وهو في الخامسة والعشرين، ولكنه عاد بعد ثمانية أعوام ليدرس التشريح، والنبات والفيزياء، وأخيراً الفلسفة، في جامعة بازل وترك مؤلفات في حساب التفاضل والتكامل، والصوتيات، والفلك، وأسس الفيزياء الرياضية تقريباً. وعلم أخوه يوهان الثاني(1710-90) البلاغة والرياضة، وترك بصمته على نظرية الحرارة والضوء. وقد نال دانيل جوائز من أكاديمية العلوم عشر مرات، ويوهان ثلاث مرات. وأصبح أحد أبناء يوهان، وهو يوهان الثالث (1744-1807)، فلكي الملك في أكاديمية برلين، وعلم ياكوب الثاني (1758-89) الفيزياء في بازل، والرياضة في سانت بطرسبورج. لقد امتدت هذه الأسرة العجيبة عبر المنهج، والقرن، والقارة الأوربية.
ويتميز ليونارد أويلر، تلميذ يوهان بونللي الأول والمنافس الصديق لدانيال، إماماً لرياضي عصره من حيث تعدد القدرات وغزارة الإنتاج. ولد في بازل عام 1707 ومات في بطرسبورج عام 1783، وبرز في الرياضة، والميكانيكا، والبصريات، والسمعيات، والديناميكا المائية، والفلك، والكيمياء، والطب، وحفظ نصف الأنيادة عن ظهر قلب، فكان بهذا كله خير بيان لفوائد التنوع ومدى قدرات العقل البشري. وفي ثلاث رسائل كبرى في التفاضل والتكامل حرر هذا العلم الجديد من العقد الهندسية التي ولد بها، وأرسى أسسه بوضعه تفاضلا جبرياً-"تحليلا". وأضاف إلى هذه الرسائل الكبرى. مؤلفات في الجبر، والميكانيكا، والفلك، والموسيقى؛ على أن مقاله عن "نظرية جديدة في الموسيقى" (1719)" احتوى من الهندسة فوق يسيغه الموسيقيون، ومن الموسيقى فوق ما يسيغه الهندسيون."(2) وقد احتفظ رغم تبحره في العلم بإيمانه الديني إلى النهاية.
وحين انتقل دانيال برنوللي إلى سانت بطرسبورج وعد ليونارد بأن يحصل له على وظيفة في أكاديميتها. وذهب الشاب إليها وهو في العشرين، ولما غادر دانيال روسيا (1733) خلفه أويلر رئيساً لقسم الرياضة. وأدهش زملاءه الأكاديمين بأن حسب في ثلاثة أيام جداول فلكية قدر أنها تحتاج إلى عدة شهور وعكف على هذا العمل وغيره عكوفاً شديداً ليل نهار




صفحة رقم : 12357




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


على ضوء ضعيف، حتى فقد بصر عينه اليمنى في 1735. ثم تزوج، وشرع على الفور يجمع ويضرب، بينما الموت يطرح، فقد مات ثمانية من أبنائه الثلاثة عشر أطفالا. ولم يأمن على حياته في عاصمة أنهكتها الدسائس والاغتيالات السياسية. وفي 1741 قبل دعوة من فردريك الأكبر للانضمام إلى أكاديمية برلين، وهناك، فيسنة 1759، خلف موبرتوي في الاضطلاع بالرياضة. وأحبته أم فردريك، ولكنها وجدته صموتاً بشكل غريب. وسألته "لم لا تتحدث إلي؟" فأجاب "سيدتي، إنني قادم من بلد يشنق المرء فيه إن تكلم(3)". على أن الروس كانوا قادرين على السلوك المهذب. فقد واصلوا صرف راتبه له بعد رحيله بزمن طويل، وحين نهب جيش روسي مزرعة أويلر أثناء غزوه برندنبورج سخا القائد الروسي في تعويضه عن خسارته، وأضافت الإمبراطورة إليزابث بتروفنا إلى التعويض مبلغاً من عندها.
وتاريخ العلم يكرم أويلر أولاً لما أنتجه في حساب التفاضل، لاسيما لتناوله النظامي لتفاضل التغيرات. وقد دفع الهندسة وحساب المثلثات إلى الأمام باعتبارهما فرعين من فروع التحليل. وكان أول من تصور في وضوح فكرة الوظيفة الرياضية التي هي الآن قلب الرياضة. وفي الميكانيكا صاغ المعادلات العامة التي ما زالت تحمل اسمه. وفي البصريات كان أول من طبق حساب التفاضل على ذبذبات الضوء وصاغ منحني التذبذبات باعتباره متوقفاً على المرونة والكثافة. واستنبط قوانين الانكسار تحليلياً وقام بدراسات في انتشار الضوء مهدت لصناعة العدسات الأكروماتية. وشارك في مشروع دولي هدفه إيجاد خط الطول في البحر برسم موقع الكواكب وأوجه القمر، وأعان حله التقريبي جون هاريسون على وضع جداول قمرية موفقه للبحرية البريطانية.
وفي 1766 طلبت كاترين الكبرى إلى أويلر أن يعود إلى سانت بطرسبورج. وقد عاد إليها، فاحتفظ به حفاوة بالغة. ولم يثبت بعد وصوله أن كف بصره تماماً، ولكن ذاكرته بلغت من الدقة، وسرعة حسابه بلغت من




صفحة رقم : 12358




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


العظمة مبلغاً أتاح له أن يواصل الإنتاج بنشاط يقرب من نشاطه السابق. وأملي الآن كتابه "مقدمة كاملة للجبر" على خياط شاب لم يكن حين بدأ عمله هذا يعرف شيئاً عن الرياضة أكثر من الحساب البسيط؛ وقد أضفى هذا الكتاب على الجبر الشكل الذي احتفظ به إلى يومنا هذا. وفي 1771 دمرت نار بيت أويلر، وأنقذ مواطن سويسري من بازل يدعى بيتر جريم الرياضي الأعمى من النيران إذ حمله على كتفيه بعيداً عن الخطر. ومات أويلر عام 1783 وقد بلغ السادسة والسبعين بنوبه فالج أصابته وهو يلعب مع أحد حفدته.


ب- لجرانج


ولم يفقه غير رجل واحد في قرنه وعلمه، وهو الفتى الذي بسط عليه رعايته-جوزف لوي لجرانج. وكان واحداً من أحد عشر طفلا ولدوا لزوجين فرنسيين يقيمان في تورين، ولم يتجاوز الطفولة من هؤلاء كلهم غيره. وقد تحول عن الدراسات الكلاسيكية إلى العلم عند قراءته مذكرة وجهها هالي إلى جمعية لندن الملكية، فكرس نفسه للتو لدراسة الرياضة، وسرعان ما برز في تبريزا أوصله في سن الثامنة عشرة إلى منصب أستاذ الهندسة في أكاديمية المدفعية بتورين. وقد ألف من تلاميذه، وكلهم تقريباً أكبر منه سناً، جماعة بحث نمت حتى غدت أكاديمية تورين للعلوم. وفي التاسعة عشرة أرسل إلى أويلر طريقة جديدة لتناول حساب تفاضل التغيرات. ورد أويلر بأن الطريقة تذلل صعوبات لم يستطع هو نفسه تذليلها. وأجل السويسري الكريم إذاعة النتائج التي وصل إليها، حتى لا أحرمك من أي قسط من المجد الذي تستحقه. "وأذاع لجرانج طريقته في المجلد الأول الذي أصدرته أكاديمية ورين (1759) وشهد أويلر في مذكرته عن حساب تفاضل التغيرات بكل الفضل للفتى. وفي ذلك العام (1759) انتخب بنفوذه عضواً أجنبياً بأكاديمية برلين وهو لا يعدو الثالثة والعشرين ولما غادر أولر بروسيا زكى لجرانج خلفاً له في الأكاديمية، وأيد دالامبير هذا الاقتراح بحرارة، وفي 1766 انتقل لجرانج إلى برلين. وقد حيا




صفحة رقم : 12359




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


فردريك الأكبر باعتباره "أعظم ملك في أوربا"، ورحب به فردريك "أعظم الرياضيين في أوربا"(5) وكان هذا سابقاً لأوانه، ولكنه صدق بعد قليل. والعلاقات الودية التي ربطت أئمة رياضي القرن الثامن عشر- أويلر، ولجرانج، وكليرو، ودالامبير، ولجاندر- تؤلف فصلا مبهجاً في تاريخ العلم.
وخلال العشرين السنة التي أقام فيها لجرانج ببرلين ألف تدريجياً أجزاء رائعته الكبرى "الميكانيكا التحليلية". وعلى هامش هذا المشروع الأساسي نقب في الفلك، وقدم نظرية عن توابع المشتري وتعليلاً لترجحات القمر، أي التغيرات في الأجزاء المنظورة منه. وفي 1786 مات فردريك الأكبر، وخلفه فردريك وليم الثاني، الذي لك يكن يعبأ كثيراً بالعلم. فقبل لجرانج دعوة من لويس السادس عشر للانضمام إلى أكاديمية العلوم الباريسية وأعطى سكناً مريحاً في اللوفر، وأصبح أثيراً لدى ماري أنطوانيت التي بذلت ما وسعها لتخفف عنه نوبات الاكتئاب التي كثيراً ما انتابته وجلب معه مخطوط "الميكانيكا التحليلية"، ولكنه لم يستطع العثور على ناشر يتصدى لمثل هذه المشكلة الطباعية العسيرة في مدينة تغلى مراجلها بالثورة. وأخيراً أقنع صديقاه أدريان لجاندر وألابيه ماري طابعاً بالاضطلاع بهذه المهمة، ولكنه لم يقتنع إلا بعد أن وعده ألابيه بأن يشتري جميع النسخ غير المباعة بعد تاريخ محدد. فلما وضع الكتاب الذي لخص جهد حياة لجرانج بين يديه (1788) لم يكترث بالنظر إليه، فقد كان في إحدى نوبات اكتئابه الدورية التي أفقدته كل اهتمام بالرياضة، بل بالحياة. وظل الكتاب مقفلا على مكتبه عامين كاملين.
وهناك إجماع على وضع "الميكانيكا التحليلية" في قمة رياضة القرن الثامن عشر. فهذا الكتاب الذي لم يفقه غير "الأصول" في الميدان الذي تناوله الكتابان، تقدم على كتاب نيوتن هذا باستعماله "التحليل"-التفاضل الجبري- بدلا من الهندسة في إيجاد الحلول وعرضها، وقد جاء في المقدمة "ليس في هذا الكتاب رسوم بيانية" وبهذه أن تستخلص منها معادلات نوعية




صفحة رقم : 12360




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


لكل مسألة بعينها، وما زالت هذه المعادلات العامة تسود الميكانيكا وتحمل اسمه. ووصفها إرنست ماخ بأنها من أعظم الإسهامات في الاقتصاد في الفكر(6) وقد رفعت ألفرد نورث هوايتهيد إلى ذرى النشوة الدينية فقال "إن في هذه المعادلات من الجمال، ومن البساطة التي تكاد تبلغ القداسة، ما يجعل هذه الصيغ جديرة بأن تضارع تلك الرموز الغامضة التي آمن الناس في القديم بأنها تدل مباشرة على الكائن الأعلى الذي يكمن وراء كل الأشياء(7).
فلما نشبت الثورة بسقوط الباستيل (14 يوليو 1789) نصح لجرانج، المقرب إلى الملكية، بأن يعود إلى برلين، ولكنه أبى. فلقد كان على الدوام متعاطفاً مع المظلومين، ولكنه لم يؤمن بقدرة الثورة على النجاة ن نتائج عدم المساواة الطبيعي بين البشر. وهالته مذابح سبتمبر 1792، وإعدام صديقه لافوازييه، ولكن صمته المكتئب أنقذ رأسه من الجيلوتين. فلما فتحت مدرسة المعلمين (1795) نيط لجرانج بقسم الرياضة فيها، وحين أقفلت وأسست مدرسة الفنون والصنائع (1797) كان أول أساتذتها، والأساس والاتجاه الرياضيات الفرنسي هما بعض تأثير لجرانج الطويل الأمد.
وفي 1791 عينت لجنة لوضع نظام جديد للموازين والمقاييس. وكان لجرانج، ولافوازييه، ولابلاس، من أوائل أعضائها. وبعد ثلاثة أشهر "طهر" ابثنان من هذا الثالوث، وأصبح لجرانج العقل القائد في وضع النظام المتري. واختارت اللجنة أساساً للطول ربع الكرة الأرضية- ربع الدائرة العظمى التي تمر حول الأرض على مستوى البحر بطريق القطبين، وأخذ جزء على عشرة ملايين منه وحدة جديدة للطول وسمى متراً. واختارت لجنة فرعية الجرام وحدة جديدة للموازين: وهو وزن الماء المقطر في درجة الصفر المئوية، ويشغل مكعباً كل ضلع فيه سنتمتر واحد-أي جزء على مائة من المتر. وبهذه الطريقة بنيت جميع الأطوال والأوزان على ثابت فيزيائي واحد، وعلى العدد عشرة. وظل هناك مدافعون عن النظام الأثنى عشري، الذي اتخذ العدد عشر أساساً له، كما هو متبع في إنجلترا، وبوجه عام في تقديرنا للزمن. ولكن لجرانج أصر على النظام العشري، وكان له ما أراد. فقررت الحكومة الفرنسية هذا النظام في 25 نوفمبر 1792،




صفحة رقم : 12361




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


وما زال، مع بعض التعديلات باقياً إلى يومنا هذا، ولعله أبقى نتائج الثورة الفرنسية.
وأضاءت تجربة رومانسية كهولة لجرانج. ذلك انه حين بلغ السادسة والخمسين أصرت فتاة في السابعة عشرة، كانت ابنة صديقه الفلكي لمونييه، على الزواج منه وتكريس نفسها للتخفيف من أوهامه ووساوسه. وأذعن لجرانج، وبلغ من عرفانه بصنيع حبها أنه يصحبها إلى المراقص والحفلات الموسيقية. وكان قد تعلم أن يحب الموسيقى-التي هي لعبة تحتال بها الرياضة على الأذن- لأنها "تعزلني. إنني أسمع الموازين الموسيقية الثلاثة الأولى، وفي الرابعة لا أعود أعي شيئاً، فأستسلم لأفكاري، ولا شيء يقطعها على، وبهذه الطريقة أحل من مسألة عويصة"(8).
فلما هبطت حمى الثورة، هنأت فرنسا لأنها أعفت إمام رياضي العصر من الجيلوتين. وفي 1796 أوفد تاليران إلى تورين ليزور بصفة رسمية والد لجرانج ويقول له "إن ابنك الذي تفخر بيدمونت بأنها أنجبته، وتفخر فرنسا بأنه مواطن فيها، وقد شرف البشر أجمعين بعبقريته"(9). وكان نابليون يحب فيما بين حملاته أن يتحدث إلى الرياضي الذي تحول إلى الفلسفة.
واستعاد الشيخ اهتمامه بالرياضة حين نفخ ووسع "الميكانيكا التحليلية" (1810-13) لإعداد طبعة ثانية من الكتاب. ولكنه أسرف في الجهد والسرعة كعادته؛ وأضعفته نوبات من الدوار، ومرة وجدته زوجته فاقد الوعي على أرض الحجرة، وقد نزف رأسه من قطع سببه سقوطه على حرف المائدة. وأدرك أن قواه البدنية آخذة في النضوب، ولكنه تقبل هذا التحلل البطيء على أنه طبيعي ومعقول. وقال لمونج ولغيره من عواده:
"كنت مريضاً جداً أمس أيها الأصدقاء، وأحسست أنني سأموت وأصاب الضعف بدني شيئاً فشيئاً، وانطفأت قواي العقلية والبدنية دون وعي مني. ولاحظت "متوالية" تناقض عافيتي، الحسنة التدرج، ووصلت إلى النهاية دون أسف، أو حسرات، وفي هبوط غاية في الرفق. يجب




صفحة رقم : 12362




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الرياضة


ألا تخشى الموت، وحين يأتي دون ألم، فإنه يكون وظيفة أخيرة ليست بالكريهة... إن الموت هو الراحة الكبرى للجسد(10).
ومات في 10 أبريل 1813 وقد بلغ الخامسة والسبعين غير باك على شئ إلا اضطراره لترك زوجته الوفية عرضه لمخاطر ذلك العهد، حين بدا أن العالم كله قد امتشق الحسام لقتال فرنسا.
وحمل صديقاه جسبارمونج، وأدريان لجاندر، إلى القرن التاسع عشر تلك الأبحاث الرياضية التي كانت الأسس للتقدم الصناعي. وينتمي إنتاج لجاندر (1752-1833) إلى عصر ما بعد الثورة، وحسبنا أن نقرئه التحية في طريقنا. أما مونج فكان بابن بائع متجول وسنان سكاكين. ونحن نراجع فكرتنا عن الفقر الفرنسي حين نرى هذا العامل البسيط يوفر لثلاثة من أبنائه التعليم في الكلية. ونال جسبار كل ما أتيح من جوائز في المدرسة. وفي الرابعة عشرة صنع آلة لإطفاء الحريق، وفي السادسة عشرة رفض دعوة معلميه اليسوعيين إياه ينضم إلى طريقتهم، وبدلا من هذا أصبح أستاذ الفيزياء والرياضة في المدرسة الحرية بميزيير. وهناك صاغ أصول هندسته الوصفية- وهي طريقة لعرض شكل ثلاثي الأبعاد على مستوى وصفي واحد. وتبين عظم فائدة هذه الطريقة في تصميم الحصون وغيرها من المباني، حتى أن الجيش الفرنسي ظل خمسة عشر عاماً يحظر عليه البوح بسرها علناً، ثم سمح له (1794) بتدريسها في مدرسة المعلمين بباريس. وقد أخذ لجرانج العجب وهو يستمع إلى محاضراته فيها، شأن جوردان في مسرحية فولتير "قبل أن أستمع إلى مونج لم أعرف أنني أعرف الهندسة الوصفية"(11). وقد أبلى مونج بلاء حسناً في خدمة الجمهورية التي تعد نفسها للمعركة. وارتقى إلى منصب وزير البحرية. وعهد إليه نابليون بالكثير من المهام السرية. وبعد عودة البوربون إلى الملك عانى مونج من الفاقة والتعرض للخطر. فلما مات (1818) منع تلاميذه في مدرسة الفنون والصنائع من السير في مأتمه. وفي الغد ساروا إلى المدفن بيئتهم لكاملة، ووضعوا على قبره أكليلاً من الزهر.




صفحة رقم : 12363




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء



3- الفيزياء




أ - المادة والحركة والحرارة والضوء


نمت الرياضة لأنها كانت الأساس والإدارة التي لا غنى عنها للعلوم كلها، إذ اختزلت الخبرة والتجربة إلى قوانين كمية أتاحت التنبؤ الدقيق والضبط العملي. وكانت الخطوة الأولى هي تطبيقها على المادة عموماً: بكشف الإطرادات ووضع "القوانين" للطاقة، والحركة، والصوت، والضؤ، والمغنطيسية، والكهرباء، وهنا كمن ما يكفي من الأسرار التي تتطلب الكشف عن خوافيها.
وقد ضحى بيير لوي مورو دموبرتوي بمستقبله في الجيش الفرنسي ليكرس نفسه للعلم. وسبق فولتير في تعريف فرنسا بنيوتن، وفي تقدير مفاتن مدام دوشاتليه وتعليمها. وفي 1736، كما سنرى، رأس بعثة إلى لايلاند لقياس درجة طولية. وفي 1740 قبل دعوة لزيارة فردريك الثاني، وتبع فردريك إلى معركة مولفتز (1741)، وأسره النمساويون، ثم أطلقوا سراحه بعد قليل. وفي 1745 انضم إلى أكاديمية برلين للعلوم، وبعد عام أصبح عميداً لها. وشرح المبدأ الذي توصل إليه لأكاديمية باريس للعلوم في 1744، ولأكاديمية برلين في 1746، وهو المبدأ القائل بأقل حركة: "حين يحدث أي تغيير في الطبيعة فإن كمية الحركة المستخدمة لهذا التغيير هي دائماً أقل ما يمكن. "وذهب إلى أن هذا يثبت وجود نظام منطقي في الطبيعة، وإذن وجود اله منطقي(12). وطور أويلر ولجرانج هذا المبدأ، وفي زماننا هذا لعب دوراً في نظرية الكم. وفي "مقال في علم الكون" (1750) أحيا موبرتوي بدعة لا يمكن القضاء عليها: فهو مع تنبيه قصداً في الطبيعة، إلا أنه اعترف بأنه يرى فيها أيضاً علامات الغباء أو الشر، وكأن شيطاناً ينافس إليها خيراً في تعريف شئون الكون(13). ولعل موبرتوي كان يوافق خصمه اللدود فولتير على أن القديس أوغسطين كان ينبغي أن يظل مانوياً.
وقد سبقت الإشارة إلى مولد دالامبير، ثمرة غير مقصودة لصلة عابرة بين ضابط مدفعية وراهبة سابقة. عثرت عليه شرطة باريس على سلم كنيسة




صفحة رقم : 12364




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


سان جان لورون ولما تمض على مولده ساعات (1717)، فعمدوه باسم جان بانيست لورون، وأرسلوه إلى مرضع في الريف. وطالب به أبوه، الشفالييه ديتوش، وسماه دارامبير (لأسباب نجهلها)، ودفع أجراً لمدام روسو، وهي زوجة صانع زجاج، لتتبنى الطفل. وتبين أنها رابة مثالية، وأن جان غلام نابغة. فلما بلغ السابعة أراه أبوه في فخر لأمه، مدام دتانسان، ولكنها قررت أن مستقبلها خليلة وصاحبة صالون سيضار بقبول الطفل، ولم تسهم بشيء في إعالته على قدر علمنا، أما الشفالييه فقد ترك له قبل موته في 1726 معاشاً سنوياً قدره ألف ومائتا جنيه.
وتلقى جان تعليمه في الكوليج دكاتر ناسيون (كلية الأمم الأربع)، ثم في جامعة باريس، حيث نال درجة القانون. وهناك، حوالي عام 1738، غير اسمه من دارامبير إلى دالامبير. ثم اتجه إلى دراسة الطب بعد أن مل القانون، ولكن ميلاً عارضاً إلى الرياضة انقلب فيه غراماً مشبوباً. قال "كانت الرياضة لي أشبه بالخليلة للرجل"(14). وواصل السكنى مع مدام روسو حتى بلغ الثامنة والأربعين وهو يعتبرها في عرفانه بصنيعها أمه الوحيدة. وكان من رأيها أن مما يشين الرجل أن يسلم نفسه إلى حياة الدرس ولا يبدي أي شهوة للمال. فكانت تقول له في أسى "إنك لن تغدو أن تكون فيلسوفاً. وما الفيلسوف؟ مجنون يعذب نفسه طوال حياته ليتحدث الناس عنه بعد موته"(15).
ولعل دوافعه الملهمة لم تكن الرغبة في الشهرة بعد الموت، بل المنافسة الأبية مع العلماء الراسخين، وتلك الغريزة الشبيهة بغريزة القندس، التي تبتهج بالبناء، ويخلق النظام من فوضى المواد والأفكار. على أية حال فإنه في الثامنة والعشرين بدأ يقدم أبحاثاً لأكاديمية العلوم: أحدها في حساب التكامل(1739)، وآخر في انكسار الضوء (1741؛ وفي بحث الضوء هذا أقدم تعليل لانحناء أشعة الضوء وهي تنتقل من سائل إلى آخر أكبر كثافة، ومكافأة له على البحث قبلته الأكاديمية عضواً "ملحقاً"، وبعد عامين نشر أهم آثاره العلمية" رسالة في الديناميكا"، وقد حاول فيها أن يختزل كل مسائل المادة المتحركة إلى معادلات رياضية، وسبقت الرسالة رسالة




صفحة رقم : 12365




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 27-03-11, 09:57 صباحاً   رقم المشاركة : [373]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


لجرانج الأفضل منها "الميكانيكا التحليلية" باثنين وأربعين سنة، وهي تحتفظ بأهميتها التاريخية لأنها صاغت النظرية الأساسية المعروفة الآن باسم "مبدأ دالامبير"، وهي أعسر تخصصاً مما يحتمله هضمنا العام، ولكنها عون كبير على الحسابات الميكانيكية. وقد طبقها في "رسالة في توازن السوائل وحركتها" (1744)، وظفرت من الأكاديمية بإعجاب حملها على مكافأتها بمعاش من خمسمائة جنيه، لا بد أنه هدأ من ثائرة مدام روسو.
ومن مبدئه هذا من ناحية، ومن معادلة مبتكرة في حساب التفاضل، توصل دالامبير إلى صيغة لحركة الرياح. وأهدى كتابه "تأملات في السبب العام للرياح"(1747) إلى فردريك الأكبر، الذي استجاب بدعوته للإقامة في برلين، ولكن دالامبير رفض، فأبدى بذلك من الحكمة وهو في الثلاثين أكثر مما سيبديه فولتير وهو في السادسة والخمسين. وفي "مقال عن نظرية جديدة في المقاومة السوائل" (1752): حاول أن يجد صيغاً ميكانيكية لمقاومة الماء لجسم يتحرك فوقه، فأخفق؛ ولكن في 1775، وبتكليف من طورجو، أجرى هو وكوندورسيه والابيه بوسو تجارب أعانت على تقرير قوانين مقاومة السوائل للأجسام المتحركة على سطوحها. وفي أخريات عمره درس حركة الأوتار المتذبذبة، وأصدر (1779) "مبادئ الموسيقى النظرية والعلمية" متبعاً ومعدلا طريقة رامو؛ وقد ظفر هذا الكتاب بثناء عالم الموسيقى الشهير تشارلز بيرني. ويمكن القول أن دالامبير أوتي في مجموعة عقلا من أذكى وأرهب العقول في هذا القرن.
وعرض فردريك الأكبر وظيفة عميد أكاديمية برلين على دالامبير حين استقال موبرتبوس. وكان الرياضي-الفيزيائي-الفلكي-الموسوعي رجلا رقيق الحال ولكنه رفض المنصب في أدب، ذلك أنه كان يعتز بحريته، وبأصدقائه، وبباريس. واحترم فردريك بواعثه، وأرسل إليه معاشاً متواضعاً من ألف ومائتي جنيه بعد استئذان لويس الخامس عشر. وفي 1762 دعته كاترين الكبرى إلى روسيا وأكاديمية سانت بطرسبورج، فرفض الدعوة، لأنه كان الآن عاشقاً. وأصرت كاترين، ربما بعد علمها بهذا وطلبت إليه أن يحضر "ومعك كل أصدقائك"، وعرضت عليه راتباً




صفحة رقم : 12366




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


من 100,000 فرنك في العام. وقبلت اعتذاراته في سماحة، وواصلت مراسلته، وناقشت معه أسلوب حكمها ومشاكله. وفي 1763 ناشده فردريك أن يزور بوتسدام على الأقل، فذهب دالامبير، وكان يتناول الطعام مع الملك شهرين. ورفض مرة أخرى عمادة أكاديمية برلين، وبدلا من ذلك اقتنع فردريك بأن يرفع راتب أويلر رب الأسرة الكبيرة(16). ونرجو أن نلتقي بدالامبير مرة أخرى.
وكان لآل برنوللي المدهشين مساهمات عارضة في الميكانيكا. فصاغ يوهان الأول (1717) مبدأ السرعات الافتراضية: "في كل توازن للقوى أياً كانت، وعلى أي صورة استخدمت، وفي أي اتجاهات يؤثر بعضها في بعض، بطريق مباشر أو غير مباشر، يكون مجموع الطاقات الموجبة معادلا لمجموع الطاقات السالبة إيجابياً". وأعلن يوهان وابنه دانيال (1735) أن مجموع "القوة الحية" في العالم ثابت دائماً؛ وقد أعيدت صياغة هذا المبدأ في القرن التاسع عشر باسم عدم فناء الطاقة. وطبق دانيال الفكرة تطبيقاً مثمراً في كتابة "الديناميكا المائية" (1738) وهو من عيوب الكتب الحديثة في ميدان بالغ الصعوبة. وفي ذلك المجلد أرسى أساس النظرية الحركية للغازات، فالغاز يتألف من ذرات ضئيلة تتحرك بسرعة كبيرة، وتحدث ضغطاً على الإناء بالصدمات المتكررة، والحرارة تزيد من سرعة الذرات، ومن ثم ضغط الغاز، ونقص الحجم (كما أثبت بويل من قبل) يزيد الضغط بنسبة النقص.
أما في فيزياء الحرارة فإن ألمع الأسماء في القرن الثامن عشر هو اسم جوزيف بلاك. ولد في بوردو لأب اسكتلندي مولود في بلفاست، ودرس الكيمياء في جامعة جلاسجو، وفي السادسة والعشرين (1754) أجرى تجارب فيما نسميه الآن التأكسد أو التآكل. وقد بينت هذه التجارب مفعول غاز ميزه عن الهواء العادي، وكشف عن هذا الغاز في الميزان، وسماه "الهواء الثابت" (ونسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون)، وكان قد أوشك على الكشف عن الأوكسجين قبل ذلك. وفي 1756، حين كان محاضراً في الكيمياء، والتشريح، والطب في الجامعة، وبدأ ملاحظات هدته إلى نظريته




صفحة رقم : 12367




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


في "الحرارة الكامنة": فحين تكون مادة ما بسبيلها إلى التغير من الحالة الجامدة إلى حالة السيولة أو من السيولة إلى الغازية، فإن المادة المتغيرة تمتص من الهواء كمية من الحرارة لا يمكن ملاحظتها كتغيير في درجة الحرارة، وهذه الحرارة الكامنة ترد إلى الهواء حين يتحول غاز إلى سائل أو سائل إلى جامد. وقد طبق جيمس وات هذه النظرية في تحسينه للآلة البخارية. وكان رأي بلاك في الحرارة كرأي جميع أسلاف بريستلي، إنها مادة تزداد أو تتناقص دفئاً، وظلت هذه الفكرة سائدة حتى أثبت بنيامين طومسن، كونت رمفورد، في 1798، أن الحرارة ليست مادة بل شكلا من أشكال الحركة، يفهم الآن على أنه حركة مكتسبة للأجزاء المكونة للجسم.
وفي هذه الأثناء توصل يوهان كارل فيلكي الإستوكهولمي إلى نظرية مماثلة في الحرارة الكامنة (1772) مستقلا عن بلاك. وفي سلسلة من التجارب رواها هذا العالم السويدي في 1777 أدخل اصطلاح "الحرارة المشعة" -أي الحرارة غير المنظورة التي تنبعث من المواد الساخنة، وقد ميز بينها وبين الضوء، ووصف خطوط حركتها وانعكاسها وتركيزها بواسطة المرايا، ومهد للربط الذي ربطه فيما بعد بين الحرارة والضوء باعتبارهما شكلين متشابهين من أشكال الإشعاع. وحدد فيلكي، وبلاك، ولافوازييه، ولابلاس، وغيرهم من الباحثين، القيمة التقريبية للصفر المطلق (وهو أدنى درجة حرارة ممكنة من حيث المبدأ). أما البريطانيون فكانت وحدة الحرارة التي اتخذوها هي الكمية التي ترفع درجة حرارة رطل من الماء درجة فهرنهيتية، أما الفرنسيون، وشعوب القارة عموماً، فقد فضلوا استعمال كمية الحرارة التي ترفع درجة حرارة كيلو جرام من الماء درجة مئوية واحدة.
أما نظرية الضوء فإن ما أحرزه القرن الثامن عشر من تقدم فيها كان ضئيلا، لأن جميع الفيزيائيين تقريباً قبلوا "فرض الجسيمات" الذي قال به نيوتن-وهو أن الضوء انبعاث كريات من الجسم إلى العين. وكان أويلر يتزعم أقلية تدافع عن نظرية الموجات. فافترض-كما افترض هويجنز- أن الفضاء "الخالي" بين الأجرام السماوية. وبين الأجسام المنظورة الأخرى،




صفحة رقم : 12368




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


يملؤه "الأثير"، وهو مادة أرق من أن تدركها حواسنا أو آلاتنا، ولكن تلمع إليه الماعاً شديداً ظواهر الجاذبية، والمغنطيسية، والكهرباء. والضوء في رأى أويلر تموج في الأثير، كما أن الصوت تموج في الهواء. وقد ميز بين الألوان على أنها ترجع إلى فترات مختلفة من تذبذب في أمواج الضوء، وكان سباقاً إلى نظريتنا التي تنسب اللون الأزرق إلى أقصر فترة تذبذب، واللون الأحمر إلى أطوالها. وقد أثبت بيير بوجيه بالتجربة ما سبق أن توصل إليه كلير نظرياً، وهو أن شدة الضوء تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع بعده عن مصدره. وتوصل يوهان لامبرت إلى طرق لقياس شدة الضوء، وقرر أن ضياء الشمس يبلغ 277,000 ضعف ضياء القمر، وأن علينا أن نتقبل هذا بالإيمان كما تقبلنا اللاهوت الذي ألقي إلينا في طفولتنا.


ب- الكهرباء


حققت فيزياء القرن الثامن عشر أروع تقدم لها في ميدان الكهرباء. لقد عرف الناس كهرباء الاحتكاك منذ زمن طويل. وكان طاليس المليطي (600 ق.م) على علم بما للعنبر (الكهرمان)، والكهرمان الأسود، وغيرهما من المواد إذا حكت من قدرة على جذب الأجسام الخفيفة كالريش أو القش. وقد سمى وليم جلبرت، طبيب الملكة إليزابث، هذه القوة الجاذبة "إلكترون" (من كلمة Electron اليونانية بمعنى الكهرمان) وباللاتينية vis electrica. وكانت الخطوة التالية هي إيجاد وسيلة لتوصيل هذه الكهرباء الساكنة واستخدامها. وقد بحث جويريكي وهاوكسي عن مثل هذه الوسيلة في القرن السابع عشر، وبقي أن يظل الكشف الحاسم عليها سراً حتى يتم على يد ستيفن جراي (1729).
وكان جراي رجلاً متقاعداً حاد الطبع، نزيل ملجأ من ملاجئ لندن. وحين "كهرب" أنبوبة زجاجية، مسدودة بفلينتين عند طرفيها، بدعكها وجد أن الفلينتين وكذلك الأنبوبة تجذب ريشة طائر. فأدخل أحد طرفي قضيب خشبي في إحدى الفلينتين، والطرف الآخر في كرة من العاج، فلما دعك الأنبوبة، جذبت الكرة الريشة كما جذبتها الأنبوبة والفلينتان، وهكذا أمكن توصيل الكهرباء على طول القضيب. واستطاع باستعمال




صفحة رقم : 12369




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


الدوبارة أو خيط القنب المتين بدلا من القضيب أن يوصل الكهرباء لمسافة 765 قدماً. فلما استخدم الشعر، أو الحرير، أو الراتنج، أو الزجاج، في الربط انعدام التوصيل؛ وهكذا لاحظ جراي الفرق بين الأجسام الموصلة وغير الموصلة، واكتشف أن الأجسام غير الموصلة يمكن استعمالها لحفظ الشحنات الكهربائية أو تخزينها. فلما علق 666 قدماً من الدوبارة الموصلة من سلسلة طويلة من الأعمدة المائلة، وأرسل "القوة أو الفضيلة" الكهربائية (كما سماها) خلال تلك المسافة، كان في الواقع سباقاً إلى ابتكار التلغراف.
وتبنت فرنسا البحث، فواصل جان ديزاجولييه (1736) تجارب جراي، وقسم المواد إلى موصلة وغير موصلة (سماها "كهربات قائمة بذاتها") ووجد أن هذه يمكن تغييرها إلى موصلات ببلها بالماء. وأجرى شارل روفيه أبحاثاً أنهاها إلى أكاديمية العلوم في 1733-37. وفي رسالة متواضعة إلى جمعية لندن الملكية (1734) صاغ أهم استنتاجاته على النحو الآتي:
"لقد ألقت الصدفة في طريقي بمبدأ آخر... وهو أن هناك كهربائين متميزين، تختلفان الواحدة عن الأخرى اختلافاً كبيراً، أسمى إحداهما "الكهرباء الزجاجية" والأخرى "الكهرباء الراتنجية" والأولى هي كهرباء الزجاج، والبلور الصخري، والأحجار الكريمة، وشعر الحيوان والصوف، وأجسام كثيرة أخرى. والثانية كهرباء العنبر، والكوبال، والجملكة، والحرير، والخيط، والورق، وعدد هائل من المواد الأخرى. وطبيعة هاتين الكهربائين هي أن جسما من نوع الكهرباء الزجاجية... يصد كل الأجسام التي من هذا النوع من الكهرباء، وبالعكس يجذب كل الأجسام التي من نوع الكهرباء الراتنجية(17).
إذن فإن جسمين مكهربين بالتماس مع نفس الجسم المكهرب يصد إحداهما الآخر وهو ما اكتشفه دوفيه، ويستطيع كل تلميذ أن يتذكر دهشته حين رأى كرتي بلسان معلقتين بواسطة مادتين غير موصلتين من نفس النقطة وموضوعتين بحيث تمس الواحدة منهما الأخرى، تنتقصان فجأة مبتعدتين الواحدة عن الأخرى حين يلمسها نفس القضيب الزجاجي المكهرب. وأظهرت تجارب لاحقة أن الأجسام "الزجاجية" قد تكتسب كهرباء راتنجية"، وأن الأجسام "الراتنجية" قد تكتسب كهرباء"زجاجية"




صفحة رقم : 12370




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


ومن ثم غير فرانكلن مصطلحات دوفيه إلى "موجبة وسالبة". وروح دوفيه عن معاصريه بتعليقه رجلا بحبال غير موصلة، وشحنه بالكهرباء بتلامسه مع جسم مكهرب، ثم بعث الشرر من جسم الرجل المعلق دون أن يصيبه أذى .
وانتقل المشهد إلى ألمانيا. فسبق جورج بوزيه في ناحية فرانكلن بإلماعه إلى أن ظاهرة الفجر الكاذب مصدرها كهربائي. وفي 1744 أثبت كرستيان لودولف في أكاديمية برلين أن في استطاعة الشرارة كهربية أن تشعل سائلا قابلاً للالتهاب. وفجر بونيه البارود بهذه الطريقة، فأفتتح بذلك عصر استعمال الكهرباء في التفجير، وإطلاق المدفع، وعشرات الأغراض الأخرى. وفي نفس العام بدأ جوتليب كراتسنشتين استعمال الكهرباء في علاج الأمراض. وفي أكتوبر 1745 اكتشف قسيس بومراني يدعى أ.ج كلايست أن في الإمكان تخزين شحنة كهربية في أنبوبة زجاجية بملئها بسائل أدخل فيه مسماراً متصلا بآلة تحدث كهرباء احتكاكية، فلما قطعت الوصلة احتفظ السائل بشحنته عدة ساعات. وبعد بضعة شهور توصل إلى هذا الكشف ذاته أستاذ بجامعة ليدن بييتر فان موسشينيرويك، دون أن يعلم شيئاً عن تجارب كلايست، وتلقى من طاس مشحونة غير مفصولة صدمة بدا لحظة أنها قاضية عليه، ولم يفق منها إلا بعد يومين. وأثبت المزيد من التجارب في ليدن أن في الإمكان تخزين شحنة أثقل في قارورة فارغة إذا غلف سطحاها السفليان، الداخلي والخارجي، بورقة قصدير. وخطرت لدانيال جرالات فكرة ربط عدة "جرار ليدينية" معاً، ووجد أن إفراغ شحنتها الكهربية يقتل صغار الحيوان.




صفحة رقم : 12371




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


وعرض لوى جيوم في باريس عام 1746، ووليم واطسن في لندن عام 1747، ما بدأ واطسن بتسمية "دائرة". فقد مد واطسن سلكاً طوله نحو ألف ومائتي قدم عبر كوبري وستمنستر، وعلى إحدى ضفتي التيمز أمسك رجل بطرف السلك ولمس الماء؛ وعلى الضفة الأخرى أمسك آخر بالسلك وبجرة من الجرار الليدينية، فلما لمس ثالث الجرة بيد وقبض بالأخرى على سلك امتد داخل الماء أقفلت "الدائرة" وأصيب الرجال الثلاثة بصدمة. خلال فراغ جزئي، فينشأ عن ذلك ضؤ غير قليل.
ويوصلنا هذا العام -عام 1747 إلى بنيامين فرانكلن، الذي بدأ آنئذ تجاربه الكهربية التي جعلت اسمه وصيته يتذبذبان بين العلم والسياسة. هنا ذهن وقلب من أعظم ما وعى التاريخ، اتسعت رقعة فضوله الخلاق وتفاوتت من مقترحات كالتوقيت الموفر لنور النهار، والكراسي الهزازة، والنظارات المزدوجة البؤرة إلى مانعات الصواعق ونظرية السائل الواحد الكهربية. وقد اعترف عالم من أئمة علماء قرننا هذا، هو السير جوزيف طومسن، بأنه "دهش للتشابه بين بعض الآراء التي تهدينا إليها نتائج أحدث الأبحاث، والآراء التي قال بها فرانكلن في طفولة الموضوع(19).
كان من أول كشوف فرانكلن تأثير الأجسام المدببة في "جذب وقذف النار الكهربية"(20). فقد وجد أن إبرة طويلة رفيعة تستطيع جذب تيار من الكهرباء من كرة مكهربة على بعد ست بوصات أو ثمان، في حين أن جسما غير حاد اقتضى إحداث هذا الأثر فيه تقريبه إلى مسافة بوصة من الكرة. وكان فرانكلن يتحدث عن الكهرباء باعتبارها ناراً، ولكنه ذهب إلى النار نتيجة خلل بين توازن السائلين الناريين "الموجب والسالب"، اللذين طن أنهما الكهرباء. فكل الأجسام عنده تحوي هذا السائل الكهربي: فالجسم "الزائد" المحتوي على أكثر من كميته العادية، يكهرب إيجابياً ويميل إلى إفراغ فائضه في جسم يحوي كمية عادية أو أقل من العادية؛ والجسم "الناقص" المحتوي على أقل من كميته العادية، يكهرب سلبياً، ويجتذب




صفحة رقم : 12372




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


الكهرباء من جسم يحوي كمية عادية أو أكثر. وعلى هذا الأساس طور فرانكلن بطارية مكونة من إحدى عشرة لوحة زجاجية كبيرة برقائق من الرصاص كهربت إلى درجة عالية؛ فلما قرب هذا الجهاز ليلمس أجساماً أخف شحنة، أطلق جانباً من شحنته بقوة عنها فرانكلن "أنها لا تعرف حدوداً "تفوق أحياناً" أشد ما نعرف من آثار البرق العادي"(21).
وكان العديد من الباحثين-وول، ونيوتن، وهوكسي، وجراي، وغيرهم- قد لاحظوا الشبه بين الشرر الكهربي والبرق؛ فأثبت فرنكلن أنهما واحد. وفي 1750 أرسل إلى جمعية لندن الملكية رسالة جاء فيها:
"ألا يجوز أن يفيدنا علمنا بقوة الأطراف المدببة هذه في وقاية البيوت والكنائس والسفن الخ. من الصواعق، وذلك بإرشادنا إلى أن نثبت فوق قمم المباني قضباناً مستقيمة من الحديد، يسن القضيب منها كالإبرة ويغشى بالذهب منعاً لصدئه، ومن أسفل هذه القضبان يمد سلك من خارج البناء هابطاً إلى الأرض، أو حول أحد حبال صاري المركب إلى جنبها حتى يصل إلى الماء؟ ألا يحتمل أن تجذب هذه القضبان المدببة النار الكهربائية في هدوء من السحابة قبل أن تقترب قرباً يتيح لها أن تصعق البناء، وبهذا نأمن ذلك الشر الفجائي المستطير؟"(22):
ثم وصف تجربة يمكن ان تختبر بها هذه النظرية. أما الجمعية الملكية فقد رفضت الاقتراح لنه من قبيل الخيال، ورفضت أن تنشر رسالة فرانكلن. ولكن عالمين فرنسيين هما دلور وداليبار، وضعا نظرية فرانكلن موضع الاختبار، فأقاما في حديقة بماري (1752) قضيباً حديدياً مدبباً طوله خمسون قدماً، ونبها على حارس بأن يلمس القضيب بسلك نحاسي معزول إن مرت غيابهما سحب رعدية فوق رأسه. وجاءت السحب، ولمس الحارس القضيب لا بالسلك فقط بل بيده كذلك؟ وتطاير الشرر وطقطق، وصدم الحارس صدمة عنيفة. وأيد دلور وداليبار رواية الحارس بمزيد من الاختبارات، وأبلغا أكاديمية العلوم الباريسية أن "فكرة فرانكلن لم تعد حدساً بل حقيقة".
أما فرانكلن فلم يقنع بهذا، فقد أراد أن يوضح وحدة البرق والكهرباء في جلاء، وذلك بأن "يستخلص" البرق بشيء يرسل صعدا إلى السحابة




صفحة رقم : 12373




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


المبرقة ذاتها. ففي يونيو 1752 حين بدأت عاصفة رعدية، طير على خيط قنب متين طيارة من الحرير (لأنه أصلح من الورق لحمل الريح والرطوبة، دون أن يتمزق)؛ وبرز سلك شديد التدبب على نحو اثنتي عشرة بوصة من قمة الطيارة، وعلى طرف الخيط الذي ينتهي عند المشاهد ربط مفتاح بشريط حريري؛ وبين فرانكلن نتائج التجربة في رسالة إلى إنجلترا (19 أكتوبر) ضمنها توجيهات لتكرارها:
"إذا بلل المطر خيط الطيارة بحيث يستطيع توصيل النار الكهربية دون معوق، ستجد أنها تنطلق بوفرة من المفتاح بمجرد أن تدنى منه مفصل اصبعك، وبهذا المفتاح يمكن شحن قنينة (أو جرة ليدينية)، ومن النار الكهربية التي يحصل عليها بهذه الطريقة يمكن إشعال المواد الكحولية وإجراء جميع التجارب الكهربية الأخرى التي تجري عادة بالاستعانة بكرة أو أنبوبة زجاجية محكوكة، وهكذا يتضح تماماً أن المادة الكهربية هي البرق شئ واحد"(23).
وكررت التجربة في فرنسا(1753) بطيارة أكبر وحبل طوله 780 قدماً ملفوف حول سلك حديدي، ينتهي عند المشاهد بأنبوبة معدنية كانت في التجربة تبعث شراراً طوله ثماني بوصات. وقد قتلت الصدمة الكهربية ج.و. وتشمان الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورج وهو يجري تجربة مماثلة. فلما أرسلت مؤلفات فرانكلن إلى إنجلترا في 1751-54 أكسبته الانتخاب عضواً في الجمعية الملكية، ومدالية كوبلي. وجاءته ترجمتها إلى الفرنسية بخطاب تهنئة من لويس الخامس عشر، وثناء حار من ديدرو، الذي وصفها بأنها نماذج في تحرير التقارير العلمية. وقد مهدت هذه الترجمات للاستقبال الودي الذي لقيه فرانكلن حين قدم إلى فرنسا ملتمساً العون للمستعمرات الأمريكية إبان ثورتها فلما نجحت الثورة بمعونة فرنسا لخص دالامبير (أوطورجو) إنجاز فرانكلن في بيت محكم خليق بقيرحل أو لوكريتيوس:


"نه خطف البرق من السماء، والصولجان من الطغاة".






صفحة رقم : 12374




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


وعجت أوربا كلها بالنظريات والتجارب الكهربية بعد عام 1750. ففتح جون كانتون (1753) وفيلكي العالم المتعدد القدرات (1757) الطريق لدراسة التوصيل الكهربي الاستاتيكي، الذي يتكهرب بواسطته موصل غير مشحون إذا وضع بقرب جسم مشحون. وبرهن فيلكي على أن في الإمكان شحن معظم المواد بالكهرباء الموجبة (أو السالبة) إذا حكت بجسم مشحون بشحنة أقل منها (أو أزيد). وأثبت أيبينوس (فرانتز أولريش هوخ) الذي كان يعمل مع فيلكي في برلين أن لوحتين معدنيتين لا يفصلهما إلا طبقة من الهواء تعملان عمل الجرة الليدينية. وحاول جوزف بريستلي قياس قوة الشحنة الكهربية وأقصى اتساع تمر عبره شرارة شحنه معينة. وقد قرر أنه حين عبرت شرارة فجوة لا تتجاوز حتى بوصتين بين قضيبين معدنيين في فراغ ظهر في الفجوة "ضؤ أزرق أو أرجواني خفيف". على أن أروع إسهام أسهم به بريستلي في النظرية الكهربية هو إلماعه إلى أن قوانين الكهرباء قد تكون شبيهة بقوانين الجاذبية ولأن القوة التي تؤثرها الواحدة على الأخرى بواسطة شحنات كهربية منفصلة تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع المسافة بين مصدريهما. وقد جرب هنري كافندش (الذي يذكر كما يذكر بريستلي بفضل منجزاته في الكيمياء على الأخص) اقتراح بريستلي في سلسلة من التجارب الصابرة، وتوصل إلى تعديل طفيف ولكنه هام، زاده جيمس كلارك ماكسويل صقلا في 1878، والقانون يقبل اليوم بوضعه هذا. وبعد أن قام شارل أوجستن وكولومب بأعمال قيمة في ميدان توتر العوارض ومقاومة المعادن للالتواء، قدم لأكاديمية العلوم الباريسية تقارير عن تجارب (1785-86) استخدمت الميزان الالتوائي (إبرة تعتمد على شعرة رقيقة) في تقدير التأثيرات المغنطيسية والشحنات الكهربية، وفي كلتا الحالتين أثبت مادياً قانون المربعات العكسية.
وقد ترك إيطاليان، كما ترك كولومب، على اسميهما مصطلحات الكهرباء. فلم يقتصر لويجي جلفاني أستاذ التشريح في بولونيا على كشفه إمكان إحداث التقلصات العضلية في الحيوان الميت بالتماس الكهربي المباشر (وكان هذا معروفاً قبل ذلك بزمن طويل) بل زاد بأن هذه التقلصات تحدث إذا قربت ساق ضفدع ميت موصلة بالأرض من آلة تبعث شرارة كهربية. وأحدثت




صفحة رقم : 12375




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفيزياء


تقلصات مماثلة في سيقان الضفادع-الموصلة كذلك بالأرض والمربوطة بأسلاك حديدية طويلة- حين ومض البرق في الحجرة. وأدهش جلفاني أن يكتشف أن في إمكانه أن يقلص ساق ضفدع دون أي استعمال أو وجود لجهاز كهربي بمجرد تقريب عصب الضفدع وعضلته ليمسا معدنين مختلفين. وخلص من ذلك إلى أن في جسم الحيوان كهرباء طبيعية.
وكرر هذه التجارب أليساندرو فولتا، أستاذ الفيزياء في بافيا، ووافق أول الأمر على نظرية مواطنه في الكهرباء الحيوانية، ولكن المزيد من أبحاثه عدل آراءه. فبعد أن أعاد فولتا تجربة رواها ي. ج. زولتسر حوالي عام 1750 وجد أنه إذا وضع قطعة من القصدير على طرف لسانه، وقطعة من الفضة على ظهر لسانه شعر بطعم شديد الحموضة كلما وصل المعدنين بسلك. فلما وصل جبينه وسقف حلقه بهذين المعدنين المختلفين حصل على إحساس بالضوء. وفي 1792 أذاع النتيجة التي خلص إليها، وهي أن المعدنين، لا النسيج الحيواني، أحدثا الكهرباء بمجرد تفاعل الواحد مع الآخر ولمسهما مادة رطبة يحسن أن تكون محلول ملح. وأثبت المزيد من التجارب أن تماس معدنين مختلفين يحدث بهما شحنة كهربية-الواحد إيجاباً والآخر سلباً-دون تدخل من أي مادة رطبة، حيوانية كانت أو غير حيوانية. ولكن هذا التماس المباشر يحدث تفاعلا في الشحنات فقط، لا تدفقاً في التيار. ولكي يحدث فولتا تياراً صنع" رصيفاً كهربائياً" (فولطياً) بوضع عدة طبقات بعضها فوق بعض، يتألف كل منها من صفيحتين موصولتين من معدن نختلف، وصفيحة من الورق أو الخشب المبلل. وهكذا كونت في آخر سنة في القرن لثامن عشر أول بطارية ذات تيار كهربي. وفتح الطريق أمام الكهرباء لتعيد صنع وجه الأرض وليلها.




صفحة رقم : 12376




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء



4- الكيمياء




أ - البحث عن الأوكسجين


كتب إدوارد جيبون في 1761 يقول "إن الفيزياء والرياضة تتربعان الآن على العرش، تريان أخواتهما ملقيات على الأرض أمامهما، مغلولات إلى عربتهما، أو على الأكثر يزين موكب انتصارهما. ولعل الزمن لن




صفحة رقم : 12377




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


يمهلهما كثيراً حتى يسقطها عن عرشهما"(24). وكانت تلك نبوءة مشئومة فالفيزياء الآن ملكة العلوم، والرياضة معينتها، ولكن ما من أحد يستطيع التنبؤ بما قد يسفر عنه اتحادهما.
ومع ذلك، ففي وسط جميع انتصارات رياضة القرن السابع عشر وفيزيائه وفلكه، كان علم صغير قد انبعث من أقمطة الكيمياء. وأوشك خطأ مؤسف أن يخنقه وهو بعد في المهد. ذلك أن جورج شتال أستاذ الطب والكيمياء في هاللي، عملا بنظرية اقترحها بوهان بيشر في 1669، علل الاختراق بأنه إطلاق "الفلوجستون" (اللاهوب) من المادة المحترقة إلى الهواء وكلمة Phlogiston هي المقابل اليوناني لكلمة inflammable أي قابل للاحتراق؛ وكلمة phlox هي المقابل اليوناني لكلمة flame أي اللهب، وتعني اليوم نباتاً تتلون أزهاره أحياناً باللون الأحمر المشتعل). وما وافى عام 1750 حتى قبل معظم الكيميائيين في غرب أوربا هذه النظرية التي تزعم أن الحرارة أو النار مادة منفصلة عن المادة المشتعلة. ولكن أحداً لم يستطع أن يفسر، إذا كان الأمر كذلك فما السر في أن المعادن تزن بعد احتراقها أكثر منها قبله.
وقد مهد لتعليلنا الراهن للاحتراق العمل الذي قام به هيلز، وبلاك، وشيليه في كيمياء الهواء. أما ستيفن هيلز فقد عبد الطريق باختراعه "الحوض الغازي" وهو وعاء هوائي يمكن أن تجمع فيه الغازات في إناء مقفل فوق الماء. وقرر أن الغازات (وقد سماها "الأهوية") تحتويها جوامد كثيرة، ووصف الهواء بأنه "سائل مطاط رقيق" له جزيئات ذات طبيعة مختلفة جداً تطفو فيه"(25).
وقد أنهى تحليل الهواء والماء إلى مواد منوعة الفكرة القديمة عن الهواء، والماء، والنار، والتراب، باعتبارها العناصر الرئيسية الأربعة. وفي الجيل التالي أثبتت تجارب جوزف بلاك (1756) أن من مكونات الهواء ما سماه اقتداء بهليز-"الهواء الثابت" أي الهواء المحتوي في المواد الجامدة أو السائلة والقابل للإزالة منها، ونحن نسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون أو غاز حامض الكربونيك". وزاد بلاك بتمهيده الطريق للكشف عن الأوكسجين بإثباته




صفحة رقم : 12378




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


بالتجربة أن هذا الغاز يحتويه زفير الإنسان. ولكنه ظل يؤمن بالفلوجستون، وظل الأوكسجين والهيدروجين والأزوت (النتروجين) أسراراً غامضة.
وقد أسهمت السويد بعطاء سخي في كيمياء القرن الثامن عشر فتوربيرن أولوف بيرجمان، الذي سنلتقي به ثانية رائداً في الجغرافيا الطبيعية، كان أولاً وقبل كل شيء كيميائياً، عرفه الناس وأحبوه أستاذاً لذلك العلم في جامعة أوبسالا. وهو أول من حصل على النيكل في حالة نقاء، وأول من أثبت أهمية الكربون في تحديد الخواص الطبيعية للمركبات الكربونية الحديدية. وقد درس في حياته القصيرة نسبياً-والتي لم تتجاوز تسعة وأربعين عاماً- الائتلافات الكيميائية لتسع وخمسين مادة، بعد أن أجرى عليها نيفاً وثلاثين ألف تجربة، ونشر كشوفه في كتابه "الإجتذابات الانتخابية"(1775) ومات قبل أن يكمل هذا العمل، ولكنه كان خلال ذلك قد أورث شيليه تفانيه في البحوث الكيميائية.
ويسلم مؤرخو العلم الإنجليزي الآن في شهامة بأن كيميائياً سويدياً-هو كارل فلهلم شيليه سبق (1772) كشف بريستلي (1774) لما سماه لافوزييه (1779) لأول مرة بالأكسجين. وقد قضى شيليه أكثر عمره الذي لم يتجاوز الثلاثة والأربعين عاماً فقيراً معدماً. بدأ صبياً لصيدلي في جوتبورج، ولم يرق إلى أكثر من صيدلي في مدينة كوبنج المتواضعة. وقد حصل له معلمه توربيرن بيرجمان-على معاش صغير من أكاديمية أستوكهولم للعلوم، فكان شيليه ينفق ثمانين في المائة منه على التجارب الكيميائية، يجرى أكثرها ليلا بعد الفراغ من عمل نهاره مستعيناً بأبسط الأجهزة المعملية. ومن هنا موته المبكر. ومع ذلك فقد غطى ميدان هذا العلم الجديد كله تقريباً، وعرفه ببساطته المعهودة فقال"إن هدف الكيمياء ومهمتها الرئيسية هي أن تفصل المواد بمهارة، وتردها إلى مكوناتها، وأن تكشف خواصها، وأن تركبها بطرق مختلفة"(26).
وفي 1775 أرسل إلى لمطبعة مخطوطة عنوانها "رسالة كيميائية في الهواء والنار"؛ وتأخر نشرها حتى 1777، ولكن كل التجارب التي وصفتها تقريباً كانت قد أجريت قبل 1773. ومع أن شيليه ظل حتى مماته متمسكاً




صفحة رقم : 12379




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


بإيمانه باللاهوب، فإنه أرسى قضية أساسية هي أن الهواء غير الملوث يتألف من غازين، سمى أحدهما "هواء النار" وهو الأكسجين لأنه أهم عماد للنار وسمى الثاني "الهواء التالف" وهو الأزوت لأنه هواء فقد "هواء النار". وقد حضر الأكسجين بطرق عديدة، مزج في إحداهما حامض الكبريتيك المركز بالمنغنيز المطحون طحناً دقيقاً، وسخن المزيج في إنبيق، وجمع الغاز الناتج في كيس ضغط حتى خلا من الهواء تقريباً. ووجد أن الغاز الذي أنتج على هذا النحو إذا مرر على شمعة مشتعلة "بدأت تشتعل بلهيب أكبر، وبعثت نوراً ساطعاً يبهر العين"(27). وخلص إلى أن "هواء النار" هو الغاز الذي تعتمد عليه النار. ولا شك أنه استخرج هذا الغاز قبل أن يستخرجه بريستلي بسنتين(28).
ولم يكن هذا سوى قسط يسير من منجزات شيليه. ولعل سجله مكتشفاً لمواد جديدة لا ضريب له بين المكتشفين(29) فهو أول من عزل الكلورين، والباريوم، والمنغنيز، ومركبات جديدة مثل النشادر، والجلسرين، وأحماض الهيدروفلوريك، والتانيك، والبنزويك، والأوكساليك، والماليك، والطرطريك. وقد انتفع برتولليه في فرنسا، وجيمس وات في إنجلترا، انتفاعاً تجارياً بكشفه لتبييض الكلورين للثياب، والخضر، والزهر. وفي أبحاث أخرى اكتشف شيليه حمض البوليك بتحليل حصاة المثانة(1776). وفي 1777 حضر الهيدروجين المكبرت، وفي 1778 حمض المولبديك. وفي 1780 أثبت أن حموضة اللبن الحامض سببها حمض اللبنيك؛ وفي 1781 حصل على حمض التنجستيك من تنجستات الكلسيوم (ويعرف الآن بالشيلي). وفي 1783 اكتشف حمض البروسيك (الهيدروسيانيك) دون أن يدرك ما له من طبيعة سامة. كذلك استخراج غاز الأرسين (وهو مركب قتال من الزرنيخ (وصبغة الزرنيخ المعروفة الآن بأخضر شيليه(30). وقد أعان على تيسير التصوير الفوتوغرافي بإثباته أن ضؤ الشمس الأبيض لها تأثيرات على أملاح الفضة. وقد تبين أن الجهد الذي أنفق في هذا العمر القصير، وهو جهد مثمر إلى حد لا يصدق، ذو أهمية بالغة في التنميات الصناعية في القرن التاسع عشر.




صفحة رقم : 12380




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء




ب- بريستلي


ظل الفضل في اكتشاف الأكسجين ينسب طويلا إلى جوزف بريستلي لا إلى شيليه، لأنه اكتشفه مستقلا عن شيليه، وأذاع اكتشافه هذا في 1775 قبل عامين من نشر شيليه المتأخر لكشفه. ومع ذلك فنحن نكرمه لأن أبحاثه أتاحت للافوازييه أن يضفي على الكيمياء شكلها الحديث، ولأنه كان من الرواد في الدراسة العلمية للكهرباء، ولأنه أسهم بشجاعة في الفكر البريطاني عن الدين والحكومة حتى أن جماعة متعصبة من الغوغاء أحرقت بيته في برمنجهام وحملته على الالتجاء إلى أمريكا. وقد لمس تاريخ الحضارة في نقط كثيرة، وهو واحد من أعظم شخصياته إلهاماً.
ولد في يوركشير في 1733، لمشاط من المنشقين على الكنيسة الرسمية. وأكب بنهم على دراسة العلم، والفلسفة، واللاهوت، واللغات؛ فتعلم اللاتينية، واليونانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والعربية، وحتى طرفاً من السريانية والكلدية. واشتغل أول الأمر واعظاً منقشاً في سافوك، ولكن عقده في لسانه انتقصت من تأثير بلاغته في السامعين. فلما بلغ الخامسة والعشرين نظم مدرسة خاصة بعث الحياة في منهاجها بتجارب في الفيزياء والكيمياء. وفي الثامنة والعشرين أصبح معلماً في أكاديمية للمنشقين في وارنجتن، وهناك علم خمس لغات، ووجد رغم ذلك الوقت ليجري أبحاثاً أكسبته زمالة في الجمعية الملكية (1776). في تلك السنة التقى بفرانكلن في لندن فشجعته على تأليف كتابه "تاريخ الكهرباء ووضعها الراهن" (1776) وهو مسح جدير بإعجاب للموضوع بأسره حتى جيله. وفي 1767 عين راعياً لكنيسة مل هل بليدز. وقد تذكر في تاريخ لاحق من حياته، إنه "نتيجة لسكناي حيناً بقرب مصنع عمومي للجعة أغريت بإجراء تجارب على الهواء الثابت(31). لأن عجين مصنع الجعة انبعث منه غاز ثاني أكسيد الكربون. وقد أذابه في الماء، وأعجبته نكهته الفوارة؛ وكان هذا أول "ماء صودا".
وفي 1772 أعفى من هموم الرزق بتعيينه أمين مكتبة للورد شلبيرن. وفي البيت الذي جهز له بكولن أجرى التجارب التي أكسبته شهرة دولية.




صفحة رقم : 12381




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


وقد حسن "وعاء هيلز الغازي" بأن جمع فوق الزئبق، بدلا من الماء، الغازات التي ولدها بأنواع مختلفة من المزج. ففي 1772 عزل أكسيد النتريك، وأكسيد النتري (الغاز الضحاك) وكلوريد الهيدروجين؛ وفي 1773 النشادر (مستقلاً عن شيليه)؛ وفي 1774 ثاني أكسيد الكبريت؛ وفي 1776 بيروكسيد الأزوت. وفي 15 مارس 1775 أرسل إلى جمعية الملكية خطاباً أذاع فيه كشفه للأكسجين. وقد وصف طريقته في المجلد الثاني من كتابه تجارب ومشاهدات في مختلف أنواع الهواء (1775) فقال أنه باستعمال عدسة حارقة قوية: "شرعت... بالاستعانة بها في أن أفحص نوع الهواء الذي تطلقه أنواع كثيرة جداً من المواد) حين تسخن بهذه الطريقة (بوضعها في... أوان... مملوءة بالزئبق ومقلوبة في حوض الزئبق... وبهذا الجهاز...، في أول أغسطس 1774، حاولت استخراج الهواء من الزئبق المكلس وحده (أكسيد الزئبق) وسرعان ما وجدت أن الهواء يطرد منه بسرعة باستعمال هذه العدسة... والذي أدهشني دهشة لا يمكنني التعبير عنها أن شمعة اشتعلت في هذا الهواء بلهب قوى جداً(32).
فلما لاحظ-كما لاحظ شيليه- أن في استطاعة فأر أن يعيش أطول في هذا الهواء المنزوع اللاهوب أو الفلوجستون (كما سمى الأكسجين) مما يعيش في الهواء العادي، خطر له أن يجرب بنفسه الهواء الجديد.
"لن يعجب القارئ لأنني بعد أن أكد لي عظم صلاحية الهواء المنزوع اللاهوب من حياة الفئران فيه، وبغير ذلك من التجارب التي سبق ذكرها، تطلعت إلى تذوقه بنفسي. فأشبعت فضولي باستنشاقه وسحبه من زجاجة سيفون؛ وبهذه الطريقة أحلت أبريقاً كبيراً مملوءاً به إلى مستوى الهواء العادي. ولم يكن إحساس رئتي به يختلف اختلافاً محسوساً عن إحساسهما بالهواء العادي. ولكن خيل إلي أن صدري ظل بعض الوقت بعدها يحس بأنه خفيف إلى درجة غريبة. ومن يدري، فلعل هذا الهواء النقي سيصبح يوماً ما أداة عصرية من أدوات الترف؟ أما إلى اليوم فإن أحداً لم يستمتع باستنشاقه سواي أنا وفأرين(33)...




صفحة رقم : 12382




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


وقد تنبأ ببعض صور هذا الترف المستقبل:
لنا أن نحزر-من قوة لهيب الشمعة المضاءة في هذا الهواء النقي وسطوعها الزائد-أنه قد يكون أصلح جداً للرئتين في حالات مرضية معينة، حين لا يكفي الهواء العادي إزالة الزفر الفلوجستي الفاسد (ثاني أكسيد الكربون) بالسرعة الكافية. ولكن ربما استنتجنا أيضاً من هذه التجارب أنه وإن كان الهواء المنزوع اللاهوب (الأكسجين) مفيداً جداً كدواء ، فإنه قد لا يكون بمثل هذه الصلاحية لنا في حالة الصحة العادية للبدن، لأن الشمعة تشتعل في الهواء المنزوع اللاهوب بأسرع مما تشتعل في الهواء العادي، ومن ثم فقد نفني حياتنا بأسرع مما ينبغي وتستهلك فينا القوة الحيوانية على عجل في هذا النوع النقي من الهواء(34).
وقد تألفت تجارب بريستلي بالفروض المثمرة والإدراكات اليقظة، ولكن تفسيراته النظرية كان أكثرها تقليداً. فقد ظن كما ظن شتال وشيليه أنه في الاحتراق يخرج الجسم المشتعل مادة هي الفلوجستون (اللاهوب) وذهب إلى أن هذه المادة تتحد مع أحد مكونات الهواء ليكونا "الهواء التالف" أو "الهواء ذات اللاهوب" (وهو الأزوت) أما المكون الآخر فسماه"الهواء المنزوع اللاهوب" وهو ما سيطلق عليه لافوازييه اسم الأكسجين. وبينما كان لافوازييه يقول بأن الجسم في عملية الاحتراق يمتص الأكسجين من الهواء بدلا من أن يطرد الفلجستون فيه، ظل بريستلي إلى آخر حياته متمسكاً بالمفهوم القديم.
وفي 1774 سافر مع اللورد شلبيرن إلى القارة، وأخبره بتجارب الأكسجين. وفي 1780 أحاله شلبيرن إلى التقاعد بمعاش سنوي قدره 150 جنيهاً. واستقر بريستلي في برمجنهام قسيساً أصغر لجماعة كبيرة من المنشقين تدعى "المحفل الجديد". وانضم إلى جيمس وات، وجوسيا ودجوود، وارزمس داروين، وماثيوبولتن، وغيرهم في "جمعية قمرية" تناقش أحدث الأفكار في العلم، والتكنولوجيا، والفلسفة. وكان محبوباً من جميع الطبقات تقريباً وموضع الإعجاب لوجهه البشوش، وتواضعه، وسماحته، وطهارة حياته التي لا تشوبها شائبة(35). ولكن بعض جيرانه




صفحة رقم : 12383




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


ارتابوا في مسيحيته. وفي كتابه "مقالات في المادة والروح" (1777) رد كل الأشياء، حتى النفس، إلى المادة وأصر على أن هذا الرأي شئ لا غبار عليه.
"فمعلوم جيداً لأهل العلم... إن ما عناه القدماء بالكائن اللامادي إنما هو نوع مهذب مما ينبغي أن نسميه الآن مادة، شئ كالهواء أو النفس، زود الناس لأول مرة باسم للنفس... ومن ثم لم يستعبد القدماء من العقل خاصية "الامتداد" والضغط المحلي. فقد كان لهم في رأيهم بعض الخواص المشتركة بينه وبين المادة، وكان في استطاعته أن يتحد معها، وأن يؤثر فيها ويتأثر بها... وعليه فقد رؤي أن... قوة الحس أو التفكير... يمكن أن تنقل لأغلظ ضروب المادة... وأن "النفس" "والجسم" لا بد أن يموتا معاً لأنهما في الواقع مادة واحدة(36).
وفي كتاب آخر نشره في نفس العام اسمه"شرح عقيدة الضرورية الفلسفية"، أنكر بريستلي بحماسه حرية الإرادة أسوة بهارتلي وهيوم. وفي كتابه "تاريخ تحريفات المسيحية" (1782) رفض المعجزات وسقوط آدم، وكفارة المسيح، وعقيد الثالوث. وذهب إلى أن هذه العقائد كلها تحريفات أدخلت أثناء تطور المسيحية؛ إذ لا وجود لها في تعاليم المسيح والرسل الأثنى عشر. ولم يبق من المسيحية في بريستلي غير الإيمان بالله المبني على شهادة للقصد الإلهي. ولم يكن راضياً تمام الرضى عن فكرة الخلود، فألمع إلى أن الله في يوم الحشر سيعيد خلق الأموات جميعاً. على أن رجاه الحقيقي لم يكن معقوداً على سماء في الآخرة بل على "بوتوبيا" تبنى على هذه الأرض بانتصار العلم على الخرافة والجهل. وندر أن عبر إنسان بحرارة كما عبر بريستلي عن دين القرن الثامن عشر، وعن التقدم، إذ يقول:
كل المعرفة ستقسم فروعاً وتوسع، ولما كانت المعرفة قوة كما لاحظ اللورد بيكون، فإن قوى البشر ستزداد في الواقع، فالطبيعة -مواردها وقوانينها- ستكون في متناول أكثر من ذي قبل، وسيجعل الناس وضعهم في هذا العالم أشد يسراً وراحة، وأغلب الظن أنهم سيطيلون وجودهم فوقه، وسيصبحون كل يوم أسعد حالاً، كل سعيد في ذاته، وأقدر




صفحة رقم : 12384




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


(وأكثر ميلاً في ظني) على توصيل السعادة لغيره. ومن ثم، فأياً كانت بداية هذا العالم، فإن نهايته ستكون أمجد وأسعد مما يستطيع خيالنا الآن أن يتصوره...(37) وطوبى للذين يسهمون في نشر النور النقي لهذا الإنجيل الخالد(38).
وفي رؤيا بريستلي أن بعض هذا التقدم المجيد سيكون سياسياً، وسيبنى على مبدأ إنساني بسيط "فتحقيق الخير والسعادة... لأغلبية الناس في أي دولة، هو المعيار الذي يجب أن يقرر به نهائياً كل شئ يمت إلى تلك الدولة(39). ويقول بنتام أنه وجد هنا مصدراً من مصادر فلسفة المنفعة التي بشر بها. وعند بريستلي أن الحكومة العادلة الوحيدة هي التي تستهدف إسعاد مواطنيها. ومما يتفق تماماً مع المسيحية أن يطيح الشعب بالحكومة التي يتضح له ظلمها. وقد أجاب عن تحذير القديس بولس الذي قال فيه "إن السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله." بقوله "للسبب نفسه ستكون سلاطين المستقبل مرتبة من الله أيضاً(40).
وكان طبيعياً أن يتعاطف ثائر كهذا مع المستعمرات في احتجاجها على فرض الضرائب عليها دون أن يكون لها ممثلون في البرلمان البريطاني. وقد صفق للثورة الفرنسية بحرارة أشد حتى من حرارة تعاطفه مع المستعمرات. ولما ندد بها بيرك دافع عنها بريستلي فدمغه بيرك في البرلمان بالهرطقة. وكان بعض أصدقاء بريستلي يشاركونه آراءه المتطرفة. وفي 14 يوليو 1791 اجتمعت "جمعية برمنجهام الدستورية" في الفندق الملكي للاحتفال بالذكرى السنوية لسقوط الباستيل. ولم يحضر بريستلي الاحتفال. واحتشد جمع أمام الفندق واستمعوا إلى اتهامات زعمائهم للمهرطقين والخونة، ثم قذفوا نوافذ الفندق بالحجارة، ففر أصحاب المأدبة. وانطلق الجمع إلى بيت بريستلي فأحرقوه مبتهجين وأتوا على مختبره وأدواته ومكتبته ومخطوطاته. ثم ظلوا ثلاثة أيام يجوبون أنحاء برمنجهام وهم يقسمون أن يقتلوا جميع "الفلاسفة"؛ وراح المواطنون المروعون يخطون على زجاج نوافذهم عبارة "لا يوجد هنا فلاسفة". وفر بريستلي إلى ددلي، ثم لى لندن. ومنها وجه رسالة في 19 يوليو إلى أهل برمنجهام قال فيها:




صفحة رقم : 12385




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


مواطني وجيراني الأسبقون.
بعد أن عشت معكم أحد عشر عاماً، خبرتم كلكم على السواء خلالها ذلك المسلك المسالم الذي كنت أسلكه في العكوف على الواجبات الهادئة لمهنتي وللفلسفة، لم أتوقع قط تلك الأضرار التي أوقعتموها مؤخراً بي وبأصدقائي... وعقول الإنجليز لحسن الحظ تستبشع "القتل"، ومن ثم لم تفكروا فيه (وهو ما أرجوه). ولكن ما قيمة الحياة إذا ارتكب كل شئ لجعلها شقية تعسة؟..
لقد دمرتم أثمن وانفع جهاز حقاً من الأجهزة الأدوات الفلسفية... لقد دمرتم مكتبة.... لا يمكن لمال أن يشتريها من جديد إلا بعد زمن طويل ولكن ما يحز في نفسي أكثر من هذا أنكم دمرتم مخطوطات هي ثمرة الدرس الكادح في سنوات كثيرة، ولن أستطع أبداً إعادة تأليفها من جديد؛ وقد فعلتم هذا بإنسان لم يؤذكم ولم يخطر له قط أن يؤذيكم.
وتخطئون إذا ظننتم أن مسلككم هذا قد يخدم قضيتكم أو يضر قضيتنا... فلو أنكم قضيتم على كما قضيتم على بيتي، ومكتبي، وأجهزتي، فإن عشرة أشخاص آخرين لهم من الجرأة والكفاية ما يعادل مالي أو يفوقه سيظهرون على الفور. ولو قضي على هؤلاء العشرة لظهر بدلهم مائة...
نحن في هذا الأمر أشبه بالحملان وأنتم بالذئاب. وسنتمسك بخلقنا، ونرجو أن تغيروا خلقكم. وأياً كان الأمر، فإننا نرد على لعناتكم بالبركات، ونرجو أن تثوبوا سريعاً إلى ما امتاز به أهل برمنجهام فيما مضى من جد واجتهاد وعادات رزينة.
وإنني المتمني لخيركم، المخلص،
ج. بريستلي(41)
ولكنه قاضى المدينة مطالباً بتعويض، وقدر خسارته بمبلغ 4,500 جنيه. وأعان قضيته تشارلز جيمس فوكس، ومنحته برمنجهام 2,502 جنيهاً. فحاول أن يستقر في مواطن جديد في إنجلترا ولكن رجال الكنيسة، وأنصار الملكية، وزملاءه في الجمعية لملكية، تجنبوا صحبته(42).




صفحة رقم : 12386




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


وعرضت عليه الأكاديمية الفرنسية للعلوم عن طريق سكرتيرها كوندورسيه بيتاً ومختبراً في فرنسا. وفي 8 أبريل 1794 هاجر إلى أمريكا، وكان يومها في الحادية والستين، واختار بيته الجديد في مدينة نورثمبرلاند، في بنسلفانيا وطن فرانكلن، على ضفاف نهر سسكويهانا الجميل الذي سيحلم به بعد قليل كولردج وسوذي. ثم استأنف تجاربه واكتشف تركيب أول أكسيد الكربون. وقد احتفت به الجماعات العلمية وعرض عليه كرسي الكيمياء في جامعة بنسلفانيا. وفي 1796 ألقي على الجامعيين في فيلادلفيا سلسلة من الأحاديث عن "الشواهد على المسيحية" وكان من بين جمهور المستمعين جون آدمز نائب رئيس الجمهورية وكثيرون من أعضاء الكونجرس. ومن هذه الاجتماعات انبعثت جمعية للموحدين. وبعد عامين اقترح تيموثي بيكرنج، الوزير في حكومة الرئيس آدمز، ترحيل بريستلي بوصفه أجنبياً غير مرغوب فيه. ووضع انتخاب جفرسن (1800) نهاية لقلق بريستلي، فأتيحت له أربعة أعوام من السلام. وفي 1803 كتب آخر أبحاثه العلمية التي ظل يدافع فيها عن الفلوجستون ومات في نورتميرلاند في 6 فبراير 1804. وفي 1943 قررت الهيئة التشريعية البنسلفانية أن يكون بيته بيتاً تذكارياً قومياً.
وبينما اضطلع توماس بين بحملة بريستلي بوصفه مسيحياً متمرداً، واصل هنري كافندش أبحاثه في كيمياء الغازات. وكان كافندش ابن لورد، وابن أخي دوق، وقد ورث في الأربعين ثروة من أعظم الثروات في إنجلترا. كان خجولا متردداً في حديثه، مهملا في لباسه، فعاش عيشة النساك في مختبره بكلابهام كومن بلندن، ولم يسع إلى الشهرة. وتميزت أبحاثه بالتدقيق الشديد في قياس جميع الموارد ووزنها قبل التجربة وبعدها، وقد أعانت هذه المعايرات لافوازييه على أن يصوغ مبدأه القائل بأن كمية المادة تظل ثابتة في التغيرات الكيميائية.
وفي 1766 أنهى كافندش إلى الجمعية الملكية تجاربه على "الهواء الصناعي" أي الغاز المشتق من الجوامد. فقد توصل بإذابة الزنك أو القصدير في أحماض إلى استخراج ما سماه "الهواء القابل للاحتراق"؛ وقال أن هذا




صفحة رقم : 12387




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


والفلوجستون شئ واحد، ونحن نسميه الآن الهيدروجين. وكان كافندش أول من أدرك أنه عنصر متميز، وعين وزنه النوعي. وفي 1783، وجد-وهو يتابع تجربة أجراها بريستلي- أنه إذا مررت شرارة كهربية في مزيج من الهواء العادي "والهواء القابل للاحتراق" تكاثف جزء من لمزيج وتحول إلى ندى. واستنتج من هذا التحليل الكهربي أن الماء مركب من 2.014 حجماً من "الهواء القابل للاحتراق" إلى حجم واحد من هواء برستلي المنزوع الفلوجستون، أو كما نقول الآن (يد 2 ا). وكان هذا أول برهان قاطع على أن الماء مركب لا عنصر (وقد ألمع جيمس وات، مستقلا، إلى نفس التركيب للماء في نفس السنة 1783). وبعد أن مرر كافندش ثانية شرارة كهربية في مزيج من الهيدروجين والهواء العادي حصل على حمض النتريك، واستنتج أن الهواء النقي مركب من الأوكسجين والنتروجين (الأزوت). (وكان دانيال رذرفورد الأدنبري قد اكتشف النتروجين بوصفه عنصراً متميزاً في 1772). واعترف كافندش بوجود بقية صغيرة لم يستطع تعليلها، ولكنه قدرها فبلغت 0,83 من لكمية الأصلية. وقد ظل هذا سراً غامضاً حتى 1894، حين عزل رايلي ورامزي هذا الجزء الذي نسميه الآن الأرجون، بوصفه عنصراً قائماً بذاته، ووجدا أن وزنه 0.94 من الهواء العادي. وهكذا أثبتت دقة موازين كافندش.


جـ - لافوازييه


في هذه الأثناء أتاحت مجموعة من الباحثين المتحمسين، عبر القنال الإنجليزي، لفرنسا مكان الريادة في هذا العلم الجديد، وأعطت الكيمياء الشكل الذي تبدو عليه اليوم في جوهرها. وقام في مكان المنبع منهم جيوم روويل، الذي تميز بجهوده في كيمياء الأملاح، لكنه اشتهر بدورات محاضراته التي علم الكيمياء فيها للأغنياء والفقراء، ولذيدرو وروسو، ولأعظم كيميائي فهيم أجمعين.
وقد كان لأنطوان لافوازييه ميزة أو معوق، هي أنه ولد غنياً (1743). أتاح أبوه-وكان محامياً في برلمان باريس- للصبي كل ما توفر من تعليم




صفحة رقم : 12388




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


في ذلك الحين، وورثه 300.000 جنيه وهو بعد في الثالثة والعشرين. وثروة كهذه كان يمكن أن تجهض مستقبلا في مهنة الأدب، ولكنها كانت عوناً لعلم تطلب أجهزة غالية وسنوات طويلة من الإعداد. وقد فر أنطوان من مدرسة الحقوق التي أرسل إليها، مؤثراً عليها دراسة الرياضة والفلك، وحضر محاضرات روويل في قاعة الجاردان دروا. ومع ذلك أتم دراساته القانونية، ثم رافق جان جتار في القيام برحلات ورسم خرائط تعدينية لفرنسا. وفي 1768 انتخب عضواً في أكاديمية العلوم، وكانت يومها تضم بوفون، وكزنيه، وطورجو، وكوندورسيه. وبعد عام انضم إلى هيئة الملتزمين العامة في عملية بغيضة هي جمع ضرائب الإنتاج لاستعاضة ما أنفقوه في إقراض الحكومة. فدفع 520.000 جنيه ثمناً لثلث نصيب في أحد الأسهم الستين لهيئة الالتزام العامة، وفي 1770 رفعه إلى نصيب كامل. وفي 1771 تزوج ماري بولز، ابنة ملتزم عام غني، وأنفق الآن بعض وقته في رحلات للأقاليم، وفي تحصيل إيراداته، وجميع بيانات الضرائب، والعينات الجيولوجية. وقد مولت ثروته مختبراً عظيما وتجارب غالية التكاليف ، ولكنها قادته إلى الجيلوتين.
ثم شارك بدور إيجابي في الشئون العامة. فلما عين (1775) مأموراً للبارود، زاد إنتاج تلك المادة المتفجرة وحسن نوعها، فيسر بذلك تصديرها على نطاق واسع إلى المستعمرات الأمريكية، وانتصارات جيوش الثورة الفرنسية.
وقال لافوازييه "لقد أصبح البارود الفرنسي خير بارود في أوربا... ويجوز لنا أن نقول أن أمريكا الشمالية تدين له بحريتها."(43) وقد خدم في مختلف المجالس الرسمية، وقومية وبلدية، وعالج بذكائه المتعدد النواحي شتى مشكلات نظام الضرائب، والعملة، والمصارف، والزراعة العلمية،




صفحة رقم : 12389




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


وأعمال البر العام. وحين كان عضواً في الجمعية الإقليمية بأورليان (1787) جاهد في سبيل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم. وخلال نقص الطعام الخطير في 1788 أقرض ماله لكثير من المدن لتشتري به قمحاً. لقد كان رجلاً أحب خير المجتمع، وثابر على جمع المال.
على أنه في هذه الأنشطة كلها لم يكف عن الاشتغال بالعلم. فغدا مختبره أعقد وأوسع المختبرات السابقة للقرن التاسع عشر: قوامه 250 آلة، وثلاثة عشر ألف مخبار، وآلاف المستحضرات الكيميائية، وثلاثة موازين دقيقة أعانت فيما بعد على تقدير الجرام وحدة الموازين في النظام المتري. وكان الوزن والمعايرة نصف السر في كشوف لافوازييه، وبفضلهما غير الكيمياء من نظرية كيفية إلى علم كمي. وبالوزن الدقيق برهن على أن "فلوجستون" شتال ليس إلا خرافة مربكة افترضت وجود مادة غامضة تترك الجسم المشتعل في عملية الاحتراق وتدخل الهواء. ففي أول نوفمبر 1772 قدم لافوازييه إلى أكاديمية العلوم مذكرة هذا نصبها:
قبل ثمانية أيام اكتشفت أن الكبريت في احتراقه لا يفقد الوزن بل يكسبه، أي أننا قد نحصل من رطل الكبريت على أكثر من رطل من الحمض الكبريتي، مع أخذ رطوبة الهواء في حسابنا. وهذا ما يحدث أيضاً في الفوسفور. وزيادة الوزن تأتي من كمية الهواء الكبيرة التي تثبت (أي تمتصها المادة المحترقة) أثناء الاحتراق وتتحد مع الأبخرة (الكبريتية). وقد أقنعني هذا الكشف، الذي أثبته بتجارب أراها حاسمة، أن ما يلاحظ في احتراق الكبريت والفوسفور قد يحدث في جميع الأجسام التي تكتسب وزناً عند الاحتراق أو التكلس(44). فالجسم المحترق لا يعطي الهواء شيئاً بل يأخذ منه شيئاً. فما هذا الشيء؟
في خريف 1774 نشر لافوازييه وصفاً لمزيد من التجارب. فقد وضع كمية موزونة من القصدير في قنينة موزونة تتسع لقدر كبير من الهواء. ثم ختم القنينة، وسخن الكل حتى تأكسد القصدير تأكسداً جيداً. وبعد أن أتاح للجهاز وقتاً ليبرد، وجد أن وزنه ظل دون تغيير. ولكنه حين كسر الختم




صفحة رقم : 12390




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


اندفع الهواء إلى القنينة، مما دل على أن فراغاً جزئياً قد حدث في القنينة.. فكيف حدث؟ لم يجد لافوازييه تعليلا إلا أن القصدير المحترق قد امتص جزءاً من هواء.. فما هذا الجزء؟
وفي أكتوبر 1774 التقى لافوازييه ببريستلي في لندن. وأخبره بريستلي بالتجارب التي أجراها في أغسطس، والتي ظل يفسرها بأنها دليل على أن الفلوجستون ينطلق من الجسم المحترق إلى الهواء. وفي 26 أبريل 1775 قرأ لافوازييه على الأكاديمية مذكرة روي فيها التجارب التي هدته إلى اعتبار الاحتراق امتصاص جسم محترق لعنصر غامض من الهواء، أطلق عليه مؤقتاً اسم "الهواء الشديد النقاء". لقد اكتشف الأكسجين كما اكتشفه بريستلي، ولكنه اختلف عنه لأنه نبذ خرافة الفلوجستون. ولم ينحت لفظ "الأكسجين" للدلالة على العنصر القابل للاشتعال في الهواء إلا عام 1779، وقد اشتقه من كلمتين يونانيتين معناهما "مولد الحمض" لأنه ظن خطأ أن الأكسجين مكون لا غنى عنه في جميع الأحماض.
ولاحظ لافوازييه كما لاحظ بريستلي أن نوع الهواء الذي تمتصه المعادن في الاحتراق هو نفس النوع الذي يدعم الحياة الحيوانية. ففي 3 مايو 1777 قدم للأكاديمية بحثاً في "تنفس الحيوان" قال فيه "إن خمسة أسداس الهواء الذي نستنشقه عاجزة عن دعم تنفس الحيوان، أو الاشتعال والاحتراق،... فخمس حجم الهواء فقط هو الصالح للتنفس". ثم أضاف "هناك شبه كبير بين الهواء الذي استعمل لدعم هذه الوظيفة الحيوية وقتاً ما، والهواء الذي تكلست (تأكسدت) فيه المعادن، والعلم بـ (عملية) واحدة يمكن بالطبع أن يطبق على الأخرى". وعليه فقد أسس لافوازييه التحليل العضوي، بوصف التنفس بأنه اتحاد الأكسجين بالمادة العضوية. وفي هذه العملية لاحظ انطلاق حرارة، كما تنطلق في الاحتراق؛ ثم زاد تأكيد الشبه بين التنفس والاحتراق، بإثباته أن ثاني أكسيد الكربون والماء ينطلقان (كما في التنفس) من احتراق مواد عضوية مثل السكر والزيت والشمع. وحدثت الآن ثورة في علم الفسيولوجا بفضل التفسير المتزايد للعمليات العضوية بلغة فيزيا-كيميائية.




صفحة رقم : 12391




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


واقتضى تكاثر التجارب، ونمو المعرفة الكيميائية، ونبذ نظرية الفلوجستون، صياغة جديدة، ووضع مصطلحات جديدة، لهذا العلم المتفتح. وعينت أكاديمية العلوم لافوازييه، وجيتون دمورفو، وفوركروا، وبرتولليه، لمحاولة إنجاز هذه المهمة. وفي 1787 نشروا "طريقة لوضع المصطلحات الكيميائية". فنبذت أسماء عتيقة مثل "مسحوق الألجاروت"، و"زبد الزرنيخ" و"أزهار الزنك"؛ وسمى الهواء المجرد من الفلوجستون "أوكسجينا" والهواء المحتوي على الفلوجستون "أزوتا"، ثم نتروجيناً، والغاز القابل للاشتعال هيدروجيناً، والهواء الثابت غاز حامض الكربون، والتكلس تأكسداً، واشتقت أسماء المركبات من مكوناتها. وعدد جدول للمواد البسيطة اثنين وثلاثين عنصراً معروفاً للافوازييه، ويعدد الكيميائيون اليوم من هذه العناصر ثمانية وتسعين. ومعظم الأسماء التي تقررت في كتاب "الطريقة" المذكور قياسية في علم المصطلحات الكيميائية في يومنا هذا. وقدم لافوازييه للمصطلحات الجديدة ولخص العلم الجديد، في "رسالة تمهيدية في الكيمياء" ظهرت عام 1789، وكانت علامة ثورة أخرى-هي نهاية فلوجستون شتال وعناصر أرسطو.
وكان لافوازييه نفسه ضحايا الثورة الفرنسية. فلقد شارك في الجهود المبذولة لتفاديها، وفي الشرور التي أفضت إليها. وفي العهد الذي هيأ للثورة عمل بهمة في لجان تدرس عيوب السجون والمستشفيات وتصلحها. وقدم إلى لوران دفيلدوي المراقب العام (1787) مذكرة عدد فيها تسعة عوامل مسئولة عن استغلال طبقة الفلاحين. وكان في كلامه ما يشرفه تشريفاً خاصاً، لأنه صادر من مالك أرض من أصحاب الملايين. قال :
"فليكن لنا من الشجاعة ما يحملنا على أن نقرر أنه... إلى أن ارتقى لويس السادس عشر العرش لم يكن للشعب أي وزن في فرنسا، ولم يكن هناك اعتبار لغير قوة الدولة، وسلطانها، وثرواتها، أما سعادة الشعب، وأما حرية الفرد ورفاهيته، فتلك الكلمات لم تقرع قط آذان حكامنا الأسبقين، الذين لم يدركوا أن الهدف الحقيقي من الحكومة يجب أن يكون الاستكثار من أسباب الاستمتاع، والسعادة، والرفاهية، لكل رعاياها. إن المزارع




صفحة رقم : 12392




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


المنكود الحظ يئن في كوخه، لا يمثله أحد ولا يدافع عنه أحد، ولا تعبأ بمصالحه أي إدارة من الإدارات الكبرى في الحكومة القومية(45)".
وقد اختير لافوازييه لتمثيل الطبقة الثالثة العامة في المجلس الإقليمي الذي اجتمع بأورليان في 1787. وهناك تقدم بقانون لإلغاء السخرة ولصيانة الطرق، لا بتشغيل الفلاحين إلزامياً بل بضرائب تفرض على جميع الطبقات، ولكن النبلاء والأكليروس هزموا هذا الاقتراح. ثم أوصى بنظام للتأمين الاجتماعي يساهم فيه من يريد من الفرنسيين تأمين شيخوختهم، فهزم هذا أيضاً. وفي مذكرة وجهها إلى الحكومة عام 1785 وضع المبدأ القائل بأن مجلس طبقات الأمة القادم يجب أن يحول إلى سلطة تشريعية كاملة، فيكون الملك عامله المنفذ فقط، وأنه يجب دعوته للانعقاد بانتظام، وأن الضرائب يجب أن تفرض على الجميع، وأن تطلق حرية الصحافة والطباعة(46). لقد كان لافوازييه من أكثر أفراد البورجوازية الفرنسية استنارة ما في ذلك شك، ولعل اقتراحاته عبرت عن جزء من استراتيجيتها السياسية.
كذلك كان من كبار الأعضاء في هيئة الملتزمين العموميين، التي كانت هدفاً للسخط من الجميع تقريباً، وبين عامي 1786 و 1786 بلغ متوسط أرباحه من عملية الالتزام هذه 666.667 جنيهاً في العام، وهو ما يساوي نسبة مئوية قدرها 8.28% في السنة، وربما كان محقاً في اعتباره هذا العائد معقولا نظراً لما تتطلبه العملية من جهد ومخاطرات. وعملا باقتراح منه بنى كبير الوزراء كولون، في 1783-87، سوراً حول باريس لمنع المهربين الذين يتهربون من أداء المكوس، وقد كلف السور والجمارج والبوابات الجديدة ثلاثين مليوناً من الجنيهات، وأثار المشروع سخطاً عاماً، وصرح الدوق دنيفرنوا بأن صاحب فكرته يجب أن يشنق.
وأيد لافوازييه الثورة في 1789 وهي ما تزال تحت سيطرة الطبقات الوسطى. وبعد عام شعر بأنها تنزع إلى التطرف، والعنف، والحرب، فناشد القائمين بها الاعتدال وضبط النفس. وفي نوفمبر نشر بعض موظفي الالتزام العام نبذة اتهموا فيها الهيئة باختلاس صندوق معاشاتهم، وقالوا فيها




صفحة رقم : 12393




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


"ارتعدوا يا من مصصتم دم التعساء"(47). وفي 1791 بدأ مارا حملة شخصية ضد لافوازييه. فقد كان "صديق الشعب" قد نشر في 1780 "أبحاثاً فيزيائية في النار" زعم فيها أنه أظهر للعيان العنصر الخفي في النار، وأبى لافوازييه أن يأخذ هذا الزعم مأخذ الجد. ولم ينس مارا له فعلته هذه. ففي عدد 27 يناير 1791 من مجلته "صديق الشعب" اتهم مارا الكيميائي -المالي بأنه دجال ضخم الموارد، رجل "سنده الوحيد في المطالبة بتقدير الشعب له أنه حبس باريس بمنعه الهواء النقي عنها بسور كلف الفقراء 33 مليون جنيه. فليته شنق على عمود المصباح"(48). وفي 20 مارس 1791 ألغت الجمعية التأسيسية هيئة الالتزام العام.
وجاء دور الهجوم الآن على أكاديمية العلوم، لأن جميع المؤسسات التي تخلفت عن النظام القديم اشتبه في تعاطفها مع أعداء الثورة. ودافع لافوازيبه عن الأكاديمية، فأصبح الهدف الأكبر للهجوم. وفي 8 أغسطس صدر الأمر بأن تحل الأكاديمية نفسها. وفي اجتماع لها وقع جدول الورديات فيمن وقع لاجرانج، ولافوازييه، ولالاند، ولامارك، وبرتولليه، ومونج. وانصرف كل منهم إلى حال سبيله مؤملا ألا تعثر عليه الجيلوتين.
في هذا الشهر قدم لافوازييه إلى المؤتمر مشروع نظام قومي للمدارس أوحت به إليه أفكار كوندورسيه، ويقضي بأن يكون التعليم الابتدائي مجاناً للجنسين "لأن هذا واجب مفروض على المجتمع نحو الطفل." أما التعليم الثانوي، المباح أيضاً للجنسين، فيوسع بتأسيس الكليات الصناعية في جميع أرجاء فرنسا. وبعد شهر فتش عمال الحكومة مسكنه، وكان بين الخطابات التي وجدت به من أصدقاء لافوازييه خطابات نددت بالثورة، وتحدثت في أمل عن الجيوش الأجنبية التي ستطيح بها سريعاً، وأظهرت خطابات أخرى أن لافوازييه وزوجته يخططان للهروب إلى إسكتلنده(49). وفي 24 نوفمبر 1793 قبض على اثنين وثلاثين من الملتزمين العموميين السابقين، ومن بينهم لافوازييه. وقد حركت زوجته كل نفوذ ليفرج عنه، ففشلت، ولكن سمح لها بزيارته. وفي السجن واصل عمله في شرحه للكيمياء الجديدة. واتهم الماليون بأنهم تقاضوا رباً فاحشاً وغشوا التبغ بالماء، وابتزوا 130 مليون جنيه في أرباح غير مشروعة.




صفحة رقم : 12394




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الكيمياء


وفي 5 مايو 1794 استدعوا للمثول أمام محكمة الثورة. وبرئ ثمانية منهم، وحكم على أربعة وعشرين بالإعدام، ومنهم لافوازييه. فلما طلب إلى القاضي الذي رأس المحكمة أن يخفف الحكم على أساس أن لافوازييه وبعض الآخرين علماء ذوو قيمة للدولة، كان رده فيما روى "ليس بالجمهورية حاجة إلى علماء" ولكن الرواية لا تستند إلى دليل مقنع(50). وأعدم لافوازييه بالجيلوتين في اليوم الذي صدر فيه الحكم، 8 مايو 1794، في المكان الذي يقوم فيه اليوم ميدان الكونكورد. ويقال أن لاجرانج علق على إعدامه بهذه العبارة "إن قطع رأسه لم يستغرق أكثر من لحظة، وقد لا تكفي مائة عام لنوهب رأساً نظيره"(51).
وصودرت كل أموال لافوازييه وأرملته لتساعد في الوفاء للجمهورية بمبلغ 130 مليوناً من الجنيهات ادعى أن الملتزمين العموميين مدينون به للدولة. أما مدام لافوازييه، المملقة، فقد عالها خادم قديم للأسرة. وفي 1795 استنكرت الحكومة الفرنسية إدانة لافوازييه، وردت إلى أرملته ثروتها، وقد عمرت حتى عام 1836. وفي أكتوبر 1795 أقامت ليسيه الآداب والفنون جنازاً لذكرى لافوازييه، وألقى فيه لاجرانج تأبيناً. وأزيح الستار عن تمثال نصفي يحمل هذه العبارة: "إن ضحية الطغيان، وصديق الآداب والفنون المبجل، لم يمت، ولم يزل يخدم الإنسانية بعبقريته(52).




صفحة رقم : 12395




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك



5- الفلك




أ - مقدمة في الأدوات الفلكية


إلى أي حد أثارت كشوف الرياضة والفيزياء والكيمياء قبة السماء؟ إن أجرأ ما اقتحم العلم من مغامرات محاولته أن يقذف بأدوات قياسية حول النجوم ويتجسس بالليل على أولئك الحسان المتألقات في كبد السماء، ويحلل مكوناتهن عبر بليون من الأميال، ويحدد حركاتهن بمنطق البشر وقوانينهم. إن العقل والسماوات هما قطبا دهشتنا ودراستنا، والعجب العجاب أن يشرع العقل القوانين للقبة الزرقاء.
كانت الأدوات المقربة للأبعاد قد اخترعت، والاكتشافات الكبرى قد تمت؛ فاضطلع القرن الثامن عشر بتحسين هذه الأدوات (جراهام، وهادلي، ودولاند)، وبالتوسع في تلك الكشوف (برادلي وهرشل)




صفحة رقم : 12396




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


وبتطبيق أحدث الرياضيات على النجوم (دالامبير وكليرو)، وبترتيب النتائج في نسق جديد من الديناميكا الكونية (لابلاس).
وقد حسن التلسكوب وزيد حجمه. وصنعت "التلسكوبات الاستوائية" التي تدور حول محورين-أحدهما مواز لمستوى محور الأرض، والآخر عمودي عليه، واختيار هذين العمودين مكن الراصد من أن يبقي الجرم السماوي تحت بصره زمناً يكفي للدراسة المفصلة والقياس المكرومتري. وقد ثنى نيوتن عن استعمال التلسكوب الإنكساري اعتقاده بأن الضوء إذ تكسره العدسات لا بد أن يتحلل ألواناً فيشوش الرصد، ويئس من مشكلة إيجاد انكسار خال من الألوان، واتجه إلى التلسكوب العاكس. وفي 1733 قام هاو يدعى السيد تشستر مور هول بحل المشكلة، إذ جمع عدسات ذات وسائط عاكسة مختلفة تبطل تنوع اللون. ولم ينشر كشفه، وكان على جون دوبلاند أن يتوصل بجهده الخاص إلى مبادئ التلسكوب الأكرماتي وتركيبه، وقد أعلن عن كشفه هذا في "الأعمال الفلسفية لجمعية لندن الملكية" في 1758.
وفي 1725 صنع جورج جراهام، الساعاتي الكويكري، لدموند هالي في مرصد جرينتش آلة ربع جدارية- هي عبارة عن ربع دائرة ميكانيكي مقسم إلى درجات ودقائق ومثبت على جدار ليلتقط مرور نجم عبر الزوال. وصنع جراهام لهالي، وجيمس برادلي، وبيير لمونيه، أدوات التسجيل هذا المرور تجمع بين التلسكوب، والمحور، والساعة، والكرونوجراف، لتسجيل هذا المرور بدقة أعظم من ذي قبل. وفي 1730، وصف توماس جودفري، عضو جماعة فرانكلن الفكرية في فيلادولفيا، لأصدقائه آلة لقياس الزوايا والارتفاعات بالانعكاس المزدوج خلال مرايا متقابلة ترى في تلسكوب، ولكنه لم ينشر عن هذه الآلة حتى عام 1734. وفي 1730 صنع جون هادلي آلة مشابهة لها، وهي آلة الثمن- أي قوس مدرج من ثمن دائرة. وفي 1757 وسعت إلى السدس. وقد أتاحت "آلة السدس" هذه التي صنعها قياساً أضبط للزاوية التي تفصل بين جسمين، لأنها مكنت الملاح من أن يرى في وقت واحد، في التلسكوب




صفحة رقم : 12397




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


العاكس، كلا من الأفق والشمس (أو النجم). ويفضل هذه الآلة، مضافاً إليها كرونومتر هاريسون البحري، أصبحت الملاحة علماً أقرب ما يكون إلى العلوم الدقيقة.
وكان على الملاح أن يحدد خط الطول والعرض إن أراد تحديد موقع سفينته في البحر. ولكي يعين خط الطول كان عليه أن يعين زمنه في المكان واللحظة بالرصد الفلكي، ويقارن بين هذا الزمن المحلي وبين ساعة ضبطت لتحتفظ بزمن قياسي (جرينيتش) أينما كانت الساعة. وكانت المشكلة هي صنع كرونومتر لا يتأثر بتغيرات درجة الحرارة أو حركات السفينة. وفي 1714 أعلنت الحكومة البريطانية عن جائزة قدرها عشرون ألف جنيه لمن يبتكر طريقة لإيجاد خط الطول في حدود نصف درجة. وعرض ساعاتي من يوركشير يدعى جون هاريسون على جورج جراهام (1728) تصميمات لكرونومتر بحري، وأقرضه جراهام المال لصنعه، وقد اكتمل صنعه في 1735، واستعمل ميزانين ضخمين متقابلين بدلا من البندول، وعادلت حركة السفينة أربعة زنبركات موازين، تتحرك ضد بعضها البعض؛ وأمكن إبطال مفعول التغيرات في درجة الحرارة بعدة قضبان مصنوعة من النحاس والصلب، تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وموصلة بالزنبركات. وأوفد "مجلس خطوط الطول" هاريسون بكرونومتره في رحلة إلى لشبونة لاختباره، وشجعت النتائج المجلس على توفير المال لتحسين ثان، وثالث، ورابع. وقد جرب هذا الكونومتر الرابع، الذي لم يزد عرضه على خمس بوصات، في رحلة إلى جزر الهند الغربية (1759)؛ ولم تؤخر الساعة في تلك الرحلة اكثر من خمس ثوان بالإضافة إلى تأخيرها العادي المحسوب سلفاً (حين تكون ثابتة على البر) ومقداره ثمانون ثانية في كل ثلاثين يوماُ. وبعد نزاعات حصل هاريسون على جائزة العشرين ألف جنيه كاملة. وبفضل هذه الآلة وغيرها من الآلات البحرية تهيأت البحرية البريطانية الآن (في ذروة حرب السنين السبع 1756-63) للسيطرة على البحار.


ب - النظرية الفلكية


تبارى البريطانيون والفرنسيون مباراة حامية في دراسة الفلك، ولم يكن




صفحة رقم : 12398




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


الفلك بالعلم البعيد أو "البحت" بالنسبة لهم، فقد دخل في الصراع على سيادة البحار، ومن ثم على كل عالم المستعمرات والتجارة. وأسهمت في المباراة ألمانيا وروسيا بفضل أويلر، وأيطاليا بفضل بوسكوفش دون أن تحظيا بنصيب في المغانم.
وأعان أويلر، وكليرو، ودالامبير، الملاحة بدراساتهم للقمر، وجدولوا تغيرات موقعه وأوجهه بالنسبة للشمس والأرض، وتأثيره على المد والجزر. ومن سجلات أويلر وضع يوهان طوبياس ماير في جامعة جوتنجن جداول قمرية أتته بمنحة من مجلس خطوط الطول البريطاني. وفي 1738 أعلنت أكاديمية باريس للعلوم عن جائزة لمن يتوصل إلى نظرية في المد والجزر. ومنحت جوائز لأربعة مؤلفين: دانيال برتوللي، وأويلر، وكولن ماكلورن، وأ. كافاللري. وقد بنوا جميعهم -إلا الأخير- تعليلاتهم على تعليل نيوتن، وأضافوا دوران الأرض إلى جاذبية الشمس والقمر عاملا في إحداث المد والجزر. ودعت الأكاديمية في مناسبات عديدة المؤلفين لتقديم مقالات عن حركات الكواكب-عن انحرافاتها الحقيقية ومقال أويلر في 1756.
وشرف روجييرو جوزيبي بوسكوفش طائفته اليسوعية بكشوف منيرة في الفلك والفيزياء. وقد ولد في راجوزا، وتتلمذ للرهبنة بروما وهو في الرابعة عشرة، وأدهش معلميه في "الكلية الرومانية" بنبوغه المبكر في العلم، وعين أستاذاً لكرسي الرياضة هناك في التاسعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ أصدر ستة وستين مؤلفاً، وشارك في تحديد المدار العام للمذنبات وقدم أول حل هندسي لإيجاد مدار الكوكب واستوائه. وفي رسالة عن "انقسام المادة" (1748) شرح رأيه في المادة، وهو أنها مكونة من نقط أو مجالات قوة، كل منها مركز يتبادل عليه الصد والجذب- وهي نظرية تذكرنا بمونادات لينتز وتسبق إلى تصوير نظريات عصرنا الذرية. ونظم اليسوعي المتعدد المواهب مشروعات عملية-كمسح الولايات البابوية وعمل خرائط لها، وبناء سدود على البحيرات التي هددت بإغراق لوكا، ووضع




صفحة رقم : 12399




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


خطط لصرف المستنقعات البونتية، والمساعدة في تصميم مرصد بريرا في ميلان. وبفضل إلحاحه ألغي البابا بندكت الرابع عشر في 1757 الأمر الذي أصدرته لجنة الفهرس (للتحريمات) على النظام الكوبرنيقي. وقد أختير عضواً في أكاديمية باريس للعلوم وجمعية لندن الملكية. وفي 1761-62 استقبل بمظاهر التكريم في فرنسا، وإنجلترا، وبولندا، وتركيا. وفي 1772 قبل وظيفة مدير البصريات في البحرية الفرنسية التي عينه فيها لويس الخامس عشر. ثم عاد إلى إيطاليا في 1783، ومات بميلان في 1787 وهو في السادسة والسبعين، وخلف عدة مجلدات من الشعر.
أما ألمع نجم بين الفلكيين البريطانيين في النصف الأول من القرن الثامن عشر فهو جيمس برادلي. وكان خاله، جيمس باوند، القسيس بوانستد في إسكس، فلكياً هاوياً يمتلك مرصداً خاصاً، تعلم فيه الصبي أن للنجوم علماً كما أن لها فلسفة جمالية. وبعد أن نال بادلي درجة الأستاذية من أكسفورد عجل بالعودة إلى وانستد، وقام بأرصاد مبتكرة، وأبلغها إلى الجمعية الملكية، وانتخب عضواً بها وهو في السادسة والعشرين (1718). وبعد ثلاث سنوات أصبح أستاذاً "سافيليا" للفلك في أكسفورد. فلما مات هالي العظيم في 1742، عين برادلي خلفاً له في جرينتش فلكياً للملك. وظل يشغل هذه الوظيفة حتى مماته (1762).
وكان أول مشروعاته الكبرى تحديد "اختلاف المرأى" السنوي للنجم -أي الفرق في اتجاهه الظاهري كما يرى (1) من نقطة على سطح الأرض، (2) من نقطة وهمية في مركز الشمس. فإذا كانت الأرض تدور في فلكها حول الشمس كما افترض كوبرينق، فلابد من وجود هذا الفرق، ولكن أحداً لم يبرهن على وجود أي فرق، فلو أمكن البرهنة عليه لعزز ذلك نظرية كوبرينق. وكان روبرت هوك، المغامر في كل ميدان، قد حاول (1669) أن يببن هذا الاختلاف في مرأى النجم جما دراكونيس، ولكنه أخفق. وأستأنف المحاولة هاو ثري يدعى صموئيل مولينو عام 1725 في كيو، وانضم إليه برادلي هناك، وأسفرت النتائج التي تمخضت عنها محاولتهما عن تأييد جزئي فقط لنظرية كوبرنيق. وعاد برادلي إلى وانستد،




صفحة رقم : 12400




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


وكلف جورج جراهام بأن يصنع له تلسكوب "قطاع أوج" يمكنه من رصد مائتي نجم، لا نجم واحد، في عبورها الزوال. وبعد أن أنفق برادلي ثلاثة عشر شهراً في الرصد والحساب، تمكن من أن يبرهن على دورة سنوية من الانحرافات المتجهة بالتناوب للجنوب والشمال في المواقع الظاهري للنجم، وفسر هذا التناوب بأنه راجع إلى حركة الأرض في مدارها. وفسر كشف "انحراف الضوء" (1729) مئات من المشاهدين والانحرافات التي كانت محيرة إلى ذلك الحين، وقد فرقت تفريقاً ثورياً الموقع المرصود والموقع "الحقيقي" أو المحسوب لأي نجم، واتفقت اتفاقاً حسناً مع كوبرنيق، لأنها اعتمدت على دوران الأرض حول الشمس. وبلغ من تأثيرها المنير على الفلك أن فلكياً-مؤرخاً فرنسياً يدعى جوزف دلامبر، اقترح أن يسلك برادلي في صف كيلر، لا بل في صف هيبارخوس ذاته(53).
وانتقل برادلي إلى كشفه الكبير الثاني-وهو ميل mutation ومعناها الحرفي إيماء-محور دوران الأرض كتذبذب النحلة المحوري. فالنجوم التي وصفت حركاتها الظاهرية بأنها تقوم بدورة سنوية نظراً إلى دوران الأرض حول الشمس، لا تعود- في مشاهدات برادلي- بعد سنة إلى نفس الواقع الظاهرية السابقة. وخطر له أن الفرق ربما نشأ عن ميل محور الأرض بسبب تغيرات دورية في العلاقة بين مدار القمر حول الأرض ومدار الأرض حول الشمس. فدرس هذه التغيرات طوال تسعة عشر عاماً (1728-47)، وفي نهاية العام التاسع عشر وجد أن النجوم عادت بالضبط إلى نفس المواقع الظاهرية التي كانت لها عند بدء العام الأول "وتأكد الآن أن ميل محور الأرض ناشئ عن الحركة الفلكية للقمر، وتأثيره على الأجزاء الاستوائية من الأرض. وكان تقريره عن هذه الكشوف حدثاً مثيراً في أعمال الجمعية الملكية لعام 1748. أن للصبر -كما للحرب- أبطاله.
وخلال اشتعال برادلي فلكياً للملك، استسلمت بريطانيا لجراحة مؤلمة: فبعد 170 عاماً من المقاومة قبلت التقويم الجريجوري، ولكنها سمته في عناد التقويم المصلح وأمر قانون برلماني (1750)، بأن تحذف الأحد عشر




صفحة رقم : 12401




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


يوماً التالية لليوم التالي من سبتمبر 1752 من "نظام التقويم الجديد" وأن يسمى يوم 3 سبتمبر يوم 14 سبتمبر، وألا تبدأ السنة القضائية بعد ذلك في 25 مارس بل في أول يناير. وقد سبب هذا تعقيدات في المعاملات التجارية والعطلات الكنسية، وأثار هذا احتجاجات كثيرة، وتصايح البريطانيون الغاضبون قائلين "ردوا إلينا أيامنا الأحد عشر!"(54) -ولكن العلم انتصر في النهاية على مسك الدفاتر وعلى اللاهوت.


جـ- هرشل


بلغ الفلك الإنجليزي قمته حين أضاف وليم هرشل الكوكب أورانوس إلى قائمة الكواكب وهجر عمله موسيقياً. وكان أبوه موسيقياً في الجيش الهانوفري، واتخذ الصبي المولود في 1738، والذي سمى فريدرش فلهلم، مهنة أبيه، وعمل موسيقياً في أول حملة في حرب السنين السبع، ولكن صحته كانت رقيقة فسرحه الجيش (ومع ذلك عمر إلى الرابعة والثمانين). وفي 1757 أرسل إلى إنجلترا ليلتمس رزقه في الموسيقى. وفي باث التي نافست آنذاك لندن مركزاً للمجتمع الراقي، ارتقى من عازف على الأوبرا، إلى قائد فرقة، إلى عازف على الأرغن في "الكنيسة المثمنة". وكان يؤلف الموسيقى، ويعلمها، ويعطي أحياناً خمسة وثلاثين درساً في الأسبوع. وفي الليل يروح عن نفسه بدراسة حساب التفاضل، ومنه انتقل إلى البصريات، وأخيراً إلى الفلك. واستقدم من ألمانيا أخاه ياكوب، وفي 1772 أخته كارولين، التي أدارت بيتهما، وتعلمت أن تمسك السجلات الفلكية، وأخيراً أصبحت فلكية بجهدها هي دون اعتماد على أحد.




صفحة رقم : 12402




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


وكان هرشل يضطرم شوقاً إلى وضع الخرائط للسماء، فصنع تلسكوبه الخاص بمعاونة أخيه. وشحذ العدسات وصقلها بنفسه، وذات مرة واصل هذه العملية بلا انقطاع ست عشرة ساعة، وكارولين تطعمه وهو يشتغل، أو تخفف من سأمه بأن تقرأ له من سرفانتس، أو فيلدنج، أو ستيرن. وكان هذا الأول في عدة تلسكوبات صنعها هرشل بيده أو تحت إشرافه. وفي 1774، حين بلغ السادسة والثلاثين، أجرى أول أرصاده، ولكنه ظل سنين كثيرة لا يستطيع أن يعطي الفلك من وقته إلا يسمح به عمله موسيقياً. وقد درس كل جزء من أجزاء السماء أربع مرات. وفي الجولة الثانية من هذه الجولات، في 14 مارس 1781، كشف كشفه الخطير الذي بخس قدره بخساً شديداً. قال:
رأيت وأنا أفحص النجوم الصغيرة القريبة من هـ. جمينورم أ نجما ظهر بوضوح أنه أكبر من غيره. وإذ أدهشني مظهره غير العادي، فقد قارنت بينه وبين هـ جمينورم والنجم الصغير الذي في الزاوية القائمة بين أوريجا وجميني، وإذ وجدته أكبر كثيراً من كل منهما، فقد اشتبهت في كونه مذنباً"(55).
ولم يكن النجم مذنباً؛ وقد ظهر الفحص المتصل أنه يدور حول الشمس في فلك يكاد يكون دائرياً، يكبر تسع عشرة مرة عن فلك الأرض، ومرتين عن فلك زحل، لقد كان كوكباً جديداً، وأول الكواكب التي ميزت على هذا النحو في سجلات الفلك المدونة. وهلل العالم المثقف بأسره للكشف الذي ضاعف قطر المجموعة الشمسية عما عرف من قبل. وكافأت الجمعية الملكية هرشل بزمالتها وبمدالية كويلي، وأقنعه جورج الثالث بأن يترك عمله موسيقياً ويصبح فلكياً للملك. وأطلق هرشل على الكوكب الجديد اسم جورجيوم سيدس (نجم الجورجيين)، ولكن الفلكيين اتفقوا بعد ذلك على تسمية "أورانوس"، فأنتزعوه بذلك من الملوك الهانوفرين وأسلموه لآلهة الوثنيين كما فعلوا بكل أخوته تقريباً.
وفي 1781 انتقل وليم كارولين إلى سلاو، وهي مدينة لطيفة على الطريق من لندن إلى وندسور. ولم يكف راتبه المتواضع البالغ مائتي جنيه




صفحة رقم : 12403




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


في السنة حاجاته هو وأخته وأدواته، فأكمله بصنع التلسكوبات وبيعها. وزاد من حجم ما صنعه منها لنفسه، حتى بلغ طول أحدها الذي صنعه في 1785 أربعين قدماً، بمرآة قطرها أربعة أقدام وقد كتبت فني بيرني، ابنة الموسيقي المؤرخ التي نقلها عنها كثيراً، في يوميتها بتاريخ 30 ديسمبر 1786:
هذا الصباح حملني أبي (بمعنى أركبها عربته، فقد كانت إذ ذاك في السادسة والثلاثين) إلى الدكتور هرشل واستقبلنا هذا الرجل العظيم الغريب الأطوار جداً بحفاوة بالغة... وبدعوة من المستر هرشل قمت بجولة.. داخل تلسكوبه! وقد احتواني هذا التلسكوب مستقيمة العود دون أدنى مضايقة؛ وكذلك كان يحتويني لو كنت ألبس ريشتي وطوقي - فمحيطه كبير إلى هذا الحد(56).
وفي 1787 اكتشف هرشل قمرين لأورانوس سماهما أوبرون وتيتانيا؛ وفي 1789 وجد قمري زحل (ساتورن) السادس والسابع. وفي 1788 تزوج بأرملة غنية؛ فلم يعد هناك ما يقلقه من جهة المال، ولكنه واصل أبحاثه بحماسة لم تفتر، وألف أن يعمل طوال الليالي التي تطلع فيها النجوم ولا يحجب ضوءها قمر زاه. وكان يجري أكثر أرصاده في الهواء الطلق من رصيف يصل إليه بسلم متنقل ارتفاعه خمسون قدماً. وكان البرد يشتد أحياناً حتى يتجمد الحبر في الزجاجة التي تأخذها كارولين معها لتسجل كشوفه.
وبعد أن واصل هرشل بأسلوب أكثر نظاماً وتيلسكوبات أفضل صنعاً عمل شارل مسييه ونيكولا دلاساي في تحديد مواقع السدم وعناقيد النجوم وعمل قوائم لها، قدم إلى الجمعية الملكية (1782-1802) قوائم حوت 2.500 سديم وعنقود، و848 نجماً مزدوجاً. ومن هذه النجوم الأخيرة كان هو نفسه قد اكتشف 227 نجماً. وألمع إلى أنها قد تكون ازدوجت في جذب ودوران متبادلين-وهذا تطبيق منير لنظرية نيوتن على العلاقات بين النجوم. وفي كثير من الحالات تبين أن ما بدا كأنه نجم واحد إنما هو في الحقيقة عنقود من نجوم منفردة، وتبين أن بعض هذه العناقيد- حين رؤيت في التلسكوبات الكبيرة-هي نجوم قائمة بذاتها على مسافات من




صفحة رقم : 12404




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


الأرض مختلفة أشد الاختلاف. وتحول "درب التبانه" في التكبير الجديد من سحابة من المادة المتأججة، إلى تجمع وتتابع هائلين من نجوم نيرة مفردة. وتبددت السماء الآن مكتظة بالنجوم قطرات الماء في المطر، بعد أن كانت تبيدو مرصعة بها فقط، وبينما لم تر العين المجردة غلا نجوماً من الدرجة الأولى إلى السادسة في كبر الحجم، كشفت تلسكوبات هرشل عن مزيد من النجوم أضعف ضوءاً 1,342 مرة من ألمعها. لقد بسط هرشل كما بسط جاليليو من قبل رقعة الكون المعروفة بسطاً هائلا. وإذا كان بسكال قد غشيته الرعدة أمام "لانهائية" السماوات المعروفة في زمانه، فماذا يكون شعوره أمام أعماق وراء أعماق لا آخر لها من نجوم لا تحصى، قدر هرشل بعد بعضها عن الأرض بنحو 11.750.000.000.000.000.000.000 ميل؟(75) وكان كثير من النجوم شموساً لها كواكب تدور حولها. أما شمسنا وما يدور حولها من كواكب وأقمار، فقد هبطت بجملتها إلى مقام الذرة في عالم من الضوء.
وكان من أذكى إلماعات هرشل ما اتصل بحركة مجموعتنا الشمسية في الفضاء، فقد دلت المشاهدات السابقة على أن بعض النجوم المتصلة قد زادت أو نقصت، في الزمن المدون، من تباعدها عن بعضها البعض. فتساءل هرشل: ألا يجوز أن يكون مرجع هذا الاختلاف تحرك المجموعة الشمسية بعيداً عن النجوم الملتقية - أو صوب النجوم المفترقة، كما يبدو مصباحان على جنبين متقابلين من الطريق ملتقيين أو مفترقين حين نبتعد أو تقترب منهما؟ وقد خلص إلى المجموعة الشمسية، بحملتها، تتحرك مبتعدة عن بعض النجوم، مقتربة من نجم في برج هرقول. ونشر فرضه هذا في 1783، ويعد شهور أذاع بيير بريفوست نظرية مشابهة. وكان فريقا الفلكيين الإنجليز والفرنسيين يعملان في تنافس غيور وتوافق وثيق.
وصف معاصر هرشل في عامه الثاني والثمانين فقال "شيخ جليل، بسيط، طيب، وبساطته، ولطفه، ونوادره، واستعداده لشرح مفاهيمه الرفيعة للكون، كلها جذابة إلى حد لا يوصف(58). وفي جهوده كلها شاركت كارولين في إخلاص رائع في أي رواية خيالية. فلم تكتف




صفحة رقم : 12405




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


بتسجيل أرصاده بدقة وإجراء الحسابات الرياضية المعقدة لترشده، بل اكتشفت بنفسها ثلاثة سدم وثمانية مذنبات. وبعد موت وليم (1822) عادت لتعيش مع أقربائها في هانوفر؛ وهناك واصلت دراساتها وأعدت مزيداً من القوائم بكشوف أخيها. وفي 1828 نالت الميدالية الذهبية للجمعية الفلكية، وفي 1846 نالت ميدالية من ملك بروسيا. وماتت عام 1848 وقد بلغت الثامنة والتسعين.


د - بعض الفلكيين الفرنسيين


تجمعت حول مرصد باريس (الذي اكتمل بناؤه عام 1671) كوكبه من الراصدين، ألفت فيهم أسرة كاسيني، خلال أجيال أربعة، برجاً من الأنجم التي يتلو بعضها بعضاً. فكان جوفاني دومنيكو كاسيني مديراً للمرصد من 1671 إلى 1712. وبعد موته خلفه في إدارة المرصد ابنه جاك، الذي خلفه (1756) ابنه سيزار فرنسوا كاسيني دتوري، الذي خلفه هو الآخر (1784) ابنه جاك دومنيك، الذي مات بلقب كونت كاسيني في 1845 بعد أن عمر إلى السابعة والثمانين. هنا أسرة جديرة بأن يقرن اسمها باسمي أسرتي برنوللي وباخ.
أما جان لورون دالامبير فكان بغير أسرة، لا قبل مولده ولا بعده، ولكنه جمع العلوم من حوله كما يجمع الإنسان أطفاله. وقد طبق رياضته على الفلك، فقنن نظرية نيوتن في "استقبال" الاعتدالين، وفرض برادلي في الميل المحوري للأرض: يقول لابلاس "إن اكتشاف هذه النتائج كان في زمن نيوتن ممتنعاً على التحليل والميكانيكا... وقد أرجئ شرف القيام بهذه المهمة دالامبير. فبعد عام ونصف من المؤلف الذي قدم فيه برادلي كشفه، قدم لدالامبير رسالته "أبحاث في استقبال الاعتدالين (1749)، وهي عمل رائع في تاريخ ميكانيكا ودنياميكا الأجرام السماوية، روعة عمل برادلي في حوليات الفلك(59)".
وقد لوثت سجل دالامبير لطخة، هي أنه لم يغتبط بما أدركه منافسوه من نجاح-ومن منا قد سما به خلقه إلى الابتهاج المقدس؟ واشتدت




صفحة رقم : 12406




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


حماسته في نقد عمل ألكسيس كليرو. وألكسيس هذا عرف حساب التفاضل المتناهي الصغر. وهو بعد في العاشرة؛ وحين بلغ الثانية عشرة قدم أول أبحاثه لأكاديمية العلوم: وفي الثامنة عشرة نشر كتاباً حوى الإضافات الهامة للهندسة ما حمل الأكاديمية على اختياره عضواً ملحقاً بها (1731) في سن يصغر ست سنوات عما يبلغه دالامبير عند نيله هذا الشرف ذاته عام 1741. وكان كليرو واحداً من العلماء الذين اختيروا لمرافقة موبرتوي في البعثة الموفدة إلى لابلاند (1736) لقياس قوس من أقواس الزوال. فلما عاد قدم إلى الأكاديمية مذكرات في الهندسة، والجبر، والقطاعات المخروطية، وحساب التفاضل. وفي 1743 نشر نظرية في شكل الأرض حسبت بمقتضى "نظرية كليرو"، وبأدق مما حسب نيوتن وماكلورن، ذلك الشكل الذي يتخذه ميكانيكاً جسم دائر على محوره من الجاذبية الطبيعية لجرائه. وقد اتصل بمدام "دشاتليه بفضل اهتمامه بنيوتن، فأعانها على ترجمتها لأصول نيوتن، وشارك فولتير شرف تحويل العلماء الفرنسيين من دوامات ديكارت إلى جاذبية نيوتن.
وفي 1736-49 عكف أويلر، وكليرو، ودالامبير، مستقلين بعضهم عن بعض على إيجاد أوج القمر، أي أقصى حد في البعد بينه وبين الأرض بطرق التفاضل الجديدة-نشر أويلر وكليرو نفس النتائج تقريباً، وتلاهما دالامبير بحساب أدق حتى من حسابهما. وفاز كليرو بجائزة قدمتها أكاديمية سانت بطرسبورج لتصوير حركة القمر، وكان قد نشر النتائج التي خلص إليها في كتابه "نظرية القمر" (1752) ثم طبق رياضته على حركات الأرض الناشئة عن الزهرة والقمر؛ ومن هذه الاختلافات قدر أن كتلة الزهرة 66.7% وكتلة القمر 1.49% من كتلة الأرض، وتقديراتنا الحالية هي 81.5% و1.82%.
وفي 1757 بدأ فلكيو أوربا في ترقب عودة المذنب التي تنبأ بها هالي ولكي يرشد كليرو اضطلع بحساب التقلبات التي كانت تطرأ على المذنب في مروره بزحل والمشتري. فحسب أن هذه التقلبات وغيرها عطلته 618 يوماً، وأشار على أكاديمية العلوم بأن المذنب سيكون في الحضيض




صفحة رقم : 12407




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


(أقرب نقطة للشمس) حوالي 13 أبريل 1759. وتبينه راصد هاو في عيد الميلاد 1758، ومر بالحضيض في 12 مارس 1759، قبل الموعد الذي حسبه كليرو باثنين وثلاثين يوماً. ولكن حتى مع هذا الفارق فإن الحدث كان انتصاراً للعلم ولطمة عابرة للخرافة وقدم كليرو دراسته عن موضوع في "نظرية حركة المذنبات" (1760) وقد جعلته انتصاراته وعظم جاذبيته الشخصية، مطمحاً تتنافس عليه الصالونات. وكان كثير الاختلافات إليها، ومات في الثانية والخمسين (1765) "ولم يستحق عالم فرنسي في هذا العهد صيتاً أبعد من صيته"(60).
وكان غير هؤلاء كثيرون ممن يجدر بالتاريخ أن يخلدهم، وإن كان سردهم جميعاً يفسد قصتنا. نذكر منهم جوزف دليل، الذي درس بقع الشمس وهالتها، وأنشأ مرصد سانت بطرسبورج؛... ونيكولا دوسيل، الذي ذهب إلى رأس الرجاء الصالح موفداً من أكاديمية العلوم، وأنفق عشر سنين (1750-60) يرسم الخرائط للأجواء الجنوبية، وقد مات في التاسعة والأربعين، وبيير لمونييه، الذي صاحب مويرتوي إلى لابلاند وهو في الحادية والعشرين، وأجرى دراسات على القمر طوال خمسين عاماً، وحلل حركات المشتري وزحل، ورصد وسجل أورانوس (1768-69) قبل أن يكشف هرشل أنه كوكب بسنين طويلة (1781)، وجوزف دلالاند، الذي مسح كتابه "رسالة في الفلك" كل فرع من فروع هذا العلم، والذي قام بتدريسه في الكوليج دفرانس ستة وأربعين عاماً، وأنشأ في 1802 جائزة لالاند، التي ما زالت تمنح سنوياً لأفضل بحث في الفلك، وجان باتيست دلامبر، الذي عين مدار أورانوس، وخلف لالاند في "الكوليج"، وأضاف عرض لالاند العالمي تاريخاً للفلك في ست مجلدات بذل فيها كل جهد وعناية (1817-27).
هـ - لابلاس
ولد (1749) باسم بيير سيمون لابلاس، لأسرة من الطبقة الوسطى في نورمانديا، ثم أصبح المركيز بيير سيمون دلابلاس، وحقق أول فوز له




صفحة رقم : 12408




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


بمقالاته اللاهوتية الورعة في المدرسة، وغدا أشد الملحدين إمعاناً في إلحادهم في فرنسا النابوليونية. أوفد إلى باريس في الثامنة عشرة من عمره ومعه خطاب تعريف إلى دلامبير. ورفض دالامبير لقاءه، فقد كان يلتقي الكثير من أمثال هذا الخطاب ولا يعبأ بما حوت من مديح، ولكن لابلاس الذي لم تفل عزيمته أرسل إليه خطاباً في المبادئ العامة للميكانيكا. ورد عليه دلامبير قائلا "سيدي، أنت ترى أنني لم أعبأ كثيراً بالتوصيات. ولكنه لا حاجة لك بتوصية. فقد عرفتني بنفسك تعريفاً أفضل، هذا يكفيني. ومن حقك أن أساعدك"(61). وما لبث لابلاس، بفضل نفوذ دالامبير، أن عين مدرساً للرياضة في المدرسة الحربية. وقد حلل حبه المشبوب للرياضة في خطاب وجهه بعد ذلك إلى دالامبير، قال:
"لقد عكفت على الرياضة مدفوعاً دائماً بميلي لا بالرغبة في شهرة باطلة. وأعظم تسلية لي أن أدرس موكب المخترعين، وأرى عبقريتهم تصارع العقبات التي صادفوها وذللوها. ثم أضع نفسي مكانهم وأسلها كيف كنت فاعلا للتغلب على هذه العقبات ذاتها؛ ومع أن هذا البدل كان في الكثير الأغلب من الحالات مذلا لأنانيتي، فإن لذة الابتهاج بنجاحهم عوضتني عوضاً وافراً عن هذا الإذلال القليل. وإذا أتيح لي من الحظ ما أضيف به شيئاً لأعماهم، فإنني أعزو الفضل لجهودهم الأولى"(62).
ونحن نلمس شيئاً من الكبرياء في هذا التواضع الواعي. على أية حال كان طموح لابلاس أبعد الأشياء عن التواضع، لأنه اضطلع باختزال الكون كله إلى نسق رياضي واحد، بتطبيق نظرية الجاذبية النيوتينية على جميع الأجرام والظواهر السماوية. لقد ترك نيوتن الكون في وضع قلق؛ فظن أنه عرضة لشذوذات تتصاعد أحياناً، بحيث يلزم أن يتدخل الله من حين إلى حين ليقومه من جديد. ولم يقتنع كثير من العلماء-مثل أويلر-بأن العالم جهاز آلي، ولكن لابلاس أراد أن يثبت هذا ميكانيكاً.
وبدأ (1773) بمقال بين أن الاختلافات في متوسط أبعاد كل كوكب من الشمس تخضع لصياغة رياضية مضبوطة، تقريباً، فهي إذن دورية




صفحة رقم : 12409




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


وميكانيكية، واختارته أكاديمية العلوم بفضل هذا المقال عضواً ملحقاً بها وهو بعد في الرابعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ كرس لابلاس حياته، بوحدة وتوجيه وإصرار في الهدف، لاختزال عمليات الكون واحدة تلو الأخرى إلى معادلات رياضية. كتب يقول "إن كل تأثيرات الطبيعة ليست سوى نتائج رياضية لعدد قليل من القوانين الثابتة"(63).
ومع أن أعماله الكبرى لم تنشر إلا بعد الثورة، فإن إعداده لها بدأ قبل ذلك بكثير. وكان كتابه "عرض لنظام العالم". (1796) مقدمة مبسطة غير ميكانيكية لآرائه، تتسم بأسلوبها الصافي المتدفق، وتجسد نظريته الشهيرة (التي سبقه إليها كانت في 1755) عن أصل المجموعة الشمسية. وكان هدف لابلاس أن يفسر دوران الكواكب حول محاورها وحول الشمس، ودوران أقمارها، بافتراض وجود سديم أزلي من الغازات الحارة، أو غيرها من الذرات الدقيقة، يغلف الشمس ويمتد إلى آخر أطراف المجموعة الشمسية. وقد برد هذا السديم الدائر مع الشمس شيئاً فشيئاً، وانكمش مكوناً حلقات ربما كانت شبيهة بالحلقات التي ترى الآن حول زحل. فلما ازدادت البرودة والانكماش تكاثفت هذه الحلقات فكونت كواكب، وبمثل هذه الطريقة كونت الكواكب أقمارها؛ ولعل تكاثفاً شبيهاً بهذا السدم كون النجوم. وافترض لابلاس أن جميع الكواكب والأقمار تدور في نفس الاتجاه، وفي نفس المستوى عملياً، ولم يعرف وقتها أن أقمار أورانوس تتحرك في اتجاه مضاد. وهذه "النظرية السديمية" مرفوضة الآن كتفسير للمجموعة الشمسية، ولكنها مقبولة على نطاق واسع كتفسير لتكاثف النجوم من السدم. على أن لابلاس لم يعرضها إلا في كتابه الشعبي هذا، ولم يغل في أخذها مأخذ الجد: "هذه التكهنات حول تكون النجوم والمجموعة الشمسية.... أعرضها بكل التشكك الذي يجب أن توحي به جميع الأشياء التي ليست تنتجه للمشاهدة أو للحساب"(64).
وقد لخص لابلاس مشاهداته، ومعادلاته، ونظرياته-وتقريباً كل علم الفلك المعروف في زمانه-في الأسفار الخمسة الجليلة التي يتألف منها كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية (1799-1825)، والذي سماه جان باتيست




صفحة رقم : 12410




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


فورييه "مجسطي" الفلك الحديث. وقد ذكر هدفه فيه ببساطة رائعة فقال "بناء على أجرام المجموعة الشمسية الثمانية عشر المعروفة، وعلى مواقعها وحركاتها في أي وقت، أريد استنباط مواقعها وحركاتها في أي وقت آخر، من جاذبيها المتبادلة.... بالحساب الرياضي، والبرهنة على أن هذه تتفق مع تلك التي شوهدت فعلا. "وتحقيقاً لهذه الخطة كان على لابلاس أن يدرس التقلبات التي تحدثها التأثيرات المتعارضة لأعضاء المجموعة -الشمس، والكواكب، والأقمار- ويختزلها إلى انتظام دوري يمكن التنبؤ به. وقد آمن بأن هذه التقلبات كلها يمكن أن تفسر برياضيات الجاذبية. وفي هذه المحاولة لإثبات ما تتمتع به المجموعة الشمسية وسائر الكون من ثبات واكتفاء ذاتي، اتخذ لابلاس رأياً يدين بالميكانيكية البحتة، وعبر عن الفلسفة الحتمية تعبيراً مشهوراً فقال:
"ينبغي أن ننظر إلى حالة الكون الراهنة على أنها نتيجة لحالته الماضية، وسبب لحالته المستقبلة. وإن ذكاء يحيط بجميع القوى العاملة في الطبيعة في لحظة معلومة، كما يحيط بالموقع الوقتية لجميع الأشياء في الكون، في استطاعته أن يدرك في صيغة واحدة حركات أكبر الأجرام وأخف الذرات في الكون، شريطة أن يكون عقله من القوة بحيث يخضع جميع المعطيات للتحليل، فلا شئ يغم على فهمه، وسيبصر المستقبل كما يبصر الماضي، (قارن مفهوم الفلاسفة السكولاستيين عن الله). والكمال الذي استطاع العقل البشري أن يوصل إليه علم الفلك يعطينا صورة عامة ضعيفة لهذا الذكاء. وقد أتاحت كشوف الميكانيكا والهندسة، مشفوعة بكشوف الجاذبية الكونية، للعقل أن يدرك في نفس الصيغ التحليلية الحالة الماضية والمستقبلة لنظام الكون. وكل جهود العقل بحثاً عن الحقيقة تنحو إلى القرب من الذكاء الذي تصورناه، وإن بقي إلى الأبد بعيداً عن هذا الذكاء بعداً سحيقاً"(65).
حين سأل نابليون لابلاس لم يرد ذكر الله في كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية" قيل إنه أجاب "لم يكن بي حاجة إلى ذلك الفوضى"(66) على أن




صفحة




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 27-03-11, 10:00 صباحاً   رقم المشاركة : [374]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


لابلاس كانت له لحظاته المتواضعة. ففي كتابه "نظرية تحليلية للاحتمالات"، (1812)- وهي الأساس لكل ما جد بعد ذلك من عمل في هذا الميدان- جرد العلم من كل يقينيه فقال:
إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا إن معرفتنا كلها تقريباً غير يقينية؛ وفي الأشياء التي نستطيع معرفتها يقيناً، حتى في العلوم الرياضية ذاتها، يقوم الاستنباط والقياس على الاحتمالات، وهما أهم السبل للكشف عن الحقية(67) وكان للابلاس إسهامات نوعية، بالإضافة إلى صياغته الخطيرة الأثر للكشوف والفروض الفلكية المعروفة إلى وقته. فقد أنار كل فرع تقريباً من فروع الفيزياء بـ "معادلات لابلاس" عن "الجهد" التي يسرت التأكد من شدة الطاقة، أو سرعة الحركة، في أي نقطة في ميدان خطوط القوة. وحسب البيضية الديناميكية للأرض من تقلبات القمر التي كانت تعزي لشكل الكرة المفرطح، ووضع نظرية تحليلية للمد والجزر، واستنبط كتلة القمر من ظواهرهما. وابتكر طريقة محسنة لتحديد مدار المذنبات؛ واكتشف العلاقات العددية بين حركات أقمار المشتري. وحسب بدقته المعهودة السرعة "القرنية" المتوسطة حركة القمر. وأرست دراساته للقمر الأساس للجداول المحسنة لحركات القمر، التي وضعها تلميذه جان شارل بوركهارت عام 1812. وأخيراً ارتفع من العلم إلى الفلسفة- من المعرفة إلى الحكمة- في فيض من البلاغة جدير ببوفون:
"إن الفلك بحكم جلال موضوعه وكمال نظرياته، هو أبدع صرح من صروح الروح البشرية، وأنبل شهادة على الذكاء البشري. فالإنسان الذي أضلته أنانيته وأوهام حواسه ظل طويلا يعتبر نفسه المركز في حركات النجوم، وقد لقي غروره الكاذب عقاباً من الأهوال التي أوحت بها هذه النجوم.




صفحة رقم : 12412




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> الفلك


ثم ألقى بنفسه فوق كوكب لا يكاد يدرك حجمه في المجموعة الشمسية، وامتداده الشاسع ليس إلا نقطة تافهة في اتساع الفضاء. والنتائج السامية التي قاده إليها هذا الكشف خليقة بأن تعزيه عن المرتبة التي وضعت فيها الأرض، لأنها تبصره بعظمته في كل ضآلة القاعدة التي يقيس منها النجوم. فعليه أن يصون بعناية نتائج هذه العلوم السامية التي هي بهجة للكائنات المفكرة، وأن يوسع رقعتها. وقد أدت تلك العلوم خدمات جلية للملاحة والجغرافيا، ولكن بركتها الكبرى هي تبديد المخاوف التي سببتها الظاهر الفلكية والقضاء على الأخطاء المنبعثة من الجهل بعلاقتنا الصحيحة بالطبيعة- وتلك أخطاء ومخاوف ستنبعث من جديد إذا قدر لمشعل العلم يوماً ما أن ينطفئ"(68).
وقد وجد لابلاس أن تكييف حياته وفق اضطرابات السياسة الفرنسية أيسر له من تكييف رياضياته لشذوذات النجوم. فلما أقبلت الثورة قوى عليها بكونه أعظم قيمة حياً منه ميتا، فاستخدمته مع لاجرانج لصنع ملح البارود للبارود، وحساب مسارات قذائف المدافع. وعين عضواً في لجنة الموازين والمقاييس التي وضعت النظام المتري. وفي 1785 كان قد امتحن وأجاز طالباً متقدماً لسلاح المدفعية، هو بونابرت الذي كان في السادسة عشرة من عمره؛ وفي 1798 أخذه الجنرال بونابرت إلى مصر ليدرس النجوم من الأهرام. وفي 1799 عينه القنصل الأول وزيراً للداخلية وبعد سبعة أسابيع عزله لأن "لابلاس يبحث عن الرقائق والدقائق في كل مكان.. وينقل إلى الإدارة روح اللانهائي الصغر"(69). ولكي يطيب بونابرت خاطره عينه في مجلس الشيوخ الجديد، وخلع عليه لقب الكونت. ورسم له ألان جاك أندريه نيجون صورة في ذهب رتبته الجديدة وزينتها: "وجه مليح شريف، وعينان محزونتان كأنهما شاعرتان بأن الموت يهزأ بكل عظمة وجلال، وبأن الفلك ما هو إلا تحسس في الظلام، وأن العلم ليس إلا نقطة ضؤ في بحر من الليل البهيم. وعندما حضرته المنية (1827) أما الذي نجهله فلا حدود له"(70).




صفحة رقم : 12413




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض



6- في الأرض


درست أربعة علوم الأرض: فعلم الظواهر الجوية (المتيورولوجيا) ارتاد غلافها الجوي، وعلم المساحة التطبيقية (الجيوديسيا) قدر حجمها، وشكلها، وكثافتها، والمسافات التي تشمل انحناء سطحها؛ والجيولجيا نقبت في تكوينها، وأعماقها، وتاريخها، والجغرافيا رسمت الخرائط ليابسها ومائها.


أ - الميتورولوجيا


استعمل علم الجو أربع آلات للقياس بالإضافة إلى المقياس البسيط للمطر: الترمومتر لدرجة الحرارة، والبارومتر للضغط الجوي، والأنيمومتر للرياح، والهيجرومتر لرطوبة الهواء.
في عام 1721 أو قبله، وفق جابرييل دانييل فارنهايت، وهو صانع آلات ألماني في أمستردام، في تطوير الترمومتر الذي كان جاليليو قد اخترعه في 1603، واستعمل فارنهايت الزئبق بدلا من الماء سائلا متمدداً منكمشاً، وقسم المقياس إلى درجات مبنية على نقطة تجمد الماء (32() ودرجة حرارة الفم لجسم الإنسان العادي (98.6°). وفي 1730 أنهى رينيه دريامور إلى أكاديمية العلوم "قواعد لبناء الترمومترات بتدرجات قابلة للمقارنة"، واتخذ درجة تجمد الماء صفراً، ودرجة غليانه 80(، ودرج المقياس بحيث يجعل الدرجات تتفق والزيادات المعادلة في صعود أو هبوط السائل الترمومتري الذي استعمل له الكحول. وحوالي عام 1742 أدخل أنديرس ملسيوس الأوبسالي تحسينات على ترمومتر دريامور بالعودة إلى استعمال الزئبق وتقسيم المقياس إلى مائة درجة "سنتجرادية أي مئوية" بين نقطتي تجمد الماء وغليانه. واستطاع جان أندريه دلوك الجنيفي في 1772 أن يعطى الترمومترين المتنافسين شكلهما الحالي: الشكل الفهرنهايتي للشعوب الناطقة بالانجليزية، والشكل المئوي لغيرها من الشعوب.
أما البارومتر فكان قد اخترعه توريتشيللي في 1743، ولكن قراءاته للضغط الجوي كانت تتأثر دقتها بعوامل لم يحسب لها حساب، كنوعية الزئبق،




صفحة رقم : 12414




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


واتساع الأنبوبة، ودرجة حرارة الهواء. على أن شتى الأبحاث التي بلغت ذروتها في تجارب دلوك وحساباته (1717-1817) عالجت هذه العيوب) وأوصلت البارومتر الزئبقي إلى شكله الراهن.
وصنعت أنيمومترات بدائية متنوعة في القرن السابع عشر. من ذلك أن بيير أوويه أسقف أفرانش العالم، ترك عند موته في 1721 تصميما لانيمومتر (والكلمة من ابتكاره فيما يبدو) يقيس قوة الريح بتمريره في أنبوبة يرفع ضغطه فيها عموداً من الزئبق. ودخل على هذا الأنيمومتر تحسين بـ"مقياس الريح" (1775) الذي ابتكره الطبيب الاسكتلندي جيمس لند. وابتكر جون سميتن (حولي 1750) جهازاً لقياس سرعة الريح. وأفضل آلات قياس الرطوبة في القرن الثامن عشر هي هيجرومتر وراس دسوسير (1783) الجنيفي المتعدد القدرات، وقد بناه على تمدد وانكماش شعرة إنسان بفعل التغيرات في الرطوبة. وأرسى وليم كولن الأساس لنوع آخر من الهيجوومتر بملاحظة ما للسوائل من تأثير مبرد على البخر.
بهذه الأدوات وغيرها، كالإبرة المغنطيسية، حاول العلم أن يكشف عن الإنتظامات في تقلبات الجو. وكان أول ما يستلزمه هذا الكشف وجود السجلات الموثوق بها، وقد احتفظت ببعض هذه السجلات لفرنسا أكاديمية العلوم منذ 1788. ومن 1717 إلى 1727 احتفظ طبيب برزلاوي بسجلات يومية للتقارير الجوية التي كان يطلبها من أنحاء كثيرة في ألمانيا؛ وفي 1724 بدأت جمعية لندن الملكية في جمع التقارير المتيورولوجية، لا من بريطانيا وحدها بل من القارة الأوربية، والهند، وأمريكا الشمالية. ثم نظم ج.ج. هيمر في مانهايم، عام 1780، تنسيقاً أوسع وأنظم من هذا كله للتقارير اليومية تحت رعاية شارل تيودور أمير بالاتين الناخب، ولكنه توقف (1792) خلال حروب الثورة الفرنسية.
ومن الظواهر المتيورولوجية التي أطلقت الكثير من التكهنات ظاهرة الفجر الكاذب. وقد درس أدموند هالي بعناية تفجرات هذه "الأضواء الشمالية" في 16-17 مارس 1716، وعزاها إلى تأثيرات




صفحة رقم : 12415




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


مغنطيسية منبعثة من الأرض. وفي 1741 لاحظ هيورتر وغيره من المشاهدين السكندناويين أن اختلافات غير منتظمة في إبرة البوصلة تحدث في وقت ظهور الأضواء. وفي 1793 قرر جون دولتين الكيميائي أن ألسنة الضوء موازية لإبرة الانحراف المغنطيسي، وأن سمتها، أو نقطة التقائها، تقع في الزوال المغنطيسي. إذن فقد أدرك القرن الثامن عشر الطبعة الكهربية سببه التأين الناشئ عن جزيئات تطلق من الشمس.
وبدأت مؤلفات القرن الثامن عشر في المتيورولوجيا بكتاب كرستيان فولف في "مقاييس الجو الأساسية" (1709)، الذي لخص المعلومات المعروفة إلى عهده واقتراح أدوات جديدة. وقد حاول دالامبير وضع صيغة رياضية لحركات الرياح في كتابه "تأملات في السبب العام للرياح" الذي نال جائزة قدمتها أكاديمية برلين في 1747. أما أبرز بحث في هذه الفترة فهو كتاب ضخم يسمى "رسالة في المتيورولوجيا" (1774) بقلم لوى كوت، أحد قساوسة مونمورنسى. وقد جمع كوت نتائج مشاهداته وغيرها وجدولها، ووصف الآلات، وطبق كشوفه على الزراعة، وعين وقت الأزهار والنضج لمختلف المحاصيل، والتواريخ التي تفد فيها عصافير الجنة وترحل، ومتى يتوقع أن يشدو البلبل بغنائه، واعتبر الرياح أهم أسباب التغيرات في الجو، وأخيراً اقترح صيغاً اجتهادية للتنبؤات الجوية، أما كتاب جان دلوك "أبحاث في تغيرات الجو" (1772) فقد سع تجارب بسكال (1648) وهالي (1686) في العلاقات بين الارتفاع والضغط الجوي، ووضع صيغة القانون الذي ينص على أنه "في درجة حرارة معينة تعطى الفروق بين لوغاريتمات ارتفاعات الزئبق (في البارومتر) فوراً، في أجزاء من القامة - الفرق في ارتفاعات الأماكن التي رصد فيها البارومتر"(71). واستطاع دلوك بإلحاق ميزان ماء ببارومتره، أن يقدر بارومترياً ارتفاع مختلف الشواخص، فقدر أن "المون بلان" يعلو 14,346 قداً عن السطح البحر. أما أوراس دسوسير، فبعد أن ارتقى الجبل وسجل قراءات عند قمته (1787)، خلص من قياسه إلى أنه يعلو 15,700 قدم.




صفحة رقم : 12416




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض




ب - الجيوديسيا


كان المعنى الحرفي للجيوديسيا هو "تقسيم الأرض". وللقيام بهذه المهمة بدقة كان من الضروري معرفة شكل الكرة الأرضية. وكان هناك اتفاق عام في 1700 على أن الأرض ليست تامة التكور بل لها شكل القطع الناقص -فهي مفرطحة بعض الشيء في نهايتيها. وذهب نيوتن إلى أنها مفرطحة عند القطبين، أما العلماء من آل كاسيني فذهبوا إلى أنها مفرطحة عند خط الاستواء. وللفصل في هذا الخلاف الدولي أوفدت أكاديمية علوم باريس بعثتين، ذهبت الأولى في 1735 وعلى رأسها شارل دلاكوندامين، وبييريوجيه، ولوى جودان، إلى ما كان بيرو يومها (وهو الآن أكوادور) لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال قرب الاستواء . وقد وجدوا أن البعد بين درجة عرض فلكية والدرجة التي تليها، على الزوال المار فوق مكان رصدهما، هو 362,800 قدم. وفي 1736 أوفدت بعثة كهذه إلى لابلاند وعلى رأسها نوبرنياس وكليرو، لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال عند مكان أقرب ما أمكن للدائرة القطبية. وقد قررت أن طول الدرجة هناك 376.100 قدم - أي أكثر قليلاً من تسعة وستين ميلاً. ودلت هذه الكشوف على أن طول درجة العرض الفلكية، يزداد زيادة طفيفة كلما تحرك الراصد من الاستواء إلى القطب؛ وقد فسرت الزيادة بأنها راجعة لتفرطح الأرض عند القطبين. وسلمت أكاديمية العلوم بأن نيوتن كان على حق. واتخذت المقاييس التي حصلت عليها البعثتان بعد ذلك أساساً لتحديد المتر، والنظام المتري، والزمن الفكي المضبوط لمختلف الأماكن على سطح الأرض.
وقد عزا بوجيه انحرافات ميزان الاستقامة التي لاحظها في أرصاد بعثة بيرو إلى القوة الجاذبية لجبل شيمبورازو القريب. وبقياس الانحراف قدر كثافة الجبل، وعلى هذا الأساس حاول حساب كثافة الأرض. وواصل




صفحة رقم : 12417




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


هذا البحث نفيل ماسكلين، فلكي الملك وجورج الثالث (1774-78)، بإسقاطه ميزان الاستقامة تارة على جانب جبل جرانيتي في إسكتلندة وتارة على الجانب الآخر. وفي كلتا الحالتين انحرف الميزان نحو أثنتى عشرة ثانية زاوية نحو الجبل. واستنتج ماسكلين أن نسبة كثافة الأرض إلى كثافة الجبل هي نفس النسبة بين قوة جاذبية الأرض وانحراف الأثنتى عشرة ثانية، وعلى هذا الأساس قدر تشارلز هتن أن كثافة الأرض تقرب من 4,5 مرة من كثافة الماء - وهو رقم مقبول الآن عموماً، وقد توصل إليه نيوتن بما عهد فيه من حدس ذكي قبل قرن من الزمان.


جـ - الجيولوجيا


ظلت ضروب التحريم اللاهوتية تعرقل دراسة أصل الأرض، وعمرها، وتركيبها، والبحث في قشرتها وما دونها، وفي زلازلها، وبراكينها، وفوهاتها، وأحافيرها. وكانت الأحافير تفسر عموماً بأنها مخلفات كائنات بحرية تركتها على الأرض مياه انحسرت عقب طوفان نوح، الذي كان الاعتقاد أنه غطى الكرة الأرضية. وفي 1721 قرر أنطونيو فاللزنييري في كتابه عن الأجسام البحرية.... أن فيضاناً مؤقتاً لا يمكن أن يعلل راسباً من التكوينات البحرية بهذا الانتشار الواسع. ورأى أنطون مورو في كتابه "البندقية"، (1740) أن الأحافير قذفت بها ثورانات بركانية من البحر. فالأرض كانت في الأصل مغطاة بالماء، فدفعت النيران الباطنية اليابس الذي تحت الماء إلى فوق البحر الهابط، وكونت الجبال والقارات.
وقد خلف بنوا دماييه عند موته (1738) مخطوطة طبعت عام 1748 باسم "تياميد، أو لقاءات بين فيلسوف هندي ومراسل فرنسي" وقد ساق آراءه على لسان حكيم هندي، ولكن سرعان ما تبين أن "تياميد" ليس إلا "دمامية" مقلوباً، ولعل الزوبعة التي أثارها الكتاب قد صالحت بين مؤلفه وبين موته الذي أدركه في أوانه. ونظريته تزعم أن الأرض والجبال والأحافير لم تكونها الثورانات البركانية- بل الانحسار التدريجي للمياه التي غطت وجه الأرض فيما مضى من الزمان، وألمح ماييه إلى أن كل




صفحة رقم : 12418




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


النباتات والحيوانات تطورت من كائنات بحرية مقابلة، لا بل الرجال والنساء تطوروا من أناسى البحر وعرائسه الذين فقدوا ذيولهم كما فقد الضفدع ذيله. وقد نشأ انحسار الماء عن البخر الذي هبط بمستوى البحر نحو ثلاثين قدماً كل ألف عام. وأنذر ماييه بأن المحيطات ستجف تماماً في النهاية، وستصعد النيران الباطنية إلى السطح وتفنى كل شئ حي.
ولعد "تياميد" بعام أصدر جورج لوى دبوفون أول مجلديه الرئيسيين اللذين أسهم بهما في علم وليد لم يزل مقمطاً في تكهنات لا سبيل إلى التثبيت من صحتها. وقد ألف "نظرية الأرض" (1749) وهو في الثانية والأربعين، " وحقب الطبيعة" (1779) وهو في الحادية والسبعين. وبدأ باحتياط على طريقة ديكارت، فسلم بدفعة أولى دفع الله بها العالم، وبعدها قدمت "النظرية" تفسيراً طبيعياً خالصاً للأحداث الكونية. وقد استبق آخر نظريات تكوين العالم بقرنين، إذ ذهب إلى أن الكواكب نشأت كشظايا انفصلت عن الشمس إثر مذنب قوي أو بفعل جذبه، فكل الكواكب إذن كانت في البداية كتلا منصهرة كالشمس الآن، ولكنها بالتدريج بردت وأظلمت في برد الفضاء. أما "الأيام" التي استغرقتها الخليقة في سفر التكوين فلا بد من تفسيرها على أنها حقب، قد نتبين منها سبعاً:
1-اتخذت الأرض شكلها الكروي نتيجة لدورانها، ثم برد سطحها ببطئ (3.000 سنة).
2- تجمدت الأرض فأصبحت جسما جامداً (32.000 سنة).
3- تكاثفت الأبخرة التي غلفتها وكونت محيطاً عالمياً (25.000 سنة).
4- هبطت مياه هذا المحيط باختفائها في شقوق في قشرة الأرض، تاركة نباتاً على السطح، وأحافير على ارتفاعات شتى على اليابس (10.000 سنة).
5- ظهرت الحيوانات البرية (5.000 سنة).
6- فصل هبوط المحيط نصف الكرة الغربي عن نصفها الشرقي، وجرينلند عن أوربا، ونيوفوندلند عن أسبانيا، وترك الكثير من الجزر تبدو كأنها طالعة من البحر (5.000 سنة).




صفحة رقم : 12419




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


7- تطور الإنسان (000ر5 سنة)
ولاحظ بوفون بجمع هذه الحقب معاً أن حاصلها 58.000 سنة. ولعله كان يعجب لخيال الجيولوجيين الفائق في يومنا هذا، فهم يمدون عمر الأرض إلى أربعة بلايين سنة.
وقد أسس بوفون علم الأحافير (البليونتولوجي) بدراسته العظام المتحفزة واستنباطه الحقب المتعاقبة للحياة العضوية منها. ويتبين منظوره وأسلوبه من الأسطر الأولى التي استهل بها "حقب الطبيعة" إذ يقول:
"كما أننا في التاريخ المدني نرجع إلى ألقاب الناس، وندرس العملات والمداليات، ونفك رموز الكتابات القديمة، لنحدد عصور الثورات الإنسانية وتواريخ الأحداث في تاريخ المجتمع، فكذلك يجب علينا في التاريخ الطبيعي أن ننقب في محفوظات الدنيا، ونخرج من أحشاء الأرض الأثار القديمة، ونجمع بقاياها، ونحشد في مجموعة من الأدلة كل الإشارات على التغيرات الفيزيائية التي تتيح لنا الرجوع إلى مختلف عصور الطبيعة. وهذا سبيلنا الأوحد إلى تحديد بعض النقط في الفضاء الشاسع، ووضع عدد من الشواخص على الطريق الأبدي للزمن. وما أشبه الماضي بالمسافات فبصرنا به كان يتناقص بل يتلاشى لولا أن التاريخ والترتيب وضعا المعالم والمشاعل في أشد نقطه ظلاماً"(72).
ثم لأنه لم يتوصل إلى علم الأحافير إلا في شيخوخته كتب يقول:
"إنني أترك أسفاً هذه الأشياء الخلابة، هذه الآثار الثمينة التي خلفتها لنا الطبيعة القديمة، والتي لا تمهلني شيخوختي لفحصها فحصاً يكفي لأن أستخلص منها النتائج التي أتصورها، والتي ينبغي ألا تجد لها مكاناً في الكتاب لأنها لا تقوم إلا على الافتراض، في حين أنني جريت فيه على سنة، هي ألا أعرض فيه غير الحقائق المبنية على الواقع. وسيأتي من بعدي آخرون(73).
وكتابه "حقب الطبيعة" كان من أهم كتب القرن الثامن عشر. وقد أغدق عليه بوفون كل ما يملك من صنعة في الأسلوب، حتى أنه كتب بعض أجزائه




صفحة رقم : 12420




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


من جديد سبع عشرة مرة (إذا صدقناه)(74). وسكب فيه كل قوة خياله حتى لقد بدا أنه يصف، عبر فجوة من ستين ألف عام، تصورات فكره وكأنها أحداث تنبسط أمام عينيه . وقد أشاد جريم بالكتاب لأنه "من أروع القصائد التي جرؤت الفلسفة على أن توحي بها" وقال كوفييه في حكمه عليه إنه "أذيع أعمال بوفون قاطبة، مكتوب بأسلوب رفيع حقاً"(76).
وفي هذه الأثناء حاول نفر من الدارسين أكثر تواضعا أن يرسموا خرائط لتوزيع المعادن في التربة. وقد ظفر جان جتار بثناء أكاديمية باريس للعلوم على كتابه "مذكرة وخريطة في علم المعادن" (1746) وبينما كان يبذل هذه المحاولة الأولى للقيام بمسح جيولوجي، اكتشف براكين خامدة في فرنسا، وعلل الرواسب المحيطة بها بأنها حمم متجمدة، والينابيع الحارة بأنها آخر مراحل هذه القوى البركانية. وحفز زلزال لشبونه جون متشل إلى إعداد "مقال في أسباب الزلازل وظواهرها" (1760)، وقد ذهب إلى أنها راجعة إلى الالتحام الفجائي بين النار والماء الباطنيين، مما أحدث بخراً متمدداً، وقد وجد هذا البخر منفذاً خلال البراكين والفوهات، ولكن إذا تعذرت هذه المخارج أحدثت اهتزازات في سطح الأرض. وهذه الأمواج الأرضية يمكن في رأي متشل رسمها لإيجاد بؤرة الزلزال. وهكذا تمخض علم الجيولوجيا الذي كان حدثاً بعد عن علم الزلازل.
كذلك اصبح علم طبقات الأرض فرعاً متخصصاً. فقد حار الناس في أصل طبقات القشرة الأرضية وتركيبها وتعاقبها. وأتاحت مناجم الفحم مفتاحاً لهذه الدراسات؛ ومن ثم قدم جون ستراتشي للجمعية الملكية (1709) "وصفاً غريباً للطبقات الأرضية لوحظ في مناجم فحم منديب بسمرستشير." وفي 1762 أصدر جيورج كرستيان فوشزل أول خريطة جيولوجية مفصلة، ووصف "التكوينات" التسعة في تربة تورنجيا، وأرسى مفهوم "التكوين" باعتباره تعاقباً لطبقات تمثل في مجموعها حقبة جيولوجية.




صفحة رقم : 12421




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


وتنازعت النظريات المتنافسة على أسباب هذه التكوينات. من ذلك أن أبراهام فرنر، الذي ظل اثنين وأربعين عاماً(1775-1817) يعلم في مدرسة المناجم بفرايبورج، جعل كرسي أستاذيته المقر الشعبي للرأي "النبتيوني"، وهو القائل بأن القارات، والجبال، والصخور، والطبقات قد نشأت كلها من فعل المياه، من هبوط محيط كان يوماً يغطي العالم-وهو هبوط بطئ أحياناً، مباغت أحياناً أخرى؛ فالصخور هي ترسب معادن تركها البحر جافة، والطبقات هي فترات هذا الانحسار ورواسبه.
وزاد هتن نار الجدل اشتعالا بتعليله تغيرات الأرض وتقلباتها. وقد أصبح هذا الرجل الذي ولد بأدنبرة في 1726، واحداً من ذلك الفريق الممتاز الذي ألف حركة التنوير الاسكتلندي-هيوم، وجون هوم، واللورد كيمس، وآدم سمت، وروبرتسن، وهتشسن، وماسكلين، ومكلورين، وجون بلايفير، وجوزف بلاك. تنقل من الطب إلى الكيمياء إلى الجيلوجيا، وما لبث أن تخلص إلى تاريخ كرتنا الأرضية استغرق أضعاف الآلاف الستة التي قال بها اللاهوتيون. ولاحظ أن الريح والمياه ينحران الجبال في بطئ ويرسبانها على السهول، وأن آلاف النهيرات تحمل إلى الأنهار، التي تحملها بعد ذلك إلى البحر، ولو استمرت هذه العملية إلى ما شاء الله لابتعلت المحيطات النهمة الثائرة قارات برمتها. ولعل جميع التكوينات الجيولوجيا نجمت عن هذه العمليات الطبيعية البطيئة كما نشهد اليوم في أي مزرعة تتعرى تربتها أو أي بحر يجور على اليابس، أو أي نهر قاعه في إصرار، تاركاً سجل مستوياته الهابطة على طبقات الصخور والتربة. وقد ذهب هتن إلى أن هذه التغيرات التدريجية هي الأسباب الأساسية لما يطرأ على أرضنا من تحول. وعنده أننا "في تفسيرنا للطبيعة، يجب ألا نستخدم قوي ليست من طبيعة الكرة الأرضية، وإلا نسلم بأي عمل إلا الأعمال التي نعرف مبدأها، وألا ندعى أي أحداث خارقة لنعلل بها ظاهرة شائعة"(77).
ولكن إذا سلمنا بأن هذا التحات ظل آلاف الآلاف من السنين، فلم لا تزال هناك على ظهر الأرض؛ ويرد هتن بأن السبب هو أن




صفحة رقم : 12422




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


المواد التي أزالها التحات وتجمعت في قاع البحر تتعرض للضغط والحرارة، فهي تنصهر، وتتجمع، وتتمدد وتتصاعد، وتطلع من المياه لتكون الجزر والجبال، والقارات. إما أن هناك حرارة باطنية فالدليل عليه ثوران البراكين. فالتاريخ الجيولوجي إذن عملية دائرة، انقباض وانبساط شاسعان لا يفتآن يصبان القارات في البحار ويرفعان القارات الجديدة في قلب تلك البحار. وقد أطلق الدارسون الذين جاءوا بعد هتن على نظريته اسم "الفلكانية"، (نسبة لفلكان إله النار) لقيامها على تأثيرات الحرارة، أو "البلوتونية" نسبة إلى بلوتو الإله القديم للعالم السفلي.
وقد تردد هتن نفسه في نشر آرائه لأنه عرف أنها ستلقي المعارضة لا من المؤمنين بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس فحسب، بل من "النبتيونيين" على نحو لا يقل حدة. وقد وجد هؤلاء مدافعاً متحمساً في روبرت جيمسن أستاذ الفلسفة الطبيعية في جامعة أدنبرة. وقد اقتصر هتن أول الأمر على شرح نظريته لنفر من أصدقائه، فلما ألحوا عليه قرأ بحثين في موضوعها على جمعية أدنبرة الملكية، الحديثة التشكيل، في 1785. وكان النقد الذي وجه إليها مهذباً حتى عام 1793، حين هاجمه عالم معادن دبلني بعبارات أثارت حنقه، فرد بنشره كتاباً من عيون الجيولوجيا عنوانه "نظرية الأرض" (1795). ومات بعد ذلك بسنتين. وبفضل كتاب جون بلايفير الواضح الأسلوب "إيضاحات لنظرية هتن" (1802)، انتقل مفهوم التغيرات العظمى الناجمة عن العمليات البطيئة إلى علوم أخرى غير الجيولوجيا، وأعد أوربا لتطبيق داروين لهذا المفهوم على أصل الأنواع وتسلسل الإنسان.


د - الجغرافيا


ولكن وجه الأرض أكثر استواء للدارسين من أحشائها. ولقد كان العرض المتصاعد لاختلافات البشر في العرق، والأنظمة، والأخلاق، والعقائد، عاملا قوياً في توسيع آفاق الذهن الحديث. ومضى ارتياد المجهولة برغبة في الاستطلاع وحب للتملك أكثر من أي عهد سبق،




صفحة رقم : 12423




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


لا حبا في سواد عيون العلم، بل سعياً إلى المواد الخام، والذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، والطعام، والأسواق، والمستعمرات، وإلى رسم خرائط للبحار تضمن مزيداً من السلامة للملاحة في السلم والحرب. لا بل أن رحلة السفينة المتمردة "باونتي" (1789) كان هدفها الأصلي شتل شجرة فاكهة الخبز من بحار الجنوب إلى جزر الهند الغربية واشتد التنافس في هذه اللعبة بين الفرنسيين والهولنديين والإنجليز، وهم يعلمون أن السيادة على العالم رهن بنتيجة هذا التنافس.
وقد انبعثت من ذهن بطرس الأكبر رحلة من أجرأ رحلات الارتياد، إذ أنه قبل موته في 1725 كلف فينوس بيرنج، وكان قبطاناً دنمركياً في البحرية الروسية، بارتياد الساحل الشمالي لسيبيريا. وعينت أكاديمية سانت بطرسبورج فلكياً وطبيعياً ومؤرخاً لمرافقة البعثة وبعد أن سافر بيرنج إلى كمشاسكا براً، أبحر (1728) إلى خط عرض 67( شمالا، واكتشف المضيق الذي يحمل اسمه، ثم عاد إلى سانت بطرسبورج. وفي رحلة ثانية بنى أسطولا في أوخوتسك وأبحر شرقاً حتى لمح أمريكا الشمالية (1741)؛ وهكذا اكتشف دنمركي تلك القارة من الغرب كما اكتشفها لايف إريكسن الإسكندنافي من الشرق. وفي رحلة العودة ضلت سفينة بيربج طريقها وسط ضباب كثيف، وأنفق الملاحون ستة أشهر على جزيرة لم يسبق أن سكنها أحد قرب كمشاسكا. وعلى هذه الجزيرة، التي تحمل هي أيضاً اسمه، مات الدنمركي العظيم من الأسقربوط (1741) وهو في الستين. واكتشف سفينته أخرى من سفن البعثة جزائر الوشيان. واستولت روسيا على ألسكا، وبعث المرسلون لتعريف الأسكيمو باللاهوت المسيحي..
وحفز تقدم روسيا داخل أمريكا أمماً أخرى لارتياد المحيط الهادي فجردت إنجلترا في حربها مع أسبانيا (1740) أسطولا تحت إمرة جورج آنسن ليضيق الخناق على المستوطنات الإسبانية في أمريكا الجنوبية. وقد اهلك الأسقربوط أكثر ملاحيه، وحطمت الزوابع بعض مراكبه، ولكنه شق طريقه إلى المحيط الهادي الجنوبي، ووقف عند جزائر خوان فرنانديز،




صفحة رقم : 12424




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


ووجد الدليل على أن ألكسندر سكرك (وهو روبنسن كروزو في رواية ديفو) كان هناك من قبل (1704-9). ثم عبر المحيط الهادي واستولى على غليون أسباني قرب الفلبين، وأخذ كنز الذهب والفضة الذي يحمله (1.500.000 دولار) وعبر المحيط الهندي ودار حول رأس الرجاء الصالح، وافلت من الأسطولين الأسباني والفرنسي اللذين حاولا اعتراضه. ثم وصل إلى إنجلترا في 15 يونيو 1744 بعد رحلة ثلاثة سنوات وتسعة أشهر. ونقلت غنيمة السبائك من سبتهيد إلى لندن في اثنتين وثلاثين عربة تصاحبها الموسيقى العسكرية. وصفقت إنجلترا كلها لآنسن ونفدت أربع طبعات من قصته في سنة واحدة.
وفي 1763 أوفدت الحكومة الفرنسية بعثة مماثلة على رأسها لوي أنطوان دبوجانفيل، تحمل تعليمات بإقامة مستوطنة فرنسية في جزر فوكلند؛ وقد أتاح لها موقعها على ثلاثمائة ميل شرقي مضيق مجللان قيمة حربية، لأنها تشرف على المعبر من الأطلنطي إلى الهادي. وقد أنجز مهمته وعاد إلى فرنسا. وفي 1765 أبحر ثانية، وعبر المضيق إلى المحيط الهادي ووصل إلى تاهيتي (1768). التي كان صموئيل واليس قد اكتشفها قبل ذلك بسنة-واستولى عليها لفرنسا، واكتشف مجموعة جزر ساموا وهيريد الجديدة، ودار حول رأس الرجاء الصالح، ووصل إلى فرنسا في 1769، وجلب معه من أقاليم الباسفيك المدارية نبات البوجانفليا المتعرش (الجهنمية). وقد ركزت روايته لرحلته على مناخ تاهيتي اللطيف، وما يتمتع به الأهالي من صحة سابغة، وطبيعة خيرة، وخلق أنيس: وسنلتقي بديدرو معقباً في حسد على هذا التقرير في كتابه "ملحق لرحلة بوجانفيل".
وفي 1764 كلفت الحكومة البريطانية الكابتن جون بايرون أن يضع يده على أرض تفيدها في البحار الجنوبية. فرسا على فورت إجمونت في جزر فوكلند، واستولى على الجزر الإنجليزية وهو لا يدري أن الفرنسيين كانوا هناك فعلا. وادعت أسبانيا أن لها حقاً أسبق في تملك الجزر، فأذعنت لها فرنسا، ثم أذعنت إسبانيا لإنجلترا (1771) وتطالب بها الأرجنتين اليوم.




صفحة رقم : 12425




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


وواصل بايرون رحلته حول الكرة الأرضية، ولكنه لم يترك على التاريخ أكثر من هذه البصمة. وكان في رحلة سابقة، أثناء عمله ضابط صف تحت إمرة آنسن قد تحطمت فيه السفينة على ساحل شيلي(1741)، وقد استخدم حفيده اللورد بايرون روايته لهذا الحادث في قصيدته "دون جوان"
أما أبرز رائد في رواد القرن الثامن عشر في نظر الشعوب الناطقة بالإنجليزية فهو الكابتن جيمس كوك. كان ابن فلاح في مزرعة، ألحق وهو في الثانية عشر ببائع خردات، فلما لم يجد في بيع الملابس الداخلية ما يشبع شوقه للمغامرة التحق بالبحرية، وعمل "ملاحظا بحرياً" على طول سواحل نيوفوندلند، وذاعت شهرته رياضياً، وفلكياً، وملاحاً، وفي 1768، حين بلغ الخمسين، اختير لرآسة بعثة تسجل مرور كوكب الزهرة، وتقوم بأبحاث جغرافية في المحيط الهادي الجنوبي. فأبحر في 25 أغسطس على السفينة "إندفر" بصحبة عدة علماء، جهز أحدهم وهو السر جوزف بانكس السفينة من ماله الخاص . وشوهد مرور الزهرة في تاهيتي في 3 يونيو 1769. ومنها أبحر كوك باحثاً عن قارة كبرى (تيرا أوستراليس) زعم بعض الجغرافيين أنها تختبئ في بحار الجنوب. فلم يجد شيئاً، ولكنه ارتاد جزر سوسايتي وسواحل نيوزيلندة، ورسم لها خرائط بعناية: ثم واصل رحلته إلى استراليا (التي عرفت يومها بهولندا الجديدة)، واستولى على ساحلها الشرقي لبريطانيا العظمى، وأبحر حول أفريقيا، ووصل إلى إنجلترا في 12 يونيو 1771.
وفي 13 يوليو 1772، ركب البحر من جديد، ومعه السفينتان رزوليوس وإندفر، بحثاً عن القارة الجنوبية المزعومة. وقد حرث البحر شرقاً وجنوباً بين رأس الرجاء الصالح ونيوزيلندة، وعبر الدائرة القطبية الجنوبية إلى خط الطافية على العودة، وزار جزيرة إيستر وكتب وصفاً




صفحة رقم : 12426




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


لتماثيلها العملاقة. ورسم خرائط لجزر ماركيزا وتونجا، وسمى هذه "فرندلي" أي الجزيرة الصديقة لما خبر في أهلها من لطف ودماثة الخلق. واكتشف كلدونيا الجديدة، وجزيرة نورفوك، وجزيرة باينز (كوني). وعبر المحيط الهادي الجنوبي شرقاً إلى رأس هورن، وواصل الرحلة عبر الأطلنطي الجنوبي إلى رأس الرجاء الصالح، ثم أبحر شمالا إلى إنجلترا، فرسا على برها في 25 يوليو 1775 بعد رحلة قطع فيها نيفاً وستين ألف ميل و 1.107 يوماً.
أما بعثته الثالثة فقد التمست طريقاً مائياً من ألسكا عبر أمريكا الشمالية إلى الأطلنطي. وقد أقلع من بليموث في 12 يوليو، ومعه السفينتان رزوايوشن وسكفري، وطاف حول رأس الرجاء الصالح، ووصل بر تاهيتي ثانية، ومضى شمالا بشرق، ووقع على أعظم كشوفه، هي جزر هاواي (فبراير 1778) التي كان الملاح الإسباني خوان جيتانو قد رآها في 1555، ولكن أوربا نسيتها أكثر من قرنين. وبعد أن واصل كوك الرحلة إلى الشمال الشرقي وصل إلى ما نسميه الآن بولاية أوريجون، ومسح ساحل أمريكا الشمالية إلى مضيق بيرنج ووراءه حتى الحدود الشمالية لألسكا. وعند عرض 70.41( شمالا عاق تقدمه جدار من الجليد يرتفع اثنى عشر قدماً فوق البحر ويمتد إلى آخر ما يصل إليه بصر الرقيب. وعاد كوك إلى هاواي بعد أن أخفق في بحثه عن ممر شمالي شرقي عبر أمريكا. وهناك لقي مصرعه حيث لقي من قبل ترحيباً ودياً. ذلك أن الأهالي كانوا لطفاء ولكنهم يميلون إلى السرقة، فسرقوا قارباً من قوارب السفينة "دسكفري"، وقاد كوك نفراً من رجاله ليسترده، فنجحوا في استرداد القارب، ولكن الأهالي الحانقين أحاطوا بكوك الذي أصر على أن يكون آخر من بيرج الساحل. فأوسعوه ضرباً حتى مات (14 فبراير 1779)، وكان في الحادية والخمسين من عمره. وتكرمه إنجلترا بوصفه أعظم روادها البحرين وأنبلهم، وباعتباره عالماً مهذباً، وقبطاناً شجاعاً محبوباً من جميع ملاحيه.
ولا تكاد تقل عن هذه البعثات بسالة تلك البعثة التي قادها جان فرانسوا دجالوب، وكونت لابيروز، الذي كلفته الحكومات الفرنسية بأن يتابع




صفحة رقم : 12427




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


كشف كوك. فأبحر في 1785 حول أمريكا الجنوبية ثم مصعدا إلى ألسكا وعبر إلى آسيا، وكان أول أوربي يمر بالمضيق (الذي كان يحمل اسمه على عهد قريب) الواقع بين سخالين الروسية وهوكايدو اليابانية. ثم اتجه إلى الجنوب وارتاد ساحل استراليا وبلغ جزر سانتا كروز. ويبدو أن سفينته تحطمت هناك (1788) لأن أحداً لم يسمع بخبره قط.
وكان ارتياد اليابس هو أيضاً تحدياً لشهوة المغامرة والكسب. ففي 1716 وصل مراسل يسوعي إلى لحاسا-مدينة التبت "المحرمة" وارتاد كاستن بيبور ووصف جزيرة العرب، وفلسطين، وسوريا، وآسيا الصغرى، وفارس (1761). وجاب جيمس بروس شرق أفريقيا واكتشف من جديد منبع النيل الأزرق (1768). وفي أمريكا الشمالية أسس الرواد الفرنسيون نيو أورليان (1718) وتحركوا شمالا على طول المسسبي إلى المسوري. وفي كندا كافحوا ليصلوا إلى المحيط الهادي، ولكن جبال روكي كانت عقبة كؤودا. وفي هذه الأثناء تقدم المستعمرون الإنجليز في الداخل إلى نهر أوهايو، وفتح الرهبان الأسبان الطريق لمن بعدهم من المكسيك عبر كاليفورينا الشمالية أن تصبح إحدى المغانم التي يصطرع عليها المقاتلون في حرب السنين السبع. وفي أمريكا الجنوبية قاد لاكوندامين من منابع الأمازون قرب كيتو إلى مصبه عند الأطلنطي، على بعد أربعة آلاف ميل بعد أن قاس درجة عرضية عند خط الاستواء.
وعجز رسامو الخرائط الجغرافية عن اللحاق بالرواد. فخلال نصف قرن (1744-93) أصدر سيزار فرنسوا كاسيني وابنه حاك دومنيك في 184 فرخ متوال خريطة لفرنسا طولها 36 قدماً وعرضها 36 قدماً، تبين في تفصيل لم يسبق له نظير، جميع الطرق، والأنهار، والأديار، والمزارع، والمصانع، وحتى ما وضع على جانب الطرق من صلبان ومشانق. وفي 1766 نشر توربيرن ألوف بيرجمان، الذي لم يقنع واحداً من أعظم كيميائي القرن الثامن عشر، "وصفاً للعالم" لخص فيه الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا الطبيعية في عصره. وذهب إلى أن كثيراً من الجزر هي قمم




صفحة رقم : 12428




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> في الأرض


لسلاسل جبلية غمر أكثرها في الماء، فجزر الهند الغربية قد تكون مخلفات سلسلة ربطت يوماً ما فلوريدا بأمريكا الجنوبية. أما أوراس دسوسير، فبعد أن قضي أربعة وعشرين عاماً أستاذاً للفلسفة في جامعة جنيف، ارتقى جبل مور بلان (1787) وجبل كلاين ماترهورن (1792) ارتقائين مشهورين، وكتب دراسات ضخمة لجبال سويسرا من حيث أحوالها الجوية، وتكويناتها، وطبقاتها، وأحافيرها، ونباتاتها، فجمع بذلك جمعاً رائعاً بين الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا، والنبات. لنتذكر حين يقال لنا أن التاريخ هو "تقويم نيوجيت"للأمم، أنه كذلك سجل لمئات من ضروب البطولة والشرف.




صفحة رقم : 12429




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات



8- النبات




أ- لينيوس


وهكذا نصل في قصتنا إلى الحياة! فبعد أن طور المكرسكوب المركب أصبح في الإمكان فحص تكوين النباتات فحصاً أدق، يصل إلى خفايا جنسها. وشب علم النبات عن الطوق فلم يعد تابعاً للطب، ورسم لينيوس عالم الحياة المكتظ بعناية راهب العلم وتفانيه.
وكان أبوه نيلز لينيه، راعياً لشعب لوثري في شتنبر وهولت بالسويد. ومن العسير جداً على قسيس أن يحتفظ بتقواه، ولكن كارل استطاع ذلك، ووجد في عالم النبات على الأخص أسباباً لا حصر لها تدعوه لشكر الخالق. والحق إن هناك لحظات تبدو فيها الحياة رائعة الجمال بحيث لا يمكن أن يكفر بالآلهة غير إنسان جحود.
وكان نيلز بستانياً متحمساً، أحب اقتناء الأشجار المنتقاة والأزهار النادرة وغرسها في التربة من حول مسكنه كأنها تسبيحة حية. وكانت هذه لعب كارل وأصفيائه في صباه، فشب (كما يروي لنا) وفي قلبه "حب للبنات لا يرتوي"(78). وما أكثر ما "زوغ" من المدرسة ليجمع عينات في الغابات والحقول. وكان أبوه تواقاً ولده قسيساً، لأن الصبي كان




صفحة رقم : 12430




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


آية في الطيبة، وقد تعلم بالقدوة خيراً مما يعلم بالعقيدة، ولكن كارل مال إلى الطب لأنه رأى فيه المهنة الوحيدة التي يستطيع فيها الجمع بين الاشتغال بالنبات وكسب قوته. وعليه ففي 1727، حين كان في العشرين من عمره، قيد طالب طب في جامعة لوند. وبعد عام أرسل إلى أوبسالا حاملاً توصيات حارة من معلميه. ولم يستطع أن يتلقى الكثير من العون المادي من أبويه لأنه كان واحداً من خمسة أبناء لهما. وإذ أعجزه الفقر عن ترقيع حذائه فقد فرشه بالورق ليغطي ثقوبه ويتقي بعض البرد. أما وقد تهيأت له حوافز الدرس فإنه تقدم حثيثاً في دراسة النبات والطب. وفي 1731 عين محاضراً مساعداً في النبات ومدرساً خاصاً في بيت الأستاذ رودبيك، الذي كان أباً لأربعة وعشرين طفلا، فكتب يقول "إنني الآن بفضل الله أملك دخلا"(79).
فلما قررت جمعية أوبسالا العلمية إيفاد بعثة لدراسة نباتات لابلاند، أختير لينيوس لرآستها. وبدأ هو ومساعدوه الشبان الرحلة في 12 مايو 1732. وقد وصف رحيلهم بأسلوبه الزاهي بطبيعته فقال:
كان الجو مشرقاً لطيفاً، وأضفى نسيم عليل هب من الغرب على الهواء برودة منعشة... وكانت براعم أشجار البتولا قد بدأت تتفتح، والأوراق على معظم الشجر متوافرة، ولم يبق عارياً غير الدردار والبلوط. وكانت القبرة تصدح في العلا. وبعد أن قطعنا ميلا أو نحوه جئنا إلى مدخل غابة، وهناك فارقتنا القبرة، ولكن على قمة شجرة الصنوبر راح الشحرور يتدفق بأغنية حبه"(80).
وهذا الوصف ينبئ بطبع لينيوس؛ فقد كان يقظاً أبداً بكل جوارحه لمشاهد الطبيعة، وأصواتها، وعبيرها؛ ولم يسلم قط بأي فرق بين علم النبات والشعر. وقد قاد جماعته فوق 1,440 ميلا من لابلاند، خلال عشرات المخاطر والمشاق، ثم عاد بهم سالمين إلى أوبسالا في 10 سبتمبر.
وإذ كان لا يزال رقيق الحال، فقد حاول أن يكسب قوته بالتدريس في الجامعة، ولكن غريماً له أفلح في حظر محاضراته بدعوى أن لينيوس لم يكمل بعد دراسته الطبية أو ينال درجته الجامعية. وكان كارل في هذه




صفحة رقم : 12431




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


الأثناء قد وقع في غرام "ليزا" -وهي سارة إليزابث مورايا، ابنة طبيب محلي. فقدمت له مدخراتها، وأضاف إليها مدخراته، وإذ تهيأ له المال على هذا النحو فقد انطلق ميمماً هولندا (1735). وفي جامعة هاردرفيك فاز في امتحاناته ونال درجته الطبية. وبعد عام التقى في لندن بيوبرهافي العظيم، وكاد ينسى ليزا. وأصدر لينيوس كتاباً من أمهات كتب النبات بإلهام وعون من ذلك النبيل العالم، وهو "نظام الطبيعة". وقد طبع أثنتى عشرة مرة في حياته، وكان يتألف في الطبعة الأولى من أربعة عشر فرخاً فقط من القطع الكبير، أما في الطبعة الثانية عشرة فقد أزداد إلى 2.300 صفحة، في ثلاث مجلدات من قطع الثمن، وعلى مقربة من أمستردام تزود بما نقصه من مال بإعادة تنظيم المجموعة النباتية التي يملكها جورج كليفورت وعمل قوائم بها، وكان كليفورت هذا مديراً لشركة الهند الشرقية. فأخرج في 1736، بهمة قعساء، "مكتبة النبات". وفي 1737 "أجناس النبات". وفي 1738 قصد باريس ليدرس الجاردان دووا. وهناك، دون أن يقدم نفسه، انضم إلى مجموعة من الطلاب كان برنار دجوسيو يحاضرهم باللاتينية في نباتات دخيلة: وقد حير الأستاذ نبات منها، واجترأ لينيوس على إبداء رأى فقال أن لهذا النبات مظهراً أمريكياً: ونظر إليه دجوسيو، وقال وهو يحزر هويته "أنت لينيوس"؛ واعترف كارل، وبأخوه العلم الرائعة رحب به دجوسيو ترحيباً حاراً(81). وعرض على لينيوس منصب الأستاذية في باريس، ولندن، وجوتنجن، ولكنه رأى أن قد آن الأوان ليعود إلى ليزا (1739). ولم تكن مثل هذه الخطبات الطويلة بالأمر الشاذ في تلك الأيام ولعلها عاونت في كثير من الحالات على استقرار الخلق ونضج الشخصية. وتزوجا، واستقر كارل في أستوكهولم طبيباً.
وظل حيناً يترقب عبثاً مجيء المرضى كما يفعل أي طبيب ناشئ. وذات يوم سمع وهو في حانة شاباً يشكو من أن أحداً لم يستطع شفاءه من السيلان. وشفاه لينيوس، ومالبث غيره من الشبان اشتد بهم الشوق لإثبات رجولتهم أن جاءوه ملتمسين الشفاء. وامتدت خبرة الطبيب إلى أمراض الرئتين وتعرف إليه الكونت كارل جوستاف تسين، رئيس مجلس النبلاء




صفحة رقم : 12432




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


في الركزداج، وحصل له على وظيفة طبيب للبحرية (1739). في ذلك العام ساعد لينيوس في إنشاء أكاديمية العلوم الملكية، وأصبح أول عميد لها. وفي خريف 1741 اختير أستاذاً للتشريح في أوبسالا. وسرعان ما استبدل بكرسيه كرسي النبات، والمواد الطبية، والتاريخ الطبيعي (الجيولوجيا والأحياء)، وهكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أخيراً. وقد بث في تلاميذه تحمسه للنبات، وكان يعمل معهم في صداقة لا تكلف فيها، وأسعد أوقاته حين يأخذهم في جولة من جولات التاريخ الطبيعي. يقول:
كنا نقوم برحلات كثيرة بحثاً عن النبات، والحشرات، والطيور، ففي الأربعاء والسبت من كل أسبوع نجمع الأعشاب من الفجر إلى العشية ثم يعود التلاميذ إلى الميدان واضعين الأزهار على قبعاتهم، ويصحبون أستاذهم إلى حديقته، يتقدمهم موسيقيون بسطاء. ذلك منتهى الروعة في علمنا اللذيذ"(82).
وقد أوفد بعض طلابه إلى شتى بقاع الأرض ليأتوه بالنباتات الغريبة، وحصل لهؤلاء الرواد الصغار (الذين ضحى بعضهم بحياته في بحثهم هذا) على الإعفاء من أجرة الرحلة على سفن شركة الهند الشرقية الهولندية. وحفزهم بالأمل في إضافة أسمائهم للنباتات في نظام التسمية الكبير الذي كان بصدد إعداده. وقد لاحظوا أنه أطلق اسم "كاميليا" على الشجيرة المزهرة التي عثر عليها اليسوعي جورج كاميل في الفلبين.
وقد أقام بجهده المتصل تصنيفه الضخم للنبات في كتبه "نظام الطبيعة" و"أجناس النبات" و"زيت النبات" (1738)، و"فلسفة النبات" (1751) و"أنواع النبات" (1753) وقد سبقه نفر من علماء النبات إلى هذه المهمة، نخص بالذكر منهم بوهن وتورنفور، وكان ريفينوس قد اقترح (1690) طريقة ثنائية لتسمية النباتات. ولكن رغم هذه الجهود وجد لينيوس مجموعات عصره في حالة من الخلل عطلت الدراسة العلمية للنباتات تعطيلاً خطراً. فقد اكتشفت مئات الأنواع الجديدة التي




صفحة رقم : 12433




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


أطلق عليها علماء النبات أسماء متضاربة. وأخذ لينيوس على عاتقه تصنيف جميع النباتات المعروفة أولا حسب طائفتها، وفي طائفتها حسب رتبتها، وفي رتبتها حسب جنسها، وفي جنسها حسب نوعها؛ وهكذا توصل إلى اسم لاتيني مقبول دولياً. واتخذ أساساً لتصنيفه وجود وطبيعة الأعضاء التناسلية الواضحة أو عدم وجودها، فقسم النباتات إلى "نباتات زهرية" وهي التي لها أعضاء تناسل ظاهرة (أزهارها) و"نباتات لا زهرية" ليس لها أزهار تخرج بروزاً وهياكلها التناسلية مخفاة أو غير واضحة (كما في الطحلب والسرخس).
وقد اعترضت بعض النفوس الخجولة على هذا التركيز على الجنس لأنه سيؤثر تأثيراً خطراً على خيال الشباب(83). ولكن نقاداً أصلب وأجرأ بينوا خلال الأعوام المائة التالية عيوباً أهم في تصنيف لينيوس، فقالوا إنه غلا في الاهتمام بإيجاد أركان وأسماء للنباتات غلواً جعله يحول علم النبات حيناً عن دراسة وظائف النباتات وأشكالها. ولما كان تغير الأنواع سيشوش النظام الذي وضعه، فضلا عن تناقضه مع سفر التكوين، لذلك وضع مبدأ مؤداه أن جميع الأنواع خلقها الله مباشرة وظلت دون تغيير طوال تاريخها. وقد عدل من هذا الموقف التقليدي في تاريخ لاحق (1762) بإلماعه إلى أن أنواعاً جديدة قد تظهر نتيجة لتهجين الأنواع المتقاربة. ومع أنه تناول الإنسان (الذي سماه في ثقة واطمئنان "هومو سابينز" أي الإنسان العاقل) بوصفه جزءاً من مملكة الحيوان، وصنفه نوعاً في رتبة الحيوانات العليا، جنباً إلى جنب مع القرد، فإن نظامه عطل نمو الأفكار التطورية.
وقد انتقد بوفون تصنيف لينيوس، على أساس أن الأجناس والأنواع ليست أشياء موضوعية، إنما هي مجرد أسماء لتقسيمات عقلية مريحة لواقع معقد، تذوب فيه جميع الرتب، عند أطرافها، بعضها في البعض، فلا شئ يوجد خارج الذهن، إلا الأفراد؛ هنا نجد جدل العصور الوسطى القديم بين الواقعية والاسمية. أما لينيوس فرد (مثبتاً أنه بشر) بأن بلاغة بوفون يجب ألا يسمح لها بأن تخدع العالم، ورفض أن يأكل في قاعة علقت فيها صورة بوفون مع صورته(85). على أنه سلم في لحظة أكثر سماحة أن




صفحة رقم : 12434




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


ترتيبه ناقص، وأن تصنيف النباتات حسب الجهاز التناسلي ترك أطرافاً كثيرة غير محكمة؛ وفي كتابه "فلسفة علم النبات" اقترح نظاماً طبيعياً مبنياً على شكل أعضاء النبات وتطورها. وقد تبين أن نظام التسمية الذي وضعه لا التصنيف، مريح جداً، سواء في علمي النبات والحيوان، وما زال سائداً مع تعديلات أدخلت عليه.
وكرمت أوربا كلها لينيوس في شيخوخته أميراً لعلماء النبات. ففي 1761 خلع عليه الملك لقب الفروسية، فأصبح اسمه كارل فون لينيه. وبعد عشر سنوات تلقى خطاب حب من ثاني أشهر مؤلف في القرن وهو جان جاك روسو، الذي ترجم "فلسفة علم النبات"، ووجد في الاشتغال بالنبات دواء للفلسفة. قال "تقبل أيها السيد الكريم ولاء تلميذ من تلاميذك، جاهل جداً، متحمس جداً، يدين ديناً كبيراً للتأمل في كتاباتك في السكينة التي ينعم بها... إنني أكرمك، وأحبك من كل قلبي(86).
ومات لينيوس، كروسو وفولتير، عام 1778. وباعت أرملته مكتبته ومجموعاته إلى جيمس إدوارد سمث، الذي اشترك مع آخرين (1788) في تأسيس "جمعية لينيوس اللندنية" للعناية بتراث لينيوس ومن ذلك المركز أذاعت سلسلة طويلة من المطبوعات جهود عالم النبات في جميع أرجاء أوربا وأمريكا وقد قرر جوته أن أعظم التأثيرات في حياته العقلية كان الفضل فيها لشكسبير، وسيينوزا ولينيوس(87).


ب - في الكرمة


واصل مئات من الدارسين المخلصين البحث في علم النبات. ففي فرنسا مثلا نجد أسرة من أسر الفحول التي يربط أعضاءها تكريس مشترك للحياة عبر القرون. وقد ارتقى رب هذه الأسرة، إنطوان دجوسيو، الذي وفد على باريس من ليون، ليصبح مدير للجاردان دوروا في 1708. وكان أخوه الأصغر برنار محاضراً و"معيداً" هناك؛ وقد رأيناه يرحب بلينيوس. وذهب أخ آخر يدعى جوزف إلى أمريكا الجنوبية في صحبة لاكوندامين، وأرسل نوعاً من عباد الشمس يسمى Heliotropium peruvianum




صفحة رقم : 12435




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


شتله في أوربا. وفي 1789 نشر ابن أخ له يدعى أنطوان لوران دي جوسيو كتاباً بدأ محل النظام وضعه لينيوس واسمه Genera plantarum secundum ordines naturales disposita وقد صنفت النباتات مورفولوجياً (أي حسب أشكالها) بناء على وجود أوراق البزار أو عدم وجودها، أو عددها؛ فما ليس له أوراق عديم الفلقة، وما له ورقة واحدة سماه "وحيد الفلقة" وما له ورقتان "ثنائي الفلقة". وواصل ابنه أدريان عملهم في القرن التاسع عشر. وفي 1824 وضع أوجستن وكاندول خطوط التصنيف الذي يتقبله علماء النبات اليوم بعد أن أقامه على جهود أسرة جوسيو.
وقد اكتشف نحميا جرو جنسانية النباتات عام 1682 أو قبل ذلك، وأيد كاميراريوس هذا الكشف في 1691. وأنهى كوطن ماذر من بوسطن إلى جمعية لندن الملكية (1716) تجربة تهجين بطريق التلقيح بالريح.
زرع جاري خطاً من الكومات في حقل ذرة، وكان لون الحب أحمر وأزرق، أما باقي الحقل فزرعه ذرة من اللون الأعم وهو الأصفر. فعدى هذا الصف في الجانب الذي يواجه الريح أكثر من غيره، أربعة من الصفوف المجاورة... ليلونها بلونيه (الأحمر والأزرق) اللذين ظهرا عليه. أما على الجانب المتجه مع الريح، فقد تلون بهذين اللونين مالا يقل عن سبعة خطوط أو ثمانية، وتأثرت الخطوط الأبعد تأثيراً أقل"(88).
وفي 1717 برهن رتشارد برادلي على ضرورة الإخصاب بتجربة أجراها على أزهار الطوليب (الحزامي). فقد نزع كل اللقاح من اثنتى عشرة زهرة منها "مكتملة الصحة"؛ فلم تحمل هذه أي برز طوال الصيف... في حين أن كل زهرة من الأربعمائة التي تركها وشأنها أخرجت برزاً"(89) وقد درس التلقيح المختلط وتنبأ بنتائج خلابة له "فقد نستطيع بهذه المعرفة أن نغير خاصية أي فاكهة بلقاح أخرى من نفس الرتبة ولكن من نوع مختلف". يضاف إلى هذا أنه في قدرة شخص محب للاستطلاع أن يستعين بهذه المعرفة على إنتاج أنواع نادرة من النبات لم يسمع




صفحة رقم : 12436




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


بها إلى الآن. وروى كيف أن توماس فيرتشايلد أنبت نوعاً جديداً "من حبة لقحت زهرة القرنفل الملتحي Sweet William وقد وجد أن هذه المجنات من الأنواع عقيمة، وشبهها بالبغال.
وفي 1721 روى فليب ملر أول وصف معروف لتلقيح النحل للنبات. فقد نزع "قمم" بعض الأزهار قبل أن تستطيع أن "تنفض غبارها"، ومع ذلك فإن برزة هذه الأزهار العنينة في الظاهر نضجت نضجاً سوياً. وقد تشكك الأصدقاء في روايته فكرر التجربة بمزيد من العناية، فحصل على النتيجة ذاتها. قال:
بعد يومين، وبينما كنت جالساً في حديقتي، شاهدت في حوض طوليب قريب مني بعض النحل تنشط نشاطاً شديداً وسط الأزهار؛ ورأيتها وأنا ألحظها تخرج وأرجلها وبطونها محملة بالغبار، وطار ذكر فيها إلى طوليبة كنت قد خصبتها، وعلى الفور تناولت مجهري وفحصت الطوليبة التي طار إليها، فوجدت أنه ترك من الغبار ما يكفي لتلقيح الطوليبة. فلما أخبرت أصدقائي بما حدث.... عادوا للاطمئنان إلى روايتي... فما لم يتخذ احتياط لمنع الحشرات من الدخول إلى النباتات، فإن هذه النباتات تقبل التلقيح من حشرات أصغر كثيراً من النحل"(90).
وقد أجرى كولرويتر، أستاذ التاريخ الطبيعي في كارلسروهي، دراسة خاصة (1760 وما بعدها) للاخصاب المختلط وفيزيوكيميائية التلقيح، كان لتجاربه الخمس والستين أثر هائل على الزراعة في عدة قارات. فقد انتهى إلى أن التهجين لا يثمر إلا في النباتات الوثيقة التقارب؛ ولكنه إذا نجح نمت المهجنات بسرعة أكبر، وأزهرت أسرع، وعاشت أطول، وأخرجت براعم صغيرة أوفر من الأنواع الأصلية، ولا يضعفها إنماء الحب. وأثبت كونراند شرنجل (1793) أن الإخصاب المختلط- بواسطة الحشرات عادة، وأقل من ذلك بواسطة الريح -يعم داخل النوع، وزعم في اقتناع غائي حار أن شكل الأجزاء في كثير من الأزهار وترتيب هذه الأجزاء مقصود به الإخصاب الذاتي. وفتح يوهان هدفج ميداناً جديداً للبحث




صفحة رقم : 12437




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


بدراسة عملية الإنسان في النباتات اللازهرية (1782) وفيما بين عامي 1788، 1791 أصدر يوزف جيرتز الأستاذ بجامعة فورتمبرج، على دفعتين، مسحه الموسوعي لفاكهة النباتات وبارها، وقد أصبح هذا المسح أساساً لعلم النبات في القرن التاسع عشر.
وفي 1759 أعلن كسبار فريدرش فولف في كتابه "نظرية الأجيال" نظرية في تطور النبات تعزى عادة إلى جوته.
"عندما أنظر إلى النبات بجملته، الذي نعجب لأجزائه لأنها تبدو لأول وهلة شديدة التنوع، لا أرى فيه وأميز نهائياً غير الأوراق والساق، لأن الجذر يمكن اعتباره ساقاً... وكا أجزاء النبات، باستثناء الساق، أوراق معدلة"(91).
وخلال ذلك ارتاد خفايا تغذية النبات أحد أساطين العلم في القرن الثامن عشر، وهو ستيفن هيلز. وكان واحداً من أولئك القساوسة الإنجليكان الكثيرين الذين لم يجدوا في لاهوتهم الطيع ما يعوقهم عن الاشتغال بالعلم أو الدراسات القديمة. ومع أنه تقبل عقيدة القصد الإلهي، فإنه لم يستخدمها في تحقيقاته العلمية وفي 1727 نشر النتائج التي خلص إليها في كتاب من أمهات كتب النبات "استاتيكا النبات.... نحو تاريخ طبيعي للنبات". وقد شرحت المقدمة هدفه:
"قبل عشرين عاماً أجريت عدة تجارب شريانية على الكلاب، وبعد ستة أعوام كررت التجارب ذاتها على الخيل وغيرها من الحيوانات لكي أجد قوة الدم في الشرايين (وهو ما نعرفه بضغط الدم الانقباضي (... وتمنيت وقتها لو استطعت إجراء تجارب لاكتشاف قوة العصارة في الخضراوات، ولكني يئست من إمكان إجرائها إطلاقاً، إلى أن وقعت عليها مصادفة قبل سبع سنوات بينما كنت أحاول بشتى الطرق أن أقف نزف ساق كرمة قديمة(92)".
وكان كشف هارفي للدورة الدموية في الحيوان قد أدى بعلماء النبات إلى افتراض حركة مماثلة للسوائل في النبات. وقد نقض هيلز هذا الفرض




صفحة رقم : 12438




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


بتجارب بينت شجرة تمتص الماء في أطراف أغصانها ما تمتصه بجذورها؛ وقد تحرك الماء إلى الداخل من الأغصان إلى الجذع كما تحرك من الجذع إلى الأغصان؛ واستطاع قياس الامتصاص. على أن العصارة تحركت إلى أعلى من الجذور إلى الأوراق بفضل ضغط العصارة المنتشرة في الجذور. وامتصت الأوراق غذاءها من الهواء.
عند هذه النقطة أثار بريستلي الذكي المشكلة بكشف من ألمع كشوف القرن- هو تمثيل أكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات في زفيرها، تمثيلا غذائياً، بواسطة كلورفيل النباتات في ضوء الشمس. وقد وصف هذا الشطر من عمله في المجلد الأول (1774) من كتابه "تجارب ومشاهدات" قال:
"أخذت كمية من الهواء فسدت فساداً تاماً نتيجة لتنفس الفئران وموتها فيها، وقسمتها قسمين، وضعت أحدهما في قنينة مغمورة في الماء، ووضعت في الآخر فرعاً من النعناع، وكان هذا القسم محتوى "في أبريق زجاجي قائم في الماء. كان هذا في بواكير أغسطس 1771، وبعد مضي ثمانية أيام أو تسعة وجدت أن فأراً يحيا في تمام الصحة في قسم الهواء الذي نما فيه فرع النعناع، ولكنه مات لحظة أن وضعته في القسم الآخر من نفس كمية الهواء الأصلية، والذي حفظته في نفس الوضع المكشوف ولكن دون أن ينمو فيه أي نبات".
وبعد عدة تجارب مشابهة خلص بريستلي إلى أن:
"الضرر الذي يلحق بالهواء باستمرار تنفس هذا العدد الكبير من الحيوانات، وتعفن هذه الكتل الكبيرة من المادة النباتية والحيوانية، تصلحه -جزئياً على الأقل- الكائنات النباتية. ورغم ضخامة كمية الهواء الذي يفسد يومياً من جراء الأسباب السالفة الذكر، فإننا إذا أخذنا في حسابنا المقدار الهائل من النباتات النامية على وجه الأرض.... لم يخامرنا شك في أنه هذا موازن كاف لذاك، وأن الدواء شاف من الداء"(93).




صفحة رقم : 12439




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> النبات


وفي 1764 تعرف بان إنجنهوز إلى بريستلي، وكان عالم أحياء هولندياً يسكن لندن. وقد أعجبته نظرية تنقية النباتات للهواء بتمثيلها ثاني أوكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات وترعرعها عليه. ولكن إنجنهوز وجد أن النباتات لا تؤدى هذه الوظيفة في الظلام. وقد بين في كتابه "تجارب على النبات" (1779) أن النباتات كالحيوانات تخرج ثاني أكسيد الكربون، وأن أوراقها وبراعمها الخضر تمتص هذا الغاز، وتخرج الأكسجين في رائعة النهار فقط. ولهذا السبب تخرج الأزهار من غرف المستشفيات ليلاً.
"إن ضوء الشمس، لا الدفء، هو السبب الأهم، إن لم يكن السبب الأوحد، الذي يجعل النباتات تخرج هواءها المجرد من الفلوجستين (أي الأكسجين) .... فالنبات... الذي لا يستطيع... البحث عن طعامه يجب أن يجد داخل... الحيز الذي يشغله كل شئ يلزمه.... والأشجار تنشر في الهواء تلك المراوح الكثيرة وتوزعها... بطريقة تقلل قدر الإمكان من تزاحمها على أن تمتص من الهواء المحيط بها كل ما تستطيع امتصاصه وأن تقدم... هذه المادة... إلى أشعة الشمس المباشرة، لكي تنال الخير الذي يستطيع هذا النجم العظيم أن يهبها إياه"(94).
ولم يكن هذا بالطبع إلا صورة جزئية لتغذية النبات. وقد أوضح راعي كنيسة في جنيف يدعى جان سنيبيه (1800) أن الأجزاء الخضر فقط من النباتات هي التي تستطيع تحليل ثاني أكسيد الكربون الذي في الهواء إلى كربون وأكسجين. وفي 1804 درس نيكولا تيورور دسوسور، ابن الرائد الألبي، الدور الذي تسهم به التربة، والماء والأملاح، في تغذية النبات. وكان لهذه الدراسات جميعها نتائج حيوية في التطوير الخطير لخصوبة التربة والإنتاج الزراعي في القرنين التاسع عشر والعشرين. هنا أثرت بصيرة العلماء وصبرهم مائدة كل أسرة تقريباً في العالم المسيحي.




صفحة رقم : 12440




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان



9- علم الحيوان




أ- بوفون


ولد أعظم عالم طبيعي من علماء القرن الثامن عشر بمونبار في برجنديه (1707) لمستشار في برلمان ديجون. وكانت ديجون آنذاك مركزاً مستقلا




صفحة رقم : 12441




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


من مراكز الثقافة الفرنسية. والذي فتح منفذاً لثورة روسو على الحضارة وفولتير هو مسابقة اقترحتها أكاديمية ديجون. وقد درس جورج لوى لكليرك دبوفون في الكلية اليسوعية بديجون، وهناك تعلق بشاب إنجليزي يدعى اللورد كنجزتن، سافر معه عقب التخرج في رحلة إلى إيطاليا وإنجلترا. وفي 1832 ورث تركة كبيرة أتته بدخل سنوي قدره 300,000 جنيه، فأصبح الآن حراً في هجر القانون كان أبوه يعده للاشتغال به، وإشباع غرامه بالعلم، وبنى على تل في نهاية حديقته بمونبار، وعلى مائتي ياردة من منزله، حجرة للدارسة في برج قديم يسمى برج القديس بولس، هنا كان يعتكف من الساعة السادسة صباح كل يوم، وهنا ألف معظم كتبه. وقد انفعل بقصة أرخميدس الذي أحرق أسطول الأعداء في ميناء سيراكيوز بسلسلة من المرايا الحارقة، فأجرى ثماني تجارب، جمعت في النهاية 154 مرآة، أشعل بها النار في ألواح من الخشب على بعد 150 قدماً(95). وتردد حيناً بين التاريخ الطبيعي والفلك؛ وفي 1735 ترجم كتاب هيلز "استاتيكا النبات" وأسس نفسه في علم النبات؛ ولكن في 1740 ترجم كتاب نيوتن في "التدفقات" وأحس بإغراء الرياضة وانضم بذلك إقليدس إلى أرخميدس في مجمع أربابه.
وفي 1739 عين مديراً (ناظراً) للجاردان دورا، فانتقل إلى باريس. عندها فقط جعل علم الأحياء شغله الشاغل. فتحت إشرافه أغنت مئات النباتات الجديدة المجلوبة من كل أصقاع الدنيا هذه الحديقة النباتية الملكية. وسمح بوفون لجميع الدارسين المهتمين بالنبات بدخول الحديقة فجعل منها مدرسة للنبات. وبعد حين عاد إلى مونبار وبرج القديس لويس بعد أن ترك الحديقة في أيد أمينة، وشرع في تنظيم مشاهداته ليؤلف منها أشهر كتب القرن العلمية.
ونشرت المجلدات الثلاثة الأولى من كتابه هذا "التاريخ الطبيعي، العام والخاص" في 1749. وكانت باريس في مزاج يهيئها لدراسة العلم،




صفحة رقم : 12442




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


وإذ وجدت الآن الجيولوجيا واليولوجيا مقدمتين لها في نثر صاف رصين، موضحتين بلوحات مغرية، فقد أقبلت على هذه المجلدات إقبالا يقرب من إقبالها على كتاب مونتسكيو "روح القوانين" الذي صدر قبل ذلك بعام فقط. ومضى بوفون -وبمساعدة الأخوين أنطوان وبرنار دجوسيو له في النبات، ولوى دوينتون وجينو دمونبليار وغيرهما له في الحيوان، يضيف المجلد تلو المجلد إلى رائعته الكبرى، فصدر اثنا عشر مجلداً جديداً قبيل 1767، وتسعة مجلدات أخرى عن الطيور في 1770-83؛ وخمسة عن المعادن في 1783-88، وسبعة عن موضوعات أخرى في 1774-89. وبعد موته (1788) أشرف إتيين دلاسيبيد على نشر مخطوطاته التي لم تنشر وأصدرها في ثمانية مجلدات (1788-1804). وبلغت جملة المجلدات الصادرة من كتاب "التاريخ الطبيعي" في النهاية أربعة وأربعين مجلداً استهلك إعدادها أكثر من حياة، واستغرق نشرها أكثر من نصف قرن. ودأب بوفون على أن، يستيقظ مبكراً ويمضي إلى برجه، ويقترب من هدفه خطوة فخطوة. ويبدو أنه -بعد أن أجتاز بسلام بعض الفلتات الجنسية في شبابه أقصى النساء عن حياته حتى عام 1752 حين تزوج ماري دسان- بيلون وهو في الخامسة والأربعين. ورغم أنه لم يدع الوفاء لرباط الزوجية(96)؛ فقد تعلم أن يحب زوجته، كما يفعل الكثير من الفرنسيين بعد حياة الزنا، وقد أظلم موتها في 1769 سني عمره الباقية.
وقد أخذ "التاريخ الطبيعي" على عاتقه وصف السماوات، والأرض، وكل المعروف من عالم النبات والحيوان، بما فيه الإنسان. وحاول بوفون أن يرد كل هذه المتاهة من الحقائق إلى نظام وقانون عن طريق أفكار الاستمرارية شظايا تحطمت عن الشمس إثر اصطدامها بمذنب، ونظريته في "حقب الطبيعة" التي رآها مراحل في تطور الكرة الأرضية. أما في عالم النبات فقد رفض تصنيف لينيوس للنباتات حسب أعضائها الجنسية لأنه شديد التعسف والنقص والصلابة. وقد قبل طريقة لينيوس في المصطلحات على مضض، واشترط أن توضع الأسماء على جنب في أسفل البطاقات الملحقة




صفحة رقم : 12443




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


بالنباتات في حديقة الجاردان(97). وكان تصنيفه للحيوانات غير معقول، ولكنه اعترف بأنه مؤقت ؛ فقد رتبها حسب نفعها للإنسان، ومن ثم بدأ بالحصان. وفي تاريخ لاحق، وبعد إلحاح من دوبنتون، وضع تصنيفاً جديداً لها حسب خصائصها المميزة. وضحك نقاده المتخصصون على تصنيفاته وتشككوا في تعميماته، ولكن قراءه طربوا لأوصافه الحية ولاتساع نظراته العظيم.
وقد ساعد على إرساء دعائم الأنثروبولوجيا (علم الجناس البشرية) بدراسة اختلافات النوع الإنساني تحت تأثير المناخ، والتربة، والأنظمة، والمعتقدات؛ ورأى أن هذه القوى قد نوعت لون الأجناس وملامحها، وولدت خلافاً في العادات، والأذواق، والأفكار. ومن أجرأ فروضه قوله بأنه ليس في الطبيعة أنواع ثابتة لا تقبل التغير، وأن النوع منها يذوب في النوع التالي، وأن في استطاعة العلم إذا نضج أن يصعد خطوة فخطوة من المعادن المفروض أنها ميتة، إلى الإنسان نفسه. ولم ير إلا فرقاً في الدرجة بين غير العضوي والعضوي.
وقد لاحظ أن صوراً جديدة من الحيوان تكونت بالانتخاب الطبيعي، وزعم أن في الإمكان إحداث نتائج مماثلة في الطبيعة بالهجرة والعزل الجغرافيين. وسبق ماثوس بملاحظته أن خصوبة أنواع النبات الحيوان التي لا رابط لها تلقي باستمرار عبئاً باهظاً على خصوبة التربة، مما قد يؤدى بالكثير من الأفراد والأنواع في الصراع على البقاء:
"لقد اختفت، أو ستختفي، أنواع أقل كما لا، وأضعف، وأثقل، وأقل نشاطاً، وأردأ تسليحاً(98). ...وهذبت أنواع كثيرة، أو انحطت، نتيجة لتغيرات كبيرة في اليابس أو الماء، ولرضى أو سخطها عليها، وللطعام، ولتأثيرات المناخ الطويلة الأمد، والمعاكسة أو المواتية... فلم تعد اليوم كما كانت بالأمس"(99).
ومع أنه سلم بوجود نفس للإنسان، فقد تبين في جسم الإنسان أعضاء الحس والأعصاب، والعضلات، والعظام، ذاتها التي في الحيوانات العليا.




صفحة رقم : 12444




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


ومن ثم فقد رد "الحب الرومانسي" إلى ذات الأساس الفسيولوجي الذي في جاذبية الحيوان الجنسية. لا بل أنه احتفظ بشعر الحب لأوصافه البليغة لتزاوج الطيور ورعايتها لصغارها. وتساءل "لم يسعد الحب جميع الكائنات الأخرى ويشقى الإنسان هذا الشقاء الكثير؟ لأن الجزء البدني من هذه العاطفة هو وحده الحسن، أما العناصر الأخلاقية فيها فلا قيمة لها"(100). (وقد وبخته مدام دبومبادور على هذه الفقرة ولكن في لطف كثير)(101) وخلص بوفون إلى أن الإنسان حيوان في كل نقطة "مادية"(102).
"ومتى سلمنا بأن هناك عائلات من النبات والحيوان، أي أن الحمار قد ينتمي لعائلة الحصان، وأن الواحد منها لا يختلف عن الآخر إلا في تسلسله المنحط من نفس الجد... فقد نضطر إلى التسليم بأن القرد ينتمي لعائلة الإنسان، وأنه ليس إلا إنساناً منحطاً، وأنه هو والإنسان كان لهما جد واحد. وإذا تبين أنه كان بين الحيوانات والنباتات... ولو نوع واحد أنتج خلال التسلسل المباشر من نوع آخر... إذن فليس هناك حدود يمكن أن تقيد قوة الطبيعة، ولن نخطئ إن افترضنا أنه لو ترك لها الوقت الكافي لاستطاعت أن تطور جميع الأشكال العضوية الأخرى من نوع أصلي واحد".
ثم أضاف بوفون هذه العبارة بعد أن تذكر فجأة سفر التكوين وجامعة السوربون "ولكن لا. فالثابت من الوحي الإلهي أن جميع الحيوانات قد وهبت بالتساوي نعمة خلقها خلقاً مباشراً، وأن أول زوج من كل نوع خرج مكتمل الصورة من يدي الخالق"(103).
ولكن مدير السوربون، أو كلية اللاهوت في جامعة باريس، نبه بوفون رغم ذلك (15 يونيو 1751) إلى أن أجزاء من "تاريخه الطبيعي" تناقض تعاليم الدين، ويجب أن تسحب-لا سيما آرائه عن عمر الأرض الطويل، وانبعاث الكواكب من الشمس، وتأكيده بأن الحقيقة لا تستقى إلا من العلم. واعتذر المؤلف مبتسما:
"أقرر أنه لم يكن أي نية في مناقضة نص الكتاب المقدس، وإنني أومن أوطد الإيمان بكل ما حواه الكتاب خاصاً بالخليقة، سواء من حيث ترتيب الزمن أو الحقائق المتضمنة. وإني أعدل عن كل ما ورد في




صفحة رقم : 12445




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


كتابي عن تكوين الأرض،وبصفة عامة عن كل ما قد يناقض رواية موسى"(104).
ولعل بوفون، الرجل الأرستقراطي، أحس أن من سوء الأدب أن يختلف جهراً مع إيمان الشعب، وأن "سوربونا" لم تهدأ تأثراتها قد تفسد عليه خطته الكبرى؛ وعلى أية حال؛ فإن كتابه إذا اكتمل سيكون تعقيباً منيراً على اعتذاره. وقد تبينت الطبقات المتعلمة الابتسامة فيسحب آراءه، ولاحظت أن مجلدات الكتاب التالية واصلت هرطقاته. ولكن بوفون أبى أن ينضم إلى فولتير وديدور في هجومهما على المسيحية. وقد رفض دعوى لامترى وغيره من الماديين باختزال الحياة والفكر إلى مادة في حركة ميكانيكية. أن النظام، والحياة، والنفس، هي وجودنا الحقيقي الصحيح؛ وما المادة إلا غلاف غريب لا نعرف صلته بالنفس، ووجوده عقبة(105).
ومع ذلك رحب به "الفلاسفة" حليفاً قوياً. ولاحظوا أن حماسته ونداءاته موجهة إلى طبيعة لا شخصية، خلاقة، خصبة، لا إلى إله شخصي. فالله عند بوفون كما هو عند فولتير بذر بذور الحياة ثم ترك للأسباب الطبيعة القيام بالباقي كله. وقد رفض بوفون فكرة القصد في الطبيعة، ومال إلى وحدة وجود اسبينوزية ورأى الحقيقة الواقعة كما رآها تورجنيف، مختبراً كونياً شاسعاً تتناول فيه الطبيعة بالتجربة، على مدى دهور طويلة، الشكل أو العضو أو النوع، الواحد تلو الآخر، وفي هذه الرؤية انتهى إلى نتيجة تبدو متناقضة مع نقده للينيوس: فالفرد هو الذي بدا الآن غير حقيقي، والنوع هو الحقيقة الباقية نسبياً. ولكن التناقض يمكن حله: فالنوع والجنس والعائلة والرتبة، لم تزل أفكاراً لا غير، يركبها الذهن ليعطي نظاماً ميسراً لخبرتنا بالوفرة المحيرة في الكائنات العضوية، والأفراد هم الحقائق الحية الوحيدة، ولكن أجلهم قصير قصراً يجعل الفيلسوف لا يرى فيهم غير بصمات عابرة بتركها شكل أكبر وأطول بقاء. وبهذا المعنى كان أفلاطون محقاً: فالإنسان "حقيقي"، أما "الناس" فلحظات عابرة في خيال ظل الحياة.
واستمتع قراء بوفون بهذه الرؤى التي تدير الرؤس، ولكن نقاده




صفحة رقم : 12446




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


أخذوا عليه إنه ضيع نفسه بتهور شديد في التعميمات، مضحياً أحياناً بدقة التفاصيل. وضحك فولتير على تقبله فكرة التوالد الذاتي، واحتقر لينيوس مؤلفه في النباتات، ولم يحترم ريامور دراسته للنحل، واستخف علماء الحيوان بتصنيفه الحيوانات نفعها للإنسان. ولكن الناس جميعاً صفقوا لأسلوبه. ذلك أن بوفون ينتمي للأدب كما ينتمي للعلم، ولا يستطيع إنصافه إلا التاريخ المتكامل. فندر من العلماء من أفصح عن نفسه بمثل هذه البلاغة الرائعة. وقد قال فيه روسو، وهو أحد أساتذة الأساليب، "إنني لا أعرف له ضريباً في عالم الكتابة. فقلمه أول قلم في قرنه"(106). وفي هذا اتفق جريم الحكيم مع روسو رغم عدائه له. "يحق للمرء أن يدهش لقراءة أحاديث قد يبلغ الحديث منها مائة صفحة، كتبت دائماً من أول سطر إلى آخره، بأسلوب رفيع وحرارة مضطردة واحدة، وزينت بأروع تلون وأكثره طبيعية(107). لقد كتب بوفون كما يكتب رجل تحرر من أغلال العوز ووهب متسعاً من الوقت، فلم يكن في إنتاجه ما كتب على عجل كما نجد ذلك كثيراً في فولتير، وكان بألفاظه عنايته بعيناته. وغذ تبين في الأشياء قانون استمرارية لاينتسيا"، فقد أرسى نظرية في الأسلوب، فصقل كل الانتقالات، ورتب كل الأفكار في تسلسل جعل لغته تتدفق كأنها نهر عريض عميق. وبينما كل السر في أسلوب فولتير هو التعبير السريع الواضح عن الفكر الثاقب، كانت طريقة بوفون هي الترتيب المتأني لأفكار عريضة تنبض بالوجدان فلقد أحس بجلال الطبيعة وجعل من علمه أنشودة تسبيح.
وكان على وعي تام بنزعته الأدبية، يبهجه أن يقرأ لزواره فقرات عذبة من كتبه؛ وحين انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية لم يتخذ موضوعاً له يوم استقباله (25 أغسطس 1753) عجيبة من أعاجيب العلم، بل تحليلا للأسلوب. وحوى هذا الخطاب المشهور، كما قال كوفييه، "المبدأ والمثال جميعاً"(108)، لأنه هو نفسه كان درة من درر الأسلوب. وهو مخفي عن عين جميع الناس -إلا الفرنسيين- تحت أكداس مؤلفاته، ولم نكد نعرف منه غير حكمه الشهير، الجامع، الخفي المغزي، "الأسلوب هو الإنسان.




صفحة رقم : 12447




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


فلنبسطه هنا إذن، ونتأمله على مهل. والترجمة تذهب ببعض روائه، ولكنه مع ذلك، ورغم ما تضطرنا إليه العجلة القبيحة من بتر لبعضه، فإنه خليق بأن الصحائف أياً كانت". قال بعد أن قدم لخطابه بتحية لجمهور ضم الكثيرين من أصحاب الأساليب:
"إن الناس لم يتقنوا الكتابة والحديث إلا في العصور المستنيرة. فالبلاغة الصادقة... تختلف تماماً عن سهولة الحديث الطبيعية... التي وهبت لكل صاحب عاطفة قوية... وخيال سريع... أما القلة من الناس الذين وهبوا الفكر المتزن، والذوق الرفيع، والحس المرهف -والذين لا يعبأون كثيراً، شأنكم أيها السادة، بنبر الكلمات، وإيماءاتها، ورنينها الأجوف- هؤلاء يتطلبون المضمون، والفكر، والتمييز، يتطلبون فن تقديم كل أولئك وتحديدها، وترتيبها، فلا يكفي قرع الآذان واسترعاء العيون، فلا بد للمرء أن يؤثر في النفس ويلمس القلب وهو يتحدث إلى الذهن... وكلما ازدادت المادة والقوة اللتان نضفيهما على فكرنا بالتأمل، سهل بلوغهما في التعبير.
كل هذا ليس الأسلوب بعد، بل أساسه، أنه يدعم الأسلوب ويوجهه، وينظم حركته، ويخضعه للقوانين. فبدونه يضل خير الكتاب، ويتوه قلمه دون مرشد، ويقذف كيفما اتفق بالخطوط المبهمة والأشكال المتنافرة. ومهما كان بريق الألوان التي يستعملها، وأياً كانت المحسنات التي ينثرها في التفاضيل، فسيختنق بكثرة أفكاره، ولن يبعث فينا وجداناً، ولن يكون لكتابته هيكل أو بنيان... ومن ثم يسئ الكتابة من يكتبون كما يتحدثون، مهما أجادوا الحديث، والذين يستسلمون لأول الهام حار من خيالهم يتخذون نبرة لا يستطيعون الإبقاء عليها...
ما السر في كمال أعمال الطبيعة؟ هو أن أي عمل من هذه الأعمال كل متكامل: لأن الطبيعة تعمل وفق خطة سرمدية لا تنساها أبداً، فهي تعد في صمت بذور إنتاجها، وترسم بخطة فرشاة واحدة الشكل البدائي لكل شئ حي، ثم تطوره وتصقله بحركة متصلة وفي زمن مقرر... وذهن الإنسان لا يستطيع أن يخلق شيئاً، أو ينتج شيئاً، إلا بعد أن تثريه التجربة




صفحة رقم : 12448




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


والتأمل، وتجاربه هي بذار منتجاته. ولكن لو أن الإنسان حاكي الطبيعة في طريقته وفي جهوده، ولو أنه ارتقى بالتأمل إلى أسمى الحقائق، ولو أنه وحد بينها من جديد وربط بينها في سلسلة، وألف منها كلا واحداً، ونسقاً محسوباً، لو أنه فعل هذا كله لأقام على أسس راسخة صروحاً خالدة على الزمن.
وبسبب افتقار الكاتب إلى مخطط، معدم تفكيره في هدفه تفكيراً كافياً، يجد نفسه حائراً -حتى إذا كان من رجال الفكر- لا يعرف من أين يبدأ الكتابة؛ فهو يرى في وقت واحد عدداً كبيراً من الأفكار، ولأنه لم يوازن بينها، ولم يرتبها منظماً، فما من شئ يدعوه لتفضيل بعضها على بعض، ومن ثم يظل في حيرته. أما إذا وضع له مخططاً، وإذا جمع ورتب جميع الأفكار الأساسية في موضوعه، فسيرى للتو، وفي يسر، في أي نقطة يجدر به أن يتناول قلمه، وسيحسن بأفكاره تنضج في ذهنه، وسيبادر إلى إخراجها للنور، وسيستشعر لذة في الكتابة، وستتلو أفكاره بعضها بعضاً في غير عناء، وسيكون أسلوبه طبيعياً وسهلا، وسينبعث من هذه اللذة ضرب من الدفء ينبسط على عمله، ويضفي الحرارة على عبارته؛ وسيزداد النبض في كتابته ويعلو النبر، وتتخذ الأشياء لها لوناً، ويزداد الشعور وينتشر بعد التحامه بالنور، وينتقل من ذلك الذي نقوله إلى ذلك الذي نوشك أن نقوله؛ وسيصبح ممتعاً مشرقاً...
ولن تنحدر إلى الأجيال القادمة غير الأعمال التي أجيدت كتابتها. ولن يكون ما حوت من غزارة في المعرفة، أو غرابة في الوقائع، أو حتى طرافة في الكشوف، ضماناً أكيداً للخلود. فلو أن الأعمال التي تحوي هذا كله اهتمت بموضوعات تافهة، أو كتبت دون تمييز أو سمو... لكان مآلها إلى الزوال، ذلك أن المعرفة، والوقائع والكشوف، يسهل نقلها وسلبها، بل إنها تكون أوفر حظاً لو وضعت في أيد أقدر وأكفأ. فتلك الأشياء خارجة عن الإنسان، أما الأسلوب فهو الإنسان ذاته Le style est i'homme meme، إن الأسلوب لا يمكن سرقته، ولا حمله، ولا تغييره وتبديله، وإذا كان أسلوباً رفيعاً، نبيلا، سامياً، كان صاحبه موضع الإعجاب في جميع العصور على السواء؛ ذلك أن الحقيقة وحدها هي الباقية الخالدة"(109).




صفحة رقم : 12449




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


يقول فيلمان "أن هذا الخطاب الذي أثار الإعجاب الشديد في ذلك الحين يبدو أسمى من كل ما خطر على الأفكار قبله في هذا الموضوع، ونحن نستشهد به حتى في يومنا هذا بوصفه قاعدة عامة جامعة". وربما وجبت بعض الاستثناءات من هذا الحكم. فوصف بوفون هذا يصدق على النثر خيراً مما يصدق على الشعر، وهو ينصف الأسلوب"الكلاسيكي" اكثر مما ينصف الأسلوب "الرومانسي"، وهو يتبع تقليد بوالو، ويرفع بحق من شأن العقل؛ ولكنه لا يترك متسعاً يذكر لفحول النثر الفرنسي من أمثال روسو، وشاتوبريان، وهوجو، ولا لفوضى رابليه ومونتيني اللذيذة، ولا لبساطة العهد الجديد المؤثرة البريئة من التكلف. ومن العسير عليه أن يدلنا على السر في أن "اعترافات" روسو، الشديدة الفقر في الفكر، الوافرة الغني في الوجدان، ما زالت من أروع كتب القرن الثامن عشر. فالحقيقة قد تكون واقع وجدان كما تكون بنيان فكر أو كمال صورة.
ولقد كان أسلوب بوفون هو الرجل، رداءاً وقوراً لنفس أرستقراطية. فهو لم ينس أنه إقطاعي كما كان عالماً وكاتباً إلا في دراساته. ولم تغير خطوه أسباب التشريف المتكاثرة التي توجت شيخوخته. فقد خلع عليه لويس الخامس عشر لقب الكونت دبوفون في 1771 ودعاه إلى فونتنبلو. ومنحته أكاديميات أوربا وأمريكا العلمية عضويتها الشرفية. وقد تفرس في هدوء واطمئنان في التمثال الذي أقامه له ابنه في الجاردان دورا وغدا يرجه في مونبار أبان حياته قبلة يحج إليها الزائرون كما يحجون إلى بيت فولتير في فرنيه، وفد عليه روسو، وركع على عتبته، وقبل الأرض(111). وزاره هنري أمير بروسيا، ومع أن كاترين الكبرى لم تسطع زيارته، إلا أنها أرسلت له كلمة تقول إنها تضعه في أعلى المراتب بعد نيوتن.
ولقد كان مهيب المظهر مليح الصورة في شيخوخته -"له جسم رياضي" كما قال فولتير "روح حكيم"(112) وكان في رأي هيوم لا يبدو رجل أدب بل قائداً من قواد فرنسا الحربيين(113). أما أهل مونبار فكانوا يعبدونه. وكان بوفون على وعي تام بهذا كله، يفخر بلياقته البدنية وبمظهره، ويرجل له شعره ويبدر مرتين في اليوم(114). وقد نعم




صفحة رقم : 12450




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


بصحة سابغة حتى بلغ الثانية والسبعين. ثم بدأ يشكو الحصى، ولكنه واصل العمل، وأبى أن تجرى له جراحة. وأفسح له في الأجل تسع سنين أخر، ومات في 1788. ومشى في جنازته عشرون ألفاً. ولكن لم تكد تمضي سنة على موته حتى نبشت رفاته وذريت في الريح، وسوى تمثاله بالتراب، بأيدي الثوار الذين لم يستطيعوا أن يغفروا له أنه كان نبيلا، أما ابنه فقد أعدم بالجيلوتين(115).


ب- نحو التطور


بدأ علم الأحياء الذي تزعمه هذا الأستاذ الفذ في نظرته، وصبره، ونثره، في إغراء المزيد من الطلاب وتحويلهم عن الرياضة والفيزياء اللتين استأثرتا بمعظم العلماء في القرن السابع عشر. وقد أحسن ديدرو ببعض هذا التغير، وهو الذي تأثر بجميع تيارات عصره، فكتب في 1754 يقول "في هذه اللحظة نصل إلى ثورة كبرى في العلوم. وأنى إذ ألحظ الميل الذي تستشعره أفضل العقول لدراسة الفلسفة الأخلاقية، والأدب، والتاريخ الطبيعي، والفيزياء التجريبية، أجرؤ على التنبؤ بأنه قبل أن تنقضي مائة سنة أخرى لن يكون لدينا ثلاثة رياضيين كبار في أوربا"(116). وقد شهد عام 1759 ذروة البيولوجيا الحديثة.
وقد فت في عضد هذا العلم الجديد (الأحياء) معضلته الأولى -وهي أصل الحياة. وبذلت المحاولات الكثيرة لإثبات إمكان توليد الحياة ذاتياً من المادة غير الحية. ودبت الحياة من جديد في نظرية التولد الطبيعي أو الذاتي abiogenesis القديمة نظراً إلى كثرة ما وجد بالمجهر من كائنات دقيقة في قطرة ماء، وذلك برغم ما وضح من تفنيد ريدي لهذه النظرية في 1668. ففي 1748 أحيا النظرية جون نيدام، وكان قسيساً كاثوليكياً إنجليزياً يسكن القارة، بإعادته تجارب ريدي وحصوله على نتائج مختلفة عن نتائجه. فقد إلى بعض مرق الضأن في قوارير سدها فوراً بفلين وختم عليها. فلما فتح القوارير بعد أيام وجدها تعج بالكائنات الحية. ولما كان الغلي- في رأي نيدام- كفيلاً بقتل أي جراثيم حية في المرق، ولما كانت القوارير قد أحكم ختمها بالصمغ، فقد استنتج أن كائنات جديدة تولدت




صفحة رقم : 12451




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


تلقائياً في السائل. وأعجبت الحجة بوفون، ولكن في 1765 كرر أستاذ في جامعة مودينا يدعى سباللانزانى تجارب نيدام وخرج منها بنتيجة عكسية. فقد وجد أن غلي شراب دقيقتين لم يقضي على كل الجراثيم، أما غليه خمساً وخمسين دقيقة قد قضى عليها، وفي هذه الحالة لم تظهر أي كائنات حية. ومضى الجدل حتى بدا أن شفان وباستير قد أنهياه في القرن التاسع عشر.
كذلك أحاطت بعمليات التناسل أسرار لا تقل عن هذا السر إثارة للحيرة. فقد حار جيمس لوجان، وشارل بونيه، وكاسبار فولف، في دوري عنصري الذكر والأنثى في التناسل، وتساءلوا كيف يمكن أن يحتوي العنصران المتحدان في ذاتيهما -كما يبدو أنهما يفعلان- التحديد المحتوم لجميع الأجزاء والهياكل في الكائن الناضج. واقترح بونيه نظرية مغرقة في الخيال سماها emboitement (التكييس)، فالأنثى تحوي جراثيم أطفالها جميعاً، وهذه الجراثيم تحوي جراثيم الحفدة، وهكذا دواليك حتى يتمرد الخيال. ولا عجب فالعلم هو أيضاً يستطيع الانحراف إلى الخرافة. أما فولف، الذي يزين اسمه الفنوات الفولفية، فقد دافع عن نظرية هارفي في التوالد الخارجي epigenesis: فكل جنين يخلق من جديد بواسطة العناصر الأبوية. وسبق فولف نظرية تكوين الأعضاء التي قال بها فون باير في واضع الجراثيم، بكتابة "في تكوين الأحشاء". (1768)، الذي وصفه فون بابر بأنه "أعظم ما نملك من روائع الملاحظة العملية"(117).
وهل تجدد النسيج نوع من التناسل؟ لقد أدهش العالم الجنيفي إبراهام ترميلي العلمي في 1744 بتجارب كشفت عن إصرار "كثير الأرجل Polyp" الذي يعيش في الماء العذب على التجدد، فقد قطع واحداً منها إلى شطائر طولية أربعة، نما كل منها إلى كائن سوى كامل. وتردد هل يسمى كثير الأرجل هذا نباتاً أم حيواناً؛ فقد بدا له جذوراً كالنبات، ولكنه ينهش الطعام ويهضمه كما يفعل الحيوان؛ وهلل المتكهنون له باعتباره همزة الوصل بين عالمي النبات والحيوان في "سلسلة الوجود العظمى"(118) أما ترمبلي فقد انتهى إلى أنه حيوان، وهو رأى البيولوجيين فيه اليوم. وقد أطلق عليه ريامور لفظ "Polyp" أو كثير الأرجل بسبب قرون




صفحة رقم : 12452




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:10 مساء   رقم المشاركة : [375]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


استشعاره المترعصة المتحسسة. ونحن نعرفه أيضاً باسم الهيدرا hydra نسبة إلى الوحش الخرافي (الافعوان) ذي الرؤوس التسعة (الذي كلما قطع هرقل رأساً منها نبت اثنان في مكانه. وقد استعمل "الهيدرا" في دنيا الأدب تشبيهاً له مائة ألف حياة.
ورينيه أنطوان دريامور هذا كان علما لا يبزه في بيولوجيا العصر الذي نحن بصدده غير بوفون، وكان يفوق بوفون كثيراً في دقة الملاحظة. هيأ لمهنة الطب، ولكنه هجرها حالما تحقق له الاستقلال المالي، وكرس نفسه للبحث العلمي. خبر إثنى عشر ميدان. ففي 1710 كلف بأن يمسح ويصف صناعات فرنسا وفنونها الصناعية، فقام بالمهمة بما عهد فيه من إتقان وقدم توصيات أفضت إلى إنشاء صناعات جديدة وإحياء أخرى أصابها الاضمحلال وابتكر طريقة لتصفيح الحديد ما زالت مستعملة. وبحث في الفروق الكيميائية بين الحديد والصلب. وأتته هذه الإسهامات وغيرها في علم المعادن بمعاش قدره اثنا عشر ألف جنيه من الحكومة، فأعطى المال لأكاديمية العلوم. وقد مر بنا بحثه في الترمومتر.
وفي غضون هذا راح يثري اليولوجيا. ففي 1712 أثبت أن في استطاعة جراد البحر (اللوبستر) أن يجدد طرفاً مبتوراً من أطرافه. وفي 1715 وصف الصدمة الكهربائية التي يحدثها السمك الرعاد-وصفاً صحيحاً. وفيما بين عامي 1734و1742 نشر رائعته "مذكرات ينتفع بها في تاريخ الحشرات" -وهي ستة مجلدات موضحة برسوم دقيقة، ومكتوبة بأسلوب ساحر ينبض بالحياة، جعل الحشرات قريبة في طرافتها من العشاق في روايات كريببون (الابن) الغرامية. ولقد استهواه كما استهوى قابر في أيامنا هذه:
"كل ما يمت إلى أخلاق الكثير من الحيوانات الصغيرة -إن جاز هذا التعبير- وعاداتها ومعيشتها. فلقد لاحظت طرق عيشتها المختلفة، وكيف تحصل على قوتها، والحيل التي يصطنعها بعضها للقبض على فريسته، وأسباب الحيطة التي يتخذها غيرها اتقاء للأعداء... -وانتقاء الأماكن التي تضع فيه بيضها حتى تجد صغارها حين تفقس طعاماً صالحاً لها لحظة خروجها للحياة"(119).




صفحة رقم : 12453




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


وقد وافق ريامور فولتير على أن في الإمكان تفسير سلوك الكائنات الحية وبنياتها دون افتراض قوة في الطبيعة، وكانت مجلداته ذخيرة استعان بها أولئك الذين قاوموا التيار الإلحاد الذي تدفق بعد حين في فرنسا. واحتقره ديدرو لإنفاقه الوقت الكثير على دراسة البق(120)، ولكن أمثال هذا العمل المدقق هي التي أرست الأسس الواقعية للبيولوجيا الحديثة.
ترى ماذا قال ديدرو بالضرورة حين سمع أن شارل بونيه، صديق ريامور، قد برهن على الولادة العذرية parthenogenesis في مملكة الحيوان؟ فلقد وجد بعزل من الأحاديث منّ حديث الولادة aphids (وهو قمل الشجر الذي يعشق أشجار البرتقال) إن أنثى هذا النوع تستطيع إنسال ذرية مخصبة دون أن تضطر إلى تلقى العنصر الذكر المطلوب في الأخصاب عادة؟ إذن فهدف الجنس فيما يبدو ليس مجرد التناسل، بل إثراء الذرية بشتى الصفات التي يسهم بها أبوان مختلفا المواهب. وقد وصفت هذه التجارب التي أبلغت لأكاديمية العلوم في 1740 في كتاب بونيه "رسالة في علم الحشرات" (1745) وأشار بونيه في كتابة "أبحاث... في النباتات" (1754) إلى أن لبعض النباتات قوى للحس، بل للتمييز والانتقاء، وإذن فقدرة على الحكم- وهذا سر الذكاء.
وبونيه هذا - الذي ولد بجنيف-أول من طبق اصطلاح "التطور envalution على البيولوجيا فيما يبدو(121)، وعنى به سلسلة الكائنات من الذرات إلى الإنسان. وفكرة التطور، بمعنى النمو الطبيعي لأنواع جديدة من أخرى قديمة، ظهرت مراراً في علم القرن الثامن عشر وفلسفته. ومن ذلك أن بنوا دماييه ألمع في كتابة "تياميد" الذي صدر بعد موته (1748) إلى أن جميع الحيوانات البرية تطورت من كائنات بحرية قريبة منها بطريق تغير النوع بتغير البيئة؛ وهكذا تولدت الطيور من السمك الطائر، والسباع من سباع البحر، والإنسان من أناسي البحر. وبعد ثلاث سنوات لم يكتف كتاب موبرتوي "نظام الطبيعة"بتصنيف القردة مع البشر نوعين متقاربين(122)، بل سبق -في خطوط عريضة- نظرية داروين في تطور الأنواع




صفحة رقم : 12454




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


الجديدة بطريق الانتقاء البيئي لأشكال عارضة صالحة للبقاء. قال العالم المنكود الحظ الذي كتب عليه أن يقع بعد قليل فوق قلم فولتير السليط:
"أن كل جزئ من الجزيئات البدائية التي تؤلف الجنين مشتق من البيان الأبوي المقابل له، ويحتفظ بضرب من الذكرى لشكله الأسبق. ومن ثم نستطيع أن نعلل في غير عناء تكون الأنواع الجديدة... إذا افترضنا أن الجزيئات البدائية قد لا تحتفظ دائماً بالترتيب الذي تكون عليه في الأبوين، بل تولد بالصدفة فروقاً تسفر بتكاثرها وتراكمها عن الأنواع التي لا حصر لها، والتي نشهدها اليوم"(123).
وهكذا يستطيع نموذج أصلي واحد إذا ترك له الوقت الكافي، أن يولد جميع الأنواع الحية (في رأي موبرتوي) -وهي قضية قبلها بوفون من قبيل الاجتهاد، ولقيت الاستحسان الحار من ديدرو.
وعاد جان باتيست روبينيه، في كتابه "عن الطبيعة" (1761) إلى فكرة أقدم عن التطور تقول بأنه "سلم من الكائنات" :فالطبيعة كلها سلسلة من المحاولات لإنتاج كائنات أكثر وأكثر رقياً، وكل الكائنات- طبقاً لقانون لايبنتس في الاستمرارية (الذي لم يعترف بأي انفصام بين أحط الكائنات وأرقاها)، حتى الأحجار، ما هي إلا تجارب تشق بها الطبيعة طريقها صعدا خلال المعادن، والنباتات، والحيوانات، إلى الإنسان. وما الإنسان إلا مرحلة في هذه المغامرة الكبرى، سوف تحل محله يوماً ما كائنات أرقى منه"(124).
أما القاضي الاسكتلندي جيمس بيرنت، لورد مونبودو، فقد كان داروينياً قبل داروين بزهاء قرن. ففي كتابة "أصل اللغة وتقدمها" (1773-92) صور إنسان ما قبل التاريخ كائناً بغير لغة وبغير نظام اجتماعي، لا يتميز إطلاقاً عن القردة من حيث مدركاته العقلية أو طرقه المعيشية. فالإنسان والأورانجوتان (كما قال إدوارد تايزن في 1699) ينتميان لجنس واحد، والأورانجوتان (يقصد به مونبوده الغوريلا أو الشمبانزي) إنسان فشل في أن يتطور. ولم يتطور إنسان ما قبل التاريخ ليصبح الإنسان البدائي




صفحة رقم : 12455




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


إلا بفضل اللغة والنظام الاجتماعي. فتاريخ البشر ليس هبوطاً من حالة الكمال الأصلية، كما جاء في سفر التكوين، بل صعود بطئ أليم(125)"
وقد لمس الشاعر جيته تاريخ العلم في نقاط عديدة. ففي 1786 اكتشف العظم البينفكي، وفي 1790 ألمع إلى أن الجمجمة مؤلفة من قفاز معدلة. وتوصل -دون اعتماد على كاسبار فولف- إلى النظرية القائلة بأن جميع أجزاء النبات تعديلات في الأوراق، وذهب إلى أن جميع النباتات انحدرت بالتطور العام من مثال أصلي واحد سماه Urpfanze.
وآخر العلماء في شجرة دارويني اقرن الثامن عشر هو جد داروين العظيم. وأرزمس داروين هذا شخصية طريفة طرافة تشارلز حفيده. ولد في 1731، وتلقى علومه في مكبردج وأدنبرة، وشرع في ممارسة الطب في توتنجهام، ثم في لتشفيلد، ثم في داربي، حيث توفي عام 1802. وكان يركب بانتظام من لتشفيلد إلى برمنجهام (خمسة عشر ميلا) ليحضر حفلات عشاء "الجمعية القمرية" التي كان روحها المحرك، التي أصبح بريستلي أشهر أعضائها. ومن الرسالة التالية التي بعث بها داروين الجد إلى ماثيو بولتن معتذراً عن غيابه عن اجتماع للجمعية تشرق شخصية ألمعية محببة للنفس. قال:
"يؤسفني أن منعتني الشياطين التي تصيب البشر بالأمراض... من مشاهدة جميع رجالكم العظام في سوهو (برمنجهام) اليوم. ليت شعري أي إبداعات، وأي ذكاء، وأي بلاغة- ميتافيزيقية، وميكانيكية، وصاروخية- ستحلق في جو اجتماعكم، يتقاذفها كالمكوك لفيف فلاسفتكم؟- بينما يقضى على أنا المسكين، حبيس مركبة البريد، بأن تخضني هذه المركبة، وترجني، وتهزني، وترضني، على طريق الملك، لكي أخوض حرباً مع وجع في معدة إنسان، أو حمى في جسده(126)".
ووسط هذه الحياة الحافلة بالشواغل كتب كتاباً قيما سماه زونوميا (فسيولوجيا الحيوان) (1794-96) مزج فيه الطب بالفلسفة، وعدة مجلدات من شعر العلم: "الحديقة النباتية" (1788)، و"غراميات




صفحة رقم : 12456




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


النباتات" (1788) و"هيكل الطبيعة" (1802). وقد أعرب هذا الكتاب الأخير عن أفكاره التطورية. فبدأ بتأكيده أن التوالد الذاتي هو أكثر النظريات احتمالا في أصل الحياة. قال شعراً:
"إذن بغير أبوين، وبالتوالد التلقائي، ظهرت أول ذرات الأرض النابضة بالحياة... وولدت الحياة العضوية تحت الأمواج الطاغية وعذبت في كهوف المحيط اللؤلؤية؛ أولا تتحرك كائنات دقيقة لا ترى بالمجهر على الوحل، أو تخترق اليم؛ وبعد أن تتفتح منها أجيال متعاقبة، تكتسب قدرات جديدة، وتتخذ لها أطرافاً أكبر، ومن ثم تظهر مجاميع لا حصر لها من النبات، وممالك حية تتنفس من ذوات الزعانف والأرجل والأجنحة(127)".
وهكذا تطورت الحياة من الكائنات البحرية إلى البرمائية في الطين، ثم إلى الأنواع التي لا تحصى في البحر والبر والجو. ونقل الشاعر عن بوفون وهلفتيوس آراءهما في خصائص تشريح الإنسان دليلا على أن الإنسان مشى في الماضي على أربع، وأنه لم يكمل بعد تكيفه لوضعه المنتصب. وقد ارتقى نوع من القردة باستعماله قوائمه الأمامية أيادي، وتطويره الإبهام قوة موازنة مفيدة للأصابع. وفي كل مراحل التطور صراع بين الحيوانات على الطعام والأزواج، وبين النباتات على التربة، والرطوبة، والضوء، والهواء. وفي هذا الصراع (في رأى إرزمس داروين) حدث الارتقاء بتطور الأعضاء نتيجة محاولات لتلبية الحاجات الجديدة (لا بالانتقاء الطبيعي لتغيرات مصادفة تساعد على البقاء كما سيقول تشارلز داروين)؛ والنباتات تنمو بجهودها للحصول على الهواء والضياء. وقد سبق هذا الطبيب في كتابة "زونوميا" لامارك بقوله: "من أن كل الحيوانات تمر بتغييرات تحدث جزئياً بجهودها الخاصة، استجابة للذة والألم، وكثير من هذه الأشكال أو الميول المكتسبة تتحد إلى ذراريها(128)". ولسان الماشية الخشن لشد أوراق العشب، ومنقار الطائر لالتقاط الحب. وأضاف الطبيب إلى هذا كله نظرية التلوين الوقائي: "هناك أعضاء طورت لأغراض وقائية، تغير شكل الجسم ولونه للاستخفاء أو القتال"(129). ثم اختتم كلامه بلمحة جليلة اشتملت دهوراً طويلة.




صفحة رقم : 12457




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


"فإذا تأملنا الحقب الصغيرة من الأزمنة التي حدث فيها الكثير من التغيرات سالفة الذكر، أيكون من الجرأة المسرفة أن نتصور-في الزمن السحيق الذي انقض منذ بدأت الأرض، ربما قبل بدء تاريخ الإنسان بملايين السنين- أن جميع الحيوانات ذوات الدم الحار نشأت من لقاح خبيط حي واحد، وهبته العلة العظمى الأولى ميزة الحيوانية، والقدرة على اكتساب أعضاء جديدة، تلازمها ميول جديدة، وتوجهها الانفعالات، والأحاسيس والإرادات، والارتباطات، فتملك بذلك قوة مواصلة التحسن بنشاطها الفطري الخاص، وتوريث تلك التحسينات لذراريها إلى آخر الدهر"(130)؟
كتب تشارلز داروين يقول "عجيب كيف سبق جدي... نظرات لامارك والأسس الخاطئة لآرائه، في كتابة زونوميا"(131). ولعل الجد لا يرضي بالتسليم بأنه كان سائراً على الطريق الخطأ. وهو على أية حال بسط نظرية لم تمت بعد، وبطريقته اللطيفة أسهم بضربة في الدفاع عن فكرة التطور.


جـ - علم النفس


ومضى البحث العلمي قدماً من المعادن إلى النباتات إلى الحيوانات إلى الإنسان. وراحت رابطة متزايدة من الدارسين تتفحص جسم الإنسان وقد تسلحت بالمجهر وحفزتها حاجات الأطباء، فوجدت أعضاءه ووظائفه شبيهة شبهاً لا خلاف عليه بأعضاء الحيوانات الراقية ووظائفها. ولكن بدا أنه لا يزال هناك انفصال في سلسلة الكائنات. وأجمع الناس كلهم تقريباً على أن ذهن الإنسان يختلف عن ذهن الحيوان في النوع وفي الدرجة معاً.
وفي 1749 اقتحم قسيس إنجليزي، تحول إلى احتراف الطب، يدعى ديفد هارتلي، هذه الفجوة بتأسيسه علم النفس الفسيولوجي. وكان يجمع النباتات طوال ستة عشر عاماً (1730-46) ثم نشر في 1749 كتابه "ملاحظات حول الإنسان": ولما كان يطمع في إيجاد مبدأ يحكم العلاقات بين الأفكار كما اقترح نيوتن مبدأ الأجسام، فقد طبق ترابط الأفكار على تفسير العاطفة، والعقل، والحركة، والحس الخلقي،




صفحة رقم : 12458




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


لا على تفسير الخيال والذاكرة فحسب كما فعل هوبز ولوك من قبل قصور الإحساس على أنه في بدايته تموج في جزيئات عصب يثيره جسم خارجي، ثم لى أنه انتقال هذا التموج على هذا العصب إلى المخ، على نحو "انتشار الأصوات الطليق على صفحة الماء"(132). وقال إن المخ كتلة من الخويطات العصبيه تموجاتها هي متلازمات الذكريات، يثير خويط أو أكثر منها تموج وافد مرتبط به في الخبرة الماضية؛ وهذا التموج هو الملازم الفسيولوجي للفكرة. فلكل حالة عقلية ملازم بدني، ولكل عملية بدنية مرافق عقلي أو عصبي؛ وترابط الأفكار هو الجانب العقلي لترابط التموجات العصبية الذي يحدثه تجاورها أو تعاقبها في خبرة ماضية. على أن الصورة الفسيولوجية التي رسمها هارتلي كانت بالطبع شديدة التبسيط، ولم تمس قط لغز الوعي، ولكنها شاركت في إقناع أقلية صغيرة من الإنجليز بفكرة فناء عقولهم.
تناول قسيس آخر يدعى إتيين بونو دكوندياك مشكلات الذهن من جانب سيكولوجي خاص . وقد ولد في جريوبل (1714)، وتعلم في مدرسة لاهوتية لليسوعيين بباريس، ورسم قسيساً. فلما سمح له بالاختلاف إلى صالوني مدام دتانسان ومدام حيوفران، التقى بروسو وديدرو، وفقد حماسته الدينية، وهجر كل وظائفه الكهنوتية، وكرس نفسه للعبة الأفكار. فدرس المذاهب التاريخية للفلسفة ورفضها في كتابه "رسالة في المذاهب" (1749) الذي نطق بروح "الفلاسفة" فقال إن كل هذه الصروح المتعالية من أنصاف الحقيقة إنما هي تفرعات كثيرة كلها أوهام انتشرت من معرفتنا المبتورة للكون؛ وفحص جزء من التجربة بالاستقراء خير من التدليل على الكل بالاستنباط.
وقد حذا كوندياك في كتابه "مقال في أصل المعارف البشرية" (1746) حذو لوك في تحليليه للعمليات العقلية، ولكنه في أنجح كتبه "مقال في الأحاسيس قبل رأياً أكثر تطرفاً-وهو أن "التأمل" الذي تبين فيه لوك مصدراً ثانياً للأفكار، هو مجموعة أحاسيس، هي المصدر الوحيد لكل الحالات العقلية. إن هناك عالماً خارجياً، لأن أهم حواسنا وهي اللمس تلقى مقاومة؛ ومع ذلك فإن كل ما تعرفه هو أحاسيسنا والأفكار التي تولدها.




صفحة رقم : 12459




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


وقد وضح كوندياك هذه الدعوى بمقارنة مشهورة ربما نقلها عن بوفون، ولكنه نسب الفضل فيها إلى "مصدر وحيه" المتوفاة، وهي الآنسة فيران التي أوصت له بميراث طوقت به عنقه. فصور لنا تمثالا من الرخام" نظم باطنه على غرارنا، لكن يحركه عقل تجرد من جميع الأفكار"(133). وهو لا يملك غير حاسة واحدة هي حاسة الشم، وفي استطاعته التمييز بين اللذة والألم. ثم عمد إلى أن يبين كيف يمكن أن تستقى جميع ألوان التفكير من أحاسيس هذا التمثال. فالحكم، والتأمل، والرغبات، والانفعالات، الخ ليست غير أحاسيس تغيرت على أشكاله مختلفة(134). فالانتباه يولد مع الإحساس الأول، ويأتي الحكم مع الثاني، مما يولد المقارنة مع الأول. والتذكر إحساس ماض أحياه إحساس حاضر أو تذكر آخر. والخيال ذكرى تتصور أو تربط. والرغبة في الشيء أو النفور منه هي التذكر النشيط لإحساس لذيذ أو كريه. والتأمل هو تناوب الذكريات والرغبات. والإرادة رغبة قوية يرافقها فرض بأن الهدف ممكن بلوغه. والشخصية، أو الأنا، أو التنفس، لا وجود لها أول الأمر؛ فهي تتخذ لها شكلا بوصفها جماع ذكريات الفرد ورغباته(135). وهكذا، من حاسة الشم وحدها-أو من أي حاسة أخرى غيرها- يمكن أن تستنبط جميع عمليات الذهن تقريباً. فإذا أضفنا أربع حواس أخرى، كون التمثال له ذهناً معقداً.
كل هذا كان جهداً ضخماً طريفاً، أثار ضجة كبرى بين رجال الفكر في باريس. ولكن النقاد لم يعسر عليهم أن يثبتوا أن طريقة كوندياك كان فيها من الاستنباط والفروض ما في غيرها من مذاهب الفلسفة، وأنه تجاهل مشكلة الوعي تجاهلا تاماً؛ وأنه لم يبين لنا كيف نشأت الحساسية الأصلية. فالتمثال الحساس وإن اقتصرت حواسه على الشم، ليس بتمثال، إلا أن يكون ذلك الوجيه الذي قال ترجنيف في وصفه إنه يقف في كبرياء كأنه أثر لذكراه أقيم بالاكتتاب العام.
وفي 1767 عين كوندياك مدرساً خاصاً للطفل الذي أصبح فيما بعد دوق بارما. فأنفق السنين التسع التالية في إيطاليا وألف لتلميذه سبعة عشر مجلداً نشرت في 1769-73 باسم "خطط دراسية". وهي رفيعة المستوى،




صفحة رقم : 12460




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


ولكن المجلدين اللذين تناولا التاريخ جديران بتحية خاصة لأنهما اشتملا على التاريخ الأفكار والعادات، والمذاهب الاقتصادية، والأخلاق، والفنون، والعلوم، والملاهي، والطرق-وهذا في مجموعة يؤلف سجلا للحضارة أو في مما سجله فولتير في كتابه "مقالة عن الأعراف". وفي 1780، بناء على طلب الأمير أجناسي بوتوكي، وضع كتاباً في "المنطق" لمدارس لتوانا. وكان هذا أيضاً كتاباً فذاً في بابه. وفي تلك السنة مات مؤلفه.
ودام تأثير كوندياك قرناً، فتجلى عام 1870 في كتاب تين "في الذكاء" وكانت سيكولوجية كوندياك أساساً في النظام التعليمي الذي وضعه المؤتمر الوطني الذي حكم فرنسا من 1792 إلى 1795. وقد اعترف له بفضل السبق مشرحون مثل فيك-دازير، وكيميائيون مثل لافوازييه، وفلكيون مثل لابلاس، وأحيائيون مثل لامارك، وأطباء عقليون مثل بينيل، وسيكولوجيون مثل بونيه وكاباني. وقد وصف بيير جان جورج كاباتي الدماغ في 1796 بأنه "عضو خاص وظيفته الهامة أن ينتج الفكر كما أن للمعدة وظيفة خاصة هي مواصلة عملية الهضم، والكبد وظيفته هي ترشيح الصفراء"(136). وقد تجاهل "الفلاسفة" الذين أحاطوا بكوندياك تصريحاته بالإيمان بالله، وحرية الإرادة، والروح الخالدة غير المادية، وزعموا أن فلسفة طبيعية، نصف مادية، مؤمنة بمذهب اللذة، كانت النتيجة لرده المعرفة كلها إلى الإحساس، والبواعث كلها إلى اللذة والألم. وقد خلص روسو وهلفتيوس إلى أنه ما دام ذهن الإنسان عند مولده عبارة عن قدرة على الاستقبال لا أكثر، إذن ففي استطاعته التعليم أن يصوغ الذكاء والخلق دون نظر إلى الفروق الوراثية في القدرة العقلية. هذا كان الأساس السيكولوجي لكثير من الفلسفات السياسية المتطرفة.
ولم يأت الانتفاض على السيكولوجية المادية في فرنسا إلا بعد أن قلم نابليون أظافر الثورة ووقع اتفاقية 1801 مع الكنيسة (الكونكوردا). وقد بكر هذا الانتفاض في ألمانيا، حيث كان التقليد المضاد للمذهب الحسي (وهو التقليد الموروث عن لايبنتس) لا يزال قوياً وهاجم رجال كيوهان نيكولاوس تيتنز الأستاذ بجامعة روستوك، مدرسة كوندياك زاعماً أن




صفحة رقم : 12461




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> علم الحيوان


اتباعها مجرد منظرين لا علماء. فكل هذا الحديث عن "التموجات" و"السائل العصبي" إنما هو محض افتراض؛ فهل رأى أحد هذه الأشياء؟ وزعم تيتنز أن السيكولوجية العلمية تستهدف الملاحظة المباشرة للعمليات الفعلية، وتجعل الاستنباط أداتها الرئيسية، فتبنى بذلك سيكولوجية على أساس استقرائي بحق. وستجد بعد قليل أن "قوانين الترابط" التي صاغها هوبز، ولوك، وهارتلي، لا تتفق وخبرتنا الفعلية؛ وأن الخيال كثيراً ما يحيى أو يربط الأفكار في ترتيب يختلف تمام الاختلاف عن الترتيب الذي أعطاه إياه الإحساس، وأن حلقات في سلسلة الترابط تسقط أحياناً على نحو غريب جداً. ويبدو أن الرغبة هي الحقيقة المحايثة (الباطنة) للكائن الحي، وأنها لا تتفق غالباً مع القوانين الميكانيكا. والذهن قوة نشيطة مشكلة، لا "صفحة بيضاء"، يخط الإحساس عليها إرادته.
وهكذا هيأ المسرح لإيمانويل كانت.




صفحة رقم : 12462




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> تأثير العلم على الحضارة



10- تأثير العلم على الحضارة


إذا كان هذا الفصل قد طال أكثر من العادة رغم ما يشوبه من نقص فليس السبب أننا اعتبرنا العلماء وعلمهم منتمين إلى التاريخ فحسب، بل إن تطور الأفكار أيضاً هو موضع اهتمامنا الأساسي، وأن الأفكار لعبت دوراً في القرن الثامن عشر لا يفوقه أهمية غير طبيعة الإنسان نفسه. وإذا كانت منجزات العلم في تلك الحقبة الثورية لا تبلغ في إدهاشها مبلغ نظائرها في القرن الذي سبقها من جاليليو إلى ديكارت إلى نيوتن وليبنتس، فإنها تغلغلت تغللاً أقوى في كل منحى تقريباً من مناحي التاريخ الأوربي. فبفضل فولتير وعشرات المفسرين الأقل منه شأناً نشرت نتائج البحث في الطبقتين الوسطى والعليا، وشاركت العلوم الجديدة -علوم الكيمياء، والجيولوجيا، والحيوان- في التأثير البطيء، العميق رغم بطئه، الذي أثرت به المعرفة المتسعة على الذهن المثقف، وكانت النتائج بغير نهاية.
والعجيب أن التأثير العلم كان أقله، وآخره، على التكنولوجيا. ذلك أن طرائق البشر في الزرع والحصاد، وفي التعدين والصناعة، وفي البناء والنقل،




صفحة رقم : 12463




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> تأثير العلم على الحضارة


كلها تكونت خلال قرون من التجربة والخطأ، ولم تتقبل التقاليد والجمود التحسينات التي اقترحتها التجارب المعملية إلا على مضض. ولم يفلح العلم في التعجيل بالثورة الصناعية إلا في نهاية هذا العصر. وحتى مع هذا البطء فإن المراحل الأولى لتلك الثورة دانت ديناً كبيراً للأبحاث الكيميائية على الأصباغ؛ فقد أرسى برتولليه (1788) استعمال الكلورين في تبييض المنسوجات، وأدخل جيمس هتن ونيكولا ليلان تصنيع الصودا وملح النشادر. وشاركت دراسة بوبل وماريوت للغازات، ودراسة بلاك للحرارة، في تطوير الآلة البخارية-الذي كان أكبر الفضل فيه على أية حال للميكانيكيين المهتمين بالأمر آنئذ. وبتقدم القرن نمت علاقة أوثق بين الرجال العمليين الذين ينشدون الإنتاج، والعلماء الذين ينشدون الحقيقة. وأوفدت أكاديمية باريس للعلوم باحثين إلى الحقول، والمصانع، والورش، وأصدرت عشرين مجلداً في "أوصاف الفنون والصنائع" (1761-81). ولقاء هذا بدأت الصناعات الوليدة تلجأ إلى العلم طلباً للمعلومات والتجارب؛ وهكذا اختزل كولومب جهد العوارض إلى صيغ يعتمد عليها، وحفزت مشكلات الآلة البخارية العلم إلى أبحاث جديدة في العلاقة بين القوة والحرارة. وقد قدر لهذه العلاقات في القرن التاسع عشر أن تغير العالم الاقتصادي والفيزيائي.
أما الأثر الأكبر للعلم فكان بالطبع على الفلسفة، ذلك أن الفلسفة، وهي البحث عن الحكمة، لا بد أن تقوم على العلم، وهو البحث عن المعرفة. وقد بدا في كل خطوة أن العلم يزيد العالم تعقيداً واتساعاً، وكان لا بد من تكوين منظرات جديدة. ولم يكن بالتكيف اليسير ذلك الذي كان على العقل البشري أن يتكيفه بعد أن اكتشف أن الإنسان ليس مركز الكون، بل ذرة ولحظة في اتساعات الفضاء والزمان غير المحدودة والمحيرة؛ ولم يتم ذلك التكيف إلى الآن. وباستجابة متعالية، قديمة قدم كوبرنيف، كاد الإنسان يغلبه الغرور بعظمة كشفه عن ضآلته، وحجبت خيلاء العلم تواضع الفلسفة، وتخيل الناس عوالم مثالية جديدة بلغة العلم، وقدمت فكرة التقدم ديناً جديداً للنفس الحديثة.




صفحة رقم : 12464




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> تأثير العلم على الحضارة


وبدا أن تأثير العلم على الدين-أو على الأصح على المسيحية-مميت.إن الناس كانوا سيمضون ولا ريب في تكوين، أو تحبيذ، مفاهيم عن العالم تمنح الأمل والعزاء، والمغزى والكرامة، للنفوس المعذبة القصيرة الأجل؛ ولكن كيف تستطيع ملحمة المسيحية عن الخليقة، والخطيئة، والفداء الإلهي، أن تثبت في منظور اختزل هذه الأرض إلى ذرة وسط مليون من النجوم؟ وما هو الإنسان حتى يذكره إله كون كهذا ويعنى به؟ وكيف يستطيع شعر سفر التكوين أن يثبت لكشوف الجيولوجيا؟ وما الرأي في الأديان العشرة أو تزيد، التي تدين بها أقطار كشفت عنها الجغرافيا؟ -أهي منحطة انحطاطاً لا ريب فيه عن المسيحية من حيث عقائدها ونواميسها ونتائجها الأخلاقية؟ وكيف يمكن التوفيق بين معجزات المسيح، فضلاً عن المعجزات التي ينسبها الكثيرون للقديسين والشيطان، وبين ما يبدو من سيادة ناموس الكون؟ وكيف يمكن أن تكون نفس الإنسان، أو عقله، خالداً إذا كان معتمداً هذا الاعتماد على الأعصاب وغيرها من الأنسجة الواضح أن مصيرها الفناء؟ وما الذي لا مناص من حدوثه للين الذي يتحداه على هذا النحو علم ينمو يوماً بعد يوم في رقعته ومنجزاته ومكانته؟ وما الذي لا مناص من حدوثه لحضارة قائمة على ناموس أخلاقي قائم على ذلك الدين؟




صفحة رقم : 12465




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> التقدم العلمي -> تأثير العلم على الحضارة


وبدا أن تأثير العلم على الدين-أو على الأصح على المسيحية-مميت.إن الناس كانوا سيمضون ولا ريب في تكوين، أو تحبيذ، مفاهيم عن العالم تمنح الأمل والعزاء، والمغزى والكرامة، للنفوس المعذبة القصيرة الأجل؛ ولكن كيف تستطيع ملحمة المسيحية عن الخليقة، والخطيئة، والفداء الإلهي، أن تثبت في منظور اختزل هذه الأرض إلى ذرة وسط مليون من النجوم؟ وما هو الإنسان حتى يذكره إله كون كهذا ويعنى به؟ وكيف يستطيع شعر سفر التكوين أن يثبت لكشوف الجيولوجيا؟ وما الرأي في الأديان العشرة أو تزيد، التي تدين بها أقطار كشفت عنها الجغرافيا؟ -أهي منحطة انحطاطاً لا ريب فيه عن المسيحية من حيث عقائدها ونواميسها ونتائجها الأخلاقية؟ وكيف يمكن التوفيق بين معجزات المسيح، فضلاً عن المعجزات التي ينسبها الكثيرون للقديسين والشيطان، وبين ما يبدو من سيادة ناموس الكون؟ وكيف يمكن أن تكون نفس الإنسان، أو عقله، خالداً إذا كان معتمداً هذا الاعتماد على الأعصاب وغيرها من الأنسجة الواضح أن مصيرها الفناء؟ وما الذي لا مناص من حدوثه للين الذي يتحداه على هذا النحو علم ينمو يوماً بعد يوم في رقعته ومنجزاته ومكانته؟ وما الذي لا مناص من حدوثه لحضارة قائمة على ناموس أخلاقي قائم على ذلك الدين؟




صفحة رقم : 12465




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> التشريح والفسيولوجيا



الفصل السابع عشر




الطب




1715-1789




1- التشريح والفسيولوجيا


ثم هناك أثر العلم في لطب. فقد ارتبط فن التطبيب بتحسن الميكروسكوب والترمتز، وظهور الكيمياء والأحياء، وأهم من ذلك كله المعرفة المتقدمة بتشريح وفسيولوجيا الإنسان والحيوان. وكان معظم الأبحاث في التشريح والفسيولوجيا من عمل الأطباء أنفسهم.
وكان جوفاني باتيستا مورجاني أنموذجاً من الأطباء الكثيرين الذين جعلوا من الطب علما باحتفاظهم بسجلات أكلينية للحالات التي جاءتهم للعلاج. ففحص سبعمائة من هذه الحالات خلال الفترة التي عمل فيها بإخلاص ممارساً للطب وأستاذاً له في بادوا. وفي عامه الثمانين (1761) روى ملاحظاته في سبعين رسالة أرست أساس التشريح الباثولوجي: "في مواطن العلل وأسبابها كما بحثها التشريح" هنا ساق أوصافا عملية لانسداد القلب، والضمور الأصفر للكبد، وعمل الكلى، وربط بين العلامات الأكلينكية للالتهاب الرئوي وتصلب الرئتين، وأضاف إضافات هامة لمبحث القلب يقول السر وليم أوزلر "مازال الجزء الخاص بالتمدد الوعائي للأورطى من أفضل ما كتب في هذا الباب." "وهل من وصف أدق من وصفه للذبحة الصدرية؟"(1) وحصر موطن دواء الآن بوضوح أكثر من أي وقت مضى، في تغيرات مرضية تعرو أعضاء بعينها. وأعجبت المستشفيات بعمل مورجاني، فزودته ومعاونيه-دون معارضة من الكنيسة أو الدولة-بجثث الموتى من جميع طبقات المجتمع، حتى النبلاء ورجال الكنيسة؛ وأعرب أفراد كثيرون حباً في النهوض بالعلم، عن رغبتهم في أن يفحص مورجاني بعد موتهم(2). وقد أجرى التجارب على الحيوانات، دون أن يلقي هنا أيضاً أي احتجاج من الكنيسة.




صفحة رقم : 12466




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> التشريح والفسيولوجيا


وواصل التدريس حتى بلغ التسعين. وفي 1764، حين كان في الثانية والثمانين، روى أنه "ينعم بعافية ابن الخمسين، ولا يزال يعمل دون استعانة بنظارات."(3) وقد لقبه طلابه في فخر برئيس المشرحين في أوربا كلها. وفي 1931 أقامت له بلدته "فورلى" نصبا تذكاريا في الميدان الذي يحمل اسمه.
وأصبح تلميذه أنطونيو سكاربا أستاذا للتشريح في مودينا وهو بعد في العشرين. فلما رقي لكرسي التشريح في بافيا حين بلغ السادسة والثلاثين (1783) شارك سباللانتسانى وفولتا في دفع تلك الجامعة إلى مكانة مرموقة بين جامعات أوربا. واكسبه الشهرة الدولية دراساته التشريحية على الأذن والأنف، والأقدام، والأعصاب، وظل كتابه "ملاحظات على أمراض العيون الرئيسية" (1801) عشرات السنين الكتاب الجامعي العمدة في الرمد.
أما فيلكس فيك دازير، الذي كان يصغر سكاريا بسنة واحدة فقط، فقد درس التشريح المقارن للطيور، وذوات الأربع، والإنسان. وأظهرت نتائجه تشابها غريبا مفصلا في بنية الأطراف في البشر والحيوانات، وأسهمت في وضع الإنسان في مكانه البيولوجي. وقد مات في السادسة والأربعين (1794)قبل أن يتم عملا أوصل تشريح الدماغ إلى ذروته في القرن الثامن عشر.
وفي بريطانيا العظمى أضفى الأخوان هنتر، والمولودان في إسكتلندة، مزيداً من البهاء على حركة التنوير الاسكتلندية بعملهما في التشريح والجراحة. فأحدثت محاضرات وليم ثورة في تدريس التشريح في لندن، حيث تعطلت هذه الدراسة طويلاً من جراء القيد المفروض على توافر الجثث. وقد ذاع صيته لكشفه الخطير (1758) للوظيفة الماصة للأوعية اللمفاوية، ولتأليفه كتابا من عيون يسمى "تشريح الرحم الحامل" (1774، ولطبعه الناري، الذي علله بأنه، وهو المشرح، قد ألف "خضوع الجثث له خضوعا سلبيا"(4) ومات في 1783 وقد بلغ الخامسة والستين إثر إعياء أصابه في إحدى محاضراته. وقد أوصى بمجموعته التشريحية الكبرى لجلاسجوا، حيث ما زال محتفظا بها في متحف هنتر.




صفحة رقم : 12467




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> التشريح والفسيولوجيا


أما أخوة جون هنتر فالقد ولد بعده بعشر سنوات، ومات بعده بعشر أيضا. وحين بلغ الحادية والعشرين (1749) كان قد حصل من العلم ما أهله للاضطلاع بصف وليم في التشريح العملي. وبينما كان يعمل مع أخيه، حل مشكلة سقوط الخصيتين عند الجنين، وتتبع دورة المشيمة وتشبعات الأعصاب الأنفية والشمية، واكتشف القنوات الدمعية، وقام بدور رائد في عض وظائف القناة اللمفاوية. وفي السابعة والعشرين دخل أكسفورد، فلما وجد اللاتينية واليونانية أشد مواتا من جثث الموتى، ترك لكلية والتحق بالجيش جراحا. وتعلم الكثير في أثناء الخدمة العاملة في الخارج عن جراحة البارود، فخلف بعد موته رسالة قيمة في الموضوع. وقد مارس الجراحة وعلمها عند رجوعه إلى إنجلترا، وواصل أبحاثه في التشريح والفسيلوجيا. وفي 1767 أصيب بحادث مزق له "أربطة أخيل" (التي تربط عضلات سمانة الساق بالعقب). ومن مشاهداته عن نفسه آنئذ، ومن تجاربه على الكلاب، توصل إلى جراحة ناجحة للأقدام المشوهة وغيرها من التشوهات التي تصيب الأربطة فيما تصيب. وحدث أنه حقن نفسه بالزهري عن غير قصد، فأرجا علاجه ريثما يدرس المرض من خبرته الشخصية(5)، على أنه أخطأ في اعتباره الزهري والسيلان مرضا واحدا. وأثبت بالتجربة أن الهضم لا يحدث في الأفاعي والسحالي أثناء اسباتها. وجمع لأبحاثه في بيته ببرمتن معرضا غريبا للوحوش، فيه الديوك البرية، والحجل، وضفادع البر، والسمك، والأوز، والقنافذ، وديدان القز، والنحل، والدبابير الكبيرة والصغيرة، ونسر، وفهدان، وعجل. وكاد يفقد حياته في صراعه مع العجل ومحاولته القبض على الفهدين الهاربين. وقد شرح نيفا وخمسمائة نوع من الحيوان. ودرس آثار مختلف السموم، واعترف في 1780 بأنه "سمم بضعة آلاف من الحيوان".
وفي 1785 جلس إلى زينولدز ليرسمه، ولكنه كان كثير الحركة والتململ أول الأمر. وأوشك السر جوشوا أن يعدل عن تصويره، حين أخذت هنتر سنة من أحلام اليقظة عميقة ساكنة مكنت المصور من تخطيط اللوحة المعروضة الآنفي كلية الجراحين الملكية. وكان جون كأخيه صاحب




صفحة رقم : 12468




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> التشريح والفسيولوجيا


طبع نزق عات. وقال حين وجد نفسه عرضة للذبحة الصدرية "أن حياتي في يد أي وغد يطيب له أن يضايقني ويغيضني"(6) وحدث أن أحد زملائه ناقضه، فاستشاط غضبا، ولم يلبث أن فارق الحياة بعد دقائق (1793)، ودفن في دير وستمنستر بجوار رفات بن جونسن. وقد حصل اتحاد الجراحين، بفضل منحة من الحكومة، على مجموعته المحتوية على ثلاثة عشر ألف عينة، وأصبحت المجموعة في 1836 متحف اللندني. و "الخطاب الهنتري" الذي يلقى في ذاكراه واقعة سنوية في عالم الطب الإنجليزي.
أما الفسيولوجيا فإن أعظم أعلامها في هذه الحقبة هو ألبرشت فون هاللر وقد التقيا به شاعراً في شبابه، وفي سنوات اللاحقة وضع نفسه على رأس علماء الفسيلوجيا بكتابه "أصول فسيولوجية جسم الإنسان" الذي صدر في ثمانية مجلدات بين عامي 1757و1766. ولم تقتصر هذه الأسفار على تسجيل ما توافر من علم بتشريح الإنسان وفسيولوجيته، بل شملت كذلك كشوفه عن دور الصفراء في هضم الدهنيات، وعن قابلية ألياف العضلات للتهيج أو التقلص مستقلة عن الأعصاب، لا بل عقب فصلها عن الجسد. وخلص ديدرو من هذه التجارب وأمثالها إلى أنه "إذا كانت الحياة باقية في أعضاء فصلت عن الجسد، فأين هي النفس إذن؟ وما الذي يحدث لوحدتها؟... ولعدم قابليتها للانقسام؟"(7) وزعم بناء على هذه الشواهد أن جميع العمليات الفسيولوجية ميكانيكية. وخالفه هاللر، ففي رأيه أن قابلية النسيج العضوي للتهيج دليل مبدأ حيوي لا يوجد في المواد غير العضوية ولا يتفق والفلسفة الميكانيكية. وأظهر المزيد من دراسات هاللر أن "بنية عظام ذوات الأربع في جوهرها واحد هي وبنية الطيور" وأن "العظام في الإنسان لا تختلف في أي جزء من أجزاء بنيتها عن عظام ذوات الأربع"(8) وفي 1755 قام بأول ملاحظة مدونة لمرض التصلب السنبلي، أي تراكم الدهن في جدران الأوعية الدموية. يقول السر وليم فوستر "حين نفتح صفحات هاللر نشعر أننا انتقلنا إلى العصور الحديثة"(9).




صفحة رقم : 12469




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> التشريح والفسيولوجيا


وأيدت أبحاث أخرى الرأي الميكانيكي. فتبين رورت هويت (1751) أن الأفعال المنعكسة لا تحتاج لأن يشارك فيها غير قطاع صغير من الحبل الشوكي. وبدا أن عمل برستلي، ولا فوزييه، ولا بلاس، ولا جرانج، يختزل النفس إلى عمليات كيميائية شبيهة بالاحتراق. وأثبت تجارب ريامور (1752) أن الهضم ينشأ عن الفعل الكيميائي للعصارات المعدية، وأثبت سباللانتساني (1782) أن هذا الفعل - فعل العصارات الهضمية - على الطعام يمكن أن يستمر حتى خارج المعدة، واكتشف جون هنتر أن هذه العصارات تبدأ بعد الموت في هضم جدار المعدة ذاته.
وكان سباللانتساني من أساطين فسيولوجية القرن الثامن عشر وقد رأينا تجاربه على التولد "الذاتي أو التلقائي"، ولم يكن اهتمامه بعملية الهضم يعرف حدودا. فقد اكتشف الوظيفة الهضمية للعاب. وأجرى التجارب على نفسه بالقيء المصطنع، وبابتلاع الأكياس والأنابيب، التي استعادها بصبر من برازه. وكان أول من بين أن التقلص الانقباضي للقلب يرسل الدم في أصغر الشعيرات. وبين أن العرق ليس شبيها بالتنفس، ولكنه يستطيع إلى حد ما أن يحل محل الشهيق. وأصبح حجة في الإخصاب رغم أنه رئيس دير. وقد وجد أنه إذا غطيت أعضاء الذكورة في ضفدع بقماش مغموس في الشمع ظلت أنثاه دون إخصاب بعد الجماع ولكن حين جمع سائل الذكر من القماش ووضعه ملتحما ببيض الأنثى أصبحت مخصبة. وحصل الإخصاب الصناعي في الثدييات بحقنه مني كلب في رحم كلبة(10). وقد قدر القرن العشرون في نهاية المطاف مدى تجاربه التي لم يعترها كلل، وأدرك مغزاها، واعترف به كاهناً من الصفوة المختارة في كهنوت العلم.




صفحة رقم : 12470




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> دهاء المرض



2- دهاء المرض


ولكن، هل هزم نمو المعرفة سعة حيلة المرض؟ كلا. لقد قدر فولتير متوسط عمر الإنسان في عصره باثنتين وعشرين سنة(11) وكان من




صفحة رقم : 12471




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> دهاء المرض


أثر الأحياء الفقيرة المزدحمة في المدن النامية ارتفاع نسبة الوفيات في الأطفال، حتى بلغت أحياناً خمسين في المائة(12). وفي لندن كان ثمانية وخمسون في المائة من جميع الأطفال يموتون قبل أن يبلغوا الخامسة(13) وشاعت على نطاق واسع عادة ترك الأطفال حديثي الولادة. وفي السنوات الثمان بين عامي 1771 و 1777 أدخل قرابة 32,000 طفل إلى المستشفى اللقطاء بباريس- بمعدل تسعة وثمانين يوميا، ومن هؤلاء الرضع مات 25,476 (أي ثمانون في المائة) قبل أن يتموا ربيعهم الأول. وأعان على زيارة وفيات الأطفال في القرن الثامن عشر انتشار الرضاعة الجافة- أي إحلال البزازة محل ثدي الأم أو المرضع وقد قدر السر هانز سلون نسبة الوفيات في الرضاعة الصناعية بثلاثة أضعاف نسبتها في أطفال الرضاعة الطبيعي. وراجت الطريقة الجديدة على الأخص بين طبقات الراقية في فرنسا، إلى ن أشاع كتاب روسو "أميل" (1762) موضة الرضاعة من الثدي. واستمر الإجهاض ومنع الحمل. واستعمل القراب من القماش- الذي أوصى به فالبيو في 1564 للوقاية من عدوى الأمراض التناسلية - في القرن الثامن عشر لمنع الحمل(14). وقد ورد في كتاب الدكتور جان استروك "في الأمراض التناسلية"(1736) ذكر الزناة الذين "استعملوا حينا أكياس من نسيج رقيق من قطعة واحدة على شكل قراب. تسمى بالإنجليزية Condum(15)" وأصدرت امرأة تدعى المسز فلبس في 1776 إعلانات يدوية في لندن أذاعت أن في حانوتها كمية وافرة من "أسباب الأمان التي تكفل صحة زبائنها"(16). ولكن الأمراض التناسلية اقتضت الضحايا من كل طبقة رغم هذه "الآلات" كما كانت تسمى... وقد كتب اللورد تشسترفلد إلى ولده محذرا منها "ففي الحب قد يضيع الرجل قلبه ويحتفظ بكرامته... أما إذا ضيع أنفه فإنه يضيع معه سمعته"(17).
ويصعب علينا-نحن الذين نعيش بعد جنر- أن نتصور أي لعنة ابتلى بها الجدري البشر قبل أن يهدي هذا الطبيب العالم الغربي إلى التطعيم ولقد حسب فولتير أن "من بين مائة شخص يولدون، يصاب ستون على الأقل بالجدري، ومن هؤلاء الستين يموت عشرون... وعشرون




صفحة رقم : 12472




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> دهاء المرض


آخرون يحتفظون بندوب كريهة لهذا المرض القاسي تلازمهم مدى الحياة"(18) وبين عامي 1712 و1715 مات بالجدري ثلاثة من ورثة العرش الفرنسي. وقد ذهب الأمير دلين إلى أن 200.000 من نزلاء أديرة النساء والرجال لجئوا إليها هربا من ذل التشوه الذي أصابهم به الجدري(19). واستفحل المرض حتى بلغ درجة الوباء في باريس في 1719، وفي السويد في 1749-65، وفي فيينا في 1763 و 1767، وفي تسكانيا في 1764، وفي لندن في 1766 و 1770.
وكانت الأوبئة الآن، بصفة عامة، أخف وطأة منها في القرون السابقة، ولكنها ظلت أحد الأخطار التي تهدد الحياة. وكانت أشد هولا في الريف منها في المدن، رغم ما في هذه من أحياء فقيرة مزدحمة، لأن الفلاحين كانوا أعجز من أن يدفعوا ثمن الرعاية الطبية. وقد قتلت أوبئة التيفوس، وحمى التيفود، واجدري، ثمانين ألف شخص في برتني في سنة واحدة (سنة 1741)(21). وفي 1709 قضى الطاعون الدملي على 300.000 شخص في بروسيا، وعاد ظهوره بشكل أخف في أوكرانيا في 1737، وفي موسكو في 1789 وكانت الحمى القرمزية، والملاريا (mal aria أي الهواء الفاسد) والدوزنتاريا أمراضا شاسعة، لا سيما بين الطبقات الدنيا، حيث أعانها على الانتشار الافتقار إلى حفظ الصحة للعامة والصحة الشخصية. وأصيبت باريس، ودبلن، وأبردين، وتورجاو، وبرن، بأوبئة من حمى النفاس المعدية. أما الأنفلونزة، التي سماها الفرنسيون La grippe (الالتصاق) فقد بلغت مرحلة الوباء في فترات مختلفة في إيطاليا، والسويد، وألمانيا. وكانت بين الحين والحين تقضي إلى شلل الأطفال، كما حدث للصبي الذي أصبح فيما بعد السر ولتر سكوت. وأشرف الالتهاب الرئوي، والدفتريا، والحمرة، أحياناً على مستوى الأوبئة. وكان السعال الديكي، الذي يبدو الآن قليل الشأن، واسع الانتشار وخطراً، لا سيما في شمالي أوربا، ففي السويد مات به أربعون ألف طفل بين عامي 1749و1764. ووفدت الحمى الصفراء من أمريكا، وانتشرت حتى أصبحت وباء في لشبونة عام 1723. وإلى هذه العلل وعشرات غيرها أضافت نساء الطبقات




صفحة رقم : 12473




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> دهاء المرض


العليا مرضا سموه "the vapors" وهو مزيج مضطرب من الإرهاق العصبي، والوهم، والأرق، والسأم، يتفاقم أحيانا حتى يبلغ درجة الهستريا.
ولمقاومة هذه الأعداء العامة اتخذت الحكومات بعض التدابير لحفظ الصحة. ولكن القمامة كانت لا تزال في أكثر الحالات تفرغ في الشوارع. وظهرت المراحيض في باريس في مطلع القرن، ولكن في بعض البيوت فقط، ولم تكن توجد إطلاقاً في غير باريس من أوربا. وكانت الحمامات ترفاً يختص به الأغنياء. ولعل الحمامات العامة كانت أقل عددا منها أيام النهضة الأوربية. وأحرز حفظ الصحة في الجيوش والبحريات تقدما أكثر منه في المدن. ونهض السر جون برنجل بالطب الحربي (1774)، وأحدث الاسكتلندي جيمس لند ثورة في حفظ الصحة البحرية (1757). وخلال بعثة آنسن سنة 1740 كان الأسقربوط أحيانا يعجز نحو خمسة وسبعين في المائة من الملاحين. وقرر لند في رسالة خطيرة عن هذا المرض (1754) أن عصير البرتقال أو الليمون تداوي به الهولنديون منه في 1565 واستعمله السر رتشارد هوكنز في 1593، وقد أدخل هذا الدواء الواقي بنفوذ لند إلى البحرية البريطانية (1757). ولم تكن في رحلة كوك الثانية التي امتدت أكثر من ثلاث سنين (1772- 75)، إصابات مميتة بالأسقربوط غير إصابة واحدة. وفي 1795 تقرر استعمال العصير أو الفواكه الحمضية إجبارياً في البحرية البريطانية (ومن هنا إطلاق كلمة limey على الجندي أو البحار البريطاني)، وبعد هذا أختفى مرض الأسقربوط البحري.
وكان من معالم إنسانية القرن الثامن عشر البارزة، أن يضع فكتور ركيتي، مركيز مبرابوا، مبدأ (1756) مؤداه أن صحة الشعب مسئولية تقع على عاتق الدولة. وقد اقترح يوهان بيتر فرانك نظاماً كاملاً للخدمة الصحية العامة في كتابه "نظام كامل للرقابة الطبية العامة" (1777-78)، وكان قد بدأ حياته طفلاً فقيراً ملقى على عتبة بيت. وهذه المجلدات الأربعة -هذه"الذكرى النبيلة للولاء للإنسانية امتد طول العمر"(21)- وصفت




صفحة رقم : 12474




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> دهاء المرض


التدابير التي ينبغي لأي مجتمع مدني أن يتخذها للتخلص من النفايات، وللحفاظ على نقاء الماء والطعام، ولصيانة الصحة في المدارس والمصانع، ولحماية صحة النساء في الصناعة. وزاد الطبيب على هذا أن أوصى بفرض الضرائب على العزاب، وبذل النصيحة للأزواج لحفظ صحتهم، وطالب بتعليم الأطفال مبادئ الصحة. وكان نابليون أحد الذين قدروا أفكار فرانك، فرجاه أن يأتي ويخدم في باريس، ولكن فرانك بقي في فيينا.
وأما المستشفيات فقد تخلفت كثيراً عن واجب الاهتمام المنظم بالمرض. فقد ازداد عددها. ولكن جودتها هبطت. وضاعفت إنجلترا على الأخص من مستشفياتها في القرن الثامن عشر، ولكن كلها كان يعتمد على التبرعات الخاصة دون منحة من الدولة(22). وفي باريس تلقى أكبر مستشفياتها المسمى الأوتيل ديو 251,178 مريضاً في السنوات الإحدى عشرة بين 1737 و 1748، مات منهم 61.091. وقد أفضى التهافت على "منزل الله" هذا-كما سموه- إلى حشد ثلاثة أشخاص أو أربعة أو خمسة أو حتى ستة في فراش واحد، "فكان المحتضرون والناقهون يرقدون جنبا إلى جنب... وكان الهواء ملوثاً بالإفرازات المنبعثة من هذا العدد العديد من الأجساد المريضة"(23). وكان من بين الأعمال الخيرة الكثيرة التي قام بها لويس السادس عشر في 1781 أمره بأن "يخصص سرير مستقل لكل من 2.500 مريض، وأن ينام خمسمائة مريض على أسرة مزدوجة يفصلها حاجز"، وأن تخصص حجرات للناقهين(24). ومع ذلك لم يكن بالمستشفى بعد سبع سنوات من الأسرة المنفردة سوى 486، واحتوى 1.220 سريراً أربعة مرضى أو أكثر، ورقد ثمانمائة مريض على القش(25). وفي فرانكفورت-على -المين وغيرها من المدن كان الهواء في المستشفيات من الوخم بحيث "رفض الأطباء الخدمة في المستشفيات باعتبارها معادلة لحكم بالإعدام"(26).




صفحة رقم : 12475




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج



3- العلاج


واجترأ بعض الأطباء على تقويض مواردهم بنشر المعرفة بالطب الوقائي. من ذلك أن الدكتور جون آربثنوت اللندني زعم في "مقال عن طبيعة الأمراض"، (1731) أن نظام التغذية يفعل كل ما في وسع الطب أن يفعله. وقد تنبأ بأمراض المستقبل في رسالة تسمى "ثمن صيانة الصحة" (1744). وتحسن تعليم طلاب الطب تحسينا بطيئاً، مع احتفاظ الجامعات الإيطالية (بادوا، وبولينا، وبافيا، وروما) بمكان الصدارة، وفيينا، وباريس، ومونبليه، بالمكان التالي؛ ولكن حتى في هذه الجامعات لم يكن هناك أكثر من أربعة أساتذة أو خمسة. وكان كل مدرس يجمع المصروفات الجامعية للمقرر الذي يدرسه، ويصدر تذاكر دخول، أحيانا على ظهر ورق اللعب(27) وبدأت بعض لمستشفيات الآن تعلم الطب الأكلينيكي. وكانت الممارسة القانونية للطب أو التوليد تتطلب دبلوما من معهد معتمد.
وكما أن نظرية جيورج شتال عن النار باعتبارها "فلوجستونا" تسلطت على الكيمياء في القرن السابق للافوازييه، فكذلك تسلطت فكرته عن "حيوية المادة animism" على الطب. فقد رفض نظرة ديكارت إلى الجسم على أنه جهاز ميكانيكي، وصور النفس على أنها أصل لا مادي للحياة يشكل الجسم بوصفه أداته. وبناء عليه، رأى أن الطبيعة، في صورة قوة الحياة هذه، هي العامل الأهم في شفاء العلل، وما المرض إلا جهد من "الروح الحية anima" لاسترداد الصحة، والفعالية، والانسجام الطبيعي للأعضاء المضطربة؛ وارتفاع درجة الحرارة وسرعة النبض وسلتان تلجأ إليهما الطبيعة للتغلب على المرض، والطبيب الحكيم من يعتمد أول ما يعتمد على عمليات التخلص الذاتي من السموم، ويكره استعمال العقاقير. ولكن شتال ترك سؤالا بغير جواب، وهو ما السبب في الاضطراب. ومن الأجوبة جواب قدمه ماركوس أنطونيوس بلينكتس، الذي بعث في 1762 رأى أثناسيوس كيرشر في أن المرض راجع إلى عدوى بكائن دقيق. فقال إن لكل مرض كائناً مغيراً خاصاً به، له فترة حضانة محدودة.




صفحة رقم : 12476




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


على أن هذه البصيرة الممتازة بنظرية الجراثيم لم تترك طابعاً على طب القرن الثامن عشر العلاجي، وكان لا بد من بعثها مرة ثانية في القرن التاسع عشر.
واقترحت بعض طرق التشخيص الجديدة، فدعا ستيفن هيلز إلى قياس ضغط الدم، وادخل ليوبولد أوينبروجر النقر على الصدر وسيلة لتبين السائل في القفص الصدري. وطور اسكتلنديان، هما جون مارتن وجيمس كري، استعمال الترومتر الأكلينيكي.
وتنافست العقاقير، والجراحة، والشعوذة، على مال المريض. وظل الفصد الدواء الذي يصلح لكل الأدواء، وقد قدر طبيب في 1754 أن أربعين ألف شخص يموتون كل عام في فرنسا من جراء الإفراط في الحجامة(28). وفي أخريات القرن تصاعدت الاحتجاجات على هذا الدواء ووجدت لها صوتا فعالا في كتاب ولشتين "تعليقات على الفصد" وتكاثرت العقاقير. وقد نبذت فارماكوبيا لندن الرسمية الصادرة في 1746 الوصفات المؤلفة من نسيج العنكبوت، وقرون الثور الوحشي، ولبن العذراء، ولكنها احتفظت بالترياق، وعيون السرطان، وقمل الصوف والأفاعي، واللآلئ، زعما منها أنها تؤلف مزائج شافية. وقد أعطت فارماكوبيا عام 1721 صفة رسمية لصبغ الأفيون الكافوري (paregoric) وعرق الذهب المقيئ (الابيكاك)، ومقيئ الطرطير، وروح النشادر الطيار، وغيرها من العقاقير الجديدة؛ وأضافت طبعة 1746 الفالريانا، وروح النترات الطيب، و"البلسم" (صبغة الجاوي)؛ واعتمدت طبعة 1788 الاونيكا، والعشبة، والقشيرة، والمانزيا، وصبغة الأفيون... وبدأ استعمال زيت الخروع في أوربا الحديثة حوالي 1764، والزرنيخ حوالي 1786، وادخل اللحلاح (الكولشيوم) علاجا للنقرس في 1763 وتعلم غلام من شروبشير يدعى وليم وذرنج من جدة عجوز أن كف الثعلب (الديجيتال) مفيد للاستسقاء. وقد ظفر بمكان مرموق في تاريخ الطب باكتشافه فائدته في أمراض القلب(1783). وكان كثير من مشاهير الأطباء يصنعون عقاقيرهم ويبيعونها، ويتقاضون الأتعاب على تذاكرهم




صفحة رقم : 12477




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


الطبية لا على عيادتهم لمرضاهم. وأثرى أفراد من "الأدوية المملوكة لأصحابها"-المركبة من وصفات سرية مسجلة. وهكذا ابتلعت إنجلترا أطناناً من "إكسير ستوتن" و"زيوت بتن البريطانية" و"حبوب هوبر للنساء" و "أقراص الدود" لتشنج.
وكان دجاجلة الطب ومشعوذوه عنصرا محببا في المسرح الطبي. من ذلك أن "الكونت" اليساندرو دي كاليوسترو، واسمه الحقيقي جوزيبي بلساموا، كان يبيع إكسيرا يطيل العمر للحمقى الأغنياء في أقطار عديدة. وزعم الشفالييه تيلر، وهو مسلح بأبرة السد (الكتركته)، إنه يشفي أي مرض من العيون، وقد استمع إليه جيبون وهاندل والأمل يراودهما. وأقنعت جوانا ستيفنز البرلمان بأن يدفع لها خمسة آلاف جنيه لقاء الكشف عن سر علاجها الشافي من الحصى، فلما نشرت وصفتها (1739) اتضح أنها مركب من قشر البيض، والحلزونات، والحبوب، والصابون، وفي كل حالة من الحالات التي زعمت أنها شفتها وجد الحصى في المثانة بعد موت المريض.
وأما أشهر دجاجلة القرن الثامن عشر فهو فرانتز أنطون مزمير Mesmer وقد بعثت رسالته التي نال عليها درجة الدكتوراه من فيينا (1766) الدعوى القديمة القائلة بتأثيرات النجوم على الإنسان، ففسرها بأنها أمواج مغنطيسية وحاول حينا أن يشفي الأمراض بتمرير المغنطيس على الأعضاء المريضة، ثم أقلع عن هذا العلاج بعد أن قابل قسيسا بدا أنه يشفي بمجرد وضع يديه على المريض، ولكنه أعلن أن قوة سحرية تسكنه، وأن في إمكانه نقلها للغير بحفز من المال. وافتتح مكتبا في فيينا، حيث عالج المرضى بلمسهم- كما كان يفعل الملوك مع مرضى الداء الخنازيري، وكما يفعل دعاة الشفاء بالإيمان اليوم. وأعلن البوليس إنه مشعوذ، وأمره بأن يبرح فيينا في ظرف ثمان وأربعين ساعة. فرحل إلى باريس (1778) وبدأ من جديد بنشر "مذكرة عن كشف المغنطيسية الحيوانية" (1779)، وأقبل إليه المرضى لينومهم mesmerize فكان يلمسهم بعصاه السحرية، أو يحملق في عيونهم




صفحة رقم : 12478




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


حتى يخضعهم لإيحائه إخضاعاً أشبه بالتنويم؛ وكان قبح صورته معينا رهيبا في عملية التنويم هذه. وأقام أحواضاً مغنطيسية تحوي مزيجاً قوامه سلفيد الهيدروجين؛ ومزودة بنتوءات حديدية يمسها المرضى وأيديهم متشابكة؛ ولكي يجعل مزمير الشفاء مؤكدا كان يلمس كلا منهم بدوره. وكان بين مرضاه المركيز دلافماييت ودوقة بوربون، وأميرة لامبال، وغيرهم من الشخصيات البارزة في البلاط. وعرض عليه لويس السادس عشر عشرة آلاف فرنك أن كشف سره وأسس معهداً مغنطيسياً مباحاً للجميع، فرفض. وقد كسب خلال ستة أشهر 350.000 فرنك(29) وفي 1784 عينت أكاديمية العلوم لجنة من أعضائها لافوازييه وفرانكلن لبحث طرق مزمير. وقد سلم تقريرها ببعض دعاواه وعلاجاته الشافية (لا سيما للأمراض العصبية الصغيرة)، ولكنه رفض نظرية المغنطيسية الحيوانية التي قال بها. ثم أدانته حكومة الثورة الفرنسية باعتباره نصاباً، وصادرت ثروته المغرية ونفته من فرنسا. وقد مات بسويسرا في 1815.
وفي لندن افتتح جيمس جراهام (1780)"معبد للصحة" على مبادئ مزمير مع تحسينات ادخلها عليه. فزوده بسرير عرس سحري للعروسين ضمن له كفالة النسل الجميل لهما؛ وكان يتقاضى مائة جنيه أجراً عنه لليلة(30). وكانت مساعدته "ربة الصحة" في إجراءاته هي إيما ليون، التي قدر لها حين أصبحت ليدي هاملتن أن تنوم اللورد نلسن ذاته.
واستغرق الجمهور ورجال الطب القرن الثامن عشر بطوله تقريباً لتقبل التطعيم الرقائفي لوناً مشروعا من ألوان الطب العلاجي بعد أن أختلط عليهم الأمر لكثرة أدعياء الطب وعلاجاته المعجزة. وكان قدماء الصينيين قد مارسوا نقل الفيروس الذي أضعفت قوته من إنسان مصاب بالجدري إلى آخر لتحصينه ضد الجدري(31). ولهذا الغرض نفسه كانت النسوة الشركسيات يخزن الجسم بأبر مست بسوائل الجدري. وفي 1714 وصفت رسالة من الدكتور ايمانويل تيموني، قرأت على جمعية لندن الملكية، "الحصول على الجدري بالحز أو التطعيم، كما مورس منذ زمن طويل




صفحة رقم : 12479




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


في الأستانة(32). كتبت ليدي ماري ورتلي مونتاجيو من الأستانة في أول أبريل 1717:
"أن الجدري، ذلك المرض الشديد الفتك والانتشار بيننا (نحن البريطانيين) قد جعله اختراع التطعيم سليم العاقبة تماما... وفي كل عام تجرى العملية لألوف الناس... وليس هناك حالة واحدة لشخص مات منها. وقد تصدق أنني مطمئنة جداً لسلامة التجربة إذا علمت أنني أنوي تطبيقها على ولدي الصغير الحبيب(33).
وقد طعم الصبي البالغ من العمر ست سنوات في مارس 1718 بيد الدكتور تشارلز ميتلاند، وهو طبيب إنجليزي كان يومها في تركيا.
وفي 1721 انتشر وباء جدري في لندن وفتك بأهلها لا سيما الأطفال. وكانت ليدي ماري قد عادت من تركيا، فكفلت الكتور ميتلاند، الذي عاد هو أيضا إلى وطنه، بأن يطعم أبنتها البالغة من العمر أربعة أعوام. ودعا ثلاثة من أبرز الأطباء ليروا أن الفتاة (التي أصبحت فيما بعد ليدي بيوت) لم تزعجها النتائج إزعاجا يذكر. فأعجبوا بما رأوا، وسمح أحدهم بتطعيم أبنه . ونشرت ليدي ماري الفكرة في البلاط. ووافقت الأميرة كارولين على تجربة التطعيم على ستة مجرمين حكم عليهم بالإعدام، فارتضوا على وعد بأن يفرج عنهم إن ظلوا أحياء؛ وعانى أحدهم من إصابة خفيفة بالمرض، أما الباقون فلم يبد عليهم أي أذى، وأفرج عن الستة جميعاً. وفي 1722 أمرت الأميرة بأجراء العملية على الأطفال الأيتام في أبرشية- سانت جيمس، فتكللت بالنجاح التام، وفي أبريل أمرت بأجرائها على اثنين من بناتها. وانتشر قبول التطعيم في الأوساط الأرستقراطية البريطانية، ولكن موت شخصين مطعمين في بيتهما عطل الحركة وقوى المعارضة لها. وشكا أحد النقاد من أن "تجربة لم تمارسها غير قلة من النساء الجاهلات... تسود فجأة، وبعد خبرة ضئيلة، على أمة من أكثر أمم الأرض أدبا وتهذيبا حتى وجدت طريقها إلى القصر الملكي(34). وأحست ليدي مارى بهذه الطعنة، فنشرت دون توقيع "بيانا واضحا عن التطعيم بالجدري بقلم تاجر تركي"وشجب معظم الأطباء الإنجليز التطعيم لما فيه من خطر،




صفحة رقم : 12480




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


ولكن في 1760 أدخل روبرت ودانيال ستن التطعيم بالثقب، وقررا أن لم يمت من بين 30.000 مطعم غير 1.200- أي أربعة في المائة. وظل قسيس إنجليزي يدعى إدوارد ماسي حتى عام 1772 يعظ ضد "عادة التطعيم الخطرة المدنية"، ويدافع بقوة عن الرأي اللاهوت القديم، الذي يرى أن الأمراض ترسلها العناية الإلهية عقاباً على الخطيئة(35). وربما أمكن صياغة هذا القول من جديد ككثير من التعاليم الدينية القديمة صياغة علمانية، وهي أن المرض كثيراً ما يكون عقاباً على الجهل والإهمال).
وتبنت الفكرة دول أخرى. ففي أمريكا طعم الدكتور زابديل بويلستن أبنه (1721) خلال وباء الجدري السادس الذي تفشى في بوسطن، وأجرى 246 تطعيما آخر رغم معارضة هائجة هددت بشنقه. ودافع عنه أكثر بينامين فرانكلين وبنيامين رش تأييدهما الفعال لحركة التطعيم في فيلادلفيا. وفي فرنسا ضرب الوصي على العرش، فيليب أورليان، بشجاعته المعهودة، المثل لغيره بتطعيم ولديه. وعارضت كلية الطب بجامعة باريس التطعيم حتى 1763. ولكن فولتير امتدح حملة ليدي ماري في "رسائله حول الإنجليز"، ولاحظ انتشار التطعيم بين الشراكسة، وعزاه إلى القيمة المالية للجمال:"إن الشراكسة قوم فقراء، ولكن لهم بنات جميلات، هن إذن أهم سلعة في تجارتهم الخارجية، فهن اللاتي يزودن بالحسان حريم السلطان وصوفي فارس وغيرهم ممن يتيح لهم ثراؤهم شراء هذه السلع الثمينة والاحتفاظ بها."(37) وأذاع طبيب إيطالي يدعى أنجيلو جاتي تجربة التطعيم في فرنسا وأذاعها تيودور ترونشان في سويسرا. وتطعمت كاترين الكبرى والغراندوق بولس الروسي بناء على إلحاح فولتير(1768)، وفي ذلك العام طعم بان انجهنوز ثلاثة أعضاء من الأسرة الإمبراطورية في فينيا.
كل هذه التجارب التي استعملت مصل الجدري من الإنسان، كان فيها الكثير مما يبعث على الشكوى، لأن نسبة الوفيات من التطعيم وإن




صفحة رقم : 12481




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> العلاج


هبطت إلى أربعة في المائة كانت لا تزال مرتفعة ارتفاعا مؤذيا. ولاحظ جراح إنجليزي يدعى إدوارد جنر أن اللبانات اللاتي أصبن بجدري البقر (وهو مرض خفيف نسبيا) نادراً ما يصبن بالجدري الذي يفتك بالمرضى في غالب الأحيان. وحوالي 1778 خطرت له فكرة نقل المناعة ضد الجدري بالتطعيم بلقاح مصنوع من بقرة مصابة بالجدري (vacca باللاتينية هي البقرة). وكان هذا التطعيم قد تم من قبل على يد مزارع من دورست يدعى بنيامين جستي، في 1774-89، دون أن يلفت اهتمام أهل الطب وفي مايو 1796 أجرى جنر عملية التطعيم بتلقيح جيمس فيلبس بصديد جدري البقر. وفي يوليو لقح الصبي ذاته بفيروس الجدري ولم يصب الصبي بالجدري، فاستنتج جنر أن لقح البقر يعطي حصانة ضد الجدري. وفي 1798 نشر كتابه الخطير "تحقيق في سبب ونتائج لقاح الفاريولا"، (والفاريولا كان الاسم الطبي للجدري)، الذي روى فيه قصة ثلاث وعشرين حالة كانت كلها ناجحة، وبلغ الاقتناع بالتجارب التي أعقبت هذا مبلغاً حمل البرلمان في 1802و1807 على منح جنر ثلاثين ألف جنيه ليوسع عمله ويحسن طريقته، وبعدها تناقصت سريعاً الإصابات بالجدري ذلك المرض الذي ظل قروناً سوطاً من أسواط العذاب الكبرى التي أشرعت على حياة البشر، حتى اقتصر حدوثه اليوم في أوربا وأمريكا في جميع الحالات تقريباً على عدوى الأشخاص الذين لم يطعموا من وفود الفيروس من أقطار لا يمارس فيها التطعيم.




صفحة رقم : 12482




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء المتخصصون



4- الأطباء المتخصصون


كان فن التطبيب يتعقد بنمو علم الطب تعقداً أنبت فروع الطب المتخصصة. ولم تكن أمراض النساء بعد ميداناً للدرس قائماً بذاته، أما التولد فكان الآن مهارة متميزة، وانتقل أكثر فأكثر إلى أيدي الرجال. وظل حياء النساء يؤثر المولدات المدربات أينما تيسرن، ولكن العديد من الأمهات في البيوت المالكة ضربن المثل في قبولهن الرجال مولدين لهن. وكان وليم سمبلي رائداً في إنجلترا بدراساته في نظام المخاض واستعمال الملقط-




صفحة رقم : 12483




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء المتخصصون


وهي دراسات جمعها بعد خبرة ثلاثين عاماً في كتابه القيم"فن التولد" (1752).
وأحرز الرمد تقدماً ذا بال بجراحات السد (الكتركته) التي أجراها وليم تشسلدين (1728) وجاك دافييل، وقد أبتكر ثانيهما (1752) العلاج الحديث للسد بانتزاع العدسة. وفي 1760 صنعت أول نظارة ذات بعدين لبنيامين فرانكلن وبناء على اقتراحه فيما يبدو. وسنلقي بديدرو يدرس سيكولوجية المكفوفين ويقترح إمكان تعليمهم القراءة باللمس، ولعل روسو (على ما يقال) اقترح بالتفاهم معه الطباعة البارزة للمكفوفين(38).
وتقدم طب الآذان بفضل استعمال القسطرة لتنظيف قناة يوستاكيوس (1724). وبفضل أول جراحة ناجحة للالتهاب الحلمي (1736)، وكشف سائل مرن في متاهة الأذن (1742). وقد انقطع جياكومو رودريجر بيربرا الأسباني، الذي شغف حباً بفتاة صماء بكماء، لوضع لغة إشارات تستخدم يداً واحدة فقط، وحسن ألابيه شارل ميشيل دليبيه طريقة الكلام الصامت بأبجدية تستعمل كلتا اليدين، وكرس حياته لتعليم تلاميذه لإعاشتهم.
وأصبح علاج العقول أكثر إنسانية باضمحلال النظرة اللاهوتية القديمة التي دان بها بوسويه وويسلي-والتي زعمت أن الجنون مس شيطاني سمح به الله عقاباً على الخطيئة الموروثة أو المكتسبة. فقد كان نزلاء النار نثروم (برج الحمقى) بفيينا يعرضون على المتفرجين لقاء رسم دخول شأن الحيوانات في معرض الوحوش. وكان مستشفى بيت لحم للمجاذيب (Bedlam) من أماكن الفرجة في لندن، يستطيع الجمهور فيه لقاء أجر أن يتفرس في المخبولين وهم موثقون بسلسلة وطوق حديدي إلى الحائط. وكان المجانين في الأوتيل ديو بباريس يعاملون بقسوة أو إهمال على أيدي خدم مبخوسي الأجر مرهقين بالعمل. وأسوأ من هذا كانت المستشفيات الخاصة لمرضى العقول، التي كان في الإمكان إقناعها بقبول حبس أشخاص يسلمهم إليها أقرباؤهم المعادون لهم(39). واستعملت شتى




صفحة رقم : 12484




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء المتخصصون


العقاقير أو الحيل لعلاج الضحايا أو تهدئتهم -كالأفيون، أو الكافور، أو البلادونا (ست الحسن)، أو الفصد، أو الحقن الشرجية، أو لزقة الخردل على الرأس. وذهب بعض المتخصصين إلى أن "دوشا" فجائياً من الماء البارد يخفف من السوداء (المنخوليا)، وأوصى غيرهم بالزواج علاجاً للجنون. أما أول خطوة حديثة نحو علاج أرشد للجنون فقد اتخذها كويكريو بنسلفانيا الذين أسسوا مستشفيات يعالج فيها الجنون على أنه مرض. وفي عام 1774 أسس الغراندوق ليوبولد الأول أمير تسكانيا في فلورنسه الأوسبدالي بونيفاتسيو، حيث بدأ، باشراف فنتشنتسو كياروجي، تناول المشكلة تناولا علمياً. وفي 1788 عينت الحكومة الفرنسية لجنة لإصلاح رعاية المجانين، وكان رئيس اللجنة، فليب بينيل قد بدأ حياته تلميذاً للاهوت، ثم انتقل إلى الفلسفة، وتشرب المبادئ الإنسانية التي نادى بها فولتير، وديدور، وروسو. وفي 1791 نشر كتابه "رسالة طبية فلسفية في الغربة العقلية" وهو واحد من معالم الطب الحديث، وفي 1792 عين مديراً طبيا للبيسيتر، وكان من أكبر مستشفيات الأمراض العقلية في فرنسا. وبعد عامين رقي لمستشفى أكبر هو سالبتريير وبعد أن وجه النداءات الكثيرة لحكومة الثورة، سمح له بأن يحطم سلاسل مرضاه، وأن يطلقهم من زنزاناتهم ويعطيهم الهواء النقي وضؤ الشمس، والرياضة، والأعمال العقلية المتدرجة. وكان هذا واحداً من الانتصارات الكثيرة التي حققتها النزعة الإنسانية العلمانية في أشد القرون إمعاناً في اللا أدرية.




صفحة رقم : 12485




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الجراحات



5- الجراحات


كانت الجراحة أهم تقدم أحرزه طب القرن الثامن عشر باستثناء تطور التطعيم إلى التلقيح. وقد عمرت الرابطة القديمة بين الجراحة وفن الحلاق الصحي حتى عام 1745 في إنجلترا، أما في فرنسا فقد أنهاها لويس الرابع عشر.(وما زال شعار هذا الحلاق-وهو العمود المخطط بالأحمر والأبيض رمزاً للضمادة الملوثة بالدم -يذكرنا بماضيه الجراحي).




صفحة رقم : 12486




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الجراحات


وفي 1724 صدق لويس الخامس عشر على إنشاء خمسة كراسي للجراحة في كلية سان-كوم بباريس. واحتجت كلية الطب بجامعة باريس على رفع الجراحة إلى مثل هذا المقام الكريم، وزحف الأطباء-وهم يرفلون في أروابهم الجامعية الحمراء ويتقدمهم حامل صولجان ومناد-على سان كوم حيث كانت تلقى محاضرة في الجراحة، فلما وجدوا الباب مغلقا حاولوا فتحه عنوة وتصايحوا بالشتائم والسباب، ناعتين الجراحين بأنهم حلاقون محدثوا نعمة، ولكن الجمع الذي احتشد انقلب على الأطباء وطردهم من المكان. وفي 1731 حصل جورج اريشال وفرنسوا دلابيروني على براءة ملكية بتأسيس "أكاديمية الجراحة"، وفي 1743 أصدر الملك أمرا حرر جراحي فرنسا من ارتباطهم بطائفة الحلاقين، واشترط الحصول على درجة من الكلية لممارسة الجراحة. ومن يومها استطاع الجراح أن يواجه الطبيب في غير خجل ولا أحجام.
وحدث تطور مماثل لهذا في إنجلترا. ففي 1745 فصل الجراحين. رسميا عن الحلاقين، وتقرر اعتبار ممارسة الجراحة في لندن أو بقربها دون امتحان وإجازة تمنحها لجنة من كبار الجراحين جريمة يعاقب عليها القانون. على أن "كلية الجراحين الملكية" لم يصدر بها ترخيص رسمي إلا سنة 1800. أما في ألمانيا فقد كانت الجراحة عموما قبل فردريك الأكبر في أيدي الحلاقين والجلادين، والمتجولين من الممارسين غير المرخصين، الذين يجبرون العظام ويزيلون السد (الكتركته)، ويربطون الفتق، ويستأصلون الحصى. وكان الجراح في الجيش-وهو مفخرة بروسيا- يسمى"فيلدشيرر"، أي حلاق الميدان، لأن من وظائفه الحلاقة للضباط ولكن في 1724 فتحت في برلين كلية للطب والجراحة.
وكانت كثرة جراحي القرن الثامن عشر العظام من الفرنسيون. واخترع لوي بتي "المرقأة" (ضاعظة الشرايين) وأدخل تحسينات على عمليات البتر والعنق وقد أجرى ديدرو في كتابه "حلم دالامبير" على لسان الطبيب الشهير تيوفيل دبوردي دبور دي وصفا لجراحة على المخ يجريها لابيروني. وقد




صفحة رقم : 12487




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الجراحات


أسس جان أندريه فثيل الجنفي جراحة العظام(1780). وفي إنجلترا طور وليم تشزلدن الجراحة الجانبية للحصى (1727) إلى مرتبة لم تكد تجاوزها بعده(40)، وفاخر بأنه أجرى جراحة لاستخراج حصاة في الربع وخمسين ثانية. وأصبحت الجراحة الانجليزية علما حين أرساها جون هنتر على أساس من التشريح وللفسيولوجيا السليمين. وقد أجرى تجارب على الحيوان ليجد بدائل لجراحات كثيرا ما تؤدى بحياة الإنسان. ففي 1786، بعد أن اكتشف وهو يجرب على وعل أن في استطاعة الأوعية الدموية الفرعية أن تواصل دورتها إذا أوقف المرور من وعاء دموي رئيسي، أنقذ حياة رجل يشكو وروما شريانيا في الساق بربط الشريان الذي يعلو الورم والاعتماد على أجزاء الجسم المحيطة به في امتصاص محتويات الورم. وقد أنقذت هذه الجراحة عددا لا حصر له من الأطراف والأنفس.
كذلك يحتل اسم جون هنتر مكانا مرموقا في تطوير طب الأسنان. فقد كان هذا الفن في إنجلترا في القرن السابع عشر متروكاً أكثره لخالعي الأسنان، الذين كانوا يصيحون معلنين عن قدومهم ويعرضون على الجمهور حبالا من الأسنان كأنها شعار النبالة. وفي 1728 أعلن بيير فوشار في كتابه "جراح الأسنان" أن طب الأسنان فرع من الجراحة. ولكن هنتر كان أول منطبق الطرق العلمية على دراسة الأسنان. وقد أدخل تصنيفها إلى أنياب، وضواحك، وطواحن، وقواطع، وابتكر آلات لتقويم انطباق الأسنان. وكان أول من أوصى بإزالة لب الضرس تماماً قبل حشوه. وقد لخص أراءه في كتابه "التاريخ الطبيعي لأسنان الإنسان"(1721).
وكان أكثر الجراحات الصغيرة يجري دون مخدر. وقد استعمل القدماء من قبل شتى الأشربة المنومة - مثل "السلوى"، والأفيون، وقاتل الدجاج، واللقاح، والشوكران، إلخ، وفي سفر التكوين أن الله ذاته أوقع على آدم "سباتاً" قبل أن يأخذ منه ضلعا. وقد وصف ديوسكوريدس في القرن الأول الميلادي نبيذ اللقاح في العمليات الجراحية(41). واستعملت الهند القنب الهندي cannabis indica (الحشيش)، وذكر أوريجانوس في




صفحة رقم : 12488




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الجراحات


القرن الثاني أشربه التنويم الجراحي، كما ذكرها القديس هيلاري-وموطنه بواتييه-في القرن الرابع. واستمر استعمال أكثر المنومات القديمة في العصور الوسطى، فكانت مدرسة سالرنو الشهيرة تحبذ استعمال "إسفنجة تخدير". أما في أوربا الحديثة، فإن المخدر المفضل كان السكر. ولم يكتشف السر همفري ديفي الخواص المخدرة لأول أكسيد النتروجين (الغاز المضحك) إلا في 1799. واكتشف الدكتور كروفورد لونج الطبيب بدانيالز فيل في جورجيا خواص الأثير المخدرة في 1839.




صفحة رقم : 12489




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء



6- الأطباء


كان من أثر ازدياد الثروة، ونمو الطبقات الوسطى عدداً وثراء، وتقدم علم الطب والتعليم، أن ارتفع مقام الأطباء ودخلهم إلى درجة لم يعهدوها من قبل وقد أثلج هذا صدر لامتري، وكان هو نفسه طبيباً، فقال "إن كل شئ يخلي السبيل أمام الفن العظيم، فن الطبيب الشافي... فالطبيب هو الفيلسوف الوحيد الذي يستحق تقدير وطنه... فمجرد رؤيته تعيد إلينا هدوءنا... وتبعث الأمل الجديد"(42). أما فولتير فكان نقاداً للأدوية-"أن الحمية خير من الدواء" ومعظم الأطباء في رأيه مشعوذين "في كل مائة طبيب ثمانية وتسعون مشعوذين" ولكنه أضاف: "أن الرجال العاكفين على رد العافية لغيرهم من الناس بممارستهم المهارة والإنسانية معاً هم أولا عظماء هذه الأرض، لا بل أن نصيباً من صفات الله، لأن عملية المحافظة والتجديد تكاد تبلغ في سموها عملية الخلق"(43). وقد أثنى ديدرو على كلية الطب بجامعة باريس(44). الجامعة التي نغضت كلية لاهوتها عليه حياته، فقال: "ليس هناك كتب أطالعها بسرور كثر من كتب الطب، ولا رجال يمتعنا حديثهم من حديث الأطباء- ولكن حين أكون معافى "فقط"(45). وقد جعل الدكتور دبورديه الشخصية المحبوبة في قصة "حلم دالامبير" وسلط الهجاء على مهنة الطب كالعادة، كما ترى في مسرحياته جلدوني وصور شودوفيكي، وقصة سموليت "فرديناند كونت فاذوم". وكاريكانورات توماس رولاندسن اللذيذة.




صفحة رقم : 12490




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء


وقد رفعت الأتعاب والدخول الأعلى من مقام الأطباء الاجتماعي. وكان أكثرهم في إنجلترا يتقاضى جنيها نظير الكشف على مريض. وبلغ إيراد بعضهم ستة آلاف جنيه في العام. وقد أصبح السر هانز سلون، أول من رقي للبابوية من الأطباء رئيساً للجمعية الملكية، وخلع جوزف الثاني إمبراطور النمسا على جوزف فون كوارين لقب البارون. ولقي الأطباء الترحيب في خيرة أندية لندن وصالونات باريس، وخلعوا عنهم الروب الأسود (السواتن) الكابي، وتزيوا بأحدث أزياء الطبقة الوسطى الراقية فكانوا في إنجلترا يبدون في سترة من الساتان أو الحرير المطرز الأحمر، وسراويل للركبة، وأحذية ذات مشابك، وعصا ذات مقبض ذهبي، وسيف أحياناً، أما في فرنسا فكانوا يضارعون كبار رجال الكنيسة في فخامة زيهم.
وبعض هؤلاء الأطباء يطالبنا بتنويه خاص. منهم سيمون أندرية تيسو الذي اشتهر في لوزان بتزعمه الدعوة للتطعيم، وبكونه حجة في الصراع وقد جاهد لا ليشفي المرضى فحسب، بل ليحفظ الصحة على الأصحاء، وطبع كتابه "نصيحة للشعب في الصحة" (1760) عشر طبعات في ست سنوات، وترجم إلى كل لغة كبرى في أوربا. ومنهم ليوبولد أونبروجر الذي كان قطبا بين عظام الأطباء الذين شرفت بهم فيينا في عهد ماريا تريزا، وكان محبوبا لتواضعه وأمانته، ومحبته للناس، "مثل سام لخير ما في الخلق الألماني القديم من صادق القيمة والجاذبية"(46). ولم يكن الدكتور جوزف إجناس جيوتان محبوبا إلى هذا الحد، وكان أحد نواب مجلس طبقات الأمة في 1789، وحبذ عقوبة الإعدام، واقترح استعمال آلة لقطع الرؤوس (الجيلوتين) لتفادي ضربات الجلادين الخاطئة.
أما تيودور ترونشان فكان أشهر الأطباء في سويسرا. وكان تلميذاً أثيرا لدى بويرهافي في ليدن، ومارس الطب عشرين سنة في أمستردام، وتزوج حفيدة جان دويت، وعاد إلى مسقط رأسه في جنيف، وأدخل فيها التطعيم (1749) بادئاً بنفسه وأطفاله. وفي 1756




صفحة رقم : 12491




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء


دعاه دوق أورليان إلى باريس ليطعم ولده الدوق شارتر وابنته التي كانت يومها المدموازيل دمانبانسييه. وعجبت باريس لهذه الشجاعة، ولكن حين خرج المطعمان من هذه العملية دون أن ينالهم أذى، تقاطر صفوة الناس على مسكن ترونشان في البالية-رويال وكلهم شوق للتحصن من مرض ظل طويلا بنسبة عالية من الوفيات في فرنسا.
وقد أعطى نجاحه وزنا لآرائه في موضوعات أخرى. فسبق روسو في حض الأمهات على إرضاع أطفالهن. ونصح مرضاه بالإقلاع من الدواء والإكثار من الرياضة في الهواء الطلق، وبأكل الأطعمة البسيطة، والإكثار من السباحة، وبالإتسال في الماء البراد، وبخلع باروكاتهم، وطواقيهم، وستائر أسرتهم، وبالتبكير في النوم والاستيقاظ. وحفل البلاط في فرساي حين أمر تفتح نوافذ القصر- التي ظلت مقفلة دائماً-بعض ساعات النهار على الأقل، حتى في الشتاء. وأصبحت أفكاره من موضات العصر، فكانت النساء من علية القوم يتمشين في ساعات الصباح الباكرة، مرتديات الثياب القصار للتهوية، وسرعان ما سميت هذه الثياب "ترونشين"(47).
وحين استقر بفولتير المقام في جنيف وضع نفسه في رعاية ترونشانز يقول "إنه رجل طوله ستة أقدام، حكيم كأسكولابيوس، وسيم كأبوللو."(48) ولم يبادله ترونشان هذا الثناء، ولكن ربما كان كلاهما مخطئا كما قال فولتير عن نفسه وعن هاللر. أما مدام ديبينيه التي قطعت الرحلة الطويلة من باريس إلى جنيف طلباً للعلاج من ترونشان فقد رسمت لنا صورة كلها المديح والإطراء" قالت:
سأنفق يومين أو ثلاثة في بيت فولتير مع السيد ترونشان. والحق أنني في كل يوم أكتشف في ترونشان صفات جديدة توحي باحترام وإجلال له لا حد لهما. فليس هناك ما يضارع حبه للخير، وتجرده من الأنانية، ومحبته لزوجته ورعايته لها. وأصارحك بعد أن عرفتها بأنها أشد نساء الأرض عبوساً وثقلاً(49).
ولكن من ذا الذي يصدق حديث امرأة عن أخرى؟




صفحة رقم : 12492




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> تقدم العلم -> الطب -> الأطباء


هذا ولم يكن القرن الذي نحن بصدده فلذا في تاريخ الطب، فلم يزل جو الطب يخيم عليه ظلمات السرية، والشعوذة، والنظريات التي كان ينبغي أن تتوارى خجلاً منذ زمن نتيجة للخبرة، إلا أن تقدم التشريح والفسيولوجيا أرسيا الطب فوق أساس أسلم من ذي قبل، وكان تعليم الطب أشمل وأيسر، ومزاولة المهنة دون ترخيص في طريقها إلى الزوال، والتخصصات تزيد المعرفة وتحسن رعاية المرضى؛ وقد أطلقت الجراحة من عقالها، وأخذت العلاجات المعجزة تفقد سمعتها، وانتصارات الطب تقوم بدورها الهادئ في ذلك الصراع الأساسي بين الدين والعقل، وهو صراع راح يحتل مكان الصدارة في حياة الذهن..




صفحة رقم : 12493




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> النشوة الفلسفية



الكتاب الخامس




الهجوم على المسيحية




1730 - 1774




الفصل الثامن عشر




الملحدون




1730-1751




1- النشوة الفلسفية


لنبدأ بتحديد مصطلحاتنا. سوف نعني بلفظة فيلسوف. كل إنسان يحاول أن يصل إلى آراء مسببة مقنعة عقلانية في أي موضوع مهما يكن، إذا نظر إليه في أبعاده العريضة. وفي تحديد أكثر، سنطلق هذا المصطلح في الفصول التالية على أولئك الذين يسعون إلى نظرة عقلانية إلى أصل الكون وطبيعته ومغزاه ودلالته ومصيره، والحياة أو الإنسان. ويجدر ألا نفهم الفلسفة على أنها ضد الدين أو أنها تتعارض معه، وينبغي أن نفسح في النظرة الواسعة للحياة البشرية مجالاً للدين. ولكن لما كان كثير من فلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر معادين للمسيحية كما عرفوها، فإن لفظة الفيلسوف اتخذت مفهوماً معادياً للمسيحية . وفي استعمالنا لهذا المصطلح الفرنسي فإنه سيتضمن هذا المفهوم عادة. وسينطلق على لامترى وفولتير وديدرو ودالمبيرث وجريم وهلفشيوس ودي هولباخ فلاسفة، ولكنا لن نعد روسو فيلسوفاً بهذا المعنى -على الرغم من أنه يجدر بنا أن نسميه فيلسوفاً، لأنه زودنا بحجة عقلانية دفاعاً عن الوجدان والإيمان. كما ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الفيلسوف قد يعارض الديانات القائمة من حوله، ومع ذلك، مثل فولتير،




صفحة رقم : 12494




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> النشوة الفلسفية


يتمسك إلى النهاية بالإيمان بالله. إن الجدل الذي هاج مشاعر الطبقات المفكرة في نصف القرن الذي سبق الثورة الفرنسية لم يكن مجرد صراع بين الدين والفلسفة، بل كان بالدرجة الأولى بين الفلاسفة والمذهب الكاثوليكي المسيحي كما وجد في فرنسا آنذاك، إنه الغيظ المكظوم في قلوب الفرنسيين لقرون طويلة من جراء ما لطخت به الديانة سجلها من الوقوف في وجه التقدم والمعرفة والاضطهادات والمذابح. وبلغ رد الفعل أقصى مداه، ولكن كذلك كان الاسفاف في مذبحة سانت برثلميو (1572) ومقتل هنري الرابع (1610) واضطهاد الهيجونوت بعد ألغاء مرسوم نانت (1685).
ولم يكن ثمة مثل هذا العدد الكبير من الفلاسفة قط من قبل، وألمع هلفشيوس إلى "تذوق عصرنا للفلسفة وحبه لها"(2) وكتب دالمبير:
أطلق قرننا على نفسه قرن الفلسفة بغير منازع. فمن أصول العلوم الدنيوية الدنسة إلى أسس الوحي، ومن الميتافزيقا إلى مسائل الذوق، ومن الموسيقى إلى الأخلاق، ومن حقوق الأمراء والملوك إلى حقوق الشعوب. كل شئ كان موضع دراسة وتحليل ومثار نقاش وخلاف. وليس فينا من ينكر أن الفلسفة أحرزت بيننا تقدماً. إن العلوم الطبيعية تقدم لنا في كل يوم ذخراً جديداً... وأتخذت كل ميادين المعرفة تقريباً أشكالاً جديدة(3).
وكان الفلاسفة الفرنسيون نتاجاً جديداً. فكانوا قبل كل شي واضحين ولم يكونوا جماعة منعزلة عن العالم تكسوهم المهابة والقداسة، يتحدثون إلى أنفسهم أو إلى نظراتهم أحاديث غامضة لا يفهمها إلا فئة معينة من الناس. وكانوا أدباء عرفوا كيف تتألق الأفكار والآراء في الألفاظ. وولوا ظهورهم نحو الميتافيزيقا باعتبارها ضالة ميئوساً منها، ونحو طرائق الفلسفة باعتبارها غروراً كاذباً عريضاً. ولم يكتبوا أبحاثاً مطولة معقدة جهدوا فيها في استنباط العالم من فكرة واحدة، ولكنهم كتبوا نسبياً موضوعات قصيرة، ومحاورات مسلية وقصصاً متبلة ببعض الفحش، وهجاء قتالاً من فرط السخرية، أو حكمة معبرة بطريقة بارعة توهم بالتناقض في سطر يحطم تحطيماً. وساق هؤلاء الفلاسفة حديثهم متناغماً مع رجال الصالونات وسيداتها، وفي كثير من الأحوال وجهوا كتبهم ومؤلفاتهم إلى شهيرات النساء، وكان لزاماً أن




صفحة رقم : 12495




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> النشوة الفلسفية


تكون مثل هذه الكتب واضحة جلية يسهل إدراك مراميها، وقد تضفي على الإلحاد سحراً وفتنة. ومن ثم أصبحت الفلسفة قوة اجتماعية انتقلت من المدارس إلى المجتمع والحكومة. وأسهمت في الصراع بين الدول، وكانت جزءاً من الأنباء. ولما كانت كل أوربا المتعلمة تتطلع إلى فرنسا لمعرفة النظرات والآراء، فإن مؤلفات الفلاسفة الفرنسيين وصلت إلى إنجلترا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وألمانيا والسويد وروسيا، وأصبحت أحداثاً في دنيا أوربا. وفاخر فردريك الأكبر وكترين قيصرة روسيا بأن يكونا من بين الفلاسفة، وربما لم يقلقهما تنبؤ الطبقة المحافظة الفرنسية بأن المفكرين الأحرار الفرنسيين كانوا يقوضون أساس أخلاق فرنسا ووحدتها وسلطانها وقوتها.
وكان لجوتنبرج أثره البارز: فإن الطباعة عملت على نشر العلوم والتاريخ ونقد الأسفار المقدسة وروائع الوثنيين، وأصبح الفلاسفة الآن أقدر على التحدث إلى جماهير أكبر عدداً وأكثر استعداداً من ذي قبل، ولم يستنكفوا أن يهبطوا من أبراجهم العاجية ليعملوا على تبسيط المعرفة. ولم يكن هذا لأنهم وثقوا كثيراً في "الرجل العادي" كما عرفوه في ذاك العصر، ولكنهم وثقوا في أن نشر "الحقيقة" قد يعمل على تحسين سلوك البشر وتوفير مزيد من السعادة لهم. وأعتبر دالمبير أن "فن تعليم الإنسان وتنويره أنبل مهمة وهبة في متناول البشر"(4)، وأصبح "التجاسر على المعرفة" شعاره الاستنارة الذي حققه عصر العقل وفاز به.
ذلك أن الإيمان الذي آذن بإنبلاج فجره فرنسيس بيكون قبل ذلك بقرن من الزمان أصبح أساس الفكر المتحرر وأداته -أي أن الفكر تحرر بهذا من أساطير الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة وبرز العقل متألقاً في عظمة وحي جديد، وطالب بالسيادة والسيطرة في كل مجال وميدان، وعرض إصلاح التعليم والدين والأخلاق والأدب والاقتصاد والحكومة بمفهومه المشرق. وأقر الفلاسفة بضعف العقل، مثله في ذلك مثل أي شئ بشري، وأدركوا أنه من الميسور تضليله بأي منطق فاسد أو تفسير خاطئ للخبرة. وما كان لهم أن ينتظروا شوبنهور لينبئهم بأن العقل عادة خادم للرغبة وأداة للإرادة. إن هيوم الذي هيمن على عصر العقل هذا في بريطانيا كان




صفحة رقم : 12496




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> النشوة الفلسفية


أقوى ناقد واجهه العقل، وربما باستثناء كانت. وأعترف فولتير من أن لآخر بحدود العقل. وأتفق ديدرو مع روسو في أن الوجدان أساسي أكثر من العقل. وأعترف كل فلاسفة القرن الثامن عشر تقريباً بأن غالبية الناس حتى في أعظم الأمم حضارة ومدينة مرهقون بالحاجيات الاقتصادية والكدح في سبيل العيش إلى درجة لا يجدون معها فسحة من الوقت لتنمية العقل، وأن جماهير البشر تتحرك وتتأثر بالأهواء والعواطف والحزازات أكثر من تأثرها بالعقل، ومع هذا ظل الأمل معقوداً على انتشار العقل وإمكان تحريره من الأنانية الضيقة والتعاليم المغرضة.
وهكذا برغم فترات التشاؤم التي مر بها الفلاسفة فقد سادت بينهم روح التفاؤل، ولم يكن الناس قط من قبل واثقين بقدرتهم، أن لم يكن على إعادة بناء أنفسهم، فعلى الأقل على إعادة بناء المجتمع. وبرغم كوارث السنين السبع، وفقدان كندا والهند واستيلاء إنجلترا عليهما، فقد سيطرت على ذهن فرنسا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حماسة وحيوية بدا أنهما ستعيدان إلى فرنسا العجوز المتوجعة قوتها وشبابها من جديد. ولم يحدث قط منذ أيام السفسطائيين الإغريق أن انتشرت مثل هذه الآراء والأفكار الكثيرة، أو أظهرت روح البحث والتحقيق والحوار والجدل المنعشة، فلا عجب أن يحس ديكلوس حوله "بشيء من اختمار العقل بميل إلى التطور والنمو في كل مكان"(5) وبما أن باريس كانت آنذاك عاصمة الفكر في أوربا، فإن حركة التنوير أصبحت حركة واسعة النطاق مثل حركة النهضة الأوربية وحركة الإصلاح الديني، والحق أن حركة التنوير هذه بدت وكأنها ذروة الحركات السابقة. وكانت النهضة قد ذهبت إلى ما وراء المسيحية لتكتشف الذهن الوثني، كما أن الإصلاح الديني كان قد كسر قيود السيادة المذهبية، وعلى الرغم منه تقريباً أطلق العنان لعمل العقل، وباتت مقدمتا العصر الحديث هاتين تكمل الواحدة الأخرى، وأصبح الآن في مقدور الإنسان في نهاية المطاف أن يحرر نفسه من معتقدات العصور الوسطى ومن أساطير الشرق. كما يقف على قدميه حراً طليقاً. حراً في أن يشك؛ وفي أن يحقق ويدقق. حراً في أن يفكر




صفحة رقم : 12497




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> النشوة الفلسفية


ويجمع ألوان المعرفة وينشرها. حراً في أن يقيم ديناً جديداً حول مذبح العقل لخدمة البشر، وكان ثملاً كريماً شريفاً.




صفحة رقم : 12498




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة



2- خليفة الثورة


ولكن كيف حدث كل هذا؟ ولماذا أنقلب كل هؤلاء الفلاسفة وبخاصة في فرنسا على المسيحية التي كانت فوق كل شئ قد مزجت الأمل بأهوالها ورعبها، والصدقات بجرائمها، والجمال بآثامها وخطاياها؟
إن الثورة التي قام بها الربوبيون في إنجلترا استطاعت أن تعبر عن نفسها مع تسامح نسبي حتى من جانب الكنيسة الرسمية، وربما كان هذا هو السبب في خمود لهيبها وفضلاً عن ذلك كانت الكنيسة الإنجليزية خاضعة للدولة فلم تعد تزعم زعماً فعالاً أنها -أي الكنيسة- سلطة منافسة مستقلة. أما الكنيسة في فرنسا فكانت هيئة قوية تملك نصيباً كبيراً من الثروة الوطنية وأرض الوطن، وهي مع ذلك مرتبطة بولاء أسمى مكانة بسلطة أجنبية. ويبدو أنها كانت تستنزف مزيداً من الثروة من أيدي العلمانيين إلى أيدي رجال الكنيسة عن طريق الوصية والتوريث، كما رفضت أن تدفع أية ضرائب أكثر من "المنح أو الهبات الاختيارية" واحتفظت بآلاف الفلاحين في أراضيها في استرقاق فعلي، واحتفظت بالرهبان فيما بدا أنه خمول عقيم. وكم أفادت الكنيسة من الوثائق الزائفة والمعجزات الكاذبة. وسيطرت على كل المدارس والجامعات تقريباً، وعن طريقها أشربت أذهان الشباب بالسخافات المخدرة المنافية للعقل، وأستنكرت، على أنه هرطقة، كل تعليم يتعارض مع تعليمها واستغلت الدولة في فرض رقابتها على حركة الكلام والصحافة، وبذلت الكنيسة غاية الجهد في خنق التنمية الفكرية في فرنسا. وحرضت لويس الرابع عشر على اضطهاد الهيجونوت غير الإنساني. والتخريب الخالي من الرحمة لبورت رويال، وارتكبت الكنيسة إثماً في الحملات الوحشية التي شنتها ضد الألبيجنسيين وإقرار المذابح الوحشية مثل مذبحة سانت برثلميو، وأشعلت نار الحروب الدينية التي دمرت فرنسا تقريباً. وفي وسط كل هذه الجرائم ضد الروح الإنسانية ادعت الكنيسة، وحملت




صفحة رقم : 12499




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة


الملايين من ذوي العقول الساذجة على الاعتقاد بأنها فوق العقل وفوق الريبة والمساءلة، وأنها ورثت وحياً إلهياً، وأنها ممثل الله على الأرض الملهم المعصوم من الخطأ. وأن جرائمها كانت، بإرادة الله مثل حسناتها.
وقدمت الكنيسة ردوداً كثيرة على هذه الاتهامات. ولسوف نعرض لها في الوقت المناسب. وفي الوقت نفسه أثارت هذه الاتهامات المتزايدة حفيظة آلاف الناس ودفعتهم إلى الأحتجاج، وأخيراً إلى العداوة المريرة. وتضاعف عدد المتشككين إلى حد أنهم لم يعودوا يخشون رجال الدين وأحرجوهم علناً بالأسئلة العويصة. وحين دعا الأب تورنمين غير المؤمنين حوالي 1730 إلى كلية "لويس الأكبر"، يقال "إن غرفته اكتظت بالمفكرين الأحرار والربوبيين وأنصار المذهب المادي، وما استطاع الأب الجليل أن يحول أحداً عن رأيه"(6). وجزع رجال الدين من كثرة عدد الفرنسيين والفرنسيات الذين فارقوا الحياة رافضين تناول الأسرار المقدسة للكنيسة. وهددت مدام دي بري بأن تأمر خدمها بإلتقاء راعي الكنيسة من النافذة حين ألح عليها في قبول مسحها بالزيت المقدس(7). وشكا أحد القساوسة من أنه "في اللحظة التي يظهرون فيها أمام الناس يجبرون على الدخول في مناقشة، فنحن مطلوب منا، وعلى سبيل المثال، أن نثبت فائدة الصلاة للإنسان الذي لا يؤمن بالله، وضرورة الصيام لإنسان أنكر طوال حياته خلود النفس، والمناقشة مزعجة إلى أقصى حد، على حين أن أولئك الذين يسخرون ويهزءون يقفون إلى جانبنا"(8).
وذكر باربييه في 1751 "قد نرى في هذه البلاد ثورة تؤيد البروتستانتية(9) وكان مخطئاً. فإن طرد الهيجونوت لم يترك طريقاً وسطاً بين الكاثوليكية وعدم الإيمان بصحة الكتب المقدسة. إن الفكر الفرنسي المتحرر تخطى الإصلاح الديني وقفز طفرة واحدة من عصر النهضة الأوربية إلى عصر الأستنارة، وهكذا في فرنسا فإن الذهن الفرنسي لم ينعطف بثورته نحو الجانسنيين إو إلى الفئة القليلة الباقية من البروتستانت، بل أنعطف إلى مونتاني وديكارث وجاسندي وبيل ومونتسكيو، ولما رجع المفكرون الأحرار الفرنسيون إلى ديكارت رفضوا كل آرائه تقريباً اللهم إلا "شكله المنهجي"




صفحة رقم : 12500




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة


وتفسيره الآلي للعالم الموضوعي. وكان بيل موضع إجلال وتقدير باعتباره أدق العقلانيين المتأملين، فقد ولدت شكوكه مزيداً من آلاف الشكوك. وكان "قاموسه" معيناً لا ينضب من الدروع التي يتسلح بها أعداء الكنيسة ضدها.
وكان ما حدث في إنجلترا مثالاً حافزاً مشجعاً للمفكرين الأحرار في فرنسا. وبدا أولاً أن دعوة فرنسيس بيكون إلى العلم الإستقرائي تبشر بثمار أكثر بكثير مما يبشر استنباط ديكارت السحري لله والخلود من وجود ديكارت. ثم كانت مادية هوبز الفظة التي لم تكف قط عن إثارة ديدرو. وهناك أيضاً نيوتن الذي بدا أنه هبط بالإله إلى مجرد ضاغط زرار في آلة العالم، ولم يكن الفرنسيون قد عرفوا بعد أن نيوتن أكثر إنتاجاً في اللاهوت منه في العلوم. ولا ننس الربوبيين الإنجليز الذين أمدوا فولتير بالشجاعة والقوة الدافعة. وأخيراً جاء لوك، لأن المتشككين الفرنسيين رأوا أن صرح الدين ينهار أمام القول بأن كل الأفكار مستمدة من الإحساس. وإذا كان الإحساس نتاج قوى خارجية فإن الذهن نتاج الخبرة، وليس هبة خالدة من لدن اله لا يراه أحد. وإذا كانت الخبرة تخلق الشخصية، فإن الشخصية يمكن تغييرها بتغيير طرق التعليم ومادته، وإصلاح النظم الأجتماعية، ومن هاتين القضيتين خلص رجال مثل ديدرو وهلفشيوس ودي هولياخ إلى نتائج ثورية. وتساءل فولتير مستحضراً لوك في ذهنه "هل يمكن أن يكون ثمة شئ أعظم من أن نثير العالم بأسره سياسياً واجتماعياً ببضع حجج ومناظرات"(10). (مات فولتير قبل 1789).
واستمع مرة أخرى إلى ما كتبه المركيز دارجستون اليقظ في 1753 .
"قد يكون من الخطأ أن نعزو ضياع الدين في فرنسا إلى الفلسفة الإنجليزية التي لم تكتسب أكثر من نحو مائة فيلسوف في باريس، بدلاً من إرجاعه إلى الكراهية التي أضمرها الفرنسيون لرجال الدين إلى أقصى الحدود" .
ثم يضيف دارجنسون بعد التنبؤ بالثورة، مما أسلفنا ذكره:
ستكون الثورة شيئاً مختلفاً كل الاختلاف عن الإصلاح الديني- وهو




صفحة رقم : 12501




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة


خليط مشوش من الخرافة والحرية جاءنا من ألمانيا في القرن السادس عشر. ولما كانت أمتنا وقرننا قد استنارا بطريقة متباينة كل التباين، فإنهما سيسيران إلى حيث ينبغي لهما أن يسيرا: سيطردان رجال الدين، ويلغيان مهنة القساوسة، ويتخلصان من كل الرحى وكل الأسرار الغامضة... فلا يتحدث المرء في مصلحة رجال الدين ولا يساندهم في دوائر المجتمع وإلا كان موضع سخرية واستهزاء، وأعتبر جاسوساً لمحاكم التفتيش. ويشير القساوسة إلى أنه في هذا العام نقص عدد أعضاء الجماعات الدينية بمقدار الثلث، وهجر الناس الكلية اليسوعية، وانسحب 120 راهباً من هؤلاء الرهبان الذين ساءت سمعتهم إلى حد كبير(11).
وكان ثمة تأثيرات فكرية أخرى أضعفت عقيدة العصور الوسطى الدينية. وأنضم الفلاسفة إلى أصحاب المذهب الحافظ (الأرثوذكسي) في رفض سبينوزا، لأن هذا اليهودي الكبير دمغ بأنه ملحد، وكان من الخطر التحدث عنه دون اتهامه، كما حرص هيوم وفولتير على أن يفعلا. ولكنهم كانوا يقرءون سبينوزا سراً، وكانت "رسالته اللاهوتية السياسية" تثير نقد الأسفار المقدسة. وشرح كونت بولانفيليير سبينوزا بحجة تفنيده. إن هيوم الذي تأثر بفرنسا هو نفسه، كان يؤثر فيها كذلك، وكان البناؤون الأحرار (الماسونيون) يؤسسون لهم مراكز في فرنسا، حيث كانوا يمارسون سراً هرطقتهم الربوبية. وكانت الكشوف الجغرافية والتاريخ والدراسة المقارنة للأديان تضيف ناراً إلى البوتقة التي يجرى فيها اختبار المسيحية بما لم يعهد له مثيل قط من قبل. وكان كل علم من العلوم في نموه وتقدمه يزيد من درجة احترام العقل، ومن الإيمان بقانون كوني، ومن عدم الإيمان بالمعجزات، وبالذات بأعظمها شيوعياً وانتشاراً، ألا وهي تحويل خمسين ألف كاهن يومياً الخبز والخمر إلى جسم المسيح ودمه.
وعملت القوى الاجتماعية على انحلال العقيدة. وكان كل ازدياد في الثروة يعجل في التسابق على اللذة والمتعة، كما كان يجعل القيود على الأخلاق المسيحية أكثر إزعاجاً يوماً بعد يوم، في باريس التي أحتفظ فيها أكثر الملوك مسيحية بمجموعة من الخليلات، والتي احتلت فيها مدام دي بمبادور مكان السيدة




صفحة رقم : 12502




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:14 مساء   رقم المشاركة : [376]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة


مريم العذراء. بل أن الانحلال الخلقي في ذاك العصر تحول إلى اتهام للمسيحية، فكيف يتأتى، بعد سبعة عشر قرناً من سيطرة المسيحية، ألا تكون أخلاق أوربا أحسن حالاً من متوحشي أمريكا أو "الوثنيين في الصين؟".
وكانت كل طبقة، عدا الفلاحين، تضم أقلية متشككة، واستاءت البيروقراطية الحكومية من استقلال الكنيسة وإعفاءها من الضرائب. والرباط الوثيق القديم بين الكنيسة و"ساعدها" الدنيوي العلماني وهو الدولة" بدأت تنقصم عراه. وكان هناك مفكرون أحرار، مثل مالشرب في مصلحة الرقابة، وكان يحمي بكل قواه ديدرو ودائرة المعارف. وأوثق صلة بالملك كانت مدام دي بمبادور التي كانت تكره اليسوعيين، والتي اعتبرها فولتير (واحداً منا). ورأت الأرستقراطية في الكنيسة دعماً لمركز أسرة البوربون التي كانت قد أطاحت بحكم هذه الأرستقراطية، ومن ثم لم تكن هذه الطبقة تعارض إضعاف رجال الدين، بل لقد هلل كثير من النبلاء وسروا بامتهان فولتير وعدم توقيره للكنيسة والنيل منها، وأبدى أفراد الطبقة الوسطى العليا ارتياحهم ورضاهم عن المفكرين الذين كانوا يحاربون رجل الدين. لأن هذه الطبقة لم تغفر للكنيسة استنكار الفائدة (الربا) وإيثارها ملاك الأرض على رجال المال، فلو أن هؤلاء الأساقفة المتعجرفين أذيقوا المذلة والهوان لصعدت البرجوازية إلى مراقي الشهرة والقوة والسلطان ومن ثم فإن رجال المال، من أمثال بويلنيير وهلفشيوس ودي هولباخ فتحوا أبوابهم وخزائنهم، بل حتى في بعض الحالات قلوبهم، للحرب ضد الكنيسة. وكان المحامون منذ زمن غير قصير يحقدون على رجال الدين ويحسدونهم، وكم تطلعوا إلى اليوم الذي يحكمون فيه الدولة. كما كانوا بالفعل يحكمون البرلمانات. وذهب أحد تقارير الشرطة في 1747 إلى أنه لا يكاد يوجد موظف في برلمان باريس لا يحتفظ بكتاب أو مخطوط مناف للدين في بيته(12). وعجت مقاهي باريس بالالحاد. وكان هجاء رجال الدين والسخرية منهم متعة ظرفاء المدن الذين أشاروا إلى الله بأنه "السيد وجود" وانتشرت المطبوعات المعادية لرجال الدين انتشاراً واسعاً حتى في الأقاليم، ووزع بعض الباعة المتجولين لقاء ربح وفير، ومن باب إلى باب، منشورات عنوانها "أشهر الدجالين




صفحة رقم : 12503




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> خليفة الثورة


الثلاثة"%=@المخطوطة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس (وهو بهذا يقصد الأنبياء، مما لا تقره عليه).@ . ألم ينتقل إلى رجال الدين أنفسهم عدوى الشك الديني، بل هنا وهناك في كل مكان، عدوى الإلحاد الصريح غير المقنع؟ وإليك على سبيل المثال.




صفحة رقم : 12504




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه



3- جان مسلييه




1678-1733


كان جان راعي أبرشية أتربيني في شمبانيا. وكان في كل عام يمنح الفقراء كل ما تبقى بعد تسديد نفقات حياته المعتدلة البعيدة عن الإسراف والتبذير. وبعد ثلاثين عاماً من حياة هادئة مثالية في وظيفة الراعي، قضي نحبه وهو في الخامسة والخمسين، موصياً بكل ما يملك لأهالي الأبرشية، تاركاً نسخ من مخطوطة عنوانها "عهدي الجديد" وجهت إحداها إلى شعب الأبرشية، توسل فيها إليهم على المظروف الذي وضعت فيه المخطوطة، أن يغفروا له أنه خدم الخطيئة والأهواء طوال مقامه بينهم. وواضح أنه فقد الإيمان بالدين قبل أن يرسموه كاهناً" إنني لم أتقلد عملاً يتعارض مع مشاعري بشكل صريح طمعاً في المال، بل أني امتثلت في هذا لأبوي(13) ونشر فولتير أجزاء من "العهد الجديد" 1762 وأصدر ديدروا ودي هولباخ خلاصة له في 1772 تحت عنوان "رجاحة عقل الكاهن مسلييه" ولم يطبع النص الكامل حتى 1861-1864 ونفدت طبعته منذ عهد بعيد. ويندر الحصول عليه. وفي كل الحملة ضد المسيحية من بيل إلى الثورة، لم يعد هجوم متطرف قاس لا يرحم مثل هجوم كاهن القرية هذا. ويبدو أنه بدأ شكوكه بدراسة الكتاب المقدس. وأظهرت نتيجة هذه الدراسة أن الكنيسة كانت حكيمة إلى حد ما في إبعاد الكتاب المقدس عن العامة. وكان يجدر بها أن تحتفظ به بعيداً عن متناول رجال الدين أيضاً. ووجد الأب يوحنا صعوبات كثيرة في الكتاب المقدس. لماذا أختلف نسب السيد المسيح في إنجيل متى اختلافاً كبيراً في إنجيل لوقا. إذا كان كلاهما




صفحة رقم : 12505




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


منزلا من عند الله؟ لماذا لم تنته سلسلتا النسب هاتان بيوسف إذا كان سيعفي سريعاً من إنجاب يسوع، لماذا يمتدح أبن الله بأنه أبن داود الذي كان زانياً بكل معنى الكلمة؟ وهل تنطبق نبوءات العهد القديم على المسيح، أم أن هذه التطبيقات مجرد للقوة اللاهوتية؟ وهل كانت معجزات العهد الجديد حيلاً أو خداعات ورعة، أم كانت عمليات طبيعية أسئ فهمها؟ وهل نصدق هذه لحكايات أم نتبع العقل؟ وصوت جان إلى جانب العقل وأيده:
"لن أضحي بعقلي، لأن عقلي وحده يمكنني من التمييز بين الخير والشر وبين الحق والضلال... لن أتخلى عن الخبرة لأنها مرشد وهاد أفضل بكثير من الخيال، أو من سلطان المرشدين الذين أرادوا أن يزودوني به. لن أرتاب في حواسي. ولست أتجاهل أنها يمكن أحياناً تؤدي إلى الخطأ. ولكني من جهة أخرى أدرك أنها لن تضللني دائماً... إن حواسي تكفي لتصحيح الأحكام والقرارات المتسرعة التي ملت إلى اتخاذها(14).
ولم يجد جان في العقل مسوغاً للإيمان بالإرادة الحرة أو خلود النفس، ورأى أنه "يجدر بنا أن نكون شاكرين أن تهيأ لنا جميعاً نوم أبدى بعد نصب وصخب الحياة الدنيا التي تسبب المشقة أكثر مما تسبب اللذة لغالبيتنا... عودوا جميعاً في سلام إلى المستقر العام الذي جئتم منه، ومروا دون ضجة أو تذمر مثل كل الكائنات التي حولكم"(15). وعلى أولئك الذين دافعوا عن فكرة الجنة، من قبيل العزاء، أجاب "بأن أقلية ضئيلة، على زعمها، حققت هذا الهدف، على حين كان مآل الأغلبية إلى الجحيم. فكيف إذن يمكن أن تكون فكرة الخلود عزاء؟ إن العقيدة التي تخلصني من المخاوف الرهيبة... تبدو مرغوباً فيها أكثر من الشك الذي تركني مؤمناً باله يتحكم في عطفه فلا يمنحه إلا لذوي الحظوة لديه، ويهيئ للآخرين السبيل ليكونوا جديرين بالعذاب الأبدي، فكيف يمكن لأي إنسان متحضر أن يؤمن باله يحكم على المخلوقات بالخلود في الجحيم؟".




صفحة رقم : 12506




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


هل هناك في الطبيعة إنسان بلغ من القسوة حداً يتعمد فيه تعذيب، لا أقول رفاقه من الكائنات، بل أي كائن واعٍ حساس أياً كان؟ فأقروا إذن يا رجال اللاهوت أن إلهكم طبقاً لمبادئكم، شرير أكثر بكثير من أي شرير من بني الإنسان. إن القساوسة ورجال الدين جعلوا من الإله كائناً خبيثاً ماكراً صارماً إلى حد أن فئة قليلة في هذه الدنيا هي التي لا تود أن يكون الإله موجوداً... وأية أخلاق نتحلى بها إذ كنا نقلد هذا الإله(16).
ورأى فولتير في هذا شيئاً من التطرف، وبذل أقصى الجهد عند نشره "العهد الجديد" (الذي ألفه جان) في أن يلطف من الحاد الكاهن بالربوبية، ولكن مسلييه كان عنيداً متشدداً. وأستطرد قائلاً أن اله المسيحية هو منشئ كل الشرور، لأنه حيث أنه قادر على كل شئ يتم دون رضاه وموافقه، فإذا وهبنا الحياة فإنه كذلك كتب علينا الموت، وإذا وهبنا الصحة والثروة، فإنه يعوض منهما بالفقر والقحط والمصائب والحروب(17). إن في العالم دلائل كثيرة على تصميم بارع، ولكن هلا توجد فيه علامات كثيرة بنفس القدر على أن العناية الإلهية، إن وجدت، قادرة على إيقاع أشد أذى شيطاني؟
إن كل الكتب زاخرة بأشد المديح والثناء رياء ونفاقاً على العناية الإلهية التي أفرطوا في الثناء على رقابتها اليقظة، ومهما يكن من أمر فإننا إذا تفحصنا كل أجزاء الكرة الأرضية لوجدنا أن الإنسان المتحضر وغير المتحضر على السواء في صراع دائم مع العناية الإلهية. فهو مضطر إلى أن يصد الضربات التي تنزلها به في صورة أعاصير وعواصف وصقيع وبرد وفيضانات وجدب وغيرها من مختلف النازلات التي تجعل كد الإنسان وجده غير ذي جدوى. وفي إيجاز أرى أن البشر جميعاً مشغولون باستمرار في حماية أنفسهم من الحيل الشريرة الخبيثة التي تدبرها العناية الإلهية التي يقال إنها ساهرة على توفير السعادة لهم(18).
وفوق كل شئ هل وجد إله أغرب وأبعد عن التصديق من هذا؟ أنه لآلاف السنين ظل مختفياً عن أعين البشر، وأستمع دون استجابة واضحة بريئة




صفحة رقم : 12507




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


لصلوات آلاف الملايين ودعواتهم وثنائهم عليه. والمفروض أنه حكيم بالغ الحكمة، ولكن ملكه يسوده الخلل والاضطراب والخراب. والمفروض أنه خير ولكنه يعاقب شيطان مجرد من الروح الإنسانية. والمفروض أنه عادل وهو يهيئ للأشرار سبل الرخاء والازدهار، على حين يتعذب القديسون حتى الموت. إنه منهمك دائماً في الخلق والتدمير(19).
وبدلاً من الاعتقاد مثل فولتير بأن الإيمان بالله أمر طبيعي عام، أكد مسلييه أن مثل هذا الإيمان أمر غير طبيعي، وأنه يجب أن يصب في أذهان المراهقين أن:
كل الأطفال ملحدون -ليس لديهم فكرة عن الإله... ويؤمن الناس بالله بناء على كلام أولئك الذين لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف الأولون، إن مربياتنا هن أول معلمي اللاهوت. إنهن يتحدثن إليهم عن الإله كما يتحدث عن آدميين تحولوا إلى ذئاب... إن قلة قليلة من الناس كانت تتخذ إلهاً لولا ما يبذل من جهد في أن يجعلوا لهم إلهاً(20).
وعلى حين أعلن معظم الملحدين عن إعجابهم بيسوع، نرى مسلييه يشمل السيد المسيح نفسه في هدمه الغاضب الانفعالي للعقيدة الدينية. وقبل كل شئ، أي رجل عاقل يصدق أن الله، لكي يسترضى البشر ويستميلهم... يمكن أن يضحي بإبنه البريء الذي لم يرتكب إثماً؟(21) أما عن يسوع نفسه فيقول:-
إننا نرى فيه... متعصباً مبغضاً للبشر، يعظ البائسين فينصحهم بأن يكونوا فقراء، ويكافحوا الطبيعة ويجمدوها، ويكرهوا اللذة ويلتمسوا الآلام والشقاء، ويحتقروا أنفسهم، ويطلب أن يتخلوا عن الأب والأم وكل أواصر الحياة ليتبعوه. أية أخلاق كريمة!... لا بد أن تكون سماوية لأنها غير عملية بالنسبة للإنسان(22).
وينتقل مسلييه إلى مادية كاملة. وليس من الضروري أن نذهب إلى ما وراء المادة لنسأل عمن خلقها. ويمكن أن يتخلف لغز المنشأ خطوة إلى الوراء ليفسح مجالاً للسؤال الطبيعي للطفل: "من الذي خلق الله؟" وأنا




صفحة رقم : 12508




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


أقول لكم أن المادة تعمل من نفسها لنفسها... واتركوا لرجال اللاهوت علتهم الأولى وليس للطبيعة من حاجة بهذا لإحداث كل الآثار والنتائج التي تراها(23) وإذا كان لزاماً أن تعبدوا أحداً، فاعبدوا الشمس، كما تفعل شعوب كثيرة، فإن الشمس هي الخالق الحقيقي لحياتنا وللصحة والضوء والدفء والبهجة والسرور. ولكن واحسرتاه! ويأسف مسلييه، لو أن الدين كان واضحاً لكان أقل جاذبية وفتنة لدى الجهال... إن هؤلاء بحاجة إلى الغموض والأسرار والخرافات والمعجزات والأشياء التي لا يمكن تصديقها(24)... إن القساوسة والمشرعين، بابتداع الأديان واختلاف الأسرار... قد أرضوا أذواق الجهال، إنهم بهذه الطريقة يجتذبون المتحمسين والنساء والأميين(25).
وصفوة القول، في رأى مسلييه، أن الدين كان جزءاً من مؤامرة بين الكنيسة والدولة لإرهاب الناس إلى إذعان مريح للحكم المطلق(26). إن الكهنة "حرصوا كل الحرص على أن يجعلوا إلههم مرعباً متقلباً طاغية كثير النزوات والأهواء. وكان لزاماً يكون كذلك من أجلهم حتى يكون في خدمة مصالحهم المتنوعة"(27) وتقع تبعة هذه المؤامرة على رؤوس رجال الدين أكثر منها على الملوك، لأنهم يسيطرون على الأمير منذ طفولته، عن طريق كاهن الاعتراف، ويلقنونه الخرافات، ويشوهون عقله ويعوقون نموه ويقودونه إلى التعصب الديني والاضطهاد الوحشي(28) وبهذا:
زعزعت الخلافات الدينية أركان الإمبراطوريات وأدت إلى الثورات ودمرت الملوك وخربت أوربا بأسرها، ولم يكن من الميسور إخماد هذه النزعات الحقيرة حتى في أنهار من الدماء. إن الأنصار المتحمسين لدين يدعو إلى البر والإحسان والتآلف والسلام أثبتوا أنهم أشد ضراوة وقساوة من أكلة لحوم البشر أو المتوحشين، في كل مرة يستثيرهم فيها معلموهم إلى تحطيم اخوتهم، وليس ثمة جريمة لم يرتكبها الناس في سبيل إرضاء الرب أو تسكين سورة غضبه(29)... أو إقرار خداع الدجالين لحساب كائن لا يوجد إلا في خيالهم وحدهم(30).




صفحة رقم : 12509




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


إنهم يدافعون عن هذه المؤامرة الضخمة المستمرة بذاتها من جانب الكنيسة والدولة ضد الإنسان والعقل على أساس أن ديانة خارقة للطبيعة، بل قل ديانة إرهاب، أمر لا غنى عنه في مهمة بناء الفرد والأخلاق.
ولكن هل حقاً أن نظرية الجنة والنار تجعل الناس على جانب أكبر من الفضيلة، وهل الأمم التي يسودها هذا الزعم تشتهر بالسلوك الحميد والخلق القويم؟(31) ويكفي لنتحرر من الوهم أن نفتح أعيننا على أخلاق أشد الناس تمسكاً بالدين ونفكر فيها ملياً، وسنرى طغاة متعجرفين، ورجال البلاط، ومغتصبين لا حصر لهم، وحكاماً لا ضمائر لهم، ودجالين وزانين وفاسقين وأباحيين فجرة، وعاهرات ولصوصاً، وأوغاداً من كل صنف، لم يشكوا لحظة في وجود إله محب للانتقام، أو لم يشكو في عذاب الجحيم أو الجنة النعيم(32).
كلا، إن الأفكار اللاهوتية، على الرغم من اعتراف كل الناس تقريباً بها، فإن تأثيرات على سلوكهم ضعيف، فالإله بعيد كل البعد ولكن الإغراء قريب "من ذا الذي ترهبه وتخيفه فكرة الإله؟ نفر قليل من الضعاف البائسين المتبرمين بالحياة، وبعض أفراد انطفأت فيهم بذرة العواطف والشهوات بحكم السن أو العجز والوهن أو تعثر الحظ(33). إن الدولة، لا الكنيسة، هي التي تخلق النظام وتعود المواطنين على طاعة القوانين" إن القيود والضوابط الاجتماعية أقوى من الدين في تقويم سلوك الناس(34) وأحسن العلاقات، مع تعاقب الأيام، هي تلك التي تؤسس على العقل والذكاء.
ولكي يتبين الناس مبادئ الأخلاق القويمة فإنهم ليسوا بحاجة إلى اللاهوت أو الوحي أو الآلهة. إنهم ليسوا بحاجة إلا إلى الفطرة السليمة وحسن الإدراك، إنهم ينبغي عليهم أن يتفكروا في أنفسهم ويتأملوا طبيعتهم. ويتدبروا مصالحهم الواضحة، ويأخذوا بعين الاعتبار هدف المجتمع وهدف كل عضو فيه، ومن ثم يدركون بسهولة أن الفضيلة نعمة وأن الرذيلة نقمة على رفاقهم من الكائنات. والناس أشقياء لمجرد أنهم جهلة، وهم جهلة لأن كل شئ يتآمر على




صفحة رقم : 12510




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


الحيلولة بينهم وبين الاستنارة. وهم أشرار لمجرد أن عقلهم لم ينم ولم يتطور بعد بدرجة كافية(35).
ويستطيع الفلاسفة أن يبنوا أخلاقاً طبيعية فعالة، لو لم يكرهوا على معتقد تقليدي زائف خشية الكهنة الأقوياء المتسلطين:
إن اللاهوت منذ أقدم العصور هو الذي حدد مسار الفلسفة وبم ساعدها اللاهوت؟ إنه حولها إلى رطانة غير مفهومة... ذات ألفاظ لا معنى لها، أكثر ملاءمة للتعمية منها للتنوير... كيف أضطر ديكارت وماليرانش وليبنتز وكثيرون غيرهم لإبتداع فرضيات ومراوغات ليوقفوا بين كشوفهم وبين الأفكار الخيالية والأخطاء الفاضحة التي أضفى عليها الدين صفة القداسة وأية احتياطات لم يلجأ إليها أعظم الفلاسفة لحماية أنفسهم. حتى إلى حد المغامرة بوصفهم بالطيش والحمق، وبأن كلامهم غير مفهوم إذا تعارضت أفكارهم مع مبادئ اللاهوت! وكان القساوسة اليقظون على أتم استعداد لهدم المبادئ والآراء التي يتعذر التوفيق بينها وبين مصالحهم. وكل ما استطاع الأفراد المستنيرون أن يفعلوه هو أن يتحدثوا ويكتبوا في معان خبيئة وغالباً مطاوعة موصومة بالجبن، حتى يوفقوا بين الباطل والحق توفيقاً مخزياً. كيف أمكن أن يدعى الفلاسفة والحديثون، تحت التهديد بأقسى الاضطهاد والتعذيب، إلى نبذ العقل والخضوع للعقيدة -أي لسيادة رجال الدين وسيطرتهم- وكيف يتأتى لأناس مكبلين بمثل هذه القيود والأغلال أن يطلقوا العنان لعبقريتهم ومواهبهم... أو يعجلوا بتقدم الإنسانية(36)؟
وكان لدى بعض الفلاسفة من الشجاعة ما استطاعوا معه أن يتقبلوا الخبرة والعقل هادياً ومرشداً لهم، ويحطموا أغلال الخرافة -لوسيبوس وديموقريطس وإبيقور وسترابو- ولكن مناهجهم كانت بسيطة معقولة مجردة من الأعاجيب والمعجزات من أجل عشاق الخيال حتى اضطرت إلى الاستسلام لاحداس أفلاطون وسقراط وزينون الخرافية. ومن بين الفلاسفة الحديثين أتبع هويز وسبينوزا وبيلا وغيرهم نهج أبيقور(37).
ورثى مسلييه لما منيت به البشرية من خسارة نتيجة لسيطرة اللاهوت




صفحة رقم : 12511




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


على الفلسفة. ودافع عن حرية الفكر حقاً أساسياً، يمكنه وحده أن يحقق للناس معنى الإنسانية وعظمة النفس(38).
إنهم باظهارهم الحقيقة وحدها يمكنهم أن يدركوا أفضل مصالحهم، والعوامل الحقيقية التي تؤدي بهم إلى السعادة. لقد طال العهد بمعلمي الناس وهم يركزون أبصارهم على السماء، فليرجعوا بأبصارهم ثانية إلى الأرض. لقد تعب الذهن البشري من اللاهوت المبهم والخرافات السخيفة، والأسرار العويصة والطقوس الصبيانية. فلينشغل هذا الذهن البشري بعد هذا الإرهاق بالأشياء الطبيعية والأهداف والأشياء الواضحة والحقائق المعقولة والمعرفة النافعة(39).
فليطلقوا حرية الكلام والفكر والصحافة والطباعة وليكن التعليم علمانيا غير مقيد. إذن لأسرع الناس الخطى يوماً بعد يوم إلى اليوتوبيا (المثالية). إن النظام الاجتماعي الراهن جائر، أنه يهيء لأقلية ضئيلة الثراء الخامل وينشر فيها الفساد نتيجة للترف وللبذخ، على حساب الإبقاء على الملايين في فقر مذل وجهل مخز. ونظام الملكية هو أس البلاء، فالتملك لصوصية، وقد كيفوا التعليم والدين والقانون لحماية هذه اللصوصية وإجازتها(40) وإن ثورة للقضاء على مؤامرة الأقلية ضد الأغلبية لها ما يبررها كل التبرير. وصاح مسلييه في غضبته الأخيرة "أين جاك كليمنت (قاتل هنري الثالث) ورافاياك (قاتل هنري الرابع) في فرنسا؟ هل بقي على قيد الحياة في أيامنا هذه رجال يطيحون برؤوس هؤلاء الجبابرة البشعين المنحرفين أعداء الجنس البشري، وبهذا يخلصون الناس من الطغيان(41)؟ فلنوزع الأمة الملكية توزيعاً عادلاً، وليشتغل كل إنسان بعمل مناسب، وليكن الإنتاج قسمة متساوية بينهم، وليتزوج الرجال والنساء وليفترقوا متى شاءوا، ولينشأ أطفالهم معاً في مدارس مشتركة، وعندئذ تكون ثمة نهاية للنزاع في الأسرة ونهاية لحرب الطبقات وللفقر. وهنا تكون المسيحية في النهاية حقيقية صادقة(42).
وبعد أن ذكر جان مسلييه كل ما أسلفنا، ختم إنجيله أو عهده الجديد بعبارة يتحدى فيها، كما أدرك هو، كل الذين يمقتونه ويصبون عليه اللعنات:




صفحة رقم : 12512




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> جان مسلييه


دعهم يفكروا أو يحكموا ويقولوا ويفعلوا ما يريدون... لن أعبأ بهم كثيراً... بل إني اليوم لم أعد أعبأ كثيراً بما يحدث في العالم. إن الأموات الذين أوشك أن ألحق بهم قريباً، لا يعانون الآن شيئاً ولم يعودوا يزعجون أنفسهم. ومن ثم فأنا أضع نهاية لكل هذا. أنا الآن أشبه شئ بالعدم، وبعد قليل سأصبح لا شئ حقاً(43).
هل وجد ثمة عهد أو ميثاق مثل هذا في تاريخ البشرية جمعاء؟ تصور الكاهن المنعزل مجرداً من كل عقيدة ومن كل أمل، وهو يعيش منسياً لا ذكر له في قرية قد ترتعد فيها كل النفوس رعباً ورهباً، إلا نفسه هو، لمجرد الإطلاع على أفكاره الخفية. ولهذا لم يتحدث بمثل هذه الحرية إلا لمخطوطته. وهناك، ودون اكتراث ودون معرفة واسعة بطبيعة الإنسان، صب كل غيظه واستيائه في صراحة بالغة معادية للدين غاية العداء مما لم يعهده حتى عصره نفسه. وهنا كانت حملة فولتير ضد "المنبوذين" وكل مادية لامتري وكل الحاد دي هولباخ، وكل خيال ديدرو الجامع المدمر، بل شيوعية بابيف أيضاً. وأصدر فولتير "عهد" جان مسلييه بعد تردد، ونشره دي هولباخ فرحاً مغتبطاً، ومن ثم أختمر في ذهن فرنسا وأسهم في التمهيد لسقوط النظام القديم. ونشوة الابتهاج بالثورة الفرنسية.




صفحة رقم : 12513




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله



4- هل الإنسان آلة؟


إن جوليان أجوفروي دي لامتري رد على هذا السؤال بالإيجاب. ولد في سان مالو 1709 لتاجر ميسور. وتلقى تعليماً واسعاً وأعتزم أن يكون شاعراً. وحبذ والده الوظيفة الكنسية باعتبارها أقل خطراً، فأرسله إلى إحدى الكليات في بليسيس حيث شب الولد جانسنيا متحمساً. ولكن طبيباً صديقاً للوالد رأى (هكذا يقول فردريك الأكبر) أن طبيباً عادياً يمكن أن يحصل من علاج المرضى على أكثر مما يحصل عليه القسيس الفاضل من عمليات الغفران(44). ومن ثم حول جوليان اهتمامه إلى التشريح والطب وحصل على درجة في الطب من ريمس، وتتلمذ على بورهاف في ليدن، وكتب عدة أبحاث طبية، وعمل جراحاً في الجيش الفرنسي، ورأى واحداً




صفحة رقم : 12514




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


في المائة من المجد والعظمة وتسعة وتسعين في المائة من حالات الإسهال(45) في ساحتي القتال في دتنجن وفونتنوي، ولزم هو نفسه الفراش أثر حمى شديدة، فلما شفي زعم أن صفاء ذهنه أو موضوع تفكيره كان يختلف باختلاف درجة الحمى. ومن ثم خلص إلى أن التفكير وظيفة المخ، ونشر هذا كله وما يرتبط به من آراء 1745 تحت عنوان "التاريخ الطبيعي للنفس".
وسار البحث على هذا المنوال: "نحن لا نعرف ما هي النفس. ولا نعرف ما هي المادة، ولكنا نعرف على أية حال أنه لا توجد نفس بلا جسد. ولدراسة النفس تجب دراسة الجسم، ولدراسة لجسم ينبغي أن نبحث في قوانين المادة. إن المادة ليست مجرد امتداد، إنها أيضاً قدرة على الحركة، وهي تشتمل على مصدر فعال يتخذ مزيداً من الأشكال في مختلف الأجسام، ولسنا نعرف أن للمادة في ذاتها قوة الإحساس، ولكنا نشهد دليلا على تلك القوة حتى في أحظ الحيوانات. وإنه لأكثر اتفاقاً مع المنطق أن نعتقد بأن هذه الحساسية تطور من إمكانية من أصل واحد في المادة، من أن تعزوها إلى نفس خفية صبت في الأجسام عن طريق قوة خارقة للطبيعة. وعلى هذا فإن المصدر الفعال "في المادة يتطور في النبات والحيوان حتى إذا كان في الإنسان مكنه من أن يدق قلبه، ومن أن تهضم معدته ومن أن يفكر معه. وهذا هو التاريخ الطبيعي للنفس".
وارتعدت فرائض القسيس في كتيبه لامتري فزعاً لهذه النتيجة، وصاح منذراً متوعداً، وفصل الطبيب الفيلسوف من وظيفة الجراح في الجيش، وكان يمكن أن يهب زملاؤه الأطباء لنجدته، لولا أنه كان قد كتب في نفس الوقت تقريباً كتاباً صغيراً تحت عنوان "سياسة الأطباء" يهجو فيه دسائسهم في تنافسهم على الوظائف التي تدر مالاً وفيراً. وانضموا إلى مهاجمته واستنكار آرائه. ورأى أن عمله في الطب قد أنهار كما انهارت شهرته، ففر إلى ليون، هناك شن هجوماً آخر على مهنة الطب وتحول إلى الفلسفة.
وهكذا أصدر لامتري في ليون كتاب (الإنسان الآلة) وهو يقصد بالآلة هنا جسماً ترجع كل أفعاله إلى أسباب وعمليات بدنية أو كيميائية. أما




صفحة رقم : 12515




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


جسم الحيوان آلة فيتضح له من مائة ظاهرة: فإن جسم الحيوان يظل ينبض ويرتجف، وأن أمعاءه تظل تتمعج (التمعج موجات متعاقبة من تقلص لا إرادي تحدث في جدران الأمعاء فتدفع محتوياتها إلى الأمام) لبعض الوقت بعد الموت. وتنبض العضلات التي تنفصل عن الجسم إذا نبهت وهكذا. فالحيوانات عندئذ آلات، وإذا كان الأمر كذلك، فلم لا يكون الإنسان، وعظامه وعضلاته وأوتاره وأعصابه قريبة الشبه إلى حد بعيد بالحيوانات العليا؟ وواضح أن الذهن يعتمد على العمليات الفيزيائية الكيميائية في الجسم والأفيون والقهوة والخمر ومختلف العقاقير لا تؤثر في الجسم وحده. بل إنها يمكن أن تغير مجرى التفكير وطبيعته، ومزاج الإرادة وقوتها. إنك إذا غيرت بعض الأنسجة في مخ فونتينيل لجعلت منه شخصاً أحمق أبله(46)، إن مرض الجسم يمكن أن يضعف الذهن. إن النفس تكتسب حيوية ونشاطاً بالجسم، وتكتسب حدة وذكاء كلما قوى الجسم(47)، والغذاء يؤثر في الخلق، وعلى هذا فإن "الإنجليز الذين يأكلون اللحم أحمر مشوياً بالدم، غير مطهو طهياً جيداً مثل لحومنا، يبدو أنهم يشتركون بشكل أو بآخر في الوحشية تبعاً لهذا اللون من الطعام(48) فهل ندهش إذن إذا وعي الفلاسفة دائماً في أذهانهم صحة الجسم حفاظاً على صحة النفس؟" وأن "فيثاغورس وضع قواعد للتغذية كما حرص أفلاطون على تحريم الخمر؟"(49) ويخلص لامتري إلى أنه:
حيث أن كل قدرات النفس تعتمد إلى مثل هذا الحد على التنظيم السليم للمخ وكل أجزاء الجسم... فمن الواضح أن هذه القدرات ليست إلا هذا التنظيم نفسه. وواضح أن النفس آلة مستنيرة... فالنفس لذلك لفظة جوفاء، ليس لدى أي إنسان فكرة عنها، يجدر أن يستخدمها الإنسان المستنير لتعنى فقط ذلك الجزء الذي يفكر فينا(50).
وفي كتاب "الإنسان نبات" (1748) توسع لامتري في "سلسلة الوجود" الكبيرة إلى نظرية للتطور. وفقد بعض ثقته حين حاول تخطي الهوة الواضحة بين اللاعضوية والعضوي، وفجأة نسي الآلية (المذهب الآلي) وأنزلق إلى




صفحة رقم : 12516




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


المذهب الحيوي: أفترض بذوراً معينة مكنت المادة من أن تسبب الحياة(51) ووجد من السهل عليه بعد ذلك أن يتبع لوكريتس "لا بد أن الأجيال الأولى كانت ناقصة غير تامة... وما كان يمكن أن يكون الكمال عمل يوم واحد في الطبيعة، ولا في الفن"(52). وليضيق الهوة بين الحيوان والإنسان يحاول لامتري، على النقيض من ديكارث، أن يبرهن على أن بعض الحيوانات تفكر:-
لننظر إلى القردة والسمور(حيوان ذو فراء ثمين) والفيل وغيرها في تصرفاتها. وواضح أن هذه الأنشطة لا يمكن تأديتها دون ذكاء، ولم ننكر الذكاء على أن هذه الحيوانات؟ وإذا وهبتم نفساً فقد ضيعت. ومن ذا الذي لا يرى أن الروح الحيوان يجب أن تكون فانية أو باقية، من أي النوعين نفس الإنسان؟(53).
وليس ثمة فرق كبير بين أبسط إنسان وأذكى حيوان "فالبلهاء" أو المعتوهون... حيوانات لها وجوه بشرية. كما أن القرد الذكي إنسان صغير ذو شكل آخر(54) ويستطرد لامتري فيقول في دعابته المألوفة أن كل مملكة الإنسان ليست إلا مركبات من قردة مختلفة، ووضع البابا نيوتن على رأسها(55) ولم يعد الإنسان يكون قرداً إلا عندما أخترع أصواتاً معينة لتكون تعبيراً مناسباً عن أفكار بعينها. وأصبح إنساناً بفضل اللغة(56).
وهل أقر لامتري بوجود إله "محركاً أول" لآلة العالم؟ وكأن فولتير وديدرو قد دافعا عن هذه الحجة من الحاجة إلى وجود نظام للكون. ورفضها لامتري في احتقار:
إن كل تفكير يقوم على العلل أو الأسباب النهائية تفكير طائش. إن الطبيعة تمهد الطريق للسيد البرجوازي ليتحدث نثراً دون أن يعرفه. إن الطبيعة عمياء حين تهب الحياة، قدر ما هي بريئة حين تدمرها. وكما أنها دون نظر خلقت عينين تبصران، فإنها كذلك صنعت دون تفكير، آلة تفكر(57).
ولم يكن لامتري ملحداً صريحاً. إنه تظاهر بالميل إلى نبذ موضوع الإله




صفحة رقم : 12517




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


على أنه غير هام "فليس يهمنا من أجل راحة البال، إذا كانت المادة أبدية أو أنها خلقت، أو أنه يوجد أو لا يوجد إله"(58). ولكنه نقل ربما عن صديق وهمي "إن العالم لن يكون سعيداً مطلقاً إلا إذا كان ملحداً"، فعند ذاك لا تكون ثمة مزيد من خلافات لاهوتية ولا اضطهادات من جانب الكنيسة ولا مزيد من الحروب الدينية، ويمكن للإنسان أن يعبر عن غرائزه الطبيعية دون شعور بالإثم(59) وقنع لامتري بالنسبة لشخصه بالمادية (المذهب المادي) وأختتم كتابه "الإنسان آلة" بعبارة جريئة متحدية: "هذا هو منهجي -بل هو الحق، إلا إذا كنت ضللت كثيراً. إنه موجز بسيط. ناقشوه الآن إذا أردتم"(60). ويحتمل أنه من قبيل الدعابة أهدى لامتري بيانه "اللاأدري" (الغنوصي) إلى الشاعر المتدين الورع والعالم الفسيولوجي البرخت فون هوللر الذي رفض الإهداء فزعاً جزوعاً في خطاب إلى "صحيفة العلماء" عدد مايو 1749.
إن المؤلف المجهول لكتاب "الإنسان آلة" أهدى إلى كتابه الخطير بقدر ما هو شاذ غير مألوف، وإني لأشعر بأني مدين بالفضل لله وللدين ولنفسي، إذ أدلي بهذا التصريح... إني أعلن هنا أن الكتاب الذي نحن بصدده لا يلتئم مع مشاعري، وأعتبر أن في إهدائه إلى شخصي إساءة بالغة تفوق في قساوتها كل إساءة وجهها المؤلف المجهول إلى كثير من أفاضل الناس. وأرجو ان يتأكد الجمهور أني لا علاقة لي بهذا المؤلف... وأني لا أعرفه... وأنه يجدر بي أن اعتبر أي توافق بيننا في الآراء أعظم كارثة محققة يمكن أن تنزل بي(61).
وأستمر لامتري يطبع الإهداء في الطبعات اللاحقة من هذا الكتاب. وتناول الناس "الإنسان آلة" بالنقد والتمحيص على نطاق واسع، وأجمعوا على دحضه وتفنيده. وكان من اليسير نقد الأسلوب المضطرب في هذا المجلد الصغير وشجب الثقة بالنفس وتبيان مواضع مجانبة الحقيقة. ولم يكن واضحاً على الإطلاق أن النفس والجسم يغلبهما النعاس معاً(62) وبعض الكتاب أكثر إشراقاً في أحلامهم وأوهامهم منهم في كتاباتهم.



صفحة رقم : 12518




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله

وقد
يستقر جسم مريض في جسم سليم مثل بوب وسكارون، ولن يسلم محبو اللحوم النادرة أنهم لا يزالون في مرحلة الصيد. إن لامتري نفسه الذي كان كثير المزاح نشر نقداً مزعوماً لكتابه، في رسالة غفل من أسم المؤلف تحت عنوان "الإنسان أكثر من آلة" -وربما كان هذا وسيلة لجذب الأنظار إلى كتابه الأول.
ومن ناحية أخرى ربما كان لامتري متأثراً حقاً بالحجج التي تساق ضد المذهب الآلي، ونحن نعلم أنه كان مهتماً بشرح ترمبلي (1744) للقوى التجديدية في الماء العذب لبعض الحيوانات المائية البسيطة، مما لم يتفق بسهولة مع النظرية الآلية. وكان جورج سقتال الذي اشتهر برأيه في وجود نارية في الأجسام، قد قلب في جرأة (1717) الفرضية الفسيولوجية، ذلك انه بدلاً من القول بأن الجسم هو الذي يحدد أفكار النفس واختياراتها، فإن النفس -وهي العنصر المتأصل النشط- هي التي تتحكم في نمو الأعضاء وعملها. وكان تيوفيل دي بوردو -طبيب دالمبير- يعتقد أن العمليات الفسيولوجية، حتى أبسط الهضم غير قابلة لتفسيرات آلية أو كيميائية بحتة(63) وعرض جان بابتست روبينيه لحيوية كونية وهبت كل المادة الحياة والحساسية. وكان واضحاً أن لامتري يود أن يرتضي هذا الحل لمشكلة المادة بازاء الحياة.
وفي الوقت عينه أنتقل لامتري ليستنتج مذهباً قائماً على اللذة من فلسفته المادية. وفي كتب ثلاثة مستقلة -بحث في السعادة، واللذة، وفن الاستمتاع- أعلن أن حب الذات هو أسمى الفضائل، وأن اللذة الحسية هي أعظم الخير، وكره تحقير اللاهوتيين لملذات الحياة، ونازع في سمو المتعة العقلية المزعومة ورأى أن كل الملذات حسية حقاً. ومن ثم فإن البسطاء من الناس الذين لا يهتمون بالحياة الفكرية أسعد حالا من الفلاسفة، ويقول لامتري: لا يندمن أي إنسان على انغماسه في الملذات الحسية ما دامت لا تنطوي على أي ضرر للغير، ولا يجوز أن يعتبر أي إنسان مسؤولاً مسؤولية خلقية عن جرائمه لأنها نتاج الوراثة والبيئة اللتين لا سلطان له عليهما، وينبغي ألا




صفحة رقم : 12519




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


يعالجوه بالعضات بل بالدواء، وبحزم يحمي المجتمع، بل وبشفقه تعترف بحتمية كونية. ومن المرغوب فيه أن نختار لمناصب القضاء أمهر الأطباء(64).
وكانت هذه الآراء من علائم انتصار أبيقور (وقد أسيء فهمه) على زينون في فرنسا القرن الثامن عشر: واستسلمت الفلسفة الرواقية في العهد الزاهر للويس الرابع عشر، لدفاع الأبيقورية عن مذهب اللذة في عصر الأستنارة، ولشمولية المادة واطراح الآلهة. فلا عجب أن يشتد الإقبال على كتب لاتري من جمهور تحرر من أوهام اللاهوت وأرهقته الشكليات التقليدية والقيود الخلقية. ومهما يكن من أمر فإن المجتمع المهذب نفر من لامتري باعتباره مفكراً خارجاً على جماعته كشف عن كثير من معتقدات الطبقة العليا، وهو عاجز عن ضبط النفس، وهاجمه رجال الدين مبعوثاً من عند الشيطان. وأستحث رجال اللاهوت في ليدن الحكومة الهولندية لإبعاده عن البلاد. وفي فبراير 1738 دعاه المفكر الحر فردريك الأكبر للحضور إلى بروسيا ومنحه راتباً، وضمه إلى أكاديمية العلوم في برلين، وأستأنف لامتري ممارسته مهنة الطب وكتب عن الربو وعن الدوزنتاريا أبحاثاً اعتبرها الملك أحسن ما كتب من نوعها. وبعد أن أصطدم فولتير بلامتري في حاشية فردريك، كتب إلى مدام دنيس في 6 نوفمبر 1750 يقول:
هنا رجل مرح جداً، هو لامتري، وأفكاره عبارة عن ألعاب نارية، على شكل صواريخ من السماء دائماً. وثرثرته مسلية لبضع دقائق، ولكنها مزعجة بعد ذلك إلى حد مؤلم. أنه ألف دون أن يدري كتاباً رديئاً، دأب فيه على تحريم الفضيلة والندم وامتداح الرذائل، وحرض فيه قراءه على الحياة المختلفة والمنافية للأخلاق والحشمة -دون قصد سيئ منه. وفي كتابه هذا ألف من اللمسات المشرقة، ولكن فيه نصف صفحة من العقل. إنها أشبه بومضات برق في الليل.. اللهم حل بيني وبين اتخاذه طبيباً لي، إنه قد يعطيني عقاراً مزعجاً بدلا من الراوند بكل براءة. ثم يشرع في الضحك والسخرية. وهذا الطبيب العجيب هو قارئ الملك.




صفحة رقم : 12520




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> الملحدون -> هل الإنسان آله


وأحسن ما في الموضوع إنه يقرأ له كتاب "تاريخ الكنيسة" إنه يقرأ مئات من الصفحات من الكتاب، وهناك مواضيع يكاد يختنق فيها الملك والقارئ من الضحك(65).
وكان لامتري قد وصف الموت بأنه خاتمة مسرحية هزلية ساخرة تمثل. وفي 11 نوفمبر 1751، وهو في الثانية والأربعين قدم نفسه مثالاً لهذه المسرحية. ففي مأدبة عشاء أقامها له مريض عالجه من داء عضال، فأتخم بفطيرة من لحم الطير، فانتابته حمى شديدة وقضى نحبه. وهنا قتل المرض طبيبه(66). وكتب الملك بهذه لمناسبة رثاءً جميلاً. وتنفس فولتير الصعداء. وانتقلت أفكار الرجل المتوفى إلى ديدرو ودي هولباخ، ودخلت إلى روح العصر.




صفحة رقم : 12521




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل



الفصل التاسع عشر




ديدرو والموسوعة




1713-1768




1- سنوات الضياع والكسل




1713-1748


ولد ديدرو في 5 أكتوبر 1713 في لانجرز في شمبانيا، على مسافة 38 ميلاً من ديجون. وكأن أبوه ديدييه ديدرو يشتغل بصنع الأدوات القاطعة وتخصص في صنع الآلات الجراحة وكانت الأسرة تشتغل بهذه الحرفة لمائتي سنة خلت. ولم يرث دنيس على أسلافه ثباتهم القانع على مهنتهم وعقيدتهم، ولكنه لم يكف يوماً عن إجلاله تقديره لأمانة أبيه بالبساطة وإقباله على أعمال البر والخير في هدوء. وينقل عنه دنيس قوله "أي بني، أن العقل وسادة ممتازة وثيرة ولكني أجد إثارة وراحة أكثر حين أسند رأسي إلى وسادة الدين والقوانين"(1) وهنا في جملة واحدة تردد الصوتان اللذان سمعا في فرنسا القرن الثامن عشر. وكان له أخ اصبح كاهناً وخصماً لدوداً لدنيس. وأخت دخلت الدير.
وكاد دنيس نفسه أن يكون كاهناً، ذلك أنه منذ الثامنة حتى الخامسة عشرة من عمره ألتحق بمدرسة يسوعية في لانجرز وفي الثانية عشرة حلق شعر رأسه وارتدى غفارة سوداء (لباس الكاهن في الكنيسة) وعاش حياة الزهد والتقشف، وعقد العزم على أن يكون يسوعياً. وفسر هو هذا فيما بعد، بأنه فيض من حماسته، وأنه كان قد أخطأ "الحافز الأول لحنين جنسي ينمو بين جنبيه فخاله صوت الله"(2). وأبتهج الوالد ديدييه لهذا النداء الباطني الجديد لدى أبنه. ورافقه مغتبطاً إلى باريس (1729) ليلحق، بكلية (لويس الأكبر) اليسوعية هناك ومنها حصل في 1732 على درجة الأستاذية. ولكن كما حدث في حالات كثيرة كان اليسوعيون يفقدون راهباً مبتدئاً بشحذ ذهنه وصقله. وأكتشف دنيس أن باريس عبارة عن




صفحة رقم : 12522




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


مواخير أكثر منها كنائس. فخلع غفارته وتخلى عن ورعه وتقواه، وأنصرف إلى التدريب عند أحد المحامين. وسرعان ما نبذ القانون، وقضى عشرة سنين يتنقل من مهنة إلى مهنة. وعانى آلام الفقر في حجرة فوق السطح، ونفذ صبر والده فمنع عنه النفقة، ولكن والدته كانت تمده ببعض المعونة خفية. وأقترض دنيس بعض النقود، وكان أحياناً يسدد ما أقترض. وأعطى دروساً خاصة في الرياضيات، ودبج العظات للقساوسة، وأشتغل كاتباً عند بائع كتب، وفي نفس الوقت تابع دراسته في الرياضيات واللاتينية واليونانية والإنجليزية، وألم الماماً جيداً بالإيطالية. وكان متمرداً على القانون ولكنه كان تواقاً شديد التوق إلى المعرفة والحياة. لم يتعلم النظام والانضباط قط، ولكنه تقريباً تعلم كل ما عدا ذلك.
وكان مفلساً خالي الوفاض،ولكنه ممتلئ حيوية وقوة، ووقع في شرك الغرام وأعتزم الزواج. وكانت أنطوانيت شامبيون تكبره بثلاث سنين وثمانية أشهر، ولكنها كانت سيدة. وعنفته على شبابه المفاجىء، ولكنه أكد لها أن هذه مقدمة لحياة زوجية أمينة، وأنه سيكون رفيق حياتها المخلص الأمين إلى الأبد. "أن خطابات غرامي الأخيرة موجهة لك، ولتعاقبني السماء باعتباري أشر الناس وأشدهم خيانة وغدراً إذا سطرت كتاب غرام إلى أحد غيرك"(3). ونقضت أرق خطاباته هذا العهد. واستسلمت والدة أنطوانيت لدموع أبنتها ولفصاحة الخطيب ولسانه الذرب، ووافقت على الزواج شريطة الحصول على موافقة أبيه. وجمع ديدرو ما يكفي من المال لسداد نفقات العربة إلى لانجرز على بعد 180 ميلاً.
ووصل إلى لانجرز، وهناك تأثر والده بتجارب طبع وصلت إلى أبنه لترجمته لتاريخ اليونان عن الإنجليزية. وعرض الوالد أن يقدم العون لأبنه في أي عمل. وكان على دنيس أن يختار، ولا بد أن يقع اختياره على شيء ما. فأعلن الشاب عن تلهفه على الزواج فعنفه أبوه بقسوة على أنه شاب عاق كسول سيء التدبير. ورد الابن رداً وقحاً، وأقسم أن يتزوج سواء وافق أبوه أم لم يوافق، ودون أي عون مادي منه. وسجنه أبوه في دير محلي،




صفحة رقم : 12523




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


وهرب دنيس وسار على قدميه تسعين ميلاً إلى تروي حتى أستقل عربة هناك. وعاد أدراجه إلى باريس.
ولكن مدام شامبيون كانت مصممة على ألا تتزوج أبنتها من رجل منفصل عن أبويه محروم من الميراث وكان ديدرو يقيم في حجرة حقيرة لا يكاد يملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنتابه مرض شديد فلما علمت أنطوانيت بذلك أسرعت إليه مصطحبة أمها معها قسراً، وهناك انهارت معارضة الأم. وسهرت مدام شامبيون وأبنتها على العناية بالفيلسوف المريض، وفي 6 نوفمبر 1743 تزوجت "نانيت من نينو" (كما كان يسمي الواحد منهما الآخر) في منتصف الليل في كنيسة صغيرة أثرت بمثل هذه الزيجات السرية. وأبتهج الزوجان بانجاب طفلة بعد تسعة أشهر، ولكنها لم تعمر لأكثر من ستة أسابيع. وولد لهما ثلاث أطفال آخرين جاوز واحد منهم سن الطفولة. وأثبتت أنطوانيت أنها زوجة مخلصة ولكن رفيقة غير ملائمة عاجزة عن متابعة تحليقات أو شطحات زوجها الفكرية، غير راضية في شيء من المزاح، عن دخله الضئيل من الترجمة. وعاد إلى مقاهي الفساد يعيش على قهوة ويلعب الشطرنج. وفي 1746 كان قد أتخذ له عشيقة هي مدام بويسييه، ومن اجلها كتب "الأفكار الفلسفية" "الحلي الزائفة" و"رسائل إلى العميان".
وكان منذ وقت طويل قد أستسلم لفتنة الفلسفة التي تجتذبنا دائماً، لأنها لا تجيب أبداً عن الأسئلة التي لا نكف مطلقاً عن إلقائها. ومثل بعض المفكرين الأحرار في هذا القرن، تأثر من هذه الناحية تأثراً عميقاً بقراءة مونتاني وبيل، ووجد في كل صفحة تقريباً في "المقال" وفي "القاموس" فكرة رائعة تلفت النظر. وأجتذبه كثرة مراجع مونتاني وإشاراته إلى الروائع الوثنية إلى الاستزادة من دراسة الفلاسفة اليونان والرومان وبخاصة ديموقريطس، وأبنيقوز ولوكريتس. وكان هو نفسه "الفيلسوف الساخر" في عصره، فيلسوفاً مادياً يتدفق حيوية ونشاطاً- ولم تتيسر له نفقات زيارة إنجلترا مثل فولتير ومونتسكيو، ولكنه تعلم أن يقرأ الإنجليزية في سهولة




صفحة رقم : 12524




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


ويسر. ولو ليستمتع بالشعراء والمسرحيين الإنجليز. ولسوف نراه يتجاوز مع عواطف طومسون ويدافع، مثل ليللو عن مأساة حياة الطبقة الوسطى. وتأثر بدعوة فرانسيس بيكون إلى قهر الطبيعة وطريق البحث العلمي المنظم، وأنتقل إلى تمجيد التجربة أداة عظيمة للعقل. وأستمع في سني تكوينه وتشكيله هذه، ومرة أخرى عند إعداد الموسوعة -إلى محاضرات في البيولوجيا والفسيولوجيا والطب. وشهد طيلة سنوات ثلاثة مؤتمرات رويل في الكيمياء ودوّن ملاحظات في 1258 ورقة من القطع الكبير. ودرس التشريح والفيزياء، وتمشى مع رياضيات زمانه، وتابع الأبحاث من بيكون إلى هوبز ولوك والربوبيين الإنجليز. وفي 1745 ترجم كتاباً شافتسبري "بحث في الفضيلة والجدارة" وأضاف تأملات من عنده، وأستمر طوال التقلبات يؤمن بأن الخير والحقيقة والجميل كلها مؤتلفة تقريباً، وأن قانوناً أخلاقياً مؤسساً على العقل، لا على الدين، يفيد النظام الاجتماعي بدرجة كافية.
وأصدر في 1746، مدفوعاً بكل هذه الحوافز وبخياله الواسع الخصيب، كتابه "أفكار فلسفية" دون أن يذكر أسم المؤلف. وكان متطرفاً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى لامتري، بلغياً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى فولتير. وربما كان لكليهما بعض الفضل فيه. وبدأ بدفاع عن "الانفعالات" وهنا حاول الفكر الجريء، متفقاً في ذلك مع صديقه روسو، أن يبرهن على أنه لا ضير من "أن تقول الفلسفة كلمة في صالح خصوم العقل، مذ كانت الانفعالات وحدها هي التي ترتفع بالنفس إلى الأشياء العظيمة، ولن يبلغ شيء ذروة السمو في الأخلاق أو الأعمال بدون الانفعالات، فقد ترجع الفنون القهقرى إلى طفولتها، وتتقلص الفضيلة إلى أتفه الأعمال بدونها(4). ولكن الانفعالات بدون نظام تكون مدمرة. ويجدر أن يكون هناك بعض التنسيق بينها، ولا بد من إيجاد طريقة ليكبح الواحد جماح الآخر. ومن هنا نحتاج إلى العقل، وينبغي أن يكون أعظم هاد ومرشد لنا، وهنا كانت محاولة مبكرة في عصر التنوير للتوفيق بين العقل والوجدان، بين فولتير وروسو.




صفحة رقم : 12525




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


وكان ديدرو، مثل فولتير، في أولى مراحل تطوره ونموه، ربوبياً. أن شواهد تصميم العالم وتكوينه ترغم على الإيمان برب ذكي بارع. ويمكن أن يفسر المذهب الآلي المادة والحركة، ولكنه لا يستطيع تفسير الحياة والفكر. أن ملحد المستقبل تحدى الملحدين أن يفسروا عجائب حياة الحشرات التي كشفت عنها حديثاً أبحاث ربومير وبونيه:
هل رأيتم في تفكير أي إنسان وأعماله، ذكاءاً ونظاماً وحكمة واتساقاً أكثر من تركيب الحشرة؟ أليست بصمات الإله واضحة في عين البعوضة الصغيرة وضوح موهبة التفكير في أعمال نيوتن العظيم؟... فكروا فقط في أني لم أبرز لكم إلا جناح الفراشة وعين البعوضة. على حين كان يمكن أن أسحقكم بثقل الكون(5).
ومهما يكن من أمر فأن ديدرو نبذ في ازدراء الإله الذي جاء به الكتاب المقدس حيث بدا له هذا الرب جباراً قاسياً غاية الجبروت والقسوة، واتهم الكنيسة التي نشرت هذا المفهوم بأنها منبع الجهل والتعصب والاضطهاد. وهل ثمة شيء أشد حمقاً وسخفاً من أن يجعل إلهاً يموت على الصليب ليهدئ من غضب الله على رجل وامرأة ماتا منذ أربعة آلاف سنة. ثم -كما يقول بعض رجال اللاهوت "إذا لعنت وعذبت ألف نفس مقابل خلاص نفس واحدة، أليس الشيطان هو الرابح في هذه القضية، دون أن يسلم الرب أبنه إلى الموت؟ ولم يعترف ديدرو بأي وحي إلهي سوى الطبيعة نفسها. وناشد قراءه أن يرتفعوا إلى مفهوم جديد بالكون الذي كشف عنه العلم. وطالب "بتكبير الإله وتحريره"(6).
وأمر برلمان باريس بإحراق الكتاب بمعرفة المدعي العام بتهمة "تقديمه إلى الأذهان القلقة المضطربة الجريئة أشد الأفكار سخفاً وأجراماً، والتي من شأنها إفساد الطبيعة البشرية، وبوضعه كل الأديان في مستوى واحد تقريباً، في ارتياب مصطنع، حتى ينتهي إلى عدم الاعتراف بها جميعاً(7) ولما كان إحراق الكتاب الصغير (7 يوليو 1746) بمثابة إعلان عنه، فوجد له عدداً غير متوقع من القراء، وترجم إلى




صفحة رقم : 12526




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


الألمانية والإيطالية، ولما تهامس الناس بأن ديدرو هو مؤلفه، أرتفع إلى مرتبة تداني فولتير. وتسلم من الناشر 50 جنيهاً ذهباً. أعطاها لعشيقته التي كانت في حاجة إلى ملابس جديدة.
ولما تزايدت مطالب مدام دي بويسيبه، ألف ديدرو كتاباً آخر (1747) سمع به كاهن الأبرشية، فتقدم بالرجاء إلى الشرطة لتحمي المسيحية من هجوم ثانٍ. ففاجأ رجال الشرطة المؤلف في داره وصادروا مخطوطة الكتاب، أو كما يروي بعضهم، قنعوا بوعد منه بعدم نشره. وعلى أية حال لم يظهر كتاب "نزهة الشكاك" حتى 1830 ولم يزد هذا الكتاب في شهرة المؤلف ولكن فيه تنفيس عن مشاعره. لجأ إلى حيلة الفيلسوف الأثيرة لديه في المراوغة، إلا وهي الحوار، فهيأ لربوبي وقائل بوحدة الوجود (الله والطبيعة شيء واحد، الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية) وملحد، بأن يشرحوا وجهات نظرهم في الألوهية. ويكرر الربوبي في حماسة الحجة المأخوذة من تصميم الكون، ولم يكن ديدرو مقتنعاً بعد بأن تكيف الوسائل مع الغايات في الكائنات هو تكييف رائع ممتاز يمكن تفسيره بعملية عمياء من تطور اتفاقي جاء مصادفة. أما الملحد فيصر على أن المادة والحركة والفيزياء والكيمياء تفسير للكون أفضل من إله لا يفعل إلا أن يؤجل مشكلة الأصل أو المنشأ. أما القائل بوحدة الوجود، وكانت له الكلمة الأخيرة والقول الفصل، فيعتقد أن الذهن والمادة أبديان معاً، وأنهما يؤلفان الكون، وأن هذه الوحدة الكونية هي الله. وربما كان ديدرو يقرأ سبينوزا.
وكان عام 1748 مثيراً ومجهداً. وكانت أنطوانيت قد وضعت طفلا وكانت مدام دي بويسييه تطالب بتعويض عن الزنى والفجور، ومن المحتمل أن ديدرو، رغبة في الحصول على المال بسرعة، كتب آنذاك قصة فاجرة "الحلى الزائفة" وبناء على ما أوردته أبنته (مدام دي فامديل مستقبلا في كتابها: مذكرات من تاريخ حياة وأعمال ديدرو)- ولا ينبغي الأخذ بما جاء به قبل التأكد من صحته -فأن ديدرو ذكر لعشيقته أن كتابة قصة مسألة سهلة نسبياً، ولكنها تحدته في ذلك فراهن على تأليف قصة ناجحة في




صفحة رقم : 12527




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> سنوات الضياع والكسل


أسبوعين، وواضح أنه كان يقلد كربيونCrebillon الأصغر في "الأريكة" 1740 حيث أخذت أريكة تتذكر من جديد عدد العاشقين الذين كانت تئن تحتهم. وتخيل ديدرو خاتماً سحرياً عند أحد السلاطين إذا وجهه إلى الحلي الزائفة عند المرأة، وجعلها وعشيقها يعترفان بكل ما قاسى الأثنان وعانيا من الغرام. ووجه الخاتم السحري إلى ثلاثين سيدة، وما كاد يفتر عنصر التشويق والامتاع في المجلدين كليهما. وخلط المؤلف البذاءة بشيء من الملاحظات المثيرة عن الموسيقى والأدب والمسرح-وأضاف حلماً رأى فيه السلطان طفلا يسمى "التجربة" أخذ ينمو ويكبر ويقوى حتى دمر معبداً قديماً أسمه "الفريضة" وحقق الكتاب غرضه على الرغم من إقحام الفلسفة فيه، حيث أمكن أن يدر مالاً، ودفع الناشر لورنت دوراندا لديدرو مبلغ 1200 جنيه في المخطوطة وعلى الرغم من أن الكتاب لم يكن يباع إلا خلسة فقد عاد بربح وفير. وخرجت ست طبعات بالفرنسية في 1748 وظهرت عشر طبعات في فرنسا بين عامي 1920-1960 والواقع أن هذا أوسع كتب ديدرو انتشاراً وأكثر عدد طبعات(8).
وبدل ديدرو من طبعه وحالته النفسية حين كتب رسائل علمية. وقدر أحسن التقدير كتابه :مذكرات في موضوعات مختلفة في الرياضيات" (1748) الذي ضم أبحاثه علمية أصيلة في الصوت والجهد ومقاومة الهواء، "وتصميماً لأرغن جديد" يمكن أن يعزف عليه أي إنسان. وأثنت "مجلة الرجل المهذب" "وصحيفة العلماء" على بعض المقالات، بل إن صحيفة اليسوعيين "دي تريفو" امتدحتها، ودعت إلى مزيد من مثل هذه الأبحاث من رجل بارع قدير مثل مسيو ديدرو الذي نلاحظ أن أسلوبه رشيق واضح غير متكلف بقدر ما هو مبدع(9). وظل ديدرو طوال حياته ينطلق بشكل غير متواصل إلى العلوم الطبيعية. ولكن ازداد ميله إلى مسائل علم النفس والفلسفة. وكاد يكون في كل مجال تقريباً أكثر المفكرين أصالة في زمانه.




صفحة رقم : 12528




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم



2- الأعمى والأصم والأبكم




1749-1751


لفت نظر ديدرو بوجه خاص مسألة كان قد أثارها وليم مولينكس الأيرلندي 1692: هل يستطيع إنسان ولد أعمى كان قد تعلم التمييز بين مكعب وجسم كروي باللمس. أن يفرق في الحال إذا عاد إليه بصره، بين هذين الجسمين، أو هل يقتضي الأمر قبل هذا التفريق بعض الخبرة في العلاقات بين الأشكال ملموسة ونفس الأشكال مرئية؟ وجاء الجواب الثاني من مولينكس وصديقه لوك. وفي 1728 قام وليم شولدن بتجربة ناجحة على صبي في الرابعة عشرة من عمره، كان ضريراً عند الولادة، وكان لزاما أن يتدرب الصبي قبل أن يتمكن من التمييز بين الأشكال بالنظر وحده. ولاحظ ديدرو أيضاً بعناية مثيرة حياة نيقولا سوندرسن الذي فقد بصره في عامه الأول، ولم يسترده قط، ولكنه ابتدع لنفسه كتابة رياضية خاصة على طريقة بريل، ومن ثم أكتسب قدرة إلى درجة عين معها أستاذاً للرياضيات في كمبردج.
وفي أوائل 1749 دعا ريومور مجموعة مختارة من الناس ليشاهدوا ماذا يحدث عند إزالة الضمادات عن عيني امرأة أجريت لها عملية لعلاجها من عمى خلقي. وأستاء ديدرو وجرحت كبرياءه لأنه لم يدع هو والفلاسفة الآخرون إلى هذه المناسبة. وباستهتاره المعهود قال إن ريومور كان قد رتب أن ترفع الضمادات أمام "بعض عيون لا قيمة ولا شأن لها(10)" وطبقا لما روته ابنة ديدرو أساءت هذه العبارة إلى مدام دييري دي سانت مور التي كانت تفتخر بعينيها والتي كانت العشيقة الحالية لمدير المكتبة الحالي، أو كبير مراقبي المطبوعات الكونت دارجنسون (مارك ببير، الأخ الأصغر للمركيز رينيه لويس).
وفي 9 يونيو نشر دوراند كتاب ديدرو "رسالة عن العميان لخدمة المبصرين" وكانت على شكل رسالة موجهة إلى مدام بويسبيه. وبدأت بوصف زيارة قام بها ديدرو وبعض الأصدقاء لزارع كروم أعمى. وأذهلهم روح النظام عند الرجل المكفوف البصر إلى حد الذي تعتمد عليه فيه زوجته




صفحة رقم : 12529




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


بالليل في إعادة كل شيء إلى مكانه بعد فساد النظام أثناء النهار. وكانت حواسه الباقية أحد وأقوى من حواس الناس العاديين "وهناك بالنسبة له فروق بسيطة لا تكاد تذكر من نعومة الأجسام، وهي فروق لا تقل دقة عن الفروق بين أصداء الأصوات، ولا خوف من أن يحسب خطأ أن سيدة أخرى هي زوجته، إلا إذا كان في المبادلة كسباً له(11) ولم يكن يدرك كيف يعرف الإنسان الوجه دون أن يلمسه. وانحصرت روح الجمال عنده في الأشياء الملموسة وفي رخامة الصوت والمنفعة ولا يجد عاراً في العرى لأنه يجد أن في الثياب حماية من الجو لا اخفاء الجسم عن أعين الآخرين. وأعتبر السرقة جريمة كبرى لأنه يقف حيالها عاجزاً لا حول له ولا قوة.
وخلص ديدرو إلى أن أفكارنا عن الصواب والخطأ ليست مستمدة من الله، بل من خبرتنا الحسية. بل وحتى فكرتنا عن الله يجب تعليمها، وهي أيضاً مثل فكرتنا عن الأخلاق، نسبية متنوعة. ووجود الله مشكوك فيه لأن البرهان من أصل الوجود فقد كثيراً من قوته. حقاً هناك شواهد وبراهين على التصميم والتركيب في كثير من الكائنات والأعضاء مثلما هو في الذبابة والعين، ولكن ليس ثمة شواهد على التصميم في الكون باعتباره كلا، لأن بعض الأجزاء عوائق - إن لم تكن أعداء فتاكة- لأجزاء أخرى، وكل تركيب تقريباً محكوم عليه أن يلتهمه تركيب عضوي آخر وتبدو العين مثالاً رائعاً لتطابق الوسائل مع الغايات، ولكن فيها عيوب وشوائب جسيمة (كما يوضح هلمهولتز هذا تفصيلا فيما بعد) وثمة عفوية أو تلقائية خلاقة في الطبيعة، ولكنها نصف عمياء. وتؤدي إلى كثير من الخلل والاضطراب والتبديد والضياع. ورغم ديدرو أنه أقتبس من كتاب "حياة دكتور نيقولا سوندرسون وخلقه لمؤلفه وليم أنشليف (وواضح أنه لم يوجد قط)، فأجرى على لسان الأستاذ الأعمى قوله "لماذا تحدثني عن هذا المشهد الجميل الذي لم يصنع من أجلي قط؟... إذا أردت مني أن أومن بالله فينبغي أن تجعلني ألمسه(12) وفي سيرة الحياة الوهمية هذه رفض




صفحة رقم : 12530




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


سوندرسن الإيمان بالله وعزا نظام الكون إلى انتقاء طبيعي للأعضاء والتركيبات العضوية عن طريق بقاء الأصلح.
كل تركيبات معيبة ناقصة من المادة اختفت. ولم يبق منها إلا ما انطوى تركيبه على تعارض غير ذي أهمية، والتي يمكن أن تستمر وتبقى بوسائلها ولكن النتاجات الضخمة الغريبة تظهر من حين إلى حين... ما هو العالم؟ إنه مركب خاضع لثورات تشير كل منها إلى نزعة ملحة إلى التدمير، تسلسل سريع للكائنات يعقب بعضها بعضاَ. ويدفع بعضها بعضاً ثم تختفي(13) ويختتم ديدرو بمذهب اللا أدرية: "واحسرتاه يا سيدتي، إننا إذ نضع المعرفة الإنسانية في ميزان مونتاني فلن نبعد عن شعاره، لماذا نكتسب المعرفة؟ إننا لا نعرف شيئاً عن طبيعة المادة، وعن طبيعة الذهن والفكر، لا نعرف إلا أقل من ذلك. بل لا نعرف شيئاً إطلاقاً(14).
وجملة القول إن رسالة العميان من أعظم وأروع ما كتب في عصر الاستنارة في فرنسا. إنه كتاب جميل ساحر من حيث السرد والقصص، كما أنه يتميز بدقة الملاحظة والتبصر البارع العطوف بوصفه بحثاً في علم النفس، كما يتميز بخيال مثير بوصفه بحثاً في الفلسفة، وهو مرهق قرب انتهاء صفحاته الستين ولكنه يضم بعض ما يجافي الحشمة مما لا يكاد يليق برسالة مفروض إنها موجهة إلى سيدة، ولكن ربما كانت مدام دي بويسييه متعودة على خلط ديدرو بين بذاءة السوقة وسعة الإطلاع والمعرفة. وشمل البحث، لحسن الحظ، اقتراحاً مفصلاً لما عرف فيما بعد باسم طريقة لويس بريل(15).
وأرسل فولتير الذي كان آنذاك في باريس (1749) إلى ديدرو وتقريظاً حماسياً للبحث، قال فيه: "قرأت في سرور بالغ كتابك الذي يذكر الشيء الكثير ويوحي بشيء أكثر. وكنت منذ أمد أقدرك أعظم التقدير، بقدر ما أحتقر أولئك الأغبياء الذين ينقصون من قدر ما لا يفهمون...




صفحة رقم : 12531




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


ولكني أعترف لك أني لست من رأى سندرسن الذي ينكر وجود إله، لأنه ولد أعمى. وربما كنت مخطئاً، ولكن لو أني في مكانه لاعترفت بوجود كائن أعظم بارع وهبني إضافات كثيرة تكمل البصر. أود من كل قلبي أن أتحدث إليك. وليس يهمني أن تعتقد أنك واحد من مخلوقاته، أو أنك جزء دقيق التنظيم من مادة أبدية ضرورية. وقبل مغادرتي لونفيل أرجو أن تشرفني بتناول عشاء فلسفي معي، في داري بصحبة بعض الحكماء.
ورد عليه ديدرو في 11 يونية:
سيدي الأستاذ العزيز: إن اللحظة التي تسلمت فيها خطابك من أسعد لحظات الحياة... إن رأى سوندرسن ليس رأيي ولا هو رأيك... إنا أومن بالله، ولكني أنسجم كثيراً مع الملحدين، ومن المهم جداً ألا نخلط بين الشوكران (نبات يستخرج منه شراب سام) والبقدونس. ولكن ليس يهمني مطلقاً أن تؤمن بالله أولاً تؤمن به. وقال مونتاني إن العالم كرة تخلى عنها الإله للفلاسفة ليهيموا على وجوههم مطوفين حولها...(16).
وقبل ظهور أية نتيجة لهذه المراسلات قبض على ديدرو. ذلك أن الحكومة ثار غضبها لنقد صلح إكس لاشابل المذل علناً. وأودعت السجن نفرا من النقاد، ورأت أن الوقت قد حان لكبح جماح ديدرو وإيقافه عند حده ولسنا ندري إذا كان الإلحاد في رسالة العميان هو الذي أثار احتجاج رجال الدين، أو أن مدام دبري دي سانت مور وقد ساءتها إشارة ديدرو إلى العيون التي لا قيمة لها قد حفزت عشيقها (كبير مراقبي المطبوعات) إلى اتخاذ إجراء. وعلى أية حال فإن الكونت دارجنسون أرسل أمراً مختوماً (23 يوليو 1749) إلى ماركيز دي شاتيليه محافظ قلعة فنسان "استقبلوا في القلعة المدعو ديدرو، وأودعوه في السجن لحين صدور أوامر أخرى مني"(71) وفي الصباح الباكر في اليوم التالي طرق رجال الشرطة باب ديدرو، وفتشوا مسكنه ووجدوا نسختين أو ثلاثا غير مجلدة من رسالة العميان، وعدة صناديق مملوءة بمادة الموسوعة الشهيرة التي كان يعدها




صفحة رقم : 12532




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


ديدرو، وحملوها إلى القلعة (في ضواحي باريس) حيث وضع وحيداً في زنزانة في القلعة الكئيبة، وسمح له بالاحتفاظ بكتاب كان في جيبه عند اعتقاله "الفردوس المفقود" وتهيأ له فسحة من الوقت لقراءته بعناية. وكتب عليه حواشي وتعليقات بغير الطريقة التقليدية. واستخدم صفحاته الخالية في تدوين بعض الأفكار وموضوعات أقل ورعاً وتديناً، وتوصل إلى صنع الحبر من كشط الأردواز من الجدران وطحنه وخلطه بالنبيذ، واستخدم عودا من الخلال قلماً. وفي نفس الوقت هرعت زوجته التي عاشت مكتئبة مع طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات إلى رئيس الشرطة برييه، وتوسلت إليه أن يطلق سراح زوجها، وأنكرت علمها بكتاباته "وكل ما أعرفه أن كتاباته شبيهة بسلوكه. أنه يعتز بالشرف أكثر ألف مرة مما يعتز بالحياة، وإن مؤلفاته لتعكس الفضائل التي يتمسك بها"(18). وإذا كانت أنطوانيت لا تعلم شيئاً عن مدام بوبسييه، فإن الشرطة كانت تعلم، وكان أشد فعالية وتأثيراً من ذلك الالتماس الذي تقدم به الرجال الذين عهدوا إلى ديدرو وتحرير الموسوعة، حيث أكدوا لكونت دارجنسون أن المشروع لا يمكن أن يخطو خطوة بدون السجين. وفي 31 يوليو استدعى برييه ديدرو وحقق معه وأنكر ديدرو أنه مؤلف "رسالة العميان" وكتاب "الأفكار" وكتاب "الحلى الزائفة" وأدرك رئيس الشرطة أنه يكذب، وأعاده إلى السجن.
وفي شهر أغسطس، كتبت مدام دي شاتيليه- قبل وفاتها بشهر واحد والمفروض أن هذا بإيعاز من فولتير، من لونفيل إلى قريبها محافظ فنسان، ترجوه على الأقل أن يخفف من الشدة التي يعامل بها ديدرو. وحوالي 10 أغسطس عرض بربيه أن يسمح للسجين بالتمتع بالحرية والتيسيرات في قاعة السجن الكبرى مع الترخيص له باستقبال الزوار وتلقي الكتب، إذا قدم اعترافاً صادقاً. وفي 13 أغسطس وجه الفيلسوف المعاقب إلى بربيه الوثيقة الآتية:-




صفحة رقم : 12533




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


أعترف لك بأن الكتب الثلاثة أن هي إلا نزوات غواية أملاها ذهن تملص مني، ولكني أستطيع... أن أعد تحت كلمة الشرف (وأنا فعلا رجل شريف) بأنها ستكون الأخيرة... وستكون الوحيدة... أما بالنسبة لهؤلاء الذين اشتركوا في نشر الكتب وطبعها، فلن أخفي عنكم شيئاً يتعلق بهم، وسأفضي إليك بأسماء الناشرين والطابعين(19).
وفي 20 أغسطس أطلق سراحه من الزنزانة. ووضعوه في غرفة مريحة، وسمح له باستقبال الزائرين والتنزه في حدائق القلعة، وفي يوم 21 وقع تعهداً بألا يغادر المبنى أو منطقته دون ترخيص رسمي. وجاءت إليه زوجته لتواسيه وتؤنبه وتلومه، وبعث من جديد حبه القديم لها. وزاره دالمبير ورسو ومدام دي بوبسييه وجاء إليه ملتزموا الموسوعة ببعض المخطوطات وأستأنف عمله في تحريرها. ومنذ علم أن أخاه أبلغ أباه بنبأ اعتقاله فأنه كتب إلى الوالد "السكاكيني" المتألم، وأدعى أن اعتقاله كان بناء على مكيدة إحدى السيدات، وطلب منه معونة مالية. وفي 3 سبتمبر أرسل الوالد رداً يكشف عن الجانب الإنساني في الصراع بين الدين والفلاسفة:
يا بني: تسلمت خطابيك اللذين بعثت بهما إلي مؤخراً، تنبئني بخبر اعتقالك وسببه، ولم أتمالك نفسي من القول بأنه لا بد بالتأكيد أن هناك أسباباً أخرى غير التي ذكرتها في أحد الخطابين... وحيث أنه لا يحدث شيء إلا بإذن الله، فإني لست أدري أيهما أفضل لتقويم خلقك: إخلاء سبيلك أو إطالة مدة بقائك في السجن لمدة شهور لتفكر جيداً وملياً في نفسك. ولا تنس أن الله إذا كان قد أنعم عليك بالمواهب، فإنه منحك إياها لا لتستخدمها في العمل على أضعاف مبادئ عقيدتنا المقدسة، لقد قدمت دليلاً كافياً على حبي لك. هيأت لك فرصة التعلم على أمل أن تفيد منه أعظم فائدة، لا أن تورثني أشد الهم والغم والكمد حين علمت بما لحق بك من خزي وعار... سامحني يا بني. ولسوف أصفح عنك. أنا أعلم أنه ليس ثمة إنسان بمنجاة عن الافتراء وتشويه السمعة، وأنهم قد ينسبون




صفحة رقم : 12534




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


إليك أعمالاً لم تشترك فيها... ولن يكون لك اعتبار أو قيمة في نظري إلا إذا صدقتني القول دون لبس أو مواربة، بأنك كما أبلغوني من باريس بأنك تزوجت وأن لك طفلين. فأن كان الزواج شرعياً وأن الأمر قد انتهى فأنا راضٍ، وآمل ألا تضن على شقيقتك بالشعور بالفرح لتنشئتهما، وعلي بالسعادة لرؤيتهما أمام عيني... إنك تسألني مالا. ماذا! إن رجلا مثلك يعمل في مشروعات ضخمة... هل يمكن أن يكون في حاجة إلى مال؟ ولقد قضيت شهراً في مكان لا تكلفك الإقامة فيه شيئاً؟... تذكر أمك المسكينة... إنها في تأنيبها لك، كم من مرة قالت إنك أعمى... قدم لي الدليل على عكس ذلك. ومرة أخرى ، وقبل كل شيء، كن صادقاً ومخلصاً في الوفاء بوعودك... ستجد مرفقاً بهذا حوالة بمائة وخمسين جنيهاً... تنفقها كما تريد... وإني لأنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تخفف فيه من آلامي وهمومي حين أعلم بنبأ إطلاق سراحك... وسأقدم الشكر لله حالما أعلم ذلك
مع الحب الذي أكنه لك...
(والدك الحبيب ديدرو)(20)
ولسنا ندري ماذا كان رد دنيس. وربما وجد مشقة في مجاراة هذه الرسالة في نبلها. وفي 3 نوفمبر 1749 أفرج عنه بعد قضاء ثلاثة شهور ونصف شهر في السجن. وقصد داره سعيداً مبتهجاً بالعودة إلى زوجته وصغاره، ونسي مدام دي بويسييه لفترة من الوقت؛ ولكن في 30 يونية 1750 مات ابنه البالغ من العمر أربع سنوات، إثر حمى شديدة، وأنجب طفلا ثالثاً بعد ذلك مباشرة. ولكنه أوذى أذى بالغاً عند تعميده، حيث أوقعه أحد الخدم على الأرض في الكنيسة، وما لبث أن فارق الحياة قبل انقضاء عام واحد على مولده، وهكذا ولد له ثلاثة ومات ثلاثتهم (وعاد ديدرو إلى أمسياته في مقهى بروكوب. وحوالي 1750 قدمه روسو إلى فردريك مليخيور جريم،وهناك بدأ ثالوث من الصداقة كان له بعض الأهمية




صفحة رقم : 12535




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


في عالم الأدب. وتلك هي السنة التي غادر فيها فولتير فرنسا إلى برلين وكتب فيها روسو الذي نال به الجائزة عن (المدنية مرض) وأصدر ديدرو نشرة تمهيدية عن الموسوعة:
وبينما كان ديدرو يعمل في المجلد الأول من مشروع الموسوعة أستطرد إلى تحقيق في علم النفس نشر نتائجه (1751) في "رسالة عن الصم والبكم لخدمة أولئك الذين يسمعون ويتكلمون". ولم يكن ديدرو قد نسي قلعة فنسان بعد، ومن ثم تجنب الهرطقة، وتسلم من الرقيب (مالشرب الطيب الرحيم آنذاك) "إذناً ضمنياً" بنشر الكتاب في فرنسا دون ذكر اسمه، ودون خوف من المحاكمة أو المقاضاة. واقترح ديدرو أن يوجه أسئلة إلى أحد الصم والبكم، ويلاحظ الإيماءات التي يجيب بها الأصم الأبكم على هذه الأسئلة، وبذلك يلقي الضوء على منشأ اللغة عن طريق الإشارات والإيماءات. أن الممثل القدير (وكان ديدرو آنذاك منشغلا بوضع كتابه "تناقض الممثل" ينقل أحياناً عن طريق إيماءة أو تعبير بالوجه فكرة أو إحساس بشكل أعظم تأثيراً منه عن طريق الألفاظ. ومن الجائز أن الألفاظ الأولى (في اللغة) كانت عبارة عن إيماءات صوتية أو معبرة توضح فكرة في الذهن، وليس للفظة التي يختارها الشاعر دلالة أو معنى عقلي فحسب، ولكن لها كذلك مفهوماً رمزياً متضمناً وفارقاً دقيقاً لا يكاد يذكر، ولها تضمينات بصرية (قارن مثلا بين يرى ويتفرس أو يحدق النظر أو نغمات توافقية في الصوت، قارن بين يقول ويتذمر، Say, murmur ومن ثم فأن الشعر الحقيقي تتعذر ترجمته).
والحديث- كما هو معهود في ديدرو مضطرب يعوزه الترتيب والنظام ولكنه زاخر بالجوانب الموحية. "قد تكون فكرتي أن أحلل الإنسان إذا جاز التعبير، وأدرس ماذا يستمد من كل حاسة من حواسه". (بنى كوندياك مؤخراً في 1754، رسالته عن الأحاسيس حول هذه الفكرة) أو قارن مرة أخرى بين الشعر والرسم، أن الشاعر يستطيع أن يسرد




صفحة رقم : 12536




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الأعمى والأصم والأبكم


الأحداث على حين يبرز الرسام لحظة واحدة، وصورته عبارة عن إشارة تحاول أن تعبر في وقت واحد عن الماضي والحاضر والمستقبل. وهنا كانت بذرة في كتاب ليسنج "لاوكون" (1766).
ولكن في هذه الأثناء كان المجلد الأول من الموسوعة معداً للنشر.




صفحة رقم : 12537




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب



3- تاريخ كتاب




1746-1765


قال الناقد الكاثوليكي برونتيير "إن الموسوعة أعظم عمل في عصرها، والهدف الذي كان يصبو إليه كل شيء سبقها، ومصدر كل شيء جاء بعدها، ومن ثم فإنها المركز الحقيقي لأي تاريخ للأفكار في القرن الثامن عشر"(21). وقال ديدرو إن محاولة إخراج موسوعة إنما تنسب فقط إلى قرن فلسفي(22). إن عمل بيكون وديكارت وهويز ولوك وباركلي وسبينوزا وبيل وليبيتز في الفلسفة، والنهوض بالعلوم على أيدي كوبرنيكس وفيساليوس وكبلر وجاليليو وهوجينز ونيوتن، وارتياد الأرض بفضل الملاحين والبعثات التبشيرية والسياح، وإعادة الكشف عن الماضي على أيدي الباحثين والمؤرخين، كل هذه المعرفة المتراكمة انتظرت لتنسق في موسوعة تكون في متناول الجميع وخدمتهم.
وبدأ في أول الأمر أن "موسوعة تشامبرز" أو "القاموس العالمي للفنون والعلوم" (1728) قد يسد هذه الحاجة. وفي 1743 أقترح ناشر في باريس هو أندريه فرنسوا لي بريتون ترجمته إلى الفرنسية مع تعديلات وإضافات تفي بحاجة فرنسا. ونما المشروع ليظهر في عشر مجلدات ولمواجهة النفقات أشرك لي بريتون معه في هذه المهمة ثلاثة ناشرين آخرين هم برياسون ودافيد ودوران. واستخدموا الأب دي جوا دي مالف محرراً. وحصلوا على إذن ملكي بالطبع، وأصدروا في 1745 نشرة مؤقتة. ورأى الناشرين أو رأى المحرر دي جوا دي مالف الاستعانة بديدرو ودالمبير. وفي 1747 أنسحب دي جوا دي مالف. وفي 16 أكتوبر عين الناشرون ديدرو رئيساً




صفحة رقم : 12538




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


للتحرير مقابل راتب قدره 144 جنيهاً في الشهر. وطلبوا إلى دالمبير أن يكون مسئولا عن مقالات الرياضيات.
وكلما تقدم العمل ازداد ديدرو سخطاً على نص تشامبرز ويمكن أن تقدر هذا السخط والاستياء إذا عرفنا أن ديدرو خصص للتشريح 56 عموداً على حين أفرد له تشامبرز عموداً واحداً، وللزراعة 14 عموداً، على حين أوردها تشامبرز في ستة وثلاثين سطراً. وأخيراً أوصى بتنحية قاموس تشامبرز جانباً وإعداد موسوعة جديدة تماماً، (وربما أقترح مالف هذا فوراً). ووافق الناشرون وأستحث ديدرو (ولم يكن قد أتضح بعد أنه المؤلف الزنديق لرسالة العميان) المستشار الجاد المتدين دي أجسو حتى يشمل الترخيص الملكي المشروع الموسع (أبريل 1748).
ولكن كيف كان يمكن تمويل المشروع؟ قدر لي بريتون أنه قد يكلف مليون جنيه. والواقع أنه تكلف مليوناً وأربعمائة ألف-حتى ولو كان من المشكوك فيه كثيراً أن يكون عدد المشتركين كافياً إلى حد يدفعون معه بالموسوعة إلى المطبعة. وكان ديدرو وقد أعد بالفعل كثيراً من المقالات وحصل على عدد آخر منها من أجل المجلدات الأولى حين أوقف اعتقاله في فنسان سير العمل. وعندما أطلق سراحه تفرغ تفرغاً كاملاً للمضي في المشروع. وفي نوفمبر 1750 أخرج الناشرون ثمانية آلاف نسخة من نشرة تمهيدية دبجها يراع ديدرو. (وفي 1950 أعادت الحكومة الفرنسية طبع هذه النشرة تذكاراً وطنياً لهذا الحادث). وأعلنت هذه النشرة إن فريقاً من الأدباء والخبراء والمتخصصين أتجه رأيهم إلى جمع المادة الموجودة في العلوم والفنون في صعيد واحد مرتبة ترتيباً أبجدياً، مزودة بمراجع قد يسهل على العلماء والباحثين والطلاب استخدامها. وقالت النشرة إن لفظة الموسوعة أو دائرة المعارف تدل على العلاقات المتبادلة بين العلوم وهي تعني حرفياً التثقيف أو التعليم مجموعاً في صعيد واحد. وقال ديدرو إن المعرفة لم تنم على أوسع نطاق فحسب ولكن الحاجة إلى نشرها مهمة كذلك،




صفحة رقم : 12539




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


حيث لا جدوى منها إلا إذا أفاد منها الجميع. وجاء في النشرة أن هذا كله سوف تضمه ثمانية مجلدات للنصوص ومجلدات للوحات والرسوم، وحدد الاشتراك بمائتين وثمانين جنيهاً للمجموعة تدفع على تسعة أقساط. ويجب تسديد المبلغ كله على مدى عامين. وتبدو لنا الآن هذه النشرة وكأنها أحد الإعلانات بأن عصر العلم قد بدأ. وأن عقيدة جديدة قد ظهرت لخلاص الجنس البشري.
وكانت الاستجابة للنشرة مشجعة، وبخاصة لدى الطبقة الوسطى العليا. وتبين بعد وفاة مدام جيوفرين أنها وزوجها أسهما في نفقات الموسوعة بمبلغ 500 ألف جنيه(23).
وبهذه الموسوعة في فرنسا وقاموس جونسون في إنجلترا (1755) أعلن الأدب الأوربي استقلاله عن الأرستقراطيين والإهداءات الذليلة، واتجه إلى الجمهور العريض الذي عرض هذا الأدب أن يكون عينه التي تبصر وصوته الذي يعبر. وكانت الموسوعة أشهر تجربة لتبسيط المعرفة ونشرها(24).
وظهر المجلد الأول في 28 يونيه 1751 محتوياً على 914 صفحة من القطع الكبيرة من ذات النهرين. وكانت صورة الصفحة الأولى من رسم شارل كوشان، وكانت رمزاً صادقاً للقرن الثامن عشر، فقد أبرزت البشرية تتلمس طريقها إلى المعرفة تمثلها امرأة جميلة في ثوب رقيق شفاف. وكان العنوان مثيراً: الموسوعة أو قاموس موضوع بعد دراسة وترو لمختلف العلوم والفنون والمواد ألفه فريق من رجال الأدب رتبه وحرره ديدرو وتعهد قسم الرياضيات فيه دالمبير، ونشر بتصديق من الملك وترخيص منه وأهدى المجلد من باب الحكمة إلى السيد الكونت دارجنسون وزير الحربية. ولم يكن موسوعة بالمعنى الحالي عندنا، فإنها لم تر أن تشمل سير حياة أو تأريخاً. ولكن الغريب في الأمر أنها تضمنت بعض سير الحياة تحت عنوان محل الميلاد للشخص. ومن جهة أخرى كانت بشكل جزئي قاموساً عرض لتعريف بعض المصطلحات وإيراد المترادفات وبعض قواعد الأجرومية.




صفحة رقم : 12540




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


وأبرز ما في المجلد الأول وأجدره بالذكر هو "مقال تمهيدي" ووقع الاختيار على دالمبير لكتابته لأنه كان معروفاً بأنه من رجال العلم المرموقين وبأنه كذلك من البارعين الأفذاذ في النثر الفرنسي، وعلى الرغم من هذه المزايا كان دالمبير يحيا حياة رواقية بائسة فقيرة في باريس. وحين وصف فولتير المشهد الرائع من لي دليس أجاب دالمبير: "أنت تكتب إلى من مخدعك حيث تشرف على عشرة فراسخ من البحيرات وأنا أرد عليك من جحري الذي لا يشهد إلا رقعة من السماء لا تتجاوز ثلاث أذرع"(25). وكان لا أدرياً، ولكنه لم ينضم إلى نقد علني للكنيسة. وفي -مقالة التمهيدي حاول أن يفحص حجج معارضي الكنيسة:
"إن طبيعة الإنسان سر لا يمكن سبر أغواره إذا استنار الإنسان بالعقل وحده. ويمكن أن نقول مثل هذا عن وجودنا في الحاضر والمستقبل، وعن جوهر "الكائن" الذي ندين له بهذا الوجود، وعن نوع العبادة التي يتطلبها منا. ومن ثم فإننا أحوج ما نكون إلى ديانة منزلة تهدينا سواء السبيل في مختلف الموضوعات"(26).
وأعتذر لفولتير عن هذه الاحترامات: "أن مثل هذه العبارات هي أسلوب توثيقي، وما هي إلا طريق وصول أو جواز مرور إلى الحقائق التي ننشد تدعيمها... أن الزمن سيعلم الناس كيف يميزون بين ما فكرنا فيه وما قلناه(27).
ونهج المقال التمهيدي نهج اقتراح لفرانسيس بيكون، فصنفت المعارف وفق الموهبة العقلية التي تنتج عنها: فوضع التاريخ تحت بند "الذاكرة" والعلوم في باب "الفلسفة" واللاهوت تحت بند "العقل" والأدب والفن في باب "الخيال" وكان ديدرو ودالمبير فخورين كل الفخر بهذا التقسيم وجعلا منه ورقة مطوية وضعاها بعد المقال أو خريطة للمعرفة أثارت أشد الإعجاب. وكان أقوى أثر في الموسوعة بعد أثر بيكون هو أثر لوك. "أننا مدينون للأحاسيس بكل أفكارنا". هذا هو ما جاء في المقال. ومن




صفحة رقم : 12541




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


هذا البيان راود الأمل المحررين على مدى المجلدات الثمانية أن يستنتجوا فلسفة كاملة ديناً طبيعياً يهبط بالإله إلى مجرد دفعة ابتدائية أولى وإن يستنتجوا علم نفس طبيعياً يجعل الذهن وظيفة من وظائف الجسم، ومبادئ أخلاق طبيعية تحدد الفضيلة على أساس واجبات الإنسان نحو الإنسان لا نحو الله- وتضمن "المقال التمهيدي" هذا البرنامج في حرص وحذر.
ومن هذه المبادئ الأولى أنتقل دالمبير إلى استعراض تاريخ العلم والفلسفة وأمتدح الأقدمين، وأستنكر العصور الوسطى وأنتقص من قدرها، وهلل لعصر النهضة وأبتهج به:
لن نكون منصفين إذا لم نعترف بفضل إيطاليا علينا، فمنها تلقينا العلوم التي أنتجت فيما بعد ثماراً وفيرة في كل أوربا. ونحن مدينون لها فوق كل شيء بالفنون الجميلة والذوق الذي زودتنا منه بعدد كبير من نماذج لا تبارى أو تتعذر محاكاتها(28).
وجاء أبطال الفكر الحديث ليتوجوا بأكاليل الغار:
يجدر أن يوضع على رأس قائمة الشخصيات اللامعة مستشاراً إنجلترا الخالد فرانسيس بيكون الذي تستحق أعماله بحق أن ندرسها حتى أكثر من أن نمتدحها. أننا حين نتأمل وندرس آراء ونظرات هذا الرجل العظيم الحكيمة الواسعة الأفق، والموضوعات الكثيرة التي أستعرضها في ذهنه، وجرأة أسلوبه التي جمعت في كل موضوع بين أروع الصور والانطباعات الذهنية وبين أعظم الدقة والأحكام. فإننا نميل إلى اعتباره أعظم الفلاسفة وأفصحهم وأشملهم وأوسعهم بحثاً(29).
وأنتقل دالمبير ليبرز كيف أن عبقرية ديكارت العميقة الخصبة في الرياضيات قد عوقها في الفلسفة الاضطهاد الديني:
إن ديكارت على الأقل تجاسر فبين للأذهان اليقظة كيف تتحرر من نير السكولاسية والرأي والسيطرة- وصفوة القول من التحيز والتحامل




صفحة رقم : 12542




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


والوحشية. وبهذه الثورة التي نجني نحن ثمارها اليوم أدى ديكارت للفلسفة خدمة قد تكون أجل وأشق مما تدين به لخلفائه البارزين المشهورين. وقد نعتبره زعيم عصابة تعاهدت، وكان لها من الشجاعة ما قادت به ثورة ضد سلطة استبدادية. وأرسى بفضل تصميمه الأكيد المشجع الملهم أساس حكومة أعدل وأفضل ما كان يمكن أن يعيش ليراها قائمة، وإذ انتهى به التفكير إلى إيضاح كل شيء فإنه على الأقل بدأ بالشك في كل شيء. إن الأسلحة التي يجب استخدامها لمحاربته ليست على الرغم من ذلك أسلحته لأننا نصوبها إليه.
وبعد أن تحدث دالمبير عن نيوتن ولوك وليبنتز ختم حديثه بالإعراب عن إيمانه بالنتائج الطيبة للمعرفة التي تزكو وتنمو وتنتشر: "إن قرننا ليعتقد بأنه قد كتب عليه إن يغير القوانين في جميع المجالات(30). ونشجع دالمبير بحرارة هذا الأمل فجعل من مقاله التمهيدي هذا تحفة من روائع النثر الفرنسي في القرن الثامن عشر. وشارك بيفون وموتتسكيو في الثناء على مقدمة الموسوعة في لغتنا فلسفة ومنطقاً وإشراقاً وأحكاماً ودقة(31).
ولم يكن المجلد الأول ضد الدين بشكل سافر. وكانت المقالات عن العقيدة والطقوس المسيحية تقليدية تقريباً. وأبرزت عدة مقالات بعض الصعوبات، ولكنها أختتمت كلها عادة باحترام مهيب للكنيسة. وكثيراً ما وجدت هرطقات مغلفة وهجمات عارضة على الخرافة والتعصب، ولكنها مستترة في مقالات واضح أنها كانت تعالج موضوعات بريئة مثل "حمل سكيزيا" أو النسر. من ذلك أن ما كتب عن حمل سكيزيا توسعوا فيه حتى صار بحثاً عن شواهد تركت الإيمان بالمعجزات في حالة يرثى لها. كما أن مادة "النسر" بعد مناقشة سذاجة الناس وسرعة تصديقهم انتهت بتهكم صريح:
"سعيد هذا الشعب الذي تطالبه ديانته ألا يؤمن إلا بالأشياء الحقيقية




صفحة رقم : 12543




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


المقدسة السامية الرفيعة الشأن، وألا يقتدى إلا بصالح الأعمال. ومثل هذه الديانة هي ديانتنا وهي التي فيها لا يتبع الفيلسوف إلا عقله حتى يصل إلى مذبحنا(32) وفي شيء من المكر والدهاء كانوا يهاجمون الخرافات والأساطير هنا وهناك. وانبثقت روح من الإنسانية العقلانية.
وعلى الرغم من كل شيء أستقبل اليسوعيون هذا المجلد استقبالاً ودياً. وأعترض جويوم فرنسوا برتييه المحرر العالم المثقف لصحيفة تريفو في رقة وأدب على توكيد المقال التمهيدي على الفلاسفة المهرطقين، وأشار إلى بعض الأخطاء والانتحالات، وطالب بتشديد الرقابة على المجلدات التي ستصدر فيما بعد، ولكنه أثنى على الموسوعة مشروعاً عظيماً ضخماً جداً يمكن لمحرريه بحق بعد إنجازه أن يطبقوا على أنفسهم قول هوراس "لقد أقمت نصباً أبقى من النحاس".
ثم أضاف برتييه "ليس هناك من هو أكثر منا ميلا إلى تبين الخفايا الدقيقة في الموسوعة ولسوف نعرضها برفق في مقتطفاتنا القادمة(33).
وثمة كاهن آخر لم يكن مترفقاً متساهلاً إلى مثل هذا الحد، وهو جان فرنسوا بوير أسقف ميربوا سابقاً الذي شكا المحررين إلى الملك بأنهم خدعوا الرقباء، فأرسله الملك لويس إلى مالشرب الذي كان قد أصبح كبير مراقبي المطبوعات، فوعد مالشرب بفحص المجلدات التالية بشكل أدق، ولكنه أثناء توليه مناصب حكومية أستخدم كل نفوذه لحماية الفلاسفة. وكان من حسن حظ الثائرين أن هذا المسيحي جويو دي مالشرب الذي كان قد أصبح متشككاً حين قرأ كتابات بيل والذي كان قد ألف كتاب "حرية الصحافة" هو الذي كان رقيب المطبوعات من 1750-1763 وهي أحرج فترة في حياة فولتير وديدرو وهلفشيوس وروسو. وكتب مالشرب "في القرن كان يستطيع فيه كل مواطن أن يتحدث إلى الأمة عن طريق الكتاب فإن هؤلاء الذين أوتوا المقدرة على تعليم الناس وتثقيفهم أو موهبة التأثير فيهم-وفي إيجاز رجال الأدب- وسط شعب مشتت يقومون بالدور الذي




صفحة رقم : 12544




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


كان يقوم به خطباء رومه وأثينا في شعب ملتف حولهم". وشجع مالشرب الحركة الفكرية بمنح "تراخيص ضمنية" للمطبوعات التي لا يمكن أن تحصل في ظل النظام القائم على ترخيص ملكي أو تنال استحسان السلطات. ذلك أنه كان من رأيه أن الإنسان الذي لم يقرأ إلا الكتب التي صدرت بموافقة صريحة من الحكومة... يكون متخلفاً عن معاصريه بنحو قرن من الزمان تقريباً(35).
وانتهت هذه الفترة السعيدة في حياة الموسوعة بحادث من أغرب الحوادث في تاريخ عصر الاستنارة، ذلك أنه في 18 نوفمبر 1751 تقدم جان مارتن دي براد للحصول على درجة جامعية من السوربون، وعرض على رجال اللاهوت رسالة ظاهرها البراءة والخلو من أية شائبة "من ذا الذي نفخ الله في وجهه روح الحياة"؟ وبينما النعاس يغلب على أعضاء هيئة الامتحان عرض الراهب الشاب في لغة لاتينية ممتازة تضاربات زمنية في الكتاب المقدس، وهبط بمعجزات المسيح إلى مستوى معجزات أسكولابيوس، وإستبدل بالوحي لاهوتاً طبيعياً متحرراً. وقبلت جامعة السوربون الرسالة ومنحت دي براد الدرجة. وأتهم الجانسنيون الذين كانوا يسيطرون على برلمان باريس الجامعة، وراحت الشائعات بأن لديدرو بداً في الرسالة، وسحبت الجامعة الدرجة وأمرت بإلقاء القبض على الراهب. وهرب دي براد إلى بروسيا حيث آواه فولتير حتى خلف لامتري قارئاً لفردريك الأكبر.
وصعق الأمناء الحراس على الديانة التقليدية إذا رأوا أن دي براد هذا نفسه كان قد كتب مقالة "اليقين" في المجلد الثاني من الموسوعة الذي صدر في يناير 1752. وكان في هذه المقالة أيضاً لمحات من ديدرو، وتعالت الصيحات ضد الموسوعة حتى أن برتييه الذي أطرى هذا المجلد لما فيه من إسهامات كثيرة في المعرفة، وجه اللوم إلى المحررين على قطعة ذكر فيها أن معظم الناس ينظرون إلى الأدب بعين الإجلال والإكبار مثلما ينظرون إلى الدين "أي إلى شيء لا يستطيعون أن يعرفوه أو يمارسوه أو يحبوه".




صفحة رقم : 12545




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


وقال اليسوعيون أن مثل هذا الكلام يجب لفت نظر المؤلفين والمحررين إليه حتى لا يعودوا يثبتون شيئاً من هذا القبيل في الموسوعة مستقبلاً(36). وفي 31 يناير أتهم كريستوف دي بومونت مطران باريس الموسوعة بأنها هجوم ماكر على العقيدة الدينية. وفي 7 فبراير صدر قرار من مجلس الدولة يحظر بيع الموسوعة أو نشرها. وفي نفس اليوم كتب مركيز دارجنستون في صحيفته "صدر في هذا الصباح قرار من المجلس لم يكن متوقعاً يقضي بمنع تداول الموسوعة أو نشرها بسبب مزاعم مروعة: منها الكفر بالله والتمرد على سلطة الملك. وفساد الأخلاق... وقيل في هذا الصدد أن مؤلفي الموسوعة ينبغي إعدامهم في أقرب وقت(37).
ولم تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء، فلم يعتقل ديدرو، ولكن الحكومة صادرت كل المادة التي كان قد جمعها، وكتب فولتير من بوتدام يستحث ديدرو على نقل المشروع إلى برلين حيث يمكن النهوض به تحت حماية فردريك، ولكن ديدرو وقف عاجزاً بدون المادة التي صودرت. أما لي بريتون فكان يأمل أن تعدل الحكومة من قرار الحظر بعد سكون العاصفة، وأيد مالشرب ومركيز دارجنسون ومدام دي بمبادور النداء الذي تقدم به لي بريتون إلى المجلس. وفي ربيع عام 1752 وافق المجلس على نشر المجلدات الأخرى "بترخيص ضمني" وأشارت دي بمبادور على دالمبير وديدرو باستئناف العمل "مع تحفظ ضروري فيما يتعلق بما يمس الدين والسلطة الحاكمة"(38). ورغبة في تهدئة خواطر رجال الدين وافق مالشرب على أن يراجع المجلدات التالية ثلاثة من رجال اللاهوت يختارهم الأسقف السابق بوير.
وصدر المجلدان الثالث والرابع فيما بين عامي 1753-1756، بعد خضوعهما لرقابة صارمة. وزاد الغضب من انتشار الموسوعة، كما أصبحت رمز الأفكار الحرة، وزاد عد المشتركين إلى 3100 في المجلد الثالث، و4200 في المجلد الرابع.




صفحة رقم : 12546




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


وأجتاز دالمبير المحنة وقد اهتزت أعصابه بعض الشيء ومن ثم فإنه ضماناً لسلامته الشخصية اشترط ألا يكون مسئولاً بعد الآن إلا عن مقالات الرياضيات، ومهما يكن من أمر فإن ديدرو ظل يناضل الرقابة. وفي 12 أكتوبر 1752 نشر ظاهرياً في برلين وباسم دي براد "مواصلة الدفاع عن الراهب دي براد"، وتحدث فيه غاضباً، مشيراً إلى أن أحد الأساقفة شجب مؤخراً رسالة السوربون: "لست أعلم شيئاً أكثر مجافاة للياقة وأشد خطراً على الدين من هذه الخطب الغامضة التي تهاجم العقل والتي يلقيها بعض رجال اللاهوت. وقد يقول المرء لدى سماعها أن الناس لا يستطيعون الدخول في المسيحية إلا كما يدخل قطيع من الحيوان إلى حظيرة، وأن على المرء أن يتخلى عن الإدراك السليم وحصافة الرأي ليعتنق ديننا أو يستمسك به. وأكرر القول بأن إقرار هذه المبادئ معناه الهبوط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، ووضع الزيف والحقيقة على قدم المساواة"(39).
وتابع في المجلد الثالث هجماته غير المباشرة على المسيحية، وغلفه بالجهر بالإيمان بالعقيدة القويمة. وأبرزت مقالته "التوقيت الزمني المقدس" مرة أخرى تناقضات التوراة. وألقت ظلالاً من الشك في نصوص الأسفار المقدسة. وأكدت مقالته عن "الكلدانيين" على إنجازاتهم في الفلك، ولكنها رثت لخضوعهم للكهنة "أنه لمما يزري بالعقل ولا يشرفه تقييده في الأغلال كما فعل الكلدانيون. ولد الإنسان ليفكر لنفسه" وعددت مقالته عن "الفوضى" الاعتراضات على فكرة الخلق وأسهبت -زعماً أنها تدحض وتفند- القول في حجج أبدية المادة. واشتملت على بعض النقاط الخلافية التي تثير الجدل مقالاته الممتازة في التجارة والمنافسة وأسلوب التأليف والتركيب (في الرسم) "والكوميديين" أي الممثلين، وأوضح ديدرو أنه لم يكن رساماً ولا خبيراً باللوحات والرسوم ولكنه أضطر إلى الكتابة في الموضوع لأن "الهاوي المتبجح" الذي عهد إليه بالكتابة عن أسلوب التأليف في الرسم، كان قد قدم موضوعاً تافهاً غير جدير بالنشر. وعبرت مقالة ديدرو عن بعض




صفحة رقم : 12547




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


أفكار أبهجت فيما بعد "صالوناته" فكانت مقالته عن "الممثلين" استمرار لحملة فولتير دفاعاً عن حقوقهم المدنية.
وحظي المجلد الثالث بثناء كبير خفف منه نقد اليسوعين وليلى فرينون في مجلة "السنة الأدبية" ورفع المشتركون الجدد من قيمة العمل ومكانته: وبدأ ديكلوس ينهض بقسط من الجهد في إخراج المجلد الرابع، وفولتير وترجو يشاركان في المجلد الخامس. وفي أثناء السنوات الأربع الأولى من المشروع كان فولتير مشغولاً أو متورطاً في ألمانيا -أما الآن في عام 1755 فقد أستقر به المقام في جنيف وأرسل منها المقالات عن "الأناقة" "و"الفصاحة" و"الذكاء" وكلها تفيض أناقة وفصاحة وذكاء وكتب ديدرو نفسه للمجلد السادس مقالاً تحت عنوان "الموسوعة" عده بعض العلماء والباحثين أحسن ما كتب في المجموعة كلها. وكانت بالفعل من أطول المقالات حيث بلغ عدد كلماتها 34 ألف كلمة، تحدث فيه عن الصعوبات التي واجهت العمل لا من حيث القوى التي كانت تهدف إلى هدم المشروع فحسب بل كذلك من حيث ضآلة الاعتمادات المالية غير الكافية لدفع أجور المؤلفين ونفقات الطبع، والعلل الطبيعية التي انتابت الكتاب حيث أقعدهم المرض أو ضيق الوقت. وأقر العيوب الكثيرة التي أصابت المجلدات الخمسة الأولى التي كانت قد أخرجت في عجلة وخوف، ووعد بالعمل على ملاقاتها، وفي شيء من الانفعال كتب قانون الإيمان الخاص به: إن الغاية القصوى من أية موسوعة هو جمع المعرفة المتناثرة هنا وهناك على الأرض، وشرحها للمعاصرين ونقلها إلى الأعقاب، والغرض من ذلك هو ألا تكون جهود القرون الماضية غير ذات نفع للأجيال القادمة وأن يكون خلفاؤها وقد أصبحوا أكثر ثقافة وأغزر علماً، في نفس الوقت أسعد وأكثر تمسكاً بالفضيلة، وألا نفارق الحياة دون أن نحظى بثناء الجنس البشري وتقديره.
ورأى ديدرو في الموسوعة لطمة للأعقاب، ووثق أنهم سيدافعون عنه ويبرئونه، وتصور ثورة عارمة عطلت مؤقتاً تقدم العلوم وعمل فنون




صفحة رقم : 12548




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


الصناعة، وغمرت من جديد بالظلام جزءاً من العالم. وراوده أكبر الأمل في "اتراف مثل هذا الجيل بفضل أولئك الرجال الذين أوجسو خيفة من هذا الخراب وتوقعوه فجمعوا شتات المعرفة التي تراكمت عبر القرون وحفظوها في حرز أمين" وقال "إن الأعقاب بالنسبة للفيلسوف هي بمثابة الدار الآخرة بالنسبة لرجل الدين(40).
وخلق المجلد السابع الذي ظهر في خريف 1757 أزمة أخرى أسوأ مما سبقها. وذلك أن كسنى وترجو كتباً أبحاثاً مستفيضة مشهورة في شرح سياسة عدم التدخل الحكومي في الشئون الاقتصادية، (مذهب الفيزيوقراطيين في حرية التجارة والصناعة -ظهر في فرنسا في القرن الثامن عشر) كما أن لويس دي جوكور، الذي كثيراً ما أسهم الآن في الكتابة في الموسوعة، كتب مقالة موجزة مهينة تحت عنوان "فرنسا" بلغت كلماتها تسعمائة كلمة ولم ترو معظمها شيئاً من تاريخ فرنسا، بل عددت شوائبها وأخطائها: الافراط الخطير في عدم المساواة في توزيع الثروة، فقر الفلاحين، وتضخم باريس وتناقص السكان في الأقاليم. وفي مقال عن "الحكومة" كتب جوكور "أن الخير كل الخير للشعب في حريته... وبدون الحرية تنتفى السعادة في الدول" وفي هذا المجلد كتب فولتير مقالة عن الفسوق والزنى، وتفاخر بأنها علمية، ولكن مقالة "المقاومة" -على الأقل المقالة التي أثارت أشد مقاومة- هي المقاتلة عن جنيف التي التقيا بها في محيطها السويسري. ونسي دالمبير ما أخذ به نفسه من حيطة وحذر وتصميمه على الاقتصار على الرياضيات وأثار على نفسه سخط جنيف وباريس كلتيهما حين صور رجال الدين الكلفنيين بأنهم يرفضون ألوهية المسيح.
ورأى جريم على الغدر أن هذه المقالة زلة فظيعة تعوزها اللباقة، وقال إنها تسبب اهتياجاً وبلبلة. وأستنكر أحد اليسوعيين المجلد في عظة ألقاها أمام الملك في فرساي. وكتب دالمبير إلى فولتير يقول "إنهم يجزمون بأني أمتدح قساوسة جنيف في أسلوب يضر بالكنيسة الكاثوليكية"(41). وفي 5 يناير




صفحة رقم : 12549




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


1757 بذلت محاولة لقتل الملك. فكان رد الملك عليها أنه أحيا قانوناً قديماً يعاقب بالإعدام مؤلفي وناشري وبائعي الكتب التي تهاجم الديانة أو تزعج الدولة، وزج بعدد من الكتاب في السجن، ولم يعدم أحد ولكن دالمبير المرهف الحس تولاه الفزع بشكل واضح، وقطع علاقته بالموسوعة نفوراً من الهياج والصخب (1 يناير 1758). وفقد بعض الوقت قدرته على رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وأتهم مدام بمبادور بمحابات "أعداء الفلاسفة" وتأييدهم، وطلب إلى مالشرب أن يكبح جماح زعيمهم فريرون. وألح عليه فولتير في عدم الاستقالة، فأجاب دالمبير في 20 يناير "أنت لا تدرك الوضع الذي نحن عليه، وصورة غضب السلطات علينا... أنا أشك في مواصلة ديدرو العمل بدوني... فإذا فعل هذا فإنه يمهد السبيل لسلسلة من المحاكمات والبلايا لمدة عشر سنوات"(43) وكان رعبه قد ازداد في السبعة أو الثمانية أيام التالية "إذا كان الأعداء ينشرون مثل هذه الأشياء اليوم بإذن صريح من قبل هذه المراجع المسئولة، فلن يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذا يعني إثارة الهياج ضد المجلد السابع، وإلقاءنا في أتون المحرقة بالنسبة للمجلد الثامن"(43) وأذعن فولتير لرأي دالمبير، ونصح ديدرو بالتخلي عن الموسوعة، حيث أنه إذا أستمر العمل فيها بأية حال، فستكون خاضعة لرقابة تقضي على قيمة العمل باعتباره أداة للحد من سيطرة الكنيسة على الأذهان في فرنسا(44) وأبى ترجو ومارمونتيل وديكلوس وموريللي أن يكتبوا أية مقالات أخرى، وفترت همة ديدرو نفسه لفترة من الزمن، وكتب يقول "لا يكاد يمر يوم إلا وتحدثني نفسي بالذهاب إلى مسقط رأسي في شمبانيا لأعيش منزوياً في هدوء"(45) ولكنه لن يلقي سلاحه ولن يستسلم. وفي فبراير 1758 كتب إلى فولتير "أن التخلي عن العمل معناه أن ننقض العهد ونتكص على أعقابنا ونفعل ما يريده منا هؤلاء الأوغاد الذين يضطهدوننا. آه لو علمت كم ابتهجوا وفرحوا عندما علموا باعتزال دالمبير العمل، وكم من مناورات قاموا بها للحيلولة دون رجوعه إليه!




صفحة رقم : 12550




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


وفي اجتماع أساقفة فرنسا 1758 قدموا إلى الملك منحة اختبارية كبيرة بشكل غير عادي، وتقدموا إليه برجاء إلغاء "الترخيص الضمني" الذي يجيز نشر الموسوعة في فرنسا. وفي 1768 شرع أبراهام دي شوميكس في إصدار سلسلة من النشرات تحت عنوان "أحكام شرعية ضد الموسوعة" وأثار نشر كتاب هلفشيوس "أسس الروح" (27 يوليو 1758) مزيداً من الاحتجاجات، وتورطت الموسوعة في هذه العاصفة حيث انتشرت الشائعات القوية بأن ديدرو تربطه بهلفشيوس علاقات وثيقة. وزاد الطين بلة أن روسو الذي كان يكتب للموسوعة مقالات في الموسيقى، رفض أن يسهم في التحرير الآن. وروجت رسالته إلى دالمبير عن العروض المسرحية نبأ انشقاقه على الفلاسفة. وبدأ أن معسكر الموسوعيين قد تمزق. وفي 23 يناير 1759 حذر وكيل الملك أمير دي فليري برلمان باريس من أن هناك مشروعاً أعد وجماعة تكونت لنشر المذهب المادي، والقضاء على الدين ونشر روح الاستقلال، والعمل على إفساد الأخلاق(46) وأخيراً في 8 مارس، صدر من مجلس الدولة أمر بتحريم الموسوعة تحريماً تاماً، فلا يطبع أي مجلد جديد، ويمنع بيع أو تداول المجلدات الموجودة. وأوضح القرار أن الفوائد التي تجنى من هذا العمل من حيث تقدم الفنون والعلوم لا يمكن بحال من الأحوال أن تعوض عن الأضرار البالغة المتعذر إصلاحها التي تنشأ بالنسبة للعقيدة الدينية والأخلاق(47).
ولم يتهدد هذا المرسوم سلامة أشخاص الفلاسفة فحسب، بل تهدد كذلك قدرة الناشرين على الوفاء بديونهم. وكان كثير من المشتركين قد دفعوا قيمة اشتراكهم في المجلدات التالية، فكيف يتيسر رد ما دفع مقدماً؟ فمعظم هذه الأموال أنفق على المجلدات السبعة الأولى، وعلى الإعداد لإخراج المجلد الثامن الذي كان معداً للتوزيع حيث صدر المرسوم الملكي. وحرض ديدرو الناشرين على ألا يستسلموا، لعل هذا المرسوم يجري أيضاً تعديله أو العدول عنه في الوقت المناسب، وإلا طبعت المجلدات الباقية في الخارج.




صفحة رقم : 12551




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:16 مساء   رقم المشاركة : [377]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


وبناء على طلب الناشرين لزم ديدرو داره وواصل العمل في المجلد التاسع. وفي الوقت نفسه بذل مالشرب وآخرون غيره أقصى الجهد في تسكين غضب الحكومة.
وهنا-في صيف 1759 ظهرت في باريس نشرة سرية غفل الاسم، تحت عنوان مذكرة إلى "فرانسوا شوميكس" وهي قطعة مملة عنيفة في موقف واحد، تهاجم في أقذع الإهانة والسباب، لا الحكومة والبرلمان واليسوعيين والجانسنيين وحدهم، بل هاجمت المسيح وأمه كذلك. وقال ديدرو "إن العمل منسوب إلينا بما يشبه الإجماع"(48). وقصد إلى مالشرب وإلى مدير الشرطة وإلى المحامي العام للبرلكان وأقسم أنه لا علاقة له بتفجير الإلحاد في الشوارع على هذا النحو، وصدقه أصدقاؤه، ولكنهم نصحوه بمغادرة باريس فأبى الهروب، محتجاً فإن في الهروب اعترافاً بالذنب. وحذره مالشرب من أن الشرطة ستهاجم منزله وتصادر أوراقه، ومن ثم ينبغي إخفاؤها. فتساءل الثائر الحائر المنزعج "ولكن أين أخفيها؟" وكيف يتسنى له في ساعات قلائل أن يوفق إلى مكان يخفي فيه كل هذه المادة التي جمعها؟ فقال مالشرب "أرسلها إلي أنا، لن يأتي أحد ليفتش عنها هنا"(49). وفي الوقت نفسه عثر رجال الشرطة على طابعي النشرة المخزية، وانتهوا إلى أن ديدرو لم يكن له صلة بها، لم يصدر أمر بمصادرة أوراقه، وتنفس الصعداء ولكنه أشرف على الإصابة بانهيار عصبي، وصحبه صديقه الغني دي هولباخ لقضاء عطلة في بعض الأماكن القريبة من باريس. وكتب ديدرو "حملت معي إلى كل مكان قصدناه خطى مضطربة متعثرة ونفساً مكتئبة"(50).
وعاد ديدرو إلى باريس، ووقع مع الناشرين عقداً جديداً لإعداد تسعة مجلدات إضافية من الموسوعة لقاء مبلغ 25 ألف جنيه. وعرض دالمبير أن يستأنف مسئوليته عن مقالات الرياضيات، ووجه ديدرو إليه اللوم على تخليه عن العمل في وقت المحنة حين حمل عليه العدو، ولكنه قبل إسهامه




صفحة رقم : 12552




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> تاريخ كتاب


في الموسوعة، وكذلك انضم إليهم فولتير. وكان ديدرو يأمل أن يكمل المجلد السابع عشر والأخير في 1760. ولكنه في سبتمبر 1761. كتب يقول "انتهت المراجعة المزعجة، حيث قضيت فيها خمسة وعشرين يوماً متصلة بمعدل عشر ساعات في اليوم"(51) وظل لعشرة أيام أخر حبيساً في داره لمراجعة اللوحات والرسوم. وتم طبع المجلدات من الثامن إلى السابع عشر في تعاقب سريع في باريس، ولكنها موسومة بعلامة تشعر بأنها نشرت في نيوشاتل، وتغاضى سارتين مدير عام الشرطة الجديد عن هذه الخدعة أو التضليل(52) ومهد الطريق لهذا طرد اليسوعيين من باريس 1762 وفي سبتمبر 1762 عرضت كثرين قيصرة روسيا استكمال الموسوعة تحت حماية الحكومة في سان بطرسبرج، وجاء مثل هذا العرض من فردريك الأكبر عن طريق فولتير. وربما استحثت هذه الاقتراحات الرجال الرسميين في فرنسا على إجازة الطبع في باريس. وظهر المجلد الأخير من النصوص في 1765، وأضيف أحد عشر مجلداً للوحات والرسوم فيما بين عامي 1765و1772 وصدر ملحق من خمسة مجلدات، مجلدان لفهرس الموسوعة فيما بين عامي 1776-1780 وطلب إلى ديدرو تحريرها ولكنه كان منهوكاً مرهقاً فرفض، فإن أهم مشروع نشر في هذا القرن استنزف قواه، ولكنه خلد ذكره بالقدر الذي تسمح به تقلبات المدنية.




صفحة رقم : 12553



قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها



4- الموسوعة نفسها


إن كل محتويات الموسوعة تقريباً نسختها الثورة الفكرية التي ساعدت على إذكاء نارها، ولكنها تسترعي انتباهنا لمجرد أنها أحداث في تاريخ الأفكار، وأسلحة أستخدمها الفلاسفة في صراعهم مع المسيحية الوحيدة التي عرفوها، وقل إن كان الهجوم مباشراً كما رأينا وكانت مقالتا "المسيح والمسيحية" وكلتاهما بقلم ديدرو، قويمتين تقليديتين في جوهرهما. وأمتدح المقالة الثانية أحد الرهبان الإيطاليين. وكتب نفر من الكهنة مقالات للموسوعة، ومن ذلك أن الراهب يفون كتب مقالة بعنوان "الملحدون" ولم تؤيد الموسوعة الإلحاد بل الربوبية. ومهما يكن من أمر فإن المراجع المفترضة كانت في بعض الأحيان مضللة، ملحقة بمقالة تقليدية رشيدة. وكثيراً ما أشارت إلى مقالات أخرى تثير الشكوك. من ذلك أن المقالة المثالية عن "الله" أشارت إلى مقالة "البرهان" التي أوردت قواعد للبرهنة فيها تشويه للمعجزات والأساطير. وفي بعض الأحيان شرحت أقل العناصر اعتدالاً ومعقولية في العقيدة المسيحية في قبول ظاهر، ولكن بطريقة تستدعي الارتياب والجدل. ورفضت المبادئ الصينية أو الإسلامية المماثلة للنظريات المسيحية باعتبارها غير عقلانية. وارتفعت الصيحات بأن مقالة "الكهنة" غير ودية، ويحتمل أن دي هولباخ هو الذي دبجها، لأن الفلاسفة كانوا يمقتون رجال الدين بوصفهم أعداء الفكر الحر ومشجعين على الاضطهاد وزعم المؤلف أنه إنما كان يكتب عن رجال الدين الوثنيين: "إن الخرافة ضاعفت من مراسم وطقوس الشيع المختلفة، ومن هنا شكل القائمون عليها طائفة مستقلة، وأعتقد الناس أن هؤلاء الأشخاص مخلصون للمعبود كل الإخلاص. ومن هنا كان للكهنة نصيب في إجلال الناس لله. وبدت المناصب العادية التي يشغلونها أدنى مستوى منهم، وأعتقد العامة أنهم مرغمون على أن يقدموا لهؤلاء الكهنة ما يعولهم... وكأنهم ودائع ينفذون وصية الله، ووسطاء بين الآلهة والناس.
وعمد الكهنة، لكي يثبتوا سلطانهم ويؤكدوا سيطرتهم، إلى تصوير الآلهة بأنهم قساة حقودون محبون للانتقام لا يستشعرون الرحمة. وأدخلوا




صفحة رقم : 12554




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


لمراسم والطقوس والشعائر والأسرار التي يمكن أن تبعث فظاعتها في نفوس الناس الاكتئاب الرهيب الملائم كل الملائمة لدنيا التعصب. ثم تدفق الدم البشري الغزير فوق المذابح. وظن الناس، وقد ملأهم الخوف بالجبن وأعمتهم الخرافة، أنه لن يكون أي ثمن يدفعونه غالياً في سبيل الحظوة برضا الأرباب. وأسلمت الأمهات أطفالهن الصغار دون أن يذرفن دمعة واحدة، إلى النيران الملتهبة، وسقط آلاف الضحايا تحت سكين القربان المقدس... وكان من الميسور على الرجال الذين كانوا موضع الإجلال والاحترام إلى هذا الحد، أن يبقوا طويلاً داخل حدود الخضوع الضروري للنظام الاجتماعي. فإن الكهنة الذين أسكرتهم السلطة كثيراً ما نازعوا الملوك حقوقهم. وأمسك التعصب والخرافة بالسيف مسلطاً على رؤوس الملوك واهتزت العروش حين رغب الملوك في كبح جماح أو معاقبة الرجال المقدسين الذين كانت مصالحهم متشابكة مع مصالح الآلهة... كان الحد من سلطانهم يعني تقويض أركان الديانة"(54).
وبصفة عامة اتخذت الحرب ضد العقيدة القديمة شكل الثناء على المعتقدات الجديدة في العلوم والفلسفة ومناهجهما. وكان الفلاسفة يحلمون بإحلال العلوم محل الدين والفلاسفة محل الكهنة على الأقل بين الطبقات المتعلمة، وحظيت العلوم بتفسيرات وشروح مسهبة، مثال ذلك أن ستة وخمسين عموداً خصصت "للتشريح"، وتحت بند "الجيولوجيا" كتبت مقالات مطولة عن المياه المعدنية والمعادن والطبقات وأنهار الجليد والاحافير والمناجم والزلازل والبراكين والأحجار الكريمة. وكان لزاماً أن توضع الفلسفة في النظرة الجديدة إليها على أساس من العلوم تماماً. وينبغي ألا تبنى "نظماً" ويجب أن تتجنب الميتافيزيقا ويجب ألا تتحدث بلغة الأساقفة عن منشأ العالم ومصيره، وشنت مقالة "المدرسة" هجوماً مباشراً على الفلاسفة السكولاسيين (المدرسيين) على اعتبار أنهم تخلوا عن البحث عن المعرفة، واستسلموا للاهوت. وضيعوا أنفسهم، وهم آمنون في المنطق الواهي مثل خيوط العنكبوت، وسط غيوم الميتافيزيقا.
ودبج ديدرو سلسلة من المقالات الممتازة في تاريخ الفلسفة، استندت




صفحة رقم : 12555




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


كثيراً على كتاب جوهان جاكوب بروكر "تاريخ النقد الفلسفي" (1742-1744) ولكنها كشفت عن بحث أصيل في الفكر الفرنسي، وشرحت المقالات التي كتبت عن مدرسة إلياو أبيقور المذهب المادي. وأفرطت بعض المقالات في إطراء برونو وهوبز. وباتت الفلسفة عند ديدرو ديانة. "والعقل للفيلسوف هو بمثابة البركة والنعمة الإلهية للمسيح"(55). وصاح "فلنسارع لنجعل الفلسفة شعبيه"(56). وفي مقالة "الموسوعة" كتب كما يكتب الرسل أو الحواريون "اليوم حين تتقدم الفلسفة إلى الأمام بخطى جبارة، وتخضع لسلطانها كل الأشياء التي تهمها، وحين يكون صوتها عالياً مدوياً، وتشرع في طرح نير السلطة والتقاليد وتتمسك بقوانين العقل... "وهنا كانت العقيدة الجريئة الجديدة مع ثقة فتية شابة قليلاً ما توجد ثانية. وربما كان يفكر في حاميته الإمبراطورية في روسيا، وأضاف مثل أفلاطون" وحدوا بين حاكم (كترين الثانية) وبين فيلسوف من هذا الطراز (ديدرو) ومن ثم تجدون ملكاً بلغ درجة الكمال(57).
وإذا حل مثل هذا الفيلسوف محل كاهن اعتراف مرشد وموجه للملك، فلا بد أن ينصحه أول ما ينصح بإطلاق الحرية، وبخاصة حرية الكلام والصحافة "إن أحداً لم يتلق من الطبيعة حق التحكم في الآخرين"(58) وفي هذا تعريض شديد بحقوق الملك الإلهية أما بالنسبة للثورة: "إن السلطة التي يتم الاستيلاء عليها عن طريق العنف ليست إلا اغتصاباً، لا تدوم إلا بقدر تفوق قوة من سيطر على قوة من أذعنوا له. فإذا توافر لهؤلاء الآخرين قسط كبير من القوة وتخلصوا من نير من تسلط عليهم من قبل فإنهم يفعلون بحكم الحق والعدل مثل ما فعل هذا الذي كان قد تحكم فيهم وفرض عليهم سلطانه من قبل. إن نفس القانون الذي فرض السيادة هو الذي يحطمها ويبطلها، وهو قانون الأقوى،... ومن ثم فإن السلطة الحقيقية الشرعية لها بالضرورة حدود وقيود... إن الأمير (الملك) يتلقى من رعاياه السيادة التي يمارسها عليهم. وهذه السيادة محدودة بقوانين الطبيعة وقوانين الدولة... إن الدولة لا تتبع الأمير، بل إن الأمير هو الذي يتبع الدولة وينتسب إليها(59).
ولم تكن الموسوعة اشتراكية ولا ديمقراطية، بل إنها قبلت الملكية،




صفحة رقم : 12556




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


ونبذت نظرية المساواة التي شرحها روسو بقوة 1755. ودافعت مقالة جوكور "المساواة الطبيعية" عن المساواة أمام القانون، ولكنها استطردت تقول "إني أدرك تمام الإدراك ضرورة تباين الأحوال والدرجات والمقامات والطبقات والامتيازات والتبعية التي يجب أن تسود في كل الحكومات"(60) وأعتبر ديدرو آنذاك أن الملكية الخاصة أساس لا غنى عنه للمدنية(61) على أن مقالة "الإنسان" على أية حال كانت لها وقفة مع الشيوعية: "إن الربح الصافي للمجتمع إذا وزع توزيعاً عادلاً بالتساوي قد يكون مفضلاً على ربح أكبر إذا لم يوزع على قدم المساواة، ومن ثم تكون نتيجته تقسيم الشعب إلى طبقات" وعند التحدث عن الملاجئ قيل "قد يكون السعي إلى منع الفقر والبؤس ذا قيمة أكبر من مضاعفة الملاجئ لإيواء البؤساء"(62).
إن الملك الفيلسوف قد يفحص من وقت لآخر شئون الإقطاع ويلغي الامتيازات الإقطاعية التي لم تعد تتكافأ مع خدمات السادة الإقطاعيين للفلاحين أو الدولة(63). وقد يجد بديلاً إنسانياً للعمل الإجباري، أي نظام السخرة، ويحرم تجارة الرقيق، ويضع حداً، كلما أتسع سلطانه، للحروب بين الأسرات المتنافسة والصراعات التي يمليها الجشع، ويسعى إلى تطهير المحاكم من الفساد، ويوقف بيع الوظائف، ويخفف من وطأة قانون العقوبات وعلى الأقل يضع حداً للتعذيب القضائي. وعليه، بدلاً من العمل على استدامة الخرافة وانتشارها، أن يبذل أقصى جهوده في أن يدفع إلى الأمام هذا العصر الذهبي الذي يمكن أن يتحالف فيه فن الحكم وسياسة الدولة مع العلم في حرب متصلة ضد الجهل والمرض والفقر.
وكانت الأفكار الاقتصادية في الموسوعة في جملتها هي أفكار الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها معظم الفلاسفة. وهي على الأغلب آراء الفيزيوقراطيين التي سيطرت بزعامة كنى وميرابو الأب على النظرية الاقتصادية في فرنسا في أواسط القرن الثامن عشر. فقد ساد الاعتقاد بأن حرية العمل والمشروعات -ومن ثم التجارة الحرة والمنافسة الحرة- أمر حيوي بالنسبة للأحرار من الناس، ولذلك كانت النقابات وهي عوائق لهذه كلها، غير مرغوب فيها ولا يتقبلها أحد. وقدر لهذه الأفكار أن تبرز على مسرح التاريخ في وزارة




صفحة رقم : 12557




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


ترجو 1774 ونبهت الموسوعة الأذهان إلى التكنولوجيا الصناعية وأولتها عناية متحمسة، وهي التكنولوجيا التي بدأت تغير وجه الاقتصاد في إنجلترا وفرنسا. وأعتقد ديدرو أن الفنون الميكانيكية يجب إكبارها والرفع من شأنها باعتبارها تطبيقاً للعلوم، والتطبيق بالتأكيد ذو قيمة كبيرة مثل النظرية تماماً. "ما هذا الحمق في قدراتنا وتقديراتنا! إننا نخص الناس على أن يشغلوا أنفسهم بما يفيد وينفع، ثم نحتقر الرجال النافعين"(64). وكان يأمل في أن تكون الموسوعة مستودعاً جامعاً مانعاً للتكنولوجيا حتى إذا وقعت بالفنون الميكانيكية كارثة دمرتها أمكن بناء هذه الفنون من جديد بفضل مجموعة باقية من مجلدات الموسوعة. وكتب هو نفسه مقالات مطولة بذل فيها جهداً كبيراً عن الصلب والزراعة والإبر والبرونز وآلة النقب والقمصان والجوارب والأحذية والخبز. وأعجب بعبقرية المخترعين وبمهارة الحرفيين. وقصد بنفسه أو أرسل مساعديه إلى المزارع والحوانيت والمصانع لدراسة العمليات والمنتجات الجديدة، وأشرف على حفر الرسوم والنقوش التي قارب عددها ألفاً والتي جعلت من مجلدات اللوحات الأحد عشر إحدى العجائب من نوعها في ذلك العصر. وكانت الحكومة فخورة بأن يشمل هذه المجلدات الأحد عشر الإذن الملكي بطبعها ونشرها. وقد ضمت خمساً وخمسين لوحة عن صناعة النسيج وإحدى عشرة لوحة عن سك العملة وعشراً عن الصناعات الحربية، وخمساً عن البارود، وثلاثاً عن صناعة الدبابيس. وكانت هذه اللوحات الثلاث الأخيرة مصدراً لمقالة آدم سميث الشهيرة عن توزيع العمل إلى "18 عملية متميزة" في إنتاج الدبوس(65). قال ديدرو: "من أجل الحصول على هذه المعلومات كنا نقصد إلى أقدر الحرفيين في باريس وفي سائر أنحاء المملكة، وحرصنا على أن نوجه إليهم الأسئلة ونكتب ما يملون علينا. ونحصل منهم على المصطلحات المستخدمة في حرفهم. وفي مقابلات طويلة كثيرة مع مجموعة واحدة من العمال كنا نستكمل ما قد يكون الآخرون قد شرحوه بشكل ناقص أو غامض أو أحياناً غير دقيق. وأرسلنا إلى الحوانيت حفارين ورسامين رسموا الآلات والأدوات دون أن يحذفوا شيئاً يمكن أن يجعلها واضحة تمام الوضوح أمام الأعين"(66).




صفحة رقم : 12558




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


وفي 1773، عندما طلب سلطان تركيا إلى بارون دي توت أن يصنع المدافع لحصون الدردنيل أستخدم البارون مقالة "المدافع" في الموسوعة مرشداً دائماً يسترشد بما جاء فيها(67).
وبعد أن فرغ ديدرو من إعداد النص كاملاً، أصيب بنكسة زلزلت كيانه وحطمت روحه، ذلك أنه وهو يراجع إحدى المقالات أكتشف أجزاء كثيرة من أوراق التجارب التي كان قد صححها وأعتمدها حذفت أو سقطت عند الطبع. وأظهرت مراجعة بعض المقالات الأخرى أن حذفاً مماثلاً جرى في المجلدات من التاسع عشر، وجرى الحذف والتعديل عادة في أجزاء ربما أثارت مرة أخرى رجال الدين أو البرلمان. وجرى الحذف دون اعتبار للمنطق أو السياق في الجزء الباقي من المقالة. وأعترف لي بريتون بأنه عمد إلى هذه العملية الجراحية (الحذف) لينقذ الموسوعة مما قد تتعرض له من محن، وينقذ نفسه من الإفلاس. وروى جريم نتيجة هذا العمل "لقد جن جنون ديدرو عند اكتشاف هذا التصرف، ولن يغيب عن ذاكرتي مطلقاً هذا الذي حدث له وظل لعدة سنين يصرخ في وجه لي بريتون "لقد كنت تخدعني بشكل مخز ودنئ... وضيعت جهود عشرين من أفاضل الرجال، الذين خصصوا كل وقتهم وقدراتهم ومواهبهم ونشاطهم حباً في الحق وجرياً وراء الحقيقة، يحدوهم مجرد الأمل في وصول آرائهم إلى جمهور الناس، ولا يريدون منها إلا أيسر الجزاء بثمن غال... ولسوف يذكرونك منذ الآن رجلاً أقترف جريمة الخيانة، وتصرف تصرفاً وقحاً كريهاً، مما لا يقارن به أي شيء حدث في هذا العالم"(68). ولم يغفر ديدرو لبريتون هذه الزلة قط".
إننا لو ألقينا نظرة فاحصة إلى هذا العمل، سواء من حيث تاريخه أو محتوياته: لأدركنا أنه المشروع البارز الرائع في عصر الاستنارة في فرنسا، ومنذ كان ديدرو فيه رئيساً لا غنى عنه، كانت مكانته تجئ بعد فولتير وروسو في الصورة العامة الشاملة للحياة الفكرية في فرنسا في القرن الثامن عشر. وكانت مثابرته على تحرير الموسوعة عملية متشعبة الأطراف مضنية. إنه أثبت المراجع المتعارضة وصحح الأخطاء وقرأ تجارب الطبع، وطاف




صفحة رقم : 12559




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


بأرجاء باريس يبحث عن الكتاب ويستحثهم. ودبج بقلمه مئات المقالات في حالة عدم العثور على الكتاب أو عجزهم عن الكتابة. وكان المرجع الأخير إذا قصر الآخرون، ومن ثم نجده يكتب في الفلسفة والفن والمسيحية، والأصلة العاصرة (نوع من الحيات الضخمة الماحقة) والجمال وأوراق اللعب ومصانع الجعة والخبز المقدس. وسبقت مقالته عن "التعصب أو عدم التسامح" رسالة فولتير في نفس الموضوع، وربما أوحت ببعض الأفكار الواردة فيها. وزخر الكثير من مقالاته بالأخطاء، وكان بعضها عدائياً غير منصف بشكل مشوش، مثال ذلك مقالته عن اليسوعيين، ولكنه كان في عجلة من الأمر، على حذر يستعد للنضال، كما كانوا يطاردونه، وكان يحارب بكل سلاح في متناول يده.
أما وقد خفت حدة المعركة، ففي مقدورنا أن نتبين مواطن الضعف في الموسوعة. ففيها ألف خطأ في إيراد الحقائق، وفيها تكرارات طائشة غير مدروسة وحذف فاضح، وكان فيها انتحالات جوهرية، كما أوضح الباحثون اليسوعيون "وكانت بعض المقالات" لوحة من المسروقات أو الاقتباسات(69). وفي ثلاثة أعداد من صحيفة تريفو أورد برتييه، استناد إلى مراجع دقيقة ومقتبسات متطابقة أكثر من مائة من الانتحالات في المجلد الأول وكان معظم هذه المسروقات مختصراً غير ذي أهمية، ولكن بعضها امتد إلى ثلاثة أو أربعة أعمدة منقولة بالحرف الواحد.
وكان في الموسوعة شوائب فكرية خطيرة. ومن ذلك أنه كان لدى المؤلفين فكرة بالغة السذاجة عن الطبيعة البشرية، وتقدير متفائل إلى حد بعيد لأمانة العقل وإدراك غامض غاية الغموض لضعف هذا العقل وهشاشته أو سهولة إنقياده، ونظرة عامة متفائلة أكثر مما ينبغي إلى كيفية استخدام الناس للمعرفة التي يزودهم بها العلم. إن الفلاسفة بصفة عامة وديدرو بصفة خاصة، كانت تعوزهم الحاسة التاريخية. إنهم قليلاً ما توقفوا ليبحثوا كيف نشأت ونهضت تلك المعتقدات التي حاربوها، وأية حاجات بشرية، لا ابتداعات كهنوتية أنتجتها وهيأت لها الدوام. وعميت أبصارهم تماماً عن إسهام الديانة الضخم في النظام الاجتماعي وفي الأخلاق وفي الموسيقى والفنون، وفي




صفحة رقم : 12560




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو والموسوعة -> الموسوعة نفسها


تخفيف الفقر والشقاء. إن تحاملهم على الدين شديداً إلى حد أنهم لا يستطيعون مطلقاً إدعاء النزاهة أو عدم التحيز الذي ينبغي أن نعتبره الآن عنصراً أساسياً في الموسوعة الجيدة. وعلى الرغم من أن بعض اليسوعيين مثل برتييه، كانوا في الغالب منصفين في نقدهم للموسوعة، فإن معظم نقادنا كانوا متحيزين مثل الفلاسفة.
وأحس ديدرو إحساساً قوياً بالأخطاء الحقيقية الفعلية في الموسوعة فكتب في 1755: إن الطبعة الأولى من الموسوعة لا يمكن إلا أن تكون جمعاً وتصنيفاً مشوهين ناقصين(70)، وتوقع أن تحل محلها وشيكاً طبعة أخرى مصححة. وحتى مع هذا شق هذا الإنتاج الضخم طريقه إلى الأوساط الفكرية في القارة. وأعيد طبع المجلدات الثمانية والعشرين ثلاث مرات في سويسرا، ومرتين في إيطاليا، ومرة في ألمانيا، ومرة في روسيا، وعادت الطبعات المنتحلة إلى فرنسا لتنشر تأثير الأفكار المهربة. وبلغ عدد الطبعات ثلاثاً وأربعين طبعة على مدى خمسة وعشرين عاماً -وهو رقم قياسي لمثل هذه المجموعة الغالية الثمن. وكان أفراد الأسرة يجتمعون في المساء ليقرءوا الموسوعة وتألفت مجموعات متلهفة على دراستها. وأشار توماس جفرسون على جيمس ماديون بشرائها.
والآن وقد ظهر إنجيل العقل ضد الأساطير، وإنجيل المعرفة ضد العقيدة والتعاليم الدينية، وإنجيل التقدم عن طريق التعليم ضد التأمل أو التفكير القديم في الموت، فكأنما هبت كلها على أوربا مثل ريح محملة بلقاح جديد، تبدد كل التقاليد وتنير الفكر وتوقظه، وتدعو آخر الأمر إلى الثورة.
إن الموسوعة كانت ثورة قبل "الثورة الفرنسية"




صفحة رقم : 12561




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> القائل بوحدة الوجود



الفصل العشرون




ديدرو وبروتيه




1758-1773




1- القائل بوحدة الوجود


إننا نسميه بروتية Proteus لأنه مثل إله البحر عند هوميروس، حاول أن يفلت من أيدي صائديه بالتشكل في مختلف الأشكال(1). أما فولتير فقد أطلق على ديدرو أسم بانتوفيلس، لأنه أولع بكل فروع العلوم والأدب والفلسفة والفن. وكان له بكل هذه المجالات معرفة واسعة، وأسهم في كل واحد منها إسهاماً مثيراً موحياً. وكانت الأفكار هي كل زاده وعتاده. فجمعها وتذوقها وفحصها. ثم سكبها مشوشة تشويشاً مسرفاً حيثما وجد قرطاسياً خالياً أو آذاناً صاغية "إني أضع أفكاري على الورق ولتكن ما تكون"(2) وربما أصبحت أعداء. ولم ينسق قط بينها ولم يهتم قط بترابطها. ويمكن أن نقتبس عنه في أي أتجاه تقريباً، ولكن نزعته المركبة كانت جلية واضحة. وكان أكثر أصالة من فولتير، وربما كان السبب في هذا أنه لم يرتض قط المعايير التقليدية. وقد يطلق لنفسه العنان دون قيود مقبولة. وتتبع كل نظرية أنى قادته، أحياناً إلى أعماقها وأحياناً أخرى إلى حثالتها. وتعرف على كل وجهات النظر إلا وجهات نظر القسيس والقديس لأنه لم يكن لديه حقائق أو أشياء يقينية "أني لا أهتم بتشكيل السحب أكثر مني بتبديدها، وتعطيل القرار أو الحكم، لا بأتخاذه.. أنا لا أقرر، بلى أتساءل(3) أنا أترك ذهني يهيم إلى حد السرف، وأطلق العنان لمتابعة أية فكرة سليمة كانت أو طائشة، تأتي أو تقفز إلى ذهني أولاً، وأتعقبها كما يتعقب الشباب الداعر محظية بائسة وهي تبتسم، وتتلألأ عيناها وتنظر بأزدراء... إن أفكاري هي محظياتي(4).




صفحة رقم : 12562




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> القائل بوحدة الوجود


وكان لديدرو خيال عقلاني، فتخيل الأفكار والفلسفات والشخصيات كما يتخيل الآخرون الأشكال والمشاهد. ومن غيره كان يستطيع في زمانه أن يتصور "أين أخي رامو" المخزي اللا أخلاقي الفاتن. إنه بعد أن يخلق أحد شخوصه يدعه ينمو ويتطور وكأنما يفعل ذلك طواعية وأختياراً. ثم يدع هذه الشخصية تقوده، وكأنما المؤلف هو الدمية المتحركة أو الألعوبة. إنه تخيل نفسه في مكان راهبة شابة كارهة ثم جعلها حقيقة إلى حد أن المتشككين الفرنسيين تولاهم الجزع لمحنتها. أنه جرب الأفكار تجريباً عقلياً، وتمسك بها بعض الوقت، وتخيل نتائجها منطقياً أو عملياً، ثم طرحها جانباً. وما كادت توجد فكرة في هذا العصر إلا دارت بخلده. أنه واقعياً لم يكن مجرد موسوعة متحركة، بل كان معملاً متنقلاً. سارت أفكاره معه أينما سار.
وهكذا فإن ديدرو في كتابه "بعض الأفكار في تفسير الطبيعة" الذي نشره في 1754 غفلاً من أسم المؤلف، بترخيص ضمني من الرقيب الكريم المحسن مالشرب -تلاعب عن الأحدية (القول بأن ثمة مبدأ غائباً واحداً، كالعقل أو المادة. القول بأن الحقيقة كل عضوي واحد). والمادية والآلية والحيوية (المذهب الحيوي الذي يقول بأن الحياة مستمدة من مبدأ حيوي وأنها لا تعتمد أعتماداً كلياً على العمليات الفيزيائية والكيميائية) والتطور. وكان لا يزال متأثراً ببيكون وأخذ عنه العنوان والصيغة الحكيمة ودعوة رجال العلم ليتكاتفوا في العمل على قهر الطبيعة عن طريق التجريب والعقل. وتأثر كذلك بكتاب موبرتيوس "منهج عام للطبيعة" (1751) وكتاب بيفون (التاريخ الطبيعي (1749). وأتفق مع موبرتيوس على أن كل مادة قد تكون حية، ومع بيفون في أن علم الحياة (البيولوجيا) مستعد الآن للتحدث إلى الفلسفة. ورحب عند المؤلفين كليهما بفرضية التطور الناشيءة.
وبدأ ديدرو بمخطط ضخم: (إنها الطبيعة هي التي أريد أن أصفها، إن الطبيعة هي الكتاب الوحيد أمام الفيلسوف(5) وتصور أن الطبيعة قوة




صفحة رقم : 12563




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> القائل بوحدة الوجود


نصف عمياء ونصف ذكية، تؤثر في المادة وتبعث فيها الحياة، وتهيئ للحياة مليون شكل تجريبي، وتدخل التحسين على هذا العضو. وتنبذ ذاك العضو، تحي وتميت بشكل مبدع. وفي هذا المعمل الكوني ظهرت وأختفت آلاف الأنواع.
(أنه مثل ما هو حادث في مملكتي الحيوان والنبات، ينشأ فرد وينمو ويبقى ثم يهلك ويزول، فهلا يمكن أن تكون كل الأنواع على هذا المنوال؟ إذا لم تعلمنا العقيدة أن الحيوانات تأتي عن يدي الخالق كما نراها، وإذا كان هناك أدنى شك في بدايتها ونهايتها، فهلا يفترض الفيلسوف المستسلم لخواطره أن الحيوانية أخذت عن كل الأبدية كل العناصر الخاصة بها، ثم تبعثرت وأختلط بكتلة المادة، وحدث أن هذه العناصر أتحدت كلما أمكن حدوث هذا الأتحاد، وأن الجنين الذي تكون من هذه العناصر مر بتنظيمات وتطورات لا حد لها، أنه أكتسب على التوالي حركة وأفكاراً وتفكيراً وتأملاً ووعياً مشاعر وأنفعالات ورموزاً وإيماءات وأصواتاً واضحة ولغة وقانوناً وعلوماً وفنوناً، وأن ملايين من السنين أنقضت بين هذه التطورات، وأنه قد لا يزال أمام هذا الكانن تطورات أخرى يمر بها وأضافات أخرى يتلقاها، غير معروفة لنا الآن... وأنه قد يفقد هذه لمواهب والقدرات كما أكتسبها، وأنه قد يختفي إلى الأبد من الطبيعة، لا بل أنه قد يبقى على قيد الحياة في شكل آخر بمواهب وقدرات مختلفة كل الأختلاف عما نراه فيه في هذه اللحظة من الزمان؟(6)
إن الطبيعة عند ديدرو هي كل شيء وهي إلهه. ولكننا لا نعرف عن جوهرها إلا وفرتها المضطربة والتغير الدائب الذي لا يهدأ فيها. والطبيعة هي المادة الحية. ولكن المادة تحتوي في نفسها على أندفاع الحياة وعلى إمكانية التفكير. وليس الإنسان آلة كما أنه ليس روحاً غير مادية، والجسم والنفس كائن واحد ويفنيان معاً (إن كل شيء يدمر نفسه ثم يهلك




صفحة رقم : 12564




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> القائل بوحدة الوجود


ولا يبقى إلا العالم، ولا يثبت إلا الزمان(7) والطبيعة محايدة ولا تعمد إلى التفريق بين الخير والشر والكبير والصغير والآثم والقديس. وأنها تعني بالأنواع الفرد. فلينضج الفرد ويتكاثر ثم ليمت ولسوف يفنى كل نوع كذلك. أن الطبيعة حكيمة في عدد لا يحصى من التفاصيل البارعة التي يبدو أنها تكشف عن التخطيط إنها تمنح الكائنات غرائز تمكنها من الحياة ومن تهيئة الحياة لغيرها، ولكن الطبيعة أيضاً عمياء تدمر الفلاسفة والحمقى على حد سواء، بقذيفة واحدة من النار أو بضربة واحدة من يدها على أديم الأرض، ولن يكون في مقدورنا أن نفهم الطبيعة ولا أن نكشف النقاب عن أغراضها أو معناها إذا كان لها ثمة أغراض أو معنى، لأننا نحن أنفسنا طوال تاريخنا الدموي الجليل من بين ألعابها أو رياضاتها العابرة المتناهية في الصغر.




صفحة رقم : 12565




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> حلم دالمبير



2- حلم دالمبير


تابع ديدرو تأملاته في الطبيعة في واحد من أغرب المؤلفات في الأدب الفرنسي -حلم دالمبير (وأمتاز ديدرو بعرض أفكاره في صورة حلم، ودس "الحلم على صديقه بأن جعل أثنين من مشاهير المعاصرين -جولي دي لسبيناس ودكتور تيوفيل دي بوردو -متحدثين في الحوار. وقال ديدرو لخليلته "إني أضع أفكاري على لسان رجل يحلم. وغالباً ما يكون ضرورياً أن نضفي على الحكمة جواً من السخف والحمق حتى نهئ لها مدخلاً"(8) وتحت هذه الأقنعة أطلق العنان لخياله الفلسفي غير مبال بأي خطر شخصي أو أية نتائج أجتماعية، وكان مسروراً غاية السرور بالنتيجة. ووصفه صوفي فوللاند بأنه (أكثر ما كتب حمقاً وعمقاً، فيه خمس أو ست صفحات تجعل من شعر رأسك ينتصب"(9) على أنه أكد لها أنه لم يتضمن كلمة واحدة خاطئة(10). أنه كتبه في عام 1769 وقرأ أجزاء منه على أصدقائه، وفكر في طبعه، والمفروض في الخارج. فأحتجت الآنسة دي لسبيناس لأسباب سوف تتضح فيما بعد. وفي حركة بطولية ألقى بالمخطوطة في النار، وربما كان يعلم أن هناك نسخة أخرى. وعلى أية حال طبع الكتاب في 1830.




صفحة رقم : 12566




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> حلم دالمبير


أنه عمل ثلاثي. وفي "المحادثة" الأولية بين ديدرو ودالمبير يعترض العالم الرياضي على مذهب صديقه المادي الحيوي بأنه ليس مقبولاً أكثر من قبول مفهوم الله عند رجال اللاهوت في القرون الوسطى. يقول ديدرو: "ليس بينك وبين الحيوان إلا فارق واحد في الكائن الحي (درجة التطور العضوي) وكذلك الحال بين الحيوان والنبات". ومن ثم فإن كل شيء في الإنسان يجب أن تكون له بذرته أو نظيره في النباتات". ويسأل دالمبير: وفي المادة أيضاً؟ فيرد ديدرو بالإيجاب، لأنك "كيف تعرف أن الوجدان لا يلتئم مع المادة -أنت الذي لا تعرف جوهر أي شيء لا المادة ولا الوجدان؟ وليس ثمة إلا جوهر واحد في الكون في الإنسان وفي الحيوان"(11).
وبيرز الجزء الثاني من هذه الثلاثية دكتور بوردو والآنسة دي لسبيناس إلى جوار سرير دالمبير وهو نائم بعد أمسية قضاها في الجدل والحوار مع ديدرو (وكانت الآنسة وقد أشتهرت فعلاً بصالونهاتقيم مع دالمبير في لون من الحياة الأفلاطونية). وتروى للطبيب أن صديقها رأى فيما يرى النائم حلماً مزعجاً وأنه تحدث في نومه حديثاً غريباً وأنها دونت بعض ملاحظات عن هذا الحديث، مثال ذلك إن دالمبير قال لديدرو "أنتظر قليلاً أيها الفيلسوف. أنا أستطيع أن أدرك بسهولة مجموعة... من الكائنات الصغيرة التي تحس، ولكن الحيوان؟ هل هو كل.. بوعي من وحدته الخاصة به؟ أنا لا أرى هذا(12) ويرى الحالم في منامه أن ديدرو يروغ إذ من السؤال يتخذ موقفاً عفوياً "عندما رأيت المادة الهامدة تصبح في حالة شعور فلا شيء يدهشني بعد ذلك"(13). ويتابع ديدرو: "إذا كانت كل الأنواع الموجودة ستزول فإنها أو أية أشكال أخرى من الحيوان ستنتج على إمتداد الزمن تخمر الأرض والهواء. ويشترك بوردو والآنسة في المناقشة، ولكن تقاطعهما صرخة مفاجئة من الرجل الذي يحلم والذي يتحدث الآن مثل ديدرو. "لماذا أكون أنا الآن كما أنا؟ لأنه لم يكن ثمة مفر من أن أكون كذلك. إذا كان كل شيء في تغير عام متواصل فما الذي لا يمكن إنتاجه هنا أو في أي مكان آخر




صفحة رقم : 12567




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> حلم دالمبير


بمرور ملايين القرون وتقلباتها؟... ومن يدرينا أن الكائن المفكر الذي يحس ويشعر موجود على كوكب زحل؟... هل يمكن أن يكون للكائن المفكر الذي يحس ويشعر في زحل حواس أكثر منا؟ آه إذا كان الأمر كذلك لكان ساكن زحل سيء الحظ لأنه كلما أزدادت الحواس أزدادت الحاجات (14)".
ويعلق بوردو على ذلك "أنه علىحق طبقاً لنظرية لا مارك في التطور العضوي، فإن الأعضاء تولد الحاجات وبالتبادل تولد الحاجات الأعضاء".
ويصحو دالمبير لحظة ويجد بوردو يقبل لسبيناس فيحتج. ويأمرانه بالعودة إلى النوم فيمتثل. وينسى الطبيب وصاحبته الصالون ويتتبعان الأفكار التي بدأت في الحلم ويشير بودرو إلى ولادة المخلوقات الإنسانية الغريبة ويتحدى المؤمنين بالتخطيط الألهي أن يفسروها. وتسنح للأنسة لمحة خاطفة بارعة "ربما كان الرجل مجرد صورة مشوهة من المرأة أو المرأة صورة مشوهة من الرجل(15). ويضيف الطبيب إلى هذا على طريقة ديدرو "الفرق الوحيد بينهما أن لأحداهما كيس يتدلى في الخارج وللأخر كيس مثبت في الداخل". ويستيقظ دالمبير ويحتج "أنت تتحدث بكلام بذئ إلى الأنسة لسبيناس" وينهض بودرو لأنه كان على موعد مع مريض آخر، ويتوسل إليه دالمبير أن يبقي ليفسر له: "كيف حدث أنه ظل كما هو بالنسبة لنفسه وللآخرين طوال التقلبات التي عاناها طوال سني حياته على حين أنه ربما لم يعد لديه شيء قط من الجزيئات التي كانت عند مولده"؟ قيجيب الطبيب "أنها الذاكرة و...بطء التغيرات". وتقدم الآنسة قياساً مثيراً "أن الدير يحتفظ بروحه لأنه يمتلئ بالرواد شيئاً فشيئاً وإذا قدم راهب جديد فأنه يجد مائة راهب قديم يقودونه إلى أن يفكر ويحس مثل ما يفعلون هم أنفسهم(16)".
ويسيطر بوردو منذ الآن على المناقشة وهو يفرق بين النزعة الرومانتيكية والنزعة التقليدية القديمة حسبما تسيطر الحواس على الذهن الواعي أو يسيطر




صفحة رقم : 12568




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> حلم دالمبير


الذهن الواعي عليها. ويرى أن لسبيناس مثال واضح على الحالة الأولى ويقول لها في رقة "إنك ستوزعين وقتك بين الضحك والدموع ولن تكوني أكثر من طفل" ويذكر تفسيراً فسيولوجياً للأحلام: "النوم حالة لا يعود يوجد فيها تنسيق بين الحواس عن طريق الوعي أو الهدف، ولا يعود يوجد أي عمل مدبر أو نظام وضبط والسيد (النفس الواعية) ستسلم لهوى أتباعه (الحواس)... هل الخيط (الأعصاب) مشدود؟ إذن يرى أصل الشبكة (المخ). وإذا أراد خيط السمع فإنه يسمع. والفعل ورد الفعل (الأحساس والأستجابة) هما الشيئان الوحيدان اللذان يبقيان بينهما. وهذا نتيجة طبيعية لقانون الأستمرار والعادة. إذا بدأ الفعل بالغاية الشهوانية التي قدرتها الطبيعة للذة الحب، وتكاثر النوع فإن أثره على أصل الحزمة (المجموعة) هو الكشف عن صورة المحبوب. ومن جهة أخرى إذا ظهرت هذه الصورة بادئ ذي بدء لأصل الحزمة فستكون شدة الرغبة الشهوانية وهياج السائل المنوي وتدفقه، هذه كلها ستكون نتيجة رد الفعل... وفي حالة اليقظة تذعن الشبكة للصور التي يطبعها في الذهن شيء خارجي. وفي حالة النائم، فإنه من ممارسته شعوره الخاص، ينبثق كل شيء في نفسه. وليس في الحلم شيء يصرف الأنتباه ومن ثم كانت حيويته ونشاطه"(17).
وربما أحس بودرو بأن المريض الذي كان قد قرر زيارته قد يشفى بالطبيعة أسرع منه بالدواء، ولذلك نسيه، وأنطلق يشرح الجبرية (الإيمان بالقضاء والقدر) ويصف "إحترام الذات، والخجل والندم" بأنها صبيانيات مبنية على جهل وغرور شخصي ينسب لنفسه مزايا ونقائض في لحظة لا مفر منها(18).
وأفتتن ديدرو بالطبيب بوردو ناطقاً بلسانه، حتى أنه في الجزء الثالث "مواصلة المحادثة" أغفل دالمبير. وإذ تحرر الطبيب فإنه أنكر العفة بأعتبارها أمراً غير طبيعي، ويقر الأستمناء متنفساً ضرورياً عن الحويصلات المكتظة أو المحتققة "أن الطبيعة لا تجيز شيئاً غير ذي فائدة. فهل أكون ملوماً في




صفحة رقم : 12569




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> حلم دالمبير


مساعدتها إذا أهابت بي لمعونتها في أقل الأعراض شبهة وريبة؟ ويجدر بنا إلا نستفزها أبداً، بل نمد لها يد المعونة بين الحين والحين"(19). ويختتم الطبيب كلامه بتحبيذ التجارب في مجال الخلط المنتج بين مختلف الأنواع، حيث يمكن أن ينتج هذا الخلط نمطاً من الإنسان الحيوان الذي قد يقنع بخدمة الإنسان. وتستبق الآنسة لسبيناس أناتول فرانس والبطارقة، فتتساءل: وهل ينبغي تعميد أنصاف الرجال هؤلاء؟
بوردو (وهو يهم بالخروج): هل رأيت في حديقة الحيوان، في قفص من زجاج إنسان الغاب (ضرب من القردة العليا الشبيهة بالإنسان يقطن في بورنيو وسومطره) يبدو وكأنه سان جون يلقي المواعظ في الصحراء؟
الآنسة: نعم رأيته.
بوردو (وهو يغادر المكان): قال له الكاردينال دي بوليناك، "تكلم وأنا أعمدك(20).
وفي "مبادئ الفسيولوجيا" (1774) صاغ ديدرو نظريته في التطور، متأملاً في الحلقة المفقودة، فهو يقول "من الضروري أن نبدأ بتصنيف الكائنات، إبتداء من الجزئ الخامل غير الفعال (إذا وجد) إلى الجزيء النشيط الفعال، إلى الحيوانات الدقيقة التي لا ترى إلا بالمجهر... إلى النبات، وإلى الحيوان، وإلى الإنسان... يجدر ألا يصدق المرء أن سلسلة الكائنات قد عوقتها وأعتراض سبيلها تباين الأشكال وتنوعها، فالشكل مجرد قناع خداع. وربما وجدت الحلقة المفقودة في كائن غير معروف، لم يستطع علم التشريح المقارن بعد أن يحدد مكانه الحقيقي(21).




صفحة رقم : 12570




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية



3- ديدرو والمسيحية


كان ديدرو قد وعد صوفي فوللاند بأنه لن يتعرض للديانة في "حلم دالمبير" والواقع بطبيعة الحال أن "الثلاثي" أورد فلسفة أستغنت عن الألهة تماماً. وظل ديدرو في العلن ربوبياً متمسكاً بأن الله هو "المحرك الرئيسي" فقط،




صفحة رقم : 12571




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


منكراً العناية الألهيه والتخطيط والتدبير الألهي. وكان من الناحية النظرية "لا أدرياً" ينكر أي علم أو أهتمام بأي شيء فيما وراء دنيا الحواس ودنيا العلوم، وتحدث أحياناً بشكل غامض عن وعي كوني تعثر وتخبط عبر زمان لا حدود له، وقام بتجارب تنتج الآن أشخاصاً غريبة عقيمة أو يسبب أحداثاً سعيدة -لا يكاد يكون إلهاً يتقبل الصلوات والدعوات. ويمكن أن يصبح في أحدى نوبات الغضب خصيماً عنيفاً، وأنبأ عن مبغض البشر الذي بث فكرة الإله، إنتقاماً من الحياة، وأنتشرت الفكرة، وسرعان ما تشاجر الناس وكره بعضهم بعضاً، وقطع الواحد منهم رقبة الآخر. وكانوا يفعلون نفس الشيء منذ جرى هذا الإسم الكريه على الألسنة. وأضاف ديدرو في إبتهاج مقرون بالحذر "ربما ضحيت بحياتي في سبيل القضاء على فكرة الإله قضاء مبرماً"(22). ومع ذلك فإن نفس العبقرية المهوشة أحست بنظام الكون وعظمته المذهلتين، وكتب إلى الآنسة فوللاند: "أن الإلحاد أقرب ما يكون إلى الخرافة، وكلاهما صبياني طائش"، ثم أضاف "لقد جن جنوني لأني حائر متورط في فلسفة شيطانية لا أملك إلا أن يقرها ذهني وينبذها قلبي"(23) وأقر في سنيه الأخيرة بعد ذلك صعوبة أشتقاق العضوي من غير العضوي أو الفكر من الأحساس"(24).
ولكن ديدرو لم يهدأ قط في حملاته على المسيحية، وثمة فقرة مثيرة من رسالة خاصة تلخص موقفه منها، "من رأيي أن العقيدة المسيحية أسخف وأشنع ما تكون في تعاليمها ومبادئها، كما أنها مستعصية على الفهم، ميتافيزيقية مربكة غامضة إلى أبعد الحدود. ومن ثم كانت أكثر تعرضاً للأنقسامات والشيع والإنشقاقات والهرطقات، وأكثرها أيذاءً وأزعاجاً للهدوء العام، وخطراً على الملوك والحكام في تسلسل مراتبها الكهنوتية وأضطهاداتها ونظامها العام، وهي أشد العقائد فتوراً وكآبة وبعداً عن المدنية، وعبوساً في طقوسها، وأشد صبيانية وأنطوائية وبعداً عن الروح الأجتماعية في أخلاقياتها... وهي متعصبة لا تحتمل إلا أقصى(25)".




صفحة رقم : 12572




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


وفي "نزهة المتشكك" (1747) كان ديدرو قد أعترف بخدمات الكنيسة في تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق ولكنه بعد ذلك رأى أن المسيحية، على حين تنهي عن الجرائم البسيطة، تبعث على إقتراف الجرائم الكبيرة، "سياتي، آن عاجلاً أو آجلاً، الوقت الذي نرى فيه أن نفس العقيدة التي حالت بين الإنسان وبين سرقة شلن واحد، تكون سبباً في قتل 100 ألف شخص. تعويض رائع(26)! ومهما يكن من أمر، فإن لأفكارنا الدينية أقل الأثر في أخلاقنا(27)، والناس يرهبون القوانين الحالية أكثر مما يخشون نار جهنم الآجلة والإله الذي لا يرونه. أن القسيس نفسه قلما يعتمد على الدعاء والصلاة للآلهة، اللهم إلا إذا كان المرء لا يعنيه إلا قليلاً(28). وفي 1773 تنبأ ديدرو بأن الإيمان بالله والخضوع للملوك لن يعود لهما وجود في بحر سنوات قلائل في كل مكان(29) ويبدو أن النبوءة تحققت في فرنسا في 1792. ولكن ديدرو تنبأ أيضاً "بأن الإيمان بوجود الله سيبقى"(30).
ومثل معظم الذين فقدوا إيمانهم بالمذهب الكاثوليكي، فإن نفس ديدرو الذي ذهب إلى أن المراسم والطقوس الكاثوليكية كئيبة حزينة، ظل حساساً لجمال ووقار الشعائر الكاثوليكية، ودافع عنها ضد النقاد البروتستانت في صالونه 1765، فهو يقول: "أن هؤلاء المتشددين الحمقى لا يدركون مدى تأثير الطقوس المظهرية على الناس. أنهم لم يشهدوا قط توقير الصليب في يوم الجمعة الحزينة، وحماسة الجماهير في موكب عيد القربان، وهي حماسة كانت في بعض الأحيان تجرفني أنا نفسي. أني لم أر قط هذا الصف الطويل من القساوسة في ملابسهم الكهنوتية، ومساعديهم الصغار في ثيابهم البيضاء ينثرون الزهور أمام القربان المقدس، ولم أر هذه الجماهير الحاشدة التي تسبقهم وتعقبهم في صمت ديني رهيب، كما أن كثيراً من الناس ينبطحون على الأرض. ولم أسمع قط هذه التراتيل الوقورة التي ينشدها الكهنة وترددها في حب وإخلاص الجموع الخفيرة من الرجال والنساء والأطفال، إلا أهتز قلبي من الأعماق، وذرفت عيناي الدموع"(31).




صفحة رقم : 12573




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


ولكنه استأنف الهجوم بعد أن مسح عينيه. ففي "مناقشة فيلسوف مع المارشال دي... (1776) تخيل رجلاً متشككاً أسماه كروديلي (معناها بالأيطالية قاس) يتحدث مع أحدى سيدات المجتمع النبيلات، تعتقد أن من ينكر "التثليث المبارك" إنما هو متوحش مصيره إلى المشنقة. وتدهش السيدة إذ تجد أن كروديلي الذي هو ملحد، ليس أيضاً لصاً ومنغمساً في الشهوات يقول"أظن أنه إذا لم يكن لدي شيء أخشاه أو آمل فيه بعد الموت فأني سأستبيح لنفسي كثيراً من الملذات اليسيرة هنا". ويسأل كروديلي "وما هي هذه الأشياء"؟ "أني أعترف بها للكاهن فحسب... ولكن ما لذي يدفع غير المؤمن ليكون طيباً إلا إذا كان مجنوناً؟" أنها تتراجع قليلاً أمام حججه ثم تتخذ خط دفاع آخر: "ينبغي أن يكن لدينا ما نرهب به الأعمال التي تفلت من قبضة القانون القاسية وفضلاً عن ذلك إذا قضيت على الديانة فماذا تضع محلها؟". فيجيب كروديلي "هبي أنه ليس هناك شيء يحل محل الدين، فلسوف يكون دائماً على أية حال ضرر وظلم أقل". إنه يصور المسلمين في ثورة يذبحون فيها المسيحيين، والنصارى يحرقون المسلمين واليهود.
الماريشال: هب أن كل ما أعتقدته باطلاً كان حقاً، وأنك هالك. إنه لشيء رهيب مزعج أن تكون هالكاً ملعوناً وأن تصلى النار إلى الأبد.
كروديلي: يقول لافونتين بأننا سننعم بالراحة، مثل السمك في الماء.
الماريشال: نعم، نعم، ولكن لافونتين أصبح وقوراً تقياً جداً آخر الأمر، وأتوقع أن تكون كذلك.
كروديلي: أنا لا أستطيع أن أجيب بشيء إذا ضعف مخي.
أن أشد الفلاسفة عداوة لرجال الدين كان يحس بمرارة بالغة نحو ما بدا له أنه ضياع لحيوية البشر وطاقاتهم في أديار الرهبان والراهبات. وفي إحدى




صفحة رقم : 12574




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


صفحاته الغامضة أنحى بأعنف اللوم على الآباء الذين حكموا على بناتهم بالعيش بين جدران الدير وهن كارهات. إن من أروع كتاباته من الناحية الفنية، بعثاً خالياً من جديد لحياة راهبة من هؤلاء. أنه كتب رسالة الراهبة في 1760 نتيجة مزحة كان يأمل جريم وديدرو من ورائها أن يعيدا إلى رفقتهما المركيز دي كرو اكسمير من كاين إلى باريس. وحوالي هذه الفترة أثار ديدرو نداء وجهته إلى برلمان باريس لأحلالها من القسم الذي أكرهها والداها عليه (كما تدعي). وتعطف المركز فكتب إلى البرلمان يناصر قضية الراهبة، ولكن دون جدوى.
إننا لا نعرف عن هذه الراهبة شيئاً أكثر من هذا، ولكن ديدرو أعاد كتابة تاريخها في تصوير واقعي يخلد ذكراها على مدى القرون. وأفترض أنها هربت من الدير، وأرسل إلى كرواكسمير عدة رسائل -وكأنها بقلمها- تصف فيها معاناتها في الدير، وتطلب أن يمد لها يد المساعدة لتبدأ حياة جديدة. وأجاب المركيز، ورد ديدرو، بأسمها، وأستمرت هذه المراسلات أربعة شهور في مائة وخمسين صحيفة.
وصور ديدرو سوزان تعاني من رئيسة الدير الغليظة القلب، فهي تضطهدها وتحبسها وتجردها من ملابسها وتعذبها وتحرمها من الطعام، فتشكو إلى أحد الكهنة الذي يهيئ لها سبيل الأنتقال إلى دير آخر. وهناك كانت رئيسة الدير الجديد مساحقة وشغفتها الراهبة حباً، وتوسلت إليها لمعاونتها. وربما بالغ ديدرو في وصف قساوة الأمهات رئيسات الأديار وشقاء الراهبات وحزنهن. ولكنه جعل كل الكهنة في قصته ودودين محبوبين مطبوعين على حب الخير، وعالج فكرة السحاق في رقة نادراً ما ظهرت في مؤلفاته. وتأثر المركيز وقدم إلى باريس. وتكشفت له الخدعة ولكنه تجاوز عنها وكانت هذه القصة الغريبة قد أدت إلى دراسة رائعة في علم النفس، كانت متأثرة بقصة ريتشاردسن "كلاريسا" ولم يتعمق أي متشكك قط بمثل هذه القوة في مشاعر القديس، وفاجأ أحد الزوار




صفحة رقم : 12575




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


الكاتب وهو يدون هذه الرسائل، فوجده كما يروى جريم "حزيناً غاية الحزن... ويذرف الدمع(32) وأعترف ديدرو بأنه كان يبكي لقصته هذه، فما أسرع ما كانت الدموع تجري في عينيه، مثل روسو. وكان فخوراً، بشكل يمكن الصفح عنه، بقصته الموضوعة على هيئة رسائل، وبأحتمال أن تكون صحيحة، وبالعاطفة الدافقة فيها، وبأسلوبها، وقد عنى بمراجعتها وتنقيحها، وأوصى بنشرها بعد موته، ورأت هذه القصة الثورة في 1796 في عهد الثورة وفي 1865 أحرقت قصة "الراهبة" علناً بناء على أمر من محكمة السين(33):
ومع قصة الراهبة، نشر في 1796، كما أحرق معها في 1865 "جاك المؤمن بالقضاء والقدر وسيده" الذي أعتبره ديدرو أعظم إنتاجه(34)، بداعي التقارب في الزمن. وربما كان الأمر كذلك، ولكنه أيضاً أسخف ما كتب. وأفتتن ديدرو بقصة "ترسترام شاندي" فإتخذ أسلوب ستيرن (قصصي إنجليزي في القرن الثامن عشر 1760-1768) في تأليف قصة قائمة إلى حد كبير على أعتراض السياق، فيقطعه من حين إلى آخر، في نزوة من نزواته، ليتحدث إلى القاريء عن شخوص القصة. وبدأ الكتاب وأختتمه بقطع وأحداث منقولة مباشرة من ستيرن(35). وفاق ستيرن في إزعاج القارئ بين الحين والحين بفحش القول. إن شخصي القصة يعكسان أسلوب سرفنتيز في التباين بين السيد وتابعه في المزاج والفلسفة. فالسيد يرفض فكرة القضاء والقدر على حين يؤمن جاك بها. إن كل شيء يحدث هنا على الأرض مسطور في كتاب هناك(36). إن جاك "يعتقد إن الأنسان يشق طريقه بالضرورة إلى المجد أو إلى الخزي والعار، كما تنطلق الكرة متتبعة إنحدار الجبل الذي تدحرجت عليه. إن رئيس جاك السابق كان قد ملأ رأسه بكل هذه الأفكار التي أستقاها من سبينوزا الذي حفظه عن ظهر قلب(37) وهو رئيس نادر المثال.
وفي أواسط القصة يتلكأ ديدرو ليروي في حماسة وبراعة قصة




صفحة رقم : 12576




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسيحية


المركيزة دي لابومراي عشيقة المركيز دي أرسيز. أنها أرتابت في أنه سئمها، فعزمت على أن تكتشف الأمر بالأشارة إلى علاقتها أصبحت عبئاً ثقيلاً، أنه أساء إليها أبلغ أساءة بتصريحه بأنه يود أن يفلت من عشيقة إلى صديقة، فتدبر المركيزة إنتقاماً فريداً في بابه. وتعثر على بغي جميلة، وتتحمل نفقات أبدال ملابسها وتعلمها الأجرومية وآداب السلوك وتلقنها مبادئ التقوى المثيرة للأعجاب، وتقدمها إلى المركيز على أنها سيدة من ذوات الحسب والنسب، ودربتها على أن تثير نزواته وترفض عرضه لأن تكون صديقته، وأرشدتها إلى الطريقة التي تنتزع بها منه إقتراحاً بالزواج. وبعد بضعة أشهر من الزواج تكشف مدام لابومراي للمركيز عن ماضي زوجته. ولكن يفسد على المركيزة أنتقامها تطور غريب. ذلك أن المرأة الآثمة التي أعيد تشكيلها وصلح حالها عرفت كيف تحب زوجها المركيز، وأعترفت له خجلة باكية بخدعتها وعرضت أن تختفي من حياته، وفي الوقت نفسه كانت هي زوجة مخلصة ووفية إلى حد أن المركيز أكتشف أن في الزواج سعادة أكبر مما هي في الفجور والزنى. فيغتفر لها تضليلها ويأبى أن تفارقه، ويعيش معها عيشة راضية ممتازة، ويتحطم قلب بومراي من مرارة الهزيمة.
أن هذا الفاصل على أية حال هو أكثر ما يأخذ بالألباب في "جاك المؤمن بالقضاء والقدر" فأنه يتميز بمتانة التركيب، واللمسات الرقيقة للواقعية النفسية (السيكولوجية)، والشعور العميق في تعبير هاديء. وهذه كلها تعوزها القصة على وجه الإجمال. وأعترف شيللر بأنها درة في فن الأدب. وترجمها إلى الألمانية في 1785.




صفحة رقم : 12577




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ابن أخي رامو



4- ابن أخي رامو


أن "ابن أخي رامو" لا "جاك المؤمن بالقضاء والقدر" هو أعظم كتب ديدرو وأسماه جوته "الكتاب الممتاز الذي ألفه رجل لامع(38)، كتبه في 1761 ومات قبل أن ينشر، لأنه كان أقبح كتبه وأكثرها خزياً، وفي




صفحة رقم : 12578




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ابن أخي رامو


نفس الوقت أكثرها أصالة. وظاهر أنه رأى أنه غير مستساغ ليقدمه حتى لأصدقائه. وبعد موته تسربت نسخة منه إلى ألمانيا أحدثت هناك دوياً شديداً. وأرتاع له شيللر وثارت نفسه، وحمله إلى جوته، وكان آنذاك في قمة الشهرة (1805) فترجمه إلى الإلمانية. ودخلت هذه الترجمة إلى فرنسا وأعيدت ترجمة الكتاب إلى الفرنسية (1821) ونشرت طبعة أخرى 1823 ولكن هذه لم تصل إلى المطبعة إلا بعد أن كانت أبنة ديدرو قد هذبتها وحذفت منها ما لا يليق نشره. ولم تكتشف المخطوطة الأصلية إلا في عام 1891 في كشك للكتب على ضفة نهر السين وهي موجودة الآن في مكتبة بييربونت موجان في نيويورك.
وأختار ديدرو لساناً ناطقاً بأفكار غريبة شاذة إلى حد كان من العسير معه أن يعبر عنها ديدرو بضمير المتكلم. جان فرنسوا رامو هو أبن أخي الملحن المشهور جان فيليب رامو (الذي توفي 1764) والذي كان لا يزال على قيد الحياة حين كتب الحوار غير القابل للنشر. وعرف ديدرو الموسيقى معرفة جيدة، وتحدث بطلاقة ودون تكلف عن لوكاتللي، برجوليسي وجوميللي، وجالوبي، وليووفنسي، وتارتيني، وهاس، وتنبأ بحق أنه في العزف على الكمان سرعان ما سيحل العزف الشاق محل العزف الجميل ويزحزحه من مكانه(39).
وألف أبن الأخ موسيقى، وأصاب بعض النجاح معلماً للموسيقى. ولكن كان أسمه يقض مضجعه ويقلق باله. وكان يغار أشد الغيرة من عمه ويحقد عليه تفوقه. فتخلى عن المعركة، وأنغمس في اللهو وأطلق العنان لشهواته ورغباته بشكل ينافي الأخلاق، مما وصفه ديدرو في قصته. وأكدت التقارير المعاصرة(40) كثيراً من الصفات الأخرى التي نسبت إليه في الحوار، ولكن التاريخ لم يؤيد ما ذهب إليه ديدرو من أنه كان قواد يتجر بجمال زوجته في سوق الدعارة. وعندما فارقت هذه الزوجة الحياة فقد جان فرانسو كل أحترام للنفس وجعل منه لسانه البذئ غير العف، الشديد التهكم




صفحة رقم : 12579




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ابن أخي رامو


والسخرية منبوذاً في المجتمع، وطرد من دار مسيو برتان الثري الذي كان لعدة سنوات قد إعتمد عليه في تناول العشاء عنده، وصار عليه أن يلتمس الزملأ في مقهى "لا ريجانس" وفي أماكن أخرى تزخر بالأفكار التقدمية التي لا تغنى ولا تسمن من جوع. يقول ديدرو (لاحظ كيف يعكس حياته في كتبه): "فليكن الطقس معتدلاً أو غائماً معتماً، إن من عادتي أن أقصد سيراً على الأقدام في الساعة الخامسة بعد الظهر إلى البالية رويال. وأنا الشخص الذي يمكن أن يقع بصرك عليه وحيداً دائماً، حالماً على مقعد دارجنسون، أبحث بيني وبين نفسي مشاكل السياسة والحب والذوق والفلسفة. وأطلق لذهني العنان.... وإذا أشتد البرد أو هطل المطر، آوى إلى مقهى لا ريجانس، أراقب لعب الشطرنج... وكنت ذات مساء هناك، أتلفت إلى ما حولي، أتكلم قليلاً، وأسمع قليلاً بقدر الإمكان. حين دنا مني شخص من أغرب الأشخاص على الأرض"(41).
وتجيء بعد ذلك شخصية رائعة: رجل أخنى عليه الدهر، وهو يتذكر الخمرة في مرارة وكان فيما مضى كثير المال ناعم البال مع أجمل زوجة في باريس، وأستقبل مرة في دار أنيقة(42)، كما كان متمشياً مع كل الوان الثقافة في فرنسا. ولكنه الآن يعاني الفقر والخزي والعار، يعيش على ما يقتات به من موائد الذين يستشعرون الأشفاق عليه، وعلى القروض المنسية، لا يرى في الحياة إلا الصراع والهزيمة، ينبذ كل الديانة بأعتبارها قرية جميلة ولكنها مرعبة، وينظر إلى الأخلاقيات على أنها جبن وخداع، ومع كل هذا يحتفظ بقدر كاف من ماضيه ليغلف تحرراً من الوهم فصاحة بارعة مهذبة، ويكسو هذا التحرير رداء عقلانياً. ودعابته حادة مريرة: من ذلك قوله "أت السيدة (كذا) وضعت توأماً، سيكون لكل والد واحد منهما" أو قوله عن أوبرا جديدة "أن فيها بعض قطع جميلة والمؤلم حقاً أن هذه القطع لم توضع لأول مرة"(43). أن مأساته الكبرى هي أنه لا يؤمن بشيء "وسمع بعض كلام روسو عن الطبيعة -كم هي أفضل من المدنية




صفحة رقم : 12580




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ابن أخي رامو


وخير منها، ولكنه يلاحظ أن في الطبيعة يفتك كل نوع بالآخر؟ والخاتمة الرهيبة هي ألتهام كل كائن وهو يرى نفس الألتهام والفتك (أكل الكائنات بعضها البعض) في دنيا الأقتصاد، اللهم إلا أن فيها أناساً يستنزف بعضهم دم بعض عن طريق أجراء قانوني مقبول. وهو يرى أن الأخلاق مجرد خدعة يضلل بها ذوو الدهاء من الناس بسطاء العقول منهم، أو يخدع بها السذج من الناس أنفسهم. أنظر إلى نلك المرأة التقية الورعة التي تغادر الكنيسة (بعد الصلاة) "أنها أثناء الليل تتدرب في خيالها على مشاهد الفسق والخلاعة وعلى الأوضاع الشهوانية الداعرة عند أريتينو"(44) ويرى أبن الأخ (جان فرانسوا) أن الرجل العاقل لا بد أن يسخر من الوصايا العشر "ويتمتع بكل الخطايا والآثام في حكمة وتبصر". مرحى ! بالحكمة والفلسفة! -حكمة سليمان: شرب أجور الخمور، ألتهام أطيب الأطعمة، مضاجعة أجمل النساء، النوم على الفراش الوثير، وكل ما عدا هذا تافه لا قيمة له(45)، ماذا بعد هذا يمكن أن يقول الفيلسوف الإلماني نيتشه أو الشاعر والكاتب الفرنسي بودليير وأمثالهما؟.
ويختتم ديدرو هذا العرض المفزع "للأفكار بأن ينعت أبن الأخ بأنه "بليد شره جبان، روح من الطين" ويجيب رامو على هذا بقوله "أعتقد أنك على حق(46) وتجول بخاطرنا فكرة خبيثة: كيف كان يتسنى لديدرو أن يصور هذه الشخصية بمثل هذه القوة والحيوية، إذا لم تكن تكمن بين جنبيه هو نفسه؟ أنه يحتج على هذه الفكرة، ولكنه يسلم بأنه ليس قديساً: "أنا لا أستنكر لذة الحواس، فإن لي أنا أيضاً ذوقاً يستسيغ أطباق الطعام الشهي والأنبذة الجيدة.كما أن لي قلباً وعينين أحب أن يقعا على سيدة جميلة، وأحب أن ألمس بيدي أن رقبتها مستديرة ثابتة، وأن تعتصر شفتاها شفتي، وأن أرشف اللذة والمتعة من عينيها، وأن ألفظ النفس الأخير بين ذراعيها. ولا يزعجني الأنغماس البسيط في الملذات في بعض الأحيان مع أصدقائي، حتى ولو كان صاخباً بعض الشيء. ولكن لا أخفي عليكم أنه




صفحة رقم : 12581




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ابن أخي رامو


يبدو لي أنه يحلو لي أكثر إلى أبعد الحدود، أن أمد يد المساعدة إلى المنكوبين، أو أسدي نصيحة مفيدة، أو أقرأ كتاباً جيداً، أو أتنزه مشياً على الأقدام مع رجل أو أمرأة عزيزة لدي أو أقضي مع أولادي بضع ساعات أتولى فيها توجيههم وتثقيفهم، أو أكتب صفحة أو أؤدي واجبات عملي، أو أصب في أذن حبيبتي بضع كلمات حلوة حتى تحيط عنقي بذراعيها وتعانقني.. إن أحد معارفي رجل من ذوي الثراء في قرطاجنة، وكان الأبن الأصغر في بلد جرت العادة فيه أن تؤول كل الممتلكات إلى الأبن الأكبر، وترامت إليه الأنباء في كولمبيا أن أخاه الأكبر، وهو شخص متلاف، قد سلب أبويه اللذين دللاه وتساهلا معه كل ما كانا يملكان، وطردهما من قصرهما. وأن هذين الولدين الطيبين يعيشان الآن في مدينة صغيرة في الأقاليم يعانيان مرارة الفقر، فماذا فعل هذا الأبن الأصغر الذي أساء والده معاملته إلى حد إنه رحل إلى أقصى الأرض يلتمس الرزق؟ إنه أرسل إليهما معونة بتدبير أموره، ليعود ثرياً ميسوراً إلى أبيه وأمه، وأسترد لهما دارهما، وهيأ الصداق لأخواته ليتزوجن. آه يا عزيزي رامو، إن هذا الرجل يعتبر تلك الشهور أسعد أيام حياته. إنه حدثني عنها والدموع تغمر عينيه. أما أنا، وأنا أقص عليك هذه القصة، فإني أحس بأن قلبي قد أرهقه الفرح والغبطة والسرور الذي لا أجد كلمات للتعبير عنه(47).




صفحة رقم : 12582




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة



5- علم الأخلاق والسياسة


كان لديدرو مثلما لنا جميعاً، شخصيتان على الأقل: نفس باطنة تختزن فيها خفية كل دوافع الطبيعة البشرية، كما هو موجود في الحياة البدائية بل حتى حياة الحيوان، ثم نفس ظاهرة للعيان تتقبل على كره منها التعليم والأنضباط والأخلاق، ثمناً يجب أن يدفع مقابل الحماية التي يبسطها النظام الأجتماعي. ولا تزال له أنفس أو شخصيات أخرى: ديدرو الذي لم يكن قد نسي شبابه، وحرياته البوهيمية وحبيباته وخلوه من المسئوليات اللهم إلا




صفحة رقم : 12583




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


أمام الشرطة، ثم ديدرو رب أسرة، الذي لو تهيأت له سيدة قادرة على فهم كلامه وأفكاره، لأمكن أن يكون هو أيضاً. أحياناً، زوجأصالحأ وأباً شغوفاً بأبنائه، وحيواناً شبه مستأنس، ورجلاً يقدر بعض التقدير المالى والأخلاق والقانون.
إن هذه الشخصية المزدوجة، "دكتور جيكل ومستر هايد"، أنتجت فيما بين عامي 1770-1772. محاورتين توضحان تذبذب آرائه. ففي "حوار بين أب وأبنائه" يقدم صورة جميلة لأبيه وهو يشرح في رفق "خطر أولئك الذين يتعالون على القانون أو يضعون أنفسهم فوقه" ولكنه بعد ذلك بعامين كتب أكثر أعماله تطرفاً. وكان لويس أنطوان بوجينفيل قد نشر لتوه (1772) كتابه "رحلة حول العالم" عدد فيه خبراته وتجاربه في هايتي وغيرها من جزر المحيط الهادي الجنوبي ووقع بصر ديدرو على بعض أجزاء من هذا الكتاب تبين تفوق الحياة البدائية في بعض النواحي على المدنية. ورغبة من ديدرو في إبراز نواحي التفوق والسمو هذه، كتب في 1772 بما هو معهود فيه من حيوية وخيال وتميز وشغف، "ملحق لرحلة بوجينفيل"، وهو كتاب لم ير النور إلا في 1796. وأختار ديدرو رجلاً عجوزاً من أهالي تاهيتي أورد بوجنيفيل ذكره، وتخيل أنه يلقي خطاباً يودع فيه أمير البحر لدى الفرنسيين الراحلين عن الجزيرة: "وأنت يا زعيم عصابة اللصوص المطاع الذين يمتثلون لأوامرك، إغرب بسفينتك عن شواطئنا. فنحن أبرياء سعداء، وكل ما تستطيع أن تفعل لنا هو أن تفسد علينا سعادتنا. إننا ننهج نهج الفكرة النقية، ولكنك تسعى لمحو أساس هذه الفطرة من نفوسنا. وهنا كل الأشياء ملك لكل الناس، أما أنت فتبشر بتفريق غريب بين ما هو "ملك لك" وما هو "ملك لي" وكل بناتنا وزوجاتنا كانت لنا جميعاً على الشيوع، ولكنكم شاركتمونا هذه الميزة ودفعتم بهن إلى لوثات من الجنون، ولم يكن لهن بها عهد من قبل.. وتناحرتم وقتل بعضكم بعضاً من أجلهن، وعدن مضرجات بدمائكم... نحن أحرار، ولكن تأمل كيف أنكم نقشتم




صفحة رقم : 12584




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


على أرضنا عنوان عبوديتنا في المستقبل.. إنكم كتبتم على هذا النصل المعدني "هذا البلد بلدنا" ...ولكن لماذا فعلتم هذا؟ هل لأنكم حططتم رحالكم هنا؟ وهل إذا رسا احد أبناء تاهيتي ذات يوم على شواطئكم، ونقش على حجر عندكم" هذا البلد تابع لأهل تاهيتي" فماذا عساكم ترون في مثل هذا العمل؟ ..إن هذا التاهيتي الذي تريدون أن تمسكو به وكأنه حيوان ليس أخاً لكم.. وأي حق لكم عليه ليس له حق مثله عليكم؟ إنكم جئتم إلينا، فهل سطونا عليكم؟ وهل أعملنا السلب والنهب في مراكبكم؟.. كلا. لقد أحترمنا ذاتنا في شخصكم... اتركونا لنا عاداتنا واعرافنا، أنها أحكم وأشرف من عاداتكم وأعرافكم. وليست بنا من حاجة أو رغبة في مقايضة ما تسمونه جهلنا بالمعرفة القيمة لديكم"(48).
ويمضي حكيم تاهيتي فيذكر الأوربين بما قوبلوا به من ترحيب حار، وكيف أسكنوهم وأطعموهم وأحبوهم. ولم يكن في الجزيرة "وصية سادسة" (كما افترض ديدرو) كما لم يكن ثمة حقد ولا حسد. فلم يفهم نساء الجزيرة ما تحدث به قسيس السفينة عن الخطيئة والعار، وأحطن البحارة بكل الكرم والرعاية. وماذا كانت النتيجة؟ إن مرض الزهري الذي لم يعرفه سكان الجزيرة من قبل، ظهر الآن بين نسائها، ثم انتقل إلى رجالها. ويتوسل الرجل العجوز إلى الزائرين أن يرحلو إلى غير رجعة.
وأضاف ديدرو "وناقشة بين القسيس وأورو" وهو مواطن من تاهيتي كان قد تعلم الأسبانية، صدرت إليه الأوامر بأيواء القسيس في كوخه. ويعرض أورو على القسيس أن يختار لمشاركته فراشه بين زوجته وإحدى بناته، ويوضح القسيس أن قانونه الأخلاقي يحرم عليه قبول مثل هذا العرض الكريم. ولكن إحدى البنات تمسه بيدها فيصبح رجلاً. ويقضي القسيس الأيام الثلاثة التالية يشرح لأورو الأخلاق المسيحية والليالي الثلاث التالية مضاجعاً البنات واحدة تلو الاخرى، اما الليلة الرابعة، وكأنما أرتبط بكلمة الشرف، فأنه يخصمها لزوجة مضيفة(49) وأمدت محاولات القسيس لتحويل أورو إلى المسيحية ديدرو بصحيفة سارة بهيجة.




صفحة رقم : 12585




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


القسيس- ما هو الزواج عندكم؟
أورو- أتفاق على المشاركة في كوخ واحد، والمشاركة في سرير واحد كلما طاب لنا نفعل ذلك.
القسيس- وإذا رغبتم عن ذلك.
أورو- نفترق .
القسيس- وماذا يحدث للأبناء؟
فيقول أورو إن هذه ليست مشكلة : تعود السيدة بأبنائها إلى بيت أبيها، وسرعان ما يتزوجها رجل آخر يسعد بقبول أبنائها، لأن الأولاد في المجتمع الزراعي كسب أقتصادي عظيم.
القسيس- هل يستطيع الوالد أن يضاجع أبنته، والوالدة أبنها، والأخ اخته والزوج زوجة رجل آخر؟
أورو- ولم لا؟
القسيس- أظن أنه حتى هنا- مهما يكن من أمر، لايضاجع الأبن أمه غالباً .
أورو- لا.اللهم إلا إذا كان احترام هذا الأبن لأمه شديداً(50).
ويخرج القسيس من هذا وهو يكاد يحبذ كل التحبيذ طرق معيشة أهل تاهيتي، ويقر بأنه" اغرى بخلع ملابسه الكهنوتية في السفينة ليقضي بقية أيام حياته بين أبناء الطبيعة هؤلاء.
وينتهي ديدرو إلى مثل ما أنتهى إليه صديقه القديم روسو، الذي كان يناقش في كتابه "بحث في الفنون والعلوم" (1750) و"بحث في منشأ عدم المساواة" (1755) "هل تريدون لمحة موجزة عن كل تعاستنا وشقائنا تقريباً؟ هاكم هذه اللمحة. لقد وجد إنسان صناعي، ونشبت حرب أهلية أستمرة طيلة الحياة.. وكان الإنسان الطبيعي في بعض الأحيان هو الأقوى، كما حطمه في أحيان أخرى الإنسان




صفحة رقم : 12586




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


الصناعي الأخلاق. وفي كلتا الحالتين يعامل العملاق بقسوة ويضيق عليه الخناق ويعذب، ويسام الخسف.. إنه دائماً تعس منكوب"(51).
وكان ديدرو بطبيعة الحال لا يعرف إلا القليل عن أهل تاهيتي، وكان بوجينفيل قد وصفهم بأنهم متمسكون بالخرافات والمحرمات، يرهبون أرواحاً شريرة خيالية، يستسلمون للكهنة، ناهيك بالعديد من أنواع الحشرات والأمراض. إن ديدرو الذي كان يضيق ذرعاً بالزواج بواحدة، لم يكن في حاجة إلى أن يدرك لماذا وضعت ضرورات النظام الاجتماعي مثل هذه القيود الكثيرة على الغرائز الجنسية غير المشروعة لدى الجنس البشري، وكان نموذجاً آخر للفكر الفردي الذي يتصور نفسه أحكم وأعقل من عادات البشر وأعرافهم .
وثمة تناقض طريف بين الفلسفة الأخلاقية عند ديدرو الكاتب وديدرو الإنسان من الناحية النظرية، وفي بعض الأحيان أشرفت آرائه الأخلاقية على الفوضوية، ففي تلك الأوقات وصف الطبيعة البشرية بأنها خيرة في أساسها، وبناء على هذا الفرض أقترح "إن نتبع الطبيعة أي الغريزة، وأحس ديدرو أنه عن طريق الغرائز وحدها يمكن للإنسان أن يحرر نفسه من القيود التي يفرضها الدين والمجتمع بآلاف التقاليد والمحظورات والقوانين. وفي هذا المزاج وصف الأتصال الجنسي بأنه "أعلى مراتب السعادة"(52)، وعرف الجب بأنه "أحتكاك شهواني بين غشائين" و"فقدان شهواني لبضع قطرات من السائل"(53) وأكد لخليلته أن الزنى "خطأ يستحق لوماً أو توبيخاً أقل مما تستحق أتفه كذبة(54). وكان ديدرو فيلسوفاً يتوق إلى أن يحيا حياة الديك الذي يختال عجباً بين الدجاجات.
ولما عركه الدهر وزادت خبرته بالحياة نقض كل آرائه الأخلاقية. ونذ أنحرف عن روسو إلى فولتير، فإنه نظر إلى الإنسان نظرة تزداد كآبة وقتاً ما، على أنه شرير سئ بالطبيعة. أو بسبب تدهور النظام الأجتماعي على حد سواء. "وليس ثمة شيء يوضح أن الطبيعة البشرية كريهة بغيضة؛




صفحة رقم : 12587




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


مثل السهولة التي يتقبل بها الناس أسوأ الأعمال حين لا يكون (كما هو الحال في حشد منهم).. هناك من هو مسئول شخصياً عن الشر الذي وقع(55) ويقول جاك المؤمن بالقضاء والقدر: "صدقني نحن لا نشفق على أحد إلا على أنفسنا"(56) ويلغى ديدرو الآن مبالغاته القديمة بمبالغات جديدة. فربما "لوى الإنسان الطبيعي عنق أبيه ليضاجع أمه، لولا تنمية عقله بفضل التعليم(57) ولما تضاءلت حاجيات ديدرو الجنسية، أتفق مع أبيقور على أن "ملذات أو مباهج النفس" مرضية بشكل أكثر أطراداً من الملذات الجنسية، أو المادية(58) وهو يتساءل "هل هناك متعة أو لذة مادية فحسب في إقتناء امرأة جميلة؟ وهل هناك ألم مادي فحسب في فقدان بسبب الموت أو التحول عنها؟ أليس التمييز بين المادي والمعنوي قائماً وطيداً مثل التمييز بين الحيوان الدقيق الذي لا يرى إلا بالميكرسكوب والذي يحس، وبين الحيوان الذي يفكر ويتأمل ويعقل(59).
وإذ وصل الآن ديدرو إلى مفهوم البيولوجي للفضيلة- صفة تعمل على البقاء، فقد تسنى له في شيء من الغموض أن يدرك أن أسمى الفضائل هي تلك التي تعمل على بقاء المجموعة، حيث أن التنظيم الأجتماعي هو الوسيلة الرئيسية لبقاء الفرد، وفي قصة "أين أخي رامو" تبين ديدرو ماذا يحدث لمن يحاول تحطيم القيود المفروضة على الفرد من أجل الأحتفاظ بالجماعة أو الإبقاء عليها. ومثل هذا الإنسان يصبح كما مهملاً ومنبوذاً بغير عقيدة أو طعام أو زوجة أو أمل. وبذلك يختتم ديدرو عن تاهيتي بشيء من الأعتدال في بطء: "إننا سوف نندد بالقوانين الوحشية حتى يتم إصلاحها ولكنا في نفس الوقت سنخضع لها. إن من يكون من سلطته أن تنتهك حرمة قانون سئ يعطي لكل إنسان غيره الحق في أنتهاك حرمة القانون الصالح إنه أقل إزعاجاً أن تكون مجنوناً بين المجانين من أن تكون عاقلاً بمفردك"(60).
وعندما أكتملت وبرزت مفاتن الأنوثة في أنجليك أبنة ديدرو، بدأ




صفحة رقم : 12588




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


يساوره القلق بشأن أخلاقها، وكان يقظاً حريصاً على عذريتها بأعتبارها ذخراً ثميناً وسلعة رائجة. ولما رأى أنه قد تم زواجها في أمان، حذرها من لزنى، قائلاً إن مجرد الأرتياب في خيانتها لزوجها سيقتل الزوج كمدا، وستقضى عليه بسبب الخزي والفضيحة(61). وفي نقده للفنون عاب على الفنان بوشيه فساده وفسقه، وأمتدح التواضع وغيره من الفضائل المسيحية كما صورها جريز وشاردان. وبشر ديدرو في رواياته بالفضائل القديمة مثل أي برجوازي راسخ الأركان مزدهر الأحوال. وتسلى ديدرو ببعض قطع من المرح الطائش مثل "ملحق رحلة بوجينفيل" وبعض المرح الصاخب وشطحات الخيال على مائدة العشاء عند دي هولباخ. حتى إذا عاد أدراجه إلى بيته أصر على الأستمساك بكل فضائل الطبقة الوسطى، وحاول أن يمارسها إذا أجيز له شيء من الزنى على نطاق ضيق فقط.
وكانت أفكاره السياسية مهوشة مثل آرائه في الأخلاق، وسلم هو بهذا في صراحته لمحبته. ولم يتفق مع فولتير في أن الملك المستنير هو أفضل أداة ممكنة للأصلاح. وأتهم فردريك الأكبر بأنه طاغية، وحاول أن يحول كاترين الكبرى إلى الأفكار الديمقراطية. ووافق على الملكية الدستورية ولكنه أقترح جمعية وطنية ينتخبها الملاك لأن لهم سنداً أو مصلحة في حكومة أقتصادية صالحة(62). (وعندما كتب هذا لم يكن من المتصور أن يكون بديلاً ممكناً للأرستقراطية في حكومة فرنسا إلا الطبقة المتوسطة من الملاك) وحلم ديدرو بمجتمع كريم تتحقق فيه للجميع الحرية والمساواة كلتاهما (وهما العدوان الطبيعيان) ولكنه أرتاب في جدوى أية أصلاحات، حتى يرفع أنتشار التعليم من مستوى تفكير الناس وعقولهم .




صفحة رقم : 12589




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> علم الأخلاق والسياسة


وكانت آرائه الأقتصادية متطرفة من الناحية النظرية، معتدلة عند التطبيق، وحتى في سني الشيخوخة تعلق ديدرو بشيوعية فوضوية، مثلاً أعلى له: "إني مقتنع بأنه لن يتيسر للجنس البشري أية سعادة حقيقية ألا في دولة أشتراكية ليس فيها ملك ولا قاضي ولا قسيس ولا قوانين، ولا يكون فيها هذا لك، وهذا لي، وليس فيها حق تملك، وليس فيها رذائل أو فضائل(65) ولكنه أعترف بأن هذه النظرية "مثالية إلى حد شيطاني"(66) وتعجب أبن أخي رامو قائلاً "أي أقتصاد أجتماعي شيطاني عندنا! فهناك أناس يتوافر لديهم كل شيء إلى حد التخمة، على حين هناك آخرون يتضورون جوعاً ولا يجدون ما يبتلعون به"(67) وأدرك ديدرو في ساعات العسرة أن عدم المساواة في التملك سيبقى ببقاء عدم المساواة أو التكافؤ في القدرات، وطرح فكرة الأشتراكية لأنها غير عملية، حيث لم يوجد آنذاك إلا بروليتاريا صغيرة غير منظمة لا تكاد تكون واعية، ولكن راوده الأمل في أن يرتفع مستوى هؤلاء العمال ويتحسن وضعهم وشيكاً. ولما أنتهى الأمر إلى الأصلاحات العملية، أيد ديدرو الفيزيوقراطيين ووقف إلى جانب الرأسمالية الناشيءة. وأعلن أن حق التملك يجب أن يكون مقدساً مطلقاً، وأستنكر أي أعتداء على هذا الحق من جانب الدولة. وأنضم إلى كني وترجو وفولتير في الدعوة إلى تحرير الصناعة والتجارة من أية قيود حكومية(68).
وحبذ الإعانات الحكومية للزراعة بوصفها أكثر فروع الأقتصاد حيوية وأهمية، على حين أنها أيضاً أكثر الفروع وقوعاً تحت رحمة سائر الفروع(69). إن ديدرو مثلنا جميعاً أصبح أكثر محافظة (على القديم) كلما تقدمت به السن وزاد دخله.




صفحة رقم : 12590




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والفن



6- ديدرو والفن


أن هذا العلاج المتجول للاهوت والأخلاق والسياسة والأقتصاد لا يشكل إلا بعض جوانب يسيرة من ديدرو المتعدد الأهتمامات والأنشطة، فهناك غير هذا كثير. ومن كان يظن أن هذا الرجل الفظ الذي يزدحم رأسه بأفكار كثيرة سيصبح بين عشية وضحاها أعظم ناقد فني في عصره؟.
وفي 1759 كان صديقه جريم مشغولاً بشيءون الحرب وبمدام دي ابيناي، فطلب إلى ديدرو أن يقوم مقامه في تغطية أنباء معارض بينالي الرسم والنحت في اللوفر من أجل قراء "كورسبوندانس -الرسالة" التي كان يصدرها جريم. وذكر ديدرو أنباء المعارض فيما بين عامي 1759-1771، وعامي 1775-1781 وكان في بعض الأحيان يسهب في ذلك أيما أسهاب لأنه كان في هذه المذكرات يطلق لقلمه العنان ليعرض لكل مظاهر الحياة البشرية تقريباً. ولم يظهر في مجال النقد الفني شيء بمثل هذه القوة والصراحة وفي التصميم. وجاء بعض هذا النقد في صيغة محادثات مع الرسامين أنفسهم في المعرض أو على شكل رسالة شخصية إلى جريم. كما حدث في 1761: هاك يا صديقي الأفكار التي جالت بخاطري عندما شاهدت اللوحات والرسوم الموجودة في معرض هذا العام. ولقد دونتها دون أن أعني كثيراً بفحصها أو التدقيق فيها وإيضاحها.. وكل ما كان يدور بخلدي هو أن أوفر لك شيئاً من الوقت تستغله أستغلالاً أفضل(70).
وأقبل على مهمته الجديدة في أبتهاج متحمس، وشكر لجريم إرغامه أياه على أن ينظر إلى الفن المعروض لا نظرة الجمهور العابرة، أي نظرة سطحية زائفة، بل العزم الأكيد على دراسة كل رسم وكل تمثال، حتى شعر بحق بالبراعة الفنية في العمل المعروض وقيمته وأهميته. ولم يكن ديدرو معداً من الناحية الفنية ولكنه تحدث إلى الفنانين أنفسهم - شاردان لاتور، كوشان، فلكونيه... ودلارس طريقتهم في التأليف والعمل،




صفحة رقم : 12591




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والفن


وشغل الفرشاة والتلوين: "فتحت قلبي للأثار التي ينتجها جهد الفنان، وأدركت سحر الضؤ والظل وعرفت اللون، وأكتسبت شعور الجسد(71).
وأصبح ديدرو آخر الأمر ناقداً للأسلوب الفني ولكنه أنكر أية معرفة تقنية أو فنية، فإنه عرض أن يقول ماذا يعني عنده كل عمل فني، فعمد بادئ ذي بدء إلى شرح الموضوع أو القصة في شيء من التفصيل، حيث أن بعض قراء جريم لم يكن يتيسر لهم قط رؤية القطع الفنية التي هي موضوع البحث، كما أن نفراً منهم أشتروا اللوحات على أية حال، بناء على تقريظ ديدرو لها. إنه غالباً ما تخيل ثم يعيد كتابة المسرحية الحية التي لم يمثل منها الفنان إلا اللحظة المعبرة المركزة. وحول في بعض الأحيان الفن إلى أدب، ثم تباهي آخر الأمر بقوله. "إن شاردان ولاجرينيه، وجريز وغيرهم... أكدوا لي أنني الأديب الوحيد الذي يمكن لصوره أن تمر على قطعة القماش المعدة للرسم مثلما تعاقبت في رأسك الواحدة بعد الأخرى تقريباً(72).
إن ديدرو أوضح ما يحب وما يكره أو ما يؤثره وما لا يعجبه بصراحة لا خجل فيها. إنه بعد أن أستنكر كل شيء تقريباً في المدنية الفرنسية المعاصرة عاد فدافع عن الرسامين الفرنسيين في حماسة مشربة بحب الوطن. ورمى هوجارت بالكذب والجهالة لأنه قال إن فرنسا ليس فيها رسامون برعوا في أستخدام الألوان، ورد على ذلك بقوله "ربما كان شاردان من أبرع من أستخدموا الألوان في كل عصور فن الرسم"(73) وكان قاسياً مع ناتييه وعاب على بوشيه لوحاته العارية ولكنه أستمتع بها. وبعد أن نقد العيوب في إحدى هذه اللوحات قال "كله يستوي عندي فلأحصل عليها كما هي، ولا أظن أني سأضيع الوقت في الشكوى من أن شعرها فاحم إلى حد بالغ. وأغضبته لوحة تمثل يوسف يرفض عروض زوجة بوتيفار "لا يمكن أن أتخيل ماذا كان يريد، وما كنت أنا أتطلب شيئاً خيراً من هذا،




صفحة رقم : 12592




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والفن


وغالباً ما أرتضيت أقل منه(74) وأبدي عطفاً نحو الفنانين الذين يرسمون الصور العارية، وبصفة خاصة نحو المثالين الذين يصبونها. وفوق كل هذا "ماذا تفعل في التماثيل بالأزرار والنفثات(75) وأحب صور جريز التي تمثل براءة الفتيات وشارك جريز نزعته العاطفية وبصفة خاصة قدر لوحاته التي رسمها لزوجته التي كانت عشيقة ديدرو أيام شبابه. وأستساغ المناظر الطبيعية الموحشة في الفن الهولندي والفلمنكي، ووجد شعراً أكثر في شجرة بمفردها تعاني من كر السنين وتعاقب الفصول، منه في واجهة قصر منيف فلا بد أن يكون القصر أطلالاً حتى تثير الأهتمام وتكون اللوحة مشوقة(76) وأستهجن التوكيد القديم الكلاسيكي-التقليدي على العقلانية والنظام والتناسق، وأمتدح الخيال الخلاق وأثره على التفكير التحليلي. ودعا إلى "تآليف مرعبة أو حسية... تنقل الحب أو الرعب إلى أعماق القلب وتذيب الحواس وتطهر النفس، فثمة شيء في هذا الذي لا يمكن أن تحققه أية قواعد(77). وأحتقر فكرة "الفن للفن" فكان يرى أن للفن مهمة أخلاقية هي "تمجيد الفضيلة والتنديد بالرذيلة"(78).
وكان ديدرو واثقاً من ملاحظاته على معرض 1765 إلى حد أنه أضاف إليها مقالاً عن الرسم "ووجد مثل أفلاطون وأرسطو، إن جوهر الجمال يكمن في علاقته التناسق ين الأجزاء في كل واحد، ولكنه أرتأي أن يضاف إليها أيضاً تناسق ين الشيء وبيئته والغرض المقصود منه. ومن الوجهة المثالية عرف الجمال بأنه تكيف كامل مع الوظيفة فالإنسان الذكي الصحيح الجسم لا بد أن يبدو جميلاً، وينبغي على الفن أن يختار في منظر ما، المعالم والقسمات التي تحدد مغزاه، كما ينبغي أن يستبعد العناصر التي لا علاقة لها، وليس ثمة ما يدعو إلى أن يكون الفن تقليداً صاغراً حقيراً للهدف والواقع ومع ذلك يجدر بالفنان أن يدرس الشيء الطبيعي لا النماذج القديمة أو القواعد الشكلية فإن تنيير Teniers واحد خير من إثنى عشر واتو Watteau خياليين. وأحس ديدرو بشيء من التنافر بين الفن والعقل، وتين له أن




صفحة رقم : 12593




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والفن


قواعد بوالو التقليدية الكلاسيكية قد عوقت الشعر الفرنسي أو أصابته بالشلل. وهنا خالف فولتير لينضم إلى روسو في أن الفن يجب أن يكون فوق كل شيء صوت الوجدان ونتاجه. لذلك رفع من شأن اللون على حين أن رينولدز في نفس العقد من السنن كان يطري التصميم. وسلم ديدرو بأن التصميم يعطي الكائنات شكلاً ولكن اللون يعطيها حياة(79). ووجد جوته في هذا المقاتل أشياء كثيرة بدا له أنها خطأ، ولكنه ترجم نبذاً منها ووصفها لشيلر "بأنها عمل رائع، أنها تتحدث بشكل أنفع حتى للشاعر منه للرسام، ولو أنها للرسام كذلك مشعل قوي الضوء يهديه على الطريق"(80).




صفحة رقم : 12594




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:18 مساء   رقم المشاركة : [378]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح



7- ديدرو والمسرح


كتب ديدرو يقول "ترددت عندما كنت شاباً، بين السوربون (الكهنوت) والمسرح(81). وفي 1774 كنت قد قضيت نحو ثلاثين عاماً أكتب الموسوعة على غير هوى مني، وكتبت روايتين أثنتين"(83) وأولى إهتمامه اكبر لرواياته منه لقصصه. ولما كان معظم قصصه لم ينشر إلا بعد وفاته فقد كان لرواياته أثر أكبر على شهرته وعلى حياته، كما أنها شكلت ما يقرب من الثورة في تاريخ المسرح الفرنسي.
وكان ديدرو قد قرأ في شغف زائد قصص ريتشاردسن. وفي 1761 كتب مقالة "في مدح ريتشاردسن سما فيها إلى التغني بالثناء على الرجل الإنجليزي، لأنه ينفخ في القارئ من روحه وبغرس الفضائل، كما أنه أوتي الشجاعة ليصور حياة الطبقة الوسطى الجديرة بفن جاد وفوق هذا كان ديدرو قد تأثر برواية جورج للو Lillo "تاجر لندن" (1731) التي كانت قد أبرزت بنجاح عواطف طبقة رجال الأعمال وبلاياهم على المسرح الإنجليزي. وقال أن الرواية "من مستوى رفيع" حتى لوقورنت بسوفوكليس. لماذا لا تكون القلوب الكسيرة جديرة بمسرحية "مأساوية على الرغم من أنها ليست من ذوات الحسب والنسب؟ وعندما لجأ ديدرو إلى تأليف الروايات في الأسلوب الجاد نراه قد أزعج ورع التقاليد الفرنسية باستخدامه لروايته




صفحة رقم : 12595




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


شخوصاً من الطبقة الوسطى وبالكتابة نثراً. وهكذا أرسل إلى المسرح والمطبعة في 1757 "الأبن الطبيعي أو المحرومون من الفضيلة ولم تلق نجاحاً على خشبة المسرح، ومثلت مرتين في الأقاليم (1757) ولم تمثل إلا 1771 في باريس، وواضح أنها مثلت مرة واحدة آنذاك ولكنها كانت حدثاً هاماً وحققت نجاحاً ورواجاً وهي مطبوعة في كتاب.
والقصة ممتعة إلى حد كبير فإن دورفال الأبن غير الشرعي المتمسك بالفضيلة الذي يعيش في بجبوحة، يجد فسه قد وقع في غرام روزالي المخطوبة لمضيفة كليرفيل، ويحس دورفال أن الفتاة تبادله حبه فيعتزم أن ينأى بنفسه حتى لا يحطم زواج صديقة. وعندما كان على وشك مغادرة المكان رأى رجالاً مسلحين يهاجمون كليرفيل، فأشتبك في قتال معهم وأنقذ حياة صديقه وعندما علم بأن والد روزالي التاجر فقد كل ثروته ولم يعد يستطيع أن يقدم لها صداقاً فأنه يعوض الخسارة خفية ومن ثم أصبح التاجر المفلس والد دورفال ووالد روزالي معاً، وتوطن النفس على أن تكون أختاله وتتزوج من كليرفيل، ويتزوج دورفال من أخت صديقه كنستانس وتختتم الرواية وقد غمرت الجميع دموع الفرح. وهذا كان أسهام ديدرو فيما كان النقاد قد أسموه بالفعل "مسرحية الدموع".
أن الذي هيأ للرواية مكاناً في التاريخ الفرنسي سلسلة من الحوادث نشرت معها، سميت فيما بعد "مناقشات حول الأبن الطبيعي" وجرت تقاليد المسرح الفرنسي على أن المسرحية الجادة (تمييزاً لها عن الهزلية) يجب أن تقتصر على أشخاص النبلاء ويجب أن تكتب شعراً. وأوضح ديدرو آنذاك فكرته في أن المسرحية الجادة ينبغي إلا تخشى إستخدام شخوص وأعمال رمهن برجوازية ومشاهد من حياة الأسرة وللبيت في شكل واقعي، مع كتابة الرواية نثراً. ورأى ديدرو أن يبين أن عبارة "سيد مهذب من الطبقة الوسطى" ليست التناقض الساخر الذي كان قد أرتاه موليير" ولكنه تطور المجتمع الجديد الذي تصاعدت فيه ثروة البرجوازية ومكانتها وسلطتها، واحتج بأنه




صفحة رقم : 12596




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


يجدر بالكاتب المسرحي إلا يعرض كثيراً من الدراسة للشخصية بل كثيراً من ظروف الحياة الواقعية في الأسرة، في الجيش، في السياسة، في المهن، بل حتى في الصناعة. وحيث كانت الطبقات الوسطى منبع الفضيلة في فرنسا فقد أصر ديدرو على أن يكون من وظائف المسرحية الجديدة أن تغرس في الناس حب الفضيلة ومقت الرذيلة "مدمغ الفن المقصود به مجرد الترفيه بأنه ترف الطبقة الخاملة" فلا بد أن يكون لكل فن وظيفة وفائدة أجتماعية. وأي هدف أن يسعى المسرح إلى تحقيقه أفضل من أن يكسو الفضيلة فتنة وسحراً وجلالا!
أن الرواية وما صاحبها من بيانات وتصريحات فرقت أهل الفكر في باريس إلى معسكرات متنابذة، وتناول باليسو وغيره من أعداء الفلاسفة آراء ديدرو بالتسفيه والتسخيف. أما فريرون فأنه لم ينقد الرواية بأنها تعليمية جافة كئيبة متبلة ببعض المشاعر والفضائل الزائفة فحسب، بل أنه كذلك أوضح في إعداد متوالية من "السنة الأدبية" التي كان يصدرها تشابهاً مريبابين النصف الأول من "الأبن الطبيعي" وبين كوميديا "التصديق الحق" التي كان جولدوني قد مثلها في البندقية 1750. وأعترف ديدرو بقوله: لقد إستحوذت عليها وكأنها خاص بي ولم يكن جولدوني أكثر تدقيقاً فأنه إستحوذ على رواية مولير "البخيل". وما كان يدور بخلد أحد أن هذا غير لائق. ولم يحلم أحد منا بأتهام موليير أو كورني بالسطو والأنتحال لأنه أقتبس ضمناً فكرة أحدى الروايات من مؤلف إيطالي أو مسرح أسباني(83).
وهذا يصدق بطبيعة الحال على رواية كورني "السيد Lecid " ورواية موليير "مأدبة الصخرة" Le Feslin de Pierre (دون جوان).
وبتشجيع من الأصدقاء وتحدياً للأعداء، ووسط أشد ما يلاقي من عناء في الموسوعة، ألف ديدرو ونشر (1758) رواية أخرىة أسمها "رب الأسرة" وأضاف موضوعاً أثار الغضب: بحث في الشعر المسرحي، وهو عنوان يذكرنا بالعنوان الذي إستخدمه دريدن لبحث مماثل منذ تسعين




صفحة رقم : 12597




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


عاماً. وأخرجت الرواية في تولوز ومرسيليا في 1760، وعلى "المسرح الفرنسي" في باريس في فبراياً 1761، حيث مثلت سبع ليل مما أعتبر نجاحاً متواضعاً. ووافق فولتير على تأجيل عرض مسرحيته Tanerede من أجل رواية ديدرو هذه، وكتب إلى منافسة الجديد "أيها الأخ العزيز ديدرو، تخليت لك عن مكاني عن طيب خاطر وبودي أن أتوجك بأكليل الغار" فرد عليه ديدرو "شكراً لك يا أستاذي العزيز وأني لأعلم كم كنت ترغب في أن يلاقي تلميذك نجاحاً. وقد تأثرت لهذا كثيراً، لك حبي وأحترامي إلى أخر لحظة في حياتي"(84) وأعيد تمثيل الرواية من جديد بنجاح في 1769 على المسرح الفرنسي وأصبحت عنصراً هزيلاً في إنتصار الفلاسفة.
وموضوع الرواية يتصل إلى حد ما بالسيرة الذاتية، فالوالد تذكير جميل بديدييه ديدرو، اللهم إلا في أنه يعظ أكثر كثيراً مما قيل لنا عن الرجل الطيب ديدييه: أما الأبن سانت ألبان (وهو صورة قريبة جداً من دنيس ديدرو) فأنه يسعى في الحصول على موافقة أبويه على زواجه من صوفيا، وهي إحدى بنات الطبقة العاملة، ويوافق الولد على أن يراها ويحبها، ولكنه يرفض أن يتزوج إبنه بمثل هذه البنت الفقيرة. وبعد خمسة فصول وبحض الصدفة التي خدمت ألف مسرحية يتبين أن الشابة إبنة أسرة كريمة ويرق قلب الوالد ويجري كل شيء على ما يرام ويمكن أن يغتفر لفريرون قوله أن الرواية مثيرة ميكانيكية سخيفة. وأثار أحد النقاد إلى أن التغني بالفضيلة كان مقصوداً به جريم كان يشارك روسو إحدى البغايا، وكان الآن عشيق مدام أبيناي، وأن ديدرو أطلق على بطلة روايته إسم هذه العشيقة صوفي فوللان Vollad أما فولتير فإنه على حين إمتدح المؤلف على ما في الرواية من "أشياء رقيقة فاضلة" كتب إلى مدام ديفان ستساءل "هل قرأ لك أحد رواية رب الأسرة؟ أليست مضحكة تدعو إلى السخرية؟ أن قرننا، فيما يختص بالعقيدة والإيمان فقيرة إذا قورن بقرن لويس الرابع عشر"(85).




صفحة رقم : 12598




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


ومهما يكن من أمر فإن ديدرو أحس بأن مسرحية القرن السابع عشر في فرنسا كانت على شكل غير طبيعي تماماً في أسلوبها الخطابي الحماسي الطنان الرنان، وفي وحداتها المحكمة المتزمتة في العمل والمكان والزمان، وفي تقليدها الكئيب للروايات الكلاسيكية القديمة لا الواقع الحي، وكانت رواياته وهي عاطفية حسية دون موازنة أو خجل بشائر رد الفعل الرومانتيكي ضد المذهب العقلي والكبت العاطفي في العصر الكلاسيكي، وكان تأثير ديدرو محسوساً أيضاً في الواقعية المتزايدة في إعداد المسرح تبعاً لمختلف الفصول، وفي دقة ملابس الممثلين بالنسبة لعصور التاريخ وفي الحفاظ على الخصائص القومية في النطق. وأشترك ديدرو مع فولتير في الحملة التي شنها لأخلاء خشبة المسح من النظارة. وقال جوستاف لانسون إن كل تحسين طرأ على فن الإخراج في المائة والخمسين عاماً الماضية بع من ديدرو"(87) اللهم إلا أن الناظر الآن تميل إلى أن تكون تخيلية أكثر منها واقعية. وكذلك تجاوبت ألمانيا مع ديدرو الذي أطلق عليه سانت بيف أقرب الفرنسيين إلى الألمان. وترجم لسنج رب الأسرة والمقالات المسرحية، وصرح بأنه ليس ثمة ذهن أكثر ميلاً إلى الفلسفة وتأثراً بها إنشغل بالمسرح منذ عهد أرسطو إلا ديدرو(88).
الكوميدي كذلك كان لديدرو رأيه في فن التمثيل المسرحي، وفي مقال طابعه التحدي تحت عنوان "تناقض حول الممثل الكوميدي" 1778 أعترض على القول بأنه من أجل تحريك شعور جمهور المتفرجين والتأثر فيهم يجب على الممثل ألا يستسلم للعاطفة التي يعبر عنها يجب أن يكون هادئاً رابط الجأش، وهذا بالطبع تسفيه لرأي خوراس الذي نصح الشعراء بقوله "إذا أردتموني أن أبكي فلتجهشوا أولاً بالبكاء". ويرد عليه ديدرو: "يجدر بالممثل أن يضم بين جنبيه مشاهداً أو متفرجاً لا يتأثر وغير متحيز. ويجب أن يكون لديه حسن الإدراك والتمييز، لا الحساسية... وإذا كان الممثل مليئاً حقاً بالشعور والوجدان فكيف يمثل نفس الدور مرتين بنفس الروح ونفس النجاح؟ وإذا كان ممتلئاً حماسية ونشاطاً في العرض




صفحة رقم : 12599




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


الأول، فلا بد أن يهن ما أشتد من قوته أو يصبح جامداً كالصخر في العرض الثالث، أملأ المسرح بأناس يذرفون الدموع، ولكني لا أسمح لأحد منهم بأن يكون على خشبته (ممثلاً)(89). وتلك نصيحة قلما إتبعها ممثلو مسرحيات ديدرو. وكان ثمة تناقض في ديدرو نفسه، ذلك أنه في 1757 كتب يقول إن الشعراء والممثلين يحسون بقوة ولكنهم لا يعكسون إلا القليل من أحاسيسهم(90) ولكنه الآن يناقض نفسه، وربما كان هذا راجعاً إلى أنه شاهد في باريس فيما بين عامي 1763slash1770 دافيد جوك Gorrick يثير إنفعالات وأحسيس متباينة في تعاقب سريع، متى أراد. أو أنه كان قد وجد المفارقة في هملت وهو يأمر الممثلين السنيور: "وسط السيل والعاصفة (كما يمكن أن أقول) ودوامة النفعال تذرعوا بشيء من الأعتدال الذي يضفي عليها شيئاً من الهدوء والرفق"(91) ورفض سير هنري أرفنج تحليل ديدرو ولكن ناقداً حديثاً يعتقد أنه "ظل حتى اليوم أهم محاولة لمعالجة مشكلة التمثيل"(92). ويمكن أن يكون الممثلون عاطفين في الحياة ولا يجوز أن يكونوا كذالك على خشبة المسرح. (وربما يؤدي ضبط النفس على المسرح إلى الأنطلاق والتحرر في الحياة، ومن ثم يجب أن يغتفر لهم خطايا كثيرة). وينبغي عليهم أن يدرسوا الأحساس المعين في أسبابه وعلله، ويعبروا عنه بأيماءاتهم وأشاراتهم وكلامهم. ولكن يجب "أن يتذكروا في هدوء وسكون"(93). وتوصل ديدرو إلى إيضاح الفرق في رسالة إلى الآنسة جودان: "أن الممثل الذي لا يتحلى إلا بحسن التقدير والتمييز فاتر بارد، أما هذا الذي يتميز بالحيوية والحساسية فهو مجنون"(94).
إننا إذا ألقينا بنظرة إلى الوراء في العرض غير المرتب الذي أوردناه لذهن ديدرو المشوش نغفر له إضطرابه وسط هذا العدد الوفير من الأفكار والآراء ومجالات إهتمامه. ولم يكن شيء من الإنسانيات غريباً عليه أو بعيداً عنه، اللهم إلا الدين، بل إنه حتى بالنسبة لهذا، فإن ديدرو لم يخل من الشعور الديني. وكان من خصائص ديدرو أن يبدأ بالرياضيات والفيزياء




صفحة رقم : 12600




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو والمسرح


وينتهي بالمسرحية والموسيقى. ولم يكن في مقدوره أن يكون من جهابذة العلوم، لأنه لم يكن يطيق صبراً على البحث والتجربة، ومن ثم قفز مبتهجاً إلى التعليمات. على أنها كانت كثيراً ما تنير العقل. وعرف من الموسيقى الشيء الكثير حتى أنه كتب عن طريقة إستعمال المفاتيح، ورسالة عن علم الإيقاع، وألف أعظم الروايات أثراً وأحسن القصص في عصره، ويتفرق في قصة القصيرة على كل معاصريه فيما عدا فولتير. ولكنه برز فولتير نفسه في أنه أضفى على القصة القصيرة من تركيز الفكر والعمل ما حدد لها شكلها حتى يومنا هذا. وحيث أدمن ديدرو على الحديث والنقاش وتدرب على إرتياد المنتديات (الصالونات) فأنه طور الحوار إلى درجة من الأشراق والحيوية، نادراً ما سمع بها قبله أو بعدة. وكتب في الفلسفة، ولكنه لم يكتب لغة غامضة للأبراج العاجية، وإنما كتب مناقشة حية في موضوعات حية بين أناس إندفعوا إلى معترك الحياة أة إلى خضم العالم راضين طائعين.




صفحة رقم : 12601




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو



8- ديدرو


وراء هذا الذهن المتغير الأشكال والألوان، كان ثمة إنسان تجمل بفضائل كثيرة، كما أنه يبرأ من كل الأخطاء تقريباً، مما لعب كل منها دوره على مسرح حياته، وعند ما رسم فانلو لوحة لديدرو، أحتج هذا على أن الوجه في الصورة لم يظهر من صاحبه إلا جزءاً سريع الزوال، فلم يبرز إلا مجرد تعبير واحد عن حالة نفسية واحدة أو مزاج واحد وقال: إن لي مائة من التعبيرات المتباينة في كل يوم، تبعاً لحالتي النفسية أو مزاجي في كل لحظة: كنت هادئاً حزيناً حالماً رقيقاً عنيفاً منفعلاً متلهفاً. أن العلامات الخارجية الظاهرة لحالات ذهني الكثيرة المتباينة كانت تلاحق بعضها بعضاً بسرعة على وجهي إلى حد أن عين المصور وقعت على شخص مختلف من لحظة إلى أخرى ولم تقع على الشخص الحقيقي قط"(95).
ومهما يكن من أمر فإن هذه الوجوه الكثيرة أندمجت شيئاً فشيئاً في قالب مركب، وتركت له التقاطيع والقسمات المجعدة التي نراها في اللوحة التي رسمها له جريز Greuze مثل قيصر أضناه الألتحام العنيف مع جيش من الأفكار والأعداء، كما أرهقته محاولاته التعبير بأدق عبارة وأجلى بيان عن قبوله أو رفضه أي عن قوله نعم أو لا. وكان له حاجبان عاليان يطلان على رأس نصف أصلع وأذنان كبيرتان وأنف كبير منحن، ولسان ناطق وذقن متجلد، وعينان سمراوان، ثقيلتان حزينتان، وكأنما تستذكران من الأخطاء ما لا يجوز تذكره، أو تتأكد من عدم قابلية الخرافة للتخريب، أو تلاحظان أرتفاع معدل السذاجة، وكان أمام الناس عادة يضع شعراً مستعاراً، وقد يخلعه إذا نسي نفسه في نشوة الحديث، وقد يلعب به أو يضعه على حجرة، وكان مستغرقاً في الحياة، ولم يكن لديه فسحة من الوقت للتظاهر.
ولم يذعن لأي إنسان في تقدير أخلاقه. وسلم "بأني قد يغلبني التأثر لحظة ولا ألبث إلا قليلاً حتى أعود سيرتي الأولى، الإنسان الصريح الوديع




صفحة رقم : 12602




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


امنصف المتسامح الأمين المحسن الذي يأسر الناس بحسن صنيعه. أستمر من فضلك في قصيدة المديح لأنها لم تكمل بعد. إني لم أذكر شيئاً بعد عن ذكائي". وساوره الشك في أن يوجد على ظهر البسيطة إنسان أكثر منه أمانة. وكان واثقاً من أنه حتى "أعمدة الكنيسة" تستطيع أن تعتمد على كلمته. وكتب إلى خليليته: " أية نفوس جميلة نفسك ونفسه" وهنا أدخل جريم في هذا الثالوث. وغمرته نشوة الفرح والأبتهاج وهو يتحدث عن مؤلفاته ورواياته واثقاً من خلودها. وأعتقد أن أخلاقه قويمة. والحق أنه أحتفظ بسيدة واحدة في وقت واحد. وتحدث عن نفسه على "أنه" الفيلسوف. "وسلم بوجود شبه بينه وبين سقراط وتساءل: "ماذا يهمني إذا كنت أدين بمناقبي ومآثري للطبيعة أو للخبرة ما دامت ثابتة وطيدة ولن يفسدها الغرور"(96)؟
والواقع أن ديدرو تحلى بعظم الفضائل التي نسبها لنفسه، لقد كان أميناً بمعنى صريح، ولو أنه أقترف كثيراً من الكذب في شبابه. ولم يكن يتكلف أو يتظاهر، وكان وديعاً رفيعاً، اللهم إلا في الحديث، حيث كثيراً ما كان متهوراً، وفي بعض الأحيان خشناً جافاً إلى حد كانت تضطر معه مدام جيوفرين إلى تنبيه إلى التزام النظام واللياقة. إنه يقيناً كان شجاعاً لأنه أستمر يناضل حين تخلى عنه الكثير من أصدقائه، بل حتى نصحه فولتير بأن يكف. وكان منصفاً اللهم إلا مع التقوى ومع روسو، وقد ندرك فيما بعد أنه لم يكن يستسيغ كثيراً حساسية جان جاك روسو. وكان كريماً بلا منازع مستعداً لمعونة من يلجأون إليه، أكثر ثناء وأطراء للناس منه لنفسه.وقضي أياماً كثيرة في القيام بأعمال جريم في صحيفة كورسبندانس، "وصياغة محاولات أصدقائه الأدبية في الشكل الملائم. وساعد نفراً كبيراً من الفقراء بمنح قدمها إليهم من دخله المتواضع. وإذا عرض عليه أحد الصحفيين المحتاجين قطعة هجاء في ديدرو نفسه طالباً إليه أن يراجعها معللاً ذلك بأنه إنما يسعى وراء القوت أجابه ديدرو إلى طلبه وراجعها ونقحها. بل اقترح




صفحة رقم : 12603




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


عليه إهداءها إلى دوق أورليان الحالي الذي يوليني شرف كراهيته لي" وهذا ما حدث فعلاً وأرسل الدوق للصحفي الناشيء خمسة وعشرين جنيهاً(97). وكان متساهلاً في نقده للكتب واللوحات والرسوم (فيما خلا رسوم بوشيه) قائلاً أنه يؤثر الأشارة إلى الأعمال الجيده على السخرية من الأعمال الرديئة"(98) وكان أكثر الفلاسفة أنساً ووداً. وأيد روسو حتى 1758، وجريم حتى النهاية تقديراً من ديدرو لخلقه هو نفسه. وقالت مدام أبيناي أنهم تحدثوا عنه "بأعظم الأجلال والأحترام" وأعجبوا بعبقريته، ولكن خلقه كان مثار حماسة خاصة بينهم. ويقول جريم إنه أكمل من عرف من البشر(99). وكانت أخطاؤه في نظر مثل الأصدقاء أخطاء طفل صريح إلى حد السذاجة. وأعتبروا أنه أعمق من فولتير.
ومن المحقق أنه كان أكثر ثراء في الأفكار من فولتير، لأنه لم يكن ثمة قيود ولا ضوابط في بنيانه، وكان أكثر خيالاً وأقل عقلانية. وكان أكثر تهوراً وطيشاً، ولم يكن ناضجاً قط. يقول فولتير "أن ديدرو أتون شديد الحرارة إلى درجة يحترق معها كل ما يخبز فيه"(100). ومع ذلك خرجت منه أشياء كثيرة لم يكتمل نضجها ولا خبزها، وكان شديد الحساسية مثل روسو رقيق العاطفة مثله، كما كان مثله مستعداً ليبكي على جمال الطبيعة ومآسي الحياة وأعلن رأيه في الدين وربما عبر هذا الرأي عن نفسه: أن في ذرف الدموع بالنسبة للنفس الحساسة الرقيقة لذة وبهجة(101). ورآه زواره أحياناً بذرف الدمع-أو في سورة غضب- على كتاب، وبما كانت صداقته مع روسو قائمة على التماثيل في المشاعر ونفس قوة الوجدان، ونفس حب الطبيعة ونفس المفهم الرومانتيكي للعبقرية على أنها غريزة وأنفعال وخيال، ونفس التحمس لقصص رتشاردسن.وتلهف على تحذير كلاريا من Loelace وعندما قرأ عن الملوك القساة كان من اليسير عليه أن يتخيل أنه يستخدم خنجراً في سهولة عجيبة(102) أن فولتير+ روسو= ديدرو. ولم يغفر أي من هذين الرجلين له أنه جمع بينهما كليهما، على حين بقي هو فريداً مع نفسه.




صفحة رقم : 12604




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


وعبرت عاداته عن تناقص صفاته، فأنه أحب الطعام إلى حد الشره والأصابة بالحصى. ولكنه كان يقظاً لكل النتاج الثقافي في زمانه. وكره الترحال ولم يحبذه(103) ولكنه عبر قارة أوربا ليقدم إلى كاترين الثانية قيصرة روسيا شكره وتقديره، وأنهمرت دموعه لشعر الجميل، وأنغمس في البذاءة الفاحشة، وأحتقر المال وتحدث عن الفقر صديقاً ملهماً للفلاسفة، ولكن عندما مات ولده قصد إلى لانجرز (1759)، وسر بحصوله على ثلث البركة. ومن ثم دخله في 1760 نحو أربعة الآف سنوياً. فقال عند ذاك "أنا في حاجة إلى مسكن مريح، إلى فراش وثير وإلى سيدة معطرة، ومن ثم أستطيع بسهولة أن أصبر على بلايا دولتنا المتمدنة. أو هنا كبح جماح فولتير في ديدرو، وجماح روسو فيه وسخر منه.
وشغلت زوجته بالأمومة المثبطة للمهمة وبأعمال البيت غير العطرة إلى حد لم يستطع معه أن تلقى أذناً صاغية إلى أفكار زوجها وآرائه المتكاثرة. وجأر مثل ملتون بطلب الطلاق على أساس عدم التكافؤ العقلي، ولما لم يجيزوا له الطلاق لجأ إلى ما لا يزال الفرنسيون يلجأون إليه ألا وهو إتخاذ خليله - وصفوة القول كانت هناك الآنسة بابوتي Babuti التي أصبحت فيما بعد جريز Greuze ثم مدام بوسييه Puisieux التي لازمته عشر سنين. وفي 1755 وجد ضالته المنشودة في سيدة شابة وفرت له لمدة عشر عاماً الحب والأخلاص وحسن التفاهم. وتلك هي لويز هنريت فوللان Volland، وعاد فأطلق عليها أسم صوفي Sophie (لأنها بدت في عينيه روح الحكمة) وكانت عندما التقيا لأول مرة في الثامنة والثلاثين من عمرها غير متزوجة ريانة ممتلئة الجسم قصيرة البصر، ووصفها بأنها تضع منظاراً على وجه "جاف" تقريباً. وكثيراً ما عنفهابين لحين والحين لأنها كانت تنافسه في حب القراءة، لكنها جمعت الكتب بدلاً من العشاق. وقرأت كثيراً حتى في السياسة والفلسفة، ووجد ديدرو أن ساقيها غليظتان أكثر مما ينبغي، ولكنه كان




صفحة رقم : 12605




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


شاكراً لها حسن أصغائها إليه، مولعاً بعقلها وقلبها. وكتب يوماً إلى جريم يقول "آه يا عزيزتي جريم، أية سيدة هذه! كم هي لطيفة جميلة أمينة رقيقة حساسة. ولسنا نعرف أكثر مما تأتي به هي من عادات وأخلاقيات ومشاعر فيما لا يحصى من الأشياء العامة. أن لها حكمها على الأشياء، ووجهات نظرها وأراؤها وأفكارها وطريقة تفكيرها الخاصة بها، كل أولئك قائم على العقل والحق وحسن الأدراك. ولا يثنيها عن شيء من ذلك الرأي العام أو السلطات أو أي شيء آخر"(104) ولا يمكن أن يكون كل هذا هياماً وغراماً، أما جوهر الموضوع فإن دكتور ترونشين رأى فيها روح نسر تسكن بيتاً من السحاب(105) أي أنها أحبت الثياب الفاخرة والتحليق في سماء الفكر والعقل.
وكتب إليها ديدرو طيلة عشرين عاماً أرق رسائله التي ستظل من ذخائر القرن الثامن عشر الأدبية. وقد أستطاع أنيكتب إليها في كل شيء بصراحة ويرسل إليها قصصه الداعرة وآخر تأملاته وأفكاره. فكتب لها كما لو كان يحدث إليها "إذا كنت بجوارك وذراعي يطوق ظهر مقعدك"(106). وفي علاقته بها تحقق مما لم يتحقق من مثله قط من قبل: تحقق من الدور الذي يمكن أن يلعبه الوجدان والعاطفة في الحياة. وكاد أن يكون من العسير عليه إلا أن يؤمن بالجبرية (القضاء والقدر) وبدا بعيداً عن التصديق أن تبادلهما المزدوج للأخلاص والحب والأفكار نتيجة فيزيوكيميائية لسديم بدائي. وأستطاع وهو في مثل هذه الحالة النفسية أحياناً أن يتحدث حتى عن الله. وإنه ليروي لصوفيا كيف أنه بينما كان يسير في الريف يوماً مع جريم التقط سنبلة من القح وأستغرق في التفكير في سر فسأله جريم "ماذا تفعل"؟ فأجاب "استمع" "ولكن من الذي يكلمك؟" فرد عليه "الله"(107).
وبعد أثنى عشرة سنة من أتصاله بصوفيا فوللان فترحبه لها. وأصبحت رسائله إليها موجزة، كما أصبح توكيد الإخلاص أكثر تكلفاً. وفي 1769 وهو في السابعة والخمسين، خلف صديقه المتوفي داميلا عشيقاً لمدام دي مو، وكانت في الرابعة والخمسين، وبعد عام واحد أزاح ديدرو عن مكانه عاشق شاب، على أن دنيس (أي ديدرو) ظل في الوقت نفسه يؤكد لصوفي حبه الأبدي.




صفحة رقم : 12606




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


وفي كل شطحات قلبه وذهنه أحتملت زوجته أنطوانيت بكل الصدق والإخلاص، ولم تكف عن لومه وتوبيخه. وألتمست السلوى والعزاء في الدين ولعب الورق ولم ينقطع الشجار بينهما يومياً تقريباً، ولم يضيق الزمن الهوة بين الرجل الذي تدور برأسه ألف فكرة والمرأة التي تعبد رباً واحداً ولم يتوقف أصدقاؤه قط لتحيتها عندما كانوا يأتون لزيارته. ولما أكتشفت علاقته بصوفي ثارت ثائرتها التي بدت له فرصة غير ملائمة للأفتراق عنها تماماً. ولفترة من الوقت ظل يتناول طعامه في مكتببه، وكتب إلى جريم يقول "إنهال بدأت تحس بنتائج هذا الفرق البسيط. إن نفاد نقودها وهو ما أراه وشيكاً، وسيدي حتماً إلى الصلح وعودة الإمور إلى مجاريها(108). وإنتابها المرض فرق قلبه لها وتولى رعايتها متذمراً، وتجاوبت معه في رقة ظن منها أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. ومهما يكن من أمر فإنه في رسالة بعث بها إلى صوفي وصف مرض زوجته أنطوانيت مازحاً. وعندما فكر صديقه سوارد في الزواج نصحه ديدرو أن يلقي بنفسه في لجة اليم بدلاً من الزواج. (وكان زواج سوارد من أسعد الزيجات في عصر الشقاء هذا).
وكان من الجائز أن يولي ديدرو الفرار من داره لزلا أنه أحب وسائل الراحة في بيته، وشغف حباً بأبنته الجمسلة. وكانت أنطوانيت (173) في الثالثة والأربعين حين وضعت طفلها الرابع. وشبت ماري أنجليك وأكتملت لها كل مفاتن الأنوثة، فركز ديدرو كل إهتمامه عليها وتعلق بها، فشاركها في ألعابها. وأنا لنتصور الرجل الذي أثقلت الفلسفة رأسه يلعب فشاركها في ألعابها. وأنا لنتصور الرجل الذي أثقلت الفلسفة رأسه يلعب مع أبنته الصغيرة الغمضية والحجلة والطفل المعصوب العينين "كنت شغوفاً بأبنتي الصغيرة إلى حد الجنون. أية شخصية محبة هي: أو أية سيدة أستطيع أن أخلق منها إذا سمحت لي أمها بذلك". وعنى بتلقينها كل الفضائل المسيحية. ولما قاربت سن البلوغ زودها بتوجيهات لتصون نفسها من ذئاب باريس. وماذا كانت تعني عروضهم؟ "إنها تعني يا آنسة رضاء لي، هلا جللت نفسك بالفضيحة والعار، وفقدت مركزك الاجتماعي




صفحة رقم : 12607




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


وتواريت عن أنظار المجتمع، وحبست نفسك في أحد الأديار وجعلت أباك وأمك يموتان حزناً وجزعاً(109)؟
ومن ثم فإنه مثل أي أب فرنسي أدخر مالاً ليدفع لها الصداق، وأتصل بمختلف الأسرات ليجد لها زوجاً في الوقت المناسب، وأستقر رأيه على أختيار زوج أبنته ورفضته أمها أنطوانيت، ولكن وافقت عليه الآنسة ماري وزفت إليه (1772)، وبكى ديدرو لفراقها، ولكن أغرورقت عيناهأكثر بدموع الفرح عندما رأى سعادتها الزوجية، وعاون الزوجان الصغيرين بسخاء قائلاً "أليس من الأفضل أن أعاونهم في الوقت الشدة أكثر من أن أنتظر إلى الوقت الذي لا يعودان يحتاجان إلى فيه". وأصبح زوج الأبنة هذا من المحافظين الحذرين الحريصين.
ولما نضج في ديدرو الأحساس بالأبوة بدأ يحسن فهم أبيه، وينظر بين الأجلال والتقدير للقانون الأخلاقي الذي ساعد رجلاً على تنشيءة أسرة طيبة، ولكن قدراً كبيراً من البوهيمية ظل يلازمه. وعلى الرغم من أنه حب عرينه وملابسه وأخفائه القديمة، وأولع بتد أصابع قدميه أمام النار ويلزم البيت، فإنه كان يحرم نفسه من هذه المتعة بين الحين والحين، مثلما قضي مرة شهراً مع دي هولباخ في جراندفال Grandval وظل يرتاد المقاهي، وكان شخصية مألوفة في بعض الصالونات، وأحبته مدام حبوفرين على الرغم من خشونته في الحديث. وفي نوبات عطف الأمومة أرسلت إليه مكتباً جديداً وطاقماً من الكراسي المريحة المصنوعة من الجلد وساعة حائط ضخمة من الذهب والبرومنز ومبذلاً فاخراً-" روب دي شامبر" وقدم لها الشكر وتخلى عن أثاثه القديم وهو حزين ولكنه عبر عن عمق الأسف لردائه الذي نبذه!" لم لم أحتفظ به أنه قد صنع من أجلي، ولا يصلح إلا لي ولا أصلح إلا له، والتأم مع كل ثنية في جسمي دون أن يزعجني، وكان رداء جميلاً مليحاً على حين أن الرداء الجديد جامد يابس




صفحة رقم : 12608




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


وكأنه يجعل مني تكثالاً لعرض الأزياء (مانيكان). وكانت طبيعته الطيبة الودودة تسارع إلى تلبية كل نداء وتأدية كل خدمة، فإذا علا التراب أحد الكتب أمكن أستخدام أحد جوانب الرداء منفضة. وإذا كان الحبر على قلمي سميكاً لا يتدفق كان جانب الرداء على أهبة الأستعداد. وإنك لترى من خلال الخطوط السوداء الطويلة كم من الخدمات أدى هذا الرداء. إن هذه الخطوط والأشرطة السوداء هي التي أنبأت عن الأديب وعن الكاتب وعن المجد الكادح، أما الآن فيبدو على أني ثري خامل الذكر، لا يعرفني أحد وكنت صاحب السلطان المطلق على ردائي القديم أما الآن فقد أصبحت عبداً أسيراً للرداء الجديد"(110).
وأعتبر ديدرو أن صداقاته هي أكبر سلوى وأعظم إلهام له في حياته. وكان أرتباطه بجريم أوثق وأبقى من سائر محبيه. وفي 1772 بعد أن كان الواحد منهما قد عرف الآخر لمدة أثنتين وعشرين عاماً كتب إليه "عزيزي صديقي الوحيد، لقد كنت دائماً وستكون دائماً صديقي العزيز الوحيد(111) ومع ذلك أساء فتور جريم وتظاهره بعدم الأكتراث في بعض الأحيان إساءة بالغة إلى ديدرو. إن جريم الألماني أستغل طيبة قلب ديدرو وكثيراً ما أنابه عنه في تحرير صحيفته "كورسبندانس" وحل محله لا في كتابة أخبار المعارض فحسب؟، بل في عرض أحدث الكتب كذلك. وفي بعض الأحيان أشتغل أثناء الليل حتى آخر لحظة حددها جريم لإنجاز العمل(112) وعرض جريم على ديدرو أجراً فرفض أن يؤجر. ومن المؤسف أن نروي أنه في 1773 سمع ستانلاس بونياسكي ملك بولنده أن ديدرو كان يعد العدة لزيارة سانث بطرسبرج، وفكر في دعوته للتوقف لعدة أيام في وارسو، فما كان من جريم إلا أن نصح الملك بأنه لا غناء في التعرف على الفيلسوف "إن ديدرو بدلاً من أستغلال وقته في أقتسام مجد العبقرية مع فولتير يضيعه في كتابة شذرات لصحيفة كورسبنداس أو يضيعه سدى مع كل من يجد في نفسه الجرأة ليسأله. وأستطيع أن أؤكد لجلالتكم أنه سيموت مغموراً غير معروف"(113).




صفحة رقم : 12609




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


وربما كانت أسعد ساعات ديدرو (عدا الوقت الذي كان يقضيه مع أبنته أنجليك) هي تلك التي كان يقف فيها خطيباً في أمسيات دي هولباخ أو مدام جيوقرين للعشاء، وينطلق في الحديث بفصاحة في أي موضوع وهو لا يكون في أفضل حالاته في الأجتماعات التي يغلب عليها الأدب والتهذيب والتي يكون فيها الظرف هو المطلوب لا الأفكار. وكم أنزعجت مدام جيوفرين نفسها من تحمساته، وكانت نصائحها له بالأعتدال والتزام آداب اللياقة قدر شطحاته هو، ولكن على مائدة البارون التي أجتمع إليها كما أكدوا لهيوم، سبعة عشر ملحداً أطلق ديدرو لنفسه العنان ومن ثم (كما أجمع كلهم تقريباً) لا يكون في أحاديث باريس الممتعة ما هو أكثر أمتناعاً وسحراً من حديث ديدرو ويقول مارمونتل "إن الذي عرف ديدرو من كتاباته وحدها لا يعرفه إطلاقاً... لقد نعمت منه بمتعة فكرية أعظم(114) أما هنري مستر الذي كثيراً ما نسمعه فإنه يصفه في مقارنة ملائمة "إني عندما أسترجع ديدرو في ذاكرتي وأرى شدة تنوع أفكاره وغزارة علمه المذهلة وتحليقه وشطحاته السريعة وحرارته وأضطراب خياله المتهور وكل ما في حديثه من فتنة سحر وتشويش، أتجاسر فأشبه شخصية بالطبيعة نفسها تماماً، كما تعود أن يتصورها، غنية خصبة تكثر فيها الجراثيم من كل جنس، وديعة عنيفة بسيطة فخكة، قيمة مهيبة ولكن على غير مبدأ أو قاعدة، ودون سيد ذي سلطان ودون إله(115).
وأستمع إلى تقرير مباشر عن حديث ديدرو عن نفسه "بدأ أنى شاذ غريب عليهم، ملهم سماوي. إن جريم نفسه لم يتهيأ له من البصر ما يراني به ولا من السمع ما يستمع إلي به، ودهشوا جميعاً وأحسست أنا نفسي بين جنبي بشيء من الرضا لا أستطيع التعبير عنه، إنه كان أشبه بنار تضطرم في أعماقي تلفح صدري، أنتشرت بينهم وألهبتهم. كانت أمسية من الحماسة كنت أنا مضرمها"(116).
وكانت شهرته المعاصرة أعظم بين من عرفوه منها بين أولئك الذين




صفحة رقم : 12610




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> ديدرو بروتيه -> ديدرو


أوا فقط أعماله المنشورة، وأهمها دائرة المعارف ورواياته وأحسنها التمسك بالدين وجاك المؤمن بالقضاء والقدر، وحلم دالمبير وأبن أخي رامو، ولملا تكن قد طبعت عند وفاته. ومل أجل هذا السبب من ناحية ولتطرف آرائه وأفكاره في الدين والجنس أخفق ولم يحاول قط اللحاق بالأكاديمية ومهما يكن من أمر فإنه في نظر أصدقائه كان الفيلسوف زعيم زعيم جماعة الثائرين المتمردين. إن روسو حتى بعد أن كرهه بأعتباره عدواً خفياً كتب في أعترافاته "سيبدو ديدرو لعدة قرون قادمة فذاً أعجوبة، وينظر الناس من بعيد إلى هذا الرأس العالمي بمزيج من الأعجاب والدهشة كما ننظر نحن الآن إلى رأس أفلاطون وأرسطو(117).
وأفتتن جيته وشيللر ولسنج بكتابات ديدرو وشارك ستندال وبلزاك ودلا كروا في الأعجاب به وأعتبره كومت أسمى عبقرية في ذاك العصر المثير(118) وأسماه ميشيليه "برومثيوس الحقيقي (في الأساطير اليونانية هو الشيطان المعبود الذي سرق النار من السماء وعلمها لأهل الأرض). وقال إن المرء ليستطيع أن ينهل من كتابات ديدرو لمدة سنة ومع ذلك تتبقى ذخائر لا حصر لها(119) وهلا أستمعنا إلى مدام جيوفرين التي عرفته حق المعرفة، ولكنها لم تقرأ كتبه، أنها كتبت تقول "أنه رجل طيب ورجل أمين ولكنه عنيد متشبت برأيه ( ولو كان خطأ) غير متزن إلى حد أنه يرى ويسمع الأشياء على ما هي عليه ومثله كمثل رجل يحلم ثم هو يؤمن بأنه أحلامه صادقة(120).
كان ديدرو طيباً وسيئاً، أميناً وخائناً، عنيداً ونزاعاً إلى الحق، قليل التوازان وخلاقاً مبدعاً بشكل بارع، كما كان حالماً ومناظلاً ومتنبئاً، يبدو أن مكانته في التاريخ تعلو وتسمو كلما أبتعد زمانه، حتى إن بعضهم اليوم ليعتقد أنه أعظم شخصية أمتاعاً وإثارة في فرنسا في القرن الثامن عشر(121) ولتقف الآن عند هذا الحد حتى نلتقي به مرة أخرى وجهاً وجهاً مع أمبراطورة ثم في لقاء الفلاسفة مع الموت.




صفحة رقم : 12611




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس



الفصل الحادي والعشرين




اتساع نطاق الحملة




1758 - 1774




1- هلفشيوس




1715 - 1771




أ- تطوره


إنحدرت الأسرة من أصل سويسري ألماني سئل هؤلاء الأقوام الأشداء الممتلئين نشطاً الذين تزهو وتزدهر بهم اليوم برن وزيورخ. واتخذ أحد الأعضاء في نيوشاتل اسم Schweitzer ومعناه سويسري. وحمل آخر إنتقل إلى الأراضي الواطئة اسم Helvetius ومعناه أيضاً سويسري، وانتقل هذا الفرع الثاني إلى باريس حوالي 1680، وهنا أصبح جان كلود أدريان هلفشيوس طبيباً للملكة ماري لزكزنسكا. من أولاده العشرين يعنينا هنا كلود أدريان الذي ولد 26 يناير 1715 والذي نشأ وترعرع في كنف الطب الذي ترك بعض بصمات على فلسفته وبعد أن تلقى تعليمه على يد الجزويت في كلية لويس العظيم تتلمذ على يد جباة الضرائب. وسرعان ما أثرى. وفي سن الثالثة والعشرين بلغ دخوله نحو 360 ألف جنيه في السنة(1) وكان وسيماً وراقصاً ومبارزاً بارعاً كان محبوباً لدى رجل الحاشية ونسائها، وعين سديراً للشؤون الداخلية للملكة. ولم يكن مستعداً بأية حال ليكون فيلسوفاً، اللهم إلا أنه كان يحذق تأليف الكتب.
ولكنه في 1738 التقى بفولتير فروعه عقله وشهرته وراوده حلم الكتابة والتأليف. فهلا يكون امتيازاً غريباً أو غير مألوف أن يكون رأسمالياً وفيلسوفاً في وقت معاً؟ وقضى بعض الوقت بوردو ضيفاً على منتسكيو،




صفحة رقم : 12612




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


ثم في برجندي مع بيفون. وعمل تأثير هذين الرجلين على تشكيل هلفشيوس، وأصبح صديقاً وثيق الصلة بمليونير آخر هو البارون دي هولباخ الذي كان الزعيم المادي في هذا العصر. وفي أمسيات العشاء لدى البارون وفي صالون مدام دي جرافيني التقى بديدور وجريم وروسو وديكلوس وجالياني ومارمونتيل وترجو. ومن ثم تحولت إتجاهاته.
وفي 1751 اتخذ قرارين خطيرين، فتخلى عن منصبه الوفير الكسب وهو منصب الملتزم العام للضرائب، ولجأ إلى ضيعة إقطاعية في Vore-au Perche وتفرغ لتأليف كتاب يهز العالم وفي العام نفسه وهو في السادسة والثلاثين تزوج من آن كاترين دي أوتريكورت؛ وهي كونتيسة من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر وهي من أجمل السيدات وأكثرهن كياسة وعقلاً في فرنسا وأخذها على الفور إلى بلدته فوريه حتى لا تفسدها باريس على حد قول جريم. وهناك أو في باريس دخل فونتيل وكان يناهز مائة عام إلى حجرة ملابس الكونتسة الجميلة وهي تكاد تكون عارمة عارية تماماً، فصرخ وهو يرتد من من الحجرة فرحاً: آه يا سيدي لو أني كنت في سن الثمانين فقط(2).
واحتفظ الزوجان السعيدان كذلك بدار في باريس. وهنا جذب إليها كرم هلفشيوس ومفاتن زوجته كثيراً من قادة الفكر مثل ديدرو ودي هولباخ وفونتنيل وبيون ودالمبير وبيفوت وترجو وحالباني وموريلي وكوندرسيه وهبو. ويقول مارمونتيل: كم أصبحت هذه الدار ملائمة مريحة لرجال الأدب(3) وحاول هفشيوس في حفلات العشاء أن يوجه المناقشة إلى الموضوعات التي فكر في أن يكتب فيها، ويثير النقد لأفكاره وأبدى أنه يصغي كل الإصغاء لما يقال من نقد، وشكا موريليه من أن هلفشيوس يؤلف كتابه شركة بينهم(4).
وظل هلفشيوس يعمل في إعداد الكتاب سبع سنين دأباً، حتى خرج




صفحة رقم : 12613




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


الكتاب المرموق في 15 يوليو 1758 بعنوان "الذكاء" ولشد ما كانت دهشة الأصدقاء الذين رأوا المخطوطة حين ظهر الكتاب متمتعاً بالترخيص الملكي الثمين بالنشر. ذلك أن مالشرب كان قد عهد إلى جان بييرترسيية بمراجعة الكتاب تمهيداً لنشره (عمل الرقابة على المصنفات)، فقرر ترسييه "من رأيي أنه ليس في الكتاب ما يحول دون نشره(5) ولكن المحامي العام في برلمان باريس دفع الكتاب في 6 أغسطس بأنه محشو بالهرطقة والكفر، وألغى مجلس الدولة في 10 أغسطس الترخيص يالطبع، وسرعان ما عزل ترسييه عن مناصبه المربجة. ودفع يهاجم المسيحية قائلاً: بأي لون من الإلحاد والكفر يتهمونني؟ أنا أنكر في أي جزء من الكتاب التثليث أو ألوهية المسيح أو خلود الروح أو بعث الموتى أو أية ناحية أخرى من نواحي العقيدة البابوية، ومن ثم فإني لم أهاجم الديانة بأي شكل من الأشكال(6). وخشي فولتير أن يرسل هلفشيوس إلى الباستيل فنصحه بالرحيل، ولكن هلفشيوس كان مستريحاً في ذاك إلى حد لا يضحي معه من أجل الكتاب، فأصدر تراجعاً في في صيغة الرسالة إلى قسيس، فأعلنت الحكومة بأن هذا غير كافٍ فنشر هو اعتذار يقول جريم "أنه مذل إلى حد لا يدهش معه المرء أن يرى رجلاً يؤثر أن يلجأ إلى الهوتنتوت (قبائل السود في جنوب أفريقية) على أن يضع اسمه على مثل هذه الاعترافات(7)" وقصدت مدام هلفشيوس إلى فرساي لتشفع لزوجها ورضيت الحكومة بأن يأوي إلى ضيعة امدة عامين، وربما أصبحت العقوبة أشد من ذاك لولا أن الملك تذكر أن والد هلفشيوس أنقذ حياته ذات مرة حين كان طبيباً للملكة. وفي 3 يناير اتهم البابا كايمنت الثالث عشر الكتاب بأنه مخز فاسق لا يلتزم قواعد الدين، وفي فبراير أحرق علناً بأمر البرلمان. ولقد رأينا كيف أن هذه "الضجة حول مسألة تافهة كما سماها فولتير قد أسهمت مع مقالة دالمبير جنيف في تضييق الخناق على موسوعة ديدور. وبكل هذا الإعلان الواسع النطاق عن كتاب "الذكاء" تهافت الناس على قراءته أكثر مما أقبلوا على أي كتاب




صفحة رقم : 12614




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


لعب دوراً في الحملة على المسيحية، وظهرت منه عشرون طبعة بالفرنسية على مدى ستة أشهر. وسرعان ما ترجم إلى الإنجليزية والألمانية واليوم لا يعرف عنه شيئاً إلا القليل من العلماء والباحثين ويكاد يكون من المتعذر الحصول على نسخة منه.
ولم ينشر هلفشبوس شيئاً بعد ذلك، ولكنه استمر يكتب. وصرح ثانية وتوسع متروياً غاضباً في شرح وجهات نظره في رسالة "عن الإنسان" وهي التي هاجم فيها رجال الدين بوصفهم باعة متجولين يتجرون في الرجاء والخوف وينشرون الجهل ويقتلون الفكر. وفي هذين الكتابين نجد كل مثله العليا في هذا العصر الطموح، الحرية والمساواة والأخوة: حرية الكلام والصحافة والاجتماع والعبارة، والمساواة بين الجنسين كليهما، وبين كل الطبقات في فرص التعليم وأمام القانون، وتأييد يكاد يكون اشتراكياً لدولة الخير العام حماية وتعويضاً للفقراء السذج ضد الأغنياء الأذكياء". وكل هذه الآراء والمثل العليا يتوجها إيمان شبيه بالإيماء الديني الديني في إمكان بلوغ الجنس البشري مرتبة الكمال المطلق. وهنا أيضاً إذا أصغينا جيدا لسمعنا صوت الثورة.


ب - فلسفته


ومثل كل الفلاسفة تقريباً يبدأ هلفشيوس بلوك. فكل الأفكار مستمدة من الإحساس، ويلي ذلك من خبرة الفرد. فكل الحالات العقلية عبارة عن مجموعات متضامنة من الأحاسيس يشعر بها الإنسان حالياً أو تنبعث من جديد من الماضي عن طريق الذاكرة، أو يتصورها مستقبلاً عن طريق الخيال. أما إصدار الحكم أو اتخاذ القرار فهو الإحساس بالفوارق بين الأحاسيس. أما العقل فهو مجموعة من الأحكام أو القرارات.
وليس الذهن والنفس شيئاً واحداً هو تجمع أو تعاقب للحالات العقلية. أما النفس فهي حساسة الكائن الحي أي القدرة على استقبال




صفحة رقم : 12615




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


الأحاسيس وكل الإحساس مادي. وكل النفس قوة في المادة. أن كل ظواهر الطب والتاريخ الطبيعي تثبت بوضوح أن هذه القوة...تبدأ بتكوين أعضاء الجسم، وتبقى ما بقيت ثم تنقضي هذه النفس بانحلال هذه الأعضاء وفنائها(8). وللحيوانات أنفس. ويسموا الإنسان على الحيوان بفضل نموه واستواء قامته حيث تتحول قوائمه الأمامية تدريجياً إلى أيد قادرة على الإمساك بالأشياء ومعالجتها.
وحيث بدأ هلفشيوس بجون لوك فأنه يتابع المسيرة مع هويز. فكل عمل رغبة تستجيب لأحاسيس حالية أو مبتعثة. والرغبة هي تذكر اللذة التي اقترنت بأحاسيس معينة، والأفعال رغبة ملحة، وتختلف في شدتها تبعاً للألم أو اللذة المتذكرة والمتوقعة. والانفعالات تؤدي بنا غالباً إلى الخطأ، لأنها تركيز انتباهنا على ناحية معينة من شيء أو موقف بعينه ولا تهيئ لنا المجال لتدبيره من جميع جوانبه(9). والذكاء بهذا المعنى هو تأخر رد الفعل ليهيئ إدراكاً أوسع واستجابة أوفى. وعلى الرغم من ذلك فالانفعالات بالنسبة للخلق هي الحركة بالنسبة للمادة. وهي تزودنا بالدافع حتى الدافع إلى المعرفة. فالإنجاز العقل لأي شخص يختلف تبعاً لحدة انفعالاته فالإنسان العبقري إنسان ذو انفعالات قوية والإنسان الغبي مجرد منها(10). والانفعال الأساسي هو حب القوة والسيطرة، وهو أساسي لأنه يزيد في قدرتنا على تحقيق رغباتنا.
وعند هذا الحد استحق عمل هلفشيوس ما وصفه به فولتير من أنه "عجة بيض" أي خليط من الأفكار التي كانت سائدة منذ عهد طويل في دنيا الفلسفة، ولكنه انطلق الآن إلى أكثر آرائه ومسائله امتيازاً. فحيث أن كل الأفكار تنبع من خبرات الفرد وتجاربه فإن التباين بين أفكار الأفراد والأمم وخلقها يعتمد على الفوارق بين بيئة الفرد أو الأمة. ولدى كل الناس عند مولدهم استعداد متساوٍ للفهم والحكم وليس، وهناك تفوق فطري أو طبيعي في الذهن. لقد وهب الجميع قوة وقدرة على الانتباه كافيتين




صفحة رقم : 12616




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


للارتفاع بهم إلى مرتبة الرجال اللامعين المرموقين إذا كانت البيئة والتعليم والظروف ملائمة لهم. وعدم المساواة في القدرة والأهلية هو دائماً نتيجة الاختلاف في الموقف الذي تصادف أن وضعوا فيه(11).
"وفي اللحظة التي يخرج فيها الطفل من بطن أمه....يدخل إلى الحياة دون أفكار ودون انفعالات. وكل ما يحس به هو الجوع. إننا في المهد (أي عن طريق الوراثة) لا نتلقى انفعالات الزهو والكبرياء والجشع والطمع والرغبة في حسن التقدير والمجد والعظمة. إن هذه الانفعالات المثيرة للشقاق والشغب التي تتولد بين البلدان والمدن تفترض مقدماً وجود تقاليد وقوانين قائمة بالفعل بين الناس...ومثل هذه الانفعالات لا تكون معروفة لدى من تحمله ساعة مولده عاصفة إلى صحراء مقفرة يغذيه ذئب مثل روميلوس. وحب المجد والعظمة شيء مكتسب، ومن ثم فهو نتيجة درس وتعليم(13)".
وحتى العبقرية نفسها نتاج البيئة، أي الخبرة بالإضافة إلى الظروف ويضيف العبقري الخطوة الأخيرة إلى خطوات اكتشفت واتخذت قبله. وهذه الخطوة الأخيرة تكون تبعاً للظروف. وكل فكرة جديدة هي نعمة من نعم الصداقة، أي سلسة من النتائج والآثار لا ندرك لها سبب(13).
"ومن أين يأتي عدم المساواة التامة في الفهم والذكاء"؟ السبب في هذا هو أن أي إنسان لا يدرك على وجه الدقة نفس الأشياء، وليس على وجه الدقة في نفس الموقف، ولم يتلق نفس التعليم، كما أن الصدفة أو الحظ الذي يسمو على تعليمنا لا يؤدي بكل الناس إلى كنوز غنية بقدر سواء. وإننا من أجل هذا ننسب إلى التعليم-بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مع أخذ فكرة المصادفة والحظ في اعتبارنا-ننسب عدم المساواة في الفهم والذكاء(14).
ومن الجائز أن هذا التحليل النفسي وهو سخي بصفة خاصة من أحد أصحاب الملايين، مشتق أو نابع من وضع سياسي. فالمحافظون يؤكدون




صفحة رقم : 12617




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


فوارق الوراثة وتأثيرها، والحاجة إلى الحرص والحذر في تغيير النظم المتأصلة في عدم المساواة الطبيعية والمحلية في القدرة والخلق. أما دعاة الإصلاح فيؤكدون على الفوارق البيئية وتأثيرها، مما يجعل عدم المساواة في القدرة والقوة الثروة يبدو راجعاً إلى المصادفة والحظ، إلى مفارقات المولد وميزات الظروف أكثر من إلى جدارة فطرية. ومن ثم يمكن خفض عدم المساواة بالمساواة في التعليم وتحسين البيئة. ويطبق هلفشيوس نظريته في المساواة الطبيعية على الأجناس والأفراد. فكان يمكن أن تصل كل الأجناس إلى نمو متساوٍ إذا تساوت الفرص البيئية لديها. وينتج عن هذا أن الغرور القومي أو الاعتزاز بالجنس مثل الغرور الفردي أو اعتزاز الفرد بنفسه، ليس له في الواقع أي مبرر. أن الحرية التي يفاخر بها الإنجليز...ليست جزاء لشجاعتهم بقدر ما هي نعمة الحظ-"أعنى القنال الإنجليزي والبحار التي تحميهم (الحرية الداخلية إذا تساوت الأشياء الأخرى تتفاوت عكسياً مثل الخطر الخارجي)".
وواضح على هذه الأسس أن طريق التقدم يتبع تحسين التعليم والمجتمع والحكومة. "إن التعليم قادر على التأثير في كل شيء". ألا يدرب التعليم الدب على الرقص(15)؟ أن كل التقدم، حتى في الأخلاق يتوقف على انتشار المعرفة وتدريب الذكاء. اقضِ على الجهل وبذلك تقضي على كل بذور الشر(16) ومن أجل الاقتراب من هذا الهدف يجدر أن يعاد بنا نظام التعليم في فرنسا كما ينبغي أن يحرر من ربقة الكنيسة ويعهد به إلى الدولة، كما يجب أن يكون في متناول كل الأفراد من الجنسين كليهما وفي كل الأعمار. ويجدر أن يحل تدريس العلوم والتقنيات محل تعليم اللاتينية والإغريقية، ويجب أن يكون ثمة تركيز جديد على بناء الأجسام الصحيحة "والعقول السليمة المتمسكة بالفضيلة(17)".
وعلى الرغم من أن هلفشيوس لم ينكر أية تعاليم مسيحية نراه هنا يدخل في دعوى مثيرة بقصد تقليص نفوذ الكنيسة في فرنسا. أنه يهاجم الكنيسة من




صفحة رقم : 12618




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


وجهة نظر اجتماعية لا لاهوتية، أنه يشجب وجهة النظر الكاثوليكية في تمجيد العزوبة والفقر، ولكنه يطرب ويبتهج لأن قلة ضئيلة من المسيحيين هم الذين ينظرون إلى هذه الأفكار بعين الجد. "أن ميلاً خفياً إلى الشك وعدم التصديق يقاوم هذه الأثر الخبيث المؤذي للمبادئ الدينية(18) أنه يتهم سيطرة الكاثوليك على التعليم لا بأنه تعوق النقد الفني والعلمي في الأمة بتجاهل العلوم والاستخفاف بها فحسب، بل بأنها كذلك تمكن رجال الدين من تشكيل ذهن الطفل لإخضاعه للسيطرة الكهنوتية(19).
"إن رغبة رجال الدين في كل العصور انصرفت إلى القوة والنفوذ والثراء. وبأية وسيلة يمكن إشباع هذه الرغبة؟ ببيع الرجاء (في التعليم) والخوف (من الجحيم). إن الكهنة وهم تجار جملة في هذه السلع كانوا يحسون ويدركون أن هذا البيع سيكون مؤكداً رابحاً(20).....وتتوقف قوة الكاهن وسلطانه على الخرافات، وعلى تصديق الناس في غباء وحمق لهم. وليس اتعليمهم قيمة لديه. وكلما قلت المعرفة عندهم ازدادوا امتثالاً لأوامره(21)....إن أول هدف للكهنة في كل ديانة هو خنق حب الاستطلاع عن الناس، والحيلولة دون فحص أية تعاليم ومبادئ يكون سخفها ملموساً محسوساً إلى حد لا يمكن إخفاؤه(22)...لقد ولد الإنسان جاهلاً، ولكنه لم يولد مغفلاً أبله، وليس إلا بالجهد والمشقة ليكون كذلك، ولا بد لذلك وليكون قادراً على إطفاء هذا النور الطبيعي في داخله من استخدام كثير من الخدع والحيل والأساليب، ومن ثم يكدس التوجيه والتربية في ذهنه أخطاء فوق أخطاء(23) وليس ثمة شيء تعجزه قوة الكهنوت بمساعدة الخرافة عن تنفيذ، لأنها تسلب الحكام والقضاة سلطانهم وسيادتهم، والملوك سلطتهم الشرعية، وبذلك تخضع الناس وتحرز السيطرة عليهم. وغالباً ما تكون هذه أعلى من سيادة القوانين، ومن ثم تفسد في النهاية المبادئ الأخلاقية نفسها(24).




صفحة رقم : 12619




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


ويضيف هلفشيوس ثمانية فصول عن التسامح.
"أنه التعصب أم عدم التسامح الديني هو ربيب الطمع الكهنوتي وسرعة التصديق الغبي الأحمق(25)...وإذا أنا صدقت مربيتي أو معلمي! إن كل ديانة أخرى باطلة زائفة، وديانتي وحدها هي الصحيحة الحقة. ولكن هل يعترف العالم كله بهذا؟ لا، فإن الأرض لا تزال تئن تحت وطأة المعابد الكثيرة الموقوفة على الخطأ(26). وماذا يعلمنا تاريخ الأديان؟ أنها أضاءت في كل مكان مشعل التعصب وملأت السهول بالجثث وخضبت الحقول بالدماء وأحرقت المدن وأقامت إمبراطوريات مهلهلة(27). أليس الأتراك، ودينهم دين جهاد وحرب، أكثر تسامحاً منا؟ إننا نشهد الكنائس في القسطنطينية ولكنا لا نرى مساجد في باريس(28). إن التسامح يخضع الكاهن للأمير ولكن التعصب يخضع الكاهن للأمير ولكن التعصب يخضع الأمير للكاهن(29).
ويميل هلفشيوس إلى القول باستثناء واحد في جانب التعصب، حيث يقول: "هناك سبب واحد يمكن أن يكون فيه التعصب ضاراً بالشعب، حيث يكون التسامح مع عقيدة تتسم بالتعصب مثل الكاثوليكية. فإن مثل هذه العقيدة التي تصبح أقوى ما تكون في دولة ما سوف تسفك دائماً دماء حماتها الأغبياء. لا تسمحوا للكاثوليك المتملقين أن يستغلوا البروتستنت. إن القساوسة الذين يعتبرون التعصب في بروسيا أمراً بغيضاً وخرقاً للقانون الطبيعي والسماوي ينظرون إلى التسامح في فرنسا على أنه جريمة وهرطقة. وماذا يجعل الإنسان مختلفاً عن غيره في مختلف الأقطار؟ ليس إلا ضعفه في بروسيا وقوته في فرنسا. وإذا تأملنا في سلوك المسيحيين الكاثوليك، لوجدنا أنهم في البداية حين يكونون ضعافاً يبدون وكأنهم حملان وديعة حتى إذا أصبحوا أقوياء كانوا وحوشاً ضارية(30).
وأدلى هلفشيوس من حين إلى حين بكلمة طيبة عن المسيحية، وبخاصة عن البروتستنتية ولم يكن ملحداً ولكنه كره تصوير الأصفار المقدسة للإله




صفحة رقم : 12620




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


طاغية...يعاقب على الهنات الهينات بالعذاب المقيم(31). وراوده الأمل في ديانة عالمية تقيم تحت رقابة الدولة "أخلاقيات طبيعية" متحررة من الثواب والعقاب بعد الموت(32). ووضع العقل الإنساني فوق كل دعاوى الإنسان للوحي الإلهي. فإن الرجل الأمين سوف يمتثل دائماً لعقله مؤثراً إياه على الوحي. لأنه سيقول بينه وبين نفسه عن يقين بالغ بأن الله هو منشئ العقل البشري أكثر من أنه مؤلف كتاب بعينه(33).
ولكن أليست المعتقدات الخارقة والوازع الديني ضرورية لفاعلية القانون الأخلاقي؟ يقول هلفشيوس. كلا "ليس على الدين ولكن على التشريع أو القانون وحده تتوقف رذائل الناس وفضائلهم وقوتهم وهناءتهم...إن كل جريمة لا يعاقب عليها القانون تقترف كل يوم فأي دليل أقوى من هذا على عقم الدين وعدم جدواه؟...
ومن أين ينشأ الأمن الحالي في باريس؟ هل ينشأ من تقوى أهلها وتبتلهم؟ كلا إنما ينشأ من نظام الشرطة ويقظتهم...وفي أية فترة أصبحت القسطنطينية وكر الرذائل؟ في نفس اللحظة التي قامت فيها المسيحية هناك...إن أشد الملوك تمسكاً بالمسيحية لم يكونوا أعظم الحكام. إن قليلاً منهم تحلوا بفضائل تيتس أوتراجان أو أنطونيوس وأي أمير تقي ورع يمكن أن يقارن بهؤلاء؟(34).
ومن هنا بدا لهلفشيوس أن مهمة الفلسفة أن تبتكر وتنشر أخلاقيات مستقلة عن العقيدة الدينية. ومن وجهة النظر هذه كتب ما أسماه أحد الباحثين "أعظم اختبار على الأخلاق الاجتماعية خطه يراع أي فيلسوف(35) أنه عقد العزم على ألا ينتقص من قدر الطبيعة البشرية أو يجعلها بل يأخذها كما وجدها بكل ما فيها من أنانية، ويحاول أن يبني عليها أخلاقاً طبيعية. إن الإنسان ليس خيراً أو شراً بالطبيعة. إنه مخلوق حاول أن يحافظ على ذاته في عالم يحاول كل كائن آخر فيه أن يفتك به إن عاجلاً أو آجلاً(36). إن الصورة التي كان قد رسمها روسو حديثاً للمجتمع البدائي بدت لهلفشيوس خيالاً تافهاً




صفحة رقم : 12621




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


غير ذي قيمة. وكان هوبر أقرب إلى الحقيقة حين وصف "حالة الطبيعة" بأنها صراع كل فرد ضد المجتمع. إن لفظتي الخير والشر في تطبيقها على الناس ليس لهما معنى إلا في مجتمع، وكل الطيبة فضيلة اجتماعية وهي نتاج التدريب أو التعليم الاجتماعي على الغابات والأغراض الاجتماعية. "إن الأمير الذي يثق في استقامة الخلق الفري المتأصل في النفوس شقي تعس. إن روسو يفترض وجود هذه الاستقامة، ولكن الخبرة تنكر وجودها. وكل من يتأمل في هذا سينتهي إلى أن الطفل يقتل الذباب ويضرب كلبه ويخنق عصفوره أي أن غب الطفل كل رذائل الرجل. إن الرجل وهو في أوج سلطانه، (متحرراً من كل القيود والضوابط الاجتماعية) غالباً ما يكون جائراً ظالماً. والطفل القوي مثله تماماً: فإنه إذا لم يكبح جماحه وجود رفاقه مثل الرجل في أوج سلطانه يستحيل لنفسه حلوى رفيقه وأدوات لعبه ويستولي عليها(37).
ومن الواضح عندئذ أنه ليس هناك حاسة أخلاقية فطرية، فكل الأحكام على الخطأ والصواب تنمو عن طريق خبرة الفرد نتيجة لتعاليم أسرته وجماعته وحكومته وكنيسته، وفرضها عليه قسراً. فإذا تحر ر الفرد من هذا القسر. كما هو الحال في الحكم المطلق أو الحرب أو الزحام-فإنه يميل إلى العودة إلى مخالفة القانون والتمرد عليه، وإلى عدم التمسك بالمبادئ الأخلاقية. وهنا "لا تكون الأخلاق في معظم الأمم آنئذ إلا مجرد مجموعة من تعاليم وقواعد سلوكية يمليها ويفرضها الأقوياء ليضمنوا سيطرتهم وسيادتهم، مع الاستمرار في ظلمهم وطغيانهم، مع الإفلات من أي عقاب" ولكن الأخلاق بمعناها الصحيح هي "معرفة الوسائل التي يبتدعها الناس ليعيشوا معاً وجنباً إلى جنب في أسعد حال...وإذا كان من بيدهم الأمر والسلطة لا يعارضون تقدم المعرفة بهذه الوسائل فإنها تنهض وتتقدم كلما أكتسب الناس معرفة جديدة"(39).
وهلفشيوس يعتنق صراحة مذهب المتعة (اللذة أو السعادة). وهي الخير الرئيسي أو الأوحد في الحياة: فالسعادة هي هدف الحياة هنا على الأرض، والسعادة هي استمرار اللذة ودوامها، وكل اللذة حسية أو فسيولوجية




صفحة رقم : 12622




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


أساساً(40) "إن نشاط الذهن واكتساب المعرفة، هما أعظم اللذات إشباعاً على الدوام(41) ولكنهما ماديان أيضاً بصفة جوهرية. والزهد أو التقشف ضرب من الحمق. واللذة الجنسية مشروعة تماماً إذا لم تؤذ أحداً. وليست الفضيلة هي الامتثال لشرائع الله بل هي السلوك الذي يوفر أعظم اللذة لأكبر عدد من الناس. وهنا وبشكل واضح هلفشيوس الأخلاق النفعية التي جاء بها بالفعل هتشنسون (1725) والتي شرحها بنتام فيما بعد (1789). "ولكي تكون فاضلاً يجب أن تجمع بين نبل النفس والعقل المستنير. وهذا الذي يجمع بين هاتين النعمتين إنما يتجه إلى المنفعة العامة. وهذه المنفعة هي قاعدة كل الفضائل الإنسانية وأساس كل التشريع...وكل القوانين يجب أن تتبع مبدأ أو قاعدة واحدة وهي نفع الناس جميعاً أي أكبر عدد من الناس في ظل الحكومة نفسها...فهذا المبدأ يتضمن كل الأخلاقيات وكل التشريع(42).
وعلى الرغم من ذلك فإن كل الأفعال في رأي هلفشيوس مهما كانت أخلاقية وفاضلة أنانية. وقد لا تكون الأفعال بالضرورة أنانية، فكثير منها يتسم بالغيرة (حب الغير) بمعنى أنه مقصود به نفع الآخرين وفي بعض الأحيان تكلف فاعليها تمناً غالياً. ولكن حتى مثل هذه الأفعال أنانية بمعنى أن الدافع إليها هو إرضاء الذات. أننا غيريون (نحب الغير) إننا بالفطرة أو بالتعليم والمران يمكن أن نجد لذة كبيرة في إدخال السرور على الآخرين وإسعادهم. وهكذا قد تضحي الأم من أجل طفلها أو البطل من أجل وطنه. إننا إذ نفعل الخير لغيرنا فذلك يرجع إلى أننا عن قصد أو عن غير قصد نتذكر في لذة وسرور ما قوبلت به مثل هذه الأفعال في الماضي من حب أو تقدير اجتماعي. وبهذه الطريقة قد تصبح الأفعال الغيرية عادة لدينا، وقد نشعر بالإزعاج أو الخوف إذ لم نقم بها. وقد يبدو النسك أو التبتل الديني عملاً فاضلاً إلى درجة عالية، ولكنه "مجرد استثمار طويل الأجل في سندات السماء" أي مجرد محاولة طويلة الأمد لضمان حسن الجزاء في السماء




صفحة رقم : 12623




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


"فإذا فرض ناسك أو راهب على نفسه قانون الصمت وجلد نفسه بالسوط في كل ليلة وعاش على الحبوب والماء وافترش الأرض على القش فأنه يظن أنه بفضل النحول والهزال سيحظى بمنزلة رفيعة في الجنة(43). وإذا لم يحكم المجتمع المحلي على أي تصرف أو فعل وحشي قاس بالإدانة ويستنكره فإن هؤلاء الرجال المقدسين سيرتكبونه دون خجل أو لجوء إلى القانون، مثال ذلك إحراقهم المهرطقين(44). إن الصداقة نفسها ضرب من الأنانية: فهي تبادل خدمات حتى ولو كانت مجرد تأييد، وحيثما انقطع مثل هذا التبادل تقطعت أواصر هذه الصداقة، وليس ثمة شيء استثنائي أو غير مألوف أكثر من الصداقة التي لا تدوم طويلاً(45)، وجوهر الحقيقة إننا دائماً نحن الذين نحب أنفسنا في غيرنا(36).
وحين هبط لاروشفوكول بالمثل بمختلف الدوافع إلى حب الذات فأنه شعر بالأسى باعتبار أن حب الذات هذا رذيلة. ولكن هلفشيوس ارتضاه على اعتباره فضيلة، على أنه سهى للمحافظة على الذات. وعلى أية حال فتلك حقيقة عامة من حقائق الحياة "فالغضب أو الشعور بالضيق من الأفعال القائمة على حب الذات وهو مثل الشكوى من زخات المطر في الربيع أو من حر الصيف...أو صقيع الشتاء"(47). ومن منطلق عمومية حب الذات تماماً يقترح هلفشيوس إقامة أخلاقيات "علمية". فالتعليم والتشريع يمكن أن يشكلا الأخلاق والعادات إلى حد الإزعاج والشعور بالقلق والضيق بالأفعال أو التصرفات غير الاجتماعية، والشعور باللذة والسرور في الفضيلة-أي في الأفعال التي تفيد الجماعة وتسدي إليها خيراً. ويجدر بالفيلسوف أن يدرس السلوك الإنساني والحاجة الاجتماعية بقصد اكتشاف أي شكل من أشكال السلوك أكثر نفعاً وخيراً لأكبر عدد من الناس، ويحاول مع المعلمين والمشرعين التماس المغريات والمحاذير التي يمكن مع الاستعانة بحب الذات أن تشجع السلوك الاجتماعي، وأية فوائد تعود على الجنس البشري من مثل هذا الاتفاق بين




صفحة رقم : 12624




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


الفلاسفة والملوك؟" إن فضائل الشعب وسعادته لا تنبع من قدسية عقيدتهم الدينية ونقاوتها بل من حكمة قوانينهم(48).
وهكذا تحول هلفشيوس في قمة فلسفته إلى دراسة التشريع والحكومة. أنه من الناحية السياسية أشد الفلاسفة تطرفاً. أنه لا يشارك فولتير إيمانه "بالحكم المطلق المستنير" فإن مثل هؤلاء الحكام قد ينزعون إلى إخماد أية آراء غير آرائهم هم أنفسهم، التي قد تكون خاطئة ضارة. ويقتبس قول فردريك الأكبر لأكاديمية برلين "ليس ثمة ما هو أفضل من حكومة استبدادية يرأسها أمير عادل إنساني عطوف متمسك بالفضيلة، وليس ثمة شيء أسوأ من حكم الملوك العاديين البسطاء"(49). والملكية المحددة السلطة أو الدستورية مثل إنجلترا صالحة طيبة، والأحسن منها اتحاد من جمهوريات ديمقراطية تعاهدت على العمل المشترك ضد أي ظالم(50). والأرستقراطية جائرة نظرياً حيث أن المقدرة العليا نتاج الصدفة، ولكن الديمقراطية الكاملة غير مرغوب فيها، ما دام الفقراء غير متعلمين لا يملكون شيئاً. ومن ثم فإن المشرع الحكيم يسعى إلى نشر التعليم وحسن توزيع الملكية.
إن هذا "المليونير" الخبير بشؤون المال يرثي لتركيز الثروة وتيسير هذا التركيز عن طريق الاقتصاد القائم على المال:"إن هذا الشقاء الذي يخيم على كل الناس والأمم تقريباً إنما ينشأ من قصور قوانينهم والتوزيع البعيد كل البعد عن المساواة لثرواتهم. وفي معظم الممالك توجد طبقتان فقط من المواطنين: واحدة في مسيس الحاجة إلى الضروريات والأخرى تبذر تبذيراً(51)...وإذا كان فساد السلطة في الشعب أبرز ما يكون في عصور الترف والبذخ فما ذاك إلا لأن ثروة الأمة في تلك العصور كانت مركزة في أيدي أقل نفر من الناس(52).
إن الاستعاضة بالمال أو النقود عن الأرض رمزاً للسلطة والقوة ونقطة ارتكاز لهما، ينشأ عنها سباق على الثروة، فيه تفويض للاستقرار الاجتماعي وتصعيد الصراع الطبقي، كما يؤدي إلى تضخم مدمر. "وفي الأمة التي




صفحة رقم : 12625




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


تزداد تدريجاً ثروتها ومالها-وبخاصة العملة الورقية-وترتفع أسعار الحاجيات وأجور العمال باستمرار..وكلما أصبح العمل غالي التكلفة في أمة غنية فإنها لابد تستورد من الأمم الأخرى أكثر مما تصدر إليها. وإذا ظلت كل العوامل الأخرى على حالها...فإن أموال الأمة الغنية سوف تنتقل أو تتسرب دون أن يشعر بها أحد إلى الأمة الأفقر التي ستدمر نفسها بدورها وبنفس الطريقة إذا أصبحت غنية(53).
وهل ثمة مهرب من تركيز الثروة أو التزاحم على المال؟ "يجدر بالإنسان أن يضاعف عدد الملاك عن طريق توزيع جديد للأرض..فإذا زادت أرض أحد الناس عن قدر معين من الأفدنة فيجب أن تفرض عليها ضرائب تفوق قيمة إيجارها. ومثل إعادة توزيع الأرض هذه قد تكون مستحيلة تقريباً في اقتصاد يقوم على المال، ولكن إذا أمكن تداركها بحكمة فمن المستطاع تنفيذها بتغيرات دائمة غير محسوسة(54).
فلنعمد إلى إنقاص ثروة الناس وزيادة آخرين ونهيئ للفقراء حالة من اليسر والرخاء حتى يتمكنوا بسبع أو ثمان ساعات من العمل في اليوم أن يوفروا لأنفسهم ولذويهم وسائل العيش ويسدوا حاجتهم، ومن ثم يصبح الشعب سعيداً بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية(55).


جـ - تأثير هلفشيوس


وهنا في كتابين لرجل واحد نجد كل الأفكار التي صنعت الثروة الفرنسية وكل الأفكار التي تعتلج في صدور الأمم وتحركها اليوم. فلا عجب أن وضعت الفئات الفرنسية المتعلمة المثقفة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر هلفشيوس في منزلة سواء تقريباً مع فولتير وروسو وديدرو، ورحبت بكتابه الأول وهللت له مما كاد لا يحظى به كتاب غيره في ذاك العصر. وقال برونيتييز "إن أي كتاب غيره لم يحث مثل هذه الضجة في زمانه، ولم ينشر في الخارج أفكاراً أكثر أخذت تشق طريقها إلى العالم بأسره(56).




صفحة رقم : 12626




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


وذكر بريسو في 1775 "لقي منهج هلفشيوس وآراؤه أعظم رواج وشعبية". وشكا ترجو على حين كان يعارض هذا المنهج من أن الناس امتدحوا وأثنوا عليه في شيء من الشدة والعنف: وقال آخر "إن هذا الكتاب كان يوجد على كل منضدة(57)". وأطرى كل النقاد وضوح أسلوبه وقوة حكمه وتصويراته البارعة والروح الإنسانية البارزة في رجل يدافع عن إعادة توزيع الثروة على حين أنه ثري أوتي كل شيء.
ومهما يكن من شيء فإن الفلاسفة أنفسهم انتقدوا "منهج هلفشيوس" باعتباره قائماً على مفاهيم خاطئة. ودافع فولتير عن دعاوى الوراثة. فكل الناس عند الميلاد ليسوا متساويين في التفوق الذهني والخلقي الكامن ورأى أن العقوبات مولودة لا مصنوعة(58). واتفق ديدرو مع فولتير فيما ذهب إليه. وفي تفنيد لكتاب هلفشيوس بعنوان "الإنسان" (كتب في 1775، ولكن لم ينشر إلا بعد مائة عام من تأليفه)، دفع ديدرو بأن الأحاسيس تنتقل بأشكال مختلفة الأفراد بغعل الفوارق الموروثة في تركيب المخ وينيته(59) "لا يولد الإنسان غفلاً أو خالياً من كل شيء، حقاً أنه حقاً أنه يولد بدون أفكار أو انفعالات موجهة، ولكنه منذ اللحظة الأولى يوهب استعداد أو ميلاً إلى التصوير والمقارنة والاحتفاظ ببعض الأفكار في تلذذ واستمتاع أكثر من غيرها. وميلاً ونزعات مسيطرة تنتج عنها فيما بعد الانفعالات الواقعية"(60).
وهنا نجد ديدرو، الذي كان قد بدأ بجون لوك بتحول إلى ليبنتز ويمد يده إلى كانت. أن تأثير البيئة والتعليم في نظر ديدرو، محدود دائماً بالوراثة "إننا لا نستطيع أن نعطي ما رفضته الطبيعة، وربما نقضي على ما تهبه الطبيعة..إن التعليم يعمل على تحسين ما تهبه لنا"(61) واستاء من الهبوط بالمناهج الفكرية إلى لذة حسية، واشترك في الاحتجاج العام على فكرة هلفشيوس التي تقول بأن كل الغيرة (حب الغير) أنانية غير محسوسة أو محتجبة.




صفحة رقم : 12627




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


وكانت مدام دي ديفان واحدة من النفر القليل الذين اتفقوا مع هلفشيوس في هذه النقطة. وقالت "إن هذا الرجل كشف الغطاء عن سر كل إنسان"(62) أما آدم سميث الذي كان يتبع صديقه هيوم فإنه أصر على أن الغيرة مؤسسة على مشاعر عطف فطرية مثل الأنانية سواء بسواء، ولكنه في كتابه "ثروة الأمم" أسس نظريته الاقتصادية على شمولية حب الذات. وفي نشوة الثورة أثار هلفشيوس اشمئزاز مدام رولان. "لقد شعرت أني مدفوعة بكرم لم يعترف هو به قط....وواجهت نظرياته بالأبطال العظام الذين خلدهم التاريخ(63).
ولا يمكن حل هذه المسائل بسهولة في فقرة من الفقرات، ويبدو واضحاً أن الاختلافات في التكوين الوراثي أو الخلقي تؤثر تأثيراً جوهريا في عمل البيئة والتعليم. وكيف إذن نفسر بأي شكل آخر الخلق والنمو المتبادلين كل التباين في الأخوة على الرغم من التشابه في النشأ والأصل والفرص؟ ومع ذلك فإن هلفشيوس كان على حق؟ في نطاق الحدود التي فرضتها البيئة، فيمكن أن تحدث تغييرات جسيمة في سلوك الأفراد والجماعات بفعل الاختلافات فب البيئة والتعليم والتشريع، إلا كيف نفسر انتقال الإنسان من الهمجية إلى المدنية؟ وربما يجدر بنا أن نسلم لهلفشيوس بأنه ليس ثمة إنسان يعمل واعياً بطريقة أشد إيلاماً من بديلتها. ولكن بعض الغرائز الاجتماعية-حب الأم، حب العيش مع أبناء جنسه، حب الاستحسان-على الرغم من أنها لا تقدر على منافسة غرائز النزعة الفردية في كمال القوة، فإنها أي الغرائز الاجتماعية قوية إلى حد تستطيع معه توليد أفعال اجتماعية قبل أي ترجيح واعٍ للذة أو الألم أو النتيجة. فكل منا ذات أو "أنا" ولكن بعض الذوات أو "الأنا" تتسع لتشمل أسرتنا أو جماعتنا أو وطنا أو الجنس البشري بأسره. وعلى هذا الأساس تكون أوسع "أنا" هي الأفضل.
وعلى أية حال فإن كثيراً من الناس تأثروا وتحركوا للتفكير والعمل بفضل أراء هلفشيوس. ومن الجائز أنه تحت تأثير هلفشيوس بدأ لاشالوتيه




صفحة رقم : 12628




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


حملته لإبدال مدارس كهنة القرى وكليات الجزويت بطرق تعليمية تشرف عليها الدولة. وترجع المدارس العامة في أمريكا إلى مقترحات كوندرسيه الذي سمى نفسه تلميذ هلفشيوس ومريده(64) وأكد بكاريا Beccaria إن كتابات هلفشيوس هي التي أوحت بكتابة دفاعه التاريخي عن إصلاح قانون العقوبات والسياسة. وصرح بنتام بأنه "مدين لكتاب هلفشيوس "الذكاء" بكثير من أفكاره"-بما في ذلك مبدأ المنفعة بالتماس أعظم السعادة لأكبر عدد من الناس في الأخلاق وفي التعليم(65). وشهد "الميثاق الوطني" في 1792 بتقدير تأثير هلفشيوس في الثروة، بأن منح بنات هلفشيوس لقب "بنات الأمة". وبنى وليم جودون Goduin بحثه في العدل السياسي (1793) على تعاليم هلفشيوس. أما زوجته ماري ولستونكرافت فقد وجهها إلى حد ما إلى تأليف كتابها المؤذن بعهد جديد "حقوق المرأة"، دعوى هلفشيوس بأن الفوارق بين الجنسين ترجع إلى حد كبير إلى التفاوت في التعليم وفي الفرص(66).
وقابل كثير من معاصري هلفشيوس بين نظريته في شمولية الأنانية وبين كرم خلقه وحياته الموسومة بالخير والإحسان. وكتبت عنه مارمونتيل: "ليس ثمة رجل أفضل منه، فهو متحرر كريم جواد دون تظاهر أو تصنع، محسن من صميم قلبه(67) ووصف جريم الذي نادراً ما كان مسرفاً في مدحه، هلفشيوس بأنه "رجل مهذب وديع حقاً، منصف متسامح، ليس سريع الغضب أبداً، زوج صالح ووالد عطوف، وصديق وفي وإنسان طيب(68). وكان يصدق على شخصه ذلك الذي جاء في مؤلفه "الذكاء" "من أجل أن نحب الناس يجدر أن نتوقع القليل منهم...إن كل إنسان مادامت أهواؤه وانفعالاته لا تغشى عقله سيكون أكثر تسامحاً كلما ازداد استنارة...فإذا كان الرجل العظيم هو دائماً أكثر تسامحاً...وإذا كان يقابل أخطاء الآخرين ببلسم الإشفاق الشافي ويتمهل في الكشف عن هذه الأخطاء، فما ذاك إلا لأن سمو عقله لا يجيز له أن




صفحة رقم : 12629




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> هلفشيوس


يطنب في رذائل أفراد بعينهم وحماقاتهم، بل يحوم حول رذائل وحماقات الجنس البشري بصفة عامة(69).
إنه في فوري وفي باريس عاش مع زوجته وأطفاله أنشودة الإخلاص والسعادة. وفي عام 1764 تجول في إنجلترا وألمانيا. وقابل هيوم وجيبون وفردريك الأكبر. وفي عام 1770 أسهم في تكاليف التمثال الذي أقامه بيجال لفولتير. وفي 1771 فارق الحياة على فراشه مع دي هولباخ وغيره من الأصدقاء. ووفاء لذكراه رفضت أرملته كل من طلب يدها للزاوج، بما فيهم بنيامين فرنكلين. وعمرت بعد وفاة زوجها تسعاً وعشرين سنة. ومرت بعهد الثورة في سلام وأمان وقضت نحبها في عام 1800، في سن الواحد والثمانين.




صفحة رقم : 12630




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون



2- فلاسفة مساعدون


في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر أنظم حشد كبير من الفلاسفة الأقل شأناً إلى الهجوم على المسيحية. وعملوا بكل الجد والحماسة اللتين تميز بهما المسيحيون الأوائل في نشر الإنجيل والدين الجديد، أو المسيحيون الأسبان في طرد العرب من بلادهم، ودبجوا فيضاً من المقالات والرسائل. ولما نضب معينهم عمدوا إلى ترجمة كل ما وصلت إليه أيديهم من الكتب المناهضة للدين، من لوكربشيس إلى هوبز وابتدعوا تقويماً جديداً للقديسين والشهداء، وضموا إلى قائمة القديسين جوليان المرتد وآلهوا بومبوناتزي وبرونو وكامبانللا وفانيني وبيل وغيرهم من ضحايا الاضطهاد وأدانوا بني إسرائيل لا لأنهم تقاضوا فوائد على القروض بل لأنهم أنجبوا المسيحية. وأنزلوا "يهوه" عن عرشه باعتباره أقوى رمز للقسوة والوحشية، وإلهاً للحرب، وأول من عمد إلى الإبادة الجماعية. وسخروا من الخطيئة الأولى ومن "الآب" الذي كان عليه أن ينزل إلى الأرض مثل ابنه ويضرب بالسياط ويصلب ليهدئ من غضبه وهو الآب "الذي أثارت امرأة




صفحة رقم : 12631




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون


فضوله للفاكهة (التفاح) أو المعرفة. ودمغوا الحروب الصليبية بأنها حملة لاغتصاب الأرض واحتكار التجارة، واحتقروا العصور الوسطى باعتبارها عصوراً مظلمة، ونظروا بازدراء إلى الكاتدرائية القوطية على أنها وحشية بشعة. ولحظ عليه دالمبير "قدراً من التسامي بالأفكار وقلقاً واهتياجاً وفوراناً عاماً في الأذهان اكتسح منه بشيء من العنف كل ما وقف في طريقه"(70).
وكان هناك جاك أندريه نجيون Noigeon الذي وصفه سانت بيف بأنه "شماسي" متعصب للإلحاد(71) أنه عاش وعمل مع دي هولباخ مترجماً وقوراً، ونشر معاً على مدى عشر سنين ثلاثين كتاباً صغيراً أو كبيراً أصلاً أو مستورداً، وكلها ضد المسيحية. وقال ديدرو "إنها قنابل تتساقط كالمطر في بيت الرب(72). كمل كان هناك نيقولا بولانجيه، وهو أيضاً أحد أصدقاء دي هولباخ. واشترك في هذه الحملة على المسيحية حتى وفاته (1759) وخلف وراءه مخطوطة عنوانها "إماطة اللثام عن عهد قديم" احتفظ بها دي هولباخ حتى عام 1765 حين أصبح شوازيل على رأس الوزارة وكان صديقاً لجماعة الفلاسفة. وعندئذ دفع بها إلى المطبعة مع مقدمة مثيرة بقلم ديدرو. ويقول بولانجيه: "أن الديانة نشأت من خلال مخاوف الإنسان البدائي من الفيضانات وغيرها من الكوارث الواضح أنها خارقة للطبيعة ونظمها (أي الديانة)، أقامها قسيسون وملوك في مؤامرة لتبرير الطغيان في سبيل فرض جائر لعقيدة تقليدية، ولن يجد الجنس البشري مطلقاً مهرباً من هذه المؤامرة الشريرة إلا باتباع نور العقل تحدياً للقساوسة والملوك(73).
وأهم من هذا كان أندريه موريليه. وهو نتاج آخر لليسوعيين وراهب آخر تدرج في مراتب المتمردين|. ولد في 1727 وعاش طويلاً حتى وصفته مدام نكر بأنه "دب" وعلى الرغم من ذلك أوتي من الصراحة والإخلاص والاستقامة بالإضافة إلى ألف من الصفات الحسنة وقدر كاف من الدين




صفحة رقم : 12632




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون


ما يجعله يرتاب في وجود إله. ويصرح أحياناً بذلك إلى أصدقائه اعتماداً منه على حكمتهم في أنهم لن يفضحوا سذاجته وسرعة تصديقه(74). وكتب تحت إشراف ديدرو بعض المقالات لدائرة المعارف. وعلى مائدة العشاء لدى هولباخ كانت سخريته لاذعة حتى أن فولتير أسماه "الأب الموقر السيد عضهم انهشهم" ولكن قال عنه مارمونتيل "أنه كان لديه أفكار عميقة...وكان قويم الخلق كما كان ثابت الجنان"(75). وفي 1762 نشر "كتيباً عن أعضاء محاكم التفتيش" عبارة عن مختارات من "إدارة محاكم التفتيش" لنقولا أميريكو قد عمل في حماسة وغيرة محققاً وعضواً هاماً في محاكم التفتيش من 1356 إلى 1399. وكان الفرنسيون قد نسوا تقريباً محاكم التفتيش الأسبانية ولكن موريليه أعادها إلى ذاكرتهم بمجرد اقتباس إجراءات هذا النظام وعقوباته في أوج عظمته. ومنح مالشرب موريليه ترخيصاً حكومياً بطبع الكتاب قائلاً أن قانون العقوبات الفرنسي كان لا يزال من الوجهة العملية مطابقاً لقانون محاكم التفتيش(76). وكاد موريليه إلا يصدق هذا، ولكن في السنة التي رأى فيها الكتاب طريقه إلى المطبعة وجد برلمان تولوز يقضي على جان كالا Calas في آلة التعذيب.
وذكر جريم الرزين الرصين عادة عن راهب أخر هوجوبوم رينال Raynal في صحيفته "كورسبندانس" عن 1772 "منذ صدور كتاب مونتسكيو روح القوانين ربما يظهر في أدبنا كتاب أجدر بالانتقال إلى أبعد الأعقاب والأجيال القادمة أو الرفع من شأن تقدم الاستنارة لدينا من كتاب رينال "التاريخ الفلسفي والسياسي للمستعمرات والتجارة الأوربية في جزر الهند الشرقية والغربية(77)" وربما كان جريم يتخذ بصفة خاصة موقفاً ودياً من المؤلف لأن رينال هو الذي أفتتح في 1753 وأوصى في 1755 بصحيفة الكورسبدانس الأدبية لجريم، وعليها عاش جريم. وأكثر منهذا فإن ديدرو صديق جريم قد عاون في إعداد كتاب رينال الخالد الذي لا يفتح ولا يقرأ في أيامنا هذه أو يبدو أن رأى جريم أكده ما نال




صفحة رقم : 12633




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون


الكتاب سالف الذكر "التاريخ الفلسفي والسياسي" على الفور من شعبية فبيعت منه أربعون طبعة قبل 1789 عدا طبعات لا تحصى مسروقة أو مترجمة وحظي الكتاب بتقدير فوانكلين وجيبون وروبرتسون. وأوحى هذه الكتاب إلى توسان لوفترتير Toussain L, Boaverturn بجملته المخلصة لتحرير العبيد (1791)، وذهب ناقد واسع الإطلاع إلى أنه كان لهذا الكتاب تأثير على الثورة الفرنسية أعظم حتى من تأثير كتاب روسو "العقد الاجتماعي(78)".
ودخل رينال باريس قسيساً فقيراً. وتكشف أسطورة عن طبيعة المرح والأبتهاج عند المتمردين، فتنسب نجاته من الموت جوعاً إلى أن الراهب بريفوست كان قد تلقى عشرين سو (عملة فرنسية قديمة قيمتها خمسة سنتيمات) ليقيم قداساً على روح أحد الموتى، وأن بريفرست أعطى الراهب دي لا بورت 15 سو ليقيم القداس بدلاً منه، وأن هذا الراهب الأخير نفخ رينال ثمانية ليقيم القداس بدلاً منه(79). وابتهج رينال بالأكل على موائد هلفشيوس ودي هولباخ، وأثبت أنه جليس أنيس. ويبدو أنه حظي بمعونة كثير من المؤلفين فضلاً عن ديدرو في جميع مادة كتابه، بل حتى في تأليف بعض فصوله. أن روسو الذي تشاجر وتنازع مع كل الناس بلا استثناء وجد رينال مسالماً غير مشلكس، وقدم له الشكر في "اعترافاته" على وفائه بحق الصداقة وتقديره للمساعدة المالية(80).
ولابد أن رينال قد جمع مالاً بطريقة ما، حيث قيل إنه رشا الرقيب للحصول على ترخيص بإصدار كتابه(81). أنه قضى عشرين عاماً يعمل جاهداً في إعداده، وفصل القول تفصيلاً في جشع الأوربيين وخيانتهم وعنفهم في معاملة السكان الأصليين في جزر الهند الشرقية، واستنكر هذا كله وحذر الرجل الأبيض من الانتقام الرهيب الذي قد تعمد إليه الأجناس الملونة إذا عادت إليها السلطة(82). وكان الكتاب أول اتهام فرنسي للاستغلال الاستعماري، كما كان من أوائل الكتب التي أكدت على أهمية التجارة في تحديد التاريخ الحديث، وأسهم بطريقة عابرة في إضفاء المثالية على المواطنين




صفحة رقم : 12634




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون


الهنود وإعجاب المتحررين الأوربيين بحضارة الصين. وزخرت المجلدات المسهبة بالموضوعات والأفكار الرئيسية في عصر الاستنارة: مقت الخرافة وحرفة الكهانة وبغض تسلط الدولة والكنيسة على الحياة والفكر. وأيد رينال فكرة أن الكثلكة كانت خداعاً أو دجلاً جمع في الحكام والكهنة قواهم ليدعم كل فريق منهم الأخر عن طريق الأساطير والخرافات والمعجزات والدعاية والظلم والمذابح. وأهاب بحكام أوربا أن يحلوا أنفسهم من أي ارتباط بالكنيسة، ويسمحوا بحرية الكلام والنشر، ويمهدوا الطريق للحكومة الديمقراطية. ولم تنج البروتستنتية منه، حيث قال أنها كذلك ارتكبت جريمة التعصب. ووصف تعصب البيوريتانيين في إنجلترا الجديدة واضطهاد السحرة في سالم Salem (مدينة في ماساتشوست).
وعلى الرغم من الوقت الطويل الذي قضاه رينال في إعداد كتابه، فأنه قضى عليه بالأهمال في زوايا النسيان نتيجة لما ورد فيه من أخطاء. إنه لم يتحر الحقائق فأعتبر الأساطير تاريخاً، وأهمل تواريخ الأحداث، ولم يورد أسماء المراجع الموثوقة، وشوش المادة وأفسدها، واستخدم ديدرو (أو سمح لديدرو أن يشغل نفسه في كتابة الخطب المسرفة والنداءات العاطفية مما لا يكاد يليق بمؤلف في التاريخ ولكن هذه لم تكن عصور تجرد أو نزاهة، فالكتاب كان سلاحاً، ولا يجوز إضعاف قوته بعرض الجوانب المتعارضة فإن الحرب كانت حرباً وصراعاً. وهكذا قدرت الحكومة الفرنسية فأصدر برلمان باريس أمراً بإحراق الكتاب، كما صدر الأمر إلى رينال بمغادرة فرنسا، فهرب إلى الأراضي الواطئة، ولكنه رأى ضماناً للأمن والسلامة أن يعود في عام 1784 في عهد أكثر ملوك البوربون اعتدالاً.
وكان رينال من الفلاسفة للقلائل الذين شهدوا الثورة الفرنسية وعمروا بعدها، ورأى عنف الثورة واستخدامها لكل وسائل التعصب وعدم التسامح القديمة. وفي 31 مايو 1791 وهو سن الثامنة والسبعين وجه إلى الجمعية التأسيسية رسالة يحذرها من التطرف، فكتب يقول "لقد تجرأت لأمد طويل




صفحة رقم : 12635




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> فلاسفة مساعدون


على تنبيه الملوك إلى واجباتهم، فاسمحوا لي اليوم أن أنبه الشعب إلى أخطائه" فأشار إلى أن طغيان الأهالي قد يكون قاسياً وجائراً قدر طغيان الملوك وجورهم. ودافع عن حق رجال الدين في التبشير بعقيدتهم، مادام معارضوهم يتركون أحراراً في التعبير عن آرائهم. واحتج على القوانين التي تفرض دين دولة ما وعلى إعتداء الجماهير على القساوسة. وأغرى روبسبير بالسماح للرجل العجوز بتفادي المقصلة، ولكن الحكومة صادرت ممتلكات رينال ومات فقيراً معدماً (1769) وسط انتصارات الثورة وإرهابها.




صفحة رقم : 12636




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ



3- دي هولباخ




أ - الملحداللطيف


كان أحب جماعة الفلاسفة إلى باريس ألماني ولد (1733) في اديشيم في أمارة سبيير Speyer الأسقفية (في بافاريا) وعمد باسم بول هنريخ ديتريش غون هولباخ، ونشأ كاثوليكياً. وجمع جده ثروة من إدخال عرق الذهب من هولند إلى فرساي. وفي ليدن درس بول العلوم وتعلم اللغة الإنجليزية. وبعد صلح أكس لاشبيل (1748) استقر به المقام في باريس وأصبح من رعايا فرنسا وتزوج من أسرة من خبراء المال، وحصل على النبالة باستثماره 110.000 جنيه بفائدة 5% في شركة سكرتيري الملك. وسماه المحيطون به "البارون" لأنه كان يمتلك في وستفاليا ضيعة تدر عليه ستين ألف جنيه سنوياً. وبلغت جملة دخله السني مائتي ألف جنيه. ويقول موريليه أنها ثروة لم يستغلها أحد استغلالاً أشرف ولا أنفع منه للعلم والفن(83) وكان يرعى موريفو وغيره من الكتاب أحسن رعاية (مثل دور ما سيناس بالنسبة لهم، وهو راعي هوراس وفرجيل في القرن الأول ق.م) وجمع مكتبة ضخمة ولوحات ورسومات وعينات ونماذج للتاريخ الطبيعي.
وأصبحت داره كما وصفها أحد الظرفاء "مقهى أوربا" وجعلت منه




صفحة رقم : 12637




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:19 مساء   رقم المشاركة : [379]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


ولائم العشاء عنده وصالونه في باريس أو في داره الريفية "جراند فال" على حد تعبير هوراس وولبول "قهرمان الفلسفة" وأعدت مدام دي هولباخ كل يوم خميس ويوم أحد المائدة لأثني عشر ضيفاً. ولم يكونوا هم أنفسهم دائماً في كل مرة، ولكنهم كانوا على الأغلب من قادة الحرب ضد المسيحية: ديدرو: هلفشيوس، دالمبير، بولانجيه، ومريليه، سانت لامبرت، مارمونتيل، وأحياناً بيفون، ترجو، وكني، كذلك جاء روسو ولكنه كان يرتاع للألحاد الذي يتدفق من حوله، وهناك كان ديدرو في ذروة الحماسة والعنف، أما الراهب جالباني فقد ابتعد عن الفلسفة حيث أفسد النظرية بالدعابة والسخرية. وكان عقد هذا الكنيس- كما كان البارون يسمى هذه الاجتماعات- يلتئم في الساعة القانية يتجاذبون أطراف الحديث ويأكلون ويتحدثون حتى الساعة السابعة أو الثامنة. وتلك كانت الأيام التي كانت فيها المناقشة أدباً غير مسطور وليس ثمة فوضى المقاطعة أو توافه الأمور. ولم يكن هناك موضوعات محظور الخوض فيها، أو كما قال موريليه "هذا هو المكان الذي تستمع فيه إلى أكثر المناقشة حرية وحيوية وتنويراً وتثقيفاً بالنسبة للفلسفة والدين والحكومة، ولم يكن للهزل أو المزاح الخفيف مجال هناك"...وهناك فوق كل شيء أنار ديدرو عقولنا وألهب نفوسنا(84) وذكر ديدرو نفسه للآنسة فوللان أنهم تحدثوا في الفن والشعر وفلسفة الحب وفكرة الخلود، كما تحدثوا عن الإنسان والآلهة والفضاء والزمن وعن الموت والحياة(85). وقال مارمونتيل "إذا كان الطقس جميلاً استبدلنا بولائم العشاء أحياناً نزهات فلسفية سيراً على الأقدام على ضفاف السين، وكانت وجبة الطعام آنذاك أكلة سمك ضخمة، وكنا نذهب كل منا بدوره إلى أشهر الأماكن بهذا السمك، وعاد إلى سان كلو، وكنا نقصد مبكرين في أحد القوارب لنستنشق نسيم النهر ونعود في المساء عن طريق غابة بولونيا(87).
وبلغ صالون دي هولباخ من الشهرة حداً استخدم معه بعض زوار




صفحة رقم : 12638




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


باريس من الأجانب نفوذهم للحصول على دعوة ليحضروا هذه اللقاءات. ومن ثم جاء في أوقات مختلفة هيوم وستيرن وجاريك وهوراس وولبول وفرانكلين وبريستلي وآدم سميث وبكاريا. زقد أزعجهم في بعض الأحيان وجود هذا العديد من الملحدين هناك. وكم من مرة سمعنا ديدرو يقول (لروميللي) أنه حين كان هيوم يشك في الوجود الفعلي للملحدين كان البارون يؤكد له "أنك تجلس إلى المائدة مع سبعة عشر(88)." وروى جيبون أن فلاسفة باريس "سخروا من تشكك هيوم الموسوم بالحذر، وبشروا بتعاليم ومعتقدات الملحدين مع نفس التعصب الأعمى لدى الدوجماتيين (الدوجماتية أي الجزمية) توكيد الرأي بغطرسة دون مبرر وتمحيص كافيين وصب اللعنات على المؤمنين في تسخيف وازدراء(89)". كذلك روى بريستلي أن "كل الفلاسفة الذين تعرفت بهم في باريس كانوا لا يؤمنون بالمسيحية بل صرحوا بأنهم ملحدون(90)" ومهما يكن من أمر فإن موريليه لحظ "أن عدداً كبيراً منا كانوا ملحدين ولم يخجلوا من ذلك. ودافعنا بشدة عن أنفسنا ضد الملحدين، على الرغم من إننا أحببناهم لحسن رفقتهم وصحبتهم".(91) ورأى ووليول أن "وكر الفلاسفة" لدى دي هولباخ يؤذي ذوقه الإنجليزي. وما كان أشد امتعاضه حين رأى رينال يعرف عن تجارة إنجلترا ومستعمراتها أكثر مما يعرف هو إلى حد أنه ادعى الصمم. أما بيان هيوم فكان فيه مجاملة بالغة، أن رجال الأدب هنا (في باريس) مقبولون يرتاح المرء إلى معاشرتهم، وكلهم رجال ذوو شهرة واسعة يعيشون في انسجام تام (أو يكاد يكون تماماً) بينهم جميعاً، ولا تشوب أخلاقهم شائبة، وقد يكون مبعث أعظم الرضا عندك ألا يكون بينهم ربوبي واحد.(92) والأرجح أن هذا التصريح يدعو إلى الحيرة والارتباك.
ولكن اتفق رأي الجميع على أن البارون وقرينته كانا مضيفين مثاليين وشخصيتين محببتين إلى النفوس. وعلى حد تعبير جريم: عاشت مدام دي هولباخ لزوجها فقط، فكانت إذا فرغت من الترحيب بضيوف




صفحة رقم : 12639




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


زوجها وتقديم ما لذ وطاب لهم آوت إلى ركن منعزل وانصرفت إلى شغل الأبرة، دون أن تشترك في مناقشاتهم(93)، وماتت في عام 1754 في ريعان شبابها وظل دي هولباخ لبعض الوقت يعاني يأساً تاماً(94) وبعد عامين تزوج من أختها التي أثبتت أنها مخلصة قدر إخلاص أختها. وكان متواضعاً في سلوكه وعاداته وديعاً في مناقشته، لا تعلم شماله ما فعلت يمينه من بر وإحسان(95)، حتى لم يكد أحد يرتاب في أنه كتب مثل هذا الدفاع القوي عن الإلحاد في كتابه "نهج الطبيعة" فكتبت مدام جيوفرين منافسته في عقد الندوات وإقامة المآدب في صالونها: "لم أرَ قط رجلاً في غاية البساطة مثله"(96)، أما روسو الذي درج على كراهية كل جماعة الفلاسفة تقريباً فإنه احتفظ بإعجابه بشخصية دي هولباخ وخلقه إلى حد أنه اتخذه نموذجاً لفولمار الفاضل الذي يعتنق مذهب اللأدرية في رواية "هلواز الجديدية". وكتب جريم الذي حلل كل إنسان فيما عدا روسو في موضوعية رصينة:
"كان طبيعياً أن يؤمن البارون دي هولباخ بإمبراطورية العقل، فقد كان هواه، (ونحن دائماً نحكم على غيرنا بمقدار عواطفنا) أن يضع الفضيلة والمبادئ القويمة في المقام الأول وكان من العسير عليه أن يضمر الكراهية لأي من الناس، ومع ذلك كان لا يستطيع دون جهد جهيد أن يخفي مقته الصريح لرجال الدين... فكلما تحدث عنهم تخلى عنه خلقه الرضي بطبيعته"(97).
ومن هنا ساند دي هولباخ "دائرة المعارف" أكبر مساندة وأسهم فيها بماله ومقالاته. وطمأن ديدرو وشجعه حتى حين تخلى دالمبير وفولتير عن المشروع، وكانت مقالاته في معظمها عن العلوم الطبيعية، فإنه من من الجائز أن البارون كان في هذا الحقل أوسع الفلاسفة إطلاعاً. وكتب جريم في 1789. "لم ألتقِ قط برجل أكثر منه علماً وإطلاعاً، ولم أرَ قط، رجلاً أقل منه اهتماماً بالتظاهر بالعلم في أعين الناس"(98). وترجم عن الألمانية كثيراً من الرسائل العلمية بمساعدة نيجيون، ومن أجل هذا عين عضواً في أكاديميتي برلين وبطرسبورج، زلم يحاول قط أن يلتحق قط بالأكاديمية الفرنسية.




صفحة رقم : 12640




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


وافتتن دي هولباخ بالعلم وتوقع من ورائه نهوضاً سريعاً بحياة الإنسان، ومن ثم فإن البارون نظر نظرة عدائية بالغة العداء إلى الكنيسة التي بدا أن سيطرتها على التعليم تسد الطريق أمام المعرفة العلمية، فانتهز كل فرصة لمهاجمة رجال الدين فكتب مقالتي "آباء الكنيسة" و "الحكومة الدينية" لدائرة المعارف. فمنذ 1766 فصاعداً نظم مع نيجبون مصنعاً حقيقياً لإخراج الأدب المعادي للكنيسة. ثم ظهر في تعاقب سريع "قائمة القديسين"، "والوقفة المقدسة" و"آباء الكنيسة بغير قناع" و "القساوة الدينية وتحطيم الجحيم" وهنا جاء البشير بأنباء سارة- القضاء على الجحيم.
وفي 1761 صدر عن هذا الذي أطلق عليه بعضهم معمل الإلحاد كتاب عنوانه "المسيحية في خطر" كتبه أساساً دي هولباخ، ولكنه نسب في صحيفة العنوان إلى بولانجيه الراحل. وبسبب بيع هذا الكتاب اتهم ووصم بالعار أحد الباعة الجائلين وعوقب بالتجديف في السفن الشراعية لمدة خمس سنين. ولقي مثل هذا الجزاء لمدة تسع سنين غلام اشترى هذا الكتاب ليبيعه ثانية(99). وكان الكتاب هجوماً مباشراً على التحالف بين الكنيسة والدولة كما إنه استبق حقاً وصف ماركس للديانة بأنها "أفيون الشعوب".
"إن الديانة هي فن تخدير الناس بالحماسة (وفي القرن الثامن عشر كانت هذه اللفظة تعني الغيرة الدينية) لتحول بينهم وبين مناهضة المساوئ والمظالم التي يعانونها من حكامهم. ولم يعد فن الحكم إلا مجرد الإفادة من أخطاء وخمول الذهن والنفس، وهي ما غرقت فيه الأمم بفعل الخرافة... وبتهديد الناس بالقوى الخفية استطاعت الكنيسة والدولة أن تفرضا على الناس أن يعانوا ويحتملوا في صمت ما يلقون من عنت وشقاء من القوى المرئية، وفرض عليهم أن يأملوا في السعادة في الحياة الآخرة إذا وافقوا على أن يكونوا بائسين في هذه الحياة الدنيا"(100).
ورأى دي هولباخ في اتحاد الكنيسة والدولة السيئة الجوهرية أو الشر الأساسي في فرنسا. "أني بوصفي مواطناً أهاجم الديانة لأنها تبدو لي ضارة




صفحة رقم : 12641




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


بسعادة الدولة معادية للعقل البشري ومناقضة للفضيلة الحقة أو الخلق القويم"(101).
"إن المسيحي يلقن، بدلاً من الفضيلة والأخلاق القويمة، الخرافات الخارقة القائمة على المعجزات والمبادئ والتعاليم البعيدة عن التصديق لديانة تتنافى تماماً مع العقل السليم. إن هذا المسيحي منذ أول لحظة في دراسته يتعلم ألا يثق فيما تشهد به حواسه وأن يخضع عقله..... ويعتمد اعتماداً أعمى على ما يقرره أستاذه. إن أولئك الذين حرروا أنفسهم من هذه الأفكار يجدون أنهم عاجزون لا حول لهم ولا قوة أمام الأخطاء التي رضعوها مع ألبان أمهاتهم"(102).
ودفع دي هولباخ بأن بناء الفضيلة والأخلاق على المعتقدات الدينية عمل فيه مجازفة ومخاطرة، لأن هذه المعتقدات عرضة للتغيير وقد يدمر انهيارها القانون الأخلاقي القائم على أساسها أو المتفق معها.
"إن كل من يكتشف ضعف أو زيف البيانات التي قامت عليها ديانته... لابد يميل إلى الاعتقاد بأن الفضيلة والأخلاق وهمية مثل الدين الذي قامت عليه. وهذا يوضح كيف أن لفضتي "كافر وخليع" أصبحتا مترادفتين، ولن يكون ثمة ضرر من تعليم أخلاق طبيعية بدلاً من أخلاق لاهوتية، وبدلاً من تحريم الزنى والجرائم والرذائل لأن الله والدين حرماها، يجدر بنا القول بأن كل إفراط يؤذي الإنسان ويحول دون صيانته والإبقاء عليه ويجعله جديراً بالازدراء في أعين المجتمع... وهو كذلك إفراط يحرمه العقل وتحرمه الطبيعة التي تريد للإنسان أن يعمل من أجل سعادته الدائمة"(103).
وأنه لمن العسير أن نفهم كيف أن رجلاً نعم بمثل هذا الثراء يجد فسحة من الوقت ليؤلف مثل هذا العدد الكبير من الكتب أو يحث على تأليفها. وفي 1767 أخرج "اللاهوت السهل الحمل Theologie Portative سخر فيه سخرية بالغة من المبادئ السخيفة، وأجمل كل اللاهوت في رغبة الكنيسة في التسلط والسيطرة. وفي 1768 نشر "العدوى المقدسة أو التاريخ




صفحة رقم : 12642




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


الطبيعي للخرافة" متظاهراً بترجمته عن "جان ترنشارد الإنجليزي". وفي نفس العام أصدر "رسائل إلى أوجيني" أو الصيانة صد الآراء المسبقة (دون تمحيص) والمزعوم أنه بقلم فيلسوف أبيقوري في سكو Sceaux. وفي 1769 صدر "بحث في الآراء المسبقة" من تأليف مسيو دي مارسي Marsais يوضح أن العلاج الوحيد لمساوئ الدين هو نشر التعليم والفلسفة. وفي 1770 نشر البارون النشيط تحفته الرائعة، وهو أقوى كتاب فذ صدر في الحملة ضد المسيحية.


ب - منهج الطبيعة


كان المزعوم أن كتاب منهج الطبيعة أو قانون العالم المادي والعالم المعنوي طبع في لندن. ولكنه طبع في الواقع في أمستردام في مجلدين كبيرين يحمل اسم مسيو ميرابو Mirabaud وكأنه المؤلف. وهذا الرجل الذي كان قد فارق الحياة منذ عشر سنوات كان سكرتير الأكاديمية الفرنسية. وجاء في المقدمة عرض لتاريخ حياته ومؤلفاته ولم يصدق أحد أن الرجل الطيب المثالي ميرايود ألف مثل هذا الكتاب المخزي.
وفي 1770 بعد أن قررت جمعية رجال الدين أن تجمع كل أربع سنوات منحة مالية للملك وأهابت به أن يمنع تداول المؤلفات المعادية للمسيحية، والتي انتشرت كثيراً في فرنسا. فأصدر لويس الخامس عشر أوامره إلى النائب العام أن يتخذ الإجراءات فوراً. وشجب برلمان باريس سبعة كتب من بينها كتاب دي هولباخ "فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة"، باعتبارها بعيدة عن التقوى، مليئة بالتخريف، محرضة على الفتنة، نزاعة إلى القضاء على كل فكرة عن الألوهية، وإلى إثارة الشعب للتمرد على ديانته وحكومته، والقضاء على كل مبادئ الأمن العام والأخلاق، وصرف الناس عن واجب الطاعة والإذعان لمليكهم. وكان ينبغي إحراق الكتب واعتقال مؤلفيها وعقابهم عقاباً صارماً. ويقول موريليه أن كثيراً




صفحة رقم : 12643




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


من الناس عرفوا أن دي هولباخ هو المؤلف وأنهم كتموا السر لمدة عشرين عاماً. وظلت الندوة تعقد الاجتماعات. وعدت مدام دي هولباخ إلى بعضها كانون برجييه الذي كان لتوه قد تلقى معاشاً من رجال الكنيسة لمقالاته الرائعة التي كتبها دفاعاً عن الكنيسة الكاثوليكية. وارتاب كثيراً من الناس في أن ديدرو كتب بعض أجزاء من الكتاب ولكنه في جملته كان حسن الترتيب وحسن الأسلوب مما يستبعد أن يكون بقلم ديدرو، ولكنه ربما أسهم فيه بالمناجاة المتألفة البليغة للطبيعة في آخر الكتاب. وعلى أية حال لم يشعر ديدرو بالأمن والطمأنينة في باريس ورأى من الحكمة أن يزور لانجرز.
ووصل كتاب "منهج الطبيعة" مهرباً من هولندا، وتهافت على شرائه جمهور كبير يشمل كما روى فولتير العلماء والباحثين والجهّال والسيدات(104). وسر به ديدرو فقال "إن ما أحب هو فلسفة واضحة محددة صريحة مثل تلك الموجودة في كتاب منهج الطبيعة، والمؤلف ليس ملحداً في أي من الصفحات، وهو ربوبي في بعضها، وفلسفته تجري على نسق واحد"(105). وهذا يختلف عن ديدرو كل الاختلاف. أن ما أحبه في الحقيقة هو أن دي هولباخ كان ملحداً في كل صفحات الكتاب. ومع ذلك فإن الكتاب كان مشرباً بروح تقارب التفاني الشديد أو الإخلاص الديني في سعادة المبشر. أن دي هولباخ رأى عالماً يسوده البؤس والشقاء. حيث يحكمه الملوك والقساوسة ومن ثم خلص إلى أن الناس سيكونون أسعد حالاً لو انهم ولوا ظهورهم لرجال الدين والملوك واتبعوا رجال العلم والفلسفة. وإن العبارات الأولى في الكتاب لتنبئ عن روحه وفكرته الرئيسية:
"إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته... وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه.. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ... أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم،




صفحة رقم : 12644




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


ثقة منه بهم، وهم أنفسهم مخطئون، أو أن لهم مصلحة في تظليله وخداعه. ولإزالة هذه الغشاوة وإخراجه من هذه المتاهة فإن الأمر يتطلب يداً حانية وحباً شديداً... كما يقتضي أعظم الشجاعة التي لا يعتريها خوف ولا وجل وتصميماً أكيداً لا يكل ولا يمل.... ومن ثم يكون أهم واجب علينا أن نفتش عن الوسائل التي نقضي بها على الأوهام التي تظللنا وتخدعنا. وينبغي أن نفتش عن العلاج لهذه المساوئ في الطبيعة نفسها. ففي وفرة مواردها وحدها يمكن أن نتوقع في تعقل وجود الترياق الشافي من كل الشرور التي جلبتها علينا حماستنا الطاغية الموجهة أسوأ توجيه. لقد حان الوقت للبحث عن هذا العلاج ومواجهة هذه المساوئ بشجاعة وفحص أسسها وتدقيق النظر في مقوماتها. أن العقل بخبرته الهادئة المخلصة ينبغي أن يقتلع من الجذور هذه الأهواء التي كان الجنس البشري هو الفريسة الوحيدة لها لأمد طويل. ولنحاول أن نغرس في الإنسان الشجاعة واحترام عقله مع حب لا يفتر للحقيقة، بهدف أن يلتمس المشورة والرأي من خبرته، فلا يعود العوبة لخيال توجهه السلطات توجيهاً مظللاً. ويتعلم أن يبني أخلاقياته على الطبيعة وعلى حاجياته وعلى المنفعة الحقيقية للمجتمع، ويتجرأ على أن يحب ذاته، ويصبح كاهناً فاضلاً عقلانياً. وفي هذه الحالة لابد أن يكون سعيداً(106).
وبعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم.
إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها.




صفحة رقم : 12645




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان "كل شيء في الكون في حركة دائبة. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار... إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء(107)".
إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا "إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج"(108). وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف "أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة" ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي. ومن العسير معرفة كيف يمكن أن تحس المادة أو تشعر ولكن سائر خواص المادة مثل "الجاذبية والمغناطيسية والمرونة والكهربية، ليست، أقل صعوبة في إدراكها وفهمها من الشعور أو الإحساس"(109).
والإنسان كذلك "كائن مادي صرف خاضع لنفس القوانين التي تحكم سائر العالم. وكيف يتسنى لجسم مادي وذهن غير مادي أن يتفاعل كل منهما مع الآخر؟ أن "الروح" هي مجرد تنظيم الجسم ونشاطه ولا يمكن أن يكون له وجود مستقل. أن القول بأن الروح ستحس وتفكر وتنعم وتعاني بعد فناء الجسم مثل الزعم بأن الساعة التي تتهشم إلى ألف قطعة تستمر في دقاتها ساعة بعد ساعة!... وتبين مرور الوقت(110). إن مفهوم الذهن والجسم على أنهما وجودان غير ماديين عوق معالجتنا للأمراض




صفحة رقم : 12646




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


العقلية. وإذا اعتبرنا الذهن وظيفة من وظائف الجسم فإننا بذلك نمكن علم الطب من شفاء الكثير من الاضطرابات العقلية بالقضاء على أسبابها الجثمانية .
ومن حيث أن الذهن وظيفة من وظائف الجسم فأنه أي الذهن خاضع للقاعدة الكونية، قاعدة الأسباب والنتائج الطبيعية. والفصل الحادي عشر من كتاب "منهج الطبيعة أفصح وأبلغ دفاعاً عن مذهب الحتمية (الإيمان بالقضاء والقدر) في مجال الفلسفة الفرنسية بأسرها.
"إن حياة الإنسان قضت عليه الطبيعة برسنه على سطح الأرض دون أن يكون لديه القدرة على الانحراف عنه قيد أنملة. أنه ولد دون رضاه. أن كيانه أو تنظيمه لا يتوقف البتة على نفسه. إن الأفكار التي تخالجه تأتي قسراً لا طوعاً، وعاداته واقفة تحت سيطرة الذين يحملونه على التخلي عنها. ويتعدل الإنسان ويتغير بلا انقطاع نتيجة أسباب وعلل مرئية أو خفية ليس له سلطان عليها ولا تحكم فيها، وهي بالضرورة تنظم أسلوب وجوده وتصبغ تفكيره بصبغة معينة، وتقرر طريقة تصرفه وأفعاله، فهو طيب أو رديء، سعيد أو تعس، عاقل أو أحمق، ومتعقل أو غير متعقل دون أن يكون لإرادته دخل في أي من هذه الحالات المختلفة(113)".
ويبدو أن هذه الحتمية تنطوي على الجبرية وعلى النقيض من معظم الفلاسفة يرتضي دي هولباخ هذا التضمين... إن حالة الكون في أية لحظة تحددها حالته في اللحظة السابقة، وهذه حددتها سابقتها، وهكذا دواليك في الماضي،




صفحة رقم : 12647




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


ومن ثم فان أية لحظة في تاريخ الكون تعتبر محددة لأية لحظة في المستقبل. أن شئت أن الإخضاع الواضح للإنسان المتميز بكل العبقرية أو القديس بأي مفهوم أو بكل التضرع والصلوات - لغاز بدائي، لا يفت في عضد دي هولباخ فأنه يتقبل مصيره في كبرياء أبيقورية:
"إن الإنسان من عمل الطبيعة، وهو يوجد في الطبيعة، خاضع لقوانينها، ولا يملك تخليص نفسه من هذه القوانين، ولا يمكنه أن يخطو فيما ورائها خطوة واحدة حتى في فكره. ولذلك فأنه بدلاً من البحث خارج العالم... عن كائنات توفر له السعادة التي تنكرها عليه الطبيعة يحمل به أن يدرس هذه الطبيعة ويعرف قوانينها ويتأمل في قواها ويراعي القواعد الثابتة التي تعمل بمقتضاها. فليطبق الإنسان كل ما يتصل إليه على هناءته هو ويخضع في صمت لما تفرضه عليه من الحماية أو الوصاية التي ليس في مقدور أحد تبديلها أو تغييرها، ويرتضي مبتهجاً أن يتجاهل الأسباب والعلل التي يحول بينه وبينها حجاب كثيف لا يمكن اختراقه، ويستسلم دون تذمر لقوانين الضرورة الكونية التي يستحيل عليه إدراكها إطلاقاً. ولا تحرره أبداً من تلك القوانين التي فرضت عليه بحكم ماهيته أو جوهره(114)".
وهل تبرر لنا هذه "الجبرية" (أي الأيمان بالقضاء والقدر) أن نخلص إلى أنه لا فائدة ترجى من وراء محاولتنا تفادي الشرور أو السيئات والأعمال المخزية أو المرض، وأن نكف عن بذل أي جهود، أو عن الطموح أو التطلع وأن ندع الأمور تجري في أعنتها؟ ويجيب دي هولباخ بأنه حتى هنا ليس لنا الخيرة من أمرنا، فإن الوراثة والبيئة هما اللتان قررتا بالفعل أن نستسلم للدعة وعدم المبالاة، أو أن نستجيب في جد ونشاط لمتطلبات الحياة وتحدياتها، ويسبق دي هولباخ إلى الاعتراض على أن هذه الجبرية - وهي تبدو كأنها تتغاضى عن الجريمة وتغتفرها - قد تزيد منها. أن الجبرية لا توحي بعدم معاقبة الجريمة بل إنها على النقيض من ذلك ستؤدي بالشرع والمعلم والرأي العام أن يصنعوا بمقتضى القوانين أو الأخلاق عوائق




صفحة رقم : 12648




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


أفضل في سبيل ارتكاب الجرائم، ويوفروا الدوافع والمغريات بالسلوك الاجتماعي القويم، وهذه العوائق والدوافع والمغريات ستنضم إلى العوامل البيئية التي تشكل سلوك الإنسان. ولكن الجبرية لا تسوغ لنا اعتبار الجرائم وكل السلوك غير الاجتماعي اختلال توازن عقلياً يرجع إلى الوراثة والظروف. ولذلك يجدر بنا أن نعالج مثل هذا السلوك كما نعالج المرض، وأن نتخلى عن التعذيب والعقوبات البالغة الصرامة لأنها تزيد الهوة بين الفرد والمجتمع، وتعود الناس على عنف والقسوة، أكثر مما تصرفهم عن ارتكاب الجرائم.
وليس في هذه الفلسفة بطبيعة الحال مكان للإله. إن مقت دي هولباخ الشديد لمذهب التوحيد (الإيمان بالله الواحد) وحده، بل لمذهب الربوبية ومذهب وحدة الوجود كذلك دعا معاصريه إلى أن يطلقوا عليه "العدو الشخصي لله سبحانه وتعالى(115). وإذا عدنا إلى الوراء إلى البداية فإننا نجد دائماً إن الجهل والخوف خلقا الآلهة وزينهم الخيال أو الحماسة أو الخداع أو شوهوهم وعيدهم الضعف، وأبقت عليهم السذاجة أحياء، وأجلهم واحترامهم العرف والعادة، وناصرهم الطغيان....ليخدم أغراضه(116) ويثير ضدهم كل الحجج القديمة، ويتحمس بعنف كما فعل هلفشيوس ضد مفهوم الأسفار المقدسة عن الإله(117) ولا يوحي إليه النظام والتناسق الرائعان للكون بأي "عقل أسمى" فإن هذا النظام وهذا التناسق يرجعان إب أسباب طبيعية تعمل بطريقة ميكانيكية، ولا يتطلب المر أن نعزوها إلى أي إله يمكن أن يكون هو ادق على الفهم والتوضيح أكثر من العالم. والنظام والاختلال مثل الخير والشر والجمال والقبح كلها مفاهيم ذاتية (غير موضوعية) مستمدة من اللذة أو الألم الذي توفره لنا مدركاتنا الحسية. ولكن الإنسان ليس "مقياس كل شيء" وليس إشباع رغباته أو رضاؤه معياراً موضوعياً يمكن تطبيقه على الكون. إن الطبيعة تسير قدماً دون اعتبار لما نراه نحن من أصغر نقطة في الفضاء حسناً أو سيئاً، قبيحاً أو جميلاً. ومن وجهة نظر الكل




صفحة رقم : 12649




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


"ليس هناك ما يمكن أن يكون سيئاً حقاً، فإن الحشرة تأوي إلى ملجأ آمن في أطلال القصر الذي يسحق الناس عند سقوطه"(118) وينبغي أن نتعلم أن نعتبر الطبيعة في سموها وكوارثها محايدة بقدر سواء حياداً يتسم برباط الجأش:
"إن كل ما قيل في سياق هذا الكتاب يثبت بوضوح أم كل شيء قريب متناسب مع الطبيعة، حيث لا تعمل فيها كل الكائنات إلا أن نتبع القوانين التي فرضت عليها كل حسب درجته أو طبيعته. إن الطبيعة توزع بنفس اليد ما يسمى نظاماً وما يسمى اختلالاً، وما يسمى لذة وما يسمى ألماً، وقصارى القول أنها بمقتضى ضرورة تنشر الخير والشر..ولذلك يجدر بالإنسان ألا ليمتدح سخاءها أو يصب عليها جام غضبه وحقده، أو يتصور أن صخبه وضجيجه أو تضرعاته وابتهالاته يمكن أن تغني عنه من شيء أو تكبح جماح قوة الطبيعة الهائلة أو سلطانها العظيم وهي تعمل دوماً وفق قوانين ثابتة...فإذا عانى الإنسان شيئاً فلا يجوز له أن يلتمس علاجاً في الأوهام التي يصدرها له خياله المستقيم، بل يستمد من مخازن الطبيعة العلاجات التي تقدمها للشرور والمساوئ التي تبتليه بها، ويفتش بين أحضانها عن المنتجات التي أنتجتها الطبيعة نفسها(119).
ويقترب هولباخ من تقديم الإله ثانية في شكل "الطبيعة"، وبعد أن يأخذ على نفسه ألا يشخصها أو يجسدها نراه يميل إلى تأليهها، ويتحدث عن قدرتها وإرادتها وخطتها وسخائها، ويرى فيها أفضل هاد ومرشد للإنسان، ويجيز لديدرو(؟) أن يكتب لها مناجاة عزيزة وكأنها الفقرة الختامية لكتاب ضخم "أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات!! إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة- الفضيلة والعقل والحقيقية- يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله، وهكذا. ومثل هذه التقوى الموسومة بمذهب وحدة الوجود (القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد وأن




صفحة رقم : 12650




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر الذات الإلهية). هذه التقوى لا تكاد تتسق مع نظرة دي هولباخ إلى الطبيعة على أنها تنزل الخير والشر دون تحيز، "إن الرياح والعواصف والزوابع والبراكين والحروب والطاعون والمرض كلها ضرورية لمسيرتها الأبدية (وليس في كل مكان) مثل حرارة الشمس الصحية المفيدة(120) وهكذا يذكرنا بإله كلفن الضنين بالجنة المسرف في عذاب النار".
إن دي هولباخ في حالته النفسية المميزة ينكر لا مجرد فكرة الله، بل نفس لفضته إن لفضتي الإله ويخلق... ينبغي أن تختفيا من لغة أولئك الذين يريدون التحدث بلغة مفهومة. إن هاتين لفظتان مجردتان ابتدعهما الجهل، إنهما مبتدعتان لإرضاء من تعوزهم الخبرة، الخاملين والجبناء إلى الحد الذي لا يدرسون معه الطبيعة وأساليبها(121). وأنه ليرفض البروبية التي تنسجم مع الخرافة(122) وتصنع من الإلحاد ديناً حقيقياً.
"إن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقاً للإله الذي كان في كل الأوقات سوطاً مسلطاً على الأرض. إن رسول الطبيعة لن يكون أداة الأوهام المظللة التي تجعل الدنيا مقراً للخداع. إن من يقدس الحقيقة لن ينسجم مع الزيف والباطل. إنه يعلم أن سعادة الجنس البشري تقتضي بشكل لا رجعة فيه، تقويض صرح الخرافة المظلم المقلقل من أساسه، لكي يقيم على أطلاله معبداً للطبيعة ملائماً للسلام - هيكلاً مقدساً للفضيلة... فإذا ذهبت جهوده أدراج الرياح وإذا لم يستطع أن يبث الشجاعة في الكائنات التي اعتادت أن ترتعد فرائصها جبناً، فإن له على الأقل أن يفاخر بتجاسره على أن يقوم بالمحاولة. وعلى الرغم من ذلك فإنه يحكم على جهوده بأنها عقيمة إذا استطاع أن يجعل إنساناً واحداً سعيداً أو يهدئ من اضطرابات ذهن مستقيم واحد، وأقل ما يقال أنه سوف يفيد من تحرير ذهنه هو من إرهاب الخرافة المزعج... ومن أنه وطئ تحت قدميه الأوهام التي تقض مضاجع المنكودي الحظ وتعذبهم. وإذ نجا على هذا النحو من خطر العاصفة استطاع




صفحة رقم : 12651




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


أن يتأمل في هدوء من قمة صخرته في تلك الأعاصير المروعة التي أثارتها الخرافة، ويمد يد العون إلى أولئك الذين يتقبلونها(123).


جـ - الأخلاق والدولة


ولكن هل ينسجم الإلحاد مع الأخلاق الشعبية العامة؟ وهل يمكن ضبط الدوافع القوية الأنانية لدى عامة الناس بقانون أخلاقي مجرد من الإخلاص للدين ومن تأييده؟ أن دي هولباخ واجه هذه المشكلة في كتابه "منهج الطبيعة" ثم عاد إليها في 1776 في كتاب ذي ثلاث مجلدات "الأخلاق العامة" وأنه يرتاب بادئ ذي بدء في أن الديانة سعت إلى الفضيلة والأخلاق القويمة.
"على الرغم من الجحيم المروعة البغيضة حتى في مجرد وصفها، فأي حشد من المجرمين المتهتكين يملأ مدننا... وهل اللصوص أو القتلة المعاقبون ملحدون أو متشككون؟ إن هؤلاء البائسين يؤمنون بالله. وهل يتحدث أكثر الآباء تمسكاً بالدين وهو ينصح ابنه عن إله محب للانتقام؟ إن انهيار صحته من أثر الزنى وضياع ثروته في الميسر، وازدراء المجتمع له - هي الدوافع التي دعت الولد إلى النصح"(124).
وحتى مع افتراض أن الدين في بعض الأحيان يساعد الأخلاق، فهل يتوازن هذا مع الضرر الذي يلحقه الدين بالإنسان؟
في مقال إنسان جبان واحد تكبح فكرة الجحيم جماحه هناك آلاف من الناس لا تؤثر فيهم هذه الفكرة مطلقاً، وهناك ملايين منهم تجعلهم هذه الفكرة غير عقلانيين، يعوزهم التفكير السليم، وتحولهم إلى أدوات اضطهاد وتعذيب وحشيين، وتحولهم إلى خبثاء أشرار... ومتعصبين. كما أن هناك ملايين تفسد عقولهم وتصرفهم عن واجبهم نحو المجتمع(125).




صفحة رقم : 12652




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


وتأمل في النفاق الذي يفرضه الضبط الاجتماعي للدين على المتشككين.
أولئك الذين يريدون أن يكونوا فكرة عن القيود التي فرضها اللاهوت على عقول وتفكير الفلاسفة الذين ولدوا في ظل "الديانة المسيحية" فليقرؤوا الرومانسيات "القصص الخيالية" الميتافيزيقية التي كتبها ليبنتز وديكارت ومالبرانش وكودورث وغيرهم ويفحصوا في هدوء النظم والترتيبات البارعة ولكن الحماسية المسماة "التناسق المقرر مقدماً للأسباب العرضية(126)".
وفوق ذلك فإن المسيحية بتركيزها فكر الإنسان على الخلاص الفردي في الدار الآخرة، أماتت الشعور الإنساني والاجتماعي في مثل هذا الفرد، وتكرت الناس غير شاعرين ببؤس رفاقهم، وبالجور والإجحاف اللذين يتعرضون لهما من قبل الجماعات والحكومات الظالمة.
ويرفض دي هولباخ الفكرة المسيحية الفولتيرية التي تقول بأن الإنسان يولد ولديه حلسة الصواب والخطأ. إن الضمير ليس صوت الله بل صوت رجل الشرطة، إنه رواسب وتراكم آلاف من التحذيرات والأوامر والتأنيبات تلقاها الفرد منذ نشأته "ويمكن تعريف الضمير بأنه معرفتنا بآثار أفعالنا على رفاقنا ثم إنعكاسها أو رد فعلها على أنفسنا(127). ويمكن لأن يكون هذا الضمير موجهاً أو مرشداً زائفاً، فلربما تشكل هذا الضمير نتيجة تعليم منحرف أو خبرة أسيء فهمها، أو تفكير خاطئ، أو رأي عام فاسد. وليس ثمة رذيلة أو جريمة لا يمكن إظهارها في ثوب الفضيلة عن طريق التعليم أو القدوة السيئة ومن ثم فإن الزنى مهما يكن من أس تحريم الدين له عمل يبعث على الفخر. والتملق الذليل مستساغ في البلاط واغتصاب النساء والسلب والنهب بين الجنود مكافآت مشروعة للمخاطرة بالحياة وتقطيع الأوصال. "أنا لنرى رجالاً أغنياء لا يعانون من وخز الضمير لما جمعوا من ثروة على حساب مواطنيهم" و "وطنيين متحمسين متعصبين لوطنهم أعمت ضمائرهم الأفكار الزائفة الباطلة فأغرتهم بإبادة من يحالفونهم في الرأي دون شعور بالندم أو تأنيب الضمير" وخير ما نأمل فيه ضمير تشكل عن طريق تعليم




صفحة رقم : 12653




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


أفضل، واكتساب عادة التطلع إلى آثار على غيرنا وعلى أنفسنا، وعن طريق رأي عام أسلم وأصح يتردد أي فرد عاقل في الإساءة إليه(128).
ويتفق دي هولباخ مع المسيحية في أن الإنسان بطبيعته نزاع إلى "الإثم" أي إلى السلوك الضار بالجماعة، ولكنه يرفض فكرة أن هذه الطبيعة النزاعة للإثم "موروثة خطيئة آبائنا الأولين، باعتبارها فكرة سخيفة. ويقبل الأنانية باعتبارها جوهرية في سلوك البشر، ويرى مثل هلفشيوس أن يبني عليها قانونه الأخلاقي، بأن يجعل السلوك الاجتماعي مفيداً للفرد.
"فالأخلاق تصبح علماً عقيماً إذا لم تثبت للإنسان بما لا يقبل الجدل أن مصلحته تكمن في تمسكه بالفضيلة(129) ويمكن أن يتحقق لنا شيء من تعليم يوضح اعتماد مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة. ويمكن بث درجة معقولة من الغيرية- حب الغيرة" باستثارة الرغبة الطبيعية في كسب الاستحسان الاجتماعي العام والتفوق والامتياز والمكافآت. وهكذا يصوغ دي هولباخ علم الأخلاق عنه قانوناً للطبيعة: "عش لنفسك ولرفيقك فإني (أي الطبيعة) أقر ملذاتك ما دامت لا تؤذيك ولا تؤذي الآخرين الذين جعلتهم ضروريين من أجل سعادتك..وكن عادلاً لأن العدل يعزز الجنس البشري ويدعمه..وكن طيباً لأن طيبتك ستجذب كل قلب إليك، وكن متسامحاً حيث أنك تعيش بين كائنات ضعيفة مثلك. وكن متواضعاً لأن كبرياءك تجرح حب الذات عند كل كم حولك. وأعف عن الإساءة والأذى وأحسن إلى من أساء إليك..حتى تكسب صداقته. وكن معتدلاً مقتصداً في شهواتك عفيفاً فإن الانغماس في الشهوات والإسراف والإفراط سوف يدمرك ويقضي عليك ويجعلك مدعاة للاحتقار(130).
إن الحكومة إذا أولت عناية أكبر وأكثر جدية لصحة الشعب وحمايته وتعليمه فقد تخف معدلات الجريمة إلى حد كبير(131). وإذا كان الإنسان يخسر كثيراً في عدم الالتزام بالسلوك الاجتماعي السليم فإنه لن يكون على




صفحة رقم : 12654




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


استعداد للمغامرة بمثل هذه الخسارة في مثل هذا السبيل. وإذا تدرب التلاميذ على التأمل والتعقل بدلاً من غرس الخوف فيهم وإرهابهم بالمعتقدات غير العقلانية التي سرعان ما تفقد قوتها، فإن أخلاق الرجال لابد أن تتحسن بتزايد قدرتهم على تطبيق خبرتهم على أفعالهم وتصرفاتهم حيث يتنبأون على ضوء الماضي بما سيكون في المستقبل لأعمالهم الراهنة من نتائج.
وعلى المدى الطويل يكون العقل والذكاء أسمى فضيلة، ومثل هذه الفضيلة هي السبيل الأمثل للسعادة.
وفي "منهج الطبيعة" و "المنهج الاجتماعي" (3 مجلدات، 1772)، و "السياسة الطبيعية" (1772، مجلدان) و "روح الشعب" (1776) عالج المليونير الذي لا يكل ولا يمل مشاكل المجتمع والحكومة. وفي هذه الكتب تنتقل الهجمات من الكنيسة إلى الدولة. ويتفق دي هولباخ مع لوك وماركس في أن العمل هو مصدر الثروة ولكنه مثل لوك يبرر الملكية الخاصة على أنها حق للإنسان نتاجاً لعمله وحده. إنه نبيل وقد يتخلص من الأرستقراطية الوراثية.
وقد دعى نفر من الناس حقاً في الثروة ومراتب الشرف فحسب، ولو أن حق المولد واللقب لابد بالضرورة أن يوهن عزيمة الطبقات الأخرى من المواطنين أو يثبط همهم. إن الذين لا يملكون إلا عراقة الحسب والنسب أو كرم المحتد ليس لهم الحق في الثراء والشرف...ولا يمكن أن نعتبر النبالة إلا مجرد سوء استعمال أو تعسف مصطنع لا يصلح إلا ليداري خمول...وعجز طبقة بعينها على حساب الأضرار بالمجموع...(132) وهل أعمال النبلاء القدامى والوثائق القديمة المحفوظة في قصور العصور الوسطى تعطي لورثتها الحق في تولي أرفع المناصب في الكنيسة والدولة وفي دور القضاء أو في الجيش دون اعتبار لما ينبغي أن يتحلى به هؤلاء الورثة من قدرات ومواهب لازمة لحسن القيام بهذه المهام(133)؟




صفحة رقم : 12655




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


أما بالنسبة لرجال الدين فلنتركهم يدبرون أمورهم بأنفسهم، ويجدر أن تنفصل الكنيسة والدولة كل منهما عن الأخرى تمام الانفصال. ويجب أن تعامل الجماعات الدينية على أنها هيئات متطوعة تتمتع بالتسامح ولكن لا تحظى بأي دعم أو تأييد من الدولة. وينبغي على كل حكومة ملتزمة جانب الحكمة والعقل أن تسد الطريق أمام ديانة أو مذهب للجوء إلى التعصب أو الاضطهاد(134).
ودي هولباخ رجل دخل من الأرض وغير الأرض، وهو ينتقد أصحاب الدخول الخاملين من أفراد الطبقة الوسطى. وبوصفه باروناً فإنه يحتقر رجال الأعمال. "ليس ثمة مخلوق حي أشد خطراً من رجال الأعمال الذي يفتش عن فريسته(135). أن جشع التجارة يحل الآن محل طموح الأسرة سبباً للحروب: "إن الدول مستعدة لإفناء بعضها من أجل أكوام من الرجال. إن أمماً بأسرها أصبحت نسخاً طبق الأصل لرجال الأعمال الجشعين الذين يزينون لهم الأمل في الثروة التي يجنون هم أنفسهم ثمارها، ومن هنا يتناقض عدد سكان البلاد وتفرض عليهم أبهظ الضرائب ويعانون الفقر والعوز لإشباع فهم فئة قليلة. ويسدد طعنة عابرة إلى بريطانيا التي التهمت الهند وكندا. "هناك شعب يبدو أنه في نشوة جشعة أعد مشروعاً متطرفاً لاغتصاب تجارة العالم وتملك البحار- وهو مشروع جائز جنوني يؤدي تنفيذه إلى نوع من الخرافات يصيب الأمة التي تسير وراء هذا الخبل... وسيأتي اليوم الذي يقذف الهنود هؤلاء الأوربيين من شواطئهم حين يتعلمون منهم فن الحرب(136).
ويميل دي هولباخ إلى الأخذ بسياسة الفيزوقراطيين عدم التدخل (حرية التجارة والصناعة). "لا يجوز للحكومة أن تعمل للتأخر شيئاً إلا أن تتركه وشأنه، وليس ثمة تعليمات أو تنظيمات يمكن أن توجهه في مشروعات أفضل من مصلحته هو...وليس على الدولة إلا أن تحمي التجارة. إن الأمم التجارة التي تهيئ لرعاياها أكبر قدر من حرية التجارة لابد أن تثق




صفحة رقم : 12656




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


في أنها ستفوق غيرها من الأمم سريعاً(137).
ولكنه عندئذ كذلك ينصح الحكومات بالحيلولة دون تركيز خطير للثروة. ويقتبس عن طيب خاطر عبارة سانت جيروم الرشيقة اللاذعة "الرجل الغني إما وغد أو وريث أحد الأوغاد(138)". في كل الأمم تقريباً لا يملك ثلاثة أرباع الرعايا شيئاً...وإذا استنزف نفر قليل من الناس الممتلكات والثروة في الدولة، لأصبحوا سادة هذه الدولة المتحكمين فيها.ويبدو أن الحكومات أهملت هذه الحقيقة إهمالاً تاماً(139)...وإذا توقف إرادة الشعب أو القانون عن حفظ التوازن حتى بين مختلف أعضاء المجتمع، فإن خمول بعض الناس مع الاستعانة بالقوة والخدع والإغراء ينجح (أي الخمرل) في الاستيلاء على ثمار جهود الآخرين وعملهم(140).
وفي رأي دي هولباخ أن كل الملوك يتحالفون مع الأقلية البارعة الذكية لاستغلال أغلبية الشعب- ويبدو أنه كان يفكر في لويس الخامس عشر. "إنا لا نرى على وجه هذه البسيطة إلا ملوكاً جائرين ظالمين، أوهنهم البذخ والترف وأفسدهم الرياء والملق، كما لوث الفجور والفسق أخلاقهم، ودفعهم الدنس والرجس إلى الشر والخبث، لا يتحلون بأية مواهب أو قدرات أو بمكارم الأخلاق، عاجزين عن بذل أي جهد لخير الدولة التي يحكمونها. ومن ثم فإنهم لا يهتمون إلا قليلاً بمصلحة شعوبهم، مستهترون بواجباتهم التي غالباً ما يجهلونها في الواقع. إنهم إنما تتملكهم الرغبة في تحقيق أطماعهم التي لا حد لها، ولذلك يشغلون أنفسهم بحروب عقيمة فيها فناء السكان، ولا يشغلون أذهانهم أبداً بهؤلاء الرعايا، وهم أهم من أجل سعادة أمتهم(141).
وواضح أن تفكير دي هولباخ اتجه إلى الحكومة الفرنسية، فأندفع ينتقد بشدة تكليف رجال المال بمهمة جمع الضرائب، أي تعيينهم ملتزمين عامين. ويهجو هؤلاء الملتزمين: "إن الحاكم المستبد الطاغية يلجأ إلى




صفحة رقم : 12657




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


طائفة من المواطنين الذين يهيئون له وسائل تحقيق جشعه في مقابل منحهم الحق في انتزاز أموال الآخرين دون عقاب...أنه بسبب غفلته وعماه لا يدرك أن الضرائب المفروضة على رعاياه تتضاعف وإن المبالغ التي تذهب إلى جيوب هؤلاء المبتزين وتزيد ثرائهم تضيع عليه هو نفسه، وأن جمهور العامة الذليل الخاضع قد يرتشي في غمار الحيرة ليشن حرباً على الأمة...إن هؤلاء اللصوص (الملتزمون العامون) إذ تزداد ثرواتهم يثيرون حقد النبلاء وحسد مواطنيهم...وتصبح الثروة هي الدافع الوحيد...والظمأ إلى الذهب يتملك كل القلوب(142).
"إن الأرستقراطي الرخي البال يتحدث أحياناً كما يتحدث أشد الشبان القلقين المغمورين غضباً"، هل ينبغي على الأمم أن تعمل دون كلل ولا ملل لإرضاء غرور حفنة من مصاصي الدماء، وتوفير أسباب البذخ والترف لهم وإشباع نهمهم(143)"؟. أنه في هذه الحالة النفسية يردد صدى كلمات صديقه السابق روسو في كتابه (العقد الاجتماعي):
"أن الإنسان شرير لا لأنه ولد كذلك بل لأنهم صيروه شريراً. أن العظماء وذوي السيطرة والقوة يستحقون الفقراء المعوزين والبؤساء دون عقاب. إن هؤلاء يغامرون بحياتهم في سبيل الثأر مما لحق بهم من أذى وشر. إنهم يهاجمون جهراً أو سراً البلد الذي هو بالنسبة لهم زوجة أب تعطي لبعض أبنائها كل شيء وتحريم الآخرين من أي شيء...والإنسان في كل مكان تقريباً عبد رقيق. ويتبع هذا بالضرورة أن يكون حقيراً أنانياً مرائياً منافقاً بلا شرف، وباختصار يتصف بكل رذائل الدولة التي هو فرد فيها. أن هذا الإنسان في كل مكان مخدوع مضلل يشجع على الجهل، محروم من استخدام عقله، فلابد أن يكون بطبيعة الحال في كل مكان غبياً غير متعقل شريراً، وهو في كل مكان يرى امتداح الرذيلة والجريمة وتكريمها. ويستخلص من هذا أن الرذيلة حسنة، وأن الفضيلة تضحية لا غناء...وإذا كانت الحكومات مستنيرة مشغولة جدياً بتربية الشعوب




صفحة رقم : 12658




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


وتعليمها ومصلحتها وإذا كانت القوانين عادلة، فلتن يكون من الضروري التماس أحلام وأوهام مالية في حياة أخرى يثبت دائماً أنها ناقصة غير وافية أمام انفعالات الإنسان الحانقة وحاجاته الحقيقية(144).
وكيف يتسنى إيقاف هذا الاستغلال؟ إن أول خطوة في هذا السبيل هي إلغاء الحكم الاستبدادي المطلق. "إن الحكم المطلق لابد أن يفسد بالضرورة قلب من يتولاه وعقله(145)...ويجب دائماً أن تخضع سلطة الملوك لممثلي الشعب، كما يجدر أن يعتمد هؤلاء الممثلون باستمرار على إرادة الملوك لممثلي الشعب، كما يجدر أن يعتمد هؤلاء الممثلون باستمرار على إرادة ناخبيهم(146)" وهنا مناداة بدعوة مجلس الطبقات المشئوم 1789. "ومن حيث أن أية حكومة تستمد سلطتها من رضا المحكومين" فإن أي مجتمع يمكنه في أي وقت أن يسحب هذه السلطات إذا لم تعد الحومة تمثل الإرادة العامة(147)". وهنا يتمثل صوت روسو والثورة.
ولكن الثورة، بثمن غال أحياناً، تهدم الماضي وتقضي عليه لكي تقيمه من جديد تحت شعار آخر وبصيغة أخرى: "لا يمكن شفاء جراح الأمة عن طريق الاضطرابات العنيفة والصراعات وقتل الملوك والجرائم العقيمة. إن هذه العلاجات العنيفة هي دائماً أشد قسوة من المساوئ المقصود القضاء عليها أو التخلص منها..أن صوت العقل ليس مثيراً للفتنة وليس متعطشاً للدماء. ويمكن أن تكون الإصلاحات التي يهدف إليها متأنية ولكنها لذلك تتوخى خير تخطيط(148).
إن الناس بعيدون عن الكمال وليس في مقدورهم أن يصنعوا دولاً بالغة حد الكمال. واليوتوبيا (المدينة الفاضلة) ضرب من الأوهام "تتعارض مع طبيعة الكائن" بآلته الواهنة المعرضة للخلل وخياله المتوقد الذي لا يصغي دائماً لهدى العقل...أن الوصول بالسياسة إلى مرتبة الكمال لن يكون إلا الثمرة البطيئة لخبرة قرون(149). وليس التقدم خطاً مستقيماً بل هو خط طويل ونحن نحتاج إلى أجيال كثيرة من التعليم والخبرة لتبيان أسباب العلل أو الأمراض الاجتماعية ووسائل البرء منها. والديمقراطية مثل أعلى




صفحة رقم : 12659




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


وهي ممكنة في الدول الصغيرة وحدها، مع ازدياد وعي الشعب وعقله وذكائه. وقد لا يكون من الحكمة إقامة ديمقراطية في فرنسا في عهد لويس السادس عشر. وقد يستخدم هذه الملك الجديد الطيب ذو المقاصد الحسنة أناساً ذوي قدرات ومواهب عظيمة لإصلاح الدولة. وهكذا يرتضي دي هولباخ، آخر الأمر ملكية دستورية ويهدي كتابه الأخير روح الشعب "إلى لويس" الملك العادل الإنساني العادل الإنساني المحب للخير أبي الشعب وحامي الفقراء(150) وتعليق الفيلسوف العجوز بهذا الأمل المستميت.


د- دي هولباخ ونقاده


إن "منهج الطبيعة" هو أشمل وأكمل وأصرح عرض للمادية والإلحاد في تاريخ الفلسفة بأسره. أن تردد فولتير وتناقضه ودقته التي لا نهاية لها، وحماسة ديدور الغامضة وكتاباته المتعارضة، ورفض روسو المشوش المربك لما يكتبه جان جاك روسو نفسه، كل أولئك حل محله هنا تماسك دقيق واتساق شديد بين الأفكار، وتعبير قوي في أسلوب عميق أحياناً، مشرق أحياناً، فصيح غالياً، ولكنه دائماً أسلوب مباشر واضح. ومع ذلك فقد أدرك أن سبعمائة صحيفة من هذا النوع قد لا يستوعبها عامة الفقراء. وتلهف دي هولباخ على أن يقبل على قراءة الكتاب أكبر عدد من الناس، ومن ثم فإنه شرح آراءه. ووجهات نظره مرة أخرى في شكل أبسط في حسن الإدراك، أو "أفكار في مواجهة الأفكار الخارقة للطبيعة" (1772). وقلما تميز كاتب بمثل هذه المثابرة والجد في نشر مثل هذه الآراء غير المألوفة التي يريد أن يقنع الناس بها.
وأنه لمما يدل على سعة انتشار آراء دي هولباخ رد فعل "منهج الطبيعة" على فردريك الأكبر، إن هذا الملك الذي كان يخطب ود الفلاسفة، والذي مجدوه وامتدحوه على أنه راعيهم ومثلهم الأعلى، أنقلب عليهم حين رأى أحد قادتهم يهاجم الملكية المطلقة والمسيحية بقدر سواء. لقد كان من




صفحة رقم : 12660




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


مصلحة أضعاف الوحدة الداخلية بين الدول الكاثوليكية نتيجة للحملة ضد الكنيسة، ولكن أثار استياءه وربما أثار مخاوفه أن يبلغ التمرد حداً يتجاسر معه الآن على تحقير الملوك والنيل من الإله. أن نفس القلم الذي دبج يوماً ضد المكيافيللية، يكتب الأن تفنيد منهج الطبيعة، أن هذا الرجل دي هولباخ قد ركب متن الشطط: يقول فردريك "إذا تحدث إنسان إلى عامة الناس علانية فيجدر به أن يأخذ في اعتباره رقة الآذان الخرافية، ويجد به ألا يصعق أحداً، وينبغي عليه أن يتريث حتى تبلغ الاستنارة حداً يسمح له بالجهر بأفكاره(151).
وواضح أنه بناء على إيحاء فردريك، ولكن من الجائز أكثر من ذلك أنه نتيجة الخوف من أن تؤدي شدة تطرف دي هولباخ إلى انفضاض الناس من حول الفلاسفة، اللهم إلا الملحدين والثوريين، نجد فولتير وكأنما هو قائد جيش يؤنب ضابطاً (ملازماً أول) وقحاً- خصص في مقاله "عن الله" في "قاموسه الفلسفي" عدة صفحات ينتقد فيها رائعة دي هولباخ، فهو يقول في بداية كلامه:
"أن المؤلف أفاد من أن الجميع يقبلون على آرائه: العلماء والجهلة والنساء على حد سواء. إن لأسلوبه مزايا نفتقدها عند سبينوزا. وهو في الغالب واضح وأحياناً فصيح، على الرغم من أنه مثل الباقين قد يؤخذ عليه التكرار والأسلوب الخطابي والتناقض الذاتي. أما من حيث عمق التفكير فالغالب أنه لا يوثق به الفيزياء وفي الأخلاق كليهما. وهنا تكمن مصلحة الجنس البشري ومن ثم يجدر أن نتبين هل نظريته صحيحة ومفيدة".
ولا يوافق فولتير على أن النظام الذي ننسبه إلى الكون، والخلل الذ نظن أننا قد نجده فيه، هما أفكار أو أهواء ذاتية. وحاول أن يبرهن على أن النظام بارز إلى أبعد الحدود وأن الخلل أحياناً واضح إلى حد مؤلم:
"ماذا! أليس الطفل الذي يولد أعمى أو بلا رجلين أو غير سوي بشع إلى حد بعيد يتعارض مع طبيعة الجنس البشري؟ أليس الإطراء المعتاد في




صفحة رقم : 12661




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


الطبيعة هو الذي يصنع النظام والشذوذ هو الذي يشكل الخلل؟ أليست فوضى صارخة وخللاً رهيباً أن تعمد الطبيعة إلى تجويع طفل وتخلق له مريئاً محدوداً؟ إن الإخراج بكل أنواعه ضروري، ولكن قنوات الإفراز كثيراً ما تكون بلا فتحات، مما يتطلب العلاج، ويبقى منشأ الخلل عرضة للكشف عنه ولكن الخلل حقيقة واقعة".
ومن حيث كون المادة لبها قوة توليد الحياة والذهن فإن فولتير على الرغم من أنه كان يوماً ميالاً إلى الأخذ بوجهة النظر هذه، آثر "لا أدرية" متواضعة على افتراضات دي هولباخ الواقعة:
"إن الخبرة (وهو هنا ينقل من كتاب منهج الطبيعة) تثبت أن المادة التي نعتبرها جامدة ميتة، تدعي الفعل والحياة والعقل إذا اتحدت وتجمعت بطريقة معينة" وتلك هي المشكلة بعينها، كيف تنشأ جرثومة حية؟ أن المؤلف والقارئ كليهما يجهلان هذا على حد سواء، ومن ثم ألا يكون منهج الطبيعة وكل المناهج الفلسفية في العالم بأسره مجرد أحلام؟ يقول دي هولباخ: "من الضروري أن نعرف المبدأ الحيوي الأساسي، وأحسب أن التعريف متعذر". أليس هذا التعريف ميسوراً جداً....أليس تنظيم الحياة بالشعور؟ ولكن من المستحيل إثبات أن هاتين الخاصيتين تنشئان فقط من المادة وهي في حركة. وإذا كان من المستحيل إثبات هذا ففيم توكيده؟...أن كثيراً من القراء يشعرون بالسخط والاستياء لاتخاذها هذا الأسلوب الحاسم في الوقت الذي لم يتم فيه تفسير أي شيء...فإذا تجاسر على توكيد أنه لا يوجد إله أو أن المادة تعمل بنفسها بمقتضى ضرورة أبدية، فيجدر أن تشرح هذا وتقيم عليه الدليل، مثل قضية من قضايا إقليدس وإلا أقمت منهجك على "ربما" أي مجرد الاحتمال. وأي أساس هذا لمعتقد على أعظم جانب من الأهمية للجنس البشري.
وكان دي هولباخ قد أيد التوالد التلقائي بإشارته إلى تجارب اليسوعي الإنجليزي نيدهام (1748) الذي أعتقد بأنه كان قد أنتج كائنات جديدة




صفحة رقم : 12662




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


من مادة ليس فيها حياة. وكان فولتير يقظاً لآخر تطورات العلم، فأشار إلى تجارب سبللانزاني (1765) الذي أوضح خطأ إجراءات نيدهام وما انتهى إليه من نتائج. ولم يكن دي هولباخ قد رأى في الطبيعة أي تصحيح أو تخطيط، ولكن فولتير يرى الكثير، ويحاول أن يبرهن على أن نمو العقل وتطوره في الإنسان يدل على عقل في الكون أو فيما وراءه، ويعود آخر الأمر إلى قضيته المشهورة "إذا لم يوجد إله فمن الضروري أن نصطنعه، وأنه بدون إيمان بكائن أسمى في عقله وعدله، فإن الحياة بكل ما فيها من أسرار وبؤس وشقاء تكون غير محتملة، وينضم إلى دي هولباخ في ازدراء الخرافة، ولكنه يدافع عن الدين باعتباره مجرد عبادة بسيطة لإله. ويجتتم في رفق فيقول: "إنني ميال إلى القول بأنك وقعت في خطأ جسيم ولكني بنفس القدر مقتنع بأنك صادق أمين في انك مخدوع خداعاً ذاتياً. يمكن أن تجد أناساً فضلاء دون وجود إله. ولو أنك من سوء الحظ قلت "سرعان ما تجعله الرذيلة الإنسان سعيداً حتى يحب الرذيلة". وتلك قضية مزعجة كان يجدر بأصدقائك أن يقنعوك بمحوها. أنك في كل مكان أخر توحي بالاستقامة والأمانة. إن هذا الصراع الفلسفي سيكون فقط بينك وبين نفر قليل من الفلاسفة منتشرين في أوربا. ومن يسمع عنه سائر العالم شيئاً. إن الناس لا يقرئوننا...أنت مخطئ. ولكننا نقدر ونجل عبقريتك وفضائلك(152)".
ولسنا ندري إذا كان فولتير راضياً كل الرضا عن هذا التنفيذ من كل قلبه. وأنا لنلاحظ ملاحظته البسيطة العابرة عندما سمع أن فردريك كان قد كتب كذلك ضد "منهج الطبيعة" "إن الله كان في صفه اثنان على الأقل من أبعد الناس عن التمسك بالخرافات في أوربا- مما لأيد أن يكون قد أثلج صدره كثيراً(153) وطلب إلى الدوق دي ريشيليو أن يحيط لويس الخامس عشر علماً بأن المغترب العنيد في فرني كان قد كتب رداً على الكتاب الجرئ المتهور الذي كان حديث الناس في باريس.




صفحة رقم : 12663




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


ونشر أصدقاء دي هولباخ نقد فولتير وسيلة للإعلان عن أفكار البارون وأتخذ شباب المتمردين المادية سمة للبسالة والشجاعة في الحرب ضد الكاثوليكية ودخلت فلسفة دي هولباخ إلى روح الثورة الفرنسية قبل روبسبيير وبعده- وكان يؤثر روسو. وإنا لنسمع أصداء كتاب "منهج الطبيعة" في كامي ديمولان وماراه ودانتون(154) قال فاجيه "إن دي هولباخ أكثر من فولتير وأكثر من ديدرو، هو أبو الفلسفة والهجوم العنيف على الدين في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر(155) وفي عهد حكومة الإدارة أرسل أحد الوزراء نسخاً من أحد كتب دي هولباخ إلى رؤساء المصالح والهيئات في محافظته للحيلولة دون بعث الكاثوليكية من جديد(156). وأنا لنحس تأثير دي هولباخ في إنجلترا في مادية بريستلي (1777) ونبع كتاب جودوين "بحث في العدالة السياسية" من دي هولباخ وهلفشيوس وروسو بهذا الترتيب في التأثر(157). وبدأ الإلحاد المتحمس عند شللي صهر جودوين، بقراءة "منهج الطبيعة" الذي شرع في ترجمته كوسيلة لإشراك أساتذة أكسفورد في الحملة ضد الدين(158). أما في ألمانيا فإن مادية دي هولباخ وتشكك هيوم هما اللذان أيقظا كانت من "سباته العقائدي" وربما ورث ماركس بطرق غير مباشر تعاليمه المادية عن دي هولباخ.
وقبل أن يكون أن يكتب البارون بزمن طويل كان بيركلي قد آذى المادية أكبر إيذاء. فالذهن هو الحقيقة الواقعة الوحيدة المعروفة مباشرة. والمادة (منذ عرفها دي هولباخ بأنها كل ما يؤثر في حاوسنا) معروفة بطريق مباشر، عن طريق الذهن. ويبدو أنه غير معقول أن نهبط بالمعروف مباشرة إلى ما هو معروف بطريق غير مباشر. وليست المادة واضحة لدينا كما تعودنا أن تكون. إن الذرة تحيرنا كما يحيرنا الذهن سواء بسواء. فكلاهما يحلل إلى أشكال من الطاقة لا يتيسر لنا فهمها، وأنه لمن العسير الأن، كما كان عسيراً في أيام لوك وفولتير، أن نتصور كيف يمكن أن يصبح المادة فكرة أقل وعياً بكثير. أن التفسير الميكانيكي للحياة أثبت أنه مجد في الفسيولوجيا،




صفحة رقم : 12664




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> اتساع نطاق الحملة -> دي هولباخ


ولكن يبقى الاحتمال قائماُ. وهو أن الأعضاء (المادة) يمكن أن تكون نتاجاً وأدوات للرغبة (الذهن) مثل عضلات اللاعب الرياضي. إن الميكانيكية (الآلية) والحتمية بل حتى القانون الطبيعي "قد تكون تيسيرات وإيضاحات عاجلة لا تقبل الجدل من الناحية المنطقية، لأنها أدوات اصطنعها الذهن لتناول الظاهرات والأحداث والأشياء تناولاً نلائماً، وأصبحت هذه الأدوات عناصر لا مفر منها في الفكر العلمي، ولكنها غير مرضية إذا طبقت على الذهن الذي شكلها. إننا لا نعرف أن العالم منطقي.




صفحة رقم : 12665




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله



الفصل الثاني والعشرون




فولتير والمسيحية




1734 - 1778




1- فولتير والله


قد ندرس فيما بعد الأنشطة والآراء والاهتمامات غير الدينية في تلك النار المدمرة التي يقال لها فولتير، والتي تتأجج بين الحين والحين في فرني Ferne ونكتفي هنا في تلخيص آرائه في الدين وحربه ضد المسيحية. ولن نذكر هنا شيئاً لم يذكر مائة مرة من قبل. كما أنه لم يقل عن المسيحية شيئاً لم يسبق قوله. وكل ما في الأمر أنه تكلم انطلقت كلماته مثل اللهب سرى في أوربا، وأصبحت قوة شكلت عصره وعصرنا.
وكان طبيعياً أن يرتاب في العقيدة المسيحية، لأن الدين قصد به تهدئة الفكر لا إثارته. وكان فولتير هو الفكر مجسداً فهو قلق مضطرب يهدأ ولا يسكن. ورأيناه في سيرة حياته ينضم إلى ذوي العقول المتشككة في The Tempole يغذي شكوكه بين الربوبيين في إنجلترا ساعياً وراء العلم في سيري، متبادلاً رسائل الإلحاد مع فردريك في ألمانيا. ومع ذلك فإنه حتى بلغ السادسة بعد الخمسين احتفظ بإلحاده أو كفره مظهراً عارضاً أو لعبة أو تسلية خاصة. ولم يشن على الكنيسة الحرب علانية. بل على النقيض من ذلك دافع علناً وتكراراً عن أساسيات العقيدة المسيحية: إله عادل وإرادة حرة والخلود. وإذا لم نعده كذوباً (وغالباً ما كان طذلك) فإنه احتفظ حتى وفاته بإيمانه بالله وبقيمة الدين. ويمكن أن نقتبس عنه لأي غرض تقريباً، لأنه مثل أي حي، نما وتغير واضمحل. ومن هنا




صفحة رقم : 12666




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله


احتفظ في سن الخمسين بما اعتنق من آراء في سن العشرين، أو في سن السبعين، بآرائه حين كان في الخمسين؟ إن فولتيرناقض نفسه إلى أبعد الحدود، لأنه عمر طويلاً وكتب كثيراً، فكانت آراؤه من فيض رؤيته كلما تقدمت به السنون(1).
وفي سيري حوالي 1734 حاول أن يصوغ أفكاره حول الأشياء الأولى والأخيرة في "رسالة في الميتافزيقا" وقبل أن يجعل بالي المقارنة مأوفة لدى اإنجليز بعدة سنين ذكر فولتير لأنه من المنطق التسلسم بذهن ذي عاقل في الكون مثلما هو منطقي افتراض أن الساعاتي قد صنع الساعة. ففي كلتا الحالتين رأى دليلاً على التصميم والتخطيط في تهيئة وسائل معينة لغايات بعينها. ولكن كما أن الساعة ولو أنها من تصميم العقل تعمل وفق قوانين ثابتة، فكذلك الكون. وليس ثمة معجزات. ولكنه إلى حد ما لم يستطع أن يطرح جانباً الشعور بأن الإرادة الإنسانية، بطريقة خفيفة ولدرجة بسيطة حرة. على الرغم من أنه عرف تماماً أن الاختيار الحر المطلق حين يتصرف في عالم ميكانيكي لابد أن يفسد آليته أو طبيعتة تريب أجزائه. والذهن شكل من أشكال المادة وظيفة من وظائفها. ويقول فولتير متبعاً في ذلك لوك. "ينبغي أن نقرر أنه من اليسير جداً على الله أن يضيف إلى المادة فكراً.(2) وقدرة المادة على التفكير ليست معجزة أكبر من إمكان تأثير الذهن غير المادي على الجس المادي. والنفس ليست إلا حياة الجسم وتفنى بفنائه، وليس ثمة وحي مقدس سوى الطبيعة نفسها، وهذا كافٍ، وهو معين لا ينضب. وقد يكون ثمة بعض النفع في الدين ولكن الرجال الأريب لا يحتاج إليه تعزيزاً لفضيلة. وغالباً ما استخدمه رجال على مدى التاريخ لإرباك أذهان الناس، على حين ابتز الملوك أموالهم. وينبغي تعريف الفضيلة على أساس الخير الاجتماعي لا على أساس طاعة الله، ويجب ألا تتوقف على الثواب والعقاب بعد الموت.
وقرأ فولتير في هذه الصفحات المس والسبعين على مدام ي شاتيليه




صفحة رقم : 12667




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله


التي يبدو واضحاً إنها تشجعه على نشرها. ويبدو أنه أقرها على ذلك وطرح المخطوطة جانباً، فلم تنشر قط طيلة حياته. وفوق هذا اصبح مقتنعاً بأن أية يتافيزيقا وأية محاولة لتفسير أصل العالم والإنسان وطبيعتهما ومصيرهما عن طريق العقل ستكون إلى الأبد فوق اقة البشر. قرأ الفلاسفة ولكن لم ترقه مناهجهم، وذهب إلى أن "الأقدمين قالوا كل شيء في الميتا فيزيقا وفي الأخلاق، وأننا دائماً نعارضهم أو نكررهم. وكل الب الديثة من هذا النوع هي مجرد تكرار معاد(3)" ولابد أنه تأثر بمنهج سبينوزا لأنه أجهد نفسه في دحضه وتفنيده.
وعلى الرغم من تنصله وإنكاره لم يستطع أن يتغلب على ولعه بالخوض قي المسائل العيصة المستعصية. وبين الحين والحين فيما بين عامي 1734-1756 أخذ ينقب في الميتافيزيقا واللاهوت. وظل حتى آخر حياته يؤسس إيمانه بالله على حجة التخطيط أو التبير منذ البداية، ولو أنه عمد إلى تسفيه الترف في الغائية (الاعتقاد بأن كل شيء في الطبيعة مقصود به تحقيق غاية معينة). "قد لا أومن بأن الأنوف قد صنعت لتكون جسراً مريحاً للنظارات، ولكني مقتنع بأنها صنعت لنشم بها(4)". "وأليس من أشبع السخف والحماقات أن نؤكد أن العي لم تصنع لتبصر والإذن لتسمع والمعدة لتهضم؟(5) وعندما طرق مؤلف شاب الباب Les Delices (1757) وقدم نفسه إلى فولتير على أنه "لحد شاب مستعد لخدمته، أجاب فولتير لي الشرف أن أستخدم ربوبياً، وعلى الرغم من تعارض آرائنا سأقدم لك طعام العشاء الليلة، وأقدم لك العمل غداً، سأستفيد من ذراع وعضلاتك لا من رأسك وهنك.(6) أنه سمى نفسه ربوبياً ولكنه كان مؤمناً، أي أن إلهه لم يكن قوة غير مجسمة تماثل الطبيعةبشكل أو بآخر، ولكنه عقل واع يصمم العالم ويحكمه. وبعد 1750 بصفة عامة أطلق على نفسه أنه مؤمن بوجود إله.(7) وفي القاموس الفلسفي في مقال "الإيمان بوجود الله




صفحة رقم : 12668




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله


"كتب على أساس يمكن أن يبرر وصف وندرسيه بأنه رجل شديد التمسك بالدين:
"إن المؤمن الموحد باللهرجل مقتنع كل الاقتناع بوجود كائن أسمى فاضل قوي معاً، خلق كل الموجودات يعاقب على الخطايا دون قسمة، ويثبت على صالح الأعمال في رفق وحنان. إن المؤمن لا يعرف كيف يعاقب الله وكيف يثبت، وكيف يعفو، ويغفر لأنه لم تبلغ به الجرأة حداً يخدع معه نفسه بأنه يدرك كيف يتصرف الله، ولكنه يعلم أن الله يفعل وإن الله عادل. إن العقباتب التي تواه العناية الإلهي لا تزعزع إيمانه لأنها مجرد عقبات ضخمة وليسلت اختبارات إنه يخضع نفسه لتلك العناية الإلهية، ولو لأنه لم يدرك منها إلا بعض آثارها وبعض المظاهر. إنه يحكم على الأشياء التي لا يراها بالأشياء التي يراها. ومن ثم فإنه يرى أن هذه العناي الإلهية تحيط بكل مكان وبكل زمان. وقد اتحد في هذا المبدأ مع سائر الكون. فإنه لا ينظم إلى أي من الشيع أوالطوائف التي تناقض نفسها. إن ديانته هي أقدم الديانات وأوسعها انتشاراً، لأن العبادة البسيطة لله سبقت كل الأساليب والطرق في العالم...أنه يؤمن بأن الديانة لا تقوم على آراء الميتا فيزيقا المبهمة التي يصعب سبر غورها، ولا على الزخارف العقيمة، بل تقوم على العبادة والتقديس والعدالة. إن عمل الخير عبادته والخضوع لله مذهبه...إنه يسخر من لوريتو ومكة ولكنه يغيث الملهوف ويدافع عن المظلوم(8).
فهل كان فولتير مخلصاً في هذه الاعترافات؟ إن بعض الباحثين ينسبها إلى الحيطة والحذر، أو إلى الرغب في التحول إلى الإلحاد طوة خطوة،(9) أو إلى أمل في أن يقلل غرس الإيمان الديني في خدمة من السرقة والاختلاس. وهناك في كتاب فولتير قطع يبدو أنها تبرر هذا التفسير (إذا كان لديك قرية واحدة لتحكمها، فينبغي أن يكون لها دين)(10). وإن امكثر الملاحظات اقتباساً عنه يبدو أنها تهبط بالديانة إلى مجرد منفعة عامة، ولكن سياق الكلام يلقىي على هذا البيت ضوء أكثر إشراقاً وإيضاحاً. أنه يوجد في




صفحة رقم : 12669




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله


رسالة إلى مؤلف الدالين الثلاثة "إذا لم يكن الإله موجوداً فيجب أن نبتدعه،ولكن الطبيعة بأسرها تصبح فينا أنه موحود فعلاً.(11)" والقصيدة كلها دعوة إلى الإيمان. إن فولتير يعود إلى قضية الإيمان بوجود إله واحد المرة بعد المرة، وكأنما يرد شكوكه. وفي السنوات العشرة الأخيرة من حياته كتب ضد الإلحا قدر ما كب ضد التقليدية في نفس الوقت شن حرباً ضد المفهوم المألوف للرب بأنه إله الانتقام الذي قدر على معظم الناس الحلود في عذاب الجحيم: "سيكون الجنس البشري تعساً بائساً إلى أبعد حد إذا ألف ارتكاب الفظائع قدر ما يألف التصديق بها(12) وإذا كان الرب قد خلق الإنسان على صورته فقد جازيناه على ذلك خير الجزاء(13) بتصويره على صورتنا. ولا شيء يوضح مفهوم الإنسان عن نفسه أكثر من فكرته عن الله".
وحاول فولتير جاهداً أن يوفق بين إيمانه بإله واحد وبين وود الشر. وفي محاولاته لتبرير العدل الإلهي لوجود الشر اقترب ممن تفاؤل ليبنتز (الذي عمد إلى تسفيهه في كانديد) إن الشر من وجهة نظر الجزء قد يكون خيراً، وعلى الأقل ليس شراً في منظور الكل. إن هذا ليس أحسن عالم يمكن تصوره بل أكثر ما يتحمل وجوده.(14) وكتب فولتير إلى فردريك 1738 يقول "إذا حسب كل شيء وقدر أحسن تقدير فإن في هذه الحياة متع لا تعد ولا تصى أكثر ما فيها من مرارة.(15)" ولكن هذا كتبفي السنوات صحته وعافيته في اواسط عمره. ولم يؤمن بأن الإنسان شرير بالطبيعة بل على النقيض من ذلك اعتقد أن في الإنسان إحساساً فطرياً بالعدالة وشعوراً طيباً بالود نحو الآخرين(16) وهنا فوارق وتناقضات لا حصر لها في الأفكار الأخلاقية لدى الجنس البشري وفي عاداته. ولكن الشعوب تستنكر قتل الوالدين وقتل الإخوة والأخوات(17).
وفي بوتسدام 1752 نظم قصيدة "القانون الطبيعي" (نشرت في 1756) التي لخصت ديانته الطبيعية. "وحيث اتخذت القصيدة شكل رسالة إلى فردريك




صفحة رقم : 12670




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير والله


الثاني المتشكك فإنه من الصعب أن تكون محاولة لإرضاء الأتقياء، ولكنها تقترب من التقوى العقيدة القومية أكثر من أي شيء آخر طبعه فولتير. إنها تئكد الإيمان بالله الخالق فحسب ولكنها كذلك تصف الإحساس الخلقي عن الإنسان بأنه من غرس الرب(18). إنه هما يتحدث كمل يتحدث روسو ويستبق حماسة كانت للسلطان المطلق للظمير. أنه يحدد ديانته في سطر واحد: "أعبد الله وكن عادلاً وأحب وطنك".(19) ويعرض تنوع العقيدة الدينية ويرثي للكراهية والتعصب ويدعو إلى تسامح متبادل بين مختلف المذاهب والشيع، ويختتم بدعاء كان يمكن أن يقره أي قديس. وفي 23 يناير 1759 أمر برلمان باريس بإحراق القصيدة علناً. ويحتمل أن يكون هذا بسبب أن بعض أبياتها استنكر الجاسنية.
وقد تخلص إلى القول بأنه حتى عام 1751-إلى أن يبلغ فولتير السابعة والخمسين تورع عم أي هجوم مباشر صريح على المسيحية أو الكنيسة الكاثوليكية. فماذا أثاره حفزه لشن الحرب في نفس الوقت الذي جنح فيه معظم الثائرين إلى السلم؟ أنه كان وقت صدور دائرة المعارف، والتفسيرات الدينية التقليدية لزلزال لشبونة، والإعدام الوحشي لكل من جان كالا Calas وشيفالييه دي لابار De La Barre.




صفحة رقم : 12671




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير ودائرة المعارف



2- فولتير ودائرة المعارف


كان فولتير في بوتسدام حين نشر المجلد الأول من دائرة المعارف (1751). ولابد أنه قرأ وهو مغتبط أشد الاغتباط السطور التي كتبها دالمبير تقديراً لفولتير وثناء عليه في "تشهير" حيث قال "قد اوفي هذه العبقرية الفذة حقها من الإجلال والمديح مما لقيه كثيراً من مواطنيه ومن الأجانب ومن أعدائه، ومما ستضيف إليه الأجيال المقبلة ثيراً حين يعود غير قادر على الاستمتاع بالإطراء والثناء". ورد فولتير على هذه التحية في رسالة مؤرخة 5 سبتمبر 1752 إلى دالمبير قال فيها "إنك وديدرو تقومان بعمل




صفحة رقم : 12672




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير ودائرة المعارف


سيكون فيه فخار فرنسا ومجدها، وعار وخزي لهؤلاء الذين سضطهدونكما أو يقفون في طريقكما. أنا لا أعترف من بين الفلاسفة البلغاء الأبك وبة" وعاهد نفس على مساندته تأييده، ولم يضيع أي فرصة لجذب الأنظار إلى الشروع باعتباره "عملاً ضخماً خالداً يتهم قصر الحياة الإنسانية ويبدد به(20)".
ومهما يكن من أمر انشغال فولتير بأعمال الكبر-قرن لويس الرابع عشر، ورسالة في الاعتراف والعادات، وتورطه مع هرشك وموبرتوي وفردريك فإنه وجد فسحة من الوقت ليرسل إلى دالمبير (1753) بمقالات موجزة: "مجرد مادة يمكنك تبويبها كيف تشاء وضمها إلى الصرح الخالد الذي تقيمه. إني أمدك ببعض لبنات تضعها في أية زاوية في البناء"(21). وتوسل إلى الأصدقاء ذوي النفوذ أن يعملوا على حماية المحررين. وفي 1755 كتب إلى دالمبير "ما دام فيّ عرق ينبض بالحياة سأكون في خدمة مؤلفي الموسوعة اللامعين، وإني لاعتبره شرفاً كبيراً لي أن أسهم ولو بقدر ضئيل في أعظم وأجمل أثر باق للأمة للأدب"(22) وارفق بهذه الرسالة مقالات عن النار والقوة والفسوق والعبقرية الفرنسية والذوق الفرنسي. وأطلع على المجلدات الخمسة الأولى مدققاً فاحصاً، فوجد أجزاء كثيرة جديرة بالثناء، كما حز رثى لبعض الأجزاء الأخرى، وطلب إلى المحررين أن يطالبوا كل الكتاب بالوضوح والإيجاز، وحذر دالمبير (الذي ظنه خطأ رئيس التحرير) بقوله "إن معاويك ضعاف فهناك جنود غير صالحين في جيش القائد العظيم..ويؤسفني أن أجد في مقال "الجيم" أن الكاتب يعلن أن الجحيم واردة في شريعة موسى، وأقسم لك الآن بكل الشياطين أن هذا غير صحيح(23).
وسرعان ما بعث بعدة مقالات صغيرة وببث ضخم في التاريخ. وحرص قسيساً عالماً من لوزان هو أنطوان نوى دي بولييه Noe de Polies على أن يكتب لدائرة المعارف مقالات عن "المايين والسحر والسحرة وعن المخلص




صفحة رقم : 12673




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير ودائرة المعارف


المنتظر"، وكلها تعج بالهرطقة في هدوء وقد رأينا كيف أن فولتير كان مسئولاً إلى حد ما عن مقال دالمبير عن نيف 1757، وخفف من هذه العاصفة التي ثارت بسبب هذه المقالات بدوة الكاهن المخدوع إلى العشاء. وحين أوشكت الكارثة أن تنزل بمشروع دائرة المعارف وتهدد بتوقفها عن الظهور، كتب إلى ديدرو:
"أي ديدرو الشجاع ودالمبير الجسور: امضيا في طريقكما..هاجما الوغاد، واقضيا على تخرصاتهم الجوفاء وسفستهم الحقيرة وأكاذيبهم التاريخية تناقضاتهم وسخافاتهم التي لا حصر لها...لا تدعوا رجال الفر أرقاء مستعبدين لمن لا يتحلون بشيء من الفكر والذكاء. إن الجيل القادم سيكون مديناً لكما بالعقل والحرية"(24).
ولم يجب ديدرو على هذه الرسالة، وأصر دالمبير على الانسحاب من المشروع. أما فولتير فخانته شجاعته وساءه صمت يدرو، ومن ثم قرر أن ينفض يديه من العمل. وفي 6 أو 7 فبراير كتب ثانية إلى ديدرو يطلب إليه إعاد المقالات التي لم تنشر، فأجاب ديدرو بأن الخطوطات عند دالمبير ولكن إذا كرر فولتير طلب إعادتها إليه فأته لن ينسى هذه الإساءة. وفي 26 فبراير كتب فولتير إلى دارجننال يقول: "إني أحب ديدرو واحترمه ولكني غاضب". ولكنه كتب إليه مرة أخرى في 12 مارس: "إذا التقيت بهذا الرجل اليب ديدرو، فأبلغ هذا العبد المسكين أني أغفر له قدر ما أشفق عليه من كل قلبي"(25) وفي مايو أرسل دالمبير المقالات المطلوبة إلى فولتير. ولك دالمبير استأنف العمل في دائرة المعارف في شهر يونية، فأرسل فولتير المقالات إليه ثانية، ولكنه طلب عدم ذكر أسمه إذا نشرت. واقترح نقل المشروع إلى بلد آخر لا يتعرض فيه لعنت الرقابة فعلاً أو توجساً. ورأى ديدرو أن هذا الاقتراح غير عملي. وفقد فولتير ثقته في قيمة موسوعة ضخمة باهظة التكاليف وسيلة لنشر الفكر المتحرر. وفي 16 يونية 1758




صفحة رقم : 12674




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> فولتير ودائرة المعارف


أبلغ ديدرو أن مشاغله الأخرى قد تجعل من المتعذر عليه أن يسهم في الموسوعة فضلاً عن أن تأزم الأمور بين المحرري والحكومة والكنيسة "قد يضطر الإنسان إلى الكذب، وأنا لنلقيى الاضطهاد والتعذيب إذا لم نمضِ في الكذب"(26) إن الضجة التي أحدثها كتاب هلفشيوس "الذكاء" (في يوليه) أزعجت الثائر العجوز، فكتب رداً على ذلك الكتاب. وفي 16 نوفمبر أبلغ ديدرو أنه ابتاع داراً في فرني واعتزم أن يقيم هناك ويحيا حياة ريفية هادئة.
فهل كان يخدع نفسه، أو أنه كان يدبر استئناف القتال بوسائل أخرى؟




صفحة رقم : 12675




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> لاهوت الزلازل



3- لاهوت الزلازل


بينما كانت الموسوعة تكبو وتفيق وتختفي وتنبعث من جديد ارتعدت فرائص الفلسفة الوربية نتيجة لولوال لشبونة ففي الساعة التاسعة وأربعين دقيقة من صباح أول نوفمبر 1755يوم عيد كل القديسين-هزت الآض كتفيها في البرتغال وشمال أفريقية. وفي ست دقائق تهدمت ثلاثون كنيسة وألف منزل، ومات خمسة عشر ألف رجل، وأصيب مثلهم باصابات خطيرة، في واحدة من أجمل العواص في العالم. ولم يكن ثمة شيء جديد لم يسبق له ثيل في هذه المذبحة الرهيبة التي حدث فيها الموت بالجملة. ولكن كانت هناك بعض ملابسات وظروف محيطة حيرت رجال اللاهوت، وأقلقت بالهم. لماذا اختار هذا اللغز المحير مثل هذه المدينة الكاثوليكية، ومثل هذا الاحتفال المقدس، في مثل هذه الساعة التي اجتمع فيها كل المواطنين الاتقياء تقريباً لحضور القداس؟ ولماذا أبقى وسط هذا الدمار الشامل على دارسيا ستيو دي كارفالو ميللو مركيز بومبال فيما بعد-الوزير الآمر الناهي الذي كان ألد أعداء اليسوعيين في أوربا بأسرها؟
وأوضح مالاجريدا أحد اليسوعيين البرتغاليين أن الزلزال وما أعقبه من أمواج عاتية مدمرة كانا عقاباً من الله على الرذيلة التي استشرت في




صفحة رقم : 12676




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> لاهوت الزلازل


لشبونة(27). ولكن هل كان الآثمون هم وحدهم الذين ذهبوا للصلاة في الكنائس في هذا الصباح الرهيب؟ ولماذا هلك كثير من القساوسة المتبتلين والراهبات المتفانيات في الإخلاص للدين في الزلزال والحريق؟ وربما هلل المسلمون للكارثة باعتبارها غنتقاماً إلهياً من محاكم التفتيش في البرتغال، ولكن الزلزال دمر المسجد الكبير الذي يحمل اسم المنصور في الرباط. وعزا بعض الكهنة البروتستنت في لندن هذه الكارثة لاستنكار السماء لجرائم الكاثوليك ضد الإنسانية. ولكن في 19 نوفمبر من نفس العام دمر الزلزال خمسة عشر ألف منزل في بوسطن مساشوست موطن الحجاج والبيوريتانيين. وأعلن وليم ووربرتون أن مذبحة لشبونة "أبرزت عظمة الله في أبهى صورها(28) وألقى جون ويزلي موعظة عن أسباب الزلازل علاجها قال فيها "إن الخطيئة هي السبب المعنوي للزلازل مهما كان سببها الطبيعي...إن الززل هي نتيجة اللعنة التي صبتها على الأرض خطيئة آدم وحواء الأولى(29)".
واستشاط فولتير غضباً لهذه التفسيرات، ولكنه هو نفسه لم يجد شيئاً يوفق بين الحادث وبين إيمانه بإله عادل "أين الآن قول ليبنتز "أحسن العوالم الممكنة" أو قول بوب "كل ما هو موجود هو حسن"؟(30) ونظم فولتير كرد فعل غاضب لتفائله السابق أعظم قصيدة له "كارثة لشبونة" اختيار للحقيقة المقررة "كل شيء حسن" وهنا نغتنم الفرصة لنقطتف نموذجاً من فكرة شعره:
"آه أيتها المخلوقات الفاتنة التعسة. أيها الأرض المخزنة، أيها الجمع الرهيب من البشر. أيها المستقر الخالد لل البلايا العقيمة الفاجعة، أيها الحكماء الحمقى الذين ينادون بأعلى صوت كل شيء حسن، تعالوا وتأملوا كل هذه الخرائب الأطلال الرهيبة. وهذا الحطام وأشلاء ورماد الجثث بني جنسكم، وأنظروا إلى النساء والأطفال الذين حصدهم الموت بالجملة، إلى الأعضاء المتناثرة تحت الأعمدة المحطمة. لقد التهمت الأرض مائة ألف حالفهم النحس، لقد سالت دماؤهم وتمزقت أوصالهم، واندفعوا وهم أحياء




صفحة رقم : 12677




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> لاهوت الزلازل


تحت السقوف التي انهارت عليهم، فأنهوا دون أية مساعدة أيامهم التي تبعث على الأسى في عذاب كريه. هل تواجهون صيحاتهم الضعيفة التي تؤذن بالفناء، والدخان المتصاعد في هذا المنظر البشع بقولكم هذا رى وفق قوانين أبدية طبقاً لمشيئة الله المطلقة الخيرة؟ وهل تقولو نأما هذه الأكداس من الضحايا لقد انتقم الله منهم إن موتهم جزاء جرائمهم؟".
ولكن أية جريمة وأي خطأ ارتكب هؤلاء الأطفال الذين اغتالهم الزلزال وسالت دماؤهم وهم في أحضان امهتاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دمرت لشبونة وباريس ترقص؟ ألم يكن في مقدور الله العليم الخبير أن يصنع عالماً ليس فيه هذا الشقاء الذي لا معنى له؟ إني اجهل إلهي ولكني احب الجنس البشري.
إن الشاعر يتامل في عالم الحياة فيرى في كل مكان وعلى ألف صورة متباينة تنازعاً على البقاء يلقى فيه كل كائن حتفه إن عاجلاً أو آجلاً. إن هذه الخلاصة المريرة لعلم الحياة (للبيولوجيا) تتطلب أن نوردالنص:
"إن الصقر الضاري ينقض على فريسته المخلوعة الفؤاد ويتلذذ مبتهجاً بالتهام أوصالها الدامية، وكل شيء يبدو في نظره على مايرام، ولكن سرعان ما يأتي نسر كاسر يلتهم بمنقاره الحاد الصقر بدور، ثم يعاجل الإنسان هذا النسر المتكبر بطلقة تصيب منه مقتلاً. ويتوسد الإنسان التراب على أرض المعركة ينزف الدم وقد أثخنته الضربات سط كومة من الموتى. وهناك يكون غداء رهيباً للطيور النهمة. وهكذا تئن الدنيا بكل من فيها حيث ولدت كلها لتشقى وتعاني، ويكون مصيرها الوت الكتبادل. وفي هذه الفوضى القاتلة تبنى على تعاسة البعض سعادة المجموع، أية سعادة هذه؟ أيها المخلوق الفاني الضعيف البائس، أنك تصبح في نعمة حزينة "إن كل شيء حسن على ما يرام" إن الكون يقدم الكذبة، وقلبك يفند مائة مرة خطأ ذهنك. إن العناصر والحيوان والإنسان كلها في صراع. فلنعترف بأن الشر ملأ الأرض واستشرى فيها.




صفحة رقم : 12678




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> لاهوت الزلازل


كيف يتفق هذا الصراع الكوني الشامل وهذا الموت المذل المؤلم مع الإيمان بإله خير طيب؟ إن الله موجود، ولكنه لغز محير. إنه يبعث بابنه ليخلص الجنس البشري، ولكن الأرض والإنسان بقيا على ماهما عليه على الرغم من تضحيته.
ماذا يمكن أن يقول أوسع العقول مدى في هذا؟ لا شيء فإن كتاب القدر محجوب عن أبصارنا. فالإنسان وهو الغريب الأجنبي بالنسبة لنفسه، مجهول لدي الإنسان. من أنا؟ وأين أكون؟ إلى أين أنا ذاهب؟ ومن أين أتيت؟ إن الذرات تتعذب على هذه الكومة من الطين، ويحصدها الموت ويلعب بها القدر. ومع ذلك فإنها الذرات المفكرة التي قاست اعينها ورصدت ما في السماوات بهدي من الفكر. إننا خترق بأذهاننا وعقولنا هذا الكون اللاهائي، ولكننا لا نستطيع للحظة واحدة أن نرى أونعرف أنفسنا".
وتلك بطبيعة الحال هي النغمة التي ضرب عليها بسكال قبل مائة عام في نثر أروع من شعر فولتير. وكان فولتير قد نبذ يوماً بسكال واستهجنه، ولكنه الآن يردد تشاؤمه. وعلى أساس هذا التشاؤم نفسه خلص بسكال إلى قوله: فلنركن إلى العقيدة المسيحية ونتعلق بالأمل. وختم فولتير قصيدته في الأصل بيتين كئيبين رواقيين: "اذا يجب علينا أن نفعل أيها الفانون ؟ يجب علينا أن نقاسي ونخضع في صمت ونعبد ونموت". واحتج أصدقاؤه بأن هذه الخاتمة البائسة غير محتملة فغير السطر الأخير إلى أخضعوا واعبدوا وأملوا وموتوا ولم يشعر أحد بالرضا فاستسلم وأضاف 29 بيتاً، وأسلم نفسه للعنياية الإلهية ؤمناً بأن "الله وحده على حق".
وعلى الرغم من ذلك فإن القصيدة لم تذهل المتدينين فقط، بل أذهلت الفلاسفة كذلك. فإن مثل هذه النغمة الكئيبة الجوعة يبدو أنها أحرجت الفلاسفة وأرسل روسو إلى فولتير رسالة ويلة بليغة يوضح فيها إن كل ما تعاني الإنسانية من علل وشرور، إن هو إلا نتيجة لأخطاء البشر، وأن زلزال لشبونة هو عقاب عادل للإنسان لتخليه عن الحياة الطبيعية




صفحة رقم : 12679




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> لاهوت الزلازل


وإقامته في المدن، ولو أن الناس التزموا الحياة البسيطة في القرى المتفرقة في دور متواضعة فلربما كانت الضحايا قليلة نسبياً، وينبغي أن نؤمن بأن الله طيب خير، هذا كما قال جان جاك هو البديل الوحيد للتشاؤم القاتل، وأن نستمر مع ليبنتز، على الإيمان بأنه حيث إن الله خلق هذا العالم، فلابد أن يكون كل شيء فيه على المدى الطويل وبالنظرة البعيدة حقاً وصدقاً. وحصل أحد أصحاب المطابع على هذه الرسالة، ونشرها فلقيت أكبر الترحيب على اوسع نطاق، رداً بارعاً على قصيدة فولتير، ولزم فولتير الصمت لمدة أطول مما كان مألوفاً. ولما عاد للخوض ثانية قي موضوع التفاؤل خرج الناس بأروع أعماله وهو كتاب ظل حديث العالم لمدة جيل، وهو الآن أعظم وأبقى أثر ورمز لفولتير.




صفحة رقم : 12680




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> كانديد



4- كانديد


نشر هذا الكتاب في اوائل عام 1759 تحت أسم Candide أو التفاؤل، مع الأيهام بأنه مترجم عن الألمانية عن كتاب دكتور رالف، مع اضافات وجدت في جيب الدكتور عند وفاته في ميندن Minden. وأمر المجلس الكبير بإحراق الكتاب فور صدوره تقريباً (5 مارس) وأنكر فولتير بطبيعة الحال أنه مؤلف. وكتب إلى قسيس صديق له في جنيف "لابد أن الناس فقدوا عقولهم لينسبوا إلى هذه المجموعة من الهراء. إن عندي ولله الحمد والشكر ما شغلني خيراً منه(31) ولكن فرنسا أجمعت على أنه ما كان في مقدور أحد غير فولتير أن يكتب "كانديد". فهنا كان النشر البسيط بشكل خداع الذي يتدفق برفق والذي يتميز بمرح خفيف وتهكم لاذع شيطاني مما يستطيع هو وحده أن يكتبه. وهنا وهناك في الكتاب قليل من الفحش والبذاءة وقليل من الأدب الداعر، وفي كل مكان عبارات هازلة غاضب مهلكة تنم على عدم التوقير. فإذا كان الأسلوب هو الرجل فلابد أن يكون هذا فولتير.




صفحة رقم : 12681




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> كانديد


أنه يبدأ بريئاً، ولكنه سرعان ما ينم على العين النافذة البراقة:
"في إقليم وستفاليا في قصر أنبل البارونات ثندر-تن-ترونخ Thunder-ten-Tronckh، عاش شاب حبته الطبيعة أحلى مزاج وأكرم خلق...وكان سديد الرأي صائب الحكم، إلى جاب ما تحلى به من بساطة بعيدة عن التكلف كل البعد، ولهذا السبب فيما أعتقد سمى "كانديد". أن الخدام القدامى في القصر أرتابو فب أن يكون ابن أخت البارةن من رجل طيب شريف من الجيران رفضت تلك الآنسة أن تتو من لأنه لم يكن يستطيع أن يصل بنسبه إلى أكثر من واحد وسبعين شريفاً. وكان غير أهل للزواج، ولكنه واف بالمراد في الفراش، وكان يتولى تربي الولد الوسيم غير الشرعي وتعليمه الأستاذ بانجلوس Pangloss (الكثير الكلام) الذي يستطيع أن يثبت إلى حد الإعجاب أنه ليس ثمة نتيجة دون علة أو سبب، وأنه في أحسن هذه العوالم الممكنة، فإن قصر البارون هو افخم القصور، وأن ميلادي أحسن بارونة يمكن وجودها (على الرغم من أنها تزن 350 رطلاً) وقال أنه يمكن إقامة الدليل على أنه لا يمكن أن تكون الأشياء على غير ما عليه لأن كا الأشياء خلقت لبعض الغيايات، فلابد أنها بالضرورة خلقت لأحسن الغايات. لاظ مثلاً أن الأنف شكلت للنظارة ولهذا نلبس النظارات، وواضح أن الأرجل صممت للجوارب ولهذا نلبس الجوارب...أن هؤلاء الذين يؤكدون أن كل شيء صحيح حق، يخطئون التعبير، وجدير بهم أن يقولوا أن كل شيء هو أفضل شيء".
أن كانديد "أنصت في أنتباه شديد وآمن ضمناً" لأن الآنسة كونيجوند ابنة البارون كان واضحاً أنها أحسن وأجمل مخلوقة يمكن وجودها. وتجذبه إلى حبها ويقع في شراك غرمها، ويوسعه البارون ضرباً ويطرده من القصر.
ويجوب كانديد الآفاق، ويأسره ضباط التجنيد، ويرغمونه على اللحاق بالجيش البلغاري (هنا يعود فولتير بذاكرته إلى اليش البروسي) "وهنا جعلوه ينعطف يميناً ويساراً وينزع بندقيته ثم يعيدها ويصوبها ويطلق




صفحة رقم : 12682




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 28-03-11, 02:20 مساء   رقم المشاركة : [380]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

صة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> كانديد


النار ويسير. وجلدوه ثلاثين ضربة بالعصا" أنه يشهد المعركة ثم يتخلى عنها، ويلتقي بالأستاذ بانجوس الذي كاد أن يفقد آخر جزء في انفه، وعما قريب سيفقد إحدى عينيه وإحدى اذنيه لافراطه من البغي الجميلة "باكت" التي اصابها داء عضال عن طريق العدوى من أحد الأخوة الفرنسيسكان العلماء كوردلييه، وكان قد انتقل إليه هذا المرض عن طريق العدوى من كونتيسة عجوز كانت قد أصيبت به من أحد قواد الفرسان الذي نقله عن مركيزة نسبته إلى أحد الغلمان كان ق أصيب به بالعدوى من أحد اليسوعين. وكان المرض قد انتقل إلى هذا الأخير من أحد رفاقكرستوفركولمبس(32).
وتحطمت سفينة كانديد وبانجلوس بالقرب من لشبونة، ووصلا إلى الشاطئ ساعة خدوث الزلزال، وكتب لهما البقاء على قيد الحياة، ولكن محكمة التفتيش تقبض عليهما بتهمة الهرطقة، ويعدم بانجلوس شنقاً. أما كانديد فيتمكن من الهرب بمعونة كونيجوند التي كان الجنود قد اختطفوها ثم بيعت لأحد اليهود، ثم بيعت مؤخراً لأحد رؤسات محكمة التفتيش. وتمكن كانديد وكونيجوند من الهرب بمساعدة سيدة عجوز أخرست شكاواهما بقولها أنها كانت على وش أن يلتهمها الأتراك الذين كانوا يتضورون جوعاً في حصار آزور. وكانت قد قعت أسيرة في أيديهم، ولكن برحمة من القدر نصف الأعمى بدأوا بقطع ردف كل امرأة يمكن العثور عليها. وانتهى الحصار قبل المضي فيا لتجربة. وتختتم السيدة العجوز كلامها بقولها "كفا الآن عن النوح والتوجع لبؤسكما وتعاستكما، وابتهجا لأنكما تستطيعان الجلوس على ردفيكما كلهما".
ويعبران المحيط الأطلني على أمل أن تكون الدنيا الجديدة أقل قساوة من القديمة. وفي بونس أيرس يستولي قائد الموقع على كونيجوند ويختص بها نفسه ويأمر بابعاد كانديد، فيدخل المستعمرة اليسوعية في باراجواي ويجد هناك شقيق كونيجوند الذي يهاجمه لمجرد تجاسره على التفكير بالزواج




صفحة رقم : 12683




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> كانديد


منها، فيرديه كانديد قتيلاً، ويستأنف تجواله وحيداً بائساً، حتى يصل فجأة في وادٍ منعزل في بيرةو إلى "الدرادو" حيث يكثر الذهب إلى درجة لا يقدر فيها أحد قيمته. وهي أرض لا يوجد فيها مال ولا سجون ولا محامون ولا كهنة ولا أي صراع اقصادي. ويعمر أهلها السعداء لمائتي عام، وليس لهم ديانة إلا عبادة بسيطة لإله واحد. ويحمل كانديد بعض الذهب ويغادر المكان، ولا يزال قلبه يهفو إلى كونيجوند. ويبحر عائداً إلى أوربا ويصل إلى بور سموث ليجد من فوره أن أمير البحرين Byng قد أعدم رمياً بالرصاص لأنه خسر معركة. ويقول مارتن صديق كانديد الجديد أنهم يعتبرون من الحكمة في هذه البلاد أن يقتلوا أحد أمراء البحر بين الحين والحين ليستحثوا همم الآخرين ويشجعونهم(33).وعلم كانديد أن كوبيجوند في البندقية فيستقل السفينة إلأى إيطاليا ويكتئب ويحس بالضيق والحزن حين يسمع عما تعاني البغايا. ويستمع إلى غناء أصحاب الزوارق في فينيسيا ويخلص إلى أنه قد وجد بعض أناس سعداء. ولكن مارتن ينتهر بقوله "أنت لا تراهم في بيوتهمبين زوجاته اطفالهم. أن للأزواج ما يشغل بالهم ويحزنهم، لأصحاب الجندولات (الزوارق) ما يقلقهم كذلك. حقاً أن صاحب الزورق في الجملة أسعد حظاً من الدوج، ولكني أعتقد أن الفرق بينهما طفيف لا يستحق التفكير فيخه(34).
إن كونيجوند ليست في البندقية. إنها في الأستانة ويهرع إليها كانديد ليجد أنها باتت الآن أمة عوزاً شوهاء. ومع ذلك يحررها ويتزوجها. ويلحق بانجلوس الذي لم تقض عليه محكمة التفتيش تماماً بتلميذه، ويستأنف دفاعه عن التفاؤل، ويلتقون برجل سعيد تقريباً فيرحب بهم ويقدم لهم فاكهة وجوزاً من غرس البيت. ويسأله كانديد "لابد أن لك ضيعة كبيرة" فيجيب الرجل التركي ليس عندي إلا 20 فداناً أفلحها مع أولادي. وإن عملنا ليباعد بيننا وبين ثلاث مساوئ جسيمة: والسأم والرذيلة والحاجة(35). ويقرر كانديد أن يحذو حذو هذا الرجل التركي "ويعمد




صفحة رقم : 12684




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> كانديد


هو وكويجوند وأصدقاؤهما إلى فلح قطعة من الأرض يزرعون فيها غذاءهم وتقوم المرأة ذات الردف الواحد وبغي صلح شأنها صديقها الأخ الراهب بمهام كثيرة. إنهم يجدون في العمل ويلقون في عملهم نصباً، ويأكلون، ويتولاهم بعض الضجر لكنهم إلى حد ما راضون قانعون. ويحاول بانجلوس أن يثبت أن هذا أفضل العوالم الممكنة، حيث أن معاناتهم أدت بهم إلى هذا الهدوء والسلام. فيجيب كانديد بأن هذا كلام جميل ولكن علينا أن نزرع جنتنا. وتنتهي القصة القصيرة.
وكان فولتير قد حاول تضمين صة المغامرة والحب شيئاً من الهجاء اللاذع لما إليه ليبنتز من تبرير العدالة الإلهية في وجود الشر، ولتفاؤل بوب، ومساوئ الدين، وحوادث العشق والغرام في الأدبار، والصراع الطبقي والفساد السياسي، والحيل الشرعية والرشاوى القضائية، ووحشية قلنون العقوبات، وجور الاسترقاق، وما تجره الرب من خراب ودمار. وكانت قصة كانديد قد ألفت حين كانت حرب السنين السبع دائرة سجالاً بين النصر والخراب والدمار والموت. وأطلق فلوبرت على تحفة فولتير خلاصة أعماله(36). ولم تخل كانديد من عيب معظم الهجاء وهو المبالغة السخيفة، ولكن فولتير كان يعلم تمام العلم أن قليلاً من الرجال يواجهون هذه السلسلة المريرة من الكوارث مثلما واجهها كانديد. ولابد أنه عرف كذلك أنه على الرغم من أنه حسن أن يزرع الإنسان حديقته وأن يتقن المرء عمله الفردي المباشر، فإنه من الخير كذلك ألا تقتصر أرباحه على ما يعود عليه من حقله. أنه أفلح حديقته في فرني على أحسن وج. ولكنه ملأ أوربا صراخاً واحتجاجاً على إعدام كالاس.




صفحة رقم : 12685




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا



5- ضمير أوربا


كان جان كالاس أحد أفراد جماعة صغيرة من الهيجونوت-البروتستانت الكلفنيين تركت في تولوز بعد قرن من الاضطهاد ومصادرة الأملاك والتحول الجبري إلى الكثلكة. ولم يستبعد القانون الفرنسي البروتستانت من الوظائف




صفحة رقم : 12686




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


العامة فحسب، بل أعلن كذلك أنه لا يسوغ لهم أن يشتغلوا محامين أو أطباء أو صيادلة أة قابلات أو باعة كتب أو صانعين أو بقالين. وإذا لم يكن قد سبق تعميدهم فليس لهم أية حقوق مدنية أياً كانت. وإذا لم يكن قد تم زواجهن على يد قسيس كاثوليكي كان زواجهم باظلاً، وكأنما يعيشون مع خليلات لا حليلات، وأعتبر ابناؤهم غير شرعيين(37) والخدمات والقداسات البروستانتية محظرة. وكان الرجال الذين يحضرونها يعاقبون بإرسالهم للتجديف مدى الحياة. أما النساء فكان عقابهن السجن مدى الحياة. وعقاب الكهنة الذين يقيمون مثل هذه القداسات الإعدام. ولم تكن هذه القوانين مطبقة تطبيقاً صارماً في باريس أو قريباً منها، وتفاوتت صرامة هذه التوانين تبعاً للبعد العاصمة.
وكانت الاحقاد الدينية حادة بصفة خاصة في جنوب فرنسا. وكان الصراع بين الكاثوليك والهيجونوت عنيفاً لا هوادة ولا رحمة فيه. وكانت الفضائع التي ارتبها الطرفان لا تزال حية في الأذهان. وكان الكاثوليك المنتصرون قد قتلوا في تولوز في 562 ثلاثة آلاف من الهيجونوت، كما حكم برلمان تولوز على مائتين آخرين بالتعذيب حتى الموت(38)، وأحيا كاثوليك تولوز في كل عام ذكرى هذه الذبحة في احتفالات شاكرة ومواكب دينية مهيبة. وطافت نقابات المهنيين ومختلف طبقات النبلاء ورجال الدين وجماعات "النادمين البيض والسود والرماديين" بشوارع المدينة في هيبة جلاء حاملين مخلفات رهيبة: جمجمة رئيس أساقفة تولوز الأول، قطعة من ثوب العذراء، وعظام أطفال قتلوا بمناسبة أسطورة هيرود "قتل الأبرياء". وكان من سوء حظ كالاس أن تكون السنة القادمة هي ذكرى مرور مائتي عام على أحدث 1562.
إن برلمان تولوز الذي كان قوياً مسيطراً في لنجدوك كما كان برلمان باريس في وسط فرنسا، كان يتحكم فيه الجانسنيون-أي أنه برلمان كاثوليكي مع نزعة قوية إلى صرامة الكلفنية وزمها وكآبتها. ولم يدخر وسعاً في إثبات أنه أشد تمسكاً بالكثلكة من اليسوعيين أنفسهم. وفي 2 مارس




صفحة رقم : 12687




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


1761 حكم بالإعدام على الراعي الهيجونوتي روشيت لإقامته قداساً بروتستانتياً، كما حكم بالإعدام على ثلاثة رجال من كومت دي فوا حاولوا تخليص روشيت ن أيدي الشرطة(39). وفي 22 مارس أمر بتعذيب وإعدام صاحب متجر بتهمة قتله إبناً له عرض أن يعتنق المذهب الكاثوليكي.
وإنصافاً للمتعصبين ينبغي القول بأن نظم العقيدة المسيحية عند الكلفنيين وضعت أساساً لاعتقادهم بأنه من المرخص للوالد أن يقتل الابن العاق. وفي الأوقات التي كان القانون لا يزال فيها ضعيفاً، والسرة فيها هي المصدر الرئيس أو الحيد تقريباً للنظام والانضباط، منحت معظم المجتمعات الآباء حق إعدام أبنائهم أو الابقاء عليهم. ولابد أن شيئاً ومن هذا القانون الأبوي كان يعتمل فذ ذهن كلفن حين كتب "إن الرب يأمر بقتل الأبناء العاقين لآبائهم(40). وأشار كلفن إلى سفر التثنية (الإصحاح 21: الآيات 17-21) وإلى إنجيل متي (الإصحاح 15: الآيات 4-6) إن هذه الآيات على أية حال تبيح للآباء أن يتهموا الابن المعاند أمام شيوخ مدينته، الذين يمكنهم حينئذ أن يحكمو بإعدامه (يرجمونه بالحجارة حتى يموت). ولكن الكاثوليك المهتاجين في جنوب فرنسا ارتابوا في قدرة الهيجونوت على اللجوء إلى شيوخ المدينة ومن ثم يأخذون تطبيق هذا القانون القديم على عاتقهم هم انفسهم.
ويجدر بنا أن ننظر من حلال هذه الخلفية الكئيبة القاتمة إلى قضية جان كالاس.
أنه كان تاجر ملابس كتانية. وكان له مخزن في الشارع الرئيسي في تولوز حيث أقام لمدة ألارعين عاماً. وكان له ولزوجته أربعة أبناء وبنتان واحتفظوا طيلة ثلاثين عاماً بمربية كاثوليكية لأولادهم، هي جين فنييز حتى بعد أن حولت أحد الأبناء وهو لويس إلى الكثلكة. وأقام لويس آنذاك في شارع آخر تلميذاً صناعياً يتقاضى من أبيه راتباً بانتظام. واشتغل الابن




صفحة رقم : 12688




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


الأصغر، دونات، تلميذاً صناعياً في نيم وعاش الابنان الآخران، بيير ومارك أنطوان مع والديهما. وكان مارك أنطوان، وهو أكبرهما سناً، قد درس القانون، ولكنه حين هيأ للاشتغال به وجد أن كل الأوباب موصدة إلا أمام الكاثوليك. وحاول أن يخفي مذهبه البروتستانتي، وأن يحصل على شهادة بأنه كاثوليكي ولكن كشف أمره. وما كان له إلا أن يختار بين أمرين أحلاهما مر: إما أن يتخلى عن ذهبه البروتستانتي أو يضيع دراسة القانون هباء. واستبد به التفكير وعراه الاكتئاب، وانغمس في لعب الميسر والشراب وكان يحب أن يعيد على مسامع الناس مناجاة هملت للانتحار(41).
وفي 13 أكتوبر 161 اجتمعت أسرة في دارها فوق المخزن، وكان جوبير لافاييس، وهو أحد أصدقاء مارك انطوان، قد حضر لتوه من بوردو وقبل دعوة الوالد لتناول العشاء. ونزل مارك انطوان إلى المتجر وتسائل بيير ولافايبس عن السبب في عدم عوته، فنزلا يستطلعان الأمر فوجداه متدلياً من قضيب كان قد وصعه بين عضادتي الباب، فأنزلاه وناديا على الوالد واستديا طبيباً وحاول الجميع إنقاذه ولكن الطبيب أكد وفاته.
وهنا أرتكب الواد أ جسيم. لقد عرف إن هناك قانوناً نافذ المفعول يقضي بأن يجر المنتحر عارياً في الشوارع المدينة؟ وأن يرجمه الأهالي بالطين والحجارة ثم يشنق وتصادر أملاكه للدولة. وتوسل الوالد إلى أسرته وحاول إقناعها بالقول بأن الفاة طبيعية(42) في نفس الوقت كانت صيحات ببير واستدعاء الطبيب قد أدت إلى احتشاد جمع من الناس أمام باب الحانوت. وجاء الضابط واستمع إلى القصة التي رويت له، رأى الحبل وشاهد الأثر الذي تركه في عنق الرجل الميت. وأمر الأسرة ولافييس وجين فنيين بالشخوص إلى دار البلدية. وهناك احتجزوا في زنزانات مستقل. وفي اليوم التالي سئل كل منهم فأقروا جميعاً أن الوفاة غير طبيعية أكدوا أنه إنتحار، ولكن مدير الشرطة أبى أن يصدقهم، اتهمهم بقتل مار انطوان حتى




صفحة رقم : 12689




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


يحولوا بينه وبين الارتداء إلى الكثلكة. وأقر الاتهام الأهالي وكثير من أعضاء برلمان تولوز، وأعمت حمى الانتقام الناس.
قد يكون من الصعب الآن أن يصدق أحدنا أن يعهد والد إلى قتل ابنه ليحول دون تغيير مذهبه اليني، وقد يكون مرجع ذلك إلى أننا نفكر تفكيراً تغلب عليه النزعة الفردية. وبعد قرنين من الزمان تدهورت فيهما العقيدة الدينية. وفكر أهل تولز مجتمعين كجمهور، والجماهير قد تشعر ولكن لاتفكر، واشتدت صورة الغضب حمى الانتقام نتيجة احتفال أقامه "النادمون البيض" في كنيستهم، وعلقوا فوق نعيش خال هيكلاً عظيماً يحمل في إحدى يديه نقشاً يدل عل "تجنب الهرطقة" وفي الأخرى سعفاً يرمز إلى الاستشهاد، وتحت هذا الاسم "مارك" انطوان كالاس اقترضوا أن الشباب لم ينتحر فدفنوا الجثة باحتفال مهيب في كنيسة سان ستيفن. وعبثاً احتج بعض رجال الدين على أن هذا استباق للحكم في قضية القتل(43).
وجرت محاكمة آل كالاس أمام الاثني عشر قاضياً في محكمة تولوز البلدية. وصدرت مذكرة تحذير تتلى في ثلاثة أيام أحد متوالية في كل كنيسة تدعو للأدلاء بالشهادة كل من يعرف شيئاً عنظروف الوفاة. وتقدم للشهادة عدة أشخاص وشهد أحد الحلاقين بأنه سمع في تلك الليلة المشئومة صراحاً من بيت أسرة كالاس: آه يالهي أنهم شنقونني "وادعى آخرون أنهم سمعوا مثل هذه الصيحات. وفي 10 نوفمبر 1761 إدانت محكمة تولوز البلدية جان كالاس وزوجته وأبنه بيير، وأصدرت حكماً بإعدامهم شنقاً، وحكمت على لافاييس بالتجديف في المراكب الشرعية، كما حكمت على جين فنيير بالسجن لمدة خمسة أعوام. وكانت المربية الكاثوليكية قد اقسمت اليمين على براءة مخدوميها البروتسانت.
واستؤنف الحكم أمام برلمان تولوز الذي عين هيئة من ثلاثة عشر قاضياً استمعوا إلى ثلاثة وستين شاهداً آخرين. واستند كل الشهو إلى الشائعات واستمرت المحاكمة ثلاثة أشهر احتجزت فيها أسرة كالاس ولافايسس منفردين




صفحة رقم : 12690




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


وأدان الحكم النهائي الوالد فقط. ولم يستطع أحد أن يوضح كيف تسنى لرجل في الرابعة والستين أن يتغلب دون مساعدة على أبنه الناضج المكتمل النمو ويشنقه. وأملت المحكمة أن يعترف كالاس تحت ضغط التعذيب، ولكم من مرة نصحوه بالاعتراف، وكم من مرة أكد أن مارك أنطوان انتحر. وبعد راحة مدتها نصف ساعة خضع للتعذيب الشديد الاستثنائي حيت صبوا في حلقة نحو "جاولنين" من الماء ولكنه أصر على أنه بريء . ثم صبوا في حلقه عنوه جالونين آخرين حتى انتفخ جسمه إلى ضعف حجه الطبيعي، ولكنه ظل مصراً على براءته فسمح له بالتلص من الماء، فأخذه إلى ميدان عام أمام الكاتدرائية ووضع على صليب وبإحدى عشرة ضربة من قضيب حديدي هشم الجلاد أطرافه في موضعين وأعلن الرجل براءته، وهو يهيب بيسوع المسيحح لنجده، وبعد ساعتين من الآلام المبرحة شنق ثم شيدوا جثمانه إلى خازوق وأحرق (10 مارس 1762)(44).
واطلق سراح المسجونين الآخرين، ولكن الدولة صادرت ممتلكات كارس. وأسرعت الأرملة وبيير إلى مأوى في في مونتوبان وأرسلت البنتان إلى ديرين مختلفين. ولما رأى دونات أنه مهد بالخطر في نيم هرب إلى جنيف. وإذ سمع فولتير بالمأساة دعا دونات إلى ملاقاته في لي دليس في 22 مارس وكتب فولتير إلى داميلافيل "سألت ونات إذاً كان أبوه وأمه من ذوي الطبع الحاد، فأجاب أنهما لم يضربا أحد من أبنائهما قط، وأنه ليس ثمة آباء أشد منهما حناناً وتسامحاً(45). واستشار فولتير تارين من جنيف كانا قد أقاما مع كالاس في تولوز، فأكد صدق ا قال دونات. وكتب إلى بعض الأصدقاء في لنجدوك فأجاب الكاثوليك والبروتستانت جميعهم بأن جريمة الأسرة كانت فوق أي شك معقول(46) وأتصل فولتير بالأرملة فبعثت إليه برد واضح فيه صدقها وإخلاصها كل الوضوح، إلى حد أنه حفزه إلى العمل والتصرف. فأهاب بالكردينال دي بريس، ودارجنتال ودوقة دي أنفيل ومركيزة دي يقولا والدوق دي فبللار والدوق دي ريشيليو ليتوسلوا




صفحة رقم : 12691




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


إلى وزيري الملك شوازيل وسانت فلورتين ليأمرا بإعداة النظر في المحاكمة. ةالحق دونات بأسرته وأحضر بيير كالاس إلى جنيف وأقنع مدام كالاس بالإقامة في باريس حتى يكون من الميسور سؤالها والرجوع إليها. واستخدم محامين ليشيروا عليه بما يجب إتخاذه من إجراءات فنية قانونية في القضية. ونشر كتيباً تحت عنوان "الوثائق الأصلية في وفاة السيد الاس(47)، واتبعه بنشرات أخرى. أهاب بسائر الكتاب أن يسخروا أقلامهم لإيقاظ ضمير أوربا وإثارة الشعور فيها. وكتب إلى داميلافيل "أحتج ودع الأخرين يحتجون على قضية أسرة كالاس، أرفعوا عقيرتكم بالاحتجاج على التعصب(48)" كما كتب إلى دالمبير "أرفع صوتك في كل مكان، استحلفك بالله من اجل آل كالاس ضد التعصب. إنهم فقدوا اعتبارهم نتيجة أتهامهم بهذا الجرم الشائن. وهذا هو سبب شقائهم وتعاستهم، وحث على التبرع بالأموال لسد نفقات هذه الحملة التي تحمل الجزء الأكبر منها حتى هذه اللحظة. وأنهالت عليه التبرعات من كل جانب، ومن ملكة إنجلترا إمبراطورة روسيا وملك بولندا. ووافق محام لامع ن باريس على إعداد القضية لرفعها إلى مجلس الدولة دون أن يتقاضى أجراً. وقصدت بنات كالاس إلى باريس للحاق بوالدتهن. وحصلت أحداهن على رسالة من راهبة كاثوليكية تستدر العطف على آل كالاس(50) وفي 7 مارس 1763 أستقبل وزراء الملك الأم وبناتها. واجتمع الرأي علىضرورة ظر القضية من جديد. وصدر الأمر بإحضار كل الوثائق والمستندات المتعلقة بالموضوع من تولوز.
ولكن قضاة تولوز لجأوا إلي مائة حيلة للأطباء في جميع الوقائع وإحالتها. وفي أثناء ذلك الصيف كتب فولتير ونشر بحثه الهام "رسالة عن التسامح" ورغبة منه في إدياد إقبال الناس عليها وأفتتانهم بها كتبها بأسلوب يتسم باعتدال يثير الدهشة والعجب. أنه أخفى أنه المؤلف، وتحدث حديث رجل مسيحي تقي متمسك بالدين مؤمن بالخلود، وامتدح أساقفة فرنسا على أنهم سادة مهذبون ويفكرون ويعملون بشكل نبيل يتناسب مع شرف محتدهم(51).




صفحة رقم : 12692




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


وزعم أو تظاهر بأنه يرتضي المبدأ الذي يقول بأنه "لا خلاص بغير الكنيسة"(52). ولم تكن الرسالة موجة إلى الفلاسفة بل إلى رجال الدين الكاثوليك أنفسهم، ومع ذلك لم تخلُ من الجرأة والتهور لأنه كثيراً ما نسي قراءه.
وبدأ فولتير رسالته بالحديث عن محاكمة كالاس وإعدامه وعرض تاريخ التسامح وبالغ في الكلام عنه في حالة اليونان ورومة. واستبق جيبون في محاولة إقامة الدليل على أن اضطهاد المسيحيين للهرطقة فاق بما لا يقاس اضطهاد الرومان للمسيحيين حيث كان الهراطقة "يشنقون أو يغرقون أو تحطم أجسامهم في عجلة التعذيب أو يحرقون بسبب حب الله(53)" ودافع عن الإصلاح الديني باعتباره ثورة لها ما يبررها ضد بيع البابوية لصكوك الغفران، وهي البابوية التي حط من قدرها حوادث غرام البابا الإسكندر السادس وحوادث القتل التي أرتكبها قيصر بورحيا ابن البابا. وأبدى دهشته وشدة استيائه عندما اطلع على محاولة حديثة لتبرير مذبحة سانت برثلميو وسلم بأن البروتستنت كانوا كذلك غير متسامحين وعلى الرغم من ذلك أوصى بإباحة العبادة البروتستنتية في فرنسا وعودة الهيجونوت المنفيين إليها.
:أنهم لا يطالبون إلا حماية القانون الطبيعي لهم، وإقرار صحة زواجهم، والأطمئنان على احوال أبنائهم وحقهم في الوراثة عن آبائهم، وتحرير




صفحة رقم : 12693




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


أشخاصهم، ولا يطالبون بكنائس عامة ولا بأي حق في الوظائف البلدية ولا في المناصب الرفيعة(55).
وعلى الرغم من هذا التحديد البارع عرف فولتير التسامح بقوله:
"هلي إذن أن اقترح أن يكون كا إنسان حراً في اتباع ما يمليه عليه عقله هو، ويؤمن بما يوحى به إليه عقله المستنير أو المخدوع أيا كان؟ وحقاً شريطة ألا يعكر صفو النظام العام...وإذا كنت تصر على القول بأن عدم الإيمان باليانة السائدة ريمة فإنك بذلك تتهم المسيحيين الأولين أباءك الأقدين وتبرر عمل من تلومهم على أضطهادهم وتعذيبهم....وغّا كان ينبغي أن يكون للحكومة الحق في معاقبة الناس عاى أخطائهم فمن الضروري أن تتخذ هذه الأخطاء شكل الجرائم. ولن تتذ الأخطاء شكل الجرائم إلا إذا ازعجت المجتمع وعكرت صفوه. وهي تقلق بال المجتمع إذا ولدت التعصب. ومن ثم يجدر بالناس أن يتفادوا التعصب ليكونوا جديرين بالتسامح"(56).أو المخدوعأو
وختم فولتير حديثه بالتوجه إلى الإله "أنك لم تخلق لنا القلوب ليكره بعضنا بعضاً، ولا الأبدي ليقتل الواحد من الآخر. فلنسلم بأن الواحد منا قد يعين الآخر على احتمال عبء الحياة المؤلمة الزائلة. نرجو الايستخدم الناس هذه الفروق الطفيفة في الملابس التي تستر أجسامنا الضعيفة، وفي الطرق التي نعبر بها عن أفكارنا وفي عاداتنا السخيفة وقوانيننا اقصرة...وباختصار هذه الاختلافات اليسيرة الموجودة بين الذرات المسماة بالناس...وتقول نرجو ألا يستخدمها الناس علامات على الكراهية والاضطهاد المتبادلين ونرجوا أن يتذكر الناس جميعاً أنهم أخوة(57).
ولسنا دري أي تعصب أسهم به هذا النداء في مرسوم التسامح الذي أصدره لويس الساس عشر في 1787. وهل وصل إلى أسماع وزراء لويس الخامس عشر وحرك مشاعرهم. وعلى أية حال وبعد معوقات جمة




صفحة رقم : 12694




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


امتحن الله بها قلوب آل كالاس أعلم مجلس الملك في 9 مارس 1765 أن اتهام جان كالاس باطل نطق ببراءته وحصل شوازيل من الملك على منحه قدرها ثلاثون ألفاً من الجنيهات تعويضاًللأرملة أبنائها عن فقد ممتلكاتهم. ولما وصلت أنباء هذا الحكم إلى فرني بى فولتير فرحاً.
وفي الوقت نفسه (19 مارس 1764) أمرت المحكمة البلدية Mazamet في جنوب وسط فرنسا بإعدام بييربول سيرفن Sirven زوجته بتهمة قتل أبنتهما للحيلولة بينها وبين التحول إلى الكاثوليكية. وقضى الحكم بأن تشهد البنتان الباقيتان على قيد الحياة إعدام الديهما(58) وكان ينبغي أن يتم هذا الإجراء بصورة رمزية لأن الأسرة كانت قد هربت إلى جنيف (1 إبريل) وكانت قد بلغت فولتير بقصتها.
وكان سيرف بروتستانتياً يقيم في كاستر Castre على بعد نحو أربعين ميلاً إلى الشرق من تولوز. وفي 6 مارس 1760 اختفت الأبنة الصغرى اليزابث وعبثاً حاول والداها البحث عنها. واستدعاهما أسقف كاستر وأبلغهما أنه كان قد أرسل الفتاة إلى أحد الأديار، بعد أن أفضت إليه برغبتها في أن تصبح كاثوليكية. وسمح القانون الفرنسي الذي سن في عهد لويس الرابع عشر للسلطات الكاثوليكية بانتزاع الولد فوق سن السابعة من بين أحضان والدية، ولو بالقوة عند الاقتضاء، إذا طلب التحول إلى المذهب الكاثوليكي. واستبدت الأوهام باليزابث في الدير وتحدثت إلى الملائكة ومزقت ملابسها عن جسمها وتوسلت أن تُضرب بالسياط. وباتت الراهبات في حيرة من أمر أليزابث، وكيف يتصرفن معها، فأبلغن الأسقف بخبرها، فأمر بإعادتها إلى والديها.
وفي يولية 1761 أنتلت الأسرة إلى سانت آبي St. Abby على بعد 50 ميلاً من كاستر. وهناك في إحدى ليالي ديسمبر غادرت اليزابث غرفتها-ولم تعد. وفي 3 يناير وجد جثمانها في بئر. ولم يكن أهالي سانت آبي ميالين إلى اتهام أسرة سيرفن بقتلها ومثل 45 شاهداً أمام المحكمة المحلية. فعبروا




صفحة رقم : 12695




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


جميعاً بلا استثناء عن رأيهم في أن الفتاة إنتحرت أو أنها سقطت في البثر بمحض الصدفة . فأرسل المدعي المحلي ترنكييه Trinquier مذكرة بالحادث إلى المدعي العام في تولوز فأصدر إليه تعليماته بمواصلة السير في القضية مع إفتراض أن سير فن مذنب: وبدا هذا غير جائز لأن سير فن كان متغيباً عن البلدة ليلة اختفاء اليزابث. كما كانت زوجته عجوزاً واهنة. وكانت إحدى البنات حبلى. وكاد يكون من غير المعقول أن تكون إحدى هاتيك السيدات قد دفعت بالبنت إلى البئر دون أن يسمع لها صراخ. ومع ذلك فإن ترنكييه أصدر في 20 يناير أمراً بالقبض على سيرفن.
وعلم سير فن أنه قبل ذلك بنحو شهرين كانت محكمة تولوز قد أصدرت حكماً بإعدام جان كالاس بتهمة مماثلة بناء على: أدلة مشتبه فيها غير قاطعة. وإذا استسلم للأعتقال والتحقيق والمحاكمة فإن قضيته ستعرض فب النهاية على برلمان تولوز، ولما لم يكن يثق في هذه المحاكم فأنه حمل زوجته وبناته في أواسط الشتاء عبر فرنسا وفوق جبال السفن Sevennes إلى نيف على أمل أن يهب المدافع عن كالاس لمعاونته.
وكان فولتير لا يزال منهمكاً في حملته من أجل كالاس فرأى من سداد الرأي ألا يشغل الذهن الفرنسي بقضيتين في وقت معاً. وأسهم في الأخذ بيد الأسرة التي كانت أملاكها قد صوردرت، ولكن عندما أقحمتها سلطات تولوز فقي الموضوع استجابة لطلب وثائق مستندات قضية كالاس، استأنف فولتير الهجوم بالبدء في شن حملة من أجل سير فن، وعاود الكرة في طلب المعونة والتبرعات التي جاءته من فردريك الثاني ملك بروسيا وكريستيان السابع ملك الدنمرك وكترين الثانية قيصرة روسيا وستاسلاس بونيا توسكي ملك بولندا. ورفضت محكمة مازامي طلب نسخة من أوراق التحقيق.
ويجدر بنا ألا نسهب في إيراد فاصيل الصراع في هذه القضية فقد ظلت منظورة حتى نقض برلمان تولوز آخر الأمر في 1771 حكم محكمة أول




صفحة رقم : 12696




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


درجة وقضى ببراءة أسرة سيرفن وأعاد إليها أملاكها. وقال فولتير:
"لقد استغرق صدور الحكم بإعدام هذا الرجل ساعتين واستغرق النطق ببراءته تسع سنوات(59).
وروع فولتير حين علم وسط هذا الجهد الكبير والشغل الشاغل أنه هو نفسه متورط في قضية برزت فجأة في آبفيل على شاطئ المانش. ذلك أنه في ليلة 8-9 أغسطس شوه صليب خشبي (تمثال يمثل المسيح مصلوباً) على جسر بونت نيف على نهر السوم كما لطخ صليب آخر في مقبرة سانت كاترين بالأوساخ والأقذار. وفزع رجال الدين والهالي حين ما اكتشفوا تدنيس المقدسات على هذا النحو وقصد أسقف أميان إلى آبفيل وقاد وهو حافي القدمين موكباً اشترك فيه كل السكان تقريباً يلتمسون المغفرة من الرب. وقرئ في كل الكنائس تحذير ينذر بتوقيع العقوبة الصارمة على كل من كان في مقدوره أن يلقي شيئاً من الضوء على هذا السر لم يتقدم للأدلاء بما يعلم. واتمع القاضي دوفال إلى 77 شاهداً وذكر بعضهم أنهم لاحظا ثلاثة شبان بموكب عيد الجسد دون أن يركعوا أو يخلعوا قبعاتهم. وزعم آخرون إن عصابة من شبان آبفيل، من بينهم ابن دوفال، درجوا على السخرية من المواكب والاحتفالات الدينية والتغني بأغان ماجنة(60). وفي 26 أغسطس صدرت مذكرات إلى جيار أتاللوند وشيفالييه جان فرنسوا ليفبردي لابار شاب في السابعة عشرة يعرفهالتاريخ باسم موازيل فقط. وهرب أتاللوند إلى بروسيا. وقبض على موازنل Moisnel ودي لابار. وحصل موازنل على عفو جزئي باعترافه بأنه هو والآخرون ارتكبوا هذه الأعمال المزعومة. واتهم دي لابار بأنه بصق على صور القديسين وبأنه أنشد ابتهالاً بذيئاً اسمه "لامادلين" وبأنه أعار القاموس الفلسفي "ورسالة إلى فراشه" لفولتير، وزعم أنه رأى أتاللوند يضرب الصليب فوق القنطرة ويلطخ الصليب بالأقذار في المقبرة.




صفحة رقم : 12697




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


وكان لابار حفيد قائد أخنى عليه الدهر واعترف بأنه مهرطق. وروى أحد الشهود أن لابار عندما سئل لماذا لم يخلع قبعته أمام موكب عيد القربان أجاب بأنه "اعتبر القربان قطعة من الشمع ول يستطع أن يفهم كيف يقدم أي إنسان على عبادة إله من العجين. وأقر لابار بأنه ربما قال شيئاً من هذا القبيل وأضاف إنه قد سمع شباناً آخرين يبدون شيئاً من مثل هذه المشاعر والآراء وإنه لا ضير عليه من مثلها. كذلك وفتشت مكتبته فوجد فيها قاموس فولتير وكتاب هلفشيوس "الذكاء" وكتب أخرى تهاجم الدين وفي أول الأمر نفى علمه بانتهاك أتاللوند للحرمات المقدس فلما علم باعتراف موازنل عاد فأكد صحته. وكانت الجريمة النهائية التي اتهم بها دي لابارهي التجديف على الله والقربان المقدس والعذراء المقدسة والدين والوصايا الإلهية وتعاليم الكنيسة والتغني بأغنيتين مملؤتين بالتجديف اللعين البغيض ووضع علامات التقديس والإجلال على بعض الكتب السيئة السمعة وانتهاك حرمة علامة الصليب وسر تقديس النبيذ والبركات التي تمنحها الكنيسة والتي يقرها المسيحيون(61).
وفي 28 فبراير 1866 أصدرت محكمة آبفيل حكمها. وهو يقضي بتعذيب لاباروتا للموند عند اعتقالهما حتى يبوحا بأسماء شركائهما. كما يقضي عليهما بالتفكير علناً أمام الكنيسة الرئيسية في المدينة ويقطع لسانيهما من الجذور ضرب عنقيهما ثم إحراق جثتيهما حتى رمادا. كما يجب إلقاء القاموس فولتير الفلسفي في نفس النار. واستؤنفت الحكم أمام برلمان باريس. وطالب بعض الأعضاء بتخفيفه. فرد العضو باسكييه بأن الأمر يحتاج إلى إنذار وعقوبة رادعة لاستئصال شأفه الكفر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والأخلاقي، وحاول التدليل على أن المجرم الحقيقي هو فولتير، ولكن حيث أنه لا سبيل أمام البرلمان للوصول إلى أس البلاء فيجب أن ينال تلميذه جزاءه بدلاً منه. وصوت عضوان على إبدال الحكم وتخفيفه وصوت خمسة عشر عضواً على تنفيذه برمته. وفي أول يولية 1766 نفذ




صفحة رقم : 12698




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


الحكم باستئناء قطع اللسان. ولقي لابار مصيره دون توريط أحد من أصدقائه. وفصل الجلاد الرأس عن الجسد بضربة مسددة تسديداً محكماً مما نال إعجاب الجمهور واستخدامه(62).
وصعق فونتير لصرامة العقوبة وأحس بأنها وحشية خليقة بمحكمة التفتيش الإسبانية في أسوأ أحوالها، وكتب أسقف أنسي Anncey إلى المحكمة الفرنسية يطلب تطبيق العقوبات الواردة في إلغاء مرسوم نانت على يد فولتير الذي كتب إلى دالمبير يقول إن هذا الأسقف الوغد لا يزال يقسم أنه سيراني أحرق غفي هذه الدار الدنيا أو في الدار الآخرة....وتجنباً للاحتراق فاني أرقد في مقدار من الماء المقدس(63). وخشية إستدعائه للمثول أمام برلمان ديجون إنتهز الفرصة لتجربة المياه المعدنية في رول بسويسرا. ثم عاد إلى فرني ليستأنف جهوده من أجل سيرفن.
واقترح آنذاك على دالمبير وديدرو أن يبرحا هم وسائر الفلاسفة فرنسا تحت جنح الليل: ويقيموا في كليفر تحت حماي فردريك الأكبر. ولم يتحمسا كما لم يتحمس فردريك لهذه الخطة. وأقر الملك بأن عقوبة دي لابار كانت متطرفة في صرامتها أما هو فكان يرى من جانبه الحكم على الشاب بقراءة "خلاصة اللاهوت" لتوماس أكويناس، فهذا في نظره مصير أسوأ من الموت، ثم استطرد فردريك ليزود فولتيربشء من النصيحة:
"إن ما حدث في آبفيل مأساة ولكن ألم يخطئ أولئك الذين عوقبوا؟ هل لنا أن نهاج باشرة الحزازات والاحقاد التي غرسها الزمن في أذهان المم؟ وهل يجوز لنا إذا أردنا أن ننعم بحرية الفكر أن نتقر الديانة السائدة. أن الإنسان الذي لا يهدف إلى تعكير الصفو وأثاره القلق نادراً ما يضطه. وتذكر قول فونتنل "إذا كانت يدي مملؤة بالحقائق فينبغي عليّ أن أفكر لأكثر من مرة قبل أن أفتحها(64)".
أما فيما يتعلق بمستعمرة الفلاسفة المقترحة في ليفز فإن فردريك عرض أن يبسط عليهم حمايته شريط أن يحافظوا على السلام ويحترموا عقيدة الشعب.




صفحة رقم : 12699




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


وأضاف "أن الرجل لا ينبغي له أن يتنور...وإذا كان الفلاسفة أن يشلوا حكوم فإن الناس بعد 150 عاماً سيصطنعون خرافات جديدة، فيصلون لأصنام صغيرة أة للأجداث التي دفنت رفات عظماء الرجال، أو يتضرعون إلى الشمس أو يعمدون إلى شيء من مثل هذا الهراء. إن الخرافة وطن ضعف في ذهن الإنسان وجزء لا يتجزأ منه ولا ينفصل عنه، إن هذا الضعف كان موجوداً وسيظل موجوداً دائماً(65).
وتابع فولتير حملته وأخرج "موجز عن الموت شيفاليه دي لابار. وأرسل إلى أصدقائه الملكيين يطلب إليهم التوسط لدى لويس الخامس عشر ليرد إلى الشاب الميت اعتباره بشكل أو بآخره. ولما أخفقت هذه المساعي أرسل إلى لويس السادس عشر (1775) رسالة عنوانها "صرخة الدم البرئ". ولم ينقض الحكم على لابار قط ولكن رضيت نفس فولتير حين رأى ترجو يعيد النظر في قانون العقوبات الذي أجاز إعدام شاب نتيجة أخطاء يبدو أنها تستحق عقوبة أقل من ضرب العنق. وتابع فولتير بنشاط يستحق التنويه به في مثل سنه، قيادة هذه الحملة الصليبية حتى آخر ياته ضد إفراط الكنيسة والدولة.
وفي 1764 ظفر بإطلاق سراح لود شومونت الذي كان قد حكم عليه بالجديف في السفن الشراعية لحضوره صلاة بروستانتية. ولما أطاحوا برأس كونت توملس دي لالي (1766 في باريس) القائد الفرنسي الذي هزم أمام الإنجليز في الهند بتهمة الخيانة والجبن فإن فولتير تلبية لنداء ابن لالي، كتب مجلداً من 300 صحيفة تح عنوان شذرات تاريخية عن الهند يبرئ فيه الكونت، واستحث مدام دي باري لتتوسط لدي لويس الخامس عشر وألغى الحكم 778 قبل وفاة فولتير بزمن قصير.
إن هذه الجود الشاقة أرهقت المناضل الذي بلغ الثمانين، ولكنها جعلت منه بطل فرنسا المتحررة. وأورد ديدور في كتابه (ابن أخي رامو) أن فولتير بلغ الذروة في كتابه محمد، ولكني كنت أفضل أن أدافع عن كالاس.(66)




صفحة رقم : 12700




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> ضمير أوربا


وقال بوماريه وهو قسيس بروتستانتي في جنيف لفولتير-يبدو كأنك تهاجم المسيحية ولكنك تؤدي عمل الرحل المسيحي(67) وأسهم فردريك على-الرغم من كل حرصه وحذره في تقدير وإجلال الرجل الذي جعل من نفسه "ضمير أوربا"، حيث يقول كم هو جميل أن يسمع فيلسوف صوته لكل الناس من ميكنه. وأن يجبر الجنس البشري الذي يتكلم هذا الفيلسوف باسمه القضاة على إعادة النظر في الأحكام الائر وإذا لم يكن ثمة شيء آخر يتحدث بفضل فولتير، فإن هذا وحده كان ليحظى بمكان بين من أحسنوا إلى الجنس البشري وأدواله أجل الخدمات(68).




صفحة رقم : 12701




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس



6- اقضوا على الرجس


في غمرة هذا الصراع انقلبت مناهضة فولتير للمسيحية إلى بغض استمر عشر سنين من حياته (175-1769) وكان قد بدأ باحتقار شبابي للمعجزات والأسرار والأساطير التي واجهت الناس، ثم انتقل إلى تشكك ساخر في المبادئ المسيحية مثل التثليث وتجسي المسيح (اتحاد الألوهية والناسوتية فيه) وآلام المسيح وموته (تكفيراً عن خطايا البشر)، عما اعترف توماس أكويناس صراحة بأنه ليس في متناول العقل، أو أنه يشق على الفهم. ولكن الات التمرد والثورة هذه طبيعية في ذهن شيط يحس بالنمو في العروق وربما ر فولتير بهذه الحالات حتى أصبح رجلاً يتغاضى كما يتغاضى العالم تغاضياً عن المعتقدات العزيزة على جماهير الناس المفيدة بوصفها عاملاً مساعداً على النظام الاجتماعي والانضباط الخلقي. وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر كان رجال الدين الفرنسيون متسامحين نسبياً، وأسهموا في تقديم الاستنارة ولكن اتساع نطاق الكفر والترحيب الذي قوبلت به دائرة المعارف أزعجا رجال الكنيسة وانتهزوا فرصة ا داحل الملك من رعب بمحاولة داميين Damiens قتله (1757) ليخرجوا من الدولة بمرسوم (1759) ينص على أن مهاجمة الكنيسة جرينة عقوبتها الإعدام. ورأى الفلاسفة فذ هذا إعلاناً للحرب،وأحسوا بأنهم ليسو منذ الآن في حاجة إلى أن يدخروا أية مشاعر أو أية تقاليد في شن ما بدا لهم أنه حماقة




صفحة رقم : 12702




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


قاتلة. ورأوا خلف جمال الديانة وشعرها دعاية تسخر الفن وتصادره، وخلف مساندة المسيحية للفضيلة والآخلاق القويمة ألف مهرطق يحرقون وهم مشدودونإلى الخازوق، كما رأوا أهل مدينة ألبي Albi (في جنوب فرنسا) يسحقون في حرب صليبية طاحنة، ورأو أسبانيا والبرتغال تجللهما الكآبة والقتال بسبب محاكم التفتيش، وفرنسا ممزقة منعزلة بما فيها من أساطير متنافسة، ورأوا متقبل الروح البشرية في لك مكان خاضعاً للتجديد أو البعث المتكرر للخرافة ولأساليب الكهنة والاضطهاد والتعذيب، وعليهم أن يكافحوا نكسة العصور الوسطى في أواخر سني ياتهم.
وثمة ثلاثة أحداث جعلت من عام 1762 نقطة تحول في هذا الصراع المتعذر كبح جماحه. فبدا إعدام كالاس في مارس وكأنه إعلان انتكاس فرنسا إلى العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. إن السلطة المدنية هي التي تولت المحاكمة والتعذيب والقتل، ولكن وراء خلفية من التعصب شعبي عام ولدته التعاليم والطقوس والكراهية الدينية. وفي مايو زودكتاب روسو "إميل القرن الثامن عشر" بإعلان قسيس سافوي لعقيدة الإيمان، وهو ولو أن مؤلفه خصيم للفلاسفة جرد المسيحية من كل شيء تقريباً فيما عدا الإيمان بالله وبأخلاق المسيح. وبدا أن إحراق الكتاب في 11 يونية في باريس و19 يونية في جنيف وحد بي الكاثوليكية والكلفنية في مؤامرة ضد العقل البشري. وكان واضحاً أن استنكار برلمان باريس لليسوعيين في أغسطس نصر الفلاسفة، كما كان أيضاً نصراً للجانسنيين الذي سيروا على برلمانات باريس وتزلوز وروان، إن تصرفات البرلمانات في قضيتي كالاس ولا بار لتوضح أن الجانسنيين كانوا أعداء ألداء لحرية الفكر، قدر عداوة غيرهم في تاريخ فرنسا بأسره. وفي نفس الوقت نجد أن العداء بين البرلمانات والحاشية الملكية ونمو سلطان شوايل في الحكوم (1758-1770).؟ وهو من مشايعي فولتير-مهدا للفلاسفة الفرصة للمضي في النضال مع التعرض لخطر أقل مما هو مألوف من جانب رقباء الدولو والشرطة، ومن ثم أعدت الساحة لذروة الهجوم على المسيحية.




صفحة رقم : 12703




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


والآن يطلق فولتير النذير ويصيح بأعلى صوته غاضباً في "إقضوا على الرجس". وكان قد بدأ باستخدام هذه العبارة في 1759، واستخدامها منذ تلك اللظ مئة مرة في عدة صيغ مختلفة، كما استخدمها أحياناً بمثابة توقيع(69). لقد اكتسب فولتير ابن الثمانية والستين عاماً حيوية جديدة ونشاطاً جديداً حين شبه نفسه بكاتو سنكس القنصل حين ختم خطابه أمام مجلس السانتو الروماني بصيحته "حذار من قرطاجة" وكتب فولتير يقول "إني مصاب بالمغص، وأنا أعانب كثيراً، ولكن تخف آلامي حين أهاجم الخزي والعار"(70). وفي حماسة شابة وثقة بالغة المدى نصب نفسه ونفراً من المعاونين المترددين لشن الحملة على أقوى نظام في تاريخ البشرية.
وماذا كان يقصد بالرس؟ كان يريد القضاء على الخراف والتعصب والظلامية (النزعة إلى تعويق التقدم انتشار المعرفة) والاضطهاد؟ أو أنه أخذ على عاتقه هدم الكنيسة الكاثوليكية، أو كل مذاهب المسيحية، أو الدين أي دين؟ أغلب الظن ألا يكون هذا الأخير لأننا نراه مرة بعد أخرى وسط الحملة يعلن إيمانه بالتوحيد، وفي بعض الأحيان في لغة عامرة بتقوى فولتير. وفي القاموس الفلسفي عرف الديانة بطريق غير مباشرة بقوله "إن كل شيء تقريباً يتجاوز عبادة كائن أسمي وإخضاع القلب لأوامره الأبدية هو خرافة(71) وقد يبدو أن هذا يرفض كل أشكال السيحية فيما عدا مهب الموحدين إن فولتير نبذ تقريباً كل المبادئ المميزة في المسيحية التقليدية-الحطيئة الأولى، التثبيث التجسيد، تكفير المسيح عن خطايا البشر، والقربان، وسفه "التضحية" من الله لله على الصليب أمن الكاهن في القداس، ومن ثم نبذ معظم أشكال البروتستنتية أيضاً، وأعتبر الكلفنية عائقاً في سبيل التقدم ونشر المعرفة، مثل الكاثوليكية. وصعق كهنة جنيف حين قال بأن كلفن مراوغ فظيع ورأى أن في مقدوره أن يعيش راضياً قانعاً في ظل الكنيس الرسمية كما كان قد رآها في إنجلترا. وكتب إلى دالمبير: "آمل أن تقضي على الرجس، تلك هي النقطة الهامة. ويجدر أن نهبط بها




صفحة رقم : 12704




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


إلى ما هي عليه في إنجلترا. وستصل إلى هذه الغاية إذا أردت أو تلك هي أجل خدمة يمكن أن يديها للجنس البشري"(72) وقد نحلص من هذا إلى أنه قصد بالرجس الدين عامة، بل الدين الذي قصد به شر الخرافة والأساطير والتحكم في التعليم والسيطرة عليه، ومناهضة الانقاض على الرقابة، والأعتراض على الاضطهاد. وتلك هي المسيحية التي رآها فولتير في التاريخ وفي فرنسا.
وهكذا احرق كل الجسور من خلفه، ودعا كل أفراد صبته للحرب. "وكان المطلوب لدك الحصون خمسة أو ستة من الفلاسفة يفهم الواحد منهم الآخر...لقد غرس دالمبير وديدرو وآل بولينجاروك وهيوم وأمثالهم بذور الحقيقية"(73) ولكن بشكل مشتت تعوزه الخطة المتماسكة، وعليهم الآن أن يتحدوا، وسيكون هو على رأسهم، وتلك قضية يسلم هو بها، ويشير عليهم بخطة العمل فيقول: "أضرب أخف يدك...إني آمل أن يستطيع كل من الإخوة أن يسدد بعض السهام إلى هذا المسخ دون أن يعلم أيه يد صوبتها إليه(74) وإني لأرجو أن يتسلل الإخوان إلى الأكاديميات ومراكز النفوذ إلى الوزارة إذا أمكن، إنهم ليسوا في حاجة إلى تحويل الجماهير بل إلى تحويل الرجال ذوي السلطة الذين يمكنهم أن يأخذوا بزمام المبادرة. إن بطرس الأكبر غير روح روسيا ووجهها" وكذلك حاول فولتير إدخال فردريك في هذه الزمرة (5 يناير 1767) "مولاي إنك على حق تماماً أن المير القوي الشجاع يستطيع بالمال والجنود والقوانين أن يحكم الناس دون عون من الدين الذي ما أقيم إلا ليضللهم ويخدعهم. إن جلالتكم تؤدون إلى الجنس البشري أجل خدمة خالدة باقتلاع جذور الخرافة المخزية، ولا أقول من الرعاع غير الجديرين بالتنوير، الذين يتبعون أول ناعق، وهم أهل للخضوع لأي سلطان، ولكن أقول بين الناس المخلصين الأمناء، بين الذين يفكرون والذين يريدون أن يعملوا فكرهم..




صفحة رقم : 12705




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


وعليك أن تختبر عقولهم..ولست آسف على شيء حين تدهمني المنون إلا على أني لن أتمكن من معانتك في هذه المهمة النبيلة"(75).
وسخر فردريك من سذاجة هذا الشيخ الهرم، ولكن فولتير أصر وثابر، مما كان اه كما سنرى فيما بعد، بعض الأثر على وزراء فرنسا والبرتغال وأسبانيا.
ورحب باهون أقل شأناً وكتب نصائح رسولية إلى بورد في ليون، وسرفان في جرينوبل، وبيير روسو في بويون، وأودبير في مرسيليا، وريبوت في مونتوبان، ومركيز دار جنس في شارنت، وإلى الراهب أودرا في تولوز. وأطلق على هؤلاء جميعاً وغيرهم اسم "الإخوة"، وأرسل إليهم بالمادة والنداءات يستحثهم ويحفزهم حتى لا يغلب عليهم النعاس. "شنوا الحرب أيها الإخوة جميعاّ ببراعة على الرجس. إن كل ما يهمني هو نشر الإيمان والحقيقة والنهوض بالفلسفة، والقضاء على الخزي والعار. اشربوا معي نخب أفلاطون (ديدرو) وأمحوا الرجس. إني أعانقكم أيها الإخوة جميعاً..إن صحتي تدعو إلى الإشفاق..امحوا الرجس. إني احتضن أوتي في كنفوشيوس..في لوكر يشس، في شيشرون، في سقراط، في ماركس أوربليوس، في جوليان، وفي شيوخنا الإجلاء جميعاً. إني أمنح بركتي للإخوة جميعاً. صلوا ارقبوا أيها الإخوة، اقضوا على الرجس"(76).
وباتت الكتب الآن أسلحة بات الأدب حرباً. ولم تقتصر الأمور على دخول ديدرو ودالمبير وهلفشيوس ورينال وموريلليه وكثير وغيرهم بأقلامهم في المعرهة. ولكن فولتير الذي كان يحتضر دائماً أصبح مستودعاً حقيقياً للقذائف ضد رجال الدين، وأخرج على مدى عشر سنين نحو ثلاثين كتيبا. ولم يكن يؤمن بفعالية المجلدات الضخمة فهو يقول: "أي أذي ينج عن كتاب (الموسوعة مثلاً) يكلف مائة كروان..إن عشرين مجلداً من القطع الكبير لن يفجروا ثورة أبداً. إنها المجلدات الصغيرة السهلة الحمل القليلة




صفحة رقم : 12706




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


الثمن (من ذات الثلاثين سو) هي التي يخشى جانبها. ولو كان الإنجيل غالي الثمن (ثمنه 1200 سسترس عملة رومانية قديمة) لما قامت الديانة المسيحية(77).
ومن ثم لم يخرج مجرد تواريخ وروايات، بل نشرات وحكايات وعظات وتوجيهات وتعاليم دينية مفرغة في قالب أسئلة وأجوبة، وخطباً لاذعة ومحاورات ورسائل ونقداً موجزاً للكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة، مما يسهل تداوله وانتشاره ويصيب الرجس بجراح، وكان فردريك قد كتب إليه منذ زمن طويل:
"أني لأتصور أنه مكان ما في فرنسا نخبة منتقاة من ذوي العبقرية الرفيعة المتساوية، ممن يكتبون معاً وينشرون كتاباتهم تحت أسم فولتير...فإذا كان هذا الأفتراض صحيحاً فلسوف أصبح مؤمناً بالتثليث وابدأ في رؤية ضوء النهار في هذا السر الذي آمن به المسيحيون حتى الآن دون أن يفهموه(78).
ولكن فولتير لم يكن يكتب الآن تحت أسم فولتير، بل استخدم أكثر من مائة من مختلف الأسماء المستعارة، بل أحياناً، في مرح شيطاني، نسب هجماته العنيفة إلى رئيس أساقفة كنتربري، أو رئيس أساقفة باريس، أو إلى قسيس أو كاهن أو راهب، ورغبة في أبعاد كلاب السماء عن طريقهخص نفسه بإحدى قذائفه. وكان يعرف أصحاب مطابع باريس وأمستردام ولاهاي ولندن وبرلين، فاستخدمهم في حملته. وعن طريق داملافيل وغيره، وكان يزور باعة الكتب مجاناً بهذه النشرات، وكانوا يبيعونها بأثمان رخيصة. وهم بذلك يغامرون. وأشتد العود ونما الغرس.
ونشر آنذاك في 1762 "عظة الخمسين" التي كان قد ألفها قبل ذلك بعشر سنين على الأقل، وقرأها على فردريك الأكبر في بوتسدام، وكانت أول هجوم مبار على المسيحية. وبدأت بداية بريئة كل البراءة: "اجتمع كل يوم أحد في المدينة تجارية آهلة بالسكان، خمسون شخصاً متعلماً تقياً




صفحة رقم : 12707




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


متعقلاً (الكويكرز في لندن) فأدوا الصلاة ألقى أحدهم بحثاً "ثم تناولوا طعامهم، وأخذوا قدراً من للفقراء، وتناوب كل منهم الرياسة، وأم الصلوات" وألقى الموعظة وهذه أحدى الصلوات وإحدى العظات: "يا إلهنا، يا رب السموات ورب النجوم، احغظنا بمنأى عن الخرافة. وإذا أسأنا إليك بتضحيات لا تليق بك فامح اللهم هذه الأسرار المخزية، وإذا انتقضنا من قدرك بهذه الخرافات الحمقاء، فلتهلك الخرافات إلى الأبد...فليعش الناس ويموتوا في عبادة إله واحد، إله لم يكن ليولد أو ليفنى(79)".
وحاولت العظ التدليل على أن الرب الذي ورد ذكره في التوراة رب فخور حقود غضوب قاس قاتل، لا يمكن لإنسان عاقل أن يعبده، وأن داود كان وغداً منغمساً في الشهوات سفاحاً. فكيف يتسنى لأحد أن يصدق بأن هذا الكتاب تنزيل من عند الله؟ وكيف تسنى أن يأتي من الأناجيل اللاهوت المسيحي الذي لا يصدق، والعمل الفذ السهل اليومي الذي يحول الرقاقة إلى جسد المسيح ودمه والبقايا التي لا تصى، وبيع الغفران والعداوات والبغضاء والحريق في الحروب الدينية؟
"لقد قيل لنا إن الناس بحاجة إلى الأسرار ومن الواجب خداعهم وتضليلهم. أيها الأخوة، هل يجرؤ أحد على العدوان على الإنسانية بهذا الشكل؟ ألم يخلص آباؤنا (المصلحون) الناس من إحالة الخبز والنبيذ إلى جسد المسيح ودمه، ومن الاعتراف المهموس به، ومن صكوك الغفران، ومن الرقي والتعاويذ ومن المعجزات الزائفة والتماثيل السخيفة؟ ألم يتعود الناس الآن الاستغناء عن هذه الخرافات؟ يجب أن تكون لدينا الشجاعة لنخطو بعض طوات أبعد من ذلك. فالناس ليسوا ضعاف العقول كما هو مظنون، أنهم يستطيعون في سهولة ويسر أن يقروا عبادة حكيمة بسيطة لإله واحد....أننا لا نعمل على سلب رجال الدين ما فرلهم سخاء أتباعهم، بل أن كل ما نريده-حيث أن معظمهم يسخرون من الأباطيل التي يعلمونها-وهو أن ينضموا إلينا في التبشير بالحقيقة....وأي خير عميم لا يحصى يمكن أن يتأتى بسبب هذا التغيير الميمون(80)!




صفحة رقم : 12708




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


أن هذا يرهقنا اليوم ل الإرهاق، ولكنه كان مادة ثورية في فرنسا القرن الثامن عشر. فلا عجب إذن أن يصدره فولتير على زعم أن لامتري كان فد دبجه من قبل، ولامتري في عداد الأموات الآمنين.
وفي سنة 1763 تحول المناضل إلى الدراما (المسرحيات)، قصة قصيرة تافهة تحت عنوان "أبيض وأسود"، وكتيب "أشئلة وأجوبة عن الرجل المين" يسر فيه "ديانته الطبيعية" ولكن عام 1764 كان عاماً بارزاً، فقد شغل فيه فولتير أصحاب المطابع "بأنجيل العقل" و"أخيار الديانة" (وهو طبيعة منقحة من كتاب جان مسلييه الملتهب) (العهد الجديد) ثم أحد أهم منشوراته وهو موجز القاموس الفلسفي (السهل الحمل) ولم يكن المجلد الضخم ذا الثمانمائة أربع وعشرين صفحة ذات نهرين الموجود الآن، أو الخمسة أو الثمانية مجلدات التي تملؤها "مجموعة أعماله" بل كان كتاباً صغيراً يسهل الامساك به أو إخفاؤه. إن إجاز مقالاته وبساطة أسلوبه ووضوحه، كل أولئك جعله في متناول مليون قارئ في كثير من البلاد.
وهذا إنتاج ضخم جدير بالتنويه لرجل واحد. وربما كان به ألف من الأخطاء، ولكن المادة التي معت فيه، والمعلومات التي تناولت كل فروع المعرفة تقريباً، جعلت الكتاب واحدة من العحزات في تاريخ الأدب. وأي جد ومثابرة وأي هذر وأي إصرار وعناد هذا الكتاب: أن فولتير منهمك في القيل والقال، أن لديه ما يقوله في كل شيء تقريباً، ولديه دائماً شيء لا يفقد أهميته وتشويقه أبداً تقريباً. وهنا ثير من العبث والتغاهة والسفاسف أو السطحية، وهناك بعض ملاحظات حمقاء (إن عقل أوربا أحرز تقدماً في المائة سنة الأخيرة أكثر مما أحرز العالم كله من قبل منذ أيام براهما وزرادشت)(81). ولكن لن يتسنى لأحد أن يلتزم جانب العقل والحكمة في ألف صحيفة، ولم يكن أي إنسان بارعاً متألقاً دائماً وهو يكتب هذا القدر الكبير من الصفحات. أنه أورد فيه دراسة أصول الألفاظ وتاريخها، لأن فولتير مثل كل قارئ محب للاستطلاع، وكانت تجذب




صفحة رقم : 12709




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


نظره المحن التي قاستها الألفاظ والكلمات في ترحالها عبر الزمان. وهنا في مقال "سوء استدام الكلمات" ثم في مقال "المعجزات" نجد قاعدة فولتير الشهيرة "حدد ألفاظك".
وقصد بالكتاب أساساً أن يكون مصنعاً لإخراج الحجج ضد المسيحية كما عرفها فولتير، وهنا نجد مرة أخرى الأشياء التي لا يمكن تصديقها في الكتاب المقدس وما فيه من سخافات وحماقات ومخازلاً في مقال "المتناقضات" وحده، بل في كل صحيغة تقريباً. من خول الكنيسة سلطة الحكم بأن أربعة فقط من الخمسين إنجيلاً التي دونت في القرن الذي تلا موت المسيح، هي وحدها-أي الأناجيل الأربعة-معتمدة موحى بها من عند الله؟ وأوى سهو فاضح أن أن نأن يتحدث الكتاب عن مولد المسيح من مريم العذراء ثم يتعقب نسبه إلى داود الوغد عن طريق يوسف المزعوم الخاكل. ولماذا نبذت المسيحية شريعة موسى على الرغم من تكرار توكيد المسيح عليها؟ وهل كان بولص الذي نبذ هذه الشريعة (من اجل قطعة من الجلد) سلطة أو مرجعاً أقوى من المسيح؟
ولم يرق القاموس الفلسفي للآباء الروحانيين في مدينة جنيف. وفي 24 سبتمبر 1763 أمر مجلس الخمسة والعشرين النائب العام بإحراق أية نسخة يجدها منه. وفي 1765 أصدر برلمان باريس أمراً شبيهاً بهذا، وقد رأينا مصير الكتاب في آبفيل (1766) وأكد فولتير لسلطات جنيف أن القاموس من عمل مجموعة من الكتاب مجهولة تماماً لديه. وفي الوقت نفسه أعد مقالات إضافية لتلحق بالطبعات الأربع الأخرى التي طبعت سراً قبل نهاية 1765 كما أدخل مادة جديدة إلى الطبعات الخمس الإضافية التي ظهرت قبل وفاته 1778. ورتب المور مع باعة كتب جنيف المتسترين ليمدهم مجاناً بأكبر عدد ممكن من النسخ يمكن توزيعه، ومع الباعة على أن يتركوا نسخاً من هذا القاموس في الدور الخاصة(82).
وتابع فولتير الرب بلا هوادة في 1765-1767. وفي 1764 كان




صفحة رقم : 12710




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


قد ترك نهائياً داره في لي دليس في مدينة جنيف التي باتت غير ملائمة لهرطقاته وضاقت بها ذرعاً، وكان لمدة نحو ثلاث سنوات لم يكد يبرح مكانه في فرني، وكان في كل شهر تقريباً يرسل إلى إحدى المطابع نشرة جديدة ضد "العار" وزعم كتيب Ouestions de Zopata (مارس 1767) أنه مجموعة أسئلة طرحها أمام لجنة من اللاهوت في جامعة سالا منكا 1629. وأعلن زاباتا عن شكوكه في "نجم بيت لحم" وفي الإحصاء المزعوم "لكل الأرض" الذي أجراه أغسطس، وفي قتل الأبرياء "وإغراء الشيطان ليسوع فوق جبل يستطيع الإنسان منه أن يرى كل ممالك الأرض. وأين كان يقع هذا التل العجيب؟ ولم لم يف المسيح بوعده في الحضور على متن سحابة في قوة ومجد عيم، ليؤسس "مملكة الله" قبل أن ينقرض هذا الجيل؟(83) ما الذي عوقه؟ هل كان الضباب كثيفاً إلى حد بير؟(84) ماذا أفعل مع أولئك الذين يتجرأون على الشك؟..هل أجأ من أجل تنيرهم وتهذيبهم، تعذيبهم العذاب العادي وغير العادي؟ أو ألا يكون من الأفضل أن اتجنب هذه المتاهات، وأخص على الفضيلة بساطة فقط؟(85) والخاتمة.
"حيث أن زاباتا لم يتلق جواباً، فإنه لجأ إلى التبشير بالله بكل بساطة وأعلن إلى الناس أنه "أي الرب" هو والد الجميع، وأنه هو الذي يثيب ويعاقب وهو الغفور. واستخلص الحقيقة من الأكاذيب، وفصل الديانة عن التعصب. وعلم الفضيلة ومارسها، وكان وديعاً عطوفاً متواضعاً وأحرق في بلد الوليد (في أسبانيا) في عام البركة 1631(86)".
وفي مايو 1767 عاد فولتير إلى الهجوم في نشاط أكبر في كتاب من مائة وخمسين صفحة "اختبار هام للورد بولنجيروك". وهنا وضع حججه على لسان الرجل الإنجليزي المتوفى. ولكنه كان من المحتمل أن يرتضي بولنجيروك هذا العبء الثقيل. وفي نفس العام نشر فولتير "الساذج"، وهي قصة لطيفة تقع في مائة صفحة عن أمريكي فاضل بشكل لا يصدق




صفحة رقم : 12711




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


احضروه إلى فرنسا من أمريكا، حيرته العادات الأوربية والاهوت المسيحي. وفي 1769 خرج كتيب "صيحة الأمم" وهو نداء إلى أوربا الكاثوليكية لتخلع نيران سلطان الباباوات المزعوم على الملوك والدول. وتابع الحملة نفس العام بكتاب جاد مدروس ولكنه مثير هو "تاريخ البرلمان" متهماً هذه الهيئة بأنها مؤامرة من جانب الجانسيين الرجعيين. وفي 1770-1772 أصدر تسعة مجلدات تحت عنوان أسئلة عن المووعة" وهي خليط من مقالات تشكل موسوعة رجل واحد. وهو أشد عداء للكاثوليكية وأقسى في هجومه عليها من موجز القاموس الذي أسلفنا ذكره.
إن فولتير أخفى منشوراته عادة تحت أسماء أو عنوانات خداعة مضللة: "محاضرات" في تفسير العهد القديم، رسالة إلى الرومان، عظات الأب الجليل جاك روست، محاضرات وعظات الكاهن بورن، نصائح لأرباب الأسر. وساورت جمهور فرنسا المتعلم الظنون بأن فولتير هو الملف، لأنه لم يكن يستطيع أن خفي أسلوبه، ولكن لم يثبت أحد ذلك، وباتت هذه اللعبة المثيرة ديث باريس وجنيف، وتردد صداها في لندن وأمستردام وبرلين، بل وفي فيينا، ولم يحدث في التاريخ أن لعب كاتب لعبة النمضية (أو الاخفاء) مع اعداء أقوياء مثل هؤلاء، وبمثل هذا النجاح. وحاول مائة من الخصوم أن يردوا عليه ولكنه قارعهم الحجة بالحجة جميعاً، وحارب في قسوة، وأحياناً في خشونة وغلظة، كما كا أحياناً مجحفاً غير منصف، وتلك هي الحرب. وكان مستمتعاً فرحاً بها، وحمى وطيس المعركة فنسي أن يموت.
والحق أن تفاؤلاً غريباً غلب على فولتير، الذي بدأ بعد "زلزال لسبونة" و"كانديد" وكأنه ينصح بالاستسلام لشرور الحياة التي لا سبيل لقهرها أو التغلب عليها، وراوده حلم فلسفة منتصرة على كنيسة متغلغلة في حاجيات الناس. وإذا كان اثنا عشر من صيادي السمك الأميين قد أقاموا السيحية، قلم يستطيع اثنا عشر فيلسوفاً أن يقضوا على تعاليمها وعلى محاكم




صفحة رقم : 12712




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> اقضوا على الرجس


التفتيش فيها. وكتب إلى أحد الأخوة "عش سعيداً واقض على الرجس" وأكد أنهم سيقضون عليه(87). ألم يكن إلى جانب ملك وإمبراطورة وعشيقة ملكية. وكثير من الشخصيات اللامعة؟ أنه تملق الحاشية وتودد إليها علناً أو سراً بمهاجمة برلمان باريس، ونعم بعطب مدام دي بمبادور ومدام دي باري فيما بعد، بل إنه كان يأمل في إغضاء لويس الخامس عشر عنه. وكتب إلى دالمبير في 177 "فلنيارك هذه الثورة السعيدة التي نشأت في عقول كل المخلصين والأمناء من الرجال في الخمسة عشر أو العشرين عاماً الأخيرة، فإنها فاقت كل ما كنت أؤمل فيه)(88) ألم يتنبأ بها؟ ألم يكتب إلى هلفشيوس في 1760 (إن هذا القرن بدأ يشهد انتصار العقل)(89).




صفحة رقم : 12713




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل



7- الدين والعقل


إن فولتير لم يكن من السذاجة بحيث يتصور أن الدين اخترعه القساوسة والكهان، بل على النقيض من ذلك كتب في القاموس الفسفي: (إن فكرة الإله مستمدة من الشعور، وذاك المنطق الطبيعي الذي يتكشف بتقدم العمر، حتى في أغلظ البشر قلباً. وشوهدت أكثر آثار الطبيعة ادهاشاً-وفرة المحصول والجدب والأمحال والجو المعتدل والعواصف، المزايا والبلايا-كما كان الإحساس بيد سيد خارق للطبيعة...إن الملوك القدامى استخدموا في زمانهم هذه الأفكار ليدعموا سلطانهم(90). وأفردت كل جماعة إحدى القوى الخارقة لتكون إلهاً حارساً لها، وأضفت عليه حالة من التقديس وعبدته وقدمت له القوانين، على أمل أن يتولى حمايتها من سطو الجماعات الأخرى وآلهتها، وأوجدت هذه المعتقدات الكهنة، ولكن التفاسير والتأويلات والطقوس كانت من عمل الكهنة. وبمرور الزمن لعب الكهنة على الخوف الناس واستغلوه ليبسطو سلطانهم وقوتهم. واقترفوا كل ضروب الخداع واللؤم، حتى إلى حد إعدام (الهرطقين) وقتل جماعات بأسرها، والقضاء على الأمم تقريباً. وانتهى فولتير إلى القول: "لقد




صفحة رقم : 12714




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


كرهت الكهنة، وأنا الآن أبغضهم، وسأظل أبغضهم إلى يوم الحساب(91)".
أن فولتير وجد كثيراً مما يمكن قبوله في الديانات غير المسيحية، وبخاصة في الكونفوشيه (وهي ليست ديانة)، ولكن لم يسره إلا النزر اليسير في اللاهوت السيحي. "أن لدي مائتي مجلد في هذا الموضوع، الأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية(92)". ولم يضيف إلا القليل لما سبق أن ظهر من نقد للكتاب المقدس. وإنما كانت مهمته أن ينشر هذا النقد على نطاق واسع. ولا يزال أثر هذا علينا واضحاً. وفي جرأة وإندفاع أكثر ممن جاءوا بعده، أكد مراراً سخف طوفان نوح وعبور البحر الأحمر، وذبح الأبرياء وغير ذلك. ولم يكل ولم يمل قط من شجب قصة "الخطيئة الأولى" ونظرتها. وأقتبس في سخط وغضب قول سانت أوغسطين "أن المذهب الكاثوليكي يعلمنا أن كل الناس يولدون مذنبين إلى حد أن الأطفال أنفسهم ملعونون يالتأكيد إذا ماتوا دون أن ينفخ فيهم المسيح روحاً جديدة أفضل(93)". (يقال إن مثل هؤلاء الأطفال يذهبون إلى مكان جميل بجوار الجحيم اسمه الأعراف)!!
أما بالنسبة للسيد المسيح فإن فولتير كان مذبذباً. وأنتقل من الورع الطبيعي في الطفولة إلى عدم التوقير الذي يغلب في الشباب، إلى حد قبول قصة ماري مع الجندي الروماني، وفكر في وقت ما أن يسوع متعصب مخدوع "أحمق". ولما نضج وتعلم كيف يبدي إعجابه بتعاليم يسوع الأخلاقية وقال: "سيكون خلاصنا بفضل ممارسة هذه المبادئ الأخلاقية، لا نتيجة إيماننا بأن المسيح هو الله". وسخر كثيراً من "التثليث" في كتابه الملحد والحكيم. ويسأل الملحد "هل تؤمن بأن للمسيح طبيعة واحدة وشخصاً واحدة وإرادة واحدة، أو أن له طبيعتين وشخصيتين إرادتين، أم أن له إرادة واحدة وطبيعة واحدة وشخصيتين، أو إرادتين وشخصيتين وطبيعة واحدة؟" ولكن الحكيم يأمره أن ينسى هذه الألغاز ويكون مسيحياً طيباً(95). ويشير فولتير إلى أن المسيح، بخلاف القديس بولص والمسيحيين اللاحقين، ظل مخلصاً




صفحة رقم : 12715




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


لليهودية على الرغم من نقده للفرنسيين: "أن هذا الإله الخالد، بعد أن جعل نفسه يهودياً، يتمسك بالديانة اليهودية طيلة حياته ويؤدي شعائرها ويتردد على المعبد ليهودي ولا ينطق بشيء يخالف الشريعة اليهودية. وكل التلاميذ يهود يؤدون الشعائر اليهودية. يقينا إنه ليس هو الذي أسس الديانة المسيحية...أن يسوع المسيح لم يبشر بأية خصيصة واحدة من خصائص المسيحية(96)".
أن يسوع في رأي فولتير، قبل معتقد كثير من اليهود الأتقياء قبله، بأن العالم كما عرفوا يسير إلى نهايته، وسرعان ما تحل محله "مملكة الرب" أي الحكم المباشر لله على الأرض. (والنقد الحديث يقبل وجهه النظر هذه).
وتجاوب فولتير في سنواته الأخيرة، أكثر فأكثر، مع قصة المسيح وبدأ يسمسه "أخي" "مولاي(97)" وصور نفسه وكأنما أنتقل في حلم إلى صحراء مغطا بأكوام من العظام، فهنا أشلاء 300 ألف من اليهود المذبوحين، وهناك أربعة تلال من المسيحين شنقوا بسبب الخلافات الميتافيزيقية، وأكوام من ذهب وفضة تعلوها صولجانات وتيجان الأساقفة والملوك المنحلين، ثم حمله ملاكه المرشد إلى واد أخضر حيث أقام الحكماء العظام، وهناك رأي نوما ويمبليوس وفيثاغورس وزردشت وطاليس وسقراط...وأخيراً "تقدمت مع دليلي إلى أيكة أعلى من تلك التي أخلد فيها الحكماء القدامى إلى راحة بهيجة، ورأيت رجلاً يتسم بالبسطة وحسن المنظر، بدا لي أنه في الخامسة والثلاثين من العمر، كانت قدماه ويداه منتفختين داميتين، وكان مطعوناً في جنبه وكان لحمه ممزقاً بضربات من سقوط. ولم يكن ثمة للمقارنة بين آلام هذا الحكيم وآلام سقراط".
وسأله فولتير عن سبب موته، فأجابه يسوع "اللكهنة والقضاة". هل قصد أن يؤسس ديناً جديداً؟ كلا. هل كان مسؤلاً عن هذ الأداس من العظام وهذه المقادير الضخمة من الذهب الملكي أو الكهنوتي؟ كلا. لقد عشت وصحبي في أشد الفقر "إذن مم تتألف الديانة الحقة؟" ألم أقل




صفحة رقم : 12716




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


لكم من قبل؟ أحب الله وأحب جيرانك كما تحب نفسك "فقال فولتير" إذا كان الأمر كذلك فأنت مولاي الوحيد، ورسم لي علامة نزلت على قلبي برداً وسلاماً. وأختفى الطيف وتركني وقد إرتاح ضميري وشاع في نفسي السلام والطمأنينية(98).
ولك نتلك كانت حالة نفسية لاحقة. فإن فولتير في سني حربه ضد المسيحية رأى في تاريخها شقاء بالغاً للجنس البشري. أن صوفية بوص وخرافات الأناجيل المعترف بها أو المشكوك في صحتها وأساطير الشهداء والمعجزات وبراعة الكهنة في التخطيط والتدبير، وتضافرت كلها مع السذاجة المتعلقة بأهداب الأمل عن الفقراء لخلق الكنيسة المسيحية، ثم أن آباء الكنيسة صاغوا العقيدة بفصاحة تكفل إرضاء عقول الطبقة الوسطى. وخبا شيئاً فشيئاً نور الثقافة الكلاسيكية بأنتشار الخيلة الصبيانية والاحتيالات والخدع الورعة، حتى يم الظلام لعدة قرون على عقل أوربا. وزحف المتأملون من الناس والخاملون منهم، كما زحف المتقاعدون عن مواجهة تحديات الحياة ومسؤلياتها، إلى الديار، وأصاب بعضهم بعضاً بعدوى أحلام المنساء والشياطين والآلهة. واجتمعت مجالس العلماء والمتفقهين لتنظر أي الحماقات والسخافات تصلح لتكون جزاء من العقيدة المعصومة. وباتت الكنيسة، بعد أن أسست قوتها وسلطانها على فكرة إشباع رغبة الناس في الأساطير والخرافات التي تبعث على السلوى والعزاء، نقول باتت الكنيسة بعد ذلك أقوى من الدولة التي تؤسس سلكانها على القوات النظامية. وأصبحت قوة السيف تعتمد على قوة الكلمة وثل الباباوات عروش الملوك، وأحلوا الأمم من واجب الولاء للملوك.
ومن رأى فولتير أن الإصلاح البروتتانتي كان مجرد خطوة متعثرة نحو العقل وامتدح الثورة ضد الرهبان الذين يعيشون على الصدقات في الأديار، وضد بائعي صكوك الغفران، وضد رجال الدين الساعين إلى جمع الثروة، الذين "استنزفوا في بعض الحالات دخل إقليم بأسره" وفي شمال أوربا




صفحة رقم : 12717




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


اختار الناس ديناً أرخص وأقل تكلفة(99)". ولكن أثاره توكيد اللوثريين والكلفنيين على القضاء والقدر(100). تخيل حاكماً أو ملكاً يحكم على ثلثي رعاياه بالخلود في النار! أو تأمل في مختلف التأويلات المسيحية للقربان المقدس، فالكاثوليك يصرحون بأنهم يأكلون الرب لا الخبز، وللوثريون يلتهمون الرب والحبز كليهما، والكفنيون يأكلون الخبز، لا الرب. وإذا روى لنا أحد شيئاً من مثل هذا الأسفاف والجنون بين الهوتنتوت والكفار لقلنا إنه يخدعنا ويلعب على عقولنا(101)". لقد ولى تقدم العقل لمثل هذه الخلافات ظهره، وتركها بعيداً إلى الوراء "وإذا قدر للوتروكلفن أن يعود إلى الحياة الدنيا فلن يثيرا ضجة أكثر مما فعل أتباع جون دنز سكوتس وتومات أكوبناس(102)".
وإذا أستمر البروتستانت على التبشير بمثل هذا اللاهوت فلسوف تتخلى عنهم الطبقات المتعلمة، على حين تؤثر الجماهير مذهب رومه المعطر النابض بالحياة. وبالفعل كان فولتير يظن "أن الكلفنية واللوثرية معرضان للخطر في ألمانيا، فإن تلك البلاد مملؤة بالأسقفيات العظيمة والأديان المسيطرة والشرائع والمذاهب الكثيرة، وكلها ملائمة لعمل أية ردة"(103).
إذن هل يجدر بالناس المتعلقين أن يتخلوا عن الدين تماماً؟ كلاً، فإن دينا يدعو إلى الله وإلى لفضيلة دون أية تعاليم أو مبادئ أخرى، لابد أن يكون ذا نفع حقيقي للجنس البشري...وفي سنيه الأولى كان فولتير يظن "أن أولئكالذين يحتاجون إلى مساعدة الدين ليكونوا طيبين صالحين، هم أحق بالرثاء والأشفاق" وأن أي مجتمع يمكن أن يعيش بالأخلاق الطبيعية غير معتمدة على المعتقدات الخارقة(104)". ولكن لما اتسعت خبرته بالأهواء البشرية بدأ يسلم بأنه ليس ثمة قانون أخلاقي يمكن أن يقاوم بنجاح القوة البدائية في الغرائز الفردية، إلا إذا دعمه أيما شعبي عام بأن هذا القانون الخلاقي صادر عن إله بصير، إله يثبت ويعاقب، وهو الذي يتولى السهر عليه. وبعد أن اتفق مع لوك عن أنه ليست هناك أفكار فطرية، عاد فانحاز




صفحة رقم : 12718




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


إلى رأي ليبنتز في أن الحس الخلقي فطري، وعرفه بأنه شعور بالعدل أودعه الله فينا "أن القوانين تراقب الجرائم المعروفة ولكن الين يراقب الجرائم الخلقية(105)". وفي كتاب "الملحد والحكيم" يقول الحكيم:
سأفرض (لا قدر الله) أن كل الإنجليز ملحدون، وأذهب إلى أن هناك بعض مواطنين مسالمين، هادئين بطبيعتهم أثرياء إلى حد يمكن أن يكونوا معه أمناء يالتزمون الشرف. ويراعون قواعد السلوك إلى حد أنهم يسعون جهدهم ليعيشوا معاً في المجتمع...ولكن الملحد الفقير المعوز سيكون غبياً إذا هو لم يقتل أو يسرق ليحصل على المال. فهل تنقصم إذن كل عرى المجنمع وروابطه وتطغى كل الجرائم الخفية على العالم وتنتشر مثل الجراد فوق الأرض، ولو أنها في اول الأمر تكون ضئيلة لا تدرك...من ذا الذي يكبح جماح الملوك العظام؟ أن الملك الملحد أشد خطراً من الكاهن المتعصب...وتفاقم الإلحاد في إيطاليا في القرن الخامس عشر. فماذا كانت النتيج؟ وكان من الأمور الشائعة أن تسمم إنساناً وكأنك تدعوه إلى العشاء. إذن يكون الإيمان بآله يثيب على صالح الأعمال ويعاقب على الشرور، ويغتفر مادون ذلك من الأخطاء اليسيرة، من أنفع الأشياء للإنسان(106)".
واتجه فولتير آخر المر إلى أن يرى بعض المعنى في نظرية الجحيم:
"إلى أولئك الفلاسفة الذين ينكرون الجحيم في كتاباتهم أسوق الحديث: أيها السادة، أن لانقضي أيامنا مع شيشرون أتيكوس وماركوس أوريليوس أبيقور...ولامع الفاضل المبالغ في التدقيق والشك، سبينوزا الذي رد-رغم كدحه تحت وطأة الفقر والعوز-إلى أطفال المتقاعد الكبير دي ويت، راتباً قدره 300 فلورين، كان قد منحه أياه رجل الدولة العظيم، الذي قد يذكر أن الهولنيين قد حطموا قلبه. وصفوة القول، أيها السادة، أن الناس ليسوا جميعاً فلاسفة. أننا مضطرون إلى عقد الأتصالات والقيام بمختلف الأعمال، والاختلاط في غمار الحياة بالأوغاد الذين لا يفكرون إلا قليلاً، أو أنهم لا يفكرون أبداً، وبعدد لا يحصى من




صفحة رقم : 12719




قصة الحضارة -> عصر فولتير -> الهجوم على المسيحية -> فولتير والمسيحية -> الدين والعقل


الناس الذين لاهم لهم إلا الوحشية والسكر والسلب والنهب، ويمكنكم إذا أردتم أن تعظوهم بأن نفس الإنسان فانية. أما أن فسوف أصرخ في آذانهم بأنهم إذا سلبوني فسيكونون مذنبين لا محالة"(107).
ونختتم بأن في مقدور الشيطان أن يقتبس من فولتير ما يحقق أغراضه أي ما يؤيد الشيطان نفسه. وبعد المناداة بديانة متحررة من الخرافات(108)، وأنهى المتشكك الكبير أسوأ الخرافات، إنه قد طالب بديانة تقتصر على غرس الفضائل والأخلاق القويمة(109). أما الآن فهو يسلم بأن الناس العاديين لا يمكن أن يكونوا بمنأى عن ارتكاب الجرائم إلا عن طريق دين فيه جنة ونار أو نعيم وجحيم، وللكنيسة أن تقول إنه تاب وأناب.
وفي سن الثانية والسبعين أعاد فولتير صياغة معتقده تحت العنوان المهذب "الفيلسوف الاهل" (176) إنه في البداية يعترف بأنه لا يعرف ما هي المادة وما هو الذهن، ولا يعرف كيف يفكر ولا يعرف كيف يحرك فكره ذراعه(110)، إنه يسأل نفسه سؤالاً من الواضح أنه يدر بخلده من قبل: أمن الضرورة لي أن أعرف؟ ولكنه يضيف "أنا لا أستطيع أن أجرد نفسي من الرغبة في التعليم والمعرفة. أن حب الاستطلاع الذي يبعث على الحيرة والارتباك عندي، لا يشبع ولا يقف عند حد مطلفاً"(111) وهو الآن مقتنع بأن الإرادة غير حرة: "أن الجهول الذي يرى هذا لم يفكر دائماً هكذا، ولكنه في النهاية مضطر إلى الاستسلام"(112). هل يوجد هناك إله؟ نعم، وهو العقل وراء "النظام والفن المذهل والقوانين الميكانيكيةوالهندسيةالتي تكم الكون(113). ولكن هذا العقل الأسمي معروف لدينا فقط بوجوده لا بطبيعته. "أيها الإنسان الفاني البائس. إذا كنت لا أدرك عقلي، وإذا كنت لا أعرف ماذا ينفخ في الحياة، فكيف تكون لي أية دراي بهذا العقل الذي يجل عن الوصف والذي من الواضح أنه يتحكم في الكون؟...ولكنا من صنعه وتدبيره"(114).
ويميل فولتير إلى الاعتقاد بأنه لم يكن ثمة خلق في وقت معين، وأن الدنيا




صفحة رقم : 12720




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

اخر المشاركات و المواضيع
الف مبروك لكل الناجحين في الثانوية العامة [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 194 ] [ عدد الردود : 0 ]
المرحوم الشاب منعم كاسر الياس [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 315 ] [ عدد الردود : 0 ]
بكل محبة ... [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 545 ] [ عدد الردود : 0 ]
خيار وفقوس توزيع المعونة في برشين [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
أكتب كلمتك الأرتجالية [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 2279 ] [ عدد الردود : 32 ]
رياضة>>ريال مدريد بطلا لدوري أبطال أوروبا بعد التمديد 25 أيار , 2014 لشبونة-سانا [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : نزاركوسى ] [ آخر مشاركة : نزاركوسى ] [ عدد الزوار : 85 ] [ عدد الردود : 0 ]
سيميوني: مشاركة كوستا واردا في النهائي.. [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : م . ماهر قاروط ] [ آخر مشاركة : م . ماهر قاروط ] [ عدد الزوار : 72 ] [ عدد الردود : 1 ]
تشكيلة منتخب الارجنتين لمونديال2014 [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : م . ماهر قاروط ] [ آخر مشاركة : م . ماهر قاروط ] [ عدد الزوار : 69 ] [ عدد الردود : 0 ]
أضغط على الصورة هنا للذهاب للصفحة الرئيسية للموقع :
جميع الأوقات بتوقيت برشين

عدد الزيارات :




النسخة الماسية الإصدار Powered by  vBulletin 3.6.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات برشين ملتقى شباب و صبايا برشين .... جميع المشاركات والمواضيع في منتديات برشين لا تعبر عن رأي الإداره بل تمثل وجهة نظر كاتبها