منتديات برشين  

سألت القمر نورك إجا من وين يضّوي العتم بليل تـشــــريني؟؟ قَلي بفخر رافع لفوق جبين رح جاوبك تكرم على عيني نوري أنا ولون الدهب تخمين عطية إجتنا من عند الله ومن حِمرتك تفاح برشيني ...::... فريق الإدارة في موقع قرية برشين يرحب بزوارنا الكرام و يتمنى لهم كل الفائدة من مواضيع منتدانا ... اهلا بكم في برشين

ياربنا يسوع المسيح بشفاعة القديس العظيم مارجرجس شفيع قريتنا افرج يارب شدة كل اولادك المتضايقين اذكر يا ربنا ابناء قريتنا المغيبن عنها ... اذكر يا رب الأخوة ... عصام مخول ... فايز عيسى ... ... و فرج عنهم ... آمين .... :: ....


الرئيسية المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة
العودة   منتديات برشين > القسم التاريخي و الجغرافي > التاريخ القديم و المعاصر
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

التاريخ القديم و المعاصر كل شيء عن التاريخ القديم و التاريخ المعاصر و ما بينهما

إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  
 
أدوات الموضوع
قديم 06-03-11, 06:20 مساء   رقم المشاركة : [261]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الملوك


نفسه على النساء، في حين أحسن وروك الحكم حتى إن إنجلترا بأسرها جنوبي تاين وشرقي ستون (لأن مارجريت كانت لا تزال تحارب) أسبغت عليه جميع ألقاب التشريف ما عدا لقب الملك. ولما ثار إدوارد على الواقع وناصبه العداء، انظم وروك إلى مارجريت وطرد إدوارد من إنجلترا وأعاد هنري السادس إلى السلطة الإسمية (1470) وأخذ يحكم مرة أخرى. ولكن إدوارد نظم جيشاً بمعونة برجنديا. وعبر إلى هل، وهزم وروك وقتله في بارنت وهزم مارجريت في توكسبري (1471) وأمر بقتل هنري السادس في القلعة، وعاش سعيداً في آخر حياته بعد ذلك.
وكان إذ ذاك لا يزال في الواحدة والثلاثين من عمره. ولقد وصفه كومين بقولهِ "كان من أجمل رجال عصره، لا متعة له غير النساء والرقص والتسلية والقنص". ولقد أفعم خزانته بمصادرة ضياع آل نيفيل، وبقبول رشوة من الملك لويس الحادي عشر في مقابل الصلح معه مقدارها مائة وخمسة وعشرون ألف كراون مع وعد بخمسين ألفاً أخرى كل سنة. وبلغ من طمأنينته أن تجاهل البرلمان، الذي كانت فائدته بالنسبة إليه، الموافقة على ما يريد من المال. وأحس بالاستقرار، فاستسلم مرة أخرى للترف والخمول، ولبس الفاخر من الثياب، وأصبح سميناً مرحاً، ومات في الواحدة والأربعين من عمره، وقد بلغ أوج سلطانه واكتملت جوانب شخصيته (1483).
وخلف ولدين: إدوارد الخامس البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة، ورتشارد، دوق يورك، في التاسعة. وكان عمهما رتشارد، دوق جلوسستر، خدم الدولة في السنوات الست التي خلت رئيساً للوزارة، في جد وورع وبراءة، حتى إنه لما نصب نفسه نائباً للملك، وافقت إنجلترا عليه بلا معارضة، على الرغم من أطرافه المشوهة وظهره المقوس وملامحه الجافية وكتفه اليسرى المرتفعة على كتفه اليمنى. وسواء أكان الباعث نشوة السلطان




صفحة رقم : 7799




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الملوك


أو مجرد الشك في تدبير المؤامرات لخلعه، فإن رتشارد سجن عدداً من الأعيان، وأعدم أحدهم. وفي السادس من يوليو عام 1483 توج نفسه ملكاً باسم رتشارد الثالث، وفي الخامس من الشهر نفسه قتل الأميران الصغيران في القلعة، ولم يعرف أحد من الذي قتلهما. وثار النبلاء مرة أخرى، يقودهم في هذه المرة، هنري تيودور، ايرل رتشمند. ولما التقت قواتهم الصغيرة، بجيش الملك، المتفوق في العدد إلى حد كبير في بوسورث (1485)، رفض معظم جنود رتشارد القتال، ومات في مطاردة يائسة، مفتقراً إلى الملك وإلى جواد.. وانتهت بذلك أسرة يورك المالكة، وبدأ ايرل رتشمند، أسرة تيودور وتلقب بالملك هنري السابع، وهي الأسرة التي تنتهي بإليزابث.
ومارس هنري، تحت وطأة الضرورة، الفضائل والرذائل التي تصور له أن منصبه يتطلبها. ولقد رسم له هلبين صورة جدارية في هوايت هول يبدو فيها طويلاً، ممشوقاً لا لحية له، مفكراً عطوفاً. لا تكاد تنم ملامحه على التدبير الماكر الغامض، والكبرياء العبوس الثابتة، والعزيمة المرنة وإن كانت صلبة في مصابرتها، وهي الصفات التي نقلت إنجلترا من الانحلال والفقر، في عهد الملك هنري السادس، إلى الثروة والسلطة المركزة في عهد هنري الثامن. ويقول بيكون أنه كان يحب "ما تجلبه الخزائن المفعمة للناس من غبطة"، لأنه عرف قدرتها على الإقناع في السياسة. فبرع في فرض الضرائب على الأمة، واستنزف دماء الأغنياء بالصدقات والهدايا بالإكراه، واستغل الغرامات في شراهة لتكون مورداً لخزانته ورادعاً للجريمة، وكان يبتهج كلما رأى القضاة يلائمون بين الغرامة وبين جيب المحكوم عليه، لا بينها وبين المخالفة. وهو أول ملك إنجليزي منذ عام 1216 جعل نفقاته في حدود دخله، وصدقاته وهباته تخفف من وطأة شحه. ووقف نفسه بإخلاص على شؤون الإدارة، وقلل من ملاهيه ليستكمل




صفحة رقم : 7800




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الملوك


عمله: وأظلم الشك الدائم حياته، ولم يكن ذلك بغير سبب، فلم يثق في أحد، وكان يخفي أغراضه، ويحقق أهدافه بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. وأنشأ محكمة ستارتشمبر لمحاكمة النبلاء المشاغبين، الذين بلغ سلطانهم حداً يخشى منه على التأثير في القضاة المحليين والمحلفين. وذلك في جلسات سرية. واستطاع عاماً بعد عام أن يخضع الأرستقراطية المتخلفة، وطبقة رجال الدين الخائنة للملكية. وعارض بعض الأفراد الأقوياء، القضاء على الحرية وتعطيل البرلمان، ولكن الفلاحون صفحوا، عن ملك كبح جماح سادتهم، وأثنى الصناع والتجار عليه، لعمله الحكيم على النهوض بالصناعة والتجارة. ولقد وجد إنجلترا في فوضى إقطاعية، وحكومة جد فقيرة، لا سمعة لها بحيث تحصل على الطاعة والولاء، وخلف لهنري الثامن دولة محترمة منظمة، مؤتمنة موحدة وفي حالة سلم.




صفحة رقم : 7801




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> نمو الثروة الإنجليزية



2- نمو الثروة الإنجليزية


من الواضح أن ثورة عام 1381 العظيمة لم تسفر عن كسب ما. فلم يزل الكثير من فروض العبودية يؤخذ قسراً، بل إن مجلس اللورادت قد رفض بعد ذلك بزمان، في عام 1537 قانوناً يقضي بالتحرير الكامل لعبيد الأرض. وازداد الضيق على "العامة"، وأصبح آلاف من رقيق الأرض المتحررين عمالاً يدويين في المدن لا يملكون شيئاً، وقال توماس مور، إن الأغنام كانت تأكل الفلاحين.. وكانت هذه الحركة طيبة من بعض الوجوه: فقد كانت الأغنام الراعية للكلأ، تسمد الأرض المشرفة على البوار, وما إن جاء عام 1500 حتى كان واحد في المائة من السكان فقط عبيد أرض. فنشأت طبقة من الفلاحين الملاك، الذين يزرعون أرضها بأنفسهم وهي التي منحت تدريجياً للرجل الإنجليزي العادي، الشخصية المستقلة القوية التي صهرت الكومنولث وكونت دستوراً غير مكتوب لحرية غير مسبوقة.




صفحة رقم : 7802




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> نمو الثروة الإنجليزية


ولم يعد النظام الإقطاعي مجدياً، لأن الصناعة والتجارة ارتقيتا بحيث اتخذتا الطابع القومي، وتحولتا إلى اقتصاديات المال المنقول المرتبطة بالتجارة الخارجية. فحينما كان رقيق الأرض ينتج لسيده، لم يكن عنده إلا حافز ضئيل للتوسع أو الإقدام، ولكن عندما يستطيع الفلاح المتحرر والتاجر، أن يبيعا إتناجهما في السوق الحر، فإن الرغبة الملحة في الربح تبعث الحياة الاقتصادية في الأمة، وأخذت القرى ترسل مزيداً من الطعام إلى المدن، وتنتج المدن مزيداً من السلع للوفاء بثمن هذا الغذاء، هكذا تجاوز تبادل الفائض، حدود البلديات القديمة وقيود النقابات لتغمر إنجلترا، وتصل إلى ما وراء البحر.
وتحولت بعض النقابات إلى "شركات تجار" صرح الملك لها أن تبيع المنتجات الإنجليزية في الخارج. وكانت معظم التجارة الإنجليزية تحمل في القرن الرابع عشر على سفن إيطالية، أما الآن فإن البريطانيين يبنون سفنهم، ويسيرونها في بحر الشمال والساحل الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وقاوم تجار جنوه والاتحاد الهنسياتي، هؤلاء الوافدين الجدد، وحاربوهم بالقرصنة ومصدارة السفن، ولكن هنري السابع، اقتنع بأن تقدم إنجلترا يتطلب التجارة الخارجية، فوضع الملاحة الإنجليزية في حماية الحكومة، وأعد مع أمم أخرى، اتفاقيات تجارية، أقرت النظام والأمن البحريين. حتى إذا وافى عام 1500، كان "التجار المغامرون" في إنجلترا، يسيطرون على بحر الشمال. وكان الملك بعيد النظر فأوفد وهو يستشرف التجارة مع الصين واليابان الملاح الإيطالي جيوفاني كابوتو، الذي عاش إذ ذاك في بريستول باسم جون كابوت، ليبحث عن ممر شمالي عبر الأطلنطي (1497). وقنع كابوت، باكتشاف نيوفوندلاند، والساحل من لبرادور إلى ديلاوير في رحلة ثانية (1498)، ومات في تلك السنة، وتحول ابنه سيباستيان إلى خدمة أسبانيا. وربما لم يدرك الملاح والملك أن هذه الرحلات، استهلت




صفحة رقم : 7803




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> نمو الثروة الإنجليزية


التوسع الإمبراطوري البريطاني؛ وفتحت للتجارة الإنجليزية والمستعمرين البريطانيين، إقليماً يمكن أن يصبح على الأيام-القوة الخلاص لإنجلترا.
ودعّمت الرسوم الجمركية الوقائية، الصناعة القومية، وخفض النظام الاقتصادي، سعر الفائدة، تخفيضاً كبيراً بلغ 5% أحياناً، وقضى قانون هنري السابع (1490) بـ:
"على كل رئيس عمل أو عامل أن يكون في عمله، بين منتصف شهري مارس وسبتمبر، قبل الساعة الخامسة صباحاً، وله نصف ساعة فقط لتناول إفطار، وساعة ونصف لغذائه (في الظهيرة) وهو يستطيع النوم، إن وجد فسحة له في تلك الفترة.. وعليه ألا يترك عمله.. إلا بين الساعة السابعة والثامنة مساء..، وعلى كل رئيس عمل وعامل أن يكون في عمله عند انبلاج الصبح وذلك في منتصف سبتمبر إلى منتصف مارس، وألا يغادره إلا بمجيء الليل.. ولا يسمح لأحدهم بالنوم نهاراً".
ومع ذلك فإن العمال كانوا يستريحون ويشربون الخمر أيام الآحاد، إلى جانب إجازة أربع وعشرين يوماً في السنة. ووضعت الدولة أسعاراً عادلة "لكثير من السلع، وقد سمعنا عن اعتقالات حدثت، لتجاوز هذه الأسعار. وكانت الأجور الحقيقية، بالنسبة إلى الأسعار، أعلى بشكل واضح في أواخر القرن الخامس عشر، عما كانت عليه أوائل القرن التاسع عشر.
وأدى ضغط ثورات العمال في إنجلترا، إبان ذلك العصر إلى الحصول على حقوق سياسية والوقوع في أخطاء اقتصادية واستمرت دعوة شبيهة بالشيوعية في كل سنة تقريباً، وذكر العمال مراراً "بأنكم مخلوقون من نفس الطينة والمادة اللتين خلق منهما الأشراف، فلماذا أذن يتريضون ويلعبون، وأنتم تعملون وتكدحون؟-ولماذا يملكون الكثير جداً مما في هذا العالم من ثروات وكنوز، وأنتم تملكون أقل القليل؟" وكانت أعمال الشغب




صفحة رقم : 7804




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> نمو الثروة الإنجليزية


كثيرة، ضد التضييق على الأرض المشاع، كما قامت خلافات موسمية بين التجار والعمال، ولكننا نسمع أيضاً عن قلاقل من أجل الديمقراطية المحلية في المدن، وعن تمثيل العمال في البرلمان وعن تخفيض الضرائب.
وفي شهر يونيه عام 1450، سارت قوة منظمة كبيرة من الفلاحين وعمال المدن إلى لندن، وعسكرت في بلاك هيث. وعرض زعيمهم جاك كيد ظلامتهم، في وثيقة منظمة "إن جميع الناس من العامة، لا يستطيعون أن يعيشوا من كد أيديهم وفلاحتهم، بسبب الضرائب والمغارم وغيرها من المظالم". ولا بد أن يلغى هذا الدستور العمالي، وأن تتألف وزارة جديدة. فاتهمت الحكومة زعيمهم كيد بالدعوة إلى الشيوعية .
والتقى جنود هنري السادس، وأتباع بعض النبلاء، بجيش الثوار في سنفوكس (18 يونيه سنة 1450) ومما أثار دهشة الجميع أن الثوار انتصروا وتدفقوا إلى لندن. وأمر مجلس الملك تهدئة لخواطرهم باعتقال لورد ساي ووليم كرومر، وهما موظفان مكروهان لابتزازهما الأموال وطغيانهما. وفي الرابع من يوليه، سلما إلى الغوغاء الذين حاصروا القلعة، فحاكمهما الثوار، وقد رفضا الدفاع عن نفسيهما وأعدما. ويقول هولنشد: إن الرأسين رفعا على قضيبين، وحملا عبر الطرقات في موكب مرح، وكان فم كل منهما يصفع بقبلة دامية، بين حين وآخر. وتفاوض كبير أساقفة كانتربري وأسقف ونشستر للصلح، الذي منح بعض المطالب ووعد بالعفو العام. ووافق الثوار وتفرقوا. ومع ذلك فقد هاجم جاك كيد قلعة كوينز بورد في شيبي، فاعتبرته الحكومة خارجاً على القانون، وأصيب بجرح مميت وهو يقاوم اعتقاله وذلك في الثاني عشر من يوليه. وحكم على ثمانية من المتواطئين معه بالإعدام وعفا الملك عن الباقين، فابتهج كلفة رعاياه ابتهاجاً عظيماً".




صفحة رقم : 7805




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع



3-الأخلاق والطباع


كتب سفير البندقية حوالي عام 1500، تقريراً إلى حكومته:
"معظم الإنجليز-سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، وفي جميع الأعمار-حسان وأجسامهم ممشوقة.. وهم يحبون أنفسهم حباً عظيماً، ويحبون كل شيء يتعلق بهم ويعتقدون، أنه ليس في الناس سواهم، وليس هناك عالم آخر سوى إنجلترا، وكلما رأوا غريباً جميلاً قالوا "إنه يشبه الإنجليزي، ومن الأسف الشديد أنه ليس كذلك".
وقد يجيب الإنجليز، بأن معظم هذا الوصف، بشيء من التعديل الضروري ينطبق على كل الشعوب.. ومن المؤكد أنهم كانوا شعباً قوياً في الجسم والأخلاق والحديث. وهم يقسمون بحرارة حتى إن جان دارك أسمتهم دائماً الملاعين.
وكان النساء أيضاً يتكلمون ببساطة، ويتحدثن عن مسائل فسيولوجية وجنسية بحرية، قد تذهل السفسطائيين اليوم. ومزاجهم كحديثهم خشن مفحش. وطباعهم جافية، حتى عند الطبقة الأرستقراطية، وعليهم أن يدربوا ويستأنسوا، بقانون سلوكي صارم. ولقد نشأت الروح الشهوانية التي اتسم بها الإنجليز في عهد أليزابث في القرن الخامس عشر، نتيجة لحياة يكتنفها الخطر والعنف والقحة. وكان على كل امرئ أن يكون شرطي نفسه، مستعداً أن يقابل الصفعة بالصفعة، وأن يقتل عند الضرورة برباطة جأش. وهؤلاء الحيوانات القوية نفسها يمكن أن تكون كريمة، شهمة ورقيقة في بعض الأحيان. فلقد بكى محاربون جفاة، عندما مات سيرجون تشاندوس وهو فارس مغوار، وتظهر رسالة مارجريت باستون إلى زوجها المريض (1443)، كيف يكون الحب، لا عصر له ولا يضارعه شيء.




صفحة رقم : 7806




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


ويجب أن نذكر أن هذه السيدة نفسها، قد هشمت رأس ابنتها، عندما رفضت أن تتزوج من اختاره أبوها.
ونُشّئت البنات في حصانة رصينة واحتشام، لأن الرجال كانوا حيوانات مفترسة، وكانت العذرة عدة اقتصادية في سوق الزواج. ويعد الزواج حادثاً من أحداث تنقل المتاع. فالفتيات قد يتزوجن زواجاً شرعياً في سن الثانية عشرة، والصبيان في سن الرابعة عشرة، حتى بغير موافقة والديهم، ولكن الخطبة كانت تعد في الطبقات العليا تعديلاً للمعاملات المالية، بواسطة الآباء والأمهات، عقب بلوغ الأطفال السنة السابعة من العمر مباشرة. وما دام زواج الحب شاذاً، والطلاق محرماً، فقد شاع الزنا، وبخاصة في الطبقة الأرستقراطية. ويقول هولنشد: "لقد سادت هناك، الرذيلتان الوبيئتان السكر والزنا، مع الفحش البغيض، وبخاصة عند الملك" واختار إدوارد الرابع، بعد أن مر بتجارب عديدة في الحب، جين شور، لتكون الحظية الأثيرة لديه. وقد خدمته بإخلاص نزق، وأثبتت أنها صديقة رحيمة في البلاط لكثيرين من ذوي الحاجات. ولما مات إدوارد، أرغمها رتشارد الثالث أن تجوب شوارع لندن، في ثوب الندم الأبيض وربما كان ذلك استعراضاً لآثام أخيه، وإخفاء لآثامه هو؛ وعاشت حتى بلغت أرذل العمر، محتقرة من أولئك الذين ساعدتهم.
ولم يحدث في التاريخ المعروف إطلاقاً أن شعباً كان يماثل الإنجليز (الذين يتشبثون بالقانون اليوم) في استهتارهم إذ ذاك بالقانون إلى حد بعيد. ولقد جعلت الحرب المائة سنة الناس قساة مستهترين، واستمر النبلاء بعد عودتهم من فرنسا، يحاربون في إنجلترا، واستخدموا جنوداً مسرحين في منازعاتهم. وشارك أبناء الطبقة العليا، التجار الجشعين الذين داسوا كل فضيلة للحصول على المال. وكانت السرقات لا تحصى. وباع التجار الرديء من السلع واصطنعوا الزائف من الموازين، وكاد




صفحة رقم : 7807




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


التدليس في نوع الصادرات ومقدارها يقضي على تجارة إنجلترا الخارجية، في فترة من الفترات. واستغلت التجارة في البحار القرصنة، وكانت الرشوة عامة أو تكاد: وقلما يحكم القضاة دون أن يحصلوا على "هدايا"، وكان جباة الضرائب يرشون، تيسيراً للتخلص منها، ويطلب إلى الضباط المجندين مثل فولستاف الذي صوره شكسبير، أن يتغاضوا عن مدينة من المدن، فقد استطاع الأعداء، أن يشتروا جيشاً إنجليزياً، كان يغزو فرنسا، واشتد جشع الناس للمال وقتذاك إلى حد الجنون كما هو الآن، وأنكر شعراء مثل تشوسر الجشع في شعرهم، ولنهم مارسوه في واقع حياتهم وكان من الممكن أن يتقوض الكيان الأخلاقي للأمة، لولا أن أسسه قد دعمتها حياة البساطة التي اتسم بها الرجل والمرأة في الطبقة العامة، ففي الوقت الذي كان فيه من هم أفضل منهم، يدبرون الحروب والشرور لذلك العصر، احتفظ هؤلاء العامة بالحياة المنزلية وحافظوا على الجنس.
وعاشت جميع الطبقات، ما عدا التجار والعمال، في الريف أطول مدة يستطيعونها كل سنة. وتحولت القلاع التي لم تعد حصينة، بعد انتشار المدفع، ببطء إلى منازل كبيرة. وحل الآجر محل الحجر، ولكن البيوت المتواضعة، كانت لا تزال تقام من الخشب والطين. وفقدت الردهة الوسطى، مساحتها وفخامتها القديمتين وهي التي كانت تستعمل في يوم من الأيام لجميع الأغراض، وتقلصت إلى دهليز يؤدي إلى غرفة معيشة كبيرة، وغرف صغيرة، وقاعة استقبال للحديث الخاص. وضعت السجاجيد على جدران بيوت الأغنياء، وأضاءت النوافذ، وهي من زجاج ملون في بعض الأحيان المدخل الذي كان مظلماً من قبل. أما دخان المواقد الذي كان يترسب قبلاً من النافذة والباب والسقف، فقد جمع في مدخنة، ومدفأة ضخمة تزين غرفة المعيشة. وقد تعلقت السقوف بالخشب والأرضيات بالبلاط، في حين ظلت السجاجيد قليلة نادرة. إذا نحن صدقنا أقوال إراسموس التي يغلب فيها الجانب الأدبي على الدقة في التصوير.




صفحة رقم : 7808




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


"كانت جميع الأرضيات تقريباً من الصلصال، مفروشة بحصير من حلفاء المستنقعات، وقليلاً ما تجدد حتى إن الأسس تظل عشرين سنة، تردد أسافلها بالبصاق والقيء من الناس والكلاب والنبيذ والجعة، وبقايا السمك وغيرها من القاذورات التي لا تسمى، ويتصاعد منها، بتغير الفصول، بخار غير صحي في رأيي".
وكانت المخادع فخمة مزينة بالنقوش المحفورة ، ومزودة بالأغطية عليها رسوم أزهار وتعلوها كُنَّة. كما كانت مائدة الطعام، في المنازل المريحة، فنية ضخمة رائعة، بنقوشها البارزة من خشب الجوز أو البلوط ويقوم بالقرب منها، أوفي القاعة بصفة عامة، صوان للأواني أو الفضيات والتحف حيث ترتب للعرض أو الزينة. ونظمت ردهة الجلوس التي أعدت في الأصل للحديث، لتناول الطعام.
وكانوا يتناولون وجبات الطعام الرئيسية نهاراً، وذلك للاقتصاد في زيت الإضاءة و"الغداء" في الساعة العاشرة صباحاً، والعشاء في الخامسة مساءً. وحرص الرجال على ارتداء قبعاتهم عند الجلوس إلى المائدة، ليمنعوا شعورهم الطويلة، من مخالصة الطعام. واحتفظ بالشوك لأغراض خاصة مثل تناول الكامخ أو تجمير الجبن، وظهر استعمال الإنجليز لها على النمط الحديث، أول مرة عام 1463، أما السكين، فقد كان الضيف هو الذي يأتي بها معه، يحملها في جراب، معلق بمنطقته، ويتطلب آداب السلوك إذ ذاك أن يصل الطعام إلى الفم، بواسطة الأصابع. ولم تكن المناديل مستعملة، حتى منتصف القرن السادس عشر، فقد كان على الرجال أن يتمخطوا باليد التي تمسك السكين بدلاً من تلك التي تنقل الطعام إلى الفم. وكانت الفوط غير معروفة، ويحذر الطاعمون بألا ينظفوا أسنانهم بغطاء المائدة، وكانت الوجبات دسمة، ذلك أن الغذاء العادي لواحد من أصحاب الوجاهة، كان يتألف من خمسة عشر أو عشرين صحناً. واحتفظ اللوردات




صفحة رقم : 7809




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


العظام بموائد عظام، فقد كانوا يطعمون يومياً، مائة من الندماء والزوار والحشم، وكان وروك صانع الملك يذبح ستة ثيران كل يوم لمائدته، وأطعم أحياناً خمسمائة مدعو. وكانت اللحم هي الطعام القومي والخضرات نادرة أو غير مجبوبة. والجعة هي الشراب القومي، ولم يكن النبيذ موجوداً أو منتشراً، كما كان الحال في فرنسا أو إيطاليا بيد أن المسموح به من الجعة، هو جالون للفرد كل يوم حتى الراهبات. وقال السير جون فورتسكيو (توفي عام 1470) "لا يشرب الإنجليز الماء، إلا في أوقات معينة لأغراض دينية. أو للتكفير عن الذنب".
وكان الرداء فاخراً عند الطبقة الأرستقراطية. أما البسطاء فكانوا يرتدون جلباباً فضفاضاً وقلنسوة، أو معطفاً قصيراً لايئم العمل، وكلف الموسورون بالقبعات المكسوة بالفراء أو الريش، وأردية مزينة بالزهور، أو سترات مزركشة تنتفخ عند الأكمام، وجوارب طويلة، شكا منها قسيس تنشوسر بقوله "تظهر الساقين في صورة مفزعة منتفخة ينفتق إحداها عن الأخرى بالإضافة إلى أرداف.. وكأنها الجانب الخلفي من قردة في ليلة مقمرة". وارتدى تشوسر نفسه عندما كان تابعاً في حاشية الملك، سترة مشعة وجوربين أحدهما أحمر والآخر أسود. واختفت في القرن الخامس عشر الأحذية المدببة، التي شاعت في القرن الرابع عشر، واستدارت الأحذية واتسعت عند الإصبع الكبير من القدم. أما "زي النساء" فهو يثير السخط، وعلى الرغم من أن محيا بعضهن، ينم على العفة والطيبة الكاملتين، إلا أنهن يبرزن بقلة ردائهن غير المتناسق فتنتهن ودلالهن". ومع ذلك، فإن الصور التي وصلت إلينا، تظهر الجنس المثير، وقد حبس بإحكام في حشد من الملابس من قمة الرأس إلى أخمص القدم.
وتراوحت ألعاب التسلية في الداما والشطرنج، إلى النرد، ومن صيد السمك إلى قنص الوحوش، ومن رمي السهام إلى المبارزة. ودخلت لعبة




صفحة رقم : 7810




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


الورق إلى إنجلترا حوالي نهاية القرن الخامس عشر، وهم لا يزالون يلبسون ملوكهم وملكاتهم، على طراز ذلك العصر. وكان الرقص والموسيقى شائعين كالميسر، وكل إنجليزي تقريباً، يشارك في الأغاني الجماعية، ولقد نافس هنري الخامس جون دستيبل، مع أعاظم الملحنين في ذلك العهد . واعترفت القارة الأوربية بالمغنين الإنجليز. ولعب الرجال التنس، وكرة اليد وكرة القدم وغيرها من ألعاب الكرة القديمة ومي الأطواق، وتصرعوا وتلاكموا، وأعدوا الديكة للعراك، وتراهنوا وتحرشوا بالدببة والثيران. واحتشد الناس لمشاهدة البهلوان والسائرين على الحبال يعرضون فنونهم التي كانت تسري على القدماء، وتدهش المحدثين. واحتفظ الملوك والنبلاء بالمشعوذين والمضحكين والمهرجين، وكان الملك أو الملكة يعينان من يشرف على ألعاب ومشاهد عيد الميلاد، ومنحوه لقب لورد.والنساء يخالطن الرجال في حرية في كل مكان. يحتسين الخمر في الحانات، يركبن وراء كلاب الصيد، ويصدن الصقور، ويصرفن لمشاهدين عن المتصارعين في بعض الدورات، وهن اللائى قادتهن الملكة للتحكيم في رمي الأطواق ومنح التاج الذهبي.
وكانت الرحلة لا تزال مجهدة، وكلن ما من أحد استقر في داره، على ما يبدو-وذلك من مساوئ الزواج من واحدة. والطرق موحلة أو متربة، ولم يميز اللصوص بين عنصر جنس وطبقة أو مهنة. والفنادق بهيجة المنظر على الرغم من قذارتها تزدحم فيها الصراصير والفئران والبراغيث. ويجد كل رجل منهم بائعة هوى، وقلما تجد الفضيلة مخدعاً صالحاً لها هناك. يذهب الفقراء راجلين والأوساط على صهوات الخيل، في جموع مسلحة عادة، ويستعمل الأغنياء عربات، تجرها خيول مطهمة، ونسب ابتكارها إلى رجل مجري في قرية كوكر من أبناء القرن الخامس عشر. وكانت عربات اللوردات مزينة بالنقوش البارزة وموشاة ومذهبة، لها حشيات




صفحة رقم : 7811




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع


وستائر وبسط، ومع ذلك فقد كانت أقل راحة من ظهور الإبل، وكانت تترنح كمركب صيد بشراع واحد. ولم تكن السفن خيراً مما كانت عليه في العصر القديم، ولعلها أسوأ حالاً، وأخذت السفينة التي جاءت بالملك جون من بوردو، إلى لندن عام 1357 اثني عشر يوماً.
وانتشرت الجرائم وبلغت المدن من الفقر حداً لا تستطيع معه، إلا أن تستخدم شرطة من المتطوعين غير المأجورين. ولكنه الذكور كان يطلب إليهم جميعاً أن يسهموا في "ملاحقة" مجرم هارب، وكان يبحث عن الموانع في الحكومات الصارمة من أجل القلة الذين يقبض عليهم، وكانت عقوبة السطو الاختلاس والحريق العمد وانتهاك حرمة المعابد المقدسة، كعقوبة القتل والتآمر، وهي الشنق على أقرب شجرة وتترك الجثة ردعاً للآخرين وطعمة الغربان. وانتشر التعذيب-كلل من المتهم والشهود-إبان حكم إدوارد الرابع، واستمر مائتي سنة. وكثر المحامون.
وقد يكون حكمنا على هذا العصر ممعناً في القسوة، متغافلين عن فظائع قرننا المتحضر. ولقد كان سير جون فورتسكيو القوام على العدالة في عهد الملك هنري السادس، أحسن ظناً بعصره، وكتب تمجيداً له مصنفين اشتهر في وقت من الأوقات. وفي محاورة امتدح قوانين إنجلترا. ومجد صحة المحاكمة بواسطة المحلقين، ونعى التعذيب، وكان مثاله، مثل الآلاف الفلاسفة، في تحذير الأمراء الذين يجدر بهم أن يكونوا خدام الشعب المعتصمين بالقانون. ولقد وازن في كتبه "الملكية" أو "حكومة إنجلترا" بين فرنسا وإنجلترا على أساس من العطفة الوطنية: فالناس من فرنسا قد يحكم عليهم بغير محاكمة علنية: وقلما يدعى مجلس الولايات للاجتماع. والملك يفرض الضرائب على الحاجات الضرورية كالملح والخمر. وبعد أن بالغ في تمجيد بلاده على هذا النحو، ختم السير جون كلامه بقوله إن جميع الحكومات، يجب عليها أن تخضع البابا ولو أدى ذلك إلى تقبيل قدميه.




صفحة رقم : 7812




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد



4- اللولارد


أعاد أرندل كبير الأساقفة عام 1407، تأكيد سيادة الشريعة أو القانون الكنسي، على كل تشريع وضعي، وحكم بالكبيرة أو الهرطقة الكاملة على رفض أي مرسوم بابوي. وأقامت الكنيسة بعد ويكليف، وازدادت قوتها في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر، وفاضت الثورة المتدفقة على خزائنها. وشاع الاكتتاب الديني: فإن الأشخاص الذين يتوقعون الموت، كانوا يتبرعون لبناء كنيسة، ولإقامة القداس للتعجيل بدخولهم الجنة. وسيطرت الكنيسة على مجلسي البرلمان، فقد كان لها في مجلس الشيوخ حوالي عشرين أسقفاً وستة وعشرين من رؤساء الأديرة، في حين مل يكن في المجلس من غير رجال الدين سوى سبعة وأربعون عضواً. وأصر هنري السابع-وهنري الثامن فيما بعد- لموازنة ذلك الوضع على تعيين أساقفة ورؤساء أديرتها من بين رجال الدين، ويسر اعتماد الرتب الكهنوتية على الملكية، تسليم رجال الدين، لجهود هنري الثامن في سبيل تحقيق السيادة الملكية على الكنيسة الإنجليزية.
وفي الوقت نفسه استقر وعاظ وكيليف المساكين على نشر أفكارهم المناهضة لرجال الدين. ولقد ذكر أحد مؤرخي الأديرة، في فترة مكبرة، 1382 في مبالغة تنم عن الفزع "أنهم كانوا يتكاثرون بسرعة فائقة، كالبراعم، حتى غمروا المملكة بأسرها.. ومن النادر أن تلقى رجلين في الطريق دون أن يكون أحدهما من تلاميذ وكيليف. ولقد وجدوا الجمهور المستعد للاستماع إليهم بين صفوف عمال الصناعة، وبخاصة نساجي نورفولك. وفي عام 1395 أحس جماعة اللولارد، أنهم بلغوا من القوة حداً، أتاح لهم أن يقدموا إلى البرلمان، بياناً جريئاً بمبادئهم. فقد عارضوا عزوبة رجال الدين، واستحالة القربان دم المسيح ولحمه




صفحة رقم : 7813




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد


وعبادة الصور وزيارة القديسين والصلوات على أرواح الموتى، وثروة الكنيسة وكثرة الموقوف عليها، واستخدام رجال الكهنوت في وظائف الحكومة وضرورة الاعتراف بالقسس والاحتفال بالتعاويذ، وعبادة القديسين. وأوصوا في بيانات أخرى، بأن الجميع يجب عليهم أن يعكفوا على قراءة الكتاب المقدس، وأن يتبعوا تعاليمه باعتبارها فوق مراسيم الكنيسة. ورفضوا الحرب باعتبارها منقضة للمسيحية، والترف لأنه منافٍ الأخلاق، وطالبوا بإصدار قوانين خاصة بالنفقات، تفرض على الناس العودة إلى البساطة في الغذاء والكساء، وكرهوا الإيمان، ووضعوا في مقابل صفته القسم، حيناً آخر مثل "أنا متأكد أن" و "إنها الحقيقة"، وكان العقل الطهري ووجهة النظر الطهرية، يتخذان شكلهما في إنجلترا قبل ذلك، ولقد مزج نفر من الوعاظ، الاشتراكية بعقيدتهم الدينية،ولكن معظمهم، كان ينفر من مهاجمة الملكية الخاصة، وسعوا إلى تأييد الفرسان والنبلاء إلى جامب تأييد الفلاحين والعمال.
ومهما يكن من شيء فإن الطبقات العليا لم تستطع أن تنسى المأزق الشديد الذي نجت منه ثورة 1381، ووجدت الكنيسة فيهم، استعداداً جديداً لحمايتها، باعتبارهم قوة استقرار في المجتمع. وهدد رتشارد الثاني ممثلي اللولارد في البرلمان بالاعتقال وأجبرهم على الصمت. وطالب أساقفة إنجلترا عام 1397، الملك بإعدام الهراطقة المتعمدين "أسوة بجميع الممالك الخاضعة للدين المسيحي". ولكن رتشارد الثاني، كره أن يسايرهم إلى هذا المدى، ومع ذلك فقد أصدر هنري الرابع وبرلمانه عام 1401 المرسوم المشهور بحرق جميع الأشخاص الذين تحكم عليهم إحدى المحاكم الدينية بأهم هراطقة بالإصرار، وتباد جميع كتب الهرطقة. وفي العام نفسه، أحرق وليام سوتري، وهو قسيس على مذهب اللولارد، بعد أن شد إلى القائمة الخاصة بالإحراق. وقبض على غيره من أنصار المذهب نفسه، وأجبروا على




صفحة رقم : 7814




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد


تغيير آرائهم وعوملوا برفق. وقدم أمير ويلز، إلى هنري الرابع عام 1406، عريضة تقضي بأن دعوة اللولارد، وهجومهم على أملاك الأديرة يهددان كيان المجتمع بأسره. وأمر الملك بزيادة التشدد في محاكمة الهراطقة. ولكن انغماس الأساقفة في سياسة البابوية، جرف نشاطهم، عن الهرطقة والهراطقة إلى حين. وفي عام 1410 أدانت الكنيسة جون بادبي، وهو خياط لولاردي، وأحرق في سوق سمثفيلد. وقبل أن تشعل المحرقة، رجا الأمير هال، بادبي، أن يرجع عن آرائه، وأن يمنح في مقابل ذلك الحياة والمال، فأبى الرجل، وارتقى المحرقة حيث لقي الموت.
وجلس الأمير على العرش عام 1413 باسم هنري الخامس ومنح تأييده الكامل لسياسة القمع. وكان أحد أصدقائه هو سير جون ألد كاسل لورد كوبهام، وهو الذي رأى نظارة مسرحيات شكسبير، بعد ذلك، أنه عين فلستاف. ولقد أبلى ألد كاسل البلاء الحسن في الحرب في سبيل الأمة، ولكنه تسامح مع دعاة اللولارد، وبسط عليهم حمايته في ضياعه بهير فوردشاير وكنت. وطالب الأساقفة بمحاكمته ثلاث مرات، وأبى حضور المحاكمة ثلاثاً، ولكنه استسلم بناءً على دعوة مكتوبة من الملك، وقتل أمام الأساقفة (1413) في نفس الموضع من كنيسة سانت بول، حيث حوكم، ويكلف قبل ذلك بست وثلاثين سنة. وأكد اعتقاده السابق في المسيحية، ولكنه لم يقبل التخلي عن آراء اللولارد في الاعتراف أو القربان. فأدين بالهرطقة، وسجن في برج لندن، وأعطي مهلة أربعين يوماً، على أن يعود عن هذه الآراء، ولكنه بدلاً من ذلك، فر هارباً. وما أن بلغ اللولارد الذين كانوا حول لندن، خبر فراره، حتى جهروا بالثورة، وحاولوا أن يقبضوا على الملك (1414). وفشلت المحاولة، وقبض على بعض الزعماء وأعدموا. واختفى الكاسل، ثلاث سنوات في جبال هيرفورشاير وويلز، ثم قبض عليه آخر الأمر، وأعدم بتهمة الخيانة، ثم أحرق بتهمة الهرطقة (1417)، لأن الدولة والكنيسة طالبت كل منهما بحقها.




صفحة رقم : 7815




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد


ونحن إذا قسنا اضطهاد اللولارد إلى غيرهم، نرى أنه كان معتدلاً، وبلغ عدد الذين أعدموا أحد عشر رجلاً بين عامي 1400، 1485. ولقد سمعنا عن طوائف من اللولارد عاشت إلى عام 1521، وفي سنة متأخرة هي سنة 1518، قتل توماس جان على المحرقة، وهو الذي زعم أنه حول سبعمائة شخص إلى المذهب اللولاردي، وأحرق ستة آخرون عام 1521.
وأما فصل هنري الثامن إنجلترا عن روما، وقابلت الأمة هذا التحويل بلا ثورة، فإن اللولارد من حقهم، أن يزعموا، أنهم مهدوا الطريق إلى هذا التحول إلى حد ما.
ونشر ريجفالد تيلوك، أقف تشيشستر عام 1450 كتاباً، اتخذ له عنواناً، على طريقة العصر المقبلة، كبح جماح اللوم الزائد عن الحدلرجال الدين.
كان رداً صريحاً على المذهب اللولاردي، وقد افترض وجود نزعة قوية ضد رجال الدين بين الناس. واقترح القضاء على هذه الآراء، لا بالسجن في المحرقة، ولكن بالاحتكام إلى العقل فحسب. وأمعن الأسقف المتمحس في الاحتكام إلى العقل، حتى أغرم بالعقل ذاته، وأوقعه ذلك في الهرطقة، وألفى نفسه، بفند بالعقل بعض حجج اللولارد، من الكتاب المقدس. ووضع العقل فوق الكتاب المقدس بصورة قاطعة كميزان للحقيقة، في "رسالة من الاعتقاد"-وهو موقف احتاجت أوربا فيه إلى مائتي سنة لاستعادته. وأضاف مؤلف "كبح جماح اللوم الذي لم يكبح جماحه" أن آباء الكنيسة لا يوثق بهم دائماً، وأن أرسطو ليس ثقة لا يناقش، وأن الرسل، لا يد لهم في العقيدة، وأن هبة قسطنطين كانت انتحالاً. وطالب الأساقفة الإنجليز بيكوك المعجب بنفسه بالمثول أمام محكمتهم (1457)، وخيروه بين الرجوع عن آرائه أو الإعدام حرقاً. وكان يكره الإحراق، وقرأ




صفحة رقم : 7816




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد


علانية بالرجوع عن أقواله، وشلح عن رتبته الكنسية، واعتزل الناس في دير كنيسة تورني إلى آخر حياته (1460).




صفحة رقم : 7817




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الفن الإنجليزي



5-الفن الإنجليزي




1300-1506


كانت الكنيسة، على الرغم من الهرطقة واللاكهنوتية، من القوة والثراء، بحيث استطاعت أن ترفع فن العمارة الإنجليزية إلى مستوى من التفوق رفيع إلى حد ما. ولقد مول: نمو التجارة وغنائم الحرب: الكاتدرائيات والقلاع والقصور، وأسبغت على أكسفورد وكمبردج جلالاً بما شيدت من دور جميلة للعلم لا تضارع. ولقد أخذت مواد البناء في إنجلترا من رخام بربك ومرمر نوتنجهام إلى غابات شرود وأجر أي مقاطعة، ثم تحولت إلى صروح النبلاء وأبراج اللوردات ذوات الأطراف الدقيقة، والسقوف الخشبية التي كانت تماثل في متانتها وجمالها القباب القوطية من الحجر. واستبدلت بالدعائم القبيحة التي تربط السقف، والتي تصل الجدار بالآخر في صورة متكلفة، الدعائم البارزة المطروقة، تحمل بأكتاف ضخمة من خشب البلوط، والعقد المرتفع فوقها، وبهذه الطريقة، قوصرت بعض من أجمل كنائس إنجلترا صحونها. وهكذا حصلت كاتدرائية سلبي على سقف من خشب البلوط مضلع ومعقد، تضارع الرسوم التي على شكل عقد ومروحة، مما يسقف كنيسة "باث" ومنصة التريتل في "إلي"-والجناح الجنوبي لكنيسة جلوسستر بأحجار متداخلة.
وأعطت نماذج من الزخارف الحجرية المفرغة في النوافذ، ومن تغليف الجدران وحواجز المرتلين، أسماءها لطرز معمارية متعاقبة، تتداخل في الزمان وتختلط عادة في بناء واحد. واصطنع الطراز القوطي ذو الزخارف الهندسية (حوالي عام 1250-1315) الأشكال الإقليمية، كما هو الشأن




صفحة رقم : 7818




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الفن الإنجليزي


في كاتدرائية اكستر.وانصرف الطراز القوطي الذي توسل بالأقواس في الزخرف (حوالي 1315-1380)، عن الرسوم المحدودة، إلى الخطوط التي تتماوج بحرية، التي سبقت في شيء من التحفظ، طراز فرنسا المشع، كما هو الحال في النافذة المستديرة الجنوبية في لكولن. وركز الطراز القوطي الرأسي (حوالي عام 1330-1530)، على الخطوط الأفقية والرأسية في داخل العقد، كما في كنيسة هنري السابع في دير وستمنستر. وخفف الألوان الزاهية، التي اتسم بها الزجاج الملون في القرن الثالث عشر، بأصباغ أخف أو بصباغ فضي أو رمادي شاحب، ونافست صور الفروسية الآفة، الأساطير المسيحية، على هذه النوافذ. وبلغ الفن القوطي بذلك أوجه فاضمحلاله.
وقلما عرفت أوربا هذا الشغف بالبناء. فلقد جهدت ثلاثة قرون (1376-1517) لكي تشيد الصحن الحالي في دير وستمنستر، ونحن نستطيع أن نحس إحساساً ضيقاً في الهوادج الطوال لتلك السنوات، جهد العقل واليد الذين اشتركا في معل مقام لا يضارع العبقريات الإنجليزية، في خير أعمالها. ويعد تجديد بناء وندسور أقل روعة؛ فلقد ابتنى ادوراد الثالث هناك على مساحة ضخمة، البرج المدور الكبير (1344)، وبدأ ادوارد الرابع (1473) تشييد كنيسة سانت جورج بمنصاتها الجميلة للمرتلين وعقدها الذي على شكل مروحة وزجاجها الملون. وصمم الن دي ولسنجهام، على الطراز القوطي المتوسل بالأقواس في الزخرف، كنيسة رائعة للعذراء وبرج "مصباح" لأيلي. وزودت كاتدرائية جلوسستر ببرج ويسط وعقد للمرتلين ونافذة شرقية ضخمة، وأروقة متسعة، وتعد سقوفها التي على شكل مروحة من عجائب إنجلترا. ووسعت ونشستر صحنها الكبير وزينت واجهتها الجديدة بالطراز الرأسي. وشيدت كفنتري، على هذا النحو الكاتدرائية، التي لم ينفذ منها في الحرب العالمية الثانية، سوى برجها المدبب الفخم. وأقامت




صفحة رقم : 7819




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الفن الإنجليزي


ببتر بره، عقدها الشاهق على شكل المروحة، وأكملت يورك منستر صحنها، وأبراجها الغربية ومنصة المرتلين فيها. وكانت الأبراج هي المجد الذي يتوج العصر، تسبغ النبل على كليتي مرتن والمجدلية في أكسفورد ودير فاونتين أبي وكنتربري وجلاستبري ودربي وتونتن وغيرها من مئات الأضرحة. واستعمل وليام الويكهامي الطراز الرأسي في تصميم كلية أكسفورد الجديدة، واتبع هذا النهج وليم وينفليت، وهو معمر آخر في التسعين، في "المربع الكبير" بكلية ايتون، وختمت كلية الملك وكمبردج، العصر بكنيسة قد تغري بنوافذها وعقدها ومنصات مرتلين كاليبان بالعلم وتيمون الأثيني بالصلاة.
وفي الطراز القوطي الرأسي طابع دنيوي واقعي يناسب تماماً عمارة الكليات والقلاع والحصون وأبنية النقابات والبلديات. وشيد أمراء وروك على هذا الطراز في القرنين الرابع والخامس عشر، قلعتهم المشهورة بالقرب من ليمنجتن. وشيدت الجيلد هول في لندن وهي مفخرة الطبقة التجارية في العاصمة، بين عامي 1411، 1435 ولكنها أحرقت في عام 1666. فأعاد كريستوفرورن بناءها، وأضيف إليها الجزء الداخلي الجديد عام 1866 وهو الذي انهار تحت وطأة القنابل في الحرب العالمية الثانية. كما اتخذت دكاكين المدينة، في قوائم نوافذها نموذجاً من الطراز الرأسي، وهي تخلب مع رؤوسها المنقوشة وأفاريزها وطنفها البارزة، ألبابنا بسحر مجد بائد.
ولقد احتفظ فن النحت الإنجليزي في هذا العصر بالسمعة التي غلبت عليه ذلك لأن التماثيل لواجهات الكنائس قد تخلف كثيراً عن العمارة التي كان الغرض منه أن يزينها كما هو الحال في لنكولن واكستر. واستخدمت حواجز المذبح الكبير في كاتدرائية وستمنستر ودير سانت البان، قوالب للتماثيل ولكن هذا شيء لا يؤبه له لكي نضيفه إلى قصتنا. وأجود الأمثلة




صفحة رقم : 7820




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الفن الإنجليزي


على هذا الفن إنما توجد في الآثار الجنائزية. ولقد حفرت صورة جميلة لادوارد الثاني على المرمر في كاتدرائية جلوسستر، وللسيدة البانوربرس في بيفرلي منستر واهنري الرابع والملكة جان في كنتر بري، ولرتشادر بوشان في وروك. وبلغ المثالون الإنجليز أوج براعتهم في عرض أزهار أرضهم الخضراء ونباتها. وكان الحفر الجيد يمارس على الخشب: وتبهر منصات المرتلين في ونشستر ولنكولن ونوروتش الأنفاس بالجمال الذي بذل في إظهاره غاية الجهد.
وكان الرسم لا يزال فناً ثانوياً في إنجلترا، تخلف كثيراً عن معاصره في فلاندرز وفرنسا وظل تزيين الكتب القديمة فناً محبباً، ولقد دفع ادوارد الثالث مبلغ ستة وستين جنيهاً في مقابل مجلد مزين للقصص الخيالي. وقدم روبرت من أورمزبي إلى كاتدرائية نوروتش، نسخة مزينة من المزامير تعدها مكتبة بدليان "أجمل مخطوطة إنجليزية" بين مجموعاتها. واضمحل فن المنمنمات بعد عام 1450 بظهور الرسوم الجدارية واللوحات الحائطية، وأفل نجم هذا الفن في القرن السادس عشر قبل ظهور معجزة الطباعة الطريفة.




صفحة رقم : 7821




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري



6- كاكستون ومالوري


في تاريخ مجهول من القرن التاسع عشر، أنشأ مؤلف، لا يعرف اسمه الآن، أشهر المسرحيات الأخلاقية الإنجليزية، فإن تمثيلية "كل إنسان" عبارة عن مجاز وأخلاقه تجريدات منفرة منفذ البداية، مثل المعرفة والجمال والمقولات الخمسة والرشد والقوة والفضل والمآثر والصداقة القرابة الاعتراف والموت وكل إنسان والله. ونحن نجد في استهلال، أن الله غاضب، لأن وصاياه يتجاهلها تسعة من عشرة أشخاص في ستة أيام من كل أسبوع، فيرسل الموت، ليذكر سكان الأرض، بأنهم لا بد أن




صفحة رقم : 7822




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري


يبادروا بالعودة إليه، وأن يقدموا حساباً عن أعمالهم. وهبط الموت من السماء إلى الأرض، في مساحة خط واحد، فوجد كل إنسان قد امتلأ فكره بالنساء والذهب، فما كان منه إلا أن أمره بالانتقال إلى الأبدية. فاحتج كل إنسان بعدم الاستعداد، وطالب بفسحة من الوقت، وقدم ألف جنيه على سبيل الرشوة، ولكن الموت يمنحه مسكناً واحداً-وهو أن يصطحب معه إلى الأبدية صديقاً يختاره. فأخذ الرجل يطلب المزاملة في هذه المغامرة العظيمة، ولكن من طلب مزاملته يعتذر عن نفسه بشجاعة قائلاً:


"إن كنت ستتناول الطعام، وتحتسي الشراب وتبتهج،




أو تغنم معاً صحبة المرأة الشهية،




فإنني لا أتركك....




فيجيبه كل إنسان: إذاً فتعال معي في رحلتي الطويلة.




الزميل: قسماً بإيماني، لن أذهب معك الآن.




إلا إذا قتلت رجلاً: وأزهقت روحه،




عند ذاك أعاونك صادقاً.


فالتجأ كل إنسان إلى قريبه، إلى ابن عمه÷ الذي رفض الدعوة بحجة "أنني مصاب بتقلص في إصبع رجلي". فناشد الرجل، الفضل لمعاونته، ولكنه كان حبيساً ليست عنده الحرية لتقديم أي مساعدة. فتوسل الرجل آخر الأمر بالمآثر فابتهجت، لأنه لم ينسها تمام النسيان، فقدمته إلى معرفة، التي قادته إلى الاعتراف، الذي طهره. ثم هبطت المآثر معه إلى قبره، ورحبت أناشيد ملائكية بدخول الآثم المطهر إلى الجنة.
ولقد انتصر المؤلف في معظم الأحيان-ولا تقول انتصر تماماً-على قالب درامي عصبي. فإن تشخيص صفة من الصفات، لا يمكن أن يكون لها من الوصف ما للشخص، ذلك لأن كل إنسان عبارة عن تناقض مركب متفاعل، وهو فريد إلا إذا كان واحداً من جماعته، والفن العظيم يجب أن




صفحة رقم : 7823




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري


يصور العام عن طريق الخاص كما في هاملت أو كيخوتة، أو أديب أو بانبرج واحتاجت التجربة والعبقرية قرناً آخر، لكي تحول المسرحية الأخلاقية الفاترة، إلى المسرحية الإليزابيثية، التي تصور ، الإنسان المتغير إلى ما لا نهاية.
والحادث الأدبي العظيم في إنجلترا إبان القرن الخامس عشر، إنما هو إنشاء أول مطبعة إنجليزية. ولقد هاجر وليم كاكستون، المولود في كنت إلى بروجس للتجارة. وترجم في أوقات فراغه عن الفرنسية، مجموعة من القصص الخيالي الفرنسي. وطلب أصدقاؤه نسخاً من هذه المجموعة، فكان ينسخها لهم بنفسه، ولكنه يخبرنا بأن يده "كلت ولم تعد تستطيع الكتابة الكثيرة بسرعة". وعشيت عيناه من النظر الطويل على الورق الأبيض. ولعله رأى في زياراته إلى كولونيا، إنشاء المطبعة هناك (1466) على يد أولرتش زل، الذي تعلم هذا الفن الجديد في مينز. وأسس في أيام 1471 كولاردمانسيون، مطبعة في بروج ولجأ كاكستون إليها، باعتبارها وسيلة لإخراج نسخ كثيرة من ترجمته. وفي عام 1476 عاد إلى إنجلترا وأنشأ بعد ذلك بسنة في وستمنستر الحروف-ولعلها المطابع-التي أحضرها معه من بروج. وكان قد بلغ إذ ذاك الخامسة والخمسين من عمره، ولم يبقَ له من حياته سوى خمس عشرة سنة، بيد أنه طبع في هذه الفترة ثمانية وتسعين كتاباً، ترجم أكثرها بنفسه عن اللاتينية أو الفرنسية. وكان لاختياره عنوان كتبه، ولأسلوب مقدماته الطريف الخلاب، طابع لا يمحى على الأدب الإنجليزي. ولما توفي (1491) تابع زميله الإلزاسي وينكين دي ورد هذه الثورة.
ولقد حقق كاكستون ونشر عام 1485 نصاً من أروع نصوص النثر الإنجليزي وهو-التاريخ الشريف للملك ارثر وعدد معين من فرسانه. وكان مؤلفها العجيب قد مات وربما كان ذلك في السجن-قبل ذلك بحوالي ست عشرة سنة. فلقد خدم السير توماس مالوري، في حرب المائة سنة،




صفحة رقم : 7824




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري


كواحد من حاشية ريتشارد دي بوشان أمير وروك، ومثل وروك في البرلمان عام 1445، ولما شعر بالوحدة في إجازة الحرب، اقتحم دار هيوسمث، واغتصب زوجة الرجل، وسلب بالإكراه مائة شلن من مارجريت كنج ووليم هيلز، ثم اقتحم دار هيوسمث مرة أخرى واغتصب زوجته ثانية. وسرق سبعة بقرات وعجلين وخمساً وثلاثين وثلاثمائة من الغنم، وانتهب كنيسة الرهبان البندكتيين في كومب مرتين، ووضع في غياهب السجن مرتين. ويبدو من غير المعقول أن يؤلف مثل هذا الرجل، تلك الأغنية الرقيقة التي تترنم بالفروسية الإنجليزية وهي التي نسميها الآن "موت الملك آرثر"، وبعد أن اشتد الخلاف، حول مؤلفها قرناً من الزمان، أصبح من المجمع عليه أنها من تأليف السير توماس مالوري إبان سجنه.
وأخذ معظم القصص من الرويايات الفرنسية عن الأساطير المتعلقة بالملك آرثر، فرتبها في سياق مقبول، وصاغها بأسلوب محبب خلاب. وأصدرها لطبقة أرستقراطية تفقد ماضي فروسيتها من فظائع الحرب وأهوالها، ودعا من أجل إلى العودة إلى القيم العليا التي اتسم بها فرسان الملك آرثر متناسياً مظالمهم ومظالم نفسه. ومل آرثر الفسق والفجور فاستقر مع صاحبته الجميلة الجريئة جينفير، وحكم إنجلترا-بل كان أوروبا في الحقيقة-من عاصمته في كاميلون (ونشستر) وطلب إلى فرسانه مائدته المستديرة المائة والخمسين أن يقطعوا على أنفسهم عهداً: "ألا ينتهكوا حرمة أو يقتلوا نفساً... وألا يكونوا غلاظاً بأي حال من الأحوال، وأن ريحموا من يطلب الرحمة... وأن يغيثوا النساء الضعيفات، ولو واجهوا الموت دون ذلك.
والحب والحرب هما الموضوعان الممتزجان في كتاب يردد وقائع فرسان لا ضريب لهم، من أجل سيدات وفتيات يفقن الصوف جمالاً وفتنة وكان تريسترام ولانسيلون يجعلان من كل من ملوكهما ديوثاً، ولكنهما يمثلان رغم ذلك الشرف والشجاعة. ولما التقيا وقد تحصن كل منهما




صفحة رقم : 7825




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري


بالدرع والخوذة واللامة، تبارزا، وقد اختفت شخصية كل منهما أربع ساعات حتى كل سيفاهما وثلما.
ثم انبرى لانسيلو آخر الأمر قائلاً: أيها الفارس، إنك تبلى في النزال، النبلاء الحسن كأعظم ما رأيت من الفرسان، لذلك أطلب إليك أن تتفضل فتخبرني باسمك. فأجاب تريسترام: سيدي لقد أقسمت ألا أبوح باسمي لأحد. فقال سير لانسيلو، الحق أنني إذا طلبت فلا يحول قسم بيني وبين البوح باسمي. فقال سيرتريسترام، أحسنت، ولذلك فأنا أطلب إليك أن تبوح باسمك. فقال: أيها الفارس الوسيم، إن اسمي سير لانسيلو دي ليك. فقال: سير تريسترام: يا عجباً، ما الذي فعلت؟ فأنت أحب رجال العالم إلي. فقال السير لانسيلو أيها الفارس الوسيم، أخبرني باسمك. فأجاب حقاً، إن اسمي سير تريسترام دي ليون. فقال سير لانسيلو، يا للمسيح، أي مغامرة مرت بي.. وهنا ركع سير لانسيلو وسلمه سيفه. وهنا ركع سير تريسترام بدوره وسلمه سيفه.... واصطحبا إلى صخرة، وجلسا عليها وخلعا خوذتيهما... وقبل كل منهما الآخر مائة مرة".
وأي قفزة هذه، من تلك المملكة الخيالية، التي لا يعمل فيها أحد من أجل العيش.. كل النساء فيها "منعمات" إلى مادة الواقع الحقيقي إلى رسائل باستون وهي تلك الرسائل الحية التي جمعت أسرة مفرقة على الحب والمال في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر!! ونحن نجد هنا جون باستون، الذي مارس القانون في لندن أو ضواحيها، في حين أخذت مارجريت تربي أطفالها وتدير أملاكه في نوروتش، إن نفسه كلها للعمل وهو جاد، لاذع نزاع إلى المنافسة، أما هي فكلها استسلام، زوجة متواضعة، قادرة، شديدة الحياء، ترتعد لمجرد التفكير في أنها أساءت إليه. وهكذا كان آل جنيفر في صميم العالم الواقعي. ومع ذلك فنحن نجد هنا أيضاً العواطف الرقيقة، والهموم المشتركة بل الخيال، وتعترف مارجريت




صفحة رقم : 7826




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري


بروز لسير جون باستون الثاني أنها تحبه، وأنها تأسف، لأن الصداق، الذي تستطيع أن تقدمه له، أقل بكثير من مكانته، "ولكن إن كنت تحبني، كما أثق أنك حقاً كذلك، فإنك لن تتركني لهذا السبب" وهو الذي آلت إليه ثروة آل باستون، فيتزوجها على الرغم من اعتراض أهله، ويموت في غضون سنتين. وهكذا نجد قلوباً رقيقة، تحت السطح الجافي لهذا العصر المضطرب.




صفحة رقم : 7827




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز



7-الإنسانيون الإنجليز


يجدر بنا ألا ندهش من أن وفرة الدراسة للكلاسيات في إيطاليا لعهد كوزيمو ولورنزو دي مدتشي، لم تثر إلا صدى ضئيلاً في إنجلترا، التي كان تجارها لا يعبأون بالأدب إلا قليلاً، والتي كان نبلاؤها لا يخجلون من أميتهم على الرغم من ثرائها. ورأى السير توماس مور: في مطلع القرن السادس عشر أن أربعين في المائة من الشعب الإنجليزي فقط يستطيعون القراءة. وكانت الكنيسة، والجامعات التي تسيطر عليها، هي التي ترعى الدارسين وحدها. وإلى إنجلترا يرجع الفضل في أن رجالاً أمثال جروسيني وليناكر ولانيمير وكوليت: استطاعوا، في هذه الظروف، وتحت وطأة الحرب المدمرة الضارية، أن يقتبسوا من الشعلة الإيطالية: وأن يحملوا قدراً كافياً من ضوئها وحرارتها إلى إنجلترا، فيجعل ذلك رجلاً مثل أرازمس الحكم الفيصل في الأدب يشعر بأنه في وطنه عندما هبط الجزيرة عام 1499. ووقف الإنسانيون أنفسهم، على دراسة الثقافتين الوثنية والمسيحية على السواء، فأنكرتهم قلة غير ناضجة من "الطرواديين" الذين خافوا أن تأتي هؤلاء اليونان "بالنفائس من إيطاليا، ولكنهم وجدوا من يدافع عنهم بشجاعة ومن يصادقهم بين أكابر رجال الكنيسة، أمثال وليم الوينفليتي، أسقف ونشستر ووليم ورهام رئيس أساقفة كانتربري وجون فيشر، أسقف




صفحة رقم : 7828




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز


روشستر، وفيما بعد توماس كاردينال وُلـْسي، رئيس قضاة إنجلترا.
واستشعر بعض الدارسين من الإنجليز، منذ زيارة مانويل شريسو لوراس، (1408) لإنجلترا بحمى لا يطفئها في نظرهم غير الرحلة إلى إيطاليا للدراسة أو المجون، ولقد عاد همفري، دوق جلوسستر، من إيطاليا، مغرماً بالمخطوطات، وجمع مكتبة، أثرت فيما بعد، مكتبة بودليان. ودرس جون تيتوفت، إيرل جوارينو الفيروني في فيرارا وجون أرجيرو بولوس في فلورنسه.ثم عاد إلى إنجلترا وبين يديه من الكتب أكثر مما في نفسه من الفضائل. ودرس الراهب وليام تيلي من عام 1464-1367 في بادوا وبولونيا وروما، وأحضر معه كثيراً من الآثار الكلاسية، ثم أخذ يدرس اللغة اليونانية في كانتربري.
وكان توماس ليناكر أحد تلاميذه المتحمسين هناك. ولما عاد تيلي، (1487) إلى إيطاليا، اصطحبه ليناكر معه، وظل اثنتي عشرة سنة. ودرس في فلورنسة على بوليتيان وشالكوند يليز وحقق كتباً يونانية لالدس مانوتيوس، وعاد إلى إنجلترا متبحراً في فروع مختلفة من المعرفة، حتى استدعاه الملك هنري السابع، ليؤدب آرثر، أمير ويلز. وأوجد مع جروسين ولاتيمر في أكسفورد "حركة أكسفورد" لإحياء اللغات والآداب القديمة، فألهمت محاضراتهم جون كولت وتوماس مور، واجتذبت أرازمس نفسه. وكان ليناكر أشهر الإنسانيين الإنجليز، يجيد اللغتين اليونانية واللاتينية، وترجم جالينوس، وارتقى بالطب العلمي، وأسس الكلية الملكية الأطباء وأوقف ثروته على تمويل كراسي أستاذية الطب في أكسفورد وكمبردج. وقال أرازاموس، إن الفضل يرجع إليه، في أن الدراسة الجديدة، بلغت من الاستقرار في بريطانيا، حظاً لا يحتاج معه أي إنجليزي إلى أن يرحل إلى إيطاليا في سبيل العلم.




صفحة رقم : 7829




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز


وكان وليم جروسين قد بلغ الأربعين عندما انضم إلى ليناكر في فلورنسه. فلما عاد إلى إنجلترا عام 1492، استأجر غرفاً في كلية أكستر وفي أكسفورد وكان يحاضر عن اللغة اليونانية، على الرغم من احتجاج المحافظين الذين كانوا يرتعدون خشية، أن تقضي النسخة اليونانية الأصلية للعهد الجديد على ترجمة جيروم اللاتينية الشائعة وهي التي ظلت الحجة ألف سنة، ولكن جروسين أكد من جديد، أنه صحيح المعتقد، مستقيم إلى حد التزمت. ولم ينشأ في نفس الإنسانيين الإنجليز أي عداء للمسيحيين حتى العداء المضمر الخفي، كما حدث لبعض الدارسين في عصر النهضة الإيطالية، ولقد حرص هؤلاء الإيطاليون على التراث المسيحي، وجعلوه مقدماً على جميع عناصر التربية العقلية، ولم يجد أشهر هؤلاء، حرجاً من تولي منصب نائب مطران كنيسة سانت بول.
ولقد كان جون كولت أكبر أبناء سير هنري كولت، وهو تاجر غني أنجب أثنين وعشرين طفلاً وتولى منصب عمدة لندن مرتين. وفي أكسفورد مست الشاب، جذوة الإنسانيين من ليناكر وجروسين "فالتهم بشغف" كتب أفلاطون وأفلوطين وشيشيرون روحل عام 1493 إلى فرنسا وإيطاليا، وقابل أرازمس وبوديه في بالريس، وتأثر بسافونارولا تأثراُ عميقاً في فلورنس، وهاله نزق الكرادلة والبابا اسكندر السادس وتحررهم في روما. ولما عاد إلى إنجلترا، ورث ثروة أبيه، وأصبح من اليسير عليه أن يحرز مكانة مرموقة في السياسة، ولكنه آثر حياة الدرس في أكسفورد وتجاهل التقليد القديم الذي يجعل تدريس علوم الدين وقفاً على القساوسة وأخذ يحاضر أهل روما عن إنجيل القديس بولس، فأحل النقد والشرح للنص الشائع،




صفحة رقم : 7830




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز


محل الحذلقة والجدل، وانتعشت جماهيره الغفيرة بطرافة منهجه، وبتركيزه على الحياة الفاضلة باعتبارها أسمى علوم الدين، ولقد وصفه أرازموس الذي رآه في أكسفورد عام 1499، بأنه قديس تغريه الشهوة والترف دائماً، ولكنه "احتفظ بزهرة عذرته إلى وفاته" واحتقر الحياة اليسيرة التي يعيشها الرهبان في زمانه، وأوصى بثروته للأعمال الدينية والخيرية.
وكان يمثل معارضة الكنيسة مع ولائه لها، فقد أحبها على الرغم من أخطائها. وتسائل عن الصدق الحرفي لسفر التكوين، ولكنه قبل القول بأن الكتاب المقدس منزل بالوحي. وسبق المصلحين الدينيين بتأكيده صحة الكتب المقدسة على روايات الكهنوت وأشكاله، ورفضه أن تكون الفلسفة المدرسية للقرون الوسطى، المزيج العقلي المخفف للمسيحية البسيطة، وشكه في قدرة القسس على التطهير بالاعتراف، ووجود المسيح بالفعل في القربان، وفي استنكار الحياة الدنيوية التي يعيشها رجال الدين:
"ولو أن الأسقف الأكبر، الذي نسميه البابا... كان أسقفاً بحق، لما فعل شيئاً بنفسه، ولكن الله فيه هو الذي يفعل. فإن حاول شيئاً بنفسه، فإنه يكون نافث سم.... لقد حدث هذا كثيراً بالفعل منذ سنوات طوال، وازداد في هذه الأيام زيادة كبيرة، حتى سيطر على جميع أعضاء الكنيسة المسيحية، وإذا لم يقبض المسيح بيده على كنيستنا الممعنة في الاضطراب فإنها تشرف على الموت.....، إن أولئك القساوسة اليائسين، الذين يوجد منهم في هذا العصر كثرة هائلة ليترددون في الفجور الشنيع، فهم لا يخشون الخروج من بطن بغي حقيرة إلى هيكل الكنيسة وإلى مذبح المسيح وإلى الأسرار الإلهية.. ولسوف تحل عليهم نقمة الله في يوم من الأيام.




صفحة رقم : 7831




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز


وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.




صفحة رقم : 7832




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الدوقية الملكية



الفصل السّابع




حادثة في برجنديا




1363 - 1515




1- الدوقية الملكية


استطاعت برجنديا، بفضل موقعها على الجناح الشرقي لفرنسا حول ديجون، وبفضل السياسة الرشيدة لدوقاتها، أن تخرج من حرب المائة عام دون أن تصاب إلا قليلاً، حتى أصبحت أكثر البقاع ازدهاراً، في العالم المسيحي وراء الألب. ولما انقرضت الأسرة الدوقية البرجندية من آل كابيتان، وعادت الإمارة إلى التاج الفرنسي، منحها جون الثاني إلى رابع أبنائه فليب (1363) مكافأة له على شجاعته في مقاطعة بواتييه. ولقد أحسن، فيليب الجسور، تدبير الأمور في برجنديا، إبان الإحدى والأربعين سنة التي لبثها دوق لبرجنديا، وكان زواجه سياسياً إلى حد كبير، حتى دخلتا في حكمه هانو وفلاندرز وأراتو وفرنش-كونته وأصبحت دوقية برجنديا التي كانت من الناحية الإصلاحية، ولاية فرنسية، دولة مستقلة، عنيت بالتجارة والصناعة الفلمنكيتين، ونعمت برعاية الآداب.
ومد جون الذي لا يخاف، سلطانه بواسطة شبكة دقيقة من المحالفات والدسائس، إلى نقطة الانفجار، وأحست فرنسا أنها لا بد أن تقاوم التحدي. وكان لويس، دوق أورليان، يحكم فرنسا نيابة عن أخيه المجنون شارل السادس، فعقد محالفة بين فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، في خطة تقضي بالوقوف في وجه الدوق الذي لا يخاف إلى حد التهور. استأجر لويس جماعة من المغتالين قتلوا جون، فأعقب ذلك صراع عنيف




صفحة رقم : 7833




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الدوقية الملكية


بين الحزب البرجندي والحزب الأرمنياكي-وهم أنصار حمى لويس كونت أرمنياك-من اجل السيطرة على السياسة الفرنسية، ومات جون بدوره مقتولاً بطعنة خنجر من يد مغتال (1419). وأنكر ابنه فليب الطيب كل سبب من أسباب الولاء لفرنسا، وعقد محالفة بين برجنديا وإنجلترا، وضم تورناي ونامور وبرابانت وهولندة وايزلند، ولمبرج ولوفان. ولما عقد الصلح مع فرنسا (1435) فرض الاعتراف بالسيادة العملية لدوقيته، والتنازل عن لكسمبرج، وليج وكامبراي وتراخت. وبلغت برجنديا إذ ذاك أوجها، منافسة في الثروة والسلطان أية مملكة من ممالك الغرب.
وأغلب الظن أن فيليب لم يكسب "الطيب" من القلوب الطيبة. ذلك لأنه لم يكن يترفع عن الغدر والقسوة وسورة الغضب الأهوج. بيد أنه كان ابناً وافياً، وإدارياً بارعاً وأباً محباً حتى لأبنائه الستة عشر غير الشرعيين. وكان كغيره من الملوك شغوفاً بالنساء له أربع وعشرون خليلة، ويصلي ويصوم ويتصدق، وجعل عواصمه-دجون وبروجس وجنت-مراكز الإشعاع الفن للعالم الغربي خارج إيطاليا. وأتاح حكمه الطويل لبرجندنا وولاياتها، من أسباب الترف، ما جعل رعاياه يتسامحون معه ولا يذكر أخطاءه إلا القليل منهم وتدمرت المدن الفلمنكية على حكمه، وتحرقوا شوقاً لرؤية تحول، منظماتهم النقابية وحرياتهم الإقليمية، إلى اقتصاد قومي، في ظل حكومة مركزية. وسحق فيليب وابنه شارل ثوراتهم، ولكنهما سمحا بترضية سليمة، لأنهما أدركا أن أعظم موارد الأمارة إنما تستمد من صناعة هذه المدن وتجارتها وليس من شك أن مناطق الرين السفلى، قبل فيليب كانت تختلف في النظم الاجتماعية وشؤون السياسة، اختلافها في العنصر ولغة الحديث، فضمها في دولة موحدة، وأقر فيها النظام، وأعان على ازدهارها.




صفحة رقم : 7834




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الدوقية الملكية


وأصبح المجتمع البرجندي في بروجس وجنت وليج ولوفان وبروكسل وديجون (1420-1460) إذ ذاك أكثر المجتمعات في أوربا صقلاً واجتذاباً للقلوب، لا نستثني من ذلك فلورنسا المعاصرة التي كان يحكمها كوزيمو دي مدتشي. فقد احتفظ أمراء الدوقيات بجميع مظاهر الفروسية، وفيليب الطيب هو الذي أنشأ نظام خبرة الصوف الذهبية (1429)، ويعود بعض الفضل إلى البرجنديين أحلاف إنجلترا، في اتخاذها أبهة الفروسية وبريقها وهذه الفروسية هي التي صقلت السطح الخشن للطباع الإنجليزية، وأسبغت المجد على وقائع هنري الخامس، وبرزت في صفحات فرواسارات ومالوري. ولما تجرد النبلاء البرجنديون من السلطان المستقل، عاشوا في الحاشة أفراداً وأظهروا جميع إمارات الشرف وأبرزوا في الرداء والحلي كل ما يزين التطفل والفجور. وأخذ التجار والصناع يحاكون حاشية الملك في الزي وكانوا يطعمون ويلبسون زوجاتهم كأنما يهيئون المشهد لروينز. وغدا الاكتفاء بالزوجة الواحدة في ظل دوق محب مثله خيانة كبرى للملك. أو الحكومة. ولقد أنجب جون الهينزبر جي المرح أسقف لييج، اثني عشر ابن سفاح..وكان لجون البرجندي أسقف كامبراي، ستة وثلاثون ابنا وحفيداً خارج نطاق الزواج؛ وهكذا ولد كثير من علية القوم في ذلك العصر، الشيء الذ1ي كان يعمل على تحسين النسل. وكان من اليسير أن توجد البغايا في كل وقت وبأي ثمن في الحمامات العامة. وزعمن في لوفان أنهن صاحبات مساكن، يؤجرنها للطلبة، وكانت الحفلات كثيراً ما تتسم بالبذخ، واستخدم فنانون مشهورون في تصميم المناظر وإعداد الأنوار، وكان الناس يعبرون الحدود والبحار ليشاهدوا المناظر الفخمة تمثل فيها النساء العاريات أدوار الربات والجنيات القديمات.




صفحة رقم : 7835




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الروح الديني



2- الروح الديني


ونجد مقابل هذا المجتمع الثائر القديسين والمتصوفة، الذين أعطوا هولندة، في كنف أولئك الدوقات مكانة رفيعة في التاريخ الديني. فقد اعتزل القسيس جان فان ريسبرويك منصبه في بروكسل وهو في الخمسين من عمره (1343) وأوى إلى دير أوغسطين في جروينندايل، بالقرب من واترلو، حيث وقف نفسه على التأملات والتأليف الصوفية. وصرح بأن "روح القدس" هي التي كانت تهدي قلمه، ومع ذلك فإن مذهبه في الحلول كاد ينكر خلود الفرد.
"فإن الله ذاته، يحل مع الأبرار، في غيبوبة الكيفيات...وهو فناء أبدى للنفس..وتحصل الدرجة السابعة، عندما نكشف وراء كل المعرفة أو وراء العارف بكل شيء، في أنفسنا لا عارف ليس له قرار. وعندما نتجاوز جميع الأسماء التي لله أو الكائنات، فإننا نحتضر، ونتحول إلى لا اسمية أبدية، حيث نفقد أنفسنا....
ونتأمل جميع هذه الأرواح المبررة، التي فنيت ودخلت وغابت في جوهرها الاسمي، في ظلام غير معروف بلا كيفية".
ولقد شهدت الأرض الواطئة وولاية الراين الألمانية، وفرة من جماعات غير دينية-البيجارديين والبيجوبنيين وإخوان الروح الحر-أثمرت أحوالها الصوفية غالباً التقوى والخدمة الاجتماعية والسكينة والسلم وأدت أحياناً إلى إنكار الأسرار المقدسة على أساس أنها غير ضرورية، وإلى الرضى عن الخطيئة أحياناً لأنها ستفنى بالاتحاد في الله. وتلق جبريت (أو




صفحة رقم : 7836




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الروح الديني


جريت أو جيرار) جروت الدفنتري، قدراً صالحاً من العلم في كولوني وباريس وبراغ، ثم أمضى فترة طويلة في صحبة "ديزبرويك" في جروبندايل، وكان أثره فيه عظيماً جعله يرى أن حب الله هو الغاية في حياته. وبعد رسم شماساً (1379) بدأ يلقي عظاته في مدن هولندة، باللهجة العامية، إلى جماهير ضاقت بهم الكنائس المحلية وكان الناس يتركون أعمالهم وطعامهم ليستمعوا إليه. وكان أرثوذكسي المذهب في تزمت، ويعد نفسه "مطرقة على رؤوس الهراطقة" فهاجم على الرغم من ذلك التحلل الأخلاقي الذي غلب على رجال الدين والمدنيين على السواء وطالب بأن يلتزم المسيحيون بدقة أخلاقيات المسيح...فاتهم بالهرطقة، وسحب أسقف أترخت، حق حميع الشماسة في الوعظ، وأصدر أحد أنصار حروت وهو فلورس رد يوجمنزون Radewijnszoon، قاعدة شبه رهبانية-شبه شيوعية "لإخوان الحياة العامة" الذين عاشوا في أخوة مدينة ديفنتر وعلى رأسهم جروت، وهم الذين شغلوا أنفسهم بالوعظ-دون أن يحصلوا على مراسيم الرهبانية-وتقضي هذه القاعدة بأن يقوموا بالعمل اليدوي والتعليم والعبادات ونسخ المخطوطات...ومات جروت في الرابعة والأربعين من عمره (1384) بالجدري، أصابته عدواه وهو يمرض صديقاً له، ولكن أنصاره مدوا سلطانهم عن طريق مائتي شعبة إخوان في هولندة وألمانيا.وجعلت مدارس هؤلاء الإخوان للآثار الكلاسية الوثنية، مكاناً بارزا في مقدراتها، فمهدت بذلك السبيل لمدارس اليسوعيين الذين واصلوا عمل مدارس الإخوان في الإصلاح الديني المعارض. ولقد رحب هؤلاء الإخوان بالطباعة بعد ظهورها مباشرة، واستعملوها في نشر "عبادتهم الحديثة" وكان اسكندر هيجويز في ديفنتر (1475-1498) مثالاً لا ينسى للطلاب المجددين في ذلك العصر فهو "المعلم القديس الذي يقف حياته على إرشاد تلاميذه وهدايتهم أخلاقياً فأصلح المقر الدراسي، وركزه حول




صفحة رقم : 7837




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الروح الديني


الآثار الكلاسية، وأكتسب ثناء إيرازمس على صفاء أسلوبه اللاتيني ولما توفي لم يترك شيئاً غير ملابسه وكتبه، ذلك أنه وهب كل شيء سواها للفقراء سراً. ونجد بين طلاب العلم الذين نبغوا في ديفنتر نيقولاس أكوساوى وأرازموس ورودلف أجريكولا وجان دي جرسون ومؤلف كتاب "محاكاة المسيح".
ولسنا نعرف على التحقيق من الذي ألف الكتيب الشائق عن التواضع. ولعله توماس هموكن من مدينة كمبين Kampen من أعمال بروسيا. ولقد جمع في سكينة خلوته بدير سانت اجنس بالقرب من زول، (1380-1471) من الكتاب المقدس من أقوال آباء الكنيسة، ومن عبارات القديس برنارد شارحاً التجرد من الدنيا بالتقوى، كما تصوره ويسبرويك روجروت وأعاد صياغة هذا كله في لغة لاتينية وشيقة سهلة.
"ما الذي يجديك في أن تشغل نفسك بجدل عميق في الثالوث؛ إن كنت مجرداً من التواضع، ومكروهاً من الثالوث؟ والحق، أن الكلمات السامية لا تجعل الإنسان مقدماً عادلاً، بيد أن الحياة الفاضلة هي تجعله أثيراً عند الله. وإنه لخير لي أن أحس وخز الضمير من أن أحفظ الكتاب المقدس وأقوال الفلاسفة جميعهم فما الذي يفيدك، إن افتقرت إلى حب الله وإلى فضله؟ باطل الأباطيل والكل باطل، سوى أن تحب الله، وألا تخدم إلا إياه. وأسمى مراتب الحكمة، أن تحتقر الدنيا وتتجه إلى مملكة السماء-ومع ذلك فلا تثريب على التعلم...لأنه حسن في ذاته كما أن الله قد أمر به، ولكن الضمير الصالح والحياة الفاضلة مفضلان على الدوام.
العظيم بحق هو من يحمل في قلبه حباً عظيماً. والعظيم بحق هو الصغير في نظر نفسه، الذي لا يأبه برفعه الشرف. والحكيم بحق هو الذي يطرح جانباً جميع الأشياء الأرضية باعتبارها روثاً، حتى يغنم صحبة المسيح.
أهرب عن صخب الناس بأسرع ما تستطيع، لأن معالجة الأمور




صفحة رقم : 7838




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الروح الديني


الدنيوية عائق عظيم. والواقع أن من التعاسة أن نعيش على هذه الأرض...وأنه لأمر عظيم أن نلتزم الطاعة في الحياة، وأن يكون فوقنا رئيس، وألا نكون مخيرين بمشيئتنا. وأمن لنا أن طيع من أن نحكم...وبذلك تبدو الصومعة التي نسكنها جميلة.
وفي "محاكاة المسيح" بلاغة رقيقة، تعكس البساطة العميقة لعظات المسيح وأمثاله. وهو رادع ضروري دائم لما في العقل الرخو والسفسطة الجوفاء من غرور ذهني. فنحن عندما نكل من مواجهة أعباء حياتنا فإننا نعتصم بالإنجيل الخامس لتوماس اكمبيس. ولكن من ذا يعلمنا ونحن في خضم العالم وأعاصيره كيف تكون مسيحيين؟




صفحة رقم : 7839




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة



3- برجنديا المشرقة




1363 - 1465


أخذت الولايات الخاضعة للحكم البرغندي على الرغم من أمثال هذه الاستغفارات التوماسية، تنغمس في نشاط عقلي ملحوظ. فلقد جمع الدوقات أنفسهم-وفيليب الطيب أكثرهم في ذلك-المكتبات وشجعوا الأدب والفن. وكثرت المدارس، وسرعان ما أصبحت جامعة لوفان التي أسست عام 1426، مركزاً من مراكز التعليم في أوربا. ولقد سرد جورج كاستيلان "تاريخ دوقات برجنديا" تاريخ الدوقية في كثير من البلاغة الناصعة وقليل من الفلسفة، وإن كان قد عرضه بلغة فرنسية قوية، فأسهم به مع فرواسار وكومين في إجاد تلك الوسيلة المحببة من النثر الواضح الرشيق. وأقامت جماعات خاصة، قاعات للخطابة للتدريب على الخطابة والشعر وتمثيل المسرحيات. وتنافست لغتا المملكة-الفرنسية أو رومانسية الوالون في الجنوب واللهجات التي كان نتكلم بها الفلمنكيون والألمان في الشمال-في إظهار الشعراء، الذين أسدل النسيان عليهم ستاره.
وكان التعبير الأرفع للدوقية يتجسم في الفن. وبدأت أنتورب عام




صفحة رقم : 7840




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


1353 كاتدرائيتها الكبيرة ذات الممرات الكثيرة وأتمتها عام 1518، وشيدت لوفان كنيسة سانت بيير الجميلة في تناسبها-وهي ضحية أخرى للحرب العالمية الثانية. وكان الناس والمدن من الغنى بحيث أصبح من المستطاع أن يقدموا القصور ومباني البلديات، والبهاء نفسه الذي كان يشيد به الكنائس لله. واتخذ الأساقفة الذين حكموا لييج، لأنفسهم ورجال إدارتهم، سكناً في أعظم قصر وأجمله في الأرض المنخفضة. وأنشأت جنت دارها النقابية عام 1325. وبروكسل قاعدة بلديتها في عام 1410-1455 ولوفان من عام 1448-1463، وأضافت بروجي دار بلديتها بين عامي 1377، 1421، وتوجتها ببرج ناقوس عالمي الشهرة (1393-1396) الذي استخدم كمعلم من المعالم للملاحين الضاربين بعيداً في البحر. وبينما عبرت هذه المباني القوطية النبيلة عن كبرياء المدن والتجار، فقد أنفق الدوقات وأفراد الطبقة الأرستقراطية الأموال على تزويد قصورهم وقبورهم بضروب كثيرة ناصعة من النحت والتصوير والزخرفة الخطبة. ولما كان الفنانون الفلمنكيون، قد أخافتهم الحرب من فرنسا، فقد تزاحموا عائدين إلى مدنهم. وحشد فيليب الجسور نجوماً ساطعة من العبقريات، ليزين مقره الصيفي في شارتريز دي شامبمول-وهو دير أريوزي في الحقل الهادي المجاور لريجون.
وأوفد فيليب عام 1386 جان دي مارفي، لكي يصمم له ضريحاً في شارتريز,. ولما توفي مارفي (1389) أتم عمله كلوز سلوتر الهولندي، ولما توفي سلوتر بدوره (1406) واصل العمل تلميذه كلوز، وانتهى الضريح آخر الأمر (1411) فاستقبل رفات الدوق، الذي كان قد مات، قبل ذلك بسبع سنوات. وفي عام 1793 أمر مجلس ثوري في ريجون بهدم الضريح العظيم، فنثر حطامه أو أتلف. وفي عام 1827، جمع رجال الدين في المقاطعة، بعد أن تنفسوا نسيم الحرية، القطع الباقية منه




صفحة رقم : 7841




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


وأودعوها متحف ريجون. ورقد الدوق وزوجته الدوقة مارجريت أميرة فلاندرز في تابوت مرمري جميل على منصة ضخمة من الرخام، وتحتها رسوم أربعين شخصاً يبكون-وهي التي بقيت وحدها من النقوش التسعين-موت الدوقين في حزن صامت رائع. أما باب الكنيسة في شارتريز فإن سلوتر وتلاميذه (1391-1394) نقروا خمسة رسوم فاخرة. العذراء تتلقى ولاء فيليب ومارجريت، يقدمها إليها يوحنا المعمدان وكاترين القديسة الاسكتلندية. وأقام سارتر في الصحن أروع أعماله وهو بئر موسى-وهي قاعدة تحمل تماثيل لموسى وداود وارميا وزكريا واشعيا ودنيال، وفقها مشهد الصلب،، ولم يبق منه إلا رأس نبيل مهموم للمسيح تتوجه الأشواك. ولم تشهد أوربا مثل هذا النحت الذي تبدو فيه القوة الفائقة والجرأة الفريدة، منذ أزهى عصور الفن الروماني.
وكانت للمصورين دولة عظيمة كالمثالين. وظل رسامو المنمنمات يحظون برعاية الكبراء..فلقد دفع كونت وليام أمير هانو، بسخاء من أجل تزيين "أجمل صلوات العذراء" (حوالي 1414) . ووضع عبقر مجهول (لعله هوبير فان ايك) نموذجاً ومستوى لألف رسام من الأرض الواطئة للمناظر الطبيعية وذلك بالتقاطه بدقة مجهرية، ثغراً فيه سفن تلقي مراسيها أو تحجز عباب البحر، والركاب يصعدون والملاحون ورجال الشاطئ يقومون بأعمالهم المختلفة، والأمواج تتكسر على شاطئ هلالي، والسحب البيضاء تسير خفيفة عبر السماء-كل هذا في حجم بطاقة الصورة الشمسية. وفي 1392 زين ملكيور برويد رلام اليبرسي دير شارتريز دي شامبول بأقدم لوحة حائطية باقية معبرة خارج إيطاليا. ولكن برويدرلام




صفحة رقم : 7842




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


والفنانين الذين نقشوا الحوائط وتماثيل الدير، قد استعملوا أمزجة ألوان تقليدية-خلطوا ألوانهم ببعض المواد الغريبة، وقلما يتحقق بهذه الوسائل التدرج في الظلال والصفاء في الألوان الخفيفة، وقد تقضي الرطوبة على العمل بعد تمامه. وفي فترة مبكرة أي عام 1329 قام جاك كومبير من جنت بتجربة خلط الألوان بالزيت. وطور الفلمنكيون بعد قرن من المحاولة والخطأ هذا التطبيق الفني الجديد، وأحدث ذلك في الربع الأول من القرن الخامس عشر، ثورة في فن التصوير. فعندما صور هوبرفان أيك وأخوه الأصغر جان "تمجيد الحمل" لكاتدرائية سانت بيفن في جنت، لم يؤكد تفوق الزيت كمطية فحسب، ولكنهما أنشآ، إحدى روائع الفن في تاريخ التصوير ومن اجلها أصبحت سانت بيفن مقصداً للزائرين منذ ذلك الوقت.
أما من ناحية الشكل فإن الأثر الذي يعد أعظم آثار الفن التصويري في القرن الخامس عشر، والذي يصفه جيته بأنه "محور تاريخ الفن"، عبارة عن طية من ست لوحات جدارية، مصورة على الخشب، على كل جانب اثنتا عشرة وعندما تفتح الطية، يبلغ طولها إحدى عشرة قدماً، وعرضها أربع عشرة قدماً، وفي وسط الصف الأسفل، منظر خيالي للريف، مع مدينة ذات أبراج عالية-بيت المقدس-ترتفع في المساحة التي وراء التلال، وفي الأرض الأمامية عين "ماء الحياة" وأبعد من هذا إلى الخلف مذبح وعنده حمل يرمز إلى المسيح يتدفق منه دمه القرباني، بينما يتجمع حوله البطارقة والأنبياء والرسل والشهداء والملائكة والقديسون في عبادة خاشعة. وفي الوسط العلوي شخص يجلس على عرش، يشبه شخصية خيّرة لشرلمان له ملامح سامية، ولقد رسم أله الإله الأب-وهو تمثيل غير مطابق للربوبية وإن كان تصوراً نبيلاً لحاكم رشيد وقاض عادل. ولا يتفوق عليه في هذه الصورة إلا شخصية واحدة-هي شخصية




صفحة رقم : 7843




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


العذراء، لها قسمات لطيفة، شقراء تيوتونية، لا تمثل الجمال، بقدر ما تمثل الطهارة والوداعة، وبدت العذراء السستينية أقل نبلاً. وعلى يسار السيدة مريم جمع من الملائكة، وفي أقصى اليسار آدم عاري الجسد. نحيل حزين، يتذكر في بؤس فترة سعيدة من الزمن. "وإلى يمين الإله الأب، يوحنا المعمدان، وهو في زي أكثر ترفاً من راع، يعظ في البرية. وفي أقصى اليمين تقف حواء عارية، مكتئبة غير جميلة، تندب الفردوس المفقود، ولقد ظلت صورتها فترة من الزمن، مثلها في ذلك مثل آدم في الطرف الآخر، تصدم الفلندري الذي ترتعد فرائصه من البرد ولم يألف العرى في الحياة أو الفن. وأعلى صورتها قابيل يقتل أخاه كمدخل رمزي للتاريخ.
والجانب الخلفي من هذه المجموعة يهبط عن الطراز المتسامي للوحات الداخلية. فنجد في الصف الأوسط ملاكاً إلى اليسار ومريم إلى اليمين، تفصلهما مسافة، يصوران البشارة-الوجهان عاريان، والأيدي جميلة إلى حد ظاهر، والأزياء كأروع ما تكون في التصوير الفلمنكي. وفي الأسفل مقطوعة شعرية لاتينية من أربعة أبيات، ذهبت القرون ببعض كلماتها، أما الباقي فهي "بدأ هوبرت فان أيك، هذه المهمة الصعبة، وهو العظيم الذي لا يضارعه في حذقه أحد، وجوهانس الذي يليه في الفن...شجعتهما وصية "جودوكس فيد. وهذا الشعر في السادس من مايو، يدعوكم لمشاهدةالعمل وقد تم"، وفي البيت الأخير حروف معينة، مجموعها في حساب الجمل 1432؛ وهي السنة التي أنجز فيها هذا الأثر الفني. وكان فيد وزوجته هما الواهبان. ونحن نتسائل: ما هو المقدار الذي رسمه هربرت، والذي رسمه جان؟ إنها مشكلة تستعصي على الحل لحسن الحظ، ومن ثم فقد تظل




صفحة رقم : 7844




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


الدراسات تكتب في الموضوع حتى يختفي أثر الصورة.
وربما كان في هذه الصورة التي تعد بداية مرحلة جديدة في الفن إسرافاً في الأشخاص والمنمنمات: فقد أظهر كل رجل وامرأة وملاك وزهرة وغصن وفرار وحيوان ودرة بصبر وإخلاص بطوليين-وقد أمتعت "ميشيلانجلو" الذي رأى، في الواقعية الفلمنكية، تضحية بالتعبير الأساسي، في سبيل التفاصيل العارضة غير المتصلة بالموضوع. ولبكنه لا يوجد شيء في إيطاليا المعاصرة، يضارع هذه الصورة في المجال والفكرة والتأثير، ولم يتفوق عليها في فترة متأخرة من تاريخ التصوير، إلا سقف الكنيسة السستينية لميشيلانجلو وصور روفائيل الجدارية في الفاتيكان، وربما صورة "العشاء الأخير" لليوناردو، قبل أن تدخل في تحليلها الطويل بل أن أوربا المتعلمة كلها كانت تتحدث عن صورة "تمجيد الحمل" إبان الفراغ من إنشائها. ولقد ناشد الفونسو الهمام، الفنان جان فان أيك، أن يذهب إلى نابلي، ويصور له، أمثال أولئك الرجال والنساء، ذوي الشعر الذهبي الذين كثروا في هذه الصور وإن قل وجودهم في إيطاليا الجنوبية.
وخرج هيوبرت فان إيك من محيط علمنا بعد عام 1432 ، ولكننا




صفحة رقم : 7845




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


نستطيع أن نتتبع جان في حياة عاملة مزدهرة. فقد جعله فيليب الطيب حاجباً له (وكان إذ ذاك منصباً له جلاله وسلطانه) وأرسله إلى الخارج في سفارات وكأنه جوهرة من تاج برجنديا. وينسب إليه ما يقرب من أربع وعشرين صورة لا تزال باقية إلى الآن، وتكاد تكون كل واحدة منها عملاً فنياً كبيراً. وفي درسن صورة للعذراء وطفلها، وهي تلي "عبادة الحمل" في إنتاج فان أيك، وتمتدح بولين "الرجل ذا الزهرة"-وجه دميم غير متناسب إلى حد عجيب مع الزهرة الجميلة، وفي حيازة مدينة ملبورن صورة العذراء وطفلها في بلدية إنس "وهي لا تكاد تتجاوز تسع بوصات في ست، ومع ذلك نقدر قيمتها بخمس وعشرين ألف دولار، وتكتنز بروجز صورة العذراء والكاهن بايل-وفيها العذراء رائعة من شعرها المنساب إلى هدبة ردائها المتثني في روعة. والكاهن سمين أصلع طيب وهي أعم صور الأشخاص في القرن الخامس عشر، وتعرض لندن الزوجين حديثاً، جيوفاني أو فلفين ومعه عروسه في قاعة داخلية يتلألأ بمرآة وشمعدان، وحصلت مجموعة فريك في نيويورك، حديثاً بثمن كبير لم يذكر، على صورة للعذراء وطفلها زاهية الألوان معها القديسة بربارا وإليزابث، وفي واشنطن صورة بشارة تمتاز بخداع يوهم بعمق الفراغ وفخامة ثياب جبرائيل، وهما يحولان البصر على مريم، وفي حوزة اللوفر صورة للعذراء والحاجب رولان. وفيها مشهد أخاذ لنهر تَتلوَّي عليه جسر يزدحم بالناس ومدينة ذات أبراج وحدائق مزدهرة، وسلسلة تلال ترتفع مرحبة بالشمس. ونجد في هذه الصورة كلها، إلى جانب الألوان التي تستوعبها إصرار على تصوير الواهين كما كانوا يبدون للعين، بحيث يتم الوجه على الحياة التي عاشها صاحبها، والأفكار والأحاسيس التي صاغت على مر السنين الملامح، لتجعل منها، اعترافاً يفصح عن الشخصية ولقد طرحت جانباً في رسوم الأشخاص هذه الروح المثالية التي اتسمت بها




صفحة رقم : 7846




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


القرون الوسطى، وبدأت تظهر طبيعة حديثة-لعلها تعكس الاتجاه الدنيوي للطبقة الوسطى-بكل مقوماتها.
ولقد حصل فنانون كثيرون آخرون على الشهرة في هذه البيئة وذلك العصر الخصيبين أمثال: بتروس وكريستوس وجاك دارت ووبرت كامين (أستاذ فليمال) ونحن نحني رؤوسنا لهم خاشعين ثم نواصل السير إلى تلميذ كاميين وهو روجر دي لا باستير. ولما أن بلغ روجر السابعة والعشرين من عمره، ذاع صيته، في مسقط رأسه تورناي، فأحرز مرتين الدرجات الثلاث، أو قناني النبيذ الثلاث، التي رصدها لجان فان إيك، ومهما يكن من شيء، فقد لبى الدعوة ليكون مصوراً رسمياً في بروكسل، ومن ثم جعل لاسمه الصيغة الفلمنكية روجيه فان درويدن. وفي عام 1450 وكان قد بلغ الواحدة والخمسين، رحل إلى روما للاحتفال بعيده الخمسيني، ولقي المصورين الإيطاليين، واحتفل به بوصفه أحد مشاهير العالم وربما كان تقدم التصوير بالزيت في إيطاليا بتأثيره. ولما توفي عام 1464 في بروكسل، كان أشهر فنان في أوربا بأسرها.
وبقي فنه في آثار كثيرة. ولقد صور أيضاً فيليب الطيب، ورولان-وزير فيليب لمدة أربعين سنة-وشارل الجسور وغيرهم منن الشخصيات البارزة. وتتسم "صورة سيدة" بجمال يفرق الوصف في المتحف القومي بواشنطن-وهي تجسم المشاكسة والتقوى والتواضع والكبرياء. وكان روجر في فن تصوير الأشخاص رومانسياً لا يبلغ شأن جان فان أيك، ولكنه أظهر في صوره الدينية، دقة وإحساساً مرهفاً، عمقاً في الانفعال وهو ما يفتقر إليه فن جان القوي الواقعي، وربما كانت الروح الإيطالية أو الفرنسية، تتوسل في التعبير بالشكل الفلمنكي، وتبعث بذلك منهج القرون الوسطى.
ولقد سجل روجيه، مثله في ذلك مثل الإيطاليين، الأحداث الحيوية المثيرة، في قصته مريم وابنها: فإن جبريل يعلن فتاة مفزعة أنها ستكون




صفحة رقم : 7847




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> برجنديا المشرقة


أم الرب، والطفل في المزود، وعبادة المجوس، وصورة القديس لوقا وفيها العذراء وهي ترعى طفلها، وزيارة مريم لإيزابيث، والأم تتأمل طفلها في سعادة، والحضور إلى الهيكل، والصلب، والنزول عن الصليب، والقيامة، ويوم الحشر. وبلغ روجيه في هذا المشهد الأخير أوجه، في مجموعة لوحات لعلها صممت لتضارع "عبادة الحمل" ولكنها غير جديرة بذلك تماماً. ولقد صورت لرولان، وهي الآن في المستشفى الفخم، الذي أسسه الوزير العظيم في بوين. وفي اللوحة الجدارية الوسطى، يجلس المسيح للمحاكمة، وتغلب الرمة عليه عما في صورة ميشلانجياو، ويقف في كلا الجانبين الملائكة بملابسهم البيضاء الناصعة: يحملون وسائل عذابه وموته، ويظهر تحتهم ميكائيل رئيس الملائكة: يضع في الميزان الحسنات والسيئات: وإلى اليسار تركع مريم في خشوع وضراعة، وفي أحد الجانبين‎ يجثو الأبرار في صلاة شكر، وفي الجانب الآخر يقع الأشرار فزعين في الجحيم، وهناك ثلاثة في أشورب تكاد تبلغ في شهرتها هذه الصورة وهي تصور الأسرار المقدسة السبعة في مشاهد رمزية. وأراد روجيه ألا نتمثله، مستغرقاً في وجد ديني، فصور حسناء تغتسل، وشابين يسترقان النظر إليها من خلال شق في الحائط، بفضول تشريحي نهم لا يشيع أبداً.




صفحة رقم : 7848




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:21 مساء   رقم المشاركة : [262]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> شارل الجسور



4- شارل الجسور




1465 - 1477


تبخر هذا الفوران كله بفضل حدة مزاج شارل المتهور، الملقب خطأ بالجسور. وهو الذي صوره روجيه فان درويدن، في صورة كونت شاروليه الفتى الجميل الحاد ذي الشعر الأسود، الذي قاد جيوش أبيه، في انتصارات دامية، وعرك سلطان أبيه منتظراً وفاته. ففي عام 1465 أحش فيليب الطيب بنفاذ صبره، فسلم إليه مقاليد الحكم، وأشبع بذلك طموح الشاب ونشاطه.
وأبى شارل تقسيم دوقيته إلى ولايات شمالية وأخرى جنوبية تتفرق مكاناً




صفحة رقم : 7849




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> شارل الجسور


وتتعدد لغة، وأبى فوق ذلك الولاء الإقطاعي الذي يدين به عن بعض هذه الولايات لملك فرنسا، وعن بعضها الآخر لإمبراطور ألمانيا. وكان مشوقاً لتحقيق برجنديا العظمى، مثل لوثارينجيا (لورين) في القرن التاسع، لتكون مملكة وسطى بين ألمانيا وفرنسا، موحدة من الناحية الطبيعية، ذات سيادة من الناحية السياسية. ولقد فكر أحياناً، في أن وفيات بعض أولياء العهود الذين يتداخلون في نسبه في الوقت المناسب، قد تسلمه العروش الفرنسية والإنجليزية والإمبراطورية، وتسمو به إلى مصارف أرفع الشخصيات في التاريخ مكانة. ولقد نظم، تحقيقاً لهذه الأحلام، أحسن جيش عامل في أوربا، وفرض على رعاياه من الضرائب ما لا نظير له في الماضي، وكيف نفسه لمكابدة كل عناء وتجربة، ولم يمنح عقله وجسمه، ولا أصدقاءه وأعداءه، فترة من الراحة والسلام.
ومع ذلك: فقد فكر لويس الحادي عشر، في برجنديا باعتبارها إقطاعية من ملك فرنسا، وحارب تابعه الغني متفوقاً في الخطط والدسائس-فانضم شارل إلى النبلاء الفرنسيين ضد لويس، وغنم مدناً أخرى، والعداوة الدائمة لملك عنيد. وفي هذا الصراع انتقضت دينان ولييج على برجنديا، وأعلنا ولاءهما لفرنسا، كتب بعض المتحمسين في دينان Dinant، على صورة معلقة لشارل، إنه ابن سفاح لقسيس لمستهتر. فهدم شارل أسوار المدينة بالمدافع، وأباحا لجنوده ثلاثة أيام ينهبونها، واسترق جميع رجالها، وشرد كل نسائها وأطفالها، وأحرق جميع مبانيها حتى أصبحت أثراً بعد عين، وألقى بثمانمائة من الثائرين مقيدة أيديهم وأرجلهم من خلاف في نهر الموز (1466) ومات فيليب في شهر يونيو التالي، وأصبح كونت شاروليه، شارل الجسور. فأعاد الحرب مع لويس، وأجبر لييج التي ثارت مراراً بمحاصرتها، على أن تؤيده وتعاونه في هذه الحرب. وقدم سكان المدينة المتضرعون جوعاً، جميع ما يمتلكون ثمناً لحياتهم..فرفض العرض،




صفحة رقم : 7850




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> شارل الجسور


وأباح المدينة، ولم ينج من النهب بيت أو كنيسة، وانتزعت كؤوس القربان من أيدي القساوسة وهم يقومون بالصلاة، وأغرق جميع الأسرى الذين عجزوا عن دفع الدية الباهظة (1468).
والعالم، وإن تردى، طويلاً في أعمال العنف، لا يستطيع أن يغتفر لشارل قسوته، وخروجه على تقاليد الإقطاع في حبس مليكه وإذلاله. فلما غزا جلدرلاند، وحصل على الألزاس، وتقدم بخطى إمبراطور ليتدخل في كولونيا ومحاصرة نيس Neuss. بادر جميع جيرانه إلى الوقوف بوجهه. وأسخط بيتر فان هاجنباك، الذي عينه والياً على الألزاس، الناس لفظاظته وجوره وقسوته، فشنقوه، وأعلن الاتحاد السويسري محاربة شارل إلى الموت (1474) ذلك لأن التجار السويسريين كانوا من ضحايا بيتر، والذهب الفرنسي كان يوزع من الناحية العسكرية في سويسرا، والولايات السويسرية، كانت تحس بأن اتساع سلطان شارل خطر يهدد حريتها. فترك نيس، واتجه ناحية الجنوب، فغزا اللورين-موحداً لأول مرة طرفي دوقيته-وسير جيشه عبر جورا، إلى فود. وكان السويسريون أشجع الجنود في عصرهم، فهزموا شارل بالقرب من جرانسن Granson، ثم دحروه بالقرب من مورات (1476) وهكذا اكتُسح البرجنديون، وبلغ الحزن بشارل أن أشرف على الجنون. فاغتنمت اللورين الفرصة ولانتقضت عليه، وأرسل السويسريون الرجال وبعث لويس الذهب لمعاونة الثورة. وألف شارل جيشاً جديداً، وحارب الحلفاء بالقرب من نانس، وهزم في المعركة ولقي الموت (1477). وفي الغداء التهمت الغيلان قطعاً من لحمه العاري، ووجد غارقاً إلى النصف في مستنقع، ووجهه متجمد ملتصق بالجليد. وكان الأربعة والأربعين من عمره. وهكذا اندمجت برجنديا في فرنسا.




صفحة رقم : 7851




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة



5- الفن في الأراضي الواطئة




1465 - 1515


اضمحلت فلاندرز الجنوبية فترة من الزمن بعد فيليب الطيب، ودفعت الاضطرابات السياسية بكثير من النساجين إلى إنجلترا، وكانت صناعة النسيج البريطانية النامية تحصل على تجارتها ومواردها الخامة من المدن الفلمنكية، وما أن جاء عام 1520، حتى أصبح النسيج الإنجليزي يزحم أسواق فلاندرز نفسها. وازدهرت بروكسل وميشلن، وفالنسين بالتفوق في صناعة الشرائط والسجاجيد والفرش والحلي، ونامور بفضل صناعة الجلود، ولوفان بفضل جامعتها وجعتها. وحوالي عام 1480، بدأت القناة التي تصل بروجس بالبحر ترسب الطمي في مجراها، وبذلت جهود جبارة لتطهيرها، وقضت الرمال والرياح على هذه الجهود، ولم تعد السفن التي تمخر عباب البحر، تستطيع الوصول إلى بروجس بعد عام 1464. وسرعان ما هجر تجارتها، ثم صناعها المدينة إلى أنتورب، التي كانت السفن ذوات الغطس الكبير، تدخلها عن طريق مصب نهر شلد. وعقدت أنتورب اتفاقيات مع المصدرين الإنجليز، وشاركت كاليه في تجارة إنجلترا مع القارة الأوربية.
ولقد بقيت الحياة في هولندة بفضل السدود، التي ينبغي أن يعاد بناؤها مراراً، وقد تنهار في أي وقت، ولقد اختل بعضها عام 1470 فأغرق عشرين ألفاً من السكان. وكانت الصناعة الرئيسية الوحيدة هي صيد سمك الرنجة وتجفيفها. وأخرجت هولندة كثيرين من أشهر المصورين في ذلك العصر، ولكنها كانت أفقر من أن تحتفظ بهم، فهاجروا جميعاً إلى فلاندرز ما عدا جيرتجن الذي شرب نحب سنت جانز.
وهناك، حتى في المدينة الآفلة، كان الأغنياء من نواب المقاطعات يرتدون الملابس الفاخرة، ويسكنون بيوتاً من الآجر المتين بها أساس فخم-علقوا




صفحة رقم : 7852




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


على جدرانها حوراً على النسيج من أراس وبروكسل، وزودوها بآنية متلألئة من النحاس الأصفر من دينان. وشيدوا كنائس رائعة مثل كنيسة نوتردام دي سالبون في بروكسل، وكنيسة سانت جاك في أنتورب، وأقاموا برج واجهة كاتدرائية أنتورب حجراً حجراً، وبدأوا في تشييد قاعدة البلدية العظيمة في جنت. وأمدوا المصورين بالمال، وجلسوا أمامهم لتصوير أشخاصهم، وتقربوا إلى السموات بفن يقوم على النذور، وسمحوا لنسائهم بقراءة الكتب. وربما كانت نزعتهم الدنيوية، هي التي حفزت فن التصوير الفلمنكي، في الفترة الثانية من ازدهاره، إلى التركيز على الواقعية والمناظر الطبيعية حتى في الصور الدينية، والبحث عن موضوعات جديدة في الدور والحقول.
واستهل ديرك بوتس الاتجاه الواقعي بمبالغات طبيعية عند أصحاب البدع. ولقد جاء إلى بروكسل من مسقط رأسه هارلم، ودرس هناك على يد روجيه فان درويدن، وأقام في لوفين، وصور لكنيسة سانت بيير مجموعة لوحات جدارية هي "العشاء الرباني الأخير"، ومعها لوحة حائطية موضوعها-عيد الفصح في أسرة يهودية-ويبدو أنها توحي بأن العشاء الرباني الأخير، كان احتفالاً بعشيرة يهودية سنَّية، يقوم بها يهود لا يزالون مؤمنين باليهودية. وصور للكنيسة "استشهاد القديس إيرازس" تصويراً حرفياً مذهلاً؛ جلادان يديران دولاباً، يخرج ببطء، أمعاء القديس المتجرد من الثياب. وفي "استشهاد القديس هيبوليتوس، أربعة جياد تساق في أربع اتجاهات تفصل ذراعي الفريسة ورجليها. وفي "قطع رأس الفارس البريء" نجد فاراً اتهمته إمبراطورة فاشلة في حبه انتقاماً منه، بأنه حاول هتك عرضها، فأمرت بقطع رأسه، وفيها انبطحت الجثة الدامية على الأرض، واطمأن الرأس المنفصل في حجر الأرملة، وكان يتفادى عنفه، في الغالب، بإظهار الطمأنينة الراضية عند المحتضر أو الميت- وفي هذه الصور




صفحة رقم : 7853




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


ألوان حية، ونجد بين حين وآخر منظراً طبيعياً حسناً أو رسماً منظوراً، بيد أن رسومها المتقنة وشخوصها الجامدة والوجوه التي لا حياة فيها، توحي بأن الزمن ليس حكيماً في انتقائه على الدوام.
وقد يكون هوجوفان درجوز، أخذ نسبته من جوز في زيلندة، وهو شاهد آخر على عبقرية هولندة الخصية الآفلة. وفي عام 1467 سمح له بأن ينضم إلى نقابة المصورين في جنت. وكان ذلك إرهاصاً بشهرة التصوير الفلمنكي، حتى إن تاجراً إيطالياً في فلاندوز، وقع اختياره عليه، لكي يصور ثلاثية كبيرة لمستشفى سانتا ماريا نيوفا في مدينة فلورنسا التي كانت تعج بالفنانين. وانتخب هوجر لموضوعه هذه العبارة "إن من حملته قد عبدته". وصورة العذراء بالحجم الطبيعي، يغمرها الخشوع، وهي من الروعة بمكان، وإلى اليسار راع يتنبأ بروعة رفائيل وتيتيان، ويعد المنظر الطبيعي الشتوي، عملاً جديداً، من ناحية الحب المخلص للطبيعة. وأن ما اتسم به فان دوجوز من الواقعية العاتية، والأداء الأصيل، والرسم الدقيق والتحديد المضبوط للشخصية، قد وضعه على قمة المدرسة الفلمنكية في الربع الثالث من القرن الخامس عشر. ولقد دخل أحد الأديرة بالقرب من بروكسل (حوالي 1475)، أما ليجد مزيداً من الهدوء يعينه على العمل، وأما ليتخلص من المخاوف الدينية التي اعترته. وهناك واصل التصوير وأمعن في تعاطي الخمر، (كما يقول راهب زميل له). واستولت عليه فكرة، إن الله قد كتب اللعنة الأبدية، فأظلمت حياته ودفعته إلى الجنون.
ويخبرنا فسباسيانو دا بستيش، أن الدوق فيديريجو صاحب أوربينو Urbino؛ قد أرسل حوالي عام 1468، إلى فلاندرز يطلب مصوراً، يزين غرفة مكتبه، لأنه "لا يعرف أحداً في إيطاليا، يفهم كيف يصور بالألوان الزيتية". فلبى فان فاسنهوف الدعوة، وهو صديق فان درجوز،




صفحة رقم : 7854




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


وأقام في أربينو، وعرف منذ ذاك باسم جوستس فان جنت. فصور للدوق العالم ثماني وعشرين صورة لطائفة من الفلاسفة كما صور لفريق من الإخوان الرهبان في أربينو مذبحاً "تناول الأسرار المقدسة". ومع أن هذه الآثار فلمنكية الأسلوب إلا أنها تسجل تأثيراً متبادلاً بين فلاندرز وإيطاليا، فقد تأثر المصورون الإيطاليون بالفن الفلمنكي في الإقبال المتزايد على استعمال الزيت والنزعة إلى الواقعية، كما تسربت المثالية والحرفية الإيطالية في الفن الفلمنكي.
ونحن نجد أن هانز مملنج، وإن كنا لم نعثر على خبر يفيد زيارته إيطاليا، وقد أدخل في تصويره رشاقة ورقة، لعله اكتسبها من مصوري كولونيا، أو من روجيه فان درويدن، أو لعل هذا التأثير قد جاءه من البندقية وعلى طول الرين إلى مينز. ولقد ولد بالقرب من مينز، وربما اكتسب نسبه من مسقط رأسه مرملنجن، ثم رجل من ألمانيا إلى فلاندرز ويروجس حوالي عام 1465. وهناك، وبعد ثلاث سنوات، طلب إليه سير جون دن، وهو زائر إنجليزي، أن يصور له "العذراء على العرش". فكانت صورة تقليدية في المنهج والآراء. ولكنها تظهر في الوقت نفسه اقتداره الحرفي، ورهافة حسه، وتفرغه للعبادة. ولقد أبرز القديس يوحنا المعمدان، في واقعه فلمنكية والقديس يوحنا الإنجيلي في مثالية ملائكية؛ وكشفت الفردية النامية في الفن، من نفسها في صورة "مملنج" وهو يختلس النظر متلفتاً حول عمود.
وكان مملنج يشبه بروجينو، الذي جاء بعده بقرن من الزمان في رسمه مئات الصور للعذراء، في رقة الأمهات وسكينة الأبرار وهذه الصور معلقة على جدران المتاحف، تراها العين أينما اتحهت في برلين وميونخ وفينا وفلورنسة ولشبونة ومدريد، وباريس ولندن ونيويورك وواشنطن وكليفلند وشيكاغو. وتوجد اثنتان من أحسن هذه الصور بمستشفى ساتت جون في بروجس، ونجد أن مريم تسيطر على صورة "زواج القديسة كاترين الصوفي"، حيث تبدو




صفحة رقم : 7855




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


الفخامة في كل شخصية، وهي تتصدر مرة أخرى "صورة عبادة الطفل" ويلفت النظر فيها المجوسي-وهو شخصية تشبه جوته المستشار الخاص-وفي صورة رحبة الأفق في ميونخ، رسم مملنج جميع الأحداث الرئيسية في حياة المسيح المدونة. وسرد في صورة أخرى بتورينو قصة "الآلام" وعرض فيها أخلاطاً من الرجال والنساء، حتى إن "بروجل" وجد عناء في التفوق عليه في كثرة العدد. وصور من اجل صندوق أرغن في دير بمدينة ناحيرة بأسبانيا، ثلاثة للسيد المسيح تحيط به الملائكة، تضارع صورة "الملاك الموسيقي" للرسام ميلوزد دافورلي التي رسمت قبل ذلك بأعوام، ولم ير متحف أنتوب أنه مغبون عندما دفع مائتين وأربعين ألف فرنك ثمناً لهذه الصور عام 1896. ورسم صورة متعددة الأجزاء لمذبح موضوعها "يوم الحساب" لأياكويوتاني وهو وكيل لورنزودي مديتشي في "بروجس"، ووضعت في سفينة مبحرة إلى إيطاليا، ولكن رباناً هانسياتيا استولى على السفينة، فاحتفظ لنفسه بما كان فيها من أموال وترك الصور تذهب إلى كنيسة العذراء في دنزج.
ولقد صور مملنج في هذه الآثار الرئيسية وفي اللوحات الخاصة بالأفراد، بعض الرسوم الرائعة للأشخاص: مارتن فان نيو ومنيوف و"امرأة"-في مظهر فخم تحت قبعتها العالية وفي أصابعها خواتم كثيرة-وكلاً الصورتين في إحدى مستشفيات بروجس، وصورة "شاب" في معرض لندن للصور، و"عجوز" في نيويورك، وحامل السهم في واشنطن. وهي لا تبلغ الإلهام والعمق اللذين اتسم بهما فن تيتيان أو رفائيل أو هوليين، ولكنها تبلغ السطوح البسيطة بحذق صناع. أما الصور العادية غير الأساسية مثل آدم وحواء، وأم سليمان في الحمام فلا تفتن الناظرين.
وزين مملنج في ختام حياته تقريباً، ضريحاً قوطياً، في مستشفى بروجسن، وقد صمم لكي يستقبل، آثار القديس أرسولا. فقص في ثاني




صفحة رقم : 7856




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


لوحات حائطية، كيف أن السيدة الورعة، خطيبة الأمير كونون، أجلت زواجها حتى تجمع إلى روما، وكيف أبحرت، مع أحد عشر ألف عذراء، في نهر الرين إلى بازل، وقادتهن في رحلة فوق جبال الألب، واعتصمت ببركات البابا وكيف أن هؤلاء الـ 11.001 وقد استشهد على يد الهون في كلونيا. وبعد ذلك يتسع سنوات (1488)، قص كارياكشيو في صورة، هذه القصة الرائعة المستحيلة في آن واحد، برسم ادق، وألوان أزهى، وذلك لمدرسة القديس أرسولا في البندقية.
وليس من الإنصاف لمملنج ولا لأي مصور آخر، أن ننظر إلى صوره، نظرة كلية، فكل واحدة منها لزمان ومكان معينين ومنهما تحمل خصيصته الغنائية. ونحن إذا نظرنا إليها نظرة عريضة فسنجد لتونا حدوده-ضيقة في الأفق والأسلوب ورتابة شخوصه، حتى رسومه المتواضعة للعذراء بما فيها من شعر ذهبي مرسل، والسطح محبب أو صادق، ويضئ بألوان ناعمة لامعة، ولكن الريشة قلما تنفذ إلى أعماق النفس تحت هذا السطح، إلى سر العزلة، والدهشة، والطموح والهموم. وصور النساء عند مملنج لا حياة فيهن، وكلما جردهن عن ثيابهن، فإننا نصاب بالحزن، عندما نجد أن كل واحدة منهن عبارة عن معدة كبيرة وصدر رقيق. وربما كان الطابع الغالب في تلك الشؤون مختلفاً عما هو عليه الآن، بل أن رغباتنا قد تلقنا المبادئ. ومع ذلك فيجب أن نعترف أن مملنج عندما مات (1495)، كان زعيم مصوري شمالي جبال الألب بإجماع أوليائه ومنافسيه. فإن أحسن فنانون آخرون بأخطائه أكثر من إحساسهم بأخطائهم. فإنهم لا يستطيعون أن يبلغوا مبلغه في رقة الأسلوب وصفاء إحساسه وروعة تلوينه. ولقد ظل تأثيره عظيماً قرناً كاملاً على المدرسة الفلمنكية.
وواصل جيرار ديفيد مذهبه. فلقد جاء إلى بروجس من هولندة حوالي عام 1483، وفتنته رقة مملنج الغنائية، وصوره عن العذراء تكاد تماثل




صفحة رقم : 7857




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> حادثة في برجنديا -> الفن في الأراضي الواطئة


صور مملنج، ولعلهما اقتسما فيما بينهما نموذجاً يصدران عنه. وهي في بعض الأحيان كما صوره "الراحة أثناء الفرار إلى مصر" (واشنطن)، فإنه يتساوى مع مملنج في إظهار وصيانة جمال العذراء، وتفوق عليه في تحديد رسم الطفل. وتحول في كهولته إلى التجارة ورحل إلى أنتورب، وبه انتهت مدرسة بروجس، بينما بدأت مدرسة أنتورب على يد كونتن ماسيس.
وكان ماسيس، ابن حداد في لوفان واستقبل في نقابة سانت لوك للمصورين بأنتوب عام 1491، بالغاً من العمر خمسة وعشرين عاماً. ومن العسير مع ذلك، أن يوافق سانت لوقا على صورة "مأدبة هيرود" حيث كان هيرود يأس يحز بسكين رأس المعمدان المفصول عن جسده، أم على "دفن المسيح" حيث كان يوسف الأريماش، يندف لطع الدم عن شعر الجثة التي لا دم فيها. وتزوج ماسيس مرتين، ودفن سبعة أطفال، فكانت له صلابة في نسج لوحاته، وحموضة في زيوته. وبذلك استطاع أن يصور فاجرة أرادت أن تخدع مرابياً عن نقوده، وأظهر في حالة نفسية أهدأ، صيرفياً يعد ذهبه، بينما تنظر زوجته إليه نظرة يختلط فيها التقدير بالغيرة، أما صور ماسيس للعذراء فهي أكثر إنسانية من صور مملنج، إحداها (في برلين) تقبل وتداعب طفلها كأي أم، وألوان ملابسها التي تتراوح بين الزرقة الناصعة والأرجوانية والحمرة تبرز جمالها. ولما تحول إلى فن تصوير الأشخاص، فإننا نجده ينفذ في ملامح الوجه إلى الشخصية وكان بذلك أكثر توفيقاً من مملنج، كما في الصورة الرائعة "دراسة من أجل صورة شخص" في متحف جاكيمار أندريه في باريس، ولقد لجأ إليه بيتر جيلليس Gillis (1517) عندما أراد أن يرسل إلى توماس مور، صورة صادقة لشخصه وأخرى لأرازمس. وأحسن ماسيس مع تصوير جيلليس، ولكن صورته لأرازمس كانت سيئة الطالع، إذ أعقبتها الصورة التي رسمها هلبين.




صفحة رقم : 7858


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> جون هس


طالب فقير وكسب عيشه في الكنيسة، وكان أمله أن ينخرط في زمرة القساوسة، ومهما يكن من شىء، فقد انضم إلى طرائق الشباب البوهيمي جريا على سنة العصر، وهو ما أسمته باريس بعد ذلك ((بالبوهيمية)) المرحة للشباب الجامعي، وحصل عام 1496 على إجازة أستاذ في الآداب، وبدأ يدرس في الجامعة، واختير عام 1401 عميداً لكلية الآداب - أو بعبارة أخرى عميدا للدراسات الإنسانية ورسم في ذلك العام قسيساً، وأصلح حياته حتى اقترب بها إلى زهد الرهبانية، وأصبح باعتباره رأس كنيسة بيت لحم، أشهر واعظ في براغ، وكان بين المستمعين إليه كثيرون من رجال البلاط، وقد نصبته الملكة صوفيا واعظاً لها. وأخذ يلقي عظاته باللغة التشيكية، وعلم رجال كنيسته أن يسهموا بنصيب إيجابي في الصلاة بترتيل الأناشيد الدينية.ولقد أكد الذين اتهموه فيما بعد أنه ردد في السنة الأولى من عمله الكهنوتي شكوك ويكليف حول اختفاء الخبز والنبيذ من العناصر المقدسة في العشاء الرباني. وليس من شك في أنه قرأ بعض مؤلفات ويكليف، ودون نسخاً منها لا تزال باقية بتعليقاته عليها، واعترف في محاكمته أنه قال ((إنني على ثقة من أن ويكليف سينجو، ولكن لو اعتقدت أنه سيعذب لتمنيت أن تكون روحي مع روحه)) ونالت آراء ويكليف عام 1402 في جامعة براغ حظاً من الشهرة جعل القوامين على الإدارة الكهنوتية في الكاتدرائية يتقدمون إلى أساتذة الجامعة بخمسة وأربعين نصاً مختاراً من كتابات ويكليف متسائلين: هل تمنع الجامعة هذه الأقوال؟ - فأجاب عدد من الأساتذة بينهم هس بالنفي، ولكن الأغلبية حكمت أنه لا يجوز منذ ذلك الحين لأي عضو من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، أن يدافع أو ينتصر بصورة علنية أو سرية لقول من هذه الأقوال الخمسة والأربعين.
ولابد أن يكون هس قد تجاهل هذا التحريم، لأن رجال الدين في براغ التمسوا عام 1408 من زبينك كبير الأساقفة أن يزجره، فاستجاب

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> جون هس


لهم كبير الأساقفة بحذر لأنه كان وقتذاك على خلاف مع الملك. ولكن هس استمر في عطفه على آراء ويكليف فأصدر عليه زبينك وعلى عدد من زملائه قرار الحرمان (1409) حتى إذا أصروا أن يمارسوا وظائفهم الكهنوتية، جعل براغ بأسرها تحت وطأة قرار الحرمان. وأمر بأن تسلم إليه كل ما يوجد من كتابات ويكليف في بوهيميا وأحضرت إليه مائتا مخطوطة، فأحرقها في ساحة قصره. فاستأنف هس القرار إلى البابا المنتخب حديثا يوحنا الثالث والعشرين. فاستدعاه ليمثل أمام المحكمة البابوية، فأبى أن يذهب إليها.
ورغب البابا عام 1411 في الحصول على أموال للقيام بحملة صليبية على لاديسلاس ملك نابولي، فأعلن عرضا آخر لصكوك الغفران.ولما أذيع ذلك في براغ وبدا للمصلحين أن عملاء البابا يبيعون الغفران بالمال، دعا هس ومؤيده الأول جيروم البراغي ضد هذه الصكوك، وناقشا وجود المطهر، واحتجا على جمع الكنيسة للأموال لإهراق الدم المسيحي. وهبط هس إلى القدح فوصف البابا بأنه ((نابش الأموال)) وزاد على ذلك بأنه ضد المسيح.وشارك جانب كبير من الشعب، هس في آرائه وعرض عمال البابا للسخرية والانتقاص، إلى حد جعل الملك يحرم كل دعوة أو عمل بعد ذلك ضد صكوك الغفران.وخرج ثلاثة من الفتيان على هذا المرسوم، فاستدعوا إلى مجلس المدينة، ودافع هس عنهم، واعترف بأن دعوته أثارتهم، فأدينوا وقطعت رؤوسهم.وعمل البابا في تلك الفترة على توجيه حرمانه إلى هس. ولما تجاهل الرجل القرار أصدر يوحنا قراراً بحرمان أي مدينة يأوي إليها (1411). ورحل هس عن براغ مستجيبا لنصيحة الملك وظل معتزلا بالريف عامين.
وكتب في هذين العامين أهم مؤلفاته، بعضها باللاتينية، وبعضها بالتشيكية وتكاد كلها تنطق بوحي ويكليف، وربما ردد بعضها الهرطقة
واختصام، الكهنوت مما جلبته شعبه باقية من الولدانيين إلى بوهيميا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ولقد أنكر عبادة الصور والاعتراف السمعي وتعدد الشعائر الأنيقة. وأعطى حركته صفة شعبية وقومية بالانتقاص من قدر الألمان والدفاع على الصقالبة ومقالة عن ((التجارة في الأشياء المقدسة هاجم اتجار رجال الدين بالمقدسات))، وفي (( الموضوع في ستة أخطاء De sex erroribus نعى على القساوسة أخذ أجر على العماد وتثبيته والقداس والزواج والدفن، واتهم بعض رجال الدين في براغ ببيع الزيت المقدس، وأخذ برأي ويكليف في أن القسيس الذي اقترف بيع المقدسات لا يجوز له شرعا أن يناول السر المقدس، أما رسالته عن ((اجتماع مجلس شرفاء المدينة De ecclesia)) فقد أصبحت بمثابة دفاعه وسبب هلاكه في وقت واحد فإن من صفحاتها نقلت الهرطقة التي أحرق من أجلها. فقد اتبع ويكليف في القول بالجبر، وأيد ويكليف ومارسيليز وأكهام في أن الكيسة يجب ألا يكون لها طيبات دينوية وعرف الكنيسة مثل كالفن بأنها ليست هيئة رجال الدين ولا الجمع المسيحي بأسره، ولكنها المجموع الكلي في السماء أو على الأرض للناجين من الخطيئة، وليس البابا رأس الكنيسة، ويجب أن يكون الإنجيل لا البابا مرشد المسيحي. وليس البابا معصوماً، حتى في العقيدة أو الأخلاق، وقد يكون البابا نفسه خاطئاً معتاداً للخطيئة أو هرطقياً. وسلم هس بأسطورة صدقها جمهور كبير في ذلك الزمان (بل صدقها جرسون) فاستغل الكثير مما ورد عن البابا المزعوم يوحنا الثامن (الذي تقول الأسطورة) أنه كشف عن جنسه النسوي بأن وضع برغمه طفلاً مولوداً في شوارع روما. وختم هس كلامه بأنه لا طاعة للبابا إلا إذا اتفقت أوامره مع شريعة المسيح. ((وعصيان البابا الخاطئ إنما هو طاعة للمسيح)).
ولما اجتمع مجلس عام في كنستانس عام 1414 لكي يخلع ثلاثة بابوات





قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> جون هس


متنافسين ويضع برنامجا لإصلاح الكهنوت، بدا للعيان أن فرصة قد سنحت لإعادة الوئام بين الهسيين والكنيسة، وكان الإمبراطور سيجسموند، الوارث الشرعي لونسسلوس الرابع الذي لا عقب له، تواقاً لإقرار السلم وإعادة الوحدة الدينية في بوهيميا.فاقترح أن يتوجه هس إلى كنستانس ويبدأ الصلح من ناحيته. ومنح هس من أجل هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر جواز الأمان إلى كنستانس وإبداء رأيه على الملأ أمام المجلس وحرية العودة في أمان إلى بوهيميا إذا رفض هس حكم المجلس. وعلى الرغم من التحذير الملح من معاونيه فقد رحل إلى كنستانس (أكتوبر 1414) يصحبه ثلاثة من النبلاء التشيكيين وعدد من الأصدقاء. وذهب إلى كنستانس في الوقت نفسه تقريبا ستيفن البالكزي وغيره من المعرضين البوهيميين لهس لاتهامه أمام المجلس.
ولما وصل؛ عومل أول الأمر بحفاوة وترك حراً، ولكن ما أن عرض بالكز أمام المجلس بياناً بهرطقات هس، حتى استدعاه أعضاء المجلس واستجوبوه واقتنعوا من إجاباته، بأنه هرطيق كبير، فأمروا بزجه في السجن، فاعتلت صحته، وأشرف في وقت من الأوقات على الموت، وأرسل البابا يوحنا الثالث والعشرون أطباء من قبله لمعالجته، وشكا سيجسموند من أن تصرف المجلس قد خالف جواز الأمان الذي أعطاه لهس، فأجاب المجلس بأنه غير مقيد بصنيعه وبأن سلطته لا تمتد إلى الشئون الروحية، وبأن للكنيسة الحق في أن يعلو حكمها على حكم الدولة إذا أرادت أن تحاكم عدواً للكنيسة، وفي أبريل نقل هس إلى حصن جوتليين على نهر الراين ووضع هناك في الأصفاد. وكان الغذاء الذي يقدم إليه قليلا حتى إنه أصيب بمرض خطير.وأندفع في الوقت نفسه زميله في الهرطقة جيروم البراغي داخلاً إلى كنستانس، وثبت على أبواب المدينة والكنائس وعلى دور الكرادلة، طلباً بأن الإمبراطور والمجلس يجب أن يمنحاه جواز أمان والاستماع إلى ما يقوله علناً. وألح عليه


أصدقاء هس فترك المدينة راجعاً إلى بوهيميا، ولكنه توقف في الطريق ليخطب عن سوء معاملة المجلس هس. فقبض عليه وأعيد إلى كنستانس وزج به في السجن.
وفي الخامس من يوليه. سيق هس مكبلاً بعد أن قضى في السجن سبعة أشهر أمام المجلس، ومثل كذلك في السابع والثامن من الشهر نفسه. وسئل عن الآراء الخمسة والأربعين التي سبق أن اتهمت من مؤلفات ويكليف فأنكر معظمها وأيد بعضها. ولما توجه بفقرات من كتابه ((عن الكنيسة)) عبر عن رغبته في حذف ما ينكره الكتاب المقدس (وهو بالضبط نفس الموقف الذي أتخذه لوثر في ورمس) واحتج المجلس بأن الكتاب المقدس يجب أن يفسر بوساطة رؤساء الكنيسة لا بوساطة اجتهاد الأفراد وطالب هس أن يسحب جميع تلك الآراء التي استشهد بها دون تحفظ. وناشده أصدقاؤه ومتهموه أن يوافق ولكنه أبى وفقد النية الطيبة للإمبراطور المتردد، بتصريحه أن الحاكم يفقد شرعية السلطة الدنيوية أو الروحية في اللحظة التي يقترف فيها خطيئة مهلكة.وهكذا أبلغ سيجسموند هس بأن المجلس إذا أدانه بطل جواز الأمان من تلقاء نفسه. وبعد ثلاثة أيام من الاستجواب والجهود التي بذلها الإمبراطور والكرادلة لكي يسحب هس آراءه، أعيد إلى محبسه وسمح المجلس له ولأعضائه بأربعة أسابيع لدراسة الأمر الذي كان معقداً بالنسبة للمجلس أكثر منه بالنسبة لهس.كيف يتأتى لهرطيق أن يعيش دون أن يدمغ ذلك بعدم الإنسانية كل جرائم القتل من أجل الهرطقة التي ارتكبت في الماضي؟ ولقد عزل هذا المجلس بابوات، فهل يتحداه قسيس بوهيمي بسيط؟ أليست الكنيسة وهي إرادة المجتمع الروحية كما أن الدولة إرادته الطبيعية، مسئولة عن النظام المعنوي الذي يحتاج إلى أساس من السلطة التي لا يرقى إليها الخلاف؟ وبدا للمجلس واضحا أن تحدي هذه السلطة كالخيانة العظمى بامتشاق السلاح ضد الملك. وكان على الرأي أن يتطور إبان قرن آخر من الزمان قبل أن يتمكن لوثر من تحد مماثل ويسمح له مع ذلك أن يعيش.
وبذلت محاولات أخرى للحصول على شبهة عدول هس عن آرائه وأوفد الإمبراطور رسلا من لدنه للإلحاح عليه. وكانت إجابته واحدة دائماً، إنه يتنازل عن أي رأي من آرائه لا يؤيده الكتاب المقدس. وفي السادس من يوليه عام 1415، اجتمع المجلس في كاتدرائية كنستانس وأدان كلا من ويكليف وهس، وأمر بإحراق كتابات هس وسلمه للسلطة الزمنية وجرد لتوه من منصبه الديني وسيق خارج المدينة إلى موضع أعدت فيه أكداس من الحطب وطلب إليه للمرة الأخيرة أن ينقذ نفسه بكلمة تنبئ عن تنازله عن آرائه، ولكنه أبى، وأكلته النار وهو يرتل الأناشيد.
وأنكر جيروم في لحظة فزع تغتفر له أمام المجلس تعاليم صديق (10 سبتمبر 1415) ولما أعيد إلى السجن، استعاد شجاعته رويداً. وطالب بأن تسمع أقواله وبعد فترة طويلة سيق أمام المجلس (23 مايو 1416) وبدلا من السماح له بعرض قضيته، طلب إليه أولا أن يرد على التهم العديدة التي وجهت إليه. فاحتج ببلاغة مؤثرة حركت الشكاك الإيطالي الإنساني برجيو براتشيولي الذي جاء إلى كنستانس ليكون كاتما لسر البابا يوحنا الثالث والعشرين: ((أي جور هذا، في أنني أمنح الآن ساعة أدافع فيها عن نفسي، أنا الذي حبست في سجن حقير مدة ثلاثمائة وأربعين يوما، دون أن تتوافر لي وسائل إعداد دفاعي، بينما لغرمائي الحق دائما في أن تستمعوا إليهم؟ إن عقولكم تحكم على بلا مبرر بأنني هرطيق، لقد حكمتم علي بلا مبرر بأنني هرطيق، لقد حكمتم علي بأنني شرير قبل أن تكون عندكم وسيلة ما تعرفون بها أي نوع من الناس كنته.ومع ذلك فأنتم ناس، ولستم آلهة، مخلوقين، ولستم خالدين، أنتم معرضون للخطأ. وكلما ادعيتم بأن ينظر إليكم كمصدر هداية للعالم وجب عليكم الحرص على تأكيد العدالة للناس جميعا. وأنا، الذي تحكمون على قضيته، لا أهمية لي، كما أنني لا أتحدث عن نفسي، لأن الموت يحيق بالجميع، ولكن لا أريد أن أرى عددا كبيرا من الحكماء يقترفون ظلماً، يتخذ سابقة فيكون بذلك أفدح ضرراً من العقاب الذي يفرضه)).
وقُرِئَتْ التهم عليه، واحدة بعد أخرى، وأجاب عن كل منها بلا إنكار حتى إذا سمح له آخر الأمر أن يتحدث بحرية استمال المجلس أو كاد يستميله، بحرارته وصدقه. وعرض بعض القضايا التاريخية التي قتل فيها الناس من أجل معتقداتهم وذكر كيف حكم القساوسة بالإعدام على ستيفن الرسول، وأبدى أنه قلما توجد خطيئة أفدح من أن يقتل القساوسة قسيسا. ورجاه المجلس أن ينقذ نفسه بطلب المغفرة، ولكنه أنكر بدلاً من ذلك عدوله السابق عن آرائه، وأكد اعتقاده في مبادئ ويكليف وهس، ودمغ إحراق هس بأنه جرم لابد أن يعاقب الله عليه. ومنحه المجلس أربعة أيام ليرجع عن رأيه. ولما لم يستغفر أدين (30 مايو) وسيق تواً إلى الموضع نفسه الذي أحرق فيه هس. وسار الجلاد خلفه ليوقد النار في أكداس الحطب فناشده جيروم قائلا: ((تعال أمامي....أوقدها أمام وجهي، فلو كنت أخاف الموت لما قدر لي أن أجئ إلى هنا)). وظل يردد أحد الأناشيد حتى خنقه الدخان.


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية



3- الثورة البوهيمية


(1415 - 36)


أثار موت هس، الذي تناقله الإخباريون إلى بوهيميا، ثورة قومية فاجتمع نبلاء بوهيميون ومورافيون وأرسوا إلى مجلس كنستانس (2 سبتمبر 1415) وثيقة وقعها خمسمائة من أعيان التشيك، وناصرت هس وجعلته كاثوليكيا طيبا مستقيما.وأنكرت إعدامه باعتباره إهانة لوطنه، وأعلنت أن الموقعين سيحاربون إلى آخر قطرة من دمائهم دفاعا عن مبادئ المسيح ضد القوانين التي من صنع البشر. وطالب تصريح آخر بألا يطيعوا منذ ذاك من الأوامر البابوبة إلا ما يتفق مع الكتاب المقدس، وأن الذين يحكمون على اتفاقها مع الكتاب المقدس إنما هم هيئة التدريس بجامعة براغ. وحيث الجامعة نفسها، هس باعتباره شهيداً، ومدحت جيروم السجين. واستدعى المجلس النبلاء المتمردين للمثول أمامه للرد على اتهامهم بالهرطقة، ولكن أحداً لم يحضر وأمر بإغلاق الجامعة، بيد أن أغلبية الأساتذة والطلاب ظلوا يواصلون عملهم.
واقترح أحد أتباع هس حوالي 1412 وهوجا كوبك الاستريزيبوي. وجوب بعث العرف المسيحي القديم الخاص بمناولة القربان بصورتيه - النبيذ إلى جانب الخبز - في العالم المسيحي كله. ولما استولت الفكرة على الصفوة والعامة من أنصاره، منحها هس تأييده، فحرمها المجلس، ودافع عن ترك العادة البدائية على أساس أنها مجازفة بسفك دم المسيح.
وبعد موت هس اتخذت جامعة براغ والنبلاء، بقيادة الملكة صوفيا، مناولة القربان بالنوعين جميعاً كأمر من أوامر المسيح، وأصبح كأس العشاء الرباني شعار ((ثورة الأتراكوست)) Utraquist وصاغ أتباع هس عام 1420 مبادئ براغ الأربعة باعتبارها مطالبهم الأساسية وهي: أن القربان يجب أن يتناول خمراً كما يتناول خبزاً، وأن الاتجار بالدين يجب أن يعاقب عليه بحزم وأن ((كلمة الله)) يجب أن يدعى إليها بلا تراخ باعتبارها الأساس الأوحد لحقيقة الدين وشعيرته ويجب أن يوضع حد لاقتناء القساوسة أو الرهبان للممتلكات المادية المتسعة ورفضت أقلية متطرفة من الثائرين تقديس المخلفات الأثرية وعقوبة الإعدام والمطهر والقداس من أجل الموتى. ولقد وجدت جميع عناصر الإصلاح الديني اللوثري في هذه الثورة الهسية.
وكان الملك ونسسلوس الذي عطف على الحركة، وربما فعل ذلك لأنها وعدت بنقل أملاك الكنيسة إلى الدولة، قد أصبح يخشى أن تهدد السلطة




صفحة رقم : 7911




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


المدنية تهديدها للسلطة الدينية وفي المدينة الجديدة التي أضافها إلى براغ لم يعين إلا الذين لا يدينون بالهسية في المجلس، وأصدر هؤلاء الرجال قواعد عقوبات قصد بها القضاء على الهرطقة. وفي 30 يوليو عام 1419 قام جمهور هس بموكب في المدينة الجديدة. وشق له طريقاً حتى بلغ قاعة المجلس، وألقى بأعضائه من النوافذ إلى الطريق، حيث قضى عليهم جمهور آخر. ونظم اجتماع شعبي انتخب أعضاء المجلس الهسيتي وأقر ونسسلوس المجلس الجديد، ثم مات بنوبة قلبية (1419).
وعرض نبلاء بوهيميا أن يقبلوا سيجسموند ملكاً عليهم، إذا اعترف ((بمبادئ براغ الأربعة)). فما كان منه إلا أن طالب جميع التشيك بالطاعة الكاملة للكنيسة وألقى في المحرقة بوهيمياً أبى أن يتبرأ من تناول الكأس الرباني. وأعلن البابا الجديد مارتن الخامس، حملة صليبية ضد الهرطقة البوهيميين وزحف سيجسموند ومعه قوة كبيرة إلى براغ (1420) ونظم الهسيون جيشاً حوالي الليلة السابقة وأرسلت كل مدينة في بوهيميا ومورافيا تقريباً المتطوعين المتحكمين ودربهم جان زيزكا وهو فارس أعور في الستين من عمره وأحرز بهم انتصارات رائعة. ولقد هزموا فرق سيجسموند مرتين. فجمع سيجسموند جيشا آخر ولكن ما أن جاء خبر زائف بأن رجال زيزكا يقتربون، حتى فر الجيش الجديد في غير نظام دون أي يرى عدوا ما. وأسكر رجال زيزكا الطهريين النصر فأخذوا عن خصومهم فكرة القضاء على الخلاف الديني بالقوة وساروا في طول بوهيميا ومورافيا وسيلزيا وعرضها كأنهم عاصفة تقتلع أمامها كل شيء، ينهبون الأديرة ويذبحون الرهبان ويرغمون السكان على قبول مبادئ براغ الأربعة وأصبح الألمان في بوهيميا الذين رغبوا في البقاء على كاثوليكيتهم، الضحايا المفضلة للقوات الهسية وعاشت بوهيميا في الوقت نفسه ومدى سبعة عشر عاما (1419-36) بلا ملك.




صفحة رقم : 7912




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


واتحدت عناصر متعددة ومتصارعة لتكون الثورة البوهيمية. فإن المواطنين البوهيمين أسخطهم ما عند المقيمين الألمان من ثروة وما فيهم من تعاظم وأملوا في إجلائهم عن الوطن. وطمع النبلاء في ممتلكات الكنيسة ورأوها تستحق المصادرة. وطمح الكادحون اليدويون أن يحرروا أنفسهم من سادتهم من الطبقة الوسطى. وتاقت الطبقة الوسطى أن تضاعف من قوتها المحدودة ضد النبلاء، في مجلس الدايت الذي كان يحكم براغ والذي يسهم في حكم بوهيميا. وحلم عبيد الأرض وبخاصة من كان منهم يعمل في إقطاعيات الكنيسة، بتقسيم هذه الأراضي المباركة أو تحرير أنفسهم على الأقل من القيود الوبيلة. وقدم بعض صغار رجال الدين الذين ظلمهم رؤساؤهم تأييدهم الصامت للثورة وزودوها بالقيام على الشعائر الدينية التي حرمتها الكنيسة.
ولما ظفر الجيش الهسي بمعظم بوهيميا، أدت غاياتهم المتناقضة إلى انقسامهم فرقاً يقتل بعضها بعضا. وبعد أن استولى النبلاء على اكثر أموال الجماعات الدينية الأرثوذكسية، شعروا بأن الثورة يجب أن تخمد وان يتيحوا الفرصة لمؤثرات الزمن. بينما صخب عبيد الأرض الذين أفلحوها من أجل الكنيسة مطالبين بتقسيمها فيما بينهم باعتبارهم أحراراً فإن الملاك النبلاء طالبوا عبيد الأرض بأن يخدموا السادة الجدد على أسس العبودية السابقة نفسها. وأريد زيزكا الفلاحين، وحاصر فترة من الزمن ((الكأسيين)) أو بعبارة أخرى الهسيين أصحاب الكأس الرباني في براغ الذين أصبحوا محافظين. ولما تعب من الصراع قبل هدنة وانسحب إلى بوهيميا الشرقية وأسس (أخوه حوديب) هدفها تحقيق المبادئ الأربعة وقتل الألمان. ولما مات (1414) أوصى أن يصنع من جلده طبل حربي.




صفحة رقم : 7913




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


وتألفت في تابور فرقة هسية أخرى، ذهبت إلى أن المسيحية الحقة تتطلب تنظيما شيوعيا للحياة. ولقد وجدت في بوهيميا قبل هس جماعات من الوالدينيزيين والبجهاردينيين وغيرهم من الهراطقة الذين لا رادع لهم يمزجون المثل الدينية بالمثل الشيوعية. واحتفظوا بهدوء يحمدون عليه إلى أن اقتلعت قوات زيزكا سلطة الكنيسة من معظم بوهيميا، فظهروا علنا، واستولوا على القيادة المذهبية في تابور. وأنكر كثير منهم ((الوجود الحقيقي)) والمطهر والصلاة للموتى، وكل الأسرار المقدسة ما عدا العماد والعشاء الرباني ولم يشجعوا تقديس المخلفات الأثرية والصور والقديسين، واقترحوا إعادة الشعيرة البسيطة لكنيسة الحواريين.وأنكروا جميع الشعائر والأزياء الكهنوتية التي لم يجدوها في المسيحية الأولى. وعارضوا المذابح وآلات الأرغن الموسيقية وفخامة الزخرف الكنسي وأتلفوا كل ما عثروا عليه من هذه الزينة. وأنقضوا العبادات مثلهم في ذاك مثل البروتستانت المتأخرين، إلى القربان والصلاة والقراءة في الكتاب المقدس والعظة وترتيل الأناشيد، ويقوم على هذه الشعائر رجال دين لا يختلفون في الزي عن غيرهم من المدنيين.
ولقد استخلص معظم التابوريين، الاتجاه الشيوعي من المعتقد بعودة المسيح وحكمه ألف سنة. فإن المسيح سرعان ما يجئ ويوطد مملكته على الأرض، ولا تكون في هذه المملكة ملكية ولا كنيسة ولا دولة ولا تفرقة طبقية ولا قوانين وضعية ولا ضرائب ولا زواج، وفي المؤكد أن المسيح، سيسره عند مجيئه أن يجد عبادة قد أنشئوا مثل هذه المدينة الفاضلة السماوية وطبقت مثل هذه المبادئ في تابور وبعض المدن الأخرى، وقال أستاذ معاصر من أساتذة جامعة براغ: كل شيء هناك على المشاع، ولا يملك أحد شيئا لنفسه وحده، ولذلك عد التملك دائما يستحق مقترفه




صفحة رقم : 7914




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


الموت. وهم يرون أن الجميع يجب أن يكونوا أخوة وأخوات متساويين)).
وقد تحول فلاح بوهيمي إلى فيلسوف، واسمه بيتر تشلجي وذهب في آرائه إلى أبعد من ذلك، وكتب بلغة تشيكية قوية مجموعة من المقالات التولستوية يدعو فيها إلى فوضوية مسالمة.وهاجم الأقوياء والأغنياء، وأنكر الحرب وعقوبة الإعدام وعدهما قتلاً، وطالب بمجتمع لا سادة فيه ولا عبيد، ولا قوانين من أي نوع. وناشد أتباعه أن يتبعوا المسيحية اتباعاً حرفياً، كما وجدوها في العهد الجديد والا يعمدوا إلا البالغين، وأن يديروا ظهورهم للدنيا ومناهجها ولحف اليمين والتعلم والامتيازات الطبقية، وللتجارة وحياة المدينة وأن يعيشوا في فقر اختياري وأن يؤثروا فلاحة الأرض، وأن يتجاهلوا تمام التجاهل الحضارة والدولة. ووجد التابوريون هذه الدعوة السلمية لا تناسب مزاجهم. وشيوعية النساء))، وتحولت الفرقتان في الجدول إلى الحرب.وفي غضون سنوات قلائل تطورت القدرات غير المتساوية إلى تفاوت في القوة والامتياز، ثم إلى تفاوت في السلع آخر الأمر، وحل محل رسل السلام والحرية، مشرعون لا رحمة عندهم يقوم تدبيرهم على الاستبداد الغاشم.
واستمع العالم المسيحي في فزع إلى هذه المسيحية الشيوعية المزعومة، وبدأ الهسيون في البارونات وسكان المدن يتطلعون إلى كنيسة روما باعتبارها المنظمة الوحيدة التي لها من القوة ما يتيح لها أن تقضي على التحلل الوشيك للنظام الاجتماعي القائم وهللوا عندما رحب مجلس بازل بالتوفيق.وذهب وفد من المجلس إلى بوهيميا دون الحصول على موافقة البابا، ووقع مجموعة من المواثيق، صيغت بحيث يفسرها المسالمون من الهسيين والكثالكة بأنها




صفحة رقم : 7915




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


تقبل وترفض مبادئ براغ الأربعة (1433). ولما أبى التابوريون الاعتراف بهذه العهود انضم الهسيون المحافظون إلى الجماعة الأرثوذكسية الباقية في بوهيميا وهاجموا التابوريين المنقسمين على أنفسهم وألحقوا بهم الهزيمة، وقضوا على التجربة الشيوعية (1414) واصطلح مجلس ((الدايت البوهيمي)) مع سيجسموند واعترف به ملكاً (1436).
ولكن سيجسموند الذي ألف أن يتوج انتصاراته بما لا نفع فيه، مات في السنة التالية. وبلغ الحزب الأرثوذكسي، إبان الفوضى التي أعقبت ذلك، المكانة العليا في براغ. وألف قائد محلي قدير هو جورج البوديبرادي جيشا من الهسيين، واستولى على براغ، وأعاد جان روكيكانا إلى كرسي كبير الأساقفة ونصب نفسه حاكما على بوهيميا (1451). ولما أبى البابا نيقولاس الخامس الاعتراف بروكيكانا فكر الأتراكوست في أن يتحولوا بولائهم إلى كنيسة الروم الأرثوذكس ولكن سقوط القسطنطينية في يد الأتراك وضع حداً للمفاوضات وفي عام 1458 اختار مجلس الدايت البوديبرداي ملكا لما رآه من إدارته الفائقة التي وطدت النظام والازدهار في البلاد.
فتحول بجهوده إلى إقرار السلام الديني. وأرسل بموافقة مجلس ((الدايت)) وفداً إلى بيوس الثاني (1462) يطلب التصديق البابوي على عهود براغ فأبى البابا وحرم على المدنيين في كل مكان أن يتناولوا القربان بنوعيه وعمل ((البوديبرادي)) بنصيحة ((جريجور هايمبورج)) وهو فقيه ألماني ودعا عام 1464 ملوك أوربا لكي يؤلفوا اتحاداً دائماً للدول الأوربية له سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية وجيش ومحكمة لها حق الحكم في المنازعات الدولية في الحاضر والمستقبل، فلم يجب الملوك على هذه الدعوة، وكانت البابوية المنتعشة من القوة إلى الحد الذي لا تأبه فيه ((بحلف أممي)) وأعلن البابا بول الثاني




صفحة رقم : 7916




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


أن البوديبرادي هرطيق وحرر رعاياه في يمين ولائهم له ودعا الدول المسيحية إلى خلعه (1466)، وأخذ مارتكاس كورفينوس الهنغاري على عاتقه القيام بهذه المهمة، فغزا بوهيميا وتوَّجه فريق من النبلاء الكاثوليك (1469) ملكاً، وعرض البوديبرادي العرش على لاديلاس بن كازيمير الرابع ملك بولندة. وأنهكته الحرب وداء الاستسقاء فمات وله من العمر إحدى وخمسون سنة (1471). وتمجده بوهيميا وهي الآن تشيكوسلوفاكيا، باعتباره أعظم ملوكها بعد شارل الرابع.
ووافق مجلس الدايت على لاديسلاس الثاني وانسحب ماثياس إلى هنغاريا واستغل النبلاء ضعف الشباب في الملك لكي يوطدوا سلطانهم الاقتصادي والسياسي، ولينقصوا من عدد نواب المدن والقرى في مجلس الدايت وأن يعيدوا إلى هوان العبودية الفلاحين الذين حلموا بالمدينة الفاضلة وفر آلاف من البوهيمين إبان هذه الفترة من الثورة والنكسة إلى بلاد أخرى. وفي عام(1) 1485 وقع الحزبان الكاثوليكي والأتراكوست معاهدة كتفاهورا وتعهدا بالتزام السلم ثلاثين سنة.




صفحة رقم : 7917




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> الثورة البوهيمية


وألف أتباع الثلجكي في بوهيميا الشرقية وموارفيا (1457) فرقة مسيحية جديدة، اسمها كنيسة الأخوة، ووقفوا أنفسهم على حياة زراعية بسيطة على مبادئ العهد الجديد وفي عام 1467 أنكروا سلطة الكنيسة الكاثوليكية وقدسوا قساوستهم ورفضوا المطهر وعبادة القديسين وأرهصوا بمذهب لوثر في التزكية بالعقيدة، وأصبحوا أمل الكنيسة الحديثة التي تدين بالمسيحية، وما أن جاء عام 1500 حتى بلغ أعضاؤها مائة ألف مسيحي. ولقد قضى على هؤلاء ((الإخوان المورافيين)) تقريبا في سورة حرب الثلاثين سنة، وهم إنما عاشوا بفضل جون كومينوس، ولا يزالون موجودين في جماعات مفرقة في أوربا وأفريقيا وأمريكا، وهم يدهشون عالما يتسم بالعنف والشك، بتسامحهم الديني وتقواهم غير المزعومة وولائهم السلمي للمبادئ التي يعتنقوها.
(1) خلط الفرنسيون بين البوهيميون المبعدين والغجر (Gypsies) الذين وصلوا إبان القرن الخامس عشر إلى أوربا الغربية، مفترضين مجيئهم من بوهيميا فجعلوا أسم بوهيمي يرادف الغجري. واسم جيبسي (Gypsy) تحريف لاسم إيجبشيان أي مصري، ويوحي بما زعمته القبيلة في أنها جاءت من مصر الصغرى. ويرجع برتن نشأتهم إلى الهند.وسموا في الأراضي البيزنطية باسم الروم - أي الرومان (الشرقيين)، وأطلق عليهم في البلقان وأوربا الوسطى بشتقان من آرزيجان (سزيجاني، زيجر، زنجاري). وهي كلمة يشك في أصلها. وبدأ ظهورهم في السجلات الأوربية في أوائل القرن الرابع عشر بوصفهم جماعات متجولة من أصحاب الحرف والموسيقيين والراقصين والعرافين واللصوص - كما كان الاعتقاد السائد. ووصلوا حوالي عام 1414 إلى ألمانيا وعام 1422 إلى إيطاليا وعام 1427 إلى فرنس وعام 1500 إلى إنجلترا.
وكانوا يقبلون العماد في العادة، ولكنهم تساهلوا في الدين والتزام الوصايا وسرعان ما وقعوا تحت طائلة محاكم التفتيش. وطردوا من إسبانيا (1499) ومن الإمبراطورية الرومانية المقدسة (1500-1548) ومن فرنسا (1561). وتنحصر مساهمتهم في الحضارة إذا استثنينا لباسهم المشرق المنوع الألوان والحلي الخاصة بنسائهم الموسرات، في الرقص والموسيقى - وقد أوحى تبادلهم في الألحان بين الحزن والقوة إلى بعض كبار الملحنين والموسيقيين.




صفحة رقم : 7918




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> بولندة



4- بولندة




(1300 - 1055)


إن المحافظة على السلم عسيرة، حتى في المناطق التي تستمد وحدتها ومناعتها من الحواجز الجغرافية، ولنلاحظ كيف تكون المحافظة على هذا السلم أعسر كثيرا في الدول التي تتعرض على أحد حدودها أو أكثر لجيران متعطشين للغزو أبدا، ينزعون إلى التغرير حيناً وإلى القوة حيناً آخر، واختنقت بولندة بعض الاختناق إبان القرن الرابع عشر على يد الفرسان التيوتون واللتوانيين والهنغاريين والمورافيين والبوهيميين والألمان وذلك بالضغط على حدودها وما كاد لاريسلاس ((القصير)) يصبح الأمير الأكبر لبولندة الصغرى أي الجنوبية (1306) حتى واجه حشداً من الأعداء.ورفض الألمان طاعته في




صفحة رقم : 7919




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> بولندة


بولندة الكبرى أي الغربية واستولى الفرسان على دانزج وبوميرانيا، وتآمر مارجراف - الحاكم العسكري - حارس تخوم براندنبرج للقضاء عليه، وادعى ونسسلوس الثالث صاحب بوهيميا العرش البولندي لنفسه، وجاهد لاريسلاس في هذا الخضم من المتاعب بالسلاح والسياسة والزواج، حتى وحد بولندة الصغرى والكبرى في مملكة متماسكة، وعمل وتوج نفسه ملكاً في كراكاو عاصمته الجديدة (1320). ولما مات بالغاً من العمر ثلاثاً وسبعين سنة (1333) أوصى بعرشه العصي إلى ابنه الوحيد كازيمير الأكبر.
وقد يستكثر البعض هذا اللقب على كازيمير الثالث، لأنه كان يؤثر للمفاوضة والمصالحة، على الحرب، وتنازل عن سيليزيا إلى بوهيميا وعن وميرانيا إلى الفرسان، وقنع بالحصول على غاليسيا حول لواء ومازوفيا حول وارسو، ووقف حكمه مدى سبع وثلاثين سنة على الإدارة، فجعل أقليمه المختلفة تحت ظل قانون واحد، ((يجب ألا تبدو الدولة كوحش كثير الرؤوس)) ووحد بتوحيد، فريق من الفقهاء القانون والعادات المتفاوتة للولايات في قوانين كازيمير - وهي المحاولة الأولى في وضع القوانين البولندية في مجموعة واحدة... وهي مثال على الاعتداء الإنساني، إذا قورنت بمجموعات القوانين المعاصرة، ولقد حمى كازيمير اليهود والروم الأرثوذكس وغيرهم من الأقليات العنصرية والدينية، وشجع التعليم والفنون وأسس جامعة كراكاو (1364) وشيد الكثير من المباني حتى قال الناس أنه وجد بولندة مبنية من الخشب فأعاد بناءها بالحجر وشجع بحكمته البارعة شئون الأمة الاقتصادية حتى لقبه الفلاحون ((بملك المزارعين)، وأثرى التجار في ظل السلام وأجمعت الطبقات كلها على تلقيبه ((بالكبير)).
ولم يكن له وريث من الذكور، فترك تاجه لابن أخيه لويس الكبير ملك هنغاريا (1370)، أملا أن يحرز لبلاده حماية ملكية منيعة ونصيباً من الحافز الثقافي الذي جلبته الأسرة الإنجفينية من إيطاليا وفرنسا، ولكن




صفحة رقم : 7920




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> بولندة


لويس حصر اهتمامه في هنغاريا وأهمل بولندة، وأراد أن يجعل النبلاء المزهوين بأنفسهم على ولاء له في غيابه بمقتضى ((امتياز كاتسا)) (1374) الذي ينص على الإعفاء من معظم الضرائب واحتكار المناصب العليا. ولما مات نشبت الحرب في سبيل العرش (1382) واعترف مجلس ((السيم)) أي البرلمان بابنته جادويجا البالغة من العمر إحدى عشر سنة (ملكا)، ولم يقض على الاضطراب إلا زواج جاجللو أمير أمراء ليتوانيا من جادويجا (1386) فوحد بذلك مملكته الشاسعة وبولندة ومنح الحكومة شخصية آمرة.
وكان نمو ليتوانيا ظاهرة كبيرة من ظواهر القرن الرابع عشر فلقد ضم جيديمن وابنه ألجيرد تحت حكمهما الوثني روسيا الغربية بأسرها: بولتسك وبنسك وسولنسك وتشرنيجوف وفولهنيا وكيث وبودوليا وأوكرانيا، وفرح بعض هؤلاء أن وجدوا في ظل الأمراء الكبار، عاصما من القبيلة الذهبية التترية التي جعلت روسيا الشرقية التزاما إقطاعيا لها. ولما خلف جاجللو، ألجيرد (1377) كانت الإمبراطورية اللتوانية، التي تحكم في ويلنو تمتد من البلطيق إلى البحر الأسود وتكاد تصل إلى موسكو نفسها، وكانت هذه هي الهدية التي تقلها جاجللو إلى جادويجا أو بعبارة أخرى كانت بولندة بأسرها هي الصداق الذي قدمته إليه، ولم تتجاوز السادسة عشرة عند زواجها، ولقد نشأت رومانية كاثوليكية محيط أرفع ثقافة اللاتينية عصر النهضة، أما هو فكان في السادسة والثلاثين من عمره، أميا كافرا ولكنه قبل العماد واتخذ لنفسه الاسم المسيحي لاديسلاس الثاني، ووعد أن يدخل ليتوانيا بأسرها في المسيحية.
وكان ذلك اتحاداً مؤقتاً، لأن تقدم الفرسان الألمان ناحية الشرق كان يهدد بالخطر دولتي الزوجين معاً. وتحولت ((جماعة الإخوان في الصليب)) التي وقفت في الأصل على تنصير الصقالبة، إلى فرقة من المحاربين




صفحة رقم : 7921




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> بولندة


الغزاة يأخذون بحد السيف كل ما يستطيعون اختطافه من الأرض من أصحابها سواء أكانوا وثنيين أم مسيحيين وأنشئوا عبودية إقطاعية غليظة على الأراضي التي أفلحها يوماً من الأيام مزارعون أحرار. وحكم السيد الأكبر عام 1410 من عاصمته مادينبرج، استونيا وليفونيا وكورلند وبروسيا ويوميرانيا الشرقية وبهذا فصل بولندة عند البحر والتقى في ((حرب شالية)) ضروس، جيش السيد الأكبر وجيش جاجللو، ولقد أنبئنا أن كلا منهما كان يتألف من عشرة آلاف من الأشداء - في موقعة بالقرب من جرونيفولد (1410) وهزم الفرسان ولاذوا بالفرا، مخلفين وراءهم أربعة عشر ألف أسير وثمانية عشر ألف قتيل، بينهم السيد الأكبر نفسه.وأقل نجم جماعة الإخوان في الصليب منذ ذلك اليوم سريعا حتى تنازلت في صلح ثورن (1466) عن بوميرانيا وبروسيا الغربية إلى بولندة بما في ذلك ميناء دانزج الحر باعتباره منفذا إلى البحر.
وبلغت بولندة غي عهد كازيمير الرابع (1447-92) أقصى اتساعها وذورة قوتها وأوج فنها.ومع أن كازمير كان أميا، إلا أنه ختم كراهية الفروسية للقراءة والكتابة، بأن منح أولاده تعليما كاملا. وخلفت الملكة جادويجا وهي تحتضر، جواهرها للإنفاق على إعادة افتتاح جامعة كراكاو - وهي التي قدر لها أن تعلم في القرن التالي كوبرنيكوس.وتوسل الأدب إلى جانب الفلسفة والعلم باللغة اللاتينية، وكتب جان ولوجوز كتابه الكلاسي ((تاريخ بولندة)) (1478) ودعا عام 1477 فيت ستوس النورمبرجي إلى كاراكاو، فمكث فيها سبع عشرة سنة، وبلغ بالمدينة مكاناً رفيعا في فن ذلك العصر، ولقد نقش لكنيسة سيدتنا مائة وسبعة وأربعين مقعدا للمرتلين، ومذبحاً كبيراً، وهو أربعون قدماً في ثلاثة وثلاثين مع ضريح مركزي للقيامة، وهو في روعة صورة تيتيان ومع ثماني عشرة صورة جدارية تقص حياة مريم وطفلها - وهي صور




صفحة رقم : 7922




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الصقالبة الغربيون -> بولندة


جدارية جديرة - وإن كانت في الخشب - بأن تضارع الأبواب البرونزية التي حققها غيبرتي لموضع العماد الفلورنسي قبل ذلك بقرن. وحفر ستوس لكتدرائية كراكاو مدفنا فخما من المرمر الأحمر المزرقش لكازيمير الرابع وبلغ النحت القوطي بهذه الآثار في بولندة أوجه ونهايته. أما في عهد ابن كازيمير، وهو سيجسموند الأول (1506-48) فقد اتخذ الفن البولندي، لوثرية عصر النهضة الإيطالية الذي تسرب في ألمانيا، وهكذا بدأ عصر جديد.




صفحة رقم : 7923




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة



الفصل العاشر




المد العثماني




(1300 - 1516)




1- الازدهار الثاني في بيزنطة




1261 - 1373


أعيدت الإمبراطورية البيزنطية بلا إراقة دماء في ظل أسرة بلايولوجية جديدة عام 1261، وبقيت برغمها حوالي قرنين من الزمان وانتقص من أطرافها تقدم المسلمين في آسيا وأوربا، وتوسع الصقالبة في مؤخرتها وتناثر الأجزاء المفرقة التي استقلت عنها على يد أعدائها المسيحيين الذين استباحوا القسطنطينية عام 1204 - النورمانديين والبندقيين والجنوبيين. وتخلفت الصناعة في مد الإمبراطورية، ولكن منتجاتها كانت تحمل على سفن إيطالية لا تدفع إيراداً للخزانة. ولم يبق من الطبقة الوسطى كثيرة العدد إلا بقية وفوقها نبلاء مترفون، ومطارنة ذوو ملابس فضفاضة، لم يتعلموا شيئاً من التاريخ ونسوا كل شيء اللهم إلا امتيازاتهم. وتحتهم طبقات من رهبان مشاغبين خلطوا التقوى بالسياسة، وملاك مزارعون هبطوا إلى مستأجرين كما هبط الفلاحون المستأجرون إلى عبيد أرض وحلم العمال اليدويون بمدينة فاضلة تقوم على المساواة.وطردت ثورة في سالونيك (1341) الطبقة الأرستقراطية، ونهبت القصور وأقامت جمهورية شبه شيوعية حكمت ثماني سنوات قبل أن تقضي عليها قوات الجيش المسيرة في العاصمة.وظلت القسطنطينية مركزاً زاخراً بالتجارة بيد أن أحد الرحالة المسلمين لاحظ عام 13330 ((كثيراً من البيوت المهدمة والحقول المبذورة في داخل أسوار المدينة))، وكتب السفير الأسباني روى جونزاله




صفحة رقم : 7924




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة


ده كلافيجة حوالي 1409 يقول:((في كل مكان في أنحاء العاصمة توجد القصور العظيمة والكنائس والأديرة ولكن معظمها أطلال)). فقد هجر المجد ملكة البوسفور.
وفي وسط هذا الاضمحلال السياسي امتزج التراث اليوناني النفيس أبداً في الفلسفة بالتقاليد البيزنطية الشرقية في العمارة والتصوير ليؤلف الأنشودة الثقافية للإمبراطورية الرومانية الشرقية.ولبثت المدارس تشرح أفلاطون وأرسطو وزينون الرواقي، وإن تحاشوا أبيقور باعتباره ملحداً، ونقح العلماء النصوص الكلاسية وذيلوها بالحواشي. وصنف ماكسيموس بلانوديس المبعوث البيزنطي إلى البندقية ((مجموعة الشعر اليوناني)) وترجم الآثار الكلاسية اللاتينية إلى اليونانية وأعاد بناء جسر ثقافي بين بيزنطة وإيطاليا وتوضح سيرة تيودوروس ميتوتشيتيس هذه النهضة الباليولوجية.
فلقد كان كبيرا وزراء أندرونيقوس الثاني وفي الوقت نفسه من أعلم علماء زمانه وأغزرهم إنتاجا ولقد كتب عنه نيقفورس جريجورس وهو عالم ومؤرخ يقول: ((لقد كان يقف جهده كله من الصباح إلى المساء على الشئون العامة، كأنما لا علاقة له بالدراسة ولكنه يصبح بعد مغادرته القصر وفي الجانب الأخير من المساء مستغرقاً في الدراسات بدرجة عالية كأنه دارس لا علاقة له البتة بمهمة أخرى)). وقد ألف تيودوروس في التاريخ والشعر والفلك والفلسفة، بتفوق لا يضارعه فيه يوناني آخر في هذا القرن الرابع عشر. وخسر في الثورة التي خلعت مولاه عن العرش منصبه وداره وماله وألقى به في السجن، واعتلت صحته فسمح له أن ينفق أيامه الأخيرة في دير ((المخلص)) في كورا (أي في الحقول)، الذي زين جدرانه لفسيفساء من أجمل ما في التاريخ البيزنطي.
واستعادت المناظرة القديمة بين الأفلاطونيين والأرسطيين مكانتها، فدافع الإمبراطور جون السادس كانترا كورزين عن أرسطو، بينما ظل




صفحة رقم : 7925




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة


أفلاطون إله جمستوس بليثو.ولقد درس هذا الفيلسوف الذي يعد من أشهر السفسطائيين اليونان في بروسيا بآسيا الصغرى، عندما أصبحت هذه المدينة عاصمة الزحف العثماني ودرس على أحد اليهود هناك حكمة الزرادشتيين حتى إذا عاد إلى مسقط رأسه بيلوبونيزس، وقد عاد إليها اسم موريا - ترك فيما يبدو العقيدة المسيحية. واستقر في مسترا، فأصبح قاضياً وأستاذاً في آن واحد. وكتب عام 1400 رسالة يحمل عنوان أفلاطون، ((القوانين)) اقترح فيها أن تحل ديانة الإغريق القدماء محل المسيحية والإسلام، بمجرد تحويل جميع آلهة الأولمب، ما عدا زيوس إلى مشخصات رمزية لعلميات إبداعية أو أفكار، ولم يعرف بليثو أن الأديان تولد ولا تصنع. ومع ذلك فقد اجتمع حوله التلاميذ مشغوفين، وقدر لأحدهم وهو جوهانز يساريون أن يكون الكاردينال الدارس للآثار الكلاسية في إيطاليا، ولقد صحب كل من جمستوس ويسايرون الإمبراطور جون الثامن إلى فرارا وفلورنسة (1438) لحضور المجلس الذي اتفقت في الكنيستان اليونانية والرمانية في علوم الدين وفي السياسة. وفي فلورنسة حاضر جيمستوس عن أفلاطون لصفوة من المستمعين، وكاد يتأثر عصر النهضة الإيطالية. وهناك أضاف كنية بليثو (الكامل) إلى اسمه، وأخذ يلعب باسمه جمستوس ومعناه ((التام)) وأفلاطون وعاد إلى مسترا ولم ينشط في علوم الدين، فأصبح كبير أساقفة ومات بالغا من العمر خمسا وتسعين سنة (1450).
وكان البعث الفني ملحوظاً كعودة الفتوة إلى الآداب. وكانت الموضوعات والرسوم لا تزال كهنوتية، بيد أن لمسة من منظر خلوي أو نسمة من الطبيعة. وفي الفسيفساء التي كشف عنها حديثا ديركورا ((مسجد قاهرية الجامع)) حيوية دافقة جعلت المؤرخين الغربيين يعترفون




صفحة رقم : 7926




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة


بأنهم يرون فيها تأثيراً إيطالياً جديداً. وتراخت القبضة الكهنوتية عن الصور الجدارية التي حلت محل الفسيفساء، باهظة النفقة في زخرف الكنائس والقصور وظهرت رسوم من الخيال الرحب والقصص الدنيوي إلى جانب قصص القديسين. ومع ذلك تشبث صناع الأيقونات بالطراز الموروث القديم، أشكال ضامرة ووجوه يحرقها ورع طهري غائبة بصورة أخاذة عن أخلاقيات العصر. وتعرض حينذاك تصوير المنمنمات البيزنطي لانحلال كبير، بيد أن نسج الرسوم التصويرية بالحرير ظل ينتج روائع لا تنافس في العالم الغربي ويعود تاريخ ما يسمى ((زنار شارلمان)) إلى القرن الرابع عشر، أو الخامس عشر، ولقد نسج صانع بارع على قاعدة من الحرير المصبوغ بالزرقة صممها فنان، بخيوط من الفضة والذهب، مشاهد من حياة مريم والمسيح وقديسين مختلفين.وتحققت آثار رائعة مماثلة في التصوير على النسيج في ذلك العصر في سالونيك والصرب وملدافيا وروسيا.
وعادت اليونان مرة أخرى مركزاً للفن العظيم. وما كاد القرن الثالث عشر يشرف على نهايته حتى كان الفرنجة الذين نثروا على الأماكن الكلاسية القلاع البهيجة قد أخلوا السبيل للقوة البيزنطية، وفي عام 1348 أرسل الإمبراطور جون السادس ابنه عمانويل ليكون حاكماً على المورة، فأقام مقرة المحلي على تل مشرف على إسبرطة القديمة. فوفد على العاصمة الجديدة نبلاء وأعيان ورهبان وفنانون وعلماء وفلاسفة وبنيت أديرة فخمة، واحتفظت ثلاثة منها في كنائسها، ببعض صورها الجدارية التي ترجع إلى القرون الوسطى: ديرا متروبوليس وبريليبتوس من القرن الرابع عشر وبانتاتسا من أوائل القرن الخامس عشر، وهذه هي أحسن الجداريات في التاريخ البيزنطي الطويل، وهي تضارع خير ما أنتجته إيطاليا في العصر نفسه من الصور الجدارية بدقة رسمها ورشاقة صورها الفياضة وعمق وإشراق ألوانها، والحق، أنها تدين




صفحة رقم : 7927




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة


ببعض ما تتسم به من الروعة إلى كيما بووجيوتو أودكشيو - وهم جميعاً يدينون بالكثير للفن البيزنطي.
وعلى الشاطئ الشرقي لبلاد اليونان، على ارتفاع قمة ((جبل أثوس)) أقيمت الأديرة في القرن العاشر، وظلت تقام هناك في معظم القرون بعد ذلك في القرن الرابع عشر بانتوكراتور الفخم، وفي القرن الخامس عشر دير القديس بول. ولقد نسب إبان فترة التقهقر ((دليل يوناني للتصوير)) يرجع تاريخه إلى القرن الثامن عشر، أحسن الجداريات إلى عمانويل بانسيلينوس السالونيكي الذي "أظهر تفوقاً وحذقاً في فنه حتى وضع على رأس جميع المصورين القدماء والمحدثين"، وليس من المستطاع التحقق من تواريخ عمانويل وآثاره فقد يرجع إلى القرن الحادي عشر أو السادس عشر، ولا يستطيع أحد أن يجزم بما صدر عن يده من الصور التي فوق جبل أثوس.
وبينما كان الفن البيزنطي يجتاز هذا الوجد الأخير في تاريخه أفل نجم الحكومة البيزنطية. فقد اضطرب نظام الجيش واضمحل الأسطول، وسيطرت سفن جنوى والبندقية على البحر الأسود، وأخذ القرصان يتجولون في الأرخبيل اليوناني، واستولت على غاليبولي (1306) فرقة مرتزقة من قطلونية - "وهي الشركة القطلونية الكبرى" - وفرضت الإتاوات على تجارة الدردنيل، وأنشأت جمهورية من اللصوص في أثينا (1310)، ولم توفق حكومة في القضاء عليهم وتركوا تحت رحمة شططهم. وانضم الباب كليمنت الخامس عام 1307 إلى فرنسا ونابلي والبندقية في مؤامرة لاستعادة القسطنطينية. وفشلت المؤامرة، بيد أن الأباطرة البيزنطيين لبثوا سنوات كثيرة يستشعرون الخوف من الغرب المسيحي حتى لم يكن عندهم من النشاط والحمية ما يدفعون به الزحف الإسلامي وما كاد هذا الخوف يتبدد حتى كان العثمانيون على الأبواب.




صفحة رقم : 7928




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> الازدهار الثاني في بيزنطة


ولقد اشترى بعض الأباطرة هلاكهم بأنفسهم. ففي عام 1342 تورط جون السادس كانتاكوزين في حرب أهلية وطلب العون من أورخان سلطان آل عثمان فأرسل إليه أورخان السفن وساعده في الاستيلاء على سالونيك، فما كان من الإمبراطور المعترف بالجميل إلا أن أرسل إليه ابنته تيودورا لتكون زوجة ثانية له، وبعث إليه السلطان بفرق جديدة تتألف من ستة آلاف جندي. وأخذ جون باليولوج على عاتقه أن يخلعه - فما كان من جون كانتاكوزين إلا أن نهب الكنائس القسطنطينية ليدفع إلى أورخان ثمن عشرين ألف جندي تركي آخرين ووعد السلطان بحصن في شيرزونيس بتراقيا، وفي لحطة انتصاره الظاهري انقلب الشعب عليه وعده خائناً، وحولته الثورة في ليلة واحدة من إمبراطور إلى مؤرخ - (1355) فاعتزل في دير، وكتب تاريخ عصره كمحاولة أخيرة لإرباك أعدائه.
ولم يجد جون الخامس باليولوج العرش ذلولاً، فذهب إلى روما مستشفعاً (1369)، ووعد، في مقابل ما يقدم له من عون ضد الأتراك أن يدخل شعبه في طاعة البابوية، وأنكر الكنيسة اليونانية الأورثوذكسية أمام المذبح الكبير للقديس بطرس. ووعد البابا إربان الخامس بأن يمد له يد العون ضد الكفار، وأعطاه رسائل إلى أمراء العالم المسيحي، ولكن هؤلاء الأمراء كانوا منصرفين إلى شؤون أخرى. وبدلاً من أن تقدم له البندقية المساعدة المنشودة اعتبرته رهينة في مقابل الديون اليونانية. وأحضر ابنه عمانويل المال المطلوب، وعاد جون إلى القسطنطينية أفقر مما رحل عنها، وأنكره شعبه لأنه حنث بعهده للمذهب الأرثوذكسي. وفشل في محاولة ثانية للحصول على المدد من الغرب، فاعترف بالسلطان مراد الأول مولى عليه، ووافق على أن يمد الجيش العثماني بالمدد العسكري، وقدم ابنه الحبيب عمانويل ليكون رهينة على الوفاء بتعهده وهدأت ثائرة مراد فترة ما وتنكب بيزنطة، وتحول لإخضاع أمارات البلقان.




صفحة رقم : 7929




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> أمارات البلقان تلتقي بالترك



2- أمارات البلقان تلتقي بالترك




1300 - 96


لقد كان القرن الرابع عشر إلى ذلك الوقت بالنسبة لإمارات البلقان بمثابة القمة في تاريخها... وعمل الصقالبة الأشداء في ولاشيا وبلغاريا والصرب والبوسنة وألبانيا على قطع الأخشاب من الغابات والبحث عن المناجم وفلاحة الأرض ورعى قطعان الماشية وكانوا يحرصون على تربية دوابهم. وحمل الصقالبة والإيطاليون والمجربون والبلغار واليونان واليهود تجارة الشرق والغرب من بحر الأدرياتي إلى البحر الأسود ومن البحر الأسود إلى البلطيق، وكانت المدن تدر عليهم الرزق كلما ساروا.
وكان الرجل العظيم من الصرب في هذا القرن هو ستيفن دوشان. ولقد أنجبه والده ستيفن أروس الثالث في انفلاتة قصيرة عن روابط الزوجية وسماه بهذا الاسم المحبوب دوشا - أي الروح - وتوّجه ولياً للعهد حتى إذا جاء ابن آخر شرعي وحمل بدوره ألقاباً محببة، خلع ستيفن أباه، وشنقه وحكم بلاد الصرب بيد قوية مدى جيل كامل. وكتب أحد معاصريه عنه يقول: "كان أطول رجال زمانه وأبشعهم منظراً"، واغتفرت له الصرب كل شيء لأنه شن حرباً مظفرة. فقد درب جيشاً جراراً، وقاده بحنكة، وفتح البوسنة وألبانيا وأبيروس وأكارنانيا وأيتوليا ومقدونيا وتساليا ونقل عاصمة ملكه من بلجراد إلى سكبلجة حيث جمع برلماناً من النبلاء، وناشده أن يوحد ويجمع قوانين ولاياته المختلفة، وكانت ثمرة ذلك هي: "زابونيك تساد دوشانه" أي "مجموعة قوانين القيصر دوشا" (1349) وهي تكشف عن مستوى في التطور القانوني والعرف المتمدين لا يقل كثيراً عما في أوربا الغربية، وأفاد الفن الصربي في القرن الرابع عشر من هذه النهضة السياسية في التمويل وربما في الحافز حتى ضارع الازدهار المعاصر في القسطنطينية والمورة، فأقيمت الكنائس الفخمة، وكانت الفسيفساء فيها أكثر




صفحة رقم : 7930




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> أمارات البلقان تلتقي بالترك


حرية وحياة مما سمح به الاتجاه الكهنوتي المحافظ في العاصمة اليونانية، وفي عام 1355 حشد دوشان جيوشه للمرة الأخيرة. وسألهم هل يؤثرون أن يسروا ضد بيزنطة أم ضد هنغاريا. فأجابوا أنهم على استعداد لمتابعته إلى أي مكان يختاره لقيادتهم. فصاح "إلى القسطنطينية" ومرض في الطريق ومات.
وكانت إمبراطوريته من التنافر إلى حد لا يجمعها غير رجل له ذكاء نافذ ونشاط منظم، فشقت البوسنة عصا الطاعة، والتمست لحظة مواتية، في كنف ستيفن ترتكو، لقيادة البلقان. وحصلت بلغاريا على المرحلة الأخيرة من مراحل عظمتها في عهد جون الإسكندر. وانفصلت ولاشيا، التي كانت في يوم من الأيام جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية (1290) وحكمت دلتا الدانوب الشاسعة. وخرجت ملدافيا عن ولائها لهنغاريا (1349). وداهم الترك هذه الدويلات المتنافرة حتى قبل أن يجعل جون الخامس باليولوج من بيزنطة التزاماً إقطاعياً لمراد الأول. وقاد سليمان الابن المقدار للسلطان أورخان الجيوش التركية لمعاونة جون السادس كانتاكوزين، فتسلم أو أخذ مكافأة له، حصن زمبه على الجانب الأوربي للدردنيل (1353) ولما هدم الزلزال غاليبولي المجاورة دخل سليمان المدينة العزلاء واستجاب الأتراك المستعمرون لدعوته فعبروا من الأناضول وانتشروا على طول الشاطئ الشمالي لبحر مرمرة وكادوا يبلغون القسطنطينية نفسها وزحف سليمان بجيش متزايد صوب تراقيا واستولى على أدرنة 01361). وبعد خمس سنوات جعل منها مراد عاصمته الأوربية. وفي هذا المركز صوب الأتراك ضرباتهم مدى قرن من الزمان إلى إمارات البلقان المنقسمة على نفسها.
وأدرك البابا إربان الخامس مغزى هذا التسلل التركي إلى أوربا فاستنفر العالم المسيحي بأسره لحرب صليبية أخرى، فاتجه جيش مؤلف من الصرب والهنغاريين والولاشيين، ببسالة صوب أدرنة. وأقاموا عند نهر مارتزا احتفالاً بزحفهم الذي لم يلق مقاومة، وفيما هم يشربون الأنخاب




صفحة رقم : 7931




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> أمارات البلقان تلتقي بالترك


ويعربدون إذا بهم يفاجئون بهجوم ليلي من قوة تركية صغيرة بالقياس إليهم. وذبح كثيرون قبل أن يتمكنوا من حمل أسلحتهم، وغرق كثيرون آخرون وهم يحاولون الانسحاب عبر النهر وفر الباقون (1371). وفي عام 1385 استسلمت صوفيا وسقط نصف بلغاريا في أيدي العثمانيين. واستولوا عام 1386 على نيس على سالونيك عام 1387. وأصبحت اليونان بأسرها مكشوفة أمام الأتراك.
وأوقفت بوسنة الصغرى الزحف في غضون سنة بطولية واحدة. وضم ستيفن توتكو جنوده إلى جنود الصرب بقيادة لازار الأول وهزموا الأتراك في بلوشنيك (1388). وبعد عام سار مراد غرباً على رأس جيش فيه فرق كثيرة من الجند المسيحيين. والتقى في قوصوة بحلف من الصرب والبوسنين والمجريين والفلاشيين والبلغار والألبان والبولفريين وادعى فارس حربي إسمه ميلوش كوبيلتش، أنه آبق في الخدمة العسكرية وجاسوس واستطاع بذلك أن يشق طريقه إلى خيمة مراد وأن يغتال السلطان فضرب حتى مات. واستثار ابن مراد ووريثه بايزيد الأول الحمية الغضوب في نفوس الأتراك وقادهم إلى النصر. فأسر الملك لازار وقطعت رأسه وأصبحت الصرب إمارة إقطاعية تدفع الجزية للأتراك، وأرغم ملكها الجديد ستيفن لازار فتش على إرسال السلاح والرجال إلى بايزيد، وفي عام 1392 انضمت ولاشيا في عهد جون شيشمان، إلى قائمة الدول البلقانية التي تدفع الجزية للعثمانيين.ولم تقو على الدفاع غير بلغاريا وبيزنطة.
وفي عام 1393 غزا بايزيد بلغاريا.وسقطت ترنوفو لعد حصار دام ثلاثة أشهر، ودنست الكنائس وأضرمت النيران في القصور ودعا زعماء النبلاء إلى اجتماع، ثم أعمل السيف فيهم. فاستصرخ البابا مرة أخرى العالم المسيحي ودعا الملك سيجمسوند ملك هنغاريا، أوربا لحمل السلاح. ومع




صفحة رقم : 7932




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> أمارات البلقان تلتقي بالترك


أن فرنسا كانت مشغولة بصراع حياة أو موت مع إنجلترا إلا أنها أرسلت قوة من الفرسان تحت قيادة كونت نيفير، وجاء كونت هوهنزلون والسيد الأعظم لفرسان القديس يوحنا مع أتباعهما، وأحضر أمير بلتين ثلة من الفرسان البافاريين، وأنكر جون شيشمان تبعية الإقطاعية وجاء بجنده ليحارب تحت قيادة الملك الهنغاري.
وسار الجيش المتحد الذي يتألف من ستين ألفاً من الجنود الأشداء عبر الصرب وحاصر الحامية في نيكوبوليس.وبلغهم التحذير بأن بايزيد في طريقه، ومعه جيش من آسيا لرفع الحصار، فوعد الفرسان الفرنسيون وقد لعبت الخمر والنساء برؤوسهم بأن يبيدوا هذا الجيش، وقالوا مفاخرين لو سقطت السماء على الأرض فسيرفعونها برماحهم، أما بايزيد فقد اقسم ليربطن جواده بالمذبح الرفيع في كنيسة القديس بطرس في روما ووضع ضعف قواته في المقدمة بخطة حربية بادية الوضوح. فاندفع الفرسان الفرنسيون وسط هذه القوات مستشعرين للنصر، ثم وسط عشرة آلاف من الانكشارية ثم وسط خمسة آلاف من الفرسان الأتراك، ثم هجموا مصعدين في غير تبصر أحد التلال، وإذا بهم يواجهون وراء القمة مباشرة الجزء الرئيسي من الجيش التركي المؤلف من أربعين ألفاً من حملة الرماح. وحارب النبلاء ببسالة وكانوا بين قتيل وأسير ولائذ بالفرار، وباندحارهم وقع الاضطراب في صفوف المشاة المتحالفين خلفهم. ومع ذلك فقد كان الهنغاريون والألمان يردون الأتراك على أعقابهم بينما كان ستيفن لازار فتش أمير الصرب يقود خمسة آلاف من المسيحيين ضد الجيش المسيحي وانتصر في موقعة نيكوبوليس الحاسمة لمصلحة السلطان (1396).
وثارت ثائرة بايزيد عندما رأى الجم الغفير من رجاله صرعى في حومة القتال، وعندما سمع ما زعمته الحامية التي أنقذت من أن المحاصرين المسيحيين قتلوا أسراهم من الترك، فأمر بقتل أسراه البالغين عشرة آلاف




صفحة رقم : 7933




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> أمارات البلقان تلتقي بالترك


رجل. وسمح لكونت نيفير أن يتخير أربعة وعشرين فارساً في مقابل الفدية التي يحضرونها. وذبح آلاف من المسيحيين في مقتله دموية استمرت من طلوع الشمس إلى فترة متأخرة من المساء، حتى توسل قواد السلطان أن يخلي سبيل الباقين. وظلت بلغاريا منذ ذلك اليوم إلى عام 1878 ولاية من ولايات الإمبراطورية العثمانية وبذلك استولى بايزيد على معظم اليونان، ثم اتجه صوب القسطنطينية.




صفحة رقم : 7934




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقسطنطينية



3- السنوات الأخيرة للقسطنطينية




1373 - 1453


لم تكن هناك حكومة جديرة تماماً بالسقوط كالحكومة البيزنطية.فلم ترسل فرقاً من الجنود إلى الجيوش المسيحية في مارتزا وقوصوه أونيكوبوليس لأنها فقدت الرغبة في الدفاع عن نفسها وعجزت عن إقناع اليونان الممعنين في السفسطة بأن الاستشهاد في سبيل الوطن عمل مجيد ونبيل، فقد جهزت اثني عشر ألف جندي للسلطان عام 1379 والفرق البيزنطية هي التي أجبرت بأمر جون السابع باليولوجس مدينة فيلادلفيا البيزنطية بآسيا الصغرى على التسليم للأتراك (1390).
ولما واصل بايزيد حصار القسطنطينيين (1402) كانت الإمبراطورية البيزنطية قد انحسرت في عاصمتها. وسيطر بايزيد على شاطئ بحر مرمرة وتحكم في الدردنيل وحكم معظم آسيا الصغرى والبلقان تقريباً وتنقل في أمن بين عواصمه الأسيوية والأوربية. ويبدو أن الساعة الأخيرة للمدينة المحاصرة قد حانت. وكان اليونان المشرفون على الموت جوعاً يلقون بأنفسهم من الأسوار، ويلجئون إلى الأتراك لكي يطعموا. وفجأة ظهر من الشرق الإسلامي مخلص ((كافر)) للحدود الأمامية للعالم المسيحي. وهو تيمور الأعرج - تيمورلنك الكبير - الذي عزم على أن يضع حداً لنمو القوة العثمانية ووجودها. ولما أخذت حشود التتار تطوي الأرض متجهة إلى الغرب رفع بايزيد الحصار عن القسطنطينية وعاد ليعيد جمع قواته في الأناضول. والتقى التتار والأتراك في أنقرة (1402) فهزم




صفحة رقم : 7935




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:36 مساء   رقم المشاركة : [263]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقسطنطينية


بايزيد ووقع أسيراً وانحسر المد التركي فترة جيل. وبدأ أن الله قد ناصر آخر الأمر المسيحيين.
واستعادت بيزنطية بفضل حكم عمانويل الثاني السديد، معظم اليونان وأجزاء من تراقية. ولكن محمد الأول أعاد تنظيم الجيش التركي وتحول به مراد الثاني من الهزيمة المنكرة إلى انتصارات باهرة. وكان جنود الإسلام لا يزالون، يستلهمون من اعتقادهم بأن الشهيد في سبيل الإسلام له الجنة. وحتى ولو لم تكن هناك جنة وحور عين، فإن فيهم من الإنصاف ما يجعلهم يرون الجمال في بنات يونان . أما المسيحيون فلم يكونوا على هذا القدر من الأنصاف، فإن اليونان الكاثوليك كانوا يمقتون الرومان الكاثوليك، وكان الفريقان مكروهين بدورهما.ولما أخذ البنادقة يقنصون اليونان الكاثوليك في جزيرة كريت ويعملون السيف في رقابهم انضم البابا أربان الخامس إلى بترارك في تهنئة أمير البندقية على حمايته للكنيسة الواحدة الصادقة (1350) ولقد نفر الشعب وصغار القساوسة من كل محاولة لإعادة توحيد المسيحية اليونانية واللاتينية - وصرح أمير بيزنطي بأنه يفضل أن يرى العمامة التركي في القسطنطينية على القبعة الحمراء لكاردينال روماني. وكرهت معظم الحكومات البلقانية جيرانها أكثر من كراهيتها للأتراك، وآثر البعض أن يخضع للمسلمين، الذين لا يفرضون ضرائب أكثر مما يفرضه الحكام المسيحيون واضطهادهم للهرطقة أقل أو هم لا يضطهدونها على الإطلاق ويسمحون بأربع زيجات.
وفي عام 1422 أعاد مراد الثاني الهجوم على القسطنطينية. وأرغمته ثورة في الولايات البلقانية على رفع الحصار. وسمح لجون الثامن باليولوجس أن يحكم في سلام نسبي بشرط أن يدفع جزية باهظة للأتراك. وأعاد مراد فتح اليونان وسالونيك ومعظم ألبانيا. وقاومت الصرب ببساطة تحت إمرة




صفحة رقم : 7936




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقسطنطينية


جورج برانكوفتش، وألحق جيش موحد من الصرب والهنغاريين إمرة هانياد جانوس الهزيمة بمراد عند كونوفتزا (1444) وحكم بارنكوفتش الصرب إلى أن مات بالغاً من العمر تسعين سنة (1456) ووقع مراد، بعد انتصارين من فارنا ووقعة قوصوه الثانية (1448)، صلحاً مع الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوجس وانسحب إلى أدرنة ومات هناك (1451).
ولقد جلس محمد الثاني الملقي بالفاتح على العرش العثماني وهو في الواحدة والعشرين من عمره. وأيد المعاهدة التي أبرمت مع قسطنطين وأرسل ابن أخيه أورخان ليتعلم (وربما ليكون جاسوساً) في البلاط البيزنطي ولما تحدت دول إسلامية أخرى سلطانه على آسيا الغربية جعل جنود يعبرون المضايق وترك ممتلكاته الأوربية تحت إمرة وزيره خليل باشا المعروف بصداقته لبيزنطة. وكان قسطنطين يتحلى بالشجاعة يتحلى بالشجاعة أكثر من الذكاء، فأبلغ الوزير أنه إذا لم يضاعف المعاش الذي يدفع لرعاية ابن أخي محمد فإن بيزنطة ستجعل أورخان مطالباً بالسلطنة العثمانية. ويبدو أن قسطنطين قد رأى أن الثورة في آسيا فرصة لإضعاف الأتراك في أوربا. ولكنه أهمل أن يحافظ على محالفاته في الغرب ومواصلاته بالجنوب. وعقد محمد الصلح مع أعدائه من المسلمين ومع البندقية وولاشيا والبوسنة وهنغاريا. وعبر ثانية إلى أوربا وشيد حصناً منيعاً على البوسفور مشرفاً على القسطنطينية، ومن ثم أمن المعبر المكشوف الذي تحوزه جنوده بين القارتين، وتحكم في التجارة كلها التي تدخل البحر الأسود. وظل ثمانية أشهر يجمع المواد والرجال. واستأجر صناع المدافع المسيحيين، ليصنعوا له أكبر مدفع عرف لذلك العهد، يرمى بقذائف وزنها ستمائة رطل، وفي يونية عام 1452، أعلن الحرب، وبدأ الحصار الأخير للقسطنطينية ومعه مائة وأربعون ألف رجل.
ودافع قسطنطين بعزم اليائس وجهز جنوده السبعة آلاف بمدافع صغيرة ورماح وقسى وسهام وبنادق ساذجة ترمي قذائف من الرصاص في




صفحة رقم : 7937




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقسطنطينية


حجم الجوزة، وكان لا ينام إلا لحظات خاطفة، وأشرف كل ليلة على إصلاح ما يصيب الأسوار من عطب في غضون النهار. ومع ذلك فإن الحصون القديمة أخذت تنهار أكثر فأكثر تحت وطأة قذائف المنجنيق ومدفعية الأتراك المتفوقة، وهكذا انتهى تحصين المدن في القرون الوسطى بالأسوار. وفي التاسع والعشرين من مايو شق الأتراك طريقهم عبر خندق مكتظ بجثث قتلاهم. ودخلوا كالموج المتلاطم من فوق الأسوار ومخترقين إياها إلى المدينة التي أخذها من كل جانب، وضاعت حشرجة المحتضرين في طبول الموسيقى العسكرية وأبواقها. وحارب اليونان بشجاعة آخر الأمر، وكان الإمبراطور الصغير في كل مكان من حومة الوغى، واستشهد النبلاء الذين كانوا معه عن بكرة أبيهم دفاعاً عنه. ولما أحاط به الأتراك صاح قائلا: ((ألا يوجد مسيحي يضرب عنقي)). وخلع عن نفسه رداءه الإمبراطوري وحارب كجندي عادي واختفى في طريق جيشه الصغير، ولم يسمع عنه شيء قط بعد ذلك.
وقتل المنتصرون الألوف، حتى توقفت كل محاولة للدفاع. ثم بدءوا النهب والسلب الذي يجنح إليه الظافرون والذي طال تعطشهم إليه، وأخذ كل بالغ ينتفع به في العمل غنيمة، واغتصبت الراهبات كغيرهن من النسوة في ثورة من الشهوة لا تعرف التمييز، ووجد السادة والخدم من المسيحيين بعد أن زال عنهم الكساء الذي يدل على مكانتهم، أنفسهم متساوين فجأة في العبودية التي لا تمييز فيها وكبح جماح النهب والسلب هوناً ما، فعندما رأى محمد الثاني رجلاً مسلحاً تدفعه عاطفته الدينية يتلف الممر الرخامي لكنيسة القديسة صوفيا، ضربه بسيفه الملكي الأحدب، وأعلن أن كل المباني يجب أن تصان لتكون غنيمة ينظمها السلطان. وحولت كنيسة القديسة صوفيا إلى مسجد بعد التطهير المناسب فأزيلت عنها كل الإمارات المسيحية، وطليت فسيفساؤها بالبياض ونسي ما كان عليها خمسمائة سنة، وصعد مؤذن في نفس اليوم الذي




صفحة رقم : 7938




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقسطنطينية


سقطت المدينة فيه أو في يوم الجمعة التالي له إلى أعلى برج من أبراج أيا صوفيا ودعا المسلمين للصلاة فيها جماعة لله الناصر؛ وأدى محمد الثاني فريضة الصلاة في أشهر مزار في العالم المسيحي.
وهز الاستيلاء على القسطنطينية كل عرش في أوربا. فقد سقط الحصن الذي طالما حمى أوربا من آسيا أكثر من ألف سنة، فإن القوة والعقيدة الإسلاميتين اللتين أمل الصليبيون فر ردهما إلى داخل آسيا، قد شقتا الآن طريقهما على جثة بيزنطة، وعبرتا البلقان إلى أبواب هنغاريا؛ ورأت البابوية، التي حلمت بإخضاع جميع المسيحيين اليونان لحكم روما، بفزع سرعة تحول الملايين من سكان جنوب شرقي أوربا إلى الإسلام. وأصبحت طرق التجارة التي كانت مفتوحة في يوم من الأيام للسفن الغربية في يد أجنبية، تفرض عليها المكوس في وقت السلم أو تسدها المدافع في وقت الحرب، وهجر الفن البيزنطي موطنه ولجأ إلى روسيا. بينما اختفى تأثيره في الغرب بالقضاء على عزمه. وأخذت هجرة العلماء إلى إيطاليا وفرنسا، التي كانت قد بدأت عام 1397، تزداد وتثمر في إيطاليا الدعوة إلى إنقاذ اليونان القديمة. وإذا أخذنا بوجه من الوجوه فإنه لم يضع شيء، إلا أن الموتى قد ماتوا. فقد أتمت بيزنطة دورها، وأسلمت مكانها، في موكب الإنسانية الذي يتألف من البطولة والقتل ومن النبل والخسة.




صفحة رقم : 7939




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> هانيادي جانوس



4- هانيادي جانوس




(1387 - 1456)


وكان سكان هنغاريا البالغ عددهم حوالي سبعمائة ألف في القرن الرابع عشر مزيجاً من المجر والبانونيين والسلوفاك والبلغار والخزر والباتزيناك والكومان والسلافونيين والكرواتيين والروس والأرمن والولاشيين والبوسنويين والصرب. والخلاصة أن أقلية من المجر كانت تحكم الأغلبية من الصقالبة. وبدأت تتكون في المدن الناشئة إبان القرن الرابع عشر طبقة وسطى تجارية وأخرى من عمال




صفحة رقم : 7940




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> هانيادي جانوس


الصناعة - ولما كان هؤلاء في الغالب مهاجرين من ألمانيا وفلاندر وإيطاليا فقد أضيفت خلافات عنصرية إلى الكيان الجنسي المعقد.
وانتهت بموت أندرو الثالث أسرة أرباد المالكة (907-1301) فقسمت الحرب التي اندلعت في سبيل العرش الأمة أكثر مما هي عليه، ولم يعد السلام إلا عندما جعلت الطبقة العليا من النبلاء الملكية بالانتخاب، ووضعوا تاج القديس ستيفن على رأس شارلز روبرت أمير أنجو (1308). فأحضر معه فكرات فرنسية من إقطاع وفروسية وفكرات إيطالية عن التجارة والصناعة فنهض بمناجم الذهب الهنغارية وشجع المشروعات وضرب السكة، وطهر القضاء ومنح الأمة إدارة مناسبة. وأصبحت هنغاريا في عهد شارلز وابنه لويس دولة غربية وذلك رغبة في الحصول على معاونة الغرب أمام الشرق المتكاثر.
وكتب فولتير ((لقد حكم لويس الأول هنغاريا حكماً سعيداً أربعين سنة (1342-82) وحكم بولندة اثنتي عشرة سنة (حكما غير موفق كذاك) ولقبه شعبه بالكبير، الذي يستحقه عن جدارة، ومع ذلك فإن هذا الأمير قلما يعرف في أوربا (الغربية) لأنه لم يحكم قوماً يستطيعون أن ينقلوا شهرته وفضائله إلى أمم أخرى. وما أقل الذين يعلمون أنه كان في القرن الرابع عشر، لويس الكبير في جبال الكربات)).... ومزجت أخلاقه بين الثقافة المدنية ومشاعر الفروسية بالحمية والقدرة العسكريتين. ولقد انغمس في الحروب بين حين وآخر ليثأر لمقتل أخيه في نابلي وليستعد من البندقية الثغور الدلماشية التي اعتبرتها هنغاريا زمنا طويلا منافذها إلى البحر، وليضع حداً للتوسع العدواني وتركيا وذلك يجعل كرواتيا والبوسنة وبلغاريا الشمالية تحت سيطرة هنغاريا ونشر بالقدرة والمبدأ مثل الفروسية الأعلى بين النبلاء، ورفع مستوى الأخلاق والعادات بين شعبه. وحقق الفن القوطي الهنغاري في عهده وعهد أبيه أجمل آثاره،




صفحة رقم : 7941




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> هانيادي جانوس


ونحت نيقولاس كولوزفاري وأبناؤه من التماثيل البارعة مثل تمثال القديس جورج الذي يوجد الآن في براغ. وأسس لويس عام 1367 جامعة بيس، ولكنها اختفت مع الكثير من أمجاد هنغاريا في القرون الوسطى في الصراع الطويل المضني مع الأتراك.
واستمتع سيجسموند الأول وهو زوج ابنة لويس بحكم كان من الممكن أن يؤدي طوله (1387-1437) إلى وضع سياسة طويلة بعيدة النظر. ولكن أعماله كانت فوق طاقته. فقاد جيشاً جراراً ضد بايزيد في نيكوبوليس، ولم ينج من الكارثة إلا بحياته.وأدرك أن الزحف التركي قد أصبح أخطر مشكلات أوربا، وبذل عناية فائقة وأموالا لا تكفي لتحصين الحدود الجنوبية، وشيد عند ملتقى الدانوب بالساف حصن بلغراد الكبير. بيد أن انتخابه لإدارة الإمبراطورية جعله يهمل هنغاريا إبان غيبته الطويلة في ألمانيا، كما أن حصوله على تاج بوهيميا قد وسع من مسئولياته دون أن يزيد في قدراته.
وغزا الأتراك المنتشرون هنغاريا بعد سنتين من وفاته.وأثمرت الأمة في هذه الأزمة أشهر أبطالها. ولقد حصل هانيادي جانوس على لقبه من قلعة هانيادي في ترانسلفانيا، وهو معقل منيع منح لأبيه لحسن بلائه في الحرب ودرب جانوس - أي جون - على الحرب كل يوم تقريبا في صباه. وبرز بانتصاره على الأتراك في سيمندريا، وجعله الملك الجديد، لاديسلاس الخامس، كبير القواد على الجيوش التي تقاوم الأتراك. وأصبح رد العثمانيين على أعقابهم هو الشغل الشاغل في حياته. فلما دخلوا ترانسلفانيا قاد لمحاربتهم فرقاً حديثة التنظيم تلهبها وطنيته وقيادته.وفي هذه الوقعة بذل سيمون كيمني، الاثير في الأدب الهنغاري، حياته في سبيل قائده.وكان قد علم أن الأتراك طلب إليهم أن يفتشوا عن هانيادي ويقتلوه، فناشد سيمون قائده أن يتبادل الأزياء وإياه فسمح له بذلك.




صفحة رقم : 7942




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> هانيادي جانوس


ومات تحت وطأة الهجمات المركزة عليه، بينما قاد هانيادي الجيش إلى النصر (1442) وأرسل مراد الثاني فرقاً جديدة تتألف من ثمانين ألف رجل إلى الجبهة، فاستدرجهم مخيلا إليهم أنه يتراجع، إلى ممر ضيق -لا يسمح إلا لجزء يسير منهم بالقتال دفعة واحدة، وانتصرت خطة هانيادي مرة أخرى.وأزعجت مراد الثورات في آسيا، فسعى إلى الصلح ووافق على دفع تعويض مادي. فوقع الملك لاديسلاس وحلفاؤه هدنة مع مندوبين عن مراد،هدنة تدعو الفريقين إلى الإخلاد إلى السلم.وأقسم لاديسلاس على الكتاب المقدس، واقسم سفراء الترك على القرآن (1442).
ولكن الكاردينال جوليانو شيزاريني، القاصد الرسول في بودا، ما لبث أن وجدالوقت مناسبا للهجوم. فإن مراداً ينقل جيشه إلى آسيا وبذلك يستطيع أسطول إيطالي يتحكم في الدردنيل أن يحول بينه وبين العودة واحتج الكاردينال الذي عرف باستقامته وقدرته، بأن القسم لكافر لا يقيد المسيحي.ونصح هانيادي بالإخلاء إلى السلم، وأبت الفرقة الصربية أن تحنث بالقسم. ووافق مندوبو الأمم الغربية شيزاريني، ووعدوا بأن يسهموا بالمال والرجال في حرب صليبية مقدسة.ولم ير لاديسلاس بدا من التسليم، وقاد بنفسه هجوماً على مواقع الأتراك.ولم يأت المدد الموعود من الغرب، وراغ الجيش العثماني المؤلف من ستين ألف رجل من الأشداء، من أمير البحر الإيطالي وعبروا عائدين إلى أوربا. وفي فارنة بالقرب من البحر الأسود ألحق مراد هزيمة منكرة بجند لاديسلاس البالغ عددهم ألفا (1444) وكان حامل اللواء في الجيش التركي يرفع المعاهدة الممتهنة على رمح. فنصح هانيادي الملك بالانسحاب ولكنه أمر بالتقدم. وناشده هانيادي أن يبقى في المؤخرة، بيد




صفحة رقم : 7943




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> هانيادي جانوس


أن الملك اندفع إلى المقدمة، وقت.ولم يسترد شيزاريني شرفه ببذل حياته.
وحاول هانيادي بعد ذلك بأربع سنوات أن يرفع البلاء. فشق طريقه عبر الصرب المعادية له، والتقى بالإتراك في قوصوه في معركة حامية استمرت ثلاثة أيام. واندحر الهنغاريون ولاذ معهم هانيادي بالفرار. واختفى أياما في بطيحة ماء، وبرز، بعد أن أشرف على الموت جوعاً.فعرف الصرب وأسلموه إلى الأتراك.وأطلق سراحه بعد أن وعد بألا يقود جيشاً على أرض الصرب بعد ذلك.
وفي عام 1456 حاصر الأتراك بلغراد.وصوب محمد الثاني على القلعة المدفعية الثقيلة التي هدمت أسوار القسطنطينية.ولم يعرف الأوربيين قبل ذلك قصفاً عنيفاً بالقنابل كهذا. وقاد هانيادي الدفاع بحنكة وشجاعة لم يغفلها الشعر الهنغاري قط.وآثر المحاصرون، آخر الأمر خوض المعركة على الموت جوعاً، فاندفعوا من الحصن، وشقوا طريقهم إلى المدفع التركي، وهكذا انتصروا على العدو انتصاراً حاسماً فتخلصت هنغاريا ستين سنة بعد ذلك من أي هجمة إسلامية.وبعد أيام قلائل من هذا الدفاع التاريخي مات هانيادي بالحمى في خيمته. وتمجده هنغاريا باعتباره أعظم رجالها.




صفحة رقم : 7944




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> المد في عنفوانه



5- المد في عنفوانه




(1453 - 81)


تابع الأتراك فتح البلقان واستسلمت الصرب آخر الأمر عام 1459، وظلت ولاية تركية إلى عام 1804.واستولى محمد الثاني على كورنثه بعد أن حاصرها وأثينا دون أن يرفع رمحاً (1458) ومنح الفاتح، مثله في ذلك مثل قيصر، الأثينيين شروطاً سهلة احتراماً لأسلافهم وأبدى اهتماماً ينم عن الثقافة بالآثار الكلاسية وحق له أن يبتهج، لأنه لم ينتقم من الصليبيين فحسب وإنما ثأر لوقعة مرثون أيضاً. وقبلت البوسنة، التي




صفحة رقم : 7945




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> المد في عنفوانه


لقبت عاصمتها وثغرها راجوسة بأثينا الصقلية لمظهرها الثقافي، الحكم التركي عام 1463 وقبلت الإسلام في يسر أذهل الغرب.
وكان أشجع غرماء الترك في النصف الثاني من القرن الخامس عشر هو إسكندر بك الألباني. واسمه الحقيقي جورج من كاستريوتا، ولعله كان من أسرة صقلية متواضعة، ولكن الأساطير المحببة لشعبه تجعله من أسرة ملكية أبيروسية وتسبغ عليه شباباً مغامراً.ولقد أنبئنا أنه قدم في صباه رهينة لمراد الثاني، وأنه نشأ في بلاط العثمانيين بأدرنة. وأحب السلطان فيه الشجاعة والاحتمال حتى عامله كأحد أبنائه وجعله ضابطا في الجيش التركي. ودخل في الإسلام وسمى لهذا الاسم إسكندر بك - أي الأمير إسكندر وبعد أن قاد الأتراك في وقائع كثيرة ضد المسيحيين ندم على ارتداده عن المسيحية واحتال للفرار. وأنكر الإسلام، واستولى على العاصمة الألبانية كروجا من حاكمها التركي وأعلن العصيان (1442) وأرسل محمد الثاني الجيش تلو الجيش لمعاقبته، فهزمها جميعها إسكندر بك بسرعة تحركاته العسكرية وبراعته في المراوغة وشغل محمد بحروب أكبر، فمنحه هدنة عشر سنوات (1461). ولكن مجلس شيوخ البندقية والبابا بيوس الثاني أقنعوا إسكندر بك بأن يخرج على الهدنة ويواصل الحرب (1463). وتوعد محمد المسيحيين باعتبارهم كفاراً حانثين بوعودهم وعاد إلى حصار كروجا. وأبلى إسكندر بك بلاءً حسنا في الدفاع عنها مما أضطر السلطان إلى رفع الحصار مرة أخرى، وبين حطام النصر مات إسكندر بك (1468) واستسلمت كروجا عام 1479، فأصبحت ألبانيا ولاية تابعة لتركيا.
وفي الوقت نفسه ابتلع محمد الذي لا يشبع الموره وأطرابزنده ولسبوس ونجر وبونت (أثيوبيا القديمة) والقرم. وفي عام 1477 عبر جيش من




صفحة رقم : 7946




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> المد في عنفوانه


جيوشه الأيزونزو وخرب الجانب الشمالي الشرقي لإيطاليا على مسيرة اثنين وعشرين ميلا من البندقية وعاد إلى الصرب محملا بالغنائم.وسلمت البنتدقية التي استولى علها الفزع والتي حاربت طويلا دفاعاً عن ممتلكاتها في بحري أيجه والأدرياتي، بكل حق لها في كروجا وسكوتاري، ودفعت تعويضاً مقداره عشرة آلاف بندقي . أما أوربا الغربية التي فشلت في معاونة البندقية، فقد أنكرت عليها أن تبرم وتحافظ على الصلح مع الكافر.ووصل الأتراك بذلك إلى الأدرياتي، ولم يعد هناك ما يفصلهم عن إيطاليا وروما والفاتيكان، غير جانب ضيق من البحر، عبره قيصر بقارب صغير.وفي عام 1480 أرسل محمد جيشاً عبر هذا الجانب الصغير لمهاجمة مملكة نابولي. واستولى على تورنتو في يسر، وأعمل السيف في نصف عدد السكان البالغ اثنين وعشرين ألف نسمة، واسترق الباقين وشطر أحد كبار الأساقفة نصفين. واصبح مصير المسيحية ووحدانية الزوجة معلقاً في كفه ميزان. وأنهى فيرانت ملك نابولي حروبه مع فلورنسة، وأرسل خير فرقة لاستعادة تورنتو . وكان محمد قد ورط نفسه في حصار رودس ومات أثناء المغامرة، وظلت رودس مسيحية إلى عهد سليمان ورفع الأتراك قبضتهم عن تورنتو عادوا إلى ألبانيا (1181). وتوقف المد العثماني عن السير لحظة.




صفحة رقم : 7947




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية



6-النهضة الهنغارية




(1456 - 90)


في نصف القرن الذي ظفر فيه هانيادي لهنغاريا بالأمن، قاد ابنه ماتياس كورفينوس بلاده إلى أوجها التاريخي. وكان في السادسة عشرة من عمره




صفحة رقم : 7948




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية


فقط عند جلوسه على العرش، ولم يكن فيه سمت الملوك، إذ كانت ساقاه قصيرتين- بالقياس إلى جذعه، ولا يبدو طويل القامة إلا إذا امتطى صهوة جواد، ومع ذلك فقد كان له صدر مصارع وذراعه وقوته وإقدامه، وبعد تتويجه بوقت غير طويل تحدى إلى مبارزة فردية فارساً ألمانيا ضخم الجثة عظيم القوة، صرع في جولة واحدة في مدينة بودا جميع منافسيه، وتوعد ماتياس غريمه بأن يشنق إذا أخفق في المبارزة بكل ما أوتي من عزيمة وبراعة.وأكد المؤرخون الهنغاريون بأن الملك الشاب وقد حفزه هذا المأزق العصيب قضى على العملاق مبرماً. وأنضجت الأيام ماتياس حتى أصبح جندياً باسلا وقائداً محنكاً، فهزم الأتراك كلما التقى بهم، واستولى على مورافيا وسيليزيا ولكنه أخفق في فتح بوهيميا وخاض أربعة حروب ضد الإمبراطور فريدريك الثالث، وأخذ فينا وألحق بها النمسا (1485)، وكانت الإمبراطورية النمساوية والهنغارية في الواقع هنغارية.
وجعلت انتصاراته الملكية متفوقة على الطبقة النبلاء بعض الوقت، وكانت مركزية الحكم هما كما كانت في غرب أوربا طابع العصر، وضارع بلاطه في بودا وفي القصر الملكي في فيسجراد أية أبهة ملكية وجدت في ذلك العهد، وأصبح كبار النبلاء خدامه، واشتهر سفراؤه بفخامة أرديتهم وخدمهم وحشمهم، وكانت دبلوماسية ماتياس ماكرة غير مترددة، ودودة سخية، فقد اشترى بالذهب ما يكلف ضعفه بالحرب، ووجد في الوقت نفسه الوقت والحماسة لإصلاح كل إرادة في الحكومة؛ وليعمل بنفسه كإداري يقظ وقاض إمبراطوري. وأخذ يتجول متخفيا بين أفراد الشعب والجند والمحاكم، فاختبر لتوه سلوك موظفيه، وأصلح من شأنهم بالمنافسة والعدل وبغير محاباة أو خوف وعمل ما يستطيعه لحماية الضعيف من القوى، والفلاحين من سادتهم المغتصبين.وبينما استمرت الكنيسة تزعم أن البلاد ملك بابوي، فإن ماتياس قد عين ونظم تعيين الأساقفة واستمتع بحماسته عندما




صفحة رقم : 7949




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية


عين صبيا إيطاليا في السابعة من عمره أساقفة هنغاريا فأرسل تجار مدينة فرارا، رداً على هذه الفكاهة، إلى كبير الأساقفة الجديد مجموعة من اللعب.
وتزوج ماتياس عام 1476 بياتريس أميرة أرجون، ورحب في هنغاريا بالروح النابولية المرحة والأذواق الإيطالية المصقولة لحفيده الفونسو الهمام.وشجع الاتصال بين هنغاريا ونابولي تلك القرابة الأنجوية بين الأسرتين المالكتين، ولقد تعلم في إيطاليا كثير من رجال الحاشية في بودا. وتشبه ماتياس نفسه بالحكام المستبدين لعصر النهضة الإيطالية، في نزعاته الثقافية إلى جانب اتجاهه الميكافلي في الحكم، وأرسل لورنزوده مدتشي نقشين بارزين من البرونز صنعها فيروكشيه وأوفد لودوفيكو ألمورو، ليوناردو دافنشي؛ ليصور العذراء وطفلها للملك الهنغاري مؤكداً للفنان أنه من القلائل الذين يستطيعون تقدير الصورة العظيمة. وقام فيليبينوليبي بعمل صورة أخرى للعذراء وطفلها وذلك لكورفينوس؛ وزين تلاميذه القصر الملكي في إذترجوم بالصور الجدارية؛ ووضع نحات إيطالي تمثالاً نصفياً لبياتريس؛ ولعل الصائغ المشهور، كارادوسو، وهو من مدينة ميلانو هو الذي صمم صورة المسيح على الصليب البارعة في أذترجوم؛ ونقش بينيدتو داميانو زخارف القصر في بودا؛ وشيد إيطاليون مختلفون هيكل الكنيسة الصغيرة على طراز عصر النهضة في القسم الداخلي من العاصمة.
واتبع النبلاء والمطارنة الملك، في رعاية الفنانين والعلماء، بل إن المدن المشهورة بالتعدين في داخل البلاد قد وجد فيها من الأغنياء من يرفعون من قدر الثروة، بالإنفاق على الفن، وشيدت دور جميلة مدنية ودينية لا في بودا وحدها ولكن في فيزجراد وتانا وأنترجوم وناجيفا وفاك أيضاً، وزين مئات




صفحة رقم : 7950




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية


من النحاتين والمصورين هذه المباني. ووضع جيوفاني دلمانا تماثيل مشهورة لهانيادي جانوس وغيره من الأبطال الهنغاريين وتألفت في كسا، مدرسة صحيحة للفنانين، ولقد نقش هناك "المعلم ستفين" وغيره، للمذبح الكبير لكنيسة القديسة اليزابث، حظاراً زخرفياً، تبدو تماثيله الأساسية إيطالية في صقلها ورشاقتها وجمالها، ونحت فريق آخر في الصخر لكنيسة بزترزبانيا نقشاً بارزاً عظيماً، وهو "المسيح في بستان الزيتون"، يدهش من رآه بتفاصيله الدقيقة وتأثيره الدرامي، وظهرت قوة مماثلة في التعبير والفن في الصور الهنغارية التي بقيت من ذلك العصر، مثل ما نجده في "صورة مريم" تزور إليزابث، رسمها "المعلم م. س" وهي الآن في متحف بودابست ولقد تلف أوضاع كل الفن تقريبا الذي أثمرته تلك المرحلة المشرقة من تاريخ هنغاريا إبان الغزو العثماني في القرن السادس عشر، وبعض التماثيل يوجد الآن في أسطنبول، نقلها إليها الأتراك المنتصرون.
وكانت اهتمامات ماتياس أدبية أكثر منها فنية، كما كان دارسو الكلاسيات الأجانب منهم والوطنيون محل ترحيب في بلاطه، ويحصلون على رواتب كبيرة لوظائف اسمية في الحكومة. وكتب أنطونيو بوتفيني تاريخا لهذا العهد بلغة لا تينية على منوال ليفي، وجمع جانوس فيتيز، كبير أساقفة حران، مكتبة عامرة بالكتب الكلاسية القديمة، وخصص الأموال لإرسال شباب الدارسين لتعلم اليونانية في إيطاليا. وأنفق أحد هؤلاء وهو جانوس بانونيوس سبعة أعوام في مدينة فرارا، وسمح له بأن يكون في حلقة لورنزو وبفلورنسة، وأدهش البلاط بعد أن عاد إلى هنغاريا، بأبياته اللاتينية ومحاضراته اليونانية. وكتب بونفين عندما تحدث بانونيوس باليونانية، "نعتقد أنه لا بد وأن يكون قد ولد في أثينا" ولعل إيطاليا وحدها هي التي كان يجد فيها المرء، مثل هذه الكوكبة من الفنانين والعلماء ويحصلون على معاش لهم في بلاط ماتياس، وذلك في الربع الأخير من القرن الخامس عشر. وتعد الرابطة




صفحة رقم : 7951




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية


الأدبية للدانوب من أقدم الجمعيات الأدبية في العالم، وقد أسست في بودا عام 1497.
وجمع كورفينوس مثل معاصريه من آل المدتشي الآثار الفنية والكتب وأصبح قصره متحفا للتماثيل والقطع الفنية، وتذهب روايته إلى أنه كان ينفق على الكتب ثلاثين ألف كرون كل عام، وهي في أكثر الأحوال مخطوطات أنفق الكثير على تزيينها ولم يكن مع ذلك مثل فيديريجودا مونتيفلتر ويرفض الكتب المطبوعة، فلقد أسست مطبعة في بودا عام 1473، أي قبل دخول الطباعة بثلاثة أعوام. وكانت مكتبة كورفينوس التي ضمت عشرة آلاف مجلد عند وفاة ماتياس؛ أجمل مكتبات القرن الخامس عشر خارج إيطاليا. ولقد وضعت هذه الكتب في قصره بمدينة بودا وخصصت لها قاعتان فسيحتان؛ لهما نوافذ من الزجاج الملون تطل على الدانوب؛ وكانت الرفوف كثيرة النقوش؛ والكتب مجلدة في معظمها برق الغزال وعليها ستائر من المخمل المزركش. ويظهر أن ماتياس قرأ بعض هذه الكتب، وتوسل بكتاب ليفي على الأقل طلبا للنعاس، ولقد كتب إلى أحد دارسي الكلاسيات "أيها العلماء؛ ما أسعدكم! إنكم لا تجاهدون في سبيل المجد المصبوغ بالدم وفي سبيل تيجان الملوك؛ وإنما تجاهدون في سبيل أكاليل الغار التي تتوج الشعر والفضيلة. بل إنكم تستطيعون أن ترغمونا على نسيان ضجيج الحرب".
ولم تعش السلطة المركزية التي نظمها ماتياس إلا فترة وجيزة بعد وفاته (1490). ولقد بعثت قوة كبار الأمراء وسيطروا على لاديسلاس الثاني، واختلسوا الموارد التي كان ينبغي أن تنفق على فرق الجيش فانفض الجيش وعاد الجنود إلى دورهم؛ وبدد النبلاء، الذين أعفوا من الضرائب، دخلهم وجهدهم في حياة معربدة صاخبة، بينما كان الإسلام يهدد الحدود، والفلاحون الذين استنزفهم الاستغلال؛ يتهيئون للثورة. وفي عام 1514 أعلن مجلس الدايت الهنغاري حربا صليبية على الأتراك، وعن حاجته لمتطوعين واستجاب




صفحة رقم : 7952




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> المد العثماني -> النهضة الهنغارية


جم خفير من الفلاحين لفداء الصليب إذا لم يجدوا فارقاً كبيراً بين الحياة والموت.ولما وجدوا السلاح في أيديهم، انتشرت بينهم هذه الفكرة وهي لماذا ننتظر حتى نقاتل الأتراك البعيدين، في حين أن النبلاء المبغضين قريبون؟ وقادهم جندي اسمه جيورجي دوزا في ثورة عارمة فاكتسحوا هنغاريا بأسرها، يحرقون جميع القلاع ويقتلون جميع النبلاء الذين يقعون في أيديهم- رجالا ونساء وأطفالا- فطلب النبلاء النجدة من كل ناحية ...جنداً نظاميين ومرتزقة، وفاجئوا الفلاحين غير المنظمين وعذبوا زعماءهم تعذيباً مروعاً. ومنع دورزا ومعاونوه من الطعام أسبوعين. ثم ربط إلى عرش حديدي محمي بالنار ووضع على رأسه تاج محمي بالنار أيضا، ووضع في يديه صولجان محمي بالنار. وسمح لرفاقه المشرفين على الموت جوعاً أن ينزعوا اللحم المشوي عن جسده وهو لا يزال حياً يعي. وقد تحتاج النقلة من الهمجية إلى الحضارة قرناً من الزمان، أما التحول من الحضارة إلى الهمجية فإنما يحتاج إلى يوم واحد.
ولم يذبح الفلاحون لأنهم كانوا لا يعوضون بغيرهم، ولكن القانون الثلاثي (1514) يقرر: "أن التمرد الحديث....يضع في كل وقت وصمة الخيانة على كاهل الفلاحين، ومن أجل ذلك فقد تنازلوا عن حريتهم وأصبحوا خاضعين لسادتهم الملاك في عبودية دائمة غير مشروطة.... وكل نوع من أنواع الملكية يحوزه المالك الإقطاعي، وليس من حق الفلاح أن يطلب العدل ويحتكم إلى القانون ضد أحد النبلاء. وبعد ذلك باثني عشر عاما سقطت هنغاريا في يد الأتراك.




صفحة رقم : 7953




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية



الفصل الحادي عشر




البرتغال تستهل الثورة التجارية




1300 - 1517


لقد جعلت البرتغال الصغيرة من نفسها في هذا العصر، دولة من أغنى وأقوى دول أوربا، مع انه لم يكن لها من المزايا الطبيعية غير ساحل يطل على البحر ولم تبلغ هذه المكانة إلا بالعزيمة الخالصة والمغامرة الجسور. ولقد أنشئت الملكية فيها عام 1139، فبلغت حكومتها ولغتها وثقافتها مكانة وطيدة في عهد أحب حكامها إليها وهو دينيز "العامل" الإداري والمصلح والبناء والمعلم، وداعي الفنون والمكابد الحاذق للأدب والحب. ولقد نضج ابنه أفونسو الرابع بعد حوادث إعدام وقائية، فأصبح عهده مثمراً، ربطت فيه التجارة النامية مع إنكلترا، في اتحاد سياسي بين الأمتين لا يزال باقياً إلى اليوم. ووجه فونسو ابنه بدرو إلى الزواج من دونا كنستانزا مانويل، توكيداً لمحالفة رشيدة مع قشتالة الآخذة في القوة. فاستجاب الابن وتزوجها، ولكنه استمر على حبه إينيه ده كاسترو، وهي من أصل ملكي. ولما مات كنستانزا، كانت إينيه عقبة في سبيل زواج ديبلوماسي اّخر لبدرو، وأمر أفونسو بها فقتلت (1335) على مضض. ولقد أورد كامبونز، الذي يعد ملتن البرتغالي هذه القصة الغرامية المشهورة في ملحمته القومية، وهي لوزياد:


وهكذا جاءت جماعة القتلة ضد إينيه ...




وأنفذ الوحوش سيوفهم في نهديها الأبيضين ...






صفحة رقم : 7954




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية




وفي سورة غضب صبغوا باللون القرمزي،




ولن يكون هناك انتقام سماوي بعد ذلك مثله.


واحتفظ بدرو بالرغبة في الثأر، حتى إذا ورث العرش بعد عامين من هذا الحادث اقتص من القتلة، ونبش القبر عن جثمان حبيبته وتوجها ملكة، ثم أعاد دفنها بما تستحقه من مراسيم ملكية. وحكم بقسوة غذتها هذه المأساة.
وثمة قصة أقل شأناً حكم خلفه. ذلك أن فرناندو الأول فقد رأسه وقلبه في سبيل ليونورا، زوجة أمير بومبيرو، وفك خطبته لأميرة قشتالية، وتزوج من ليونورا على الرغم من زوجها الذي على قيد الحياة ومن كنيسة قد أهينت. وبعد أن توفي فرناندو (1383)، ادعت انها نائبة الملك، وجعلت ابنتها بياتريز الملكة، وخطبتها إلى جون الأول ملك قشتالة. وثار الشعب لأنه توقع أن يصبح إقطاعاً تابعاً لقشتالة، وأعلن مجلس نواب اجتمع في كوامبرا أن العرش البرتغالي انتخابي واختار دون جُوَا- جون- ابن بدرو من أبيه ملكاً على البرتغال.وأخذت قشتالة على نفسها، أن توطد ملك بياتريز بالقوة، فحشد جون جيشاً، واقترض خمسمائة من حملة السهام من إنجلترا، وهزم القشتاليين في ألجوباروتا، وذلك في الخامس عشر من أغسطس عام 1385- وهو اليوم الذي يحتفل به سنوياً على انه عيد استقلال البرتغال.
وهكذا افتتح جون الكبير حكمه الذي استمر ثماني وأربعين سنة، كما بدأ أسرة- بين افز- التي جلست على العرش قرنين من الزمان. واعترف بالإدارة وأصلح القانون والقضاء، وجعلت اللغة البرتغالية هي اللغة الرسمية، وبدأ أدبها في الظهور. وكان العلماء هنا، كما كانوا في أسبانيا، يستعملون اللغة اللاتينية، حتى القرن الثامن عشر، ولكن فاسكو دا لوبيرا كتب باللغة القومية قصة فروسية، أما ديس دا




صفحة رقم : 7955




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


جولا (1400) التي أصبحت بعد ترجمتها أشيع كتاب غير ديني في أوربا. وعبر الفن القومي عن نفسه مزدهيا في كنيسة سانتا ماريا دا فكتوريا، التي شيدها في باطلها جون الأول، تمجيداً لوقعة ألجوباروتا، وهي تضارع كاتدرائية ميلان في الحجم، وكنيسة نوتردام في باريس، في الفخامة المعقدة للركائز والأبراج. وفي عام 1436 أضيفت كنيسة صغيرة جميلة التصميم والزخرف تستقبل رفات الملك ابن السفاح".
ومجد في بنيه. فخلفه دورات- إدوارد- وأحسن الحكم مثله تقريباً ووحد بدرو القوانين، واستهل- هنريك -"هنري الملاح" الثورة التجارية التي قدر لها تغير خريطة الكرة الأرضية. ولما استولى جون الأول على سبتة من المغاربة (1415) خلف هنري البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة حاكماً على هذا المعقل المنيع، وهي عند مضيق جبل طارق تماماً. وفتنته روايات المسلمين عن تمبكتو والسنغال والذهب والعاج والعبيد التي يمكن الحصول عليها على طول الساحل الغربي لأفريقيا، فعزم الشاب الطموح على أن يكتشف تلك الربوع ويضمها إلى البرتغال. فربما قاده نهر السنغال الذي تحدث عنه من اخبروه، صوب الشرق إلى منابع نهر النيل وإلى بلاد الحبشة المسيحية، وبذلك يُفتتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر- ومن ثم إلى الهند، ويتحطم الاحتكار التجاري للتجارة مع الشرق، وتصبح البرتغال دولة كبرى. وقد يدخل سكان الإقليم بعد فتحه في المسيحية ويحصر الإسلام في أفريقيا من الشمال ومن الجنوب بدول مسيحية، ويصير البحر الأبيض المتوسط آمناً للملاحة المسيحية. ويبدو أن هنري لم يفكر في طريق يدور حول أفريقيا، ولكن هذا الطريق كان ثمرة جهده.
ولقد أقام حوالي عام 1420 في ساجرس على الرف الجنوبي الشرقي للبرتغال وأوربا، داراً لاستخلاص الأخبار المتعلقة بالمعرفة والمغامرة




صفحة رقم : 7956




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


البحريتين. وجمع ودرس هناك، هو ومعاونوه، وفهم فلكيون ورسامو خرائط من اليهود والمسلمين في مدى أربعين سنة تقارير الملاحين والرحالة، وسيروا إلى البحار المحفوفة بالمخاطر، سفناً خفيفة، مزودة بالأشرعة والمجاديف، ويقوم عليها من ثلاثين إلى ستين رجلاً. وكان أحد قباطنة هنري قد أعاد كشف مادريه (سنة 1418)، التي سبق أن رآها البحارة الجنوبيون قبل ذلك بسبعين سنة ثم عفّا عليها النسيان، ولقد طور وقتذاك المستعمرون البرتغاليون مواردها، وسرعان ما عوضت غله من السكر وغيره من المنتجات، نفقات الاستعمار، وشجعت الحكومة البرتغالية الاستجابة لمطالب هنري إلى المال ولاحظ جزر الآزور على خريطة إيطالية رسمت عام 1351، فأرسل جنزالو كابرال للبحث عنها. وتحقق مراده وبين عامي 1432-44، ضم الجواهر البحرية، الواحدة بعد الأخرى إلى التاج البرتغالي.
بيد أن أفريقيا هي التي استهوته أكثر من غيرها. ولقد أبحر البحارة القطلونيون والبرتغاليون، ما يقرب من تسعمائة ميل على طول الساحل الغربي إلى بوجا دور (1341- 46). ومع ذلك، فإن النتوء الكبير للقارة العظيمة الممتد غرباً في المحيط الأطلسي، قد ثبط همم البحارة في الكشف عن الجنوب، فانسحبوا إلى أوربا متعللين بحكايات عن المواطنين المفزعين، وعن بحر تشتد كثافة الملح فيه إلى حد لا تستطيع معه أن تشقه أي سفينة، وعن دلائل تؤكد أن كل مسيحي يجاوز بوجا دور ينقلب إلى زنجي. ولقد رجع القبطان جيليان إلى سامبرس بأعذار مشابهة عام 1433، فأمره هنري أن يعيد الكرة، وطالبه أن يعود ببيان واضح عن الأراضي والبحار جنوبي الرأس المحرم. وأدى هذا التحريض بجيليان إلى أن يصل إلى مسافة تبعد مائة وخمسين ميلا عن بوجادرو (1435) وأذهله ما رآه من وفرة النبات في المناطق الاستوائية، مناقضاً ما قاله أرسطو وبطليموس، من أن




صفحة رقم : 7957




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


الصحارى هي التي توجد فقط تحت الشمس المحرقة، وبعد ذلك بست سنوات أبحر نونو ترستاو، إلى رأس بلانكو، وعاد إلى موطنه ومعه بعض الزنوج الأشداء، الذين سرعان ما عمدوا واستعبدوا، وشغلهم الأمراء الإقطاعيون في المزارع البرتغالية، وكانت أول نتيجة هامة لجهود هنري، هي افتتاح تجارة الرقيق. وزود الأمير بمعونة مالية جديدة. وأبحرت سفنه لتستكشف وتنصر الأهلين في الظاهر، ولتحصل على الذهب والعاج والعبيد في الواقع.
وعاد القبطان لانزاروت عام 1444 ومعه مائة وخمسة وستون زنجياً، وقد شرعوا في فلاحة أراضي فرقة يسوع المسيح الرهبانية العسكرية. ولقد وصف معاصر برتغالي اقتناص هؤلاء الزنوج بقوله:
كان رجالنا يهتفون، "القديسة ياجو، القديس جورج، البرتغال". ويسقون عليهم فيقتلون أو يخطفون كل من تقع عليه أيديهم. وقد تشاهد هناك أمهات يهربن بأطفالهن، وأزواجاً يفرون بزوجاتهم وكل منهم يبذل- قصاراه للنجاة. يقفز بعضهم في البحر، ويرى بعضهم أن يختبئ في أركان أخصاصهم، وخبأ البعض أطفالهم تحت الشجيرات... حيث كان رجالنا يعثرون عليهم. واللّه الذي يمنح كل إنسان ما يستحق من جزاء وهب رجالنا آخر الأمر في اليوم النصر على أعدائهم، وتعويضا لهم على ما بذلوه من عناء في خدمته أخذوا مائة وخمسة وستين بين رجال ونساء وأطفال، ولم يحسب القتلى في هذا العدد".
ولم يأت عام 1448 حتى كان قد أحضر إلى البرتغال نيف وتسعمائة عبد، ويجب أن نضيف أن المسلمين في شمال أفريقيا قد سبقوا المسيحيين في نشر تجارة الرقيق، وكان زعماء الزنوج أنفسهم يبتاعون الرقيق من البرتغاليين في مقابل الذهب والعاج، وكان الإنسان سلعة للوحوش الآدمية المفترسة.
ولقد بلغ دينيز دياز عام 1445 الجبل الخصب الداخل في البحر المعروف بالرأس الأخضر، واكتشف لانزاروت عام 1446 مصب نهر السنغال،




صفحة رقم : 7958




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


وعثر كادا موستو عام 1456 على جزر الرأس الأخضر. وفي هذه السنة مات الأمير هنري، ولكن المغامرة استمرت بالحافز الذي منحها إياه وبالغنم الاقتصادي الذي يمولها. وعبر جواو ده سانتارم خط الاستواء (1471). ووصل دو يوجو كاو إلى نهر الكونغو (1484)، وأخيراً شق بارثلميودياز، بعد نصف قرن من حملة هنري الأولى، طريقه وسط العواصف وإغراق السفن، حتى طاف بأقصى الطرف الجنوبي لأفريقيا (1486). وابتهج عندما وجد أنه يستطيع بذلك الإبحار شرقا، فالهند مستقيمة أمامه، وقد بدت في قبضته تقريبا، ولكن رجاله المتعبين أرغموه على العودة، فندب البحار القاسية التي خلعت قلوب رجاله فأطلق على الطرف الجنوبي لأفريقيا اسم رأس النداب، ولكن الملك جون الثاني، رأى الهند بعد الانحناءة أطلق على الموضع اسم رأس الرجاء الصالح.
ولم يعش دياز أو الملك ليريا تحقق الحلم الذي أثار البرتغال بأسرها وهو طريق مائي كامل إلى الهند، واستشعر الملك عمانويل الغيرة للثروة والتشريف اللذين جلبهما كلمبوس إلى إسبانيا فكلف عام 1497 فاسكودا. جاما أن يبحر حول إفريقيا إلى الهند، ولقد أبحر القبطان البالغ من العمر ثمانية وعشرين عاما، وقد أغمته العواصف أن يتخذ طريقا دائريا ما يقرب من خمسة آلاف ميل وسبعة وثلاثين يوما حتى بلغ رأس الرجاء الصالح، ثم رحل أربعة آلاف وخمسمائة ميل في مائة وثمانية وسبعين يوما أخرى.. تتخللها المخاطر والأهوال حتى بلغ كاليكوت وهي ملتقى رئيسي للتجارة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب في آسيا، وألقى مراسيه هناك في العشرين من مايو عام 1498، أي بعد عشرة أشهر وأثنى عشر يوماً من تركه لشبونة، وما أن هبط إلى البر حتى قبض عليه باعتباره قرصانا ًونجا من الإعدام بأعجوبة. وتغلب بشجاعته النادرة ومنطقه الخلاب على ارتياب الهنود فيه وغيرة المسلمين منه وظفر بالترخيص للبرتغاليين




صفحة رقم : 7959




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


بالتجارة وأخذ معه مقداراً عظيما من الفلفل والزنجبيل والقرفة وجوز الطيب والجواهر وترك كاليكوت في التاسع والعشرين من أغسطس في رحلة شاقة استغرقت سنة عائداً إلى لشونة. وهكذا وجد البرتغاليون آخر الأمر طريقا إلى الهند متحرراً من نقل السلع من سفينة إلى أخرى ومن المكوس المفروضة على الطرق البحرية والبرية في إيطاليا عبر مصر وبلاد العرب وفارس. وكانت النتائج الاقتصادية أكثر حيوية لأوربا مدى قرن كامل من تلك التي نجمت عن اكتشاف أمريكا.
ولم يفكر البرتغاليون إلى عام 1500 في محاولة الإبحار غربا لأنهم اعتزلوا بالوصول إلى الهند الحقيقية، بينما كان الملاحون الإسبان تخبطون في جزر الهند المزعومة بالبحر الكاريبي. بيد أن بدرو كبرال وقع على البرازيل في تلك السنة بعد أن جرفته الرياح من الطريق الذي سلكه إلى الهند عن طريق إفريقيا، وفي هذه السنة أيضاً أعاد جاسبار كورت ريال اكتشاف لبرادور. وفي عام 1503 اكتشف أمريجو فيسبوتشي في ظل العلم البرتغالي ريوبلاتا وباراجواي، وعثر ترستاو داكونها على الجزيرة التي تحمل اسمه في النصف الجنوبي من المحيط الأطلسي. ومع ذلك فقد رأى السياسيون البرتغاليون، البرازيل قليلة الغناء في حين أن كل حمولة تأتي من الهند تملأ خزانة الملك وجيوب التجار والملاحين.
واحتفظت الحكومة البرتغالية بالسيطرة الكاملة على التجارة الجديدة، ما دامت التجارة تحتاج إلى حماية عسكرية صارمة. وكان التجار المسلمون قد وطدوا أقدامهم منذ أمد طويل في المراكز الهندية، وانضم إليهم بعض ذوي النفوذ من الهنود في مقاومة الغزو البرتغالي، واختلطت إذ ذاك التجارة بالحرب والمال بالدم في هذه الثورة التجارية العارمة. وأصبح أفونسوده ألبوكرك أول حاكم على الهند البرتغالية عام 1509 وشن هجوما بعد هجوم على المسلمين والهندوس حتى استولى على عدن وهرمز على الساحل العربي




صفحة رقم : 7960




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


وحصنهما. كما استولى على جوا في الهند وملقة في شبه جزيرة الملايوا، ومن ملقة أحضر إلى بلاده غنيمة مقدارها مليون بندق. وأصبحت البرتغال بفضل تسلحها على هذا النحو سيدة التجارة الأوربية مع الهند وجزر الهند الشرقية مدى مائة وخمسين سنة. ووطد التجار البرتغاليون أقدامهم شرقاً حتى بلغوا مولوكاس (1512) وابتهجوا إذ وجدوا جوز الطيب والتوابل وللقرنفل في جزر التوابل هذه ألذ طعماً وأرخص ثمناً منها في الهند. ولم يقنع البوكرك بما حققه فأبحر ومعه عشرون سفينة إلى البحر الأحمر واقترح على ملك الحبشة المسيحي أن يجمعوا قوتهما ليحفرا قناة من النيل الأعلى إلى البحر الأحمر وبذلك يحولان مجرى النهر ويجعلان مصر الإسلامية بأسرها صحراء قاحلة. وأرغمت المتاعب البوكرك راجعاً إلى جوا حيث مات 1515. وفي العام التالي فتح دوارت جولهو، الصين الكوشينية سيام للتجارة البرتغالية، وفي عام 1517 أنشأ فرناو بيرز ده اندراد علاقات تجارية مع كانتون وبيكين.
وأصبحت الإمبراطورية البرتغالية- وهي أول إمبراطورية استعمارية حديثة- أوسع الإمبراطوريات رقعة في العالم، لا تضارعها إلا الإمبراطورية التي تتكون لأسبانيا في الأمريكتين. وأضحت لشبونة سوقا تجارية نافقة، ترسو في مياهها سفن لآتية من بلاد رومانسية بعيدة. ووجد تجار أوربا الشمالية أن تفشل البندقية وجنوى في الحصول على السلع الآسيوية بأرخص الأسعار. وحزنت إيطاليا على احتكارها المفقود للتجارة الشرقية. وأصيبت النهضة الإيطالية بضربات قاضية على يد كولمبوس وفاسكو دا جاما ولوثر في جيل واحد، فضعف أمرها وذبلت، بينما سبقت البرتغال وأسبانيا، اللتان سيطرتا على البحار المفتوحة في الازدهار الدول التي على المحيط الأطلسي.




صفحة رقم : 7961




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> البرتغال تستهل الثورة التجارية


وانتعش الأدب والفن بهذا المجد الطريف. وأخذ فرنار لوبس يصف مدى عشرين سنة (1334-54) "تاريخه" الضخم الذي سرد فيه قصة البرتغال تتدفق في السرد وقدرة التشخيص يضارعان ما عند فروسار. واستهل جيل قيسانت الدراما البرتغالية بمسرحيات صغيرة للبلاط وفصول تمثل في الأعياد العامة (1500) وظهرت مدرسة برتغالية في التصوير، اتخذت قدوتها في غلاندرز ولكنها حققت مزاجها ومزاياها الخاصة. وبلغ نوتوجونكالفز شأو مونتانيا وكاد يضارع آل فان ايكس، في مجموعة صورة القاتمة التي رسمها لدير القديس سانت فنسنت. فإن الصور الجدارية بدائية في المنظور والنسق، بيد أن صور الأشخاص الخمسة والخمسين- وأحسنها صورة هنري الملاح- تبرز الشخصية الفردية ببراعة واقعية. وأراد الملك عمانويل المحدود أن يخلد ذكرى رحلة فاسكودا جاما المظفرة، فكلف المعماري جواد القشتالي، أن يشيد بالقرب من لشبونه دير بلم (1500) الفخم على الطراز القوطي المشع. وهكذا دخلت البرتغال في عصرها الذهبي.




صفحة رقم : 7962




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني



الفصل الثاني عشر




أسبانيا




1300 - 1517




1- الشهيد الأسباني




1300 - 1469


لقد وجدت أسبانيا في جبالها وقايتها ومأساتها في وقت واحد: فقد منحتها أمناً نسبياً من الغزو الخارجي، ولكنها عوقت تقدمها الاقتصادي ووحدتها السياسية وإسهامها في الفكر الأوربي. ولقد عاش في ركن صغير من الشمال الغربي شعب نصف بدوي من الباسك وكانوا ينتقلون بأغنامهم من السهول إلى التلال ثم يهبطون إلى السهول مرة أخرى تبعاً لتقلبات الفصول. ومع أن كثيرين من الباسك كانوا رقيق أرض، إلا أنهم جميعاً زعموا نبل المحتد، وحكمت ولايتهم الثلاث نفسها تحت السيادة الواهية لقشتالة أو نافار. وظلت نافار مملكة قائمة برأسها، حتى ضم فرديناند الكاثوليكي قسمها الجنوبي إلى قشتالة (1555) بينما أصبحت البقية الباقية منها إقطاعاً ملكياً تابعاً لفرنسا. وتملكت أراجون سردينيا منذ عام 1326 وتبعتها جزر البليار عام 1354. وصقلية عام 4409. وزادت ثروة أراجون نفسها بفضل صناعة وتجارة بلنسية وطركونة وسراقسطة وبرشلونة- وهي عاصمة ولاية قطلونية ضمن مملكة أراجون. وكانت قشتالة أقوى الممالك الأسبانية وأوسعها رقعة، وقد حكمت المدن الآهلة أفيدو وليون وبرجس وبلد الوليد وسلامنكا وقرطبة وأشبيلية وطليطلة،




صفحة رقم : 7963




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


وهي عاصمتها، ولعب ملوكها أدوارهم أمام أكبر عدد من النظارة وفي سبيل أعظم المخاطر في أسبانيا.
وأصلح ألفونسو الحادي عشر (1312-50) قوانين قشتالة ومحاكمها وحول منافسات النبلاء إلى حروب تشن على المسلمين، وشجع الأدب والفن، وكافأ نفسه بخليلة نجيبة. ولقد حملت له زوجته ابناً شرعياً واحداً، نشأ في ظروف غامضة وإهمال وحقد وأصبح فيما بعد بدرو الغشوم ومن الواضح أن اعتلاءه على العرش ولما يناهز الخامسة عشرة (1350) جلب اليأس لأبناء الفونسو التسعة غير الشرعيين، فقد أقصوا جميعاً عن البلاد، وأعدمت أمهم ليونورا ده جزمان، ولما جاءت عروسه الملكية بلانش البوربونية من فرنسا من تلقاء نفسها، تزوجها وأنفق ليلتين معها ثم أمر أن يدس لها السم متهماً إياها بالتآمر (1361) وتزوج عشيقته ماريا ده باديلا، التي تؤكد الأسطورة أن جمالها بلغ من الخلابة حداً، جعل فرسان البلاط يشربون بنشوة ماء اغتسالها. وكان بدرو محبوباً في الطبقات الدنيا التي أيدته إلى النهاية المريرة، ولكن المحاولات المتكررة من اخوته غير الأشقاء لإقصائه عن العرش، قد دفعته إلى مجموعة من الدسائس والقتل وانتهاك الحرمات، تقف في وجه كل حكاية وتلطخها بالدم. واستطاع هنري التراستاماري، أكبر أبناء ليونورا أن ينظم ثورة موفقة ويقتل بدرو بيديه ويصبح هنري الثاني ملك قشتالة (1369).
ولكننا نظلم الأمم إذا حكمنا عليها من ملوكها، لأنهم اتفقوا مع مكيافلي في أن الأخلاق لم تجعل للملوك. وبينا نجد الحكام يتلهون بالقتل الفردي أو المتخذ صفة القومية، فإن الشعب الذي بلغ عدده ملايين عام 1450، هو الذي أنشأ حضارة أسبانيا، ومع أنهم كانوا يعتزون بنقاء أرومتهم إلا أنهم كانوا مزيجاً غير ثابت من الكلت والفينيقيين والقرطاجنيين والرومان والقوط الغربيين والوندال والعرب والبربر واليهود، وعند سفح الكيان




صفحة رقم : 7964




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


الاجتماعي قليل من العبيد، وطبقة من الفلاحين ظلوا رقيق لأرض إلى عام 1471، وفوقهم العمال اليدويون والصناع وتجار المدن، وفوق أولئك وهؤلاء الفرسان (caballeros) في طبقات رفيعة من الشرف، والنبلاء الذين يعتمدون على الملك(أبناء الأسر العريقةbidalgos والنبلاء المستقلون (proceres) وإلى جانب هؤلاء المدنيين طبقات الكهنوت تبدأ من قساوسة الأبرشيات فالأساقفة ورؤساء الأديرة وتنتهي برؤساء الأساقفة والكرادلة. ولكل مدينة مجلسها البلدي (conseijo) وهي ترسل مندوبين عنها، ينضمون إلى النبلاء والمطاردة في المجالس الإقليمية والقومية، والأصل النظري أن مراسيل الملوك تتطلب موافقة هذه المجالس لتصبح قوانين. ونظمت الأجور وشروط العمل والأسعار ومعدل الفائدة على الأموال، المجالس البلدية أو النقابات. وتعثرت التجارة بسبب الاحتكارات الملكية والمكوس الحكومية التي تفرضها الدولة أو الأقاليم على الواردات والصادرات وتنوع الموازين والمقاييس وبالعملات المتدهورة وقطاع الطرق وقرصان البحر الأبيض المتوسط ورفض رجال الدين للحساب واضطهاد المسلمين- الذين غذوا معظم الصناعة والتجارة بالقوة البشرية- واليهود، الذين كانوا يدبرون شئون المال. وافتتح مصرف حكومي في برشلونة (1401) يضمان لودائع المصرف، وصدرت صكوك للتعامل، وأنشئ تأمين بحري قرابة عام 1435.
ولما كان الأسبان يجمعون في أرومتهم بين الأصول السامية والأصول المناهضة للسامية، لذلك احتفظوا بحرارة إفريقيا في دمائهم، وكانوا يميلون مثلهم في ذلك البربر، إلى الوداعة والعنف في القول والعمل فيهم سورة وفي عقولهم تطلع وفضول، وهم أغرار ويؤمنون بالخرافة إلى حد مخيف واحتفظوا باستقلال للروح وكرامة للشجاعة حتى في النكبات والفقر. كانوا يحبون اقتناء المال ولقد فطروا على ذلك، ولكنهم لم يحتقروا الفقراء ولم




صفحة رقم : 7965




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


يلعقوا نعال الأغنياء. واحتقروا العمل وتقاعسوا عنه، بيد أنهم احتملوا الشدائد برباطة جأش، كانوا كسالى ومع ذلك غزوا نصف العالم الجديد. وظمئوا إلى المغامرة والعظمة والفروسية، وكانوا يستمتعون بالمخاطر ولو كانت بالتفويض فحسب، فإن مصارعة الثيران، وهي من لآثار كريت وروما كانت قد أصبحت لعبة قومية تقليدية رسمية زاخرة بالألوان محكمة، تعلم الشجاعة والبراعة الفتية وسرعة الخاطر. ولكن الإسبان تناولوا مباهجهم بشيء من الكآبة، وهم يشبهون الإنجليز المحدثين (وعلى خلاف إنجليز عصر إليزابث) ولقد أضفى جدب التربة وظلال المنحدرات الجبلية على نفوسهم كآبة جارفة، وكانت أخلاقهم جادة مستقيمة كاملة وهي أحسن كثيراً من المحافظة على صحة أبدانهم، وكان كل إسباني مهذباً، بيد أن القليلين منهم، كانوا مفتولي الأجسام، وازدهرت صور ألعاب من الفروسية وسط القاذورات التي اكتنفت الجماهير. وأصبحت مسألة الشرف عقيدة، وكانت النساء في إسبانيا ربات وسجينات أما زي الطبقات العليا فكان بسيطا في أيام الأسبوع ويتحول إلى الأبهة أيام الآحاد والأعياد بالحرير الزاهي والقباء المكشكش والملون المحزم والذهب. وكلف الرجال بالعطور والكعوب العالية، ولم يقنع النساء بفتنتهن الطبيعية فخلبن ألباب الرجال بالبنيقة والمخرمات والخمار يخفي وجوههن واتخذت المطاردة الجنسية آلاف الأشكال وتنكرت في آلاف الصور، وجاهدت صنوف الإرهاب الديني والقوانين الصارمة ومسائل الشرف، في الحد من تلك المطاردة ولكن فينوس انتصرت على الجميع، وزادت خصوبة النساء على غلة الأرض.
وكانت الكنيسة في إسبانيا حليفاً لا ينفصل عن الدولة، ولم تدخل بابا روما في حسابها إلا قليلاً، وتقدمت بمطالب كثيرة لإصلاح البابوية حتى عندما أعطتها إسكندر السادس الذي لا يعترف بالإصلاح، وفي سنة 1513 حرم الكاردينال اكزيمينس نشر صكوك الغفران التي قدمها




صفحة رقم : 7966




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


يوليوس الثاني في إسبانيا لإعادة بناء كنيسة القديس بطرس، ونتج ذلك أن الملك عد رئيساً للكنيسة الإسبانية، ولم ينتظر فرديناند في هذا الشأن، هنري الثامن ليعلمه، ولم تكن إسبانيا في حاجة إلى إصلاح ديني يجعل الكنيسة والدولة أو الدين والقومية شيئا واحداً، وحصلت الكنيسة على امتيازات مادية كجزء من هذا الاتفاق غير المكتوب في ظل دولة تعتمد عليها اعتماداً واعياً في توطيد النظام الأخلاقي والاستقرار الاجتماعي والعمل على قياد الشعب لها. ولم يكن موظفوها، حتى الطبقات الدنيا منهم، يخضعون إلا للمحاكم الكهنوتية. وامتلكت مساحات كبيرة من الأرض، يفلحها مستأجرون لها، وكانت تتسلم عشر غلة العقارات الأخرى، ولكنها كانت تدفع ثلث هذا العشر للخزانة، ولقد أعفيت من الضرائب علاوة على إيطاليا. ومن الواضح أن أخلاق الأكليروس ونظام الأديرة، كانت فوق مستوى القرون الوسطى، بيد أن اتخاذ الحظايا قد شاع وسمح به كما حدث في غير إسبانيا واستمر الزهد في إسبانيا بينما أخذ يفترض شمالي جبال البرانس، بل إن العشاق كانوا يجلدون أنفسهم ليذيبوا مقاومة ما في السيدات من حنان وخفر أو ليحصلوا على شيء من الوجد الماسوشي .
وكان الناس على ولاء شديد للكنيسة والملك، لأن عليهم أن ينتظموا لمحاربة أعدائهم الألداء المسلمين ونجاح، ولقد عرض الصراع لتخليص غرناطة على أنه حرب في سبيل العقيدة المقدسة، فسارت مواكب حاشدة من الرجال والنساء والأطفال ، الأغنياء منهم والفقراء، أيام الأعياد في الطرقات صامتين في حزن أو مرددين الأناشيد، وأمامهم تماثيل كبيرة تجسم العذراء أو أحد القديسين. واعتقدوا اعتقاداً راسخاً بأن العالم الروحي هو بيئتهم الحقيقية وموطنهم الأبدي. والحياة الدنيا إلى جانبه




صفحة رقم : 7967




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


إنما هو شر وحلم مؤقت. وكرهوا الهراطقة باعتبارهم خائنين للوحدة والمبدأ القوميين، ولا اعتراض لهم على إحراقهم، وهذا هو أقل ما يستطيعون أن يبذلوه من اجل إلههم الذي انتهكت حرمته ولم تنعم الطبقات الدنيا بشيء من التعليم المدرسي إلا قليلاً وهو ديني فحسب. ولما وجد كورتز القوي بين المكسيكيين الوثنيين، شعيرة تشبه القربان المسيحي- شك بأن الشيطان هو الذي علمهم إياها لكي يضلل الفاتحين.
وشجع على قوة انتشار الكاثوليكية في أسبانيا تلك المنافسة الاقتصادية بين الأسبان وبين المسلمين واليهود، الذين كانوا يؤلفون عشر عدد السكان في أسبانيا المسيحية. ومن الأمور السيئة في نظرهم أن يحتل المسلمون غرناطة الخصيبة، وأكثر من هذا مضايقة لهم أولئك المدجنون- أي المسلمين الذين لم ينتصروا، الذين عاشوا بين الأسبان المسيحيين والذين أدت براعتهم في التجارة والحرف إلى حسد شعب تستعبده الأرض استعباداً بدائياً. أما الأسبان اليهود فلم يصفح عنهم قط. ولقد اضطهدتهم أسبانيا المسيحية مدى ألف سنة: فقد أخضعوهم لضرائب مهنية وقرون مغتصبة ولمصادرة الأموال والاغتيال والتعميد الإجباري، وأرغموهم على الاستماع إلى العظات المسيحية، وحرضوهم حتى في معابدهم أحياناً على التنصر، بينما جعل القانون تهود المسيحي جريمة عقوبتها الإعدام، ودعوا أو ألزموا على الاشتراك في مناظرات مع علماء الدين المسيحي، وهم فيها بين اثنتين إما أن تحيق بهم هزيمة فاضحة أو يحصلون على انتصار محفوف بالمكاره. وأمروا هم والموديجار عدة مرات أن يرتدوا شارة مميزة، وكانت في العادة دائرة حمراء توضع على الكتف في أرديتهم وحرم على اليهود أن يستأجروا خادماً مسيحياً، ولم يسمح لأطبائهم أن يعالجوا المرضى المسيحيين، ورجالهم الذين يعاشرون امرأة مسيحية يقتلون.
ولقد حرض راهب فرنسسكاني عام 1328 في عظاته بمدينة ستلا من




صفحة رقم : 7968




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


أعمال نافار، المسيحيين أن يعملوا القتل في خمسة لآلاف يهودي وأن يحرقوا منازلهم، وفي عام 1391 أثارت عظات فرنان مارتينيز الجماهير في كل مركز كبير بأسبانيا، أن يقتلوا كل من يجدونه من اليهود الذين يرفضون التحول إلى المسيحية. وفي سنة 1410 تحركت بلد الوليد وغيرها من المدن ببلاغة فيسنت فرر الذي يشبه القديس المتعصب، فأمرت أن يحصر اليهود والمسلمون أنفسهم في أحياء معينة- جوديريا أو ألباما- تغلق أبوابها من غروب الشمس إلى شروقها وربما كانت هذه العزلة من أجل حمايتهم.
واستغل اليهود كل فرصة للتطور بما أتسموا به من الصبر والعمل والذكاء فتكاثروا وازدهرت أحوالهم حتى تحت وطأة هذه العوائق. وأحب بعض ملوك قشتالة، أمثال الفونسو الحادي عشر وبدرو الغشوم، اليهود وعينوا الناهبين منهم في المناصب الرفيعة. وجعل الفونسو دون يوسف الأسيجي وزيراً لماليته، واختار يهودياً آخر هو يوسف ابن وقار طبيباً خاصاً له، فأساءا استعمال منصبيهما، واتهما بالتآمر فسجنا وماتا في السجن. وتكررت الحادثة مع صمويل يوسف أبي لافيسه فقد عين قواماً على خزانة الدولة في عهد بدرو، فجمع ثروة طائلة، فحكم الملك بقتله. وكان صمويل قد شيد قبل ذلك بثلاث أعوام (1357) في مدينة طليطلة معبداً يهودياً جميلاً على بساطته، على الطراز التقليدي، وهو الذي حوله فرديناند إلى الكنيسة المسيحية "الترنسيتو" وتحافظ الحكومة عليها اليوم باعتبارها أثراً من الآثار العبرية- الإسلامية في أسبانيا وكانت حماية بدرو لليهود من سوء طالعهم، ذلك لأن هنري أمير تراستامارا- عندما عزله من الملك، أعمل الجنود المنتصرون السيف في ألف ومائتي يهودي (طليطلة 1353)، وتبعت ذلك مذابح أسوأ، عندما أحضر هنري




صفحة رقم : 7969




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الشهيد الأسباني


إلى أسبانيا "الصحاب الأحرار" الذين جمعهم دي جيكلان من أوشاب فرنسا..
وآثر آلاف من اليهود الأسبان التعميد على الفزع من النهب والقتل، فلما أصبحوا مسيحيين من الناحية الشرعية استطاع هؤلاء المنتصرون أن يرقوا سلم الحياة الاقتصادية والسياسية، وفي المهن بل وفي الكنيسة ذاتها وأصبح بعضهم من كبار رجال الكهنوت والآخرون من مستشاري الملوك. وأكسبتهم مواهبهم المالية نجاحاً يثير الحسد، في جمع الدخل القومي وتدبيره. وأحاط بعضهم نفسه بمظاهر الشرف الأستقراطي، وجعل بعضهم نجاحه عدوانياً واضحاً، ووصم الكاثوليك الغضاب، هؤلاء المنتصرين بهذا الاسم الفظيع "حلوف العرب المورسكو"(marranos) ومع ذلك فإن الأسر المسيحية التي كانت عراقة نسبها أكثر من مالها، أو التي كانت تحترم القدرة من الناحية العملية، قبلت الإصهار إليهم. وبهذه الطريقة ساط الشعب الأسباني وبخاصة طبقاته العليا، الدم اليهودي بصورة مادية ملموسة. وكان لفرديناند الكاثوليكي وتوركيمادا قاضي محكمة التفتيش أسلاف من اليهود. وأطلق البابا بول الرابع على خصمه الذي يحاربه فيليب الثاني، وعلى الأسبان "أنهم بذرة لا قيمة لها من اليهود والمسلمين".




صفحة رقم : 7970




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة



2- غرناطة




(1300 - 1492)


وصف ابن بطوطة موقع غرناطة على أنه لا يضارعه موقع مدينة أخرى في العالم ... وحولها من كل جانب بساتين وحدائق ومراعي مزهرة وكروم، وفيها مباني جليلة. واسمها العربي غرناطة - ومعناه غير محقق ؟ ونصرها الفاتحون الأسبان وجعلوه (جرانادا Granada) ومعناه الممتلئ بالحبوب - ولعله مأخوذ من شجرة الرمان التي فيما جاورها. ولم يطلق الاسم على المدينة فقط، وإنما أطلق على إقليم يضم شريش وجيان




صفحة رقم : 7971




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة


والمربة ومالقا وغيرها من المدن، ويبلغ عدد سكانه نحوا من أربعة ملايين نسمة. ونهضت العاصمة، التي كانت تضم عشر ه}لاء السكان مثل "برج المراقبة" إلى قمة تسيطر على واد رائع، يكافئ العناية بالري والزراعة على أساس علمي بمحصولين في السنة. وقام على حراسة المدينة من أعدائها المحيطين بها سور عليه ألف برج، واتخذت الأرستقراطية قصوراً رحبة جميلة التصميم، ورطبت نوافير المياه في الميادين العامة سعير الشمس، وعقد السلطان أو الأمير أو الخليفة بلاطه في أبهاء الحمراء الرحبة.
وكانت الحكومة تأخذ سبع غلة الأرض كلها، وربما أخذت الطبقة الحاكمة مقداراً مماثلا كنفقات للإدارة الاقتصادية والقيادة العسكرية، ووزع الحكماء والنبلاء بعض مواردهم على الفنانين والشعراء والدارسين والعلماء والمؤرخين والفلاسفة، وتولوا جامعة سمح فيها لعلماء المسيحيين واليهود أن يكونوا أساتذة وعمداء أحياناً. ونقش على أبواب الكلية خمسة أسطر:"دعائم الدنيا أربعة:علم الحكماء، وعدالة العظماء، وصلوات الأبرار، وأقدام الشجعان". وأسهم النساء في الحياة الثقافية بحرية، ونحن نعرف بعض أسماء العالمات في غرناطة الإسلامية. ولم يمنع التعليم السيدات مع ذلك، من تحريض رجالهم، لا على العواطف العارمة بل على حب الفروسية ومبارزاتها، وقال أحد ظرفاء العصر: "يميز النساء بدقة ملامحهن ورشاقة أجسامهن وطول شعورهن وتموجها، وبياض أسنانهن وخفة حركاتهن التي تسر الناظرين ... وسحر حديثهن،وعطر أنفاسهن، وكانت النظافة الشخصية ورعاية الصحة العامة أكثر تقدماً منها في العالم المسيحي المعاصر. وكانت الأزياء والأخلاق رائعة وزينت المباريات الفروسية أو المهرجانات أيام الأعياد. والأخلاقيات سهلة، ولم تكن أعمال العنف نادرة بيد أن الكرم والشرف الإسلاميين اكتسبا مدح المسيحيين. فقد قال مؤرخ أسباني : "لقد اشتهر سكان غرناطة بأنهم أهل




صفحة رقم : 7972




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة


للثقة، إلى حد أن كلمتهم كان يعتمد عليها أكثر من اعتمادنا على عقد مكتوب". وبين هذه التطورات العظيمة اعتصر الترف النامي قوة الأمة ودعا التفكك الداخلي إلى الغزو الخارجي.
وما أن دعمت أسبانيا المسيحية ببطيء ممالكها وزادت في ثرواتها حتى نظرت بعين العداوة الحسود إلى تلك الإمارة المزدهرة المحاصرة التي تحدت ديانتها المسيحية بأنها شرك كفور والتي قدمت ثغورها، منافذ خطيرة لدولة من الكفار يضاف إلى ذلك أن تلك الحقول الأندلسية الخصبة قد تعوض كثيراً من فدادين الأرض القاحلة في الشمال. ولم تحتفظ غرناطة بحريتها، إلا لأن أسبانيا الكاثوليكية، قد انقسمت إلى مذاهب وملوك. بل إن الإمارة المعتزة بنفسها وافقت (1457) على دفع جزية سنوية إلى قشتالة. ولما أبى أمير مغامر هو علي أبو الحسن أن يستمر على دفع رشوة السلام هذه (1466) لم يجبره هنري الرابع على الدخول في الطاعة لأنه كان منغمساً في ملذاته. بيد أن فرديناند وإزابيلا سرعان ما أرسلا الوفود بعد اعتلائهما العرش مطالبة بمواصلة دفع الجزية. فأجاب الأمير على بجرأة مهلكة : " قولوا لملوككم إن ملوك غرناطة الذين دفعوا الجزية قد ماتوا وإن سكتنا التي نتعامل بها الآن ليست سوى حداً لسيوف". ولم يعلم أبو الحسن بأن فرديناند أقوى منه سلاحاً وادعى السخط على غزوات المسيحيين على الحدود فباغث الثغر المسيحي الزهراء واستولى عليها، وساق أهلها جميعاً إلى غرناطة لبيعهم بيع العبيد (1481) فأن مركيز فارس بنهب المعقل الإسلامي المنيع الحامة (1482) وهكذا بدأ فتح غرناطة.
وعمل الحب على تعقيد الحرب. فقد فتن أبو الحسن بإحدى جواريه حتى أن زوجته السلطانة عائشة أثارت الشعب لخلعه عن العرش وتتويج ابنها أبي عبد اللّه ، الذي عرفه الغربيون باسم(Boabdil)،(1482) ففر




صفحة رقم : 7973




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة


أبو الحسن إلى مالقة وسار جيش أسباني لمحاصرة المدينة، وأبيد كله تقريباً في ممرات سلسلة جبال أجاركيه، على يد فرق لا تزال موالية للأمير المخلوع، وثارت غيرة أبي عبد اللّه على انتصارات أبيه العسكرية فسار على رأس جيش من غرناطة لمهاجمة قوة مسيحية بالقرب من الأشانة وحارب بشجاعة، ولكنه هزم وأخذ أسيراً. واشترى خلاصة بأن وعد بمساعدة المسيحيين ضد أبيه. وبأن يدفع للحكومة الأسبانية أثنى عشر ألف دوكات كل سنة. وفي الوقت نفسه نصب عمه أبو عبد الله المشهور بلقب عز زغرل "أي الشجاع" نفسه أميراً على غرناطة، ونشبت حرب أهلية ثلاثية بين الأب ولابن والعم على العرش الغرناطي، ومات الأب واستولى لابن على الحمراء، وانسحب العم إلى وادي آش Guadix حيث حاول مراراً أن يهاجم الأسبان كلما وجدهم عبد الله أن يقلد عمه فامتنع عن الوفاء بوعده ودفع الجزية وأعد عاصمته لمقاومة الهجوم الذي لا مفر منه.
فوزع فرديناند وإيزابلا ثلاثين ألف رجل على الحقول التي تمد غرناطة بالغذاء ليكتسحوها. فأتلفت الطواحين ومخازن الغلال ودور الفلاحين والكروم وغياض الزيتون والبرتقال، وحوصرت مالقة ليمنعوها من تلقي المؤن إلى غرناطة أو إرسالها وصمدت مالقة للحصار حتى أكل سكانها كل ما تقع عليه أيديهم من الخيل والكلاب والقطط، وكانوا يموتون بالمئات من الجوع أو المرض. وأرغمها فرديناند على أن تسلم بلا قيد ولا شرط، واستعبد الأثني عشر ألف الذين بقوا من سكانها، ولكنه سمح للأغنياء منهم بأن يفتدوا أنفسهم بتسليم كل ما يملكونه. واستسلم عز زغرل وأصبح إقليم غرناطة بأسره خارج العاصمة في أيدي المسيحيين.
وشيد الملكان الكاثوليكان، فسطاطاً كاملاً لجندهم، حول القلعة المحاصرة وأطلقوا عليها اسم سانتافيه، وانتظروا أن يموت أهلها جوعاً،




صفحة رقم : 7974




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:38 مساء   رقم المشاركة : [264]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة


ليجعلا مفخرة الأندلس تحت رحمتها، وخرج الفرسان المسلمون من غرناطة، يطلبون مبارزة فرسان الأسبان فرداً لفرد، واستجاب هؤلاء بعزم مماثل، بيد أن فرديناند لما رأى أن خير المحاربين من رجاله يقتلون واحداً بعد واحد، على أساس خطة الفروسية هذه، وضع حداً لتلك المبارزة، وقاد أبو عبد الله قواته في هجوم يائس، لكنهم ردوا على أعقابهم وأنفذت الرسائل تطلب العون من سلطان تركيا ومصر، ولم يتلقوا شيئاً، فقد كان العالم الإسلامي منقسماً على نفسه كالعالم المسيحي.
ولم يجد أبو عبد الله بداً من توقيع شروط التسليم التي أسبغت شرفاً نادراً على الفاتحين. ذلك لأنه سمح لأهل غرناطة أن يحتفظوا بمالهم ولغتهم وزيهم ودينهم وشعائرهم، ولهم أن يحتكموا إلى شريعتهم وقضائهم ولا تفرض عليهم ضرائب إلا بعد ثلاث سنوات، وعند ذلك يؤخذ منهم ما كان يجبيه الحكام المسلمون، وكان على المدينة أن تفتح أبوابها لاحتلال الأسبان، وللمسلمين حق الهجرة من المدينة إذا شاءوا، ويجب أن توفر وسائل المواصلات لمن يرغب في العبور إلى إفريقية الإسلامية.
ومع ذلك فقد احتج أهل غرناطة على استسلام أبى عبد الله. وتهددته الثورة حتى دفع بمفاتيح المدينة إلى فرديناند (2 يناير 1492) وركب مع أقاربه وفرسانه الخمسين، وسط صفوف المسيحيين، إلى إمارته الجبلية الصغيرة التي كان عليه أن يحكمها تابعاً لقشتالة، ومن فوق الصخور الشماء التي عبر عليها ألقى نظرة أخيرة على المدينة الرائعة التي فقدها، ول اتزال هذه القنة تسمى آخر زفرة للعربي El Ulxtimo Sospiro del Moro وأنبته أمه على بكائه قائلة " أبكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال".
ودخل في الوقت نفسه الجيش الإسباني بالمدينة. ورفع الكاردينال مندوزا صليباً فضياً عظيماً فوق الحمراء، وركع فرديناند وإيزابلا في ساحة




صفحة رقم : 7975




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> غرناطة


المدينة شكراً لله الذي أخرج الإسلام من إسبانيا بعد إحدى وثمانين وسبعمائة سنة.




صفحة رقم : 7976




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا



3-فرديناند وإيزابلا


يعد القرن الذي يقع بين موت هنري أمير ترستمارا (1379)، واعتلاء فرديناند لعرش أرجوان، فترة ركود لإسبانيا. فقد تعاقبت مجموعه من الحكام الضعفاء وسمحوا للنبلاء بأن يعيثوا في الأرض فساداً بتنازعهم، وكانت الحكومة مهملة فاسدة، ولم يكن هناك رادع للثأر الشخصي، وكثرت الحروب الأهلية إلى حد أن الطرق لم تكن آمنة للتجارة، وكثيراً ما احتلت الجيوش الحقول، حتى اضطر الفلاحون إلى تركها جرداء. ولقد جون الثاني القشتالي فترة طويلة (1406 - 54 ) وكان كلفه بالموسيقى والشعر قد جعله لا يعنى بشئون الدولة، وتبعه تملك هنري الرابع الوبيل، وهو الذي اكتسب لقب إنريك العقيم بعدم كفايته الإدارية وعبثه بالعملة وبعثرة الموارد على المقربين الطفيليين. وأوصى بعرشه إلى جوانا، التي ادعى أنها ابنته، وأنكر النبلاء الغضاب أبوته وقدرته على الإنجاب، وأجبروه على أن يستخلف أخته إيزابلا ولكنه أعاد تأكيد بنوة جوانا وحقها في الحكم عندما جاءته الوفاة (1474) ومن هذا الاضطراب المعطل للمرافق، صاغ فرديناند وإيزابيلا النظام والحكم اللذين جعلا أسبانيا أقوى دولة في أوربا مدى قرن من الزمان.
ومهد السفراء لتحقيق ذلك بإقناع إيزابيلا، وهي في الثامنة عشرة من عمرها أن تتزوج ابن عمها فرديناند، البالغ من العمر سبع عشرة سنة فقط (1469) وكان العروسان معا من نسل هنري أمير ترستامارا، وكان فرديناند قد أصبح بالفعل ملكاً على صقلية، وإذا مات أبوه يصبح ملكاً على أرجوان ايضاً، فجمع الزواج لذلك ثلاث دول في مملكة قوية واحدة،




صفحة رقم : 7977




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


وامتنع بول الثاني من إعطاء الوثيقة البابوية المطلوبة لتجعل زواج أبناء الأعمام شرعياً، وزيفت الوثيقة المنشودة على يد فرديناند وأبيه وكبير أساقفة برشلونة، وبعد أن تم هذا الصنيع صدرت وثيقة أصلية عن البابا سكتوس الرابع، وبقيت صعوبة مادية أكبر هي فقر العروس، الذي أبى أخوها أن يعترف بالزواج، وفقر العريس الذي أنهمك أبوه في الحرب، انهماكاً يجعله لا يستطيع إقامة حفل ملكي، ويسر محام يهودي طريق السياسة الخالصة، بأن قدم قرضاً مقداره عشرون ألف سولدس سددتها إيزابيلا عندما أصبحت ملكة على قشتالة (1474).
وتحدى حقها في اعتلاء العرش أفرنسو الخامس ملك البرتغال الذي تزوج من جوانا. وحددت الحرب في تورو النتيجة إذ قاد فرديناند القشتاليين إلى النصر (1476) وبعد ذلك بثلاث سنوات ورث عرش أراجون وهكذا أصبحت إسبانيا بأسرها ما عدا غرناطة ونافار في ظل حكومة واحدة. وظلت إيزابلا ملكة على قشتالة فقط، وحكم فرديناند أراجون وسردينيا وصقلية وشارك في حكم قشتالة واحتفظ لإيزابلا بالإدارة الداخلية لقشتالة، ولكن المواثيق والمراسيم الملكية كانت توقع منهما معا، وحملت العملة الجديدة رأسيهما معاً. وجعلت صفاتهما الحميدة فرديناند وإيزابلا أكثر زوجين ملكيين تأثيراً في التاريخ.




صفحة رقم : 7978




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


وكانت إيزابلا ذات جمال لا يعادله جمال، هكذا قال رجال حاشيتها أي أنها كان لها نصيب من الجمال، كانت متوسطة القوام، ذات عينين زرقاوين وشعر كستنائي يميل إلى الحمرة. ونالت من التعليم حظا أكبر من فرديناند، وكانت أقل منه ذكاء وأرق حاشية. وكانت تستطيع أن ترعى الشعراء وأن تتحدث إلى الفلاسفة الحذرين، ولكنها آثرت صحبة القساوسة. واختارت أكثر الأخلاقيين تزمتاً ليكونوا أصحاب هدايتها واعترافها. ومع أنها زفت إلى زوج غير أمين فيبدو أنها حافظت على العهود الزوجية الكاملة إلى النهاية، وعاشت في عصر مائع كعصرنا إلا أنها كانت نموذجاً للفخر. ظلت وسط الموظفين الفاسدين والسفراء المنحرفين صريحة مستقيمة لا يتطرق إليها الفساد. ولقد ربتها أمها على الصرامة في اتباع السنة والتقوى، وتوسعت إيزابلا فيهما إلى حد التقشف، وكانت شديدة قاسية في القضاء على الهرطقة بمقدار ما كانت رحيمة كريمة في كل أمر آخر. وكانت الرقة نفسها بالنسبة لأطفالها، وسند الوفاء لأصدقائها. وبذلت وأعطت في سعة للكنائس والأديرة والمستشفيات. ولم تمنعها أرثوذكسيتها من اتهام بعض بابوات عصر النهضة بالخروج على الأخلاق. وتفوقت في كل من الشجاعة المادية والمعنوية، ولقد صمدت للنبلاء الأقوياء وأخضعتهم ونظمتهم واحتملت بهدوء أقصى ضروب الحرمان. وواجهت بشجاعة تنتقل منها إلى غيرها أهوال الحرب وأخطارها. ورأت أن من الحكمة أن تحرص على مظهر الملكة أمام الشعب وغالت في المظاهر الملكية إلى حد البذخ في الحلل والحلي، أما في حياتها الخاصة فقد كانت بسيطة الثياب، معتدلة في طعامها وتزجي فراغها بالتطريز الدقيق للكنائس التي تؤثرها. وعملت بضمير حي في القيام بشئون الحكومة وأخذت على عاتقها المبادأة في الإصلاحات الرشيدة ونهضت بالقضاء وربما كانت في ذلك صارمة أكثر من اللازم، ولكنها صممت على أن ترفع مملكتها من




صفحة رقم : 7979




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


الاضطراب الذي لا يعرف قانوناً إلى سلم يعتصم بالقانون ووضعها المعاصرون الأجانب أمثال باولو وجيوفيو وجويشياردين والفارس بايار، بين أقدر ملوك العصر، وشبهوها بالبطلات العظيمات في التاريخ القديم. وقدسها رعاياها، بينما احتملوا بصبر نافذ.
ولم يستطع أهل قشتالة أن يغتفروا لفرديناند أنه دخيل عليهم - أي أرجوني ورأوا فيه نقائض كثيرة حتى وهم يمجدون انتصاراته باعتباره رجل دولة وسياسيا ومحارباً ووازنوا بين مزاجه الفاتر المتحفظ وبين حرارة الملكة في عطفه، وبين انطوائه الحذر وبين صراحتها المستقيمة، بين تقتيره وكرمها، بين كزازته في معاملة معاونيه وبين انبساط يدها بالمكافأة على ما يقدم لها من خدمات، بين صبواته وبين قناعتها الهادئة، ولم ينكروا عليه إنشاءه لمحاكم التفتيش ولا استغلاله لعواطفهم الدينية كسلاح من أسلحة الحرب، فقد استحسنوا حملته على الهرطقة وفتحه غرناطة وطرده اليهود والمسلمين الذين لم ينتصروا، وكان أكثر ما يحبون فيه أقل ما يعجب الخلف. فلم نسمع احتجاجاً على صرامة قوانينه - قطع اللسان على السب والإحراق حياً على اللواط ولاحظوا أنه يجنح إلى العدالة بل إلى التساهل، إذا لم يمنع ذلك امتيازاً شخصياً أو يعطل سياسة قومية وأنه يستطيع أن يقود جيشه بشجاعة وبراعة، إن آثر مساجلة العقول بالمفاوضة أكثر من منازلة الإنسان في الحرب وأن بخله لم يكن للإنفاق على أسباب الترف الشخصي ولا بد أنهم تثبتوا من عاداته التي تؤثر الاعتدال ورباطة جأشه في الملمات، واتزانه عند النجاح، واختيار الرشيد لمعاونيه، وجهده المبذول بلا كلل على شئون الحكومة وشعبه وراء أهداف بعيدة بكياسة مملة ووسائل حذرة. واغتفروا له الظهور بوجهين باعتباره سياسيا وكثرة حنثه بوعده، ألم يحاول جميع الحكام غيره بوسائل مماثلة أن يدعوا قرابتهم له ويحتالوا على إسبانيا؟ ولقد قال متجهما "إن ملك فرنسا يشكو أنني خدعته مرتين. إنه يكذب، ذلك الغبي لقد




صفحة رقم : 7980




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


خدعته أكثر من عشر مرات". ودرس مكيافلي بعناية سيرة فرديناند وأفاد من دهائه ومدح أعماله... بأنها كلها عظيمة وبعضها صادق. ووصفه أنه أفضل ملك في العالم المسيحي. وكتب جويكشيارديني " ما أعظم الفرق بين أقوال هذا الأمير وأفعاله، وكيف يضع خططه في عمق وتكتم". ورأى البعض أنه محدود. ولكن الحق أن حظه الموفق إنما كان في تدابيره للأحداث بعناية وانتهازه للفرص السانحة وإذا أحكم التوازن بين فضائله وجرائمه، فإنه يبدو أنه دفع إسبانيا بوسائل شريفة وأخرى دنيئة، من أجزاء متناثرة عقيمة متعددة الألوان، إلى وحدة وقوة جعلتاها في الجيل التالي المسيطرة وحدها على أوربا.
ولقد تعاون فرديناند مع إيزابلا على إعادة الاستقرار للأنفس والأموال في قشتالة، وفي بعث السانتا هرمانداد أو الآخر ة المقدسة لتكون حرسا أهليا محليا لتحافظ على النظام، وفي إنهاء السطو في الطرق العمومية والدسائس الجنسية في البلاط، وفي إعادة تنظيم المحاكم وتوحيد القوانين، وفي استرداد أراضي الحكومة التي سلمها الملوك السابقون بغير اكتراث إلى المقربين، وفي أخذ النبلاء بالطاعة الكاملة للتاج، وهنا أيضا، كما كان الحال في فرنسا وإنجلترا، أسلمت الحرية والفوضى الإقطاعيات إلى النظام المركزي للملكية المطلقة وتنازلت المجالس البلدية بدورها عن امتيازاتها، وقلما اجتمعت المجالس الإقليمية وكان اجتماعها في الغالب للموافقة على أموال تمنح للحكومة، وذبلت ديمقراطية واهية الجذور وماتت في ظل ملك صلب المراس. بل ان الكنيسة الإسبانية التي كانت عزيزة على الملكين الكاثوليكيين los reyes catolicas انتزع منها جانب من ثرواتها وكل حقها في التشريع المدني، وأصلحت إيزابلا أخلاق رجال الدين بصراحة ، وأكره البابا سكتوس




صفحة رقم : 7981




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


الرابع، على التنازل للحكومة عن حق تعيين كبار رجال الكهنوت في الكنيسة الإسبانية ورقي الكهنة القادرون أمثال بدرو جنزالس ده مندوزا واكسمنس ده نيروس، لينصبوا كبار أساقفة دفعة واحدة لطليطلة ورؤساء وزراء في الدولة.
وكان الكاردينال اكسمينس شخصية إيجابية قوية كالملك، ولقد انحدر من أسرة نبيلة وإن كانت رقيقة الحال، فذهب في طفولته للكنيسة، وأحرز في جامعة سالامنكا وهو في سن العشرين، إجازات الدكتوراه في كل من القانونين المدني والكنسي. وعمل سنوات قسيسا وناظراً لمندوزا في أسقفية سيجونزا وكان ناجحاً ولكن غير سعيد ، ولم يأبه بالجاه أو المناصب، فالتحق بأكثر فرق الأديرة صرامة في أسبانيا - وهي الفرنسيسكان الملتزمون بالأوامر والنواهي Observantine Franciscans". ولم يبهجه غير الزهد فكان ينام على التراب أو الأرض الصلبة ويكثر من الصوم ويضرب نفسه بالسياط، ويلبس قميصا من الشعر على جلده. وفي عام 1492 اختارت إيزابلا الورعة هذا المتعبد النحيل راعيا لكنيستها الخاصة ومتلقيا لاعترافاتها. وقبل ولكن بشرط وهو أن يسمح له بالاستمرار في سكن الدير والتزام قواعد الفرنسسكان الصارمة، وجعلته رئيسها المحلى، واستجابت لإلحاحه في الإصلاح العسير. ولما رشحته إيزابلا كبيراً لأساقفة طليطلة (1495) رفض قبول المنصب، ولكنه استسلم بعد إباء ستة أشهر لنشرة بابوية تأمره بالخدمة. وكان قد أشرف على الستين من عمره، ويبدو أنه كان يرغب صادقا أن يعيش راهبا. واستمر على طباعه الخشنة وهو مطران إسبانيا ورئيس المجلس الملكي، وكان يلبس تحت الأردية الفخمة التي يتطلبها منصبه، ذلك الجلباب الفرنسسكاني الخشن، وتحته قميص الشعر كما اعتاد قبل ذلك. وطالب جميع فرق الرهبان في الأديرة بأن تجرى نفس الإصلاحات التي أجرتها فرقته




صفحة رقم : 7982




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> فرديناند وإيزابلا


فعارضه كبار رجال الدين ولكن الملكة أيدته وكأنما تجرد القديس فرنسيس من تواضعه وزود فجأة بقوتي برنارد ودومنيك وقدرتيهما.
ولم يكن ليرضى هذا القديس العبوس، أن يجد يهوديين لم ينتصرا لهما مكانة مرموقة في البلاط. أحدهما من أكثر مستشاري إيزابلا ثقة وهو إبراهام سنيور، وقد أخذ هو وإسحاق إبرابانيل يجمعان الموارد لفرديناند وينظمان تمويل حرب غرناطة. وكان الملك والملكة وقتذاك معنيين بالمنتصرين بصفة خاصة آملين أن يأتي وقت يصبح فيه هؤلاء مسيحيين مخلصين وأجرت إيزابلا مدرسة لأصول الدين لتعليمهم، ومع ذلك فقد احتفظ كثير منهم بعقيدته السالفة سراً ولقنوها أبناءهم. وسكنت كراهية الكاثوليك لليهود غير المعمدين إلى حين، بينما اشتد الحنق على "المسيحيين الجدد" ونشبت الفتن ضدهم في طليطلة (1467) وبلد الوليد(1470) وقرطبة (1472) وسيجوفيا (1474) وأصبحت المسألة الدينية عنصرية أيضاً، ودبر الملك والملكة الفتيان الوسائل التي تحول هذا المزيج المضطرب في الشعوب واللغات والمذاهب المتصارعة إلى وحدة منسجمة وسلام اجتماعي. ورأيا أن خير وسيلة لبلوغ هذه الأهداف هي إعادة محاكم التفتيش إلى إسبانيا.




صفحة رقم : 7983




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش



4- وسائل محكمة التفتيش


نحن اليوم غير متحققين ومختلفون في آرائنا حول أصل العالم والإنسان ومصيرهما حتى إننا أمسكنا في معظم البلاد، عن معاقبة الناس لمجرد أنهم يختلفون عنا في معتقداتهم الدينية. ونحن إنما نوجه تسامحنا الحاضر إلى أولئك الذين يناقشون مبادئنا السياسية والاقتصادية، ونحن نفسر مذهبنا الثابت المروع على أساس أن أي شك في وجه ادعائنا الذي نقيم عليه الدليل، يهدد تماسكنا وبقاءنا القوميين. ولقد كان المسيحيون واليهود والمسلمون




صفحة رقم : 7984




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


إلى منتصف القرن السابع عشر، اكثر تشبثا بالدين مما نحن عليه الآن، وكانت علوم الملام هي أثمن وأوثق ما يملكون، ونظروا إلى أولئك الذين ينكرون هذه المذاهب كأنما يهاجمون أصول النظام الاجتماعي وجوهر الحياة الإنسانية. واعتقاد كل جماعة بصحة مذهبها جعلتها متشددة إلى حد التعصب ودمغ الآخرين بأنهم كفار.
وانتشر مبدأ محكمة التفتيش في يسر بين الأشخاص الذين لم تتأثر مذاهبهم الدينية بالتعليم والرحلة، والذين كانت عقولهم أكثر خضوعاً لحكم العادة والخيال. واعتقد جميع مسيحي القرون الوسطى تقريباً عن طريق تعليمهم في الطفولة والوسط الذي عاشوا فيه بأن الكتاب المقدس من وحي اللّه بكل لفظ فيه، وأن ابن اللّه قد أنشأ الكنيسة المسيحية مباشرة. وبدا أنه ينتج عن هذه المقدمات أن اللّه يريد أن تكون جميع الأمم مسيحية وأن الإيمان بديانات غير مسيحية- أو ضد المسيحية على التحقيق- يعد كبيرة في حق اللّه. يضاف إلى ذلك، أنه ما دامت كل هرطقة مادية تؤدي بالضرورة إلى عقاب أبدي فإن المختصين منها قد يعتقدون (ويظهر أن كثيرين منهم قد اعتقدوا بإخلاص) أنهم بإرهاق روح هرطيق، إنما ينقذون الهدى الكامن فيه وربما أنفذوه هو نفسه من الجحيم الأبدي.
ومن المحتمل أن إيزابلا، التي عاشت في جو علماء الدين، قد شاركت في هذه الآراء. ولعل فرديناند، الذي كان رجلا صلبا من رجال الدنيا قد ارتاب في بعضها، ولكن يبدوا أنه اقتنع بأن توحيد العقيدة الدينية يجعل إسبانيا أيسر حكماً، وأقدر في التغلب على أعدائها. ولقد أصدر البابا سكستوس الرابع، بناء على رغبة فردينان وإيزابلا قراراً (أول نوفمبر 1478) يفوض لهما أن يعينا ستة قسس، من ملة الإجازات العليا في علوم الدين والشريعة، ليؤلفوا هيئة محكمة التفتيش ليحققوا تهم الهرطقة ويعاقبوا عليها. وأبرز شيء في هذا القرار هو إعطاء السلطة لملوك إسبانيا.




صفحة رقم : 7985




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


أن يعينوا هيئة محاكم التفتيش، التي كانت في صورها السابقة، تختار بوساطة رؤساء فرق الفرنسسكان والدومنيكان المحلية. وهكذا أصبح الدين هنا خاضعا للدولة مدى ثلاثة أجيال، وكان قضاة هذه المحاكم يرشحهم الملوك فقط من الناحية العملية، ثم يعينهم البابا، ويستمدون سلطتهم من هذا القرار البابوي، وظلت المنظمة كهنوتية، ووسيلة من وسائل الكنيسة وفي الوقت نفسه وسيلة من وسائل الدولة. وكان على الدولة أن تدفع نفقاتها وأن تحصل على دخلها الخالص ويراقب الملوك تفاصيل أعمالها، وإليهم قد تستأنف أحكامها. وآثر فرديناند بمحبته هذه الوسيلة من بين جميع وسائل حكمه. ولم تكن أهدافه أول أمرها مالية، فقد غنم من الأموال المصادرة للمحكوم عليهم ولكنه رفض رشاوى مغرية من الضحايا الأغنياء للتأثير على القضاة، وكان همه منصباً على توحيد أسبانيا.
وأعطى القضاة سلطة استخدام المعاونين من رجال الدين ومن المدنيين كمحققين ومنفذين للأحكام . ووضعت المنظمة برمتها بعد عام 1483 تحت إمرة وكالة حكومية، هي هيئة التفتيش العامة وتسمى عادة "مجلس محكمة التفتيش العليا والعامة "Concejo de la Suprema-y General Inquisicior، وشمل تشريع محكمة التفتيش جميع المسيحيين في أسبانيا، ولم تمس اليهود الذين لم ينتصروا، ووجهت أهوالها إلى المنتصرين الذين يشك أنهم ارتدوا إلى اليهودية أو الإسلام وإلى المسيحيين المتهمين بالهرطقة، وكان اليهودي غير المنتصر إلى عام 1492 آمنا على نفسه أكثر من المعمد. وطالب القس والرهبان والمتعبدون الإعفاء من التفتيش؛ ولكن مطالبهم رفضت، وقاوم اليسعيون تشريعها نصف قرن ولكنهم غلبوا على أمرهم أيضاً. والحد الوحيد لقوة الهيئة العليا إنما هو سلطة الملوك، بل




صفحة رقم : 7986




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


أن هذا الحد قد أهمل في القرون المتأخرة. وطالبت محكمة التفتيش وتلقت عادة التعاون من جميع الموظفين المدنيين.
وشرعت محكمة التفتيش القوانين والإجراءات الخاصة بها. وكانت قبل أن تقيم قضاتها في مدينة من المدن تذيع في الشعب عن طريق منابر الكنائس منشوراً دينياً "يطالب كل من له علم بهرطقة أن يكشف عنها لرجال التفتيش. وشجع كل امرئ على أن يكون شاهدا، ليبلغ عن جيرانه وأصدقائه وأقاربه. (ولم يكن يسمح في القرن السادس عشر مع ذلك باتهام الأقربين ووعد المبلغون بالسرية الخالصة والحماية التامة، وأوقع حرم صارم- أي حرمان ولعنة- على هؤلاء الذين يعرفون هرطيقاً ويخفونه. فإن ظل يهودي معمد يأمل في عودة المسيح، وإذا حافظ على قواعد الطعام التي في الشريعة الموسوية وإذا اعتبر السبت يوم عطلة وعبادة أو غير ملابسه لذلك اليوم، وإذا احتفل بأي وجه من الوجوه بيوم من أعياد اليهود، وإذا ختن أي واحد من أطفاله أو أسماه باسم عبري، أو باركهم دون أن تقوم بعلامة الصليب، وإذا صلى بحركات رأسه أو ردد مزموراً من مزامير الكتاب المقدس دون أن يضيف تمجيد الله في الأعالي، وإذا اتجه بوجهه إلى الحائط وهو يحتضر، فإذا فعل هذا وأمثاله، كانت عند رجال التفتيش من الشواهد على الهرطقة السرية التي لابد من إبلاغها إلى المحكمة فوراً. ولكل من يشعر بأنه اقترف هرطقة فله في خلال "مهلة صفح" أن يأتي إلى المحكمة ويعترف بها، فيحكم عليه بغرامة أو تفرض عليه كفارة ويصفح عنه بشرط أن يكشف عن كل ما يعرفه عن هراطقة آخرين.
ويلوح أن قضاة محكمة التفتيش كانوا يفصحون بعناية القرائن التي جمعها المبلغون والمحققون. حتى إذا اقتنعت المحكمة بالإجماع بإدانة شخص من الأشخاص فأنها تصدر أمراً بالقبض عليه. ويتحفظ على المقبوض عليه




صفحة رقم : 7987




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


في سجن انفرداي، حيث لا يسمح لغير عملاء محكمة التفتيش بالتحدث إليه، ولا يزوره أحد من أقربائه. وكان يقيد بالسلاسل عادة. ويطلب إليه أن يستحضر معه فراشه وملابسه، وأن يدفع جميع نفقات محبسه وطعامه. فإذا لم يقدم المال الكافي لهذا الغرض فإنه يباع القدر المناسب من متاعه ليفي بالمبلغ المطلوب. أما باقي أمتعته فيحجز عليه بوساطة مندوبي محكمة التفتيش حتى لا يخبأ أو يتنازل عنه هرباً من المصادرة. وفي معظم الأحوال يباع جانب منه لإعانة من يعجزون عن العمل من أسرة الضحية.
وعندما يدفع المقبوض عليه للحضور أمام المحاكمة فإن المحكمة وقد سبق وأن حكمت عليه بأنه مذنب، تلقى على كاهله عبء إثبات براءته. وكانت المحكمة سرية خاصة وعلى المدافع عن نفسه أن يقسم على أنه لن يشفى أية واقعة من الوقائع في حالة إطلاق سراحه. ولا يستدعى شهود إثبات التهمة إليه، ولا يذكر له اسم أحد، وبرز قضاة التفتيش هذا الإجراء بأنه ضروري لحماية مبلغهم. ولم يكن يخبر المتهم أولا عن التهم الموجهة ضده، وإنما يستدعى لمجرد الاعتراف بتقصيره كما تقضى بذلك العقيدة والعبادة الصحيحتان وأن يشي بكل الأشخاص الذين يتهمون بالهرطقة. فإن أقنع اعترافه المحكمة فقد يصدر عليه حكم غير الإعدام، وإذا أبى الاعتراف سمح له باختيار محامين للدفاع عنه، ويتحفظ عليه في الوقت نفسه في سكن انفرادي. وفي كثير من الأحوال كان يعذب ليكره على الاعتراف وتستمر القضية عادة شهوراً، ويكفي التقييد بالسلاسل في السجن الانفرادي غالباً للحصول على أي اعتراف.
ولم يكن يلجأ إلى التعذيب إلا بعد أن يقترع عليه أغلبية قضاة المحكمة على أساس أن الذنب محتمل، وإن كانت القرائن لا تقطع به. ويؤجل التعذيب الذي يحكم به على هذا النحو غالباً على أمل أن الفزع منه يدفع إلى الاعتراف ويبدو أن قضاة التفتيش اعتقدوا بإخلاص أن التعذيب خدمة




صفحة رقم : 7988




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


للمدافع عن نفسه وهو الذي سبق أن عد مذنباً، فقد يكسبه بالاعتراف عقاباً أخف، بل أنه إذا حكم بإعدامه بعد اعترافه يحصل من قسيس على المغفرة تنجيه من الجحيم؛ ومع ذلك، لم يكن الاعتراف بالذنب كافياً، فقد يلجأ إلى التعذيب مع مدافع عن نفسه لإكراهه على ذكر شركائه في الهرطقة أو الجريمة. وربما عذب الشهود المتناقضون للكشف عمن يذكر الحقيقة منهم؛ وقد يعذب العبيد ليقيموا الدليل على ساداتهم. ولم يكن هناك حد في السن ينقذ الضحايا، ذلك أن فتيات في الثالثة عشرة ونسوة في الثمانين قد ألزمن العذراء ، بيد أن قواعد محكمة التفتيش الأسبانية حرمت التعذيب بالنسبة للمراضع أو ذوي القلوب الضعيفة أو المتهمين بهرطقات صغيرة كالأخذ بالرأي الشائع الذي يقول إن الزنا خطيئة صغيرة يصفح عنها. ويجب أن يحال بين التعذيب وبين إصابة الضحية بعاهة مستديمة، ولا بد أن يوقف كلما أمر الطبيب المسئول، ولا ينفذ إلا بحضور قضاة التفتيش المنوط بهم القضية، وأحد الأعيان وكاتب للتسجيل وممثل للأسقف المحلي. واختلفت الوسائل باختلاف الزمان والمكان. وقد توثق يد الضحية خلف ظهرها ويعلق منهما أو يربط وثاقه حتى يعجز عن الحركة تماماً، ثم يقطر الماء في حلقه حتى يشرف على الاختناق؛ وقد تربط يداه ورجلاه بالحبال ربطاً وثيقاً حتى تقطع اللحم إلى العظام. ولقد أنبئنا أن وسائل التعذيب التي استعملتها محكمة التفتيش الأسبانية كانت أخف مما استخدمته محاكم التفتيش البابوية السابقة، أو مما توسلت به المحاكم المدنية في ذلك العصر. وكان أهم وسائل التعذيب السجن الطويل الأمد.
ولم تكن محكمة التفتيش تتألف من مدع وقاض ومحلفين فقط، ولكنها أصدرت أيضاً أوامر خاصة بالعقيدة والأخلاق وأنشأت مراتب للعقوبات وكانت رحيمة في معظم الأحوال، وتتسامح في جزء من العقوبة بسبب




صفحة رقم : 7989




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


سن المحكوم عليه أو جهله أو فقره أو سكره أو سمعته الحسنة بصفة عامة. وكانت أخف العقوبات هي التعنيف. وأقسى منها هو الإكراه على المجاهرة بالإقلاع عن الهرطقة أمام الناس- التي تترك حتى البريء ميسوماً بها إلى آخر حياته، وكان يطلب عادة إلى المعاقب بالأشغال الشاقة أن يحضر القداس بانتظام، ومرتدياً لباس الإدانة "sanbenito" وهو جلباب رسم عليه صليب برّاق. وربما عرض في الطرقات وقد جرد من ثيابه إلى وسطه وحمل شعار جريرته. وقد يحرم هو وذووه من المناصب العامة إلى الأبد. أو ينفى من مدينته، وقلما ينفى خارج أسبانيا. وقد يجلد من عشر جلدات إلى مائة جلدة إلى الحد الذي لا تزهق فيها روحه. وكانت هذه العقوبة تطبق على النساء كما تطبق على الرجال. وقد يلقى به في السجن أو يدفع به إلى السفن- وهو ما أوصى فرديناند بأنه أنفع للدولة، وربما دفع غرامة مادية أو صودرت أمواله. وقد اتهم بعض الموتى بالهرطقة في أحوال متعددة وحوكموا بعد الموت وحكم عليهم بالمصادرة فيفقد الورثة في هذه الحالة ميراثهم. وكان المبلغون عن الهراطقة الموتى يمنحون من 30% إلى 50% من المتحصل. ودفعت الأسر المفزعة من هذه المحاكمات ذات الأثر الرجعي للمبلغين في بعض الأحيان "مصالحات" تأميناً لهم من مصادرة ميراثهم فأصبحت الثروة خطراً على صاحبها وإغراء للمبلغين والمفتشين والحكومة. حتى إذا انسابت الأموال في خزائن محكمة التفتيش فإن موظفيها أصبحوا أقل اهتماماً بالمحافظة على العقيدة الصحيحة من الحصول على الذهب وانتشر الفساد انتشاراً مروعاً.
وكانت العقوبة القصوى هي الإحراق في المحرقة. وهي للذين حكم عليهم بأنهم اقترفوا هرطقة عظيمة، ولم يعترفوا قبل بدء المحاكمة، ولأولئك الذين اعترفوا في الوقت المناسب وخففت عنهم عقوبتهم أو صفح عنها ولكنهم ارتدوا إلى الهرطقة. وصرحت محكمة التفتيش نفسها بأنها لم تقدم




صفحة رقم : 7990




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


على القتل قط، وقصاراها أنها كانت تسلم المحكوم إليه إلى السلطات المدنية، وقد علمت أن القانون الجنائي يجعل في المحرقة نافذاً في جميع العقوبات على الهرطقة الكبيرة أو التي لا توبة عليها. وإن حضور رجال الكهنوت عند المحرقة يدل على مسؤولية الكنيسة، ولم يكن المشهد الخاص بالإيمان هو مجرد الإحراق، لكنه الاحتفال المؤثر المروع كله بالنطق بالحكم والتنفيذ. ولم يكن مقصوداً على ترويع المخالفين في السر، وإنما لتهذيب الشعب كأنما يطلعونها مقدما على الحساب.
وكان الإجراء في أول أمره بسيطاً فإن الذين يحكم بإعدامهم يقادون إلى الساحة العامة، وكانوا يوثقون بأربطة على كومة حطب، بينما يجلس قضاة التفتيش في أبهة على منصة تواجهها، ويطلب للمرة الأخيرة إلى المحكوم عليه أن يدلي باعترافه، وتقرأ عليه الأحكام، وتشعل النيران، ويبلغا الفزع منتهاه. بيد أن كثرة الإحراق وفقد بعض سلطانها النفسي، جعل الاحتفال أكثر تعقيداً ورهبة وعنى بإظهاره بكل أسباب العناية والنفقة، التي يتطلبها إخراج مسرحي كبير. وكان يحدد ميعاده كلما أمكن ذلك للاحتفال بالاعتلاء على العرش أو الزواج أو الزيارة من ملك أو ملكة أو أمير أسباني. وكان يدعى موظفو البلديات والحكومة وهيئة محكمة التفتيش والقسس والرهبان المحليون، بل في الواقع كان يطلب حضورهم. وفي أمسية التنفيذ ينضم هؤلاء الأماثل إلى موكب كئيب يسير في طرق المدينة الرئيسية ليضع صليب محكمة التفتيش الأخضر فوق مذبح الكاتدرائية أو الكنيسة الرئيسية. وتبذل محاولة أخيرة للحصول على اعترافات المحكوم عليهم، فيستسلم كثيرون منهم، وتخفف أحكامهم إلى السجن فترة من الزمن أو مدى الحياة. وفي الصباح التالي يساق المسجونون وسط الجموع الغفيرة إلى إحدى ساحات المدينة. وفيهم الدجالون والمجدفون في الدين والمضارون والهراطقة والمرتدون، وفي




صفحة رقم : 7991




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> وسائل محكمة التفتيش


الأيام المتأخرة كان يساق البروتستانت، وينتظم الموكب أحياناً دمى تمثل المحكوم عليهم غيابياً او- صناديق تحمل عاظم الذين حكم عليهم بعد الموت. وفي الباحة على مدرج مرتفع أو أكثر، يجلس قضاة محكمة التفتيش ورجال الدين من قساوسة ورهبان وموظفو المدينة والدولة، يرأسهم الملك بين حين وآخر. وتذاع عظة، يؤمر بعدها جميع الحضور بترديد يمين الطاعة لحكام محكمة التفتيش المقدس وعهد ينكر ويحارب الهرطقة بجميع أشكالها وفي كل مكان. ثم يساق المسجونون واحداً بعد واحد، أمام المحكمة، وتتلى عليهم الأحكام الخاصة بهم. ويجب علينا ألا نتخيل معارضة باسلة لذلك، وربما كان كل سجين في هذه المرحلة مشرفا على التلف الروحي والانهيار البدني. بل إنه قد ينقذ حياته في هذه اللحظة بالاعتراف. وفي تلك الحالة تقنع محكمة التفتيش بجلده ومصادرة أمواله وسجنه مدى الحياة، وإذا لم يعترف إلا بعد صدور الحكم عليه، فإنه يغنم الرحمة بشنقه قبل إحراقه، ولما كانت الاعترافات في اللحظة الأخيرة كثيرة، فقد أصبح إحراق الأحياء نادراً نسبياً، أما الذين يحكم عليهم بالهراطقة الكبيرة، وينكرون ذلك إلى النهاية، يحرمون ( وظل ذلك مرعيا إلى عام 1725) من الكنيسة المقدسة، ويتركون برغبة محكمة التفتيش للجحيم الأبدي. أما الذين تخفف أحكامهم فيعادون إلى السجن، والذين لم تقبل توبتهم فيدفع بهم إلى السلطة المدنية، مع تحفظ وردع بعدم إراقة دم. ويساقون إلى خارج المدينة وسط حشود تجمعت من مسافات بعيدة للفرجة على هذا المشهد من مشاهد العطلة. حتى إذا وصلوا إلى مكان التنفيذ شنق المعترفون ثم أحرقوا بينما يحرق المعاندون أحياء. وتظل النيران تغذى بالوقود حتى تصير العظام رماداً، ينتثر على الحقول والجدران. ثم يعود القساوسة والمشاهدون إلى مذابحهم ودورهم مقتنعين، بأن قرباناً قدم استعطافاً لإله غاضب من الهرطقة. وهكذا أعيد القربان البشري.




صفحة رقم : 7992




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش



5- تقدم محكمة التفتيش




(1480 - 1516)


عين فرديناند وإيزابلا القضاة الأوائل لمحكمة التفتيش في سبتمبر من عام 1480، لمنطقة إشبيلية. ففر كثيرون من الإشبيليين المتنصرين إلى الريف، وبحثوا عن الملجأ الأمين عند السادة الإقطاعيين، وكانت عند أولئك رغبة في حمايتهم، ولكن قضاة التفتيش هددوا البارونات بالحرمان من غفران الكنيسة ومصادرة الأموال، فما كان منهم إلا أن سلموا اللاجئين، أما في المدينة نفسها فقد دبر بعض المتنصرين المقاومة المسلحة ولكن التدبير أفشى، وقبض على الضالعين في هذا التدبير وسرعان ما امتلأت السجون. وتبعت ذلك محاكمات متعجلة غضوب، واحتفل بأول محرقة أثمرتها محكمة التفتيش الإسبانية في السادس من فبراير لعام 1481 بإحراق ستة من الرجال والنساء. وما أن جاء الرابع من نوفمبر للعام نفسه، حتى كان قد أحرق ثمانية وتسعون ومائتا شخص وسجن مدى الحياة تسعة وسبعون شخصاً.
وفي عام 1483 عين البابا أسكستوس الرابع بترشيح وطلب من فرديناند وإيزابلا، راهباً دومينيكيا، هو توماس ده تور كيمادا، مفتشاً عاماً لإسبانيا بأسرها، وكان مؤمناً متعصباً لا يتطرق الفساد إليه، يحتقر الترف ويعمل بحماسة شديدة ويحتفل بفرصته السانحة ليخدم المسيح بتصيد الهراطقة وكان يؤنب قضاة التفتيش على التساهل، ونقض كثيراً من أحكام البراءة وطالب الربانيين في طليطلة مهدداً إياهم بالموت أن يبلغوا عن الذين ارتدوا إلى اليهودية. وفزع البابا إسكندر السادس من قسوته، وهو الذي سبق أن مدحه على أخلاقه لعمله، فأمره (1494) أن يشرك في سلطته مفتشين عامين آخرين. وتجاوز توركيمادا هذين الزميلين؛ واحتفظ برآسة حازمة عليهما. وجعل محكمة التفتيش حكومة في داخل الحكومة تضارع سلطة الملوك. وأحرقت محكمة التفتيش في سوداد ريال بدافع منه في ستين (1483- 84) اثنين وخمسين شخصاً وصادرت أموال مائتين وعشرين شريداً




صفحة رقم : 7993




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش


وعاقبت مائة وثمانين تائباً. وفي مدى سنة واحدة من نقل المفتشين لمقرهم الرئيسي إلى طليطلة قبضوا على سبعمائة وخمسين يهودياً متنصراً وصادروا خمس أموالهم، وحكموا عليهم بأن يسيروا في مواكب حاشدة في ستة أيام جمعة، يضربون أنفسهم بسياط من القنب، وفي هذه السنة(1486) أقيمت محرقتان أخريان وأحرقت رفات ألف وستمائة وخمسين تائباً. وبذلت جهود مماثلة في بلد الوليد ووادي لوب وغيرهما مند مدن قشتالة.
وقاومت أراجون محكمة التفتيش بشجاعة يائسة. فقد أغلق حكام تيرول أبواب المدينة في وجه المفتشين. فما كان من هؤلاء إلا أن أصدروا قرار الحرمان على سكانها وأوقف فرديناند مرتبات موظفي المجلس البلدي، وسير جيشاً يكره الأهلين على الطاعة، أما الفلاحون المجاورون الذين كانوا على عداء دائم للمدينة؛ فقد هرعوا يؤيدون محكمة التفتيش، التي وعدتهم بالإعفاء من جميع الإيجارات والديون التي عليهم لأشخاص المتهمين بالهرطقة. واستسلمت مدينة تيرول وأعطى فرديناند المفتشين سلطة تفي كل شخص يشكون في أنه اشترك في المقاومة، وفي سرقوسة انضم إخوة المسيحيين القدماء إلى الإخوة "المسيحيين الجدد" في الاحتجاج على دخول محكمة التفتيش مدينتهم، ومع ذلك فلما أقيمت محكمة التفتيش هناك اغتال بعض المتنصرين أحد رجالها(1485) وكان ذلك خطأ مهلكاً، لأن الأهلين المفزعين احتشدوا في الطرقات صائحين "احرقوا المتنصرين" وسكن كبير الأساقفة من روع الغوغاء بأن وعد بالمحاكمة السريعة. وقبض على جميع المتآمرين تقريباً وأعدموا، وقفز أحدهم ليلقى مصرعه من البرج الذي سجن فيه؛ وحطم آخر مصباحاً من الزجاج وابتلع شظاياه، ثم وجد ميتاً في محبسه. ورفض مجلس الكورتيس في بلنسية، السماح للمفتشين بمزاولة عملهم، فأمر فرديناند بالقبض على كل من يحول بينهم وبين أداء مهمتهم، واستسلمت بلنسية. وخنق الملك تأييداً للتفتيش الحريات التقليدية لأرجون، الواحدة




صفحة رقم : 7994




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش


بعد الأخرى؛ وأثبت اتحاد الكنيسة مع الملكية، بقرارات الحرمان والجيوش الملكية، بأنه أقوى من أن تقاومه مدينة أو ولاية بمفردها. وحددت في بلنسية وحدها عام 1488 تسعمائة وثلاثة وثمانون حكماً بالهرطقة وأحرق مائة رجل.
فكيف نظر الباباوات إلى اصطناع محاكم التفتيش كأداة من أدوات الدولة ليس من شك في أن عدداً من البابوات قد حاولوا أن يوقفوا مثل هذا الإفراط وأن يبسطوا حمايتهم على ضحايا التفتيش بين حين وآخر، منكرين هذا التحكم المدني؛ ومدفوعين في الغالب بالعواطف الإنسانية مع إدراكهم للمصاريف الباهظة التي تدفع للتصديق على أحكام محكمة التفتيش. فقد أصدر البابا سكستوس الرابع عام 1482 منشوراً بابوياً لو نفذ لوضع حداً لمحكمة التفتيش في أراجون؛ وشكا فيه من أن المفتشين يبدون طمعاً في الحصول على الذهب أكبر من الإخلاص للدين، وأنهم سجنوا وعذبوا وأحرقوا مسيحيين مؤمنين بشهادة مريبة من أعدائهم وعبيدهم وأمر بأن على المفتش في المستقبل ألا يباشر مهمته إلا بحضور بعض ممثلي الأسقف المحلي والحصول على موافقتهم؛ وأن يعلن المتهمون بأسماء الذين اتهموهم واتهاماتهم ولا يبيت المسجونون إلا في سجون الكنيسة؛ وأن يسمح للشاكين في الظلم الواقع عليهم أن يقدموا ظلاماتهم إلى السدة الأسقفية المقدسة، وأن يؤجل كل تصرف في القضية حتى يحكم في الاستئناف، وأن يحصل جميع المتهمين بالهرطقة، على حكم البراءة إذا اعترفوا وتابوا؛ وبذلك يصبحون في حل من المحاكمة والاضطهاد بسبب هذه التهمة. وكل الإجراءات السابقة المناقضة لهذا المرسوم تعد باطلة وملغاة، وكل من يخرج على هذه القواعد في المستقبل يكون عرضة للحرمان من غفران الكنيسة. لقد كان مرسوما متنوراً وأحكامه توحى بصدقة ومع ذلك فيجب أن نلاحظ اقتصاره على أراجون التي أنفق المتنصرون فيها بسخاء في سبيل الحصول عليه. ولما رفضه فرديناند




صفحة رقم : 7995




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش


وقبض على مبلغيه وطالب المفتشين بأن يواصلوا عملهم، لم يتخذ البابا سكستوس إجراء آخر؛ اللهم إلا تعطيله لمفعول قراره بعد ستة أشهر من إصداره.
وأخذ المتنصرون اليائسون يصبون الأموال صبا في مدينة روما، مناشدين الحصول على فتاوى شرعية وبراءة من استدعاء محكمة التفتيش لهم أو حكمها عليهم. وقبلت هذه الأموال، وأعطيت الفتاوى، بيد أن المفتشين الأسبان الذين يبسط عليهم الملك حمايته جملة تجاهلوها، وكان الباباوات في حاجة إلى حماية فرديناند وإلى المنحة الأسبانية السنوية، فلم يصروا على تلك الفتاوى، وكان المال يدفع في سبيل الحصول على قرار بالعفو فيصدر ثم يسحب بعد ذلك. وعمل الباباوات بين حين وآخر على تأكيد سلطتهم مستدعين المفتشين إلى روما للرد على اتهامات وجهت إليهم بسوء السلوك. وحاول إسكندر السادس أن يخفف من قسوة المحكمة. وأمر يوليوس الثاني بمحاكمة المفتش لوسيرو على سوء استعماله لسلطته، وأصدر قرار الحرمان على مفتش طليطلة. ومع ذلك فقد عد ليو المهذب العالم، القول بعدم إحراق الهراطقة، من الهرطقة التي تستوجب اللوم.
كيف كان موقف الشعب الأسباني من محكمة التفتيش؟ لقد عارضتها الطبقات العليا والإقليمية المتعلمة معارضة ضعيفة، أما عامة المسيحيين فقد أيدوها عادة. وأظهرت الجماهير التي احتشدت عند المحرقة تعاطفا واهنا، وأبدوا دائما عداوة فعالة للضحايا، وحاولوا في بعض الأماكن قتلهم حتى لا ينجيهم اعترافهم من المحرقة. وتجمع المسيحيون لابتياع أمتعة المحكوم عليهم المصادرة بالمزاد.
كما بلغت كثرة الضحايا؟ قدر ليورنت . بأنهم بلغوا بين عامي




صفحة رقم : 7996




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش


1480 و 1488 ثمانية آلاف وثمانمائة أحرقوا، وستة وتسعين ألفا وأربعمائة وتسعين عوقبوا، وبين عامي 1480- 1508 بواحد وثلاثين ألفا وتسعمائة وأثنى عشر أحرقوا ومائتين وواحد وتسعين ألفا وأربعمائة وأربعة وتسعين حكم عليهم بعقوبات صارمة، وكانت هذه الأرقام في معظمها تخمينية. ويرفضها اليوم بصفة عامة المؤرخون البروتستنت ويعدونها تطرفا في المبالغة، يذهب مؤرخ كاثوليكي إلى أنه قد أحرق ألفان بين عامي 1480و1504، وألفان آخران حتى سنة 1758. وأحصى كاتب سر إيزابلا واسمه هرناندو ده بولجر عدد الذين أحرقوا، بألفين قبل عام 1490 وفاخر ذوريتا أمين محكمة التفتيش بأنها أحرقت أربعة آلاف في إشبيلية وحدها هناك ضحايا في معظم المدن الأسبانية، بل في الإمارات التابعة لأسبانيا مثل البليار وسردينيا وصقلية والأراضي الواطئة وأمريكا.
ونقص معدل الإحراق بعد عام 1500. ولا تصور الإحصائيات أياً كانت الفزع الذي عاش فيه العقل الأسباني في تلك الأيام والليالي. فقد كان على الرجال والنساء حتى في ستر منازلهم، أن يرقبوا كل كلمة يتلفضونها بها حتى لا يؤدى بهم نقد عارض إلى سجن محكمة التفتيش. لقد كان ضغطا عقليا لا نظير له في التاريخ.
هل نجحت محكمة التفتيش؟ نعم، نجحت في تحقيق غرضها الذي أعلن عنه، وهو تخليص أسبانيا من الهرطقة الصريحة. فإن الفكرة القائلة بأن اضطهاد المعتقدات لا تأثير له أبداً، ضلال، فقد سحق الألبيجينزيين والهيجونوت في فرنسا، والكاثوليك في إنجلترا في عهد إليزابث والمسيحيين في اليابان- وانتزعت، في القرن السادس عشر، الجماعات الصغيرة التي عطفت على البروتستانتية في أسبانيا. ولعلها قوت من ناحية أخرى البروتستانتية في ألمانيا وإسكنديناوه وإنجلترا بإثارة خوف قتال في نفوس شعوبها، مما قد يحيق بهم، إذا أعيدت الكاثوليكية.




صفحة رقم : 7997




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> تقدم محكمة التفتيش


ومن العسير أن نقدر نصيب محكمة التفتيش في القضاء على الفترة المزدهرة من تاريخ أسبانيا، الواقعة بين كولومبس وفيلاسكيه (1492- 1660) وبلغت هذه الفترة أوجها بمجيء سرفانتس (1547- 1616) لوب ده فيجا (1562- 1635) وذلك بعد انتشار محاكم التفتيش في أسبانيا بمائة عام. ولقد كانت محكمة التفتيش نتيجة كما كانت سبباً لقوة المذهب الكاثوليكي، وسيطرته على الشعب الإسباني، وإن هذه الحالة الدينية، قد نمت خلال قرون في الصراع، ضد المسلمين: ولعل انحلال إسبانيا من جراء حروب شارل الخامس وفيليب الثاني وضعف الاقتصاد الإسباني بفضل انتصارات بريطانيا في البحر والسياسة التجارية للحكومة الأسبوعية، كان أشد تأثيراً في اضمحلال إسبانيا من أهوال محكمة التفتيش. ولقد أظهر الحكم بإعدام العرافين في أوربا الشمالية ونيو إنجلند نزوعاً في الشعوب البروتستانتية قريباً لما في محكمة التفتيش الإسبانية, ومن العجيب أن نقول إن محكمة التفتيش الإسبانية قد عاملت العرافة بتعقل وعدتها وهما يستحق الإشفاق والعلاج لا العقاب. ولم تكن محكمة التفتيش وإحراق العرافين سوى تعابير عن عصر مصاب بالإيمان، الباعث على القتل، لفرط ثقته بعلوم الدين، كما تعود بعض أسباب أو سياسية, ويجب علينا أن نحاول تفهم مثل هذه الحركات بمصطلحات زمانها، ولكنها تبدت لنا الآن أكبر جريمة لا تغتفر من الجرائم التاريخية. ذلك لأن عقيدة سائدة لا تنازع عدو ومهلك للعقل الإنساني.




صفحة رقم : 7998




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل



6- هجرة إسرائيل


كان الغرض من محكمة التفتيش أن ترهب جميع المسيحيين المحدثين والقدامى على السواء ليتمسكوا بالسنة الظاهرة على الأقل، على أمل أن يقضى على الهراطقة في مهدها وأن الجيل الثاني أو الثالث من اليهود المعمدين سوف




صفحة رقم : 7999




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


ينسون يهودية أسلافهم. ولم تكن هناك نية للسماح لليهود المعمدين أن يرحلوا عن إسبانيا، فلما حاولوا الهجرة حرمها عليهم فرديناند ومحكمة التفتيش ولكن مذا كان مصير اليهود غير المعمدين؟ لقد ظل حوالي مائتين وخمسة وثلاثين ألفاً منهم في إسبانيا المسيحية. فكيف السبيل إلى تحقيق الوحدة الدينية للدولة، إذا سمح لهؤلاء أن يمارسوا شعائر عقيدتهم وأن يصرحوا بها؟ ورأى توركيمادا استحالة ذلك، وأوصى بإكراههم على التنصر أو نفيهم.
فتردد فرديناند. ذلك أنه كان يعرف القيمة الاقتصادية لقدرة العبرانيين في التجارة والمالية. ولكنه أخبر أن اليهود عنفوا المتنصرين منهم، وحاولوا أن يعيدوهم إلى اليهودية، بشرط واحد هو أن يكون ذلك سراً. واتهم طبيبه رباس ألتس، وهو يهودي معمد، بأنه علق في رقبته كرة ذهبية تحتوي على صورة له على هيئة فيها تنجيس الصليب، ويبدو أن التهمة غير صحيحة ولكن هذا الطبيب أحرق (1488). وزيفت رسائل نصح فيها زعيم يهودي في القسطنطينية، رئيس الجماعة اليهودية في أسبانيا بأن يسرق ويدس السم للمسيحيين كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. وقبض على متنصر بتهمة وجود رقاقة مقدسة في جعبته، وعذب مراراً فتكراراً حتى وقع على عبارة مفادها أن ستة من المتنصرين ومثلهم من اليهود قتلوا طفلا مسيحياً، ليستعملوا قلبه في شعيرة سحرية، دبرت لتؤدى إلى هلاك جميع المسيحيين والقضاء الكامل على المسيحية. وكانت اعترافات الرجل المعذب يناقض أحدهما الآخر ولم يبلغ عن فقد طفل من الأطفال، ومع ذلك أحرق أربعة من اليهود، بعد أن انتزع لحم اثنين منهم بوساطة كلابة متوهجة وربما أثرت هذه الاتهامات وأمثالها في نفس فرديناند، ومهما يكن من شئ فقد مهدت لرأى عام يطلب إجلاء اليهود غير المعمدين عن أسبانيا. ولم تعد المساهمة الاقتصادية لليهود حيوية بعد أن استسلمت غرناطة (5 نوفمبر 1491)




صفحة رقم : 8000




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


وانتقل النشاط التجاري والصناعي من المسلمين إلى المسيحية. وجعل التعصب الشعبي الذي تلهبه المحرقة وعظات الرهبان، السلام الاجتماعي مستحيلا، إلا إذا قامت الحكومة بحماية اليهود أو طردهم.
وفي 30 مارس 1492-وهي سنة مزدحمة بالأحداث في تاريخ أسبانيا وقع فرديناند وإيزابلا مرسوم نفي اليهود. ومؤداه أن جميع اليهود غير المعمدين، أيا كانت أعمارهم أو أحوالهم، عليهم أن يتركوا أسبانيا في موعد غايته 31 يوليه، ولا يسمح لهم بالعودة، ومن يفعل عقوبته الإعدام، ولهم أن يتخلصوا من متاعبهم في هذه الفترة القصيرة بأي ثمن يحصلون عليه ولهم أن يأخذوا معهم المتاع المنقول وصكوك المعاملات دون النقد من ذهب وفضة. وقدم أبراهام سنيور وإسحاق ابرابانل، للملكين مبلغاً كبيراً من المال ليسحبا مرسومهما ولكنهما رفضا. ولم يقم اتهام ملكي على اليهود سوى رغبتهم في إغراء المتنصرين للارتداد إلى اليهودية. وصدر ملحق لذلك المرسوم، يجعل الضريبة إلى آخر العام يجب أن تجبى على جميع أملاك اليهود ومبيعاتهم. أما الديون المستحقة على المسيحيين والمسلمين فلا تدفع إلا عند بلوغ سن الرشد، عن طريق العملاء الذين يستطيع المنفيون العثور عليهم، أو تحلى هذه المطالب بخصم لمشترين مسيحيين. وهكذا انتقلت أموال اليهود في هذه المدة الإجبارية القصيرة إلى أيدي المسيحيين بجزء ضئيل من قيمتها. فكانت الدار تباع في مقابل حمار والكرمة في مقابل قطعة من القماش. وأحرق بعض اليهود في نوبة يأس منازلهم "أليجمعوا قيمة للتأمين عليها؟" وتنازل بعضهم الآخر عنها للمجلس البلدي. ووضع المسيحيون أيديهم على المعابد وحولوها إلى كنائس. وتحولت مدافن اليهود إلى مراع. وذاب في شهور قليلة، الجانب الأكبر من ثروات اليهود الأسبان، التي كدسوها خلال قرون. وقبل ألف يهودي تقريبا التنصر، وسمح لهم بالبقاء، وترك أسبانيا أكثر من مائة ألف في موكب خروج طويل كئيب.




صفحة رقم : 8001




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


وقبل رحيلهم زوجوا جميع أطفالهم الذين فوق الثانية عشرة. وساعد الصغار الكبار، وأعان الأغنياء الفقراء. وسار الحجيج على متون الخيل أو الحمير وفي العربات أو على الأقدام. وناشد المسيحيون الطيبون-من رجال دين ودنيا- المنفيين عند كل منعطف أن يذعنوا للتعميد. فقابل الربانيون ذلك بأن أكدوا لأشياعهم بأن الله سيهديهم إلى أرض الميعاد، وذلك بأن يفتح لهم معبرا في البحر كما فعل لآبائهم في القديم. وانتظر المهاجرون الذين أجمعوا في قادس يملؤهم الأمل بأن يتفرق الماء ويسمح لهم بالعبور إلى إفريقيا دون أن تبتل أقدامهم. فلما إنجاب عنهم الوهم دفعوا الأجور الباهظة للنقل بالسفن وفرقت العواصف أسطولهم الذي كان يتألف من خمس وعشرين سفينة، وردت ست عشر منها إلى أسبانيا حيث آثر الكثيرون من اليهود اليائسين التعميد على دوار البحر. وتحطمت السفينة بخمسين من اليهود بالقرب من صقلية، فسجنوا عامين ثم بيعوا رقيقاً. ولم يجد الآلاف الذين أبحروا من جبل طارق ومالقة وبلنسية أو برشلونة، في العالم المسيحي بأسره إلا إيطاليا الراغبة في استقبالهم بدافع إنساني.
كانت البرتغال أكثر الأهداف ملاءمة للمهاجرين. فقد وجدت فيها من قبل جماعة كبيرة من اليهود، وبلغ بعضهم مكانة من الثراء والمركز السياسي في كنف ملوك لا يضمرون لهم عداوة. ولكن جون الثاني أفزعه عدد اليهود الإسبان-ربما بلغوا ثمانين ألفا - الدين تدفقوا عليها. فمنحهم مهلة ثمانية أشهر، عليهم أن يرحلوا بعدها. وتفشى بينهم الطاعون وانتشر منهم إلى المسيحيين، الذين طالبوا بإجلائهم فوراً. فيسرجون خروج اليهود المهاجرين بأن هيأ لهم سفنا بأجور زهيدة، بيد أن الذين اعتصموا منهم بهذه السفن، تعرضوا للسرقة والاغتصاب، وألقي بكثيرين على شواطئ غير مأهولة وتركوا للموت جوعاً أو ليسبيهم المسلمون ويبيعونهم. وهام مائتان وخمسون يهودياً على ظهر سفينة في البحر أربعة




صفحة رقم : 8002




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


أشهر؛ ترفض ميناء بعد ميناء نزولهم، لأن الطاعون لما يزل متفشيا بينهم. واعتقل قرصان بسكاي إحدى السفن ونهبوا ركابها ثم إستاقوا السفينة إلى مالقة، حيث خير القسس والحكام اليهود بين التعميد أو الموت جوعا. وبعد أن مات خمسون منهم زودت السلطات الباقين بالخبز والماء وطالبتهم بالإيجار إلى إفريقيا.
وما أن انتهت مهلة الثمانية أشهر، حتى باع جون الثاني بيع الرقيق، أولئك اليهود المهاجرين الذين بقوا في البرتغال وانتزع الأطفال دون الخامسة عشرة من آبائهم وأرسلوا إلى جزر القديس توماس لينشئوا تنشئة مسيحية. ولما ذهبت التوسلات إلى منفذي المرسوم عبثاً، فقد آثرت بعض الأمهات إغراق أنفسهن وأطفالهن، على تحمل الآم فراقهم، ومنحهم خليفة جون واسمه مانويل فرصة جديدة يجمعون فيها أنفاسهم، فقد حرر أولئك الذين استرقهم جون وحرم على القسس أن يثيروا الدهاء على اليهود، وأمر محاكمة أن ترفض جميع المزاعم بأن اليهود قتلوا أطفال المسيحيين باعتبارها حكايات خبيثة. ولكن مانويل خطب إيزابيلا في الوقت نفسه، وهي ابنة فرديناند وإيزابيلا ووريثتهما، حالما أن يوحد العرشين في فراش واحد ووافق الملكان الكاثوليكيان بشرط أن مانويل ينفي من البرتغال جميع اليهود غير المعمدين سواء أكانوا مواطنين أم مهاجرين. وخضع مانويل لهذا الشرط، مؤثرا الجاه على الشرف وأمر جميع اليهود والمسلمين في مملكته أن يتنصروا أو يطردوا من البلاد (1496). ولما وجد أن فئة قليلة منهم آثرت التنصر، وكره أن تباد المهن والصناعات التي تفوق فيها اليهود أم جميع الأطفال اليهود دون سن الخامسة عشرة، أن يفصلوا عن آبائهم وينصروا كرهاً. وعارض رجال الدين الكاثوليك هذا الجراء، ولكنه نفذ. فقد روى أحد الأساقفة "رأيت أطفالاً كثيرين يسحبون إلى حوض التعميد من شعورهم". واحتج بعض اليهود على ذلك بوأد أطفالهم ثم قتل أنفسهم،




صفحة رقم : 8003




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


وأصبح مانويل شرساً، فعطل اليهود، ثم أمرهم بأن ينصروا كرهاً. فسحلوا إلى الكنائس، الرجال من لحاهم والنساء من شعورهن، وقتل كثيرون منهم نفسه في الطريق وأرسل المتنصرون البرتغاليون رسالة إلى البابا إسكندر السادس يرجون توسطه ولا يعرف رده، ولعله كان في مصلحتهم، لأن مانويل منح إذ ذاك (مايو 1491) جميع المتنصرين كرها إذنا رسمياً مدته عشرون سنة لا يقدمون أثناءها إلى أي محكمة بتهمة التشيع لليهودية. ولكن مسيحي البرتغال رفضوا منافسة اليهود معمدين وغير معمدين، فإذا جادل يهودي في معجزة تنسب إلى كنيسة في لشبونه فإن الغوغاء يمزقونه إربا(1506)، وانتشرت المذابح ثلاثة أيام لا يمنعها أحد، وقتل فيها ألفا يهودي ودفن مئات منهم أحياء. وأنكر المطارنة الكاثوليك هذه السورة من الغضب، وقتل راهبان دومينيكان حرصا على الشغب. واستتب السلام، أو كاد، باستثناء هذه الأحداث مدى جيل من الزمان.
وتم خروج اليهود الرهيب من إسبانيا. بيد أن الوحدة الدينية لم تكن قد تحققت بعد: فقد بقى المسلمون. ذلك أن غرناطة سقطت، ولكن سكانها المسلمين منحوا الحرية الدينية. وانتدب كبير الأساقفة هرناندو ده تالافيرا، حاكماً على غرناطة. فنفذ الميثاق في شئ من السرية وحاول أن يستدرج المسلمين إلى التنصير بالرفق والعدل. ولكن اكسيمينيس لم يوافق على مثل هذا الاعتناق للمسيحية. فألح على الملكة، بأن العهد لا يحافظ عليه مع الكافرين، وأقنعها بأن تصدر مرسوماً (1499) يخير المسلمين بين الدخول في المسيحية وبين مغادرة إسبانيا. وذهب بنفسه إلى غرناطة، وتسلط على طلبيرة وأغلق المساجد، ونصب المحارق العامة التي التهمت جميع الكتب والمخطوطات العربية التي وصلت إليها يده، وأشرف




صفحة رقم : 8004




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


على التنصير الإجباري بالجملة. وكان المسلمون يمسحون الماء المقدس عن أطفالهم عندما يبتعدون عن عين القسيس ونشبت الثورات في المدينةوالولاية، وسحقت. وخير جميع المسلمين في قشتالة وليون بمقتضى مرسوم ملكي صدر في الثاني عشر من فبراير لعام 1502 بين الدخول في المسيحية ومغادرة البلاد وأعطوا لذلك مهلة غايتها آخر إبريل من العام نفسه. واحتج المسلمون بأن أسلافهم عند ما حكموا معظم إسبانيا، فإنهم سمحوا بالحرية الدينية، إلا في القليل النادر، للمسيحيين الذين تحت سلطاتهم، ولكن الملكين لم يتأثرا بهذا الاحتجاج وحرم على الأطفال الذكور دون الرابعة عشرة والإناث دون الثانية عشرة أن يغادروا إسبانيا مع آبائهم وسمح للأمراء الإقطاعيين بأن يحتفظوا بأرقائهم المسلمين على أن يوضعوا في الأغلال. ورحل الألوف، أما الباقون فقبلوا أن ينصروا بفلسفة أكبر مما فعل اليهود وتعرضوا باعتبارهم عربا موريسكيين "morisccos" محل اليهود المعمدين لتحمل عقوبات محكمة التفتيش على عودتهم إلى ديانتهم السابقة وترك إسبانيا إبان القرن السادس عشر ثلاثة ملايين من المسلمين المتظاهرين بالمسيحية ووصف الكاردينال ريشليه مرسوم عام 1502 بأنه "أمجد حادث في إسبانيا منذ عهد الرسل". واستطرد قائلا: "الآن أصبحت الوحدة الدينية في مأمن، وأوشك عهد من الازدهار أن يبزغ".
وفقدت إسبانيا كنزاً لا يقدر بخروج التجار وأصحاب المهن والدارسين والأطباء والعلماء من اليهود والمسلمين، وأفادت الأمم التي تلقتهم من الناحيتين الاقتصادية والفكرية. ولما لم يعد يعرف الشعب الإسباني منذ ذاك غير ديانة واحدة، فقد أذعن تماماً لرجال الدين وتنازل عن كل حق له




صفحة رقم : 8005




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> هجرة إسرائيل


في التفكير إلا في حدود العقيدة التقليدية. وآثرت إسبانيا أن تحتفظ بطابع القرون الوسطى، وسيان كان ذلك لخيرها أو لشرها، في حين اندفعت أوربا نحو التقدم العصري بفضل الثورات التجارية والطبوغرافية والفكرية والبرتستانتينية.




صفحة رقم : 8006




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني



7-الفن الإسباني


لقد عبرت العمارة الإسبانية المتشبثة بالطراز القوطي تعبيراً قوياً عن ذلك الطابع للقرون الوسطى. ولم يسخط الشعب على المرويدات التي أعانت ضمير الملوك والنبلاء على إنفاق المال أو السياسة الدينية، لبناء الكتدرائيات الضخام كما دفعت إلى الإسراف في الزينة باهظة النفقة والنحت والتصوير الرائعين على القديسين الأثيرين لديهم وعبادة أم الرب بكل مشاعرهم. وأقيمت كتدرائية برشلونة في بطئ بين عامي 1298،1448: وبين فوضى الطرق الضيقة ترتفع أعمدتها الساحقة وبابها الذي لا مزية له وصحنها المنيف بينما لا تزال أروقتها ذوات النوافذ الكثيرة تصلح ملجأ يعتصم الناس فيه من جهاد النهار. ومدت بلنسية وطليطلة وبرجوس وبرغشت ولاردة وطراكونة وسرقسطة وليون أو زينت معابدها التي كانت موجودة من قبل، بينما أقيمت معابد جديدة في شقة وبمبلونة التي تعد أروقتها من الرخام الأبيض، ذوات النقش الرشيق، تعد في جمال أبهاء الحمراء. وفي عام 1401 قررت هيئة الكتدرائية في إشبيلية أن تشيد كنيسة تبلغ من العظمة والجمال حداً يجعل الذين يشاهدونها في الأجيال المقبلة يرون أننا مجانين لإقامتها. "فأزال المعماريون المسجد المتهالك الذي يقوم على المكان المختار لبناء الكنيسة ولكنهم أبقوا على أسسه، وعلى تخطيطه ومئذنته




صفحة رقم : 8007




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


الجيرالدا، البديعة. وظلوا يضعون حجراً طوال القرن الخامس عشر حتى أكملت إشبيلية تشييد أكبر بناء قوطي في العالم ، وقال عنها تيوفيل جوتييه: "إن كنيسة نوتردام في باريس قد تسير منتصبة القامة في صحنها." ومع ذلك فإن نوتردام كاملة، وكتدرائية إشبيلية فسيحة. وعمل سبعة وستون نحاتاً وثمانية وثلاثون مصوراً من موريللو إلى جويا على تزيين هذا الكهف العظيم للآلهة.
واقترح المعماري جويللو موبو في حوالي عام 1410 على هيئة كنيسة جيرونا أن يزيل الأعمدة والعقود، التي تقسم داخلها إلى صحن ممرات، وأن يوحد الجدران بعقد واحد عرضه ثلاثة وسبعون قدما. ونفذ ذلك، وهكذا أصبح لصحن كتدرائية جيرونا أعرض عقد قوطي في العالم المسيحي. وكانت نصراً للهندسة وهزيمة للفن. وشيدت أضرحة لم تبلغ هذه الضخامة أبان القرن الخامس عشر في بربنيان ومانريزه واسترقة وبلد الوليد. وتوجت شقوبية عمارتها بتشييد كتدرائية على شكل حصن عام 1472، وأتمت سجيونزا أروقتها المشهورة عام 1507، وبدأت سلمنقة في إقامة مزارها الجديد عام 1531 وترتفع في كل مدينة كبيرة في أسبانيا، ما عدا مدريد، كتدرائية تبدو من الخارج بناية ضخمة في جلال رائع وداخلها يسترحم الشمس بظلامه الدامس ويروع النفس بالتقوى، ومع ذلك تبدو زاهية بالألوان الناصعة التي يتسم بها فن التصوير الأسباني، وبتماثيلها الملونة وبريق الجواهر والفضة والذهب. وهذه هي دور الروح الإسباني، الخاضع في خوف المتكبر في وحشية.
وعلى الرغم من هذا كله وجد الملوك والنبلاء كما وجدت المدن،




صفحة رقم : 8008




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


الأموال لتشييد القصور الباهظة. وكان بطرس الغشوم وفرديناند وإيزابلا وشارك الخامس يعيدون تشكيل القصر"Alcazar" الذي صممه معماري مسلم في إشبيلية عام 1181، وقام بمعظم الترميم مسلمون منغرناطة حتى ليبدو البناء أخا ضعيفا للحمراء. ولقد شيد دون بدرو انرنيكز على طراز إسلامي مشابه، لأمر القلعة "Alcala" في إشبيلية (1500) قصراً منيفاً، وهو قصر بيلاطس وكأنما يكرر الدار التي يقال أن بيلاطس، أسلم من بابه المسيح للصلب ولقد زود ديوان بلنسية (1500) للبلاط المحلي بصالون دوراد وينافس في فخامته سالا دل ماجيور كونسيجليو، في قصر الدوج في البندقية.
وكان فن النحت لا يزال خادما للعمارة والعقيدة، يزحم الكنائس الإسبانية بتماثيل العذراء من المرمر أو المعدن أو الحجر أو الخشب، وهنا تجد التقوى تتجسم في أشكال دينية صارخة، أو زهدية جافية، يذكيها اللون ويضاعف من إثارتها للروع كآبة صحونها. ويفاخر الفن الأسباني خاصة بالحواجز المنقوشة والملونة المقامة خلف منضدة المذبح، وأنفقت مبالغ طائلة اغتصبت تحت وطأة التهديد بالموت، لجمع أحدق الصناع-والاحتفاظ بالمصممين والنقاشين والنحاتين والدور دور الذين يذهبون أو يدمشقون السطوح والاستوفادور الذين يصبغون الثياب والحلي والانكارنادور في الضريح. يلونون الأجزاء التي تحكى اللحم، وعمل الجميع معا أو بالتناوب في الضريح وخلف المذبح الرئيسي لكتدرائية إشبيلية حاجز يتألف من خمسة وأربعين قسما(1483-1519)- ويصور الأساطير المحببة، في تماثيل ملونة أو مذهبة سانت جيمس في كتدرائية طليطلة في خشب شربين مذهب وبواقعية متجهمة سيرة أكبر قديس أسبانيا تمجيداً.




صفحة رقم : 8009




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


وقد يمثل الأمراء والمطارنة في فن النحت؛ ولا يكون ذلك إلا على قبورهم التي توضع في الكنائس أو للأديرة التي تعد المداخل إلى الجنة وعلى هذا النحو دفنت دونا منسيا أنريكيز، دوقة البوكرك في حدث منقور نقراً جميلاً، وهو الآن موجود في متحف الجمعية الأسبانية في نيويورك، وحفر يابلو أرتيز لكتدرائية طليطلة، تابوتين فخمين لدون الفاروده لونا وزوجته. وصمم جيل ده سيلوى في دير ميرا فلورس الكاثوسي بالقرب من برغشت، مدفناً على الطراز الإيطالي لوالدي الملكة وأخوتها. وبلغ من ابتهاج إيزابلا بهذه المدافن الشهيرة للرفات الملكية إنها عندما علمت بمصرع وصيفها، جوان ده باديلا (الذي كان شجاعاً في استهتار حتى أطلقت عليه "معتوهى" بإصابة في رأسه إبان حصار غرناطة، كلفت ده سيلوى، أن ينقر مدفنا ملكيا لضم رفاته، ونافس جيل مرة أخرى أحسن ما في فن النحت الإيطالي في عصره.
وليس هناك فن أكثر تمييزاً من الفن الاسباني، ومع ذلك فليس بينها ما أسلم للتأثير الأجنبي بخشوع مثله. وخضع أول أمره، بطبيعة الحال، للتأثير الإسلامي، الذي استقر طويلاً في شبه الجزيرة ، وإن استمد جذوره من العراق وفارس وأدخلت في الطراز الأيبيرى، دقة في الصناعة، وكلفا بالزينة فلما تضارع في أي بقعة من بقاع العالم المسيحي. أما في الفنون الصغرى، حيث يحتل الزخرف المكان الأكبر، فإن إسبانيا قلدت فيها أساتذتها العرب ولم تتفوق عليهم فيها قط. فترك الخزف بأكمله للمدجنين، الذين لم يضارعهم في لمعان آثارهم سوى الصينيين، والذين زادت قراميدهم الملونة-وبنوع أخص الزلزلي الأزرق-من أبهة الأرضيات والمذابح والنوافير والجدران والسقوف في أسبانيا المسيحية. كما أن الحذق الإسلامي نفسه، قد جعل المنسوجات الإسبانية من المخمل والحرير والمخرم-أدق ما في العالم المسيحي من نوعه. وهذا الحذق يبدو مرة أخرى في المصنوعات الجلدية




صفحة رقم : 8010




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


الإسبانية، وفي الزخارف العربية "أرابسك" وفي الحواجز المعدنية وفي أوعية السر المقدس الدينية وفي النقش على الخشب الذي تصنع منه الحواجز خلف المذبح ومقاعد الشمامسة والأقبية وتسللت تأثيرات متأخرة من التصوير البيزنطي ثم من فرنسا وبرجنديا والأراضي الواطئة وألمانيا. واستمد النحت والتصوير الأسبانيان واقعيتهما الرائعة من الهولنديين والألمان - وهي الواقعية التي أظهرت رسوم العذراء مخيفة بالقدر الذي يجعل سنها ملائمة لأن تكون أم المصلوب، على الرغم من رأي ميشيل انجيلو من أن العذرة التي تبتعث الشباب - ولقد انحسرت جميع هذه التأثيرات إبان القرن السادس عشر أمام انتصار الطراز الإيطالي الذي شمل القارة الأوربية.
وسار التصوير الأسباني في تطور مماثل، ولكنه تقدم ببطيء، وربما كان ذلك لأن المسلمين لم يبذلوا في هذا المجال معاونة أو توجيها. وكانت الصور الجدارية القطلونية في القرنين الثاني والثالث عشر، أحط من حيث التصميم، من الرسوم على جدران كهف التاميرا التي تعود إلى ما قبل التاريخ في إسبانيا. ومع ذلك فما جاء عام 1300 حتى أصبح التصوير الفتنة التي تأخذ بالألباب في شبه الجزيرة بأسرها، وصور فنان صوراً جدراية كثيرة ولوحات ضخمة على المذبح، وقد بقي بعضها مما يرجع إلى عام 1345 مدة طويلة أكثر ما يستحق-وفي عام 1428 زار جان ايك، إسبانيا وأدخل معه تأثيراً فلمنكياً قوياً. وأرسل ملك أرجون بعد ذلك بثلاثة أعوام، لويس دلو، ليدرس دلو في بروجس، ولما عاد صور لويس صورة مغرقة في الفلمنكية هي "عذراء مجلس الشورى". وأخذ المصورون الأسبان منذ ذاك، وإن ظلوا يفضلون الألوان غير اللامعة، يغمسون ألوانهم في الزيت شيئا فشيئا.
وبلغ عصر البدائيين في التصوير الإسباني، ذروته على يد بارتلومة برميجو (المتوفى عام 1498) وقد حفر نفسه اسماً في فترة مبكرة عام 1447




صفحة رقم : 8011




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


بصورته سانتو دومنجو المعلقة في البرادو. أما صورتا: سانتا انجراسيا التي اشتراها متحف جاردنر في بوسطن، وسانت ماكايل الموجودة في مجموعة ليدي ليدلو، فإنهما جديرتان برفائيل، الذي جاء بعده بجيل من الزمان. ولكن أحسنها جميعها هي صورة بيتا(1490) في كتدرائية برشلونة: وفيها جيروم أصلع على عينيه نظارات، ومريم سمراء أسبانية تمسك بابنها الكسيح الهزيل الذي لا حياة فيه، وفي مهاد الصورة أبراج أورشليم تظللها سماء قريبة، وإلى اليمين صورة جافية للمنعم الكاهن ديسبلا، غير مرجل الشعر غير حليق اللحية، يشبه قاطع طريق تائباً محكوماً عليه، ويوحي تصور برميزو المريض للإنسانية. وهنا نجد أن الرشاقة الإيطالية تتحول إلى قوة اسبانية، وتحتفل الواقعية بانتصارها في الفن الإسباني.
واستمر التأثير الفلمنكي في فرناندو جاليجوس، وأثمر رائعة مذهلة بــ" فارس من جماعة قلعة رباح"، صورها ميجويل سييثيوم وهو فلمنكي في حاشية إيزابلا، وهي من أجمل صور الأشخاص في المعرض القومي بواشنطن. ولكن التأثير الإيطالي بدأ مرة أخرى عندما عاد بدرو برجوت إلى إسبانيا بعد تمرس طويل في إيطاليا. وناك درس مع بييرو دلافرنشسكا وميلوزودا فورلي، وتمثل طرقتهما الهادئة في التظليل. ولما أراد فيديريجو أمير أربينو، مصورين يزينون قصره، اختار جستوس فون جنت وبيرو سبانيولو، ولما توفى الدوق (1582) جلب بدور فن التكليل معه إلى إسبانيا، ورسم لوحات مذبح مشهورة في طليطلة وأبلة والصور المنسوبة إليه في اللوفر والبريرا والرادو ومتحف كليفلند، فلَم يؤيد شهرته الحالية، أباعتباره فيلاسكين الملوك الكاثوليك؟ ولكنها تبدو في الرسم والتأليف أعظم من جميع الآثار التي ظهرت في إسبانيا قبلهم.
وأخذت العوامل الأجنبية تتفاعل ببطيء مع العبقرية الوطنية لتمهد الطريق لظهور الآثار الفنية الناضجة التي قام بها الونزوكواللو والجريكو في عهد فيليب




صفحة رقم : 8012




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الفن الأسباني


الثاني، وانتصارات فيلاسكيه وزرباران وموريللو في عصر إسبانيا الذهبي إبان القرن السابع عشر. والعبقرية موهبة فردية من القوة والإرادة. ولكنها في الوقت نفسه ميراث اجتماعي للنظام والقدرات تشكلت على الأيام وتمثلها النمو والعبقرية تولد وتصنع في آن واحد.




صفحة رقم : 8013




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الأدب الأسباني



8-الأدب الإسباني


وكان على النفوذ الإيطالي في الأدب أن يتريث في الوقت الذي تبادلت فيه أسبانيا لتأثير مع فرنسا في القرون الوسطى. وربما أخذ التروبادور في برفانس عن أسبانيا الإسلامية والمسيحية، قوالبهم وأخيلتهم الشعرية ومع ذلك فقد أرسل جون الأول ملك أرجون وفدا إلى شارك الرابع ملك فرنسا (1388) يطلب مجيء-التروبادور من تولوز إلى برشلونة، لينشئوا فيها فرعا من فرقتهم، الحكمة المرحة وتحقق له ذلك وعقدت المطارحات الشعرية في برشلونة وطرطوشة على النهج البروفانسي، وشغفت الأقلية المتعلمة في أرجون وقشتالة بنظم الشعر وإلقائه. وأنشد منشدون جوالون القصائد الغنائية في الحب أو العقيدة أو- الحرب بمصاحبة آلات وترية بسيطة.
وإذا كان الجيل الثاني فقد أيد جون الثاني ملك قشتالة النماذج الشعرية الإيطالية. وانتشرت في شبه الجزيرة الأيبيرية طرائف النظم الإيطالي وأوزانه عن طريق نابولي وصقلية، حيث حكم الإسبان، وعن طريق جامعة بولونيا، حيث تعلم الشباب الأسبان مثل آل بورجيا، ووجد دانتي بترارك مقلدين لهما مشغوفين بهما باللسان القشتالي. وكانت مقطعات الشعراء الأسبان الغنائية تجمع بين وآخر في دواوين الشعر الغنائي cancioneros، وهي أناشيد فروسية العاطفة بتراركية الأسلوب. واستورد ماركيز سنتيلانا- وهو سياسي وباحث وراعية للأدب وشاعر- قالب المقطوعة الغنائية في إيطاليا، وسرعان ما صنف تاريخا للأدب. وقلد جوان ده مينا، دانتي




صفحة رقم : 8014




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الأدب الأسباني


تقليداً صريحاً في ملحمة شعرية، عنوانها "قصر التيه" وقد فعلت الكثير لتجعل اللغة القشتالية لغة أدبية، مثلما فعلت الكوميديا الإلهية، للغة الحديثة التسكانية وسبق دون جوان مانويل في الوقت نفسه بوكاشيو، في كتابة حكايات درامية اقتبس شكسبير من إحداها الشخصية التي لا يمكن تصديقها لبتروشيو في ترويضه النمرة.
وظلت الرومانس تجد لها مدخلا لكل الطبقات القراء. وترجمت أماديس داجولا إلى الإسبانية (1500) على يد جارسا أردونية، الذي أكد لقرائه، أنه استحدث في الأصل البرتغالي تنقيحا كبيراً، وما دامت هذه الترجمة قد ضاعت فنحن لا نستطيع أن نخالفه. أماديس ابن غير شرعي لأميرة بريطانية خيالية، وقد ألقت به أمها في البحر. فأنقذه فارس اسكتلندي وصار وصيفاً لملكة اسكتلنده. ويترك ليوزيرات ملك إنجلترا ابنته أوريانا التي تبلغ من العمر عشرة أعوام في البلاط الاسكتلندي، ليخمد ثورة مغتصب لملكه. وتعين الملكة أماديس الذي يبلغ من العمر أثنى عشر عاما وصيفاً لأوريانا قائلة "هذا الطفل يقوم على خدمتك".. فأجابت إن هذا يسرها. واحتفظ الطفل بهذه الكلمة في قلبه، على نحو لم تفارقه بعد ذلك قط... ولم يكل قط، طوال أيام حياته من خدمتها. وهكذا بقي حبهما ما بقيا، ولكن أماديس الذي لم يعرف مطلقاً مدى حبها له، رأى نفسه جسوراً في أن يحصر أفكاره فيها وقد أدخل في اعتباره عظمتها وجمالها، ولم يجسر قط، أن يتفوه بكلمة معها وهي أيضاً، وان أحبته من قلبها، حرصت على ألا تكلمه أكثر مما تكلم غيره، ولكن عينيها وجدت السلوى العظيمة في أن تبدي لقلبها أعظم ما تحبه في الدنيا.
ومن المطمئن أن نعلم أن حبهما قد انتصر بزواجهما، بعد محن بلغت من الكثرة في القصة قبل الزواج، ما بلغته بعد ذلك في الحياة. وفي هذه الحكاية الطويلة لحظات كثيرة تزخر بالعاطفة وبعضها يتسم بالنبل، وإذا




صفحة رقم : 8015




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الأدب الأسباني


كان سرفانتيس، قد أقسم أن يمحو كل هذا النوع من القصص الخيالي فإنه أبقى هذه باعتبارها أحسنها.
وتعد الرومانس مورداً من موارد الدراما، التي انبثقت ببطيء من مسرحيات المعجزات والأخلاقيات، في صورة الهزليات الشعبية ومسرحيات التنكر الخاصة بالبلاط. وأقدم وقت معلوم في تاريخ الدراما الإسبانية هو عام 1942، عندما ظهرت على المسرح المحاولات الدرامية لجوان دل انسينا وسار فرناندو ده روجاس وهو من المتنصرين خطوة أخرى نحو الدراما بتأليفه La Celestina ، "القوادة" (1499) وهي قصة تسرد قصتها في كل شكل حوار، وتنقسم إلى اثنين وعشرين فصلا، وكانت أطول من أن تمثل على المسرح، بيد أن تشخيصها الحي وحوارها المشرق قد مهدا للكوميديا الإسبانية الكلاسيكية.
وكانت الكنيسة تعمل على تعويق الدراسات وتشجيعها معاً. بينما فيينا أخذت محكمة التفتيش تراقب الفكر، فإن صفوة رجال الدين قد عملوا الكثير من أجل التربية والتعليم. وجلب الإيطاليون من أمثال بيترو ومارتيره وانجييرا، الذي جاء إلى إسبانيا عام 1487، أخبار الحركة الإنسانية، كما عاد الأسبان الذين تعلموا في إيطاليا بعدوى التحمس لها. واستجاب بيتر مارتير لطلب الملكة فافتتح في بلاطها، كما فعل الكوبن لشرمان ذلك بسبعة قرون، مدرسة لتعليم الآداب واللغات الكلاسيكية. ودرست الأميرة جوانا اللاتينية في جد ومثابرة قبل أن تصاب بالجنون. وكتب بيتر نفسه التواريخ الأولى للكشوف الجغرافية في أمريكا، بعنوان"في أمور المحيطات وفي أمور الكرة الأرضية الجديدة (1504)" De rebvs Oceanis et novo orbe والكلمتان الأخيرتان تسايران استعمال فسبوتشي (1502؟) لهما قبل ذلك لتدل على العالم الجديد.
وأسهم الكاردينال اكسيمنيس، الذي كان إيمانه صارماً حاداً كالصلب في الحركة الكلاسيكية. وقد أسس عام 1499 كلية الدوفنسو، وفي عام




صفحة رقم : 8016




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> الأدب الأسباني


1508 جامعة القلعة. وهناك بدأ، عام 1502، تسعة من اللغوين تحت إشرافه بأحد الأعمال الكبيرة للنهضة العلمية، وهو "الكتاب المقدس بعدة لغات"Biblia polyglotta compluti وهو أول نسخة كاملة للكتب المقدسة المسيحية باللغات الأصلية. ولقد أضاف الناشرون إلى النص العبري الماسوريتي للعهد القديم والنص اليوناني للعهد الجديد. على عمود مقابل أو تعليق؛ الترجمة اليونانية وترجمة جيروم اللاتينية وشرحا سريانيا للتوراة. فتح ليو العاشر، لمعاوني اكسيمنيس، خزائن مخطوطات الفاتيكان، ونشر ثلاثة من اليهود المتنصرين علمهم العبري، وتم تحقيق هذه النصوص عام 1517 ولكن المجلدات الستة لم تطبع إلا عام 1522. وأحس اكسيمنيس بالوفاة، فاستحث علماؤه. قائلا:"لا تضيعوا وقتاً في تنفيذ عملنا المجيد، وإلا، فقدتم في خضم حوادث الحياة داعيكم أو قدر على أن أندب فقد أولئك الذين خدماتهم أعظم في نظري من كنوز الدنيا وأمجادها"، وقدم إليه المجلد الأخير قبل وفاته بأشهر قليلة مع تحيات أصدقائه. وقال لهم إنه لا يوجد بين جميع أعمال إدارته ما هو أحق من هذا بتهيئتهم. وشرع إصدار نصوص أرسطو بالطريقة نفسها، مع ترجمة لاتينية جديدة لها، ولكن المنية حالت بينه وبين ذلك.




صفحة رقم : 8017




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك



9- موت الملك


سبقت إيزابلا وزيرها الناشط في المغامرة الكبرى فقد كانت على الرغم من قساوتها، امرأة عميقة الإحساس، احتملت ملمات أشد وطأة من الحروب. فقد دفنت أمها عام 1496. ومات من أطفالها العشرة خمسة عند الولادة أو في سن الطفولة، ومات اثنان آخران في الشباب المبكر.




صفحة رقم : 8018




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك


وفقدت ابنها الوحيد عام 1497، وهو أملها الوحيد في وراثة طبيعية للعرش، كما ماتت أحب بناتها عام 1498، وهي ملكة البرتغال، التي ربما وحدت شبه الجزيرة توحيداً سلمياً لو قدرت لها الحياة. وكابدت وسط هذه الضربات المأساة اليومية وهي تشاهد ابنتها جوانا، التي كانت وقتذاك ولية للعهد، تفقد عقلها ببطيء.
وكانت جوانا قد تزوجت فيليب الجميل، دوق برجندي وابن الإمبراطور مكسيمليان الأول (1946) وأنجبت منه إمبراطورين مقبلين هما شارل الخامس وفرديناند الأول. وأهمها زوجها فيليب إما لمزاجها المتقلب، أو لسفاهتها، واستمر على اتصال بإحدى سيدات بلاطها في بروكسل، وجزت جوانا شعرها الخلاب فأقسم زوجها ألا يضاجعها-وسمعت إيزابلا بهذا كله. فوقعت مريضة وفي الثاني من أكتوبر عام 1504 كتبت وصيتها. بأن يحتفل بجنازتها أبسط احتفال وأن المال المدخر من هذا الصنيع يجب أن يوزع على الفقراء، وأن تدفن في دير فرنسسكاني داخل الحمراء، وأضافت: ولكن إذا رأى مولاي الملك أن يكون جدثه في مكان آخر وصيتي أن ينقل جثماني إلى جواره، وأن الاتحاد الذي نعمنا به في هذه الدنيا، وقد تقتضي رحمة الله أن تتحد معاً روحانا مرة أخرى في الآخرة، ويمثله اتحاد جسمينا في الثرى" وماتت في الخامس عشر من نوفمبر عام 1504 ودفنت كما أوصت، حتى إذا مات فرديناند نقل جثمانها ليدفن إلى جواره في كتدرائية غرناطة. وكتب بيتر مارتير "لقد فقدت الدنيا أنبل زينتها، لا أعرف أحداً من جنسها في العصور القديمة أو الحديثة، جديرة على الإطلاق بأن يوضع اسمها مع هذه المرأة التي لا تضارع". (لقد كانت مرجريت ملكة السويد بعيدة عن مجال إدراكه، كما أن إليزابث ملكة إنجلترا كانت كذلك لم تأت بعد).
وقد عينت وصية إيزابلا، فرديناند ليكون نائب ملك على قشتالة




صفحة رقم : 8019




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك


من أجل فيليب الذي تمثلته الأراضي الواطئة ومن أجل جوانا التي تسرع الخطى نحو الاعتصام بالجنون. وكان أمل فرديناند أن يمنع سقوط العرش الأسباني في يد آل هبسبرج، في شخص شارل بن فيليب، فبادر وهو في الثالثة والخمسين إلى الزواج (1505) من جرمين ده فوا، ابنة أخي لويس الثاني عشر، والبالغة من العمر سبعة عشر عاماً، ولكن الزواج ضاعف من سخط النبلاء القشتاليين على مولاهم الأرجواني. وماتت ثمرة هذا الزواج في سن الطفولة. فطالب فيليب بعرش قشتالة، ووصل إلى أسبانيا ورحب به النبلاء (1506) بينما انسحب فرديناند إلى مقره باعتباره ملكاً على أرجون. وبعد ذلك بثلاثة أشهر مات فيليب، واستعاد فرديناند ملك قشتالة باسم ابنته المخبولة. وظلت جوانا لالوكا، ملكة من الناحية القانونية، وعاشت إلى عام 1555، ولم تترك قصرها في تورديزبلاس إطلاقاً، بعد عام 1507، وكانت تأبى الاغتسال أو ارتداء الثياب ولم تكل يوماً عن النظر من خلال إحدى النوافذ إلى المدافن التي تضم رفات الزوج الخائن الذي لم تنقطع عن محبته.
وحكم فرديناند حكماً مطلقاً وهو نائب ملك أكثر مما كان وهو ملك فقد تحرر من تأثير إيزابلا الملطف، وتحولت عناصر الصلابة والانتقام في شخصيته إلى التصلب الصارم. وكان قد استعاد قبل ذلك روسيلون وسردينيا (1493) كما فتح جونز الو أمير قرطبة باسمه نابولي عام 1503. ونقض ذلك معاهدة وقعها فيليب مع لويس الثاني عشر في ليون تقسم مملكة نابولي بين أسبانيا وفرنسا: وأكد فرديناند للعالم بأن فيليب تجاوز تعليماته. وأبحر إلى نابولي واستولى بشخصه على عرشها (1506) وساوره الشك في رغبة جونزالو في العرش لنفسه! ولما عاد إلى أسبانيا (1507) أخذ معه القبطان الكبير وأسلمه إلى عزلة عدها معظم أهالي أسبانيا إذلالاً لا يستحقه.




صفحة رقم : 8020




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك


وسيطر فرديناند على كل شئ إلا الزمن. وغاضت ينابيع الإرادة والنشاط فيه شيئاً فشيئاً. وطالت فترات راحته. وأصابه الإنهاك مبكراً، فأهمل شئون الحكومة، وأصبح نافذ الصبر قلقاً، سيئ الظن إلى حد المرض بأوفى خدامه له. وأضناه الأستسقاء والربو، وتعذر عليه التنفس في المدن ففر في يناير عام 1516 جنوبا إلى الأندلس، آملاً أن يقضي الشتاء في ريفه الطلق. ولكنه مرض في الطريق، وأقنع آخر الأمر بأن يتأهب للموت. فعين أكسيمينيس ليكون نائب الملك على قشتالة، كما عين ابنه غير الشرعي كبير أساقفة سرقسطة، نائب الملك على أرجون. وبات في الثالث والعشرين من يناير عام 1516 في السنة الرابعة والستين من عمره، والثانية والأربعين من حكمه.
ولا غرابة في أن يمتدحه ميكافلي: كان هنا ملك قام بدور الأمير قبل أن يفكر مؤلفه في كتابته. فقد جعل فرديناند من الدين أداة للسياسة القومية والحربية، وغمر وثائقه بعبارات التقوى ولكنه لم يسمح لاعتبارات الأخلاق قط أن يتغلب على مقاصد الضرورة أو الغنم. ولا يستطيع أحد أن يشك في قدرته وكفاءته في الإشراف على الحكومة، واختياره الفطن لوزرائه وقواده ونجاحه المستمر في الدبلوماسية والاضطهاد والحرب. أما من الناحية الشخصية فلم يكن جشعاً ولا مبذراً، وكانت شهرته تنزع إلى تحقيق السلطة أكثر من تحقيق الترف، وكان جشعه من أجل بلاده، يريدها موحدة قوية. ولم يؤمن بالديمقراطية، وتضاءلت في كنفه الحريات المحلية وماتت وكان مقتنعاً بأن النظم الإقليمية القديمة لا يمكن التوسع فيها بنجاح أمة تضم ولايات وعقائد ولغات جد كثيرة. وكان عمله وإيزابلا معه أن يحل الملكية محل الفوضى والقوة محل الضعف ومهد الطريق لشارل الخامس أن يحتفظ بالسيادة الملكية على الرغم من فترات غيبته الطويلة، كما مهد الطريق لفيليب الثاني ليركز الحكومة كلها في رأس واحد




صفحة رقم : 8021




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:39 مساء   رقم المشاركة : [265]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


Arrow

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك


قاصر. وكان آثماً من أجل تحقيق هذه الأغراض بما يعد في زماننا همجية وتعصباً وقسوة غير إنسانية، ولكن يعد عند معاصريه نصراً مجيداً من أجل المسيح.
وحافظ أكسيمنيس باعتباره نائب الملك بحماسة على حكم العرش المطلق، ولعله كان بديلا من الارتداد إلى الانقسام الإقطاعي. وهو وإن كان في الثمانين من عمره، فقد حكم قشتالة بإرادة صلبة، وقضى على كل محاولة من الإقطاع أو المجالس البلدية لاستعادة سلطاتها السابقة، فلما سأله بعض النبلاء بأي حق يمنع امتيازاتهم، لم يشر إلى وثيقة إسناد المنصب إلى شخصه وإنما أشار إلى المدفعية في فناء قصره. ومع ذلك كانت إرادة السلطة عنده نابعة لإحساسه بالواجب، لأنه استحث الملك الشاب شارك مراراً على أن يترك فلاندرز وأن يحضر إلى أسبانيا ليتولى ملكها. ولما جاء شارل (17 سبتمبر 1517) سارع اكسيمنيس شمالا لاستقباله. ولكن مستشاري شارل الفلمنكيين أيدوا نبلاء قشتالة في إعطائه تقريراً ضد إدارة الكاردينال وشخصيته، حتى بعث الملك، وكان لا يزال فتى غير ناضج في السابعة عشرة من عمره، إلى اكسيمنيس ورسالة يشكره فيها على خدماته، مرجئا مقابلته مطالبا إياه بأن يسحب إلى مقره الديني في طليطلة لينعم براحة يستحقها. وبعث بعدها برسالة أخرى يعفي المتزمت العجوز من جميع المناصب السياسية، وبلغته الرسالتان متأخرتين حتى لا يضاعفا من إذلاله، فقد مات في الثامن من نوفمبر عام 1517 بالغاً من العمر واحداً وثمانين عاماً. وعجب الناس من أنه على الرغم من صلاحه في الظاهر فقد جمع الثروة الشخصية الضخمة التي خلقتها وصيته إلى جامعة القلعة.
وختم لإسبانيا عصراً غنيا بالأمجاد والأهوال والرجال الأقوياء. ويوحي الأعقاب على هذه الأحداث بأن انتصار التاج على المجالس النيابية والولايات قد أزال الوسيلة التي كانت الإسبانية تستطيع بواسطتها أن تعبر وتحافظ




صفحة رقم : 8022




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أسبانيا -> موت الملك


على استقلالها وتنوعها وأن توحيداً قد استتب في مقابل أن يسيطر على أسبانيا جهاز يعمل على قمع الفكر الأصيل في أوليات الأشياء وأواخرها، وأن إجلاء اليهود والمسلمين الذين لم يتنصروا، قد أنقص من القوة البشرية المعاملة في التجارة والصناعة في نفس الوقت الذي تطلب اكتشاف العالم الجديد فيه التوسع والتقدم الاقتصاديين، وأن تورط أسبانيا المستمر في سياسات وحروب فرنسا وإيطاليا (ثم فلاندرز وألمانيا وإنجلترا) وضعت أثقالا لا تحتمل على كاهل موارد الأمة في المال والرجال، بدلا من تحويل السياسة ولمغامرة في عهد فرديناند وإيزابلا باصطلاحات لا يستطيع شعب أوربي في عصرهما فهمهما. فقد اضطهدت جميع الفرق الدينية، اللهم إلا قليلا من المسلمين ومنكري تعميد الأطفال، المخالفة في الدين، واستعملت جميع الحكومات، إيطاليا وفرنسا الكاثوليكيتان وألمانيا وإنجلترا البروتستانتيان، القوة في توحيد العقيدة الدينية، واستشعرت جميع الدول الظمأ إلى ذهب جزائر الهند-الشرقية والغربية- وكلها توسلت بالحرب والدهاء الدبلوماسي لتؤكد بقاءها وتوسع حدودها أو تزيد من ثروتها.
ولم تكن المسيحية عند جميع الأمم المسيحية حكما بالوسائل وإنما كانت وسائل إلى الحكم، وكان المسيح أثيراً عند الشعب وميكافلي أثيراً عند الملوك. وقد حضرت الدولة الإنسان من بعض الوجوه، ولكن من ذا الذي يحضر الدولة؟.




صفحة رقم : 8023




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة



الفصل الثالث عشر




نمو المعرفة




(1300 - 1517)




1- السحرة


لم يزل القرنان اللذان صور تاريخهما الأوربي تصويراً مجملا سريعاً في الفصول السابقة، يعدان جزءاً مما اصطلح على تسميته بالعصر الوسيط وهو ما نستطيع أن نحدده تحديداً تقريبياً بأنه سيرة أوربا بين قسطنطين وكولمبس، أي من 325 إلى 1492. وإذا أردنا أن نلخص الآن العلم والتربية والفلسفة في غرب أوربا إبان القرنين الرابع عشر والخامس عشر، فيجب أن نتذكر أن الدراسات العقلية كان عليها أن تحارب من أجل الحصول على التربية والهواء في غابة من الخرافة والتعصب والخوف. وبين أحداث القحط والطواعين والحروب، وفي الفوضى الضاربة على البابوية الشاردة والمنقسمة على نفسها بحث الرجال والنساء في القوى الخفية عن بعض التفاسير لما ينزل بالإنسانية من شقاء خفي وعن قوة سحرية ما تتحكم في الأحداث، وعن ضرب من الفرار الصوفي من الواقع المرير، وسارت حياة العقل متعثرة في وسط من العرافة والسحرة واستحضار الأرواح وقراءة الكف وفراسة الدماغ والاستنباء بالعدد والعيافة والطيرة والتنبؤ وتفسير الأحلام وطوالع النجوم والتحويل الكيميائي للمواد والعلاج بالخوارق وللقوى الخفية في الحيوان والمعدن والنبات. ولا تزال هذه الأعاجيب حية في أعطافنا اليوم. وتظفر هذه أو تلك منها بالولاء الصريح أو الخفي من كل واحد منا تقريباً ولكن تأثيرها الحالي في أوربا اليوم أقل بكثير من سلطانها في العصور الوسطى..




صفحة رقم : 8024




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


ولم تدرس النجوم من أجل هداية السفن أو تحديد المواسم الدينية فحسب وإنما درست من أجل التنبؤ بما يقع على الأرض من أحداث وما يخبأ للأشخاص من مصير. ويبدو أن التأثير النافذ للمناخ والفصول وعلاقة المد والجزر بالقمر والتوقيت القمري للطمث عند المرأة واعتماد الزراعة على أحوال السماء وكيفياتها، إنما تبرر مزاعم التنجيم بأن سماء اليوم تكشف عن أحداث الغد. وكانت أمثال هذه التنبؤات تنشر بانتظام (كما هو الحال الآن) وتبلغ جمهوراً كبيراً متعطشاً لها. ولم يكن الأمراء يجسرون على القيام بحملة أو واقعة أو رحلة أو تشييد بناء إلا إذا حصلوا على تأكيد من المنجمين بأن النجوم في أوضاع ملائمة لهذه الأغراض. ولقد حرص هنري الخامس ملك إنجلترا على الاحتفاظ بإسطرلاب ليرسم خريطة السماء، ولما جاء زوجته المخاض قرأ بنفسه طالع الطفل وكان بلاط متياس كورفينوس الذي يضم صفوة المثقفين يرحب بالمنجمين ترحيبه بعلماء الإنسانيات.
واعتقد الناس أن الملائكة تهدي النجوم، وأن الهواء يزخر بالأرواح الخفية، بعضها من الجنة وبعضها من الجحيم. وسكنت العفاريت كل مكان وبخاصة مخدع الإنسان، وينسب إليها بعض الرجال ما يسلب منهم بالليل كما نسب إليها بعض النساء ما يصيبهن في غير أوانه، وأجمع علماء الدين على أن أمثال تلك الخطيات الخبيثات لهن وجود حقيقي ويستطيع كل امئ ساذج في كل منعطف وكل لحظة أن يخرج من عالم الحس إلى مملكة من الكائنات والقوى المسحورة. ولكل شئ طبيعي صفات خارقة. وكانت كتب السحر من أروج الكتب في ذلك العصر. ولقد عُذب أسقف كاهورز وجلد وألقى به في المحرقة (1317) بعد أن اعترف بأنه أحرق تمثالاً من الشمع للبابا يوحنا الثاني والعشرين آملاً أن يلقى الأصل، مصير الشمع، كما وعد بذلك فن السحر. واعتقد الناس أن فطير القربان بتقديس القسيس ينزف دم المسيح إذا خدش.




صفحة رقم : 8025




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


وخبت شهرة الكيماويين، ولكنهم استمروا في أبحاثهم الأمينة وخدعهم البراقة على السواء وفي الوقت الذي أنكرتهم فيه المراسيم الملكية والبابوية فقد أقنعوا بعض الملوك الكيمياء قد تفعم الكنوز متى نضبت. وكان السذج يبتلعون "الذهب المذاب" الذي أكد لهم أنه يشفي كل شئ إلا الغفلة (ولا يزال المرضى والأطباء يتعاطون الذهب في علاج داء المفاصل)..
ونافس علم الطب في كل خطوة من خطواته، التنجيم وعلوم الدير والدجل. ونسب الأطباء تقريباً تشخيص مرض من الأمراض إلى البرج الذي ولد أو مرض فيه المريض، وهكذا كتب الجراح العظيم جي ده شولياك (1363): "إذا جرح امرؤ في عنقه والقمر في برج الثور، فالإصابة خطيرة" ومن أقدم الوثائق المطبوعة، تقويم نشر في منيز (1462) يبين أحسن الأوقات من ناحية طوالع النجوم لفصد الدم. ونسبت الأوبئة بين جمهرة الناس إلى اجتماع سيئ الطالع بين النجوم. وأرجح ملايين المسيحيين، الشفاء إلى العقيدة وربما كان ذلك لخيبة أملهم في الطب. وذهب آلاف إلى ملوك فرنسا وإنجلترا يستشفون من الدرن الخنزيري بلمسة ملكية ويبدوا أن هذه العادة قد بدأت بلويس التاسع الذي أدت قداسته إلى الاعتقاد بقدرته على عمل المعجزات. وظن الناس أن قوته، قد انتقلت منه إلى خلفائه، كما انتقلت عن طريق إيزابلا أميرة فالوا. وهي أم إدوارد الثالث، إلى ملوك إنجلترا. وحج آلاف أكثر إلى أضرحة تشفي المرض؛ وحولوا بعض القديسين إلى أطباء متخصصين، وهكذا اكتظت كنيسة القديس فينوس بالمصابين بداء الرقص الزنجي، إذ ساد الاعتقاد بأن هذا القديس متخصص في علاج هذا المرض وأصبح قبر بييرده لكسمبورج، وهو كارينال مات في الثانية عشرة من عمره بسبب غلوائه في الزهد، مزاراً محبباً، ونسب شفاء ألف وتسعمائة وأربعة وستين




صفحة رقم : 8026




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


شخص إلى قدرة عظامه السحرية، وذلك في خلال خمسة عشر شهراً من وفاته. وراجت صناعة الدجالين، ولكن القانون بدأ يقاومهم. ففي عام 1382 حكم على روجر كليرك، الذي ادعى علاج المرضى بالرقي، أن يسير في شوارع لندن راكباً وقد علقت المباول حول عنقه.
واعتقد معظم الأوربيين في السحر، أو بعبارة أخرى ، في قوة بعض الأشخاص على التحكم في الأرواح الشريرة والحصول على معاونتها- لقد كانت القرون المظلمة متنورة نسبياً في هذه الناحية. ولقد أنكر القديسان بونيفاس واجوبارد الاعتقاد في السحر باعتباره ذنباً وعملا يوجب السخرية، وجعله شارلمان جريمة يعاقب مقترفها بالإعدام وكان يشنق كل شخص يتهم بصناعة السحر، وحرم البابا جريجوري السابع هلديبراند، على محكمة التفتيش، أن تحاكم السحرة على أنهم السبب في العواصف والطواعين ولكن تأكيداً الوعاظ لحقيقة جهنم ومكائد إبليس أذكى الاعتقاد الشعبي في وجود الشيطان وشره في كل مكان أو وجود أحد أعوانه، وكم من عقل مريض أو نفس يائسة اعتصمت بفكرة استحضار أمثال هذه الشياطين لمعاونتها. واتهم بالسحر أنواع شتى من الناس، يدخل فيهم البابا بونيفاس الثامن. ولقد شنق الرجل الأرستقراطي انجراند ده ماريني بتهمة السحر عام 1315، وأمر البابا جون الثاني والعشرون عام 1317 بقتل عدد من الأشخاص غير المعروفين، لأنهم دبروا اغتياله مستعينين بالشياطين. وأنكر جون مراراً الالتجاء إلى الشياطين وأمر باضطهاد من يقترفه، وفرض العقوبات عليه، ولكن الناس فسروا مراسيمه بأنها تؤيد اعتقادهم في وجود القوى الشيطانية وإمكان الانتفاع بها. وتضاعف الاتهام بالسحر بعد عام 1320، وشنق كثير من المتهمين أو ألقي بهم في المحرقة. وساد في فرنسا الرأي القائل بأن شارل السادس قد أصيب بالجنون بوسائل سحرية، واستخدم ساحران لإعادة العقل إليه، فلما أخفقا جز رأساهما (1397).




صفحة رقم : 8027




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


وفي عام 1397 أصدرت كلية الدين بجامعة باريس، ثمانية وعشرين مقالة تحرم السحر، وإن اعترفت بقدرته بين حين وآخر. وعد قاضي القضاة جرسون أن من الهرطقة أن يناقش المرء وجود الشياطين أو نشاطها.
أما الكهانة فهي ممارسة السحر بوساطة أشخاص نسبوا إلى عبادة إبليس باعتباره كبير الشياطين الذين يعملون على استخدامها في اجتماعات ليلية أو سبتية. ويذهب الاعتقاد الشعبي إلى أن السحرة، وأغلبيتهم من النساء يزودون بقوى خارقة في مقابل عبادتهم لإبليس. وانتدابهم على هذا الوجه يجعلهم يسيطرون على النواميس الطبيعية، ويجلبون النحس أو الموت لمن يريدون. وأيد علماء أمثال اراومس وتوماس مور وجود الكهانة في الواقع، وشك فيها بعض القسس في كلونيا، وأيدت وجودها جامعة كلونيا. وزعم معظم رجال الكنيسة- ويوافقهم في ذلك بعض المؤرخين من غير رجال الدين إلى حد ما- أن الاجتماعات السرية بالليل إنما هي تعلات لعلاقات جنسية مختلطة ولتحريض الشباب على الفسق، واعترف بعض السحرة اعترافا مزعوماً أو بالأعمال الشريرة التي أسندت إليهم، وذلك إما بوساطة وهم مخبول، وإما للتخلص من التعذيب، ولعل هؤلاء السحرة الشعبيين قد قاموا بما يشبه التحذير النهائي لمسيحية مثقلة، وبنزعة ترفيهية من ناحية ومتمردة من ناحية أخرى لعبادة إبليس باعتباره العدو القوي لإله يحكم على كثير من المباهج بالكبت ويلقى بكثير من الأرواح في الجحيم، وقد تذكر هذه الشعائر الخفية وتؤكد من جديد العقائد في الأعياد الوثنية لآلهة الأرض والحقل والغابة الخاصة بالتناسل والإخصاب أمثل باخوس وبريابوس وسيريس دفلورا.
واجتمعت جهود الأوساط المدنية والدينية علة قمع ما رأوه أكبر فساد وكفر. وانتدب عدد من البابوات- في الأعوام 1374 و1409




صفحة رقم : 8028




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


و1347 و1451 وبخاصة البابا إنوسنت الثامن عام 1484- عملا في المحكمة التفتيش للتصرف مع السحرة باعتبارهم هراطقة منبوذين، تصيب جرائمهم ووسائلهم الثمرات والأرحام بالأذى، وقد تحول مزاعمهم جماعات بأسرها إلى الشيطنة واعتمد البابوات اعتماداً حرفياً على آية في سفر الخروج (الإصحاح 22: الآية 18) "لن تترك ساحرة تعيش". ومع ذلك فإن المجالس الكنيسة فبل سنة 1446 كانت تكتفي بالعقوبات المعتدلة إلا إذا كان المذنب السابق عنه قد عاد إلى سابق إجرامه. ولقد أحرقت محكمة التفتيش عام 1446، عددا من السحرة في هيلدلبرج، وأحرقت عام 1460 أثنى عشر رجلا وامرأة في أراس، وأطلق عليهم الفودوا كما أطلق على الهراطقة (waldenses) وقام السحرة في فرنسا برحلة عبر الأطلنطي حتى أطلقت كلمة فودوويزم voodooism على سحر الزنوج في المستعمرات الفرنسية في أمريكا.وفزع جاكوب سبرنجر قاضي محكمة التفتيش الدومينيكي فزعاً شديداً من انتشار السحر فأصدر عام 1487 دليلا رسميا لمطاردة السحرة عنوانه: "مطرقة السحرة". وقدم مكسميليان الأول وكان إذ ذاك ملك الرومان لهذا الدليل برسالة تقريظ قال فيها أعظم أثر هائل ضد الخرافة أنتجه العالم. وقال سبرنجر إن هؤلاء النسوة الشريرات بتقليب خميرة شيطانية في قدر أو بوسائل أخرى، يستطعن إحضار أسراب من الجراد والديدان لتلتهم محصولا كاملا، وهن يستطعن أن يصبن الرجال بالعقم ويجعلن النساء عقيمات، ويغضن لبن المرضع أو يجهضن الحامل، ويستطعن بنظرة واحدة فقط أن يجلبن الحب أو الكراهية، المرض أو الوفاة. ويخطف بعضهن الأطفال ويشوينهم ويأكلونهم. ويستطعن رؤية الأشياء عن بعد ويتنبأن بالجو، وفي إمكانهن أن يحولن أنفسهن أو غيرهن إلى حيوانات، وختم بحثه بقوله إن ذلك لأن النساء أخف رؤوسا وأكثر




صفحة رقم : 8029




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


شهوة من الرجال، وأضاف أنهن، إلى هذا كله، وسائل محبوبة دائمة لإبليس. ولقد أحرق ثمانية وأربعين منهن في مدى خمس سنوات. ومنذ عهده، زاد هجوم رجال الدين على صناعة السحر حتى بلغ أوجه في القرن السادس عشر، في كنف الكاثوليك والبروتستانت على السواء، وبهذا الضرب من العنف الهائل تفوقت الأزمنة الحديثة، على العصور الوسطى. وفاخر أحد موظفي محكمة التفتيش عام 1554، بأن محكمة التفتيش، قد أحرقت ثلاثين ألفا من السحرة على الأقل، وإذا تركوا بلا عقاب فقد ينزلن الخراب بالعالم كله.
ولقد ألفت كتب كثيرة في هذا العصر لمحاربة الخرافات وتحتوي كلها على خرافات. ووجه أجوستينو ترينفو إلى البابا كلمنت الخامس، رسالة ينصحه أن يحرم السحر الخفي ولكن ترينفو رأى أن الطبيب لا يغتفر له أن يجري فصاداً في مراحل معينة من أوجه القمر. ووجه البابا جون الثاني والعشرون ضربات قاسية للكيمياء (1317) والسحر (1337)، ونعى ما ظنه انتشاراً متزايداً لتقديم القرابين إلى الشياطين، وأخذ العهود على إبليس وصناعة التماثيل والخواتم والأمزجة للأغراض السحرية، وأصدر قراراً تلقائياً بالحرمان ضد جميع الذين يمارسون هذه القوانين، ولكنه أضمر اعتقاداً في قدرتها.
وكان نيقولا أرزم هو الخصم العنيد للتنجيم في ذلك العصر، وقد توفي وهو أسقف ليزيوه عام 1382. وسخر من المنجمين، الذين لا يستطيعون تحديد جنس الطفل قبل ولادته وإن زعموا أنهم يستطيعون التنبؤ بمصيره على الأرض بعد ولادته، وقال أرزم إن مثل هذه الطوالع حكايات يسردها الزوجات العجائز وكتب مردداً عنوان شيشرون وجهده قبل ذلك بأربعة عشر قرناً عن: "قراءة الغيب" في الرد على مزاعم العرافين ومفسري الأحلام وأمثالهم. ولقد سلم وسط شكه في العلوم الخفية بصفة




صفحة رقم : 8030




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


عامة، بأن الأحداث يمكن أن تفسر بأنها من عمل الشياطين أو الملائكة. وقبل فكرة "عين الحسود". وظن أن المجرم يعتم المرآة بنظره فيها. وأن نظرة الوشق . قد تخترق الحائط. واعترف بالمعجزات التي في الكتاب المقدس، ولكنه رفض التفسيرات الخارقة إذا كانت العوامل الطبيعية تكفي للتفسير وقال نيقولا: إن كثيرين من الناس يصدقون السحر لأنهم يفتقرون إلى معرفة العلل والتطورات الطبيعية. وهم يقبلون بالسماع ما لم يروه، ولذلك قد تصبح أسطورة-مثل ساحر يتسلق حبلا ألقى به في الهواء- عقيدة شائعة( وهذه هي أول رواية تذكر فيها أسطورة تسلق الحبل) واحتج أرزم تبعاً لذلك بأن انتشار عقيدة ما ليس دليلا على صدقها بل إذا شاهد كثير من الناس حادثة تناقض تجربتنا العادية للطبيعة فيجب أن تتردد في تصديقهم. يضاف إلى ذلك أن الحواس من السهل خداعها فإن ألوان الأجسام وأشكالها وأصواتها تختلف تبعاً لمسافة أعضاء الحواس وأضوائها وحالاتها، والجسم وهو ساكن قد يبدو متحركا، والتحرك قد يبدو ساكنا، وتبدو قطعة النقود الموضوعة في قاع قنينة مملوءة بالماء، أبعد منها في قنينة فارغة. ويجب أن تفسر الأحاسيس بالفعل، وهذا أيضاً عرضة للخطأ. ويقول أرزم، إن خدع الحواس والفعل تفسر كثيراً من الأعاجيب التي تنسب إلى القوى الخارقة أو السحرية.
وعلى الرغم من هذا التقدم الجريء نحو الروح العلمي، فإن الخرافات القديمة بقيت أو عدلت أشكالها فحسب. ولم تكن مقصورة على الدهماء فقد دفع إدوارد الثالث ملك مبلغاً باهظاً من المال للحصول على قارورة، كان على يقين من أنها من مخلفات القديس بطرس وعرضت على شارل الخامس ملك فرنسا في سانت شابل، قارورة، قيل إنها تحوي بعض




صفحة رقم : 8031




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> السحرة


دم المسيح وسأل حكماءه وعلماء الدين عنده عن صحتها، فردوا متحفظين بالإيجاب. وفي هذا الجو جاهدت التربية والعلم والطب والفلسفة لتنمو.




صفحة رقم : 8032


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون



2- المعلمون


إن نهضة التجارة والصناعة قد أضيفت أهمية جديدة على التعليم. وإذا كانت معرفة القراء والكتابة تعد ترفا غالي الثمن في نظام زراعي فإنها تعتبر ضرورة لا غنى عنها في عالم المدينة الذي تغلب التجارة عليه. وقد أقر القانون أخيراً هذا التحول، ذلك أن ملاك الأرض الإقطاعيين في إنجلترا التمسوا عام 1391 من رتشارد الثاني تأييد القانون القديم الذي يحرم على رقيق الأرض أن يرسل ابنه إلى مدرسة دون أن يحصل على موافقة سيده ويقضى بتعويض المالك عن العجز في الأيدي العاملة بالمزرعة. ورفض رتشارد هذا الالتماس، أما في عهد خلفه فقد صدر قانون يسمح لأي رجل بأن يرسل من يشاء من أولاده إلى المدرسة. وفي ظل هذا القانون الذي أطلق حرية التعليم تضاعف عدد المدارس الأولية في حين بقيت في الريف المدارس التي يشرف عليها الرهبان. أما في المدن فإن الكنائس والمستشفيات والبيع والطوائف الحرفية كانت تمول المدارس الكبيرة وكان الالتحاق بها اختياريا بعد أنه شاع حتى في القرى.
وكان المعلمون في العادة من القسس ولكن نسبة المعلمين من غير رجال الدين ارتفعت في القرن الرابع عشر. وكان برنامج الدراسة يركز على الوعظ، والعقيدة الدينية والصلوات الأساسية والقراءة والكتابة والحساب والغناء والجلد بالسياط، ولقد كان الجلد بالسياط عماد التعليم حتى في المدارس الثانوية وفسر أحد رجال الدين ذلك بقوله: "يجب قمع أرواح الأولاد". وسلم معه الآباء بذلك وربما كان الأمر على هذا النحو. ولقد حثّت أجنس باستون مربي ابنها الخامل قائلة: "اجلده، إذا لم ينصلح حاله، فأنا أوثر أن يدفن حياً على أن أراه يضيع بسبب الإهمال".




صفحة رقم : 8033




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون


تابعت المدارس الثانوية سياسة التربية الدينية وأضافت غليها قواعد اللغة وكانت لا تشمل النحو والصرف والإنشاء فحسب، بل كانت تشمل اللغة أيضاً كما أنها هذبت أدب روما الكلاسيكي وتعلم الطلبة من أبناء الطبقة المتوسطة قراءة اللاتينية وكتابتها وإن كان هذا قد حدث بلا اكتراث وذلك باعتبارها من الضروريات للاشتغال بالتجارة الخارجية والعمل بالكنيسة. وكانت أحسن المدارس الثانوية أبان ذلك العهد تلك التي أنشأها في هولندا وألمانيا إخوان "الحياة المشتركة" وكان بمدرسة ديفنتر ألفا طالب. وكان لويليام الأوكهامي، أسقف ونشستر الثري المقدام فضل السبق في إنشاء أولى المدارس العامة في إنجلترا وهي معاهد تعتمد على الإعانات التي تتلقاها من الأفراد والهيئات العامة لتزود عدداً محدوداً من الأولاد بالمعلومات وتعدهم للالتحاق بالكلية. وحذا هنري السادس حذوه فأسس عام 1440 مدرسة ايتون ومُنحت الكثير من المال لإعداد الكبار وللالتحاق بكلية الملك بكمبردج.
وكان تعليم النساء، اللهم إلا بعض كريمات العقائل، مقصوراً على البيت بعد المرحلة الابتدائية. وتعلم كثير من نساء الطبقة الوسطى مثل مارجريت باستون كتابة الإنجليزية السليمة وألم بضع نفر من النساء بالأدب والفلسفة. أما أبناء الطبقة الأرستقراطية فقد تلقوا تعليما يختلف عما يلقن في المدارس إذ كانوا حتى سن السابعة يدرسون على يد نساء البيت ثم يرسلون للعمل كوصفاء عند نبيل من الأقرباء أو الجيران وهناك بعيداً عن التأثر بالإفراط في المحبة يتعلمون القراءة والكتابة والدين وقواعد السلوك من السيدات والقس المحلي وفي سن الرابعة عشر يصبحون تابعين أي خدما كبارا لسيدهم. وفي ذلك الوقت يكونون قد تعلموا ركوب الخيل والرماية والصيد والمقارعة والقتال. أما سعة الاطلاع فقد تركوها لأتباعهم.
وفي غضون ذلك كانت هذه تطورا تراثا من أعظم ما ورثوه من العصور الوسطى وهو-الجامعات-وفي الوقت الذي خمد فيه أوار الحماسة




صفحة رقم : 8034




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون


للعمارة الكنسية اشتدت حدة الحماسة لإنشاء الكليات وفي هذه الفترة شهدت أكسفورد إنشاء كليتي أكستر وأورييل وكلية الملك والكلية الجديدة وكليات لنكولن وأول سولز وماجدالين وبراسينوز وكليات الجسد الطاهر ومدرسة اللاهوت. ولم تكن عندئذ كليات بالمعنى الحديث للكلمة بل كانت قاعات، أو أماكن يقيم فيها مختار من الطلبة وكان يعيش فيها أو يكاد عشر الطلبة في أكسفورد وكان رجال الدين يدرسون معظم المواد بالجامعة في فصول دراسية أو في قاعات للمحاضرات متناثرة في أنحاء المدينة. وتمسك الرهبان البندكتيون والفرنشسكان والدومينيكان وغيرهم من طوائف الرهبان بكلياتهم المعهودة في أكسفورد وتخرج من هذه الكليات الملحقة بالأديرة نفر من ألمع الرجال في القرن الرابع عشر، من بينهم دونز سكوتوس وويليام الأوكهامي وكلاهما ألحق بعض الضرر بدراسة اللاهوت الأرثوذكسي وكان الدارسون للقانون يتلقون تدريبهم في لندن، في خانات المحاكم وفي أكسفورد لم يكن هناك تعاطف بين سكان المدينة وبين الطلبة في الكليات-أي بين المواطنين وطلاب العلم، فقد حدث في عام 1355 أن اندفع المعسكران المتعاديان إلى حرب مكشوفة وقتل كثير من الأبطال حتى عرف هذا العام باسم عام "المذبحة الكبرى".
وعلى الرغم من إدخال عقوبة الجلد بالسياط في جامعات إنجلترا (عام 1350) فإن الطلبة كانوا فئة مشاغبة وإذا كان قد حرم عليهم ممارسة الألعاب الرياضية داخل جدران كلياتهم فإنهم عددوا نشاطهم في المجون واحتساء الخمر والصيد والقنص وكانت الحانات والمواخير تلقى رواجا بفضل رعايتهم. وانخفض عدد الملتحقين بأكسفورد من ذروته في القرن الثالث عشر إلى نحو ألف وبعد طرد ويكليف تقاصت الحرية الأكاديمية بشدة الرقابة الأسقفية.
ولقد أفادت كمبرج من الخلاف مع ويكليف ومن الفزع من اللولارد




صفحة رقم : 8035




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون


فمنع المحافظون المتزمتون أولادهم من الالتحاق بأكسفورد وبعثوا بهم إلى الجامعة الصغرى، وعلى هذا فإنه ما أن أشرف القرن الخامس عشر على الانتهاء حتى كان عدد الطلبة المقيدين بالجامعتين المتنافستين متساويا. وأنشئت قاعات جديدة في كامبردج: مايكل هاوس ويونيفرسيتي أوكلير وجبروك وجونفيل وكايوس وترينيتي وكوريس كرسيتي وكمجز وكويدة سانت كاترين وجيزوس وكريست وسانت جون. وقد أصبحت هذه كليات بالمعنى المفهوم عندنا- مثل قاعات الإقامة في أكسفورد إبان القرن الخامس عشر لأن عدداً متزايداً من المعلمين آثروها ورأوا أنها أصلح الأماكن التي تجتذب محاضراتهم فيها أكبر عدد من المستمعين وكانت الفصول تبدأ في الساعة السادسة صباحاً وتستمر حتى الساعة الخامسة بعد الظهر.
وفي غضون ذلك أنشأت اسكتلندا وأيرلندة بدافع من فقرهما جامعات سانت اندروز وجلاسجو وابردين وكلية ترينتي والمعاهد الأربعة في دبلن التي شاءت الأقدار أن تصب العبقرية، جيلا بعد جيل، في الحياة الفكرية في الجزر البريطانية، أما في فرنسا فقد عانى التعليم-مثل أي شئ آخر من حرب المائة عام ومع ذلك فإن الإقبال المتزايد على المحامين والأطباء بالإضافة إلى ما يحبب الناس في الوظيفة الدينية قد شجع إنشاء جامعات جديدة في افنيون Aviignon وأورليانز وكاهور وجرينوبل وأورانج واكس آن بروفانس وبواتييه وكان وبوردو وفالنس نانت وبورج. وأصبحت جامعة باريس في القرن الرابع عشر قوة تتحدى البرلمان وتزجى النصح للملك وتعمل كمحكمة استئناف في شرح علم اللاهوت الفرنسي واعترف معظم المشتغلين بالتعليم في القارة الأوربية بأنها جامعة "كون الأكوان" Universitas universit atis، ولعل هذا يرجع إلى أن الملكية كانت توشك على الانهيار. وأدى ارتفاع شأن الجامعات الإقليمية والأجنبية إلى قلة عدد الطلبة المقيدين في جامعة باريس بل إن كلية الآداب وحدها اشتهرت بأنها




صفحة رقم : 8036




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون


تضم ألف مدرس وعشرة آلاف طالب في عام 1406، وكان بالجامعة كلها عام 1490 ما يقرب من عشرين ألفاً. عاونت على إيوائهم نحو خمسين كلية. وكان النظام هناك أقل صرامة عما هم عليه في أكسفورد والأخلاق التي تمتدح في الطلبة قد آثرت رجولتهم لا دينهم وأضيفت إلى المنهج الدراسي برامج في اللغات الإغريقية والكلدية والعبرية.
وأنشأت أسبانيا جامعاتها الرائدة في القرن الثالث عشر في بالانسيا وسلمنقة ولاردة وارتفع شأن جامعات أخرى في برايبجنان ووشقة وبلد الوليد وبرشلونة وسرقسطة وبالما وسيجونرا وبلنسية القلعة وإشبيلية. وخضعت هذه المعاهد لرقابة دينية صارمة وكان لعلم اللاهوت المقام الأول فيها. ومهما يكن من أمر، فقد خصص في جامعة القلعة أربعة عشر كرسيا (أستاذية) لعلم النحور والصرف والأدب والبلاغة واثنا عشر كرسياً للاهوت والقانون الكنسي، وظلت جامعة القلعة فترة ما أعظم مركز تعليمي في أسبانيا، وفي عام 1525 كان عدد الطلبة المقيدين بها سبعة آلاف. وقدمت المنح للطلبة المعوزين وكان ويتحكم في مرتب الأستاذ عدد طلابه. وكان يطلب من كل أستاذ أن يستقبل كل أربع سنوات ولا يكون صالحاً للتعيين من جديد إلا إذا كان عمله مرضياً. وفي لشبونة وفي عام 1300 أنشأ الملك دينيز جامعة ولكن شغف الطلبة جعله ينقلها إلى كويمبرا ولا تزال هذه الجامعة من مفاخرها حتى اليوم.
وكانت الحركة الفكرية في هذه الفترة بأوربا الوسطى أقوى منها في فرنسا أ, أسبانيا، فقد أنشأ شارل الرابع عام 1347 جامعة براغ التي سرعان ما تزعمت الحركة الفكرية لشعب بوهيميا وغدت لسانها الناطق. وظهرت جامعات أخرى في كراكو وفيينا وبيكس وجنيف وارفورت وهايدلبرج وكولونيا وبودا، وفورتسبرج وليبتسيج وروستوك ولوفين وترين وفرايبورج - أم- برايسجاو وجريفسفالد وبازيل وانجو لشتادت وبرسبورج وماينز




صفحة رقم : 8037




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعلمون


وتوبنجن وكوبنهاجن وأوبسالا وفرانكفورت-آن- أودر وفيتنبرج. وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر كانت هذه المعاهد تعج بأفواج الطلاب والمناظرات. وكان في كراكو وحدها 18338 تلميذاً في آن واحد وكانت الكنيسة تقدم معظم المال ومن الطبيعي أن يطلق عليها لحن الفكر، ولكن الأمراء والنبلاء والمدن ورجال الأعمال أسهموا في التبرع للكليات وتقديم المنح الدراسية. فقد زود الأمير فرديريك صاحب ساكسونيا جامعة فيتنبرج جزئياً بالمال المحصل من بيع صكوك الغفران والذي رفض أن يرسله إلى روما. وأنشئت لفلسفة الكلام كراسي أستاذية في الفلسفة بينما ارتقى شأن العلوم الإنسانية خارج أسوار الجامعة ولذلك انضمت معظم جامعات ألمانيا إلى الكنيسة إبان عهد الإصلاح الديني باستثناء جامعتين مهمتين: ارفورت التي درس فيها لوثر وفيتنبرج التي كان يدرس بها.




صفحة رقم : 8038




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء



3- العلماء


كان المزاج العلمي لا يكاد يشبع بين جهابذة العلماء أكثر مما يشيع بين عامة الناس. وكانت روح العصر تميل إلى "الإنسانيات" بل إن حركة إحياء الدراسات الإغريقية تجاهلت علم الإغريق. وفي مجال الرياضيات وقفت الأرقام الرومانية حجر عثرة في سبيل التقدم، وبدا أنها لا تنفصل عن الثقافة اللاتينية ثم إن الأرقام الهندية العربية ظهرت وكأنها بدعة إسلامية وقوبلت بعدم اكتراث وبخاصة شمال الألب. وقد استخدم ديوان القرن الثامن عشر. ومع ذلك فإن توماس برادواردين الذي مات بوباء الطاعون عام 1349 بعد مرور شهر من تكريسه كبيراً لأساقفة كنتر بري- أدخل إلى انجلترا عدة نظريات عربية في حساب المثلثات وكان تلميذه رتشارد والنجفورد رئيس دير سانت ألبان عالماً رائداً من علماء الرياضيات في القرن الرابع عشر، وكتابه"الجزء الرابع من شرح الجيب" أول مؤلف كبير في




صفحة رقم : 8039




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


حساب المثلثات في أوربا الغربية، وقد مات بالجذام في الثالثة والأربعين وهو يأسف على الوقت الذي اختلسه من اللاهوت للعلم.
وكان نيكول أريزم من أنشط رجال الدين ومع ذلك فإنه اقتحم بنجاح مجال أثنى عشر علما ومهد الطريق إلى الهندسة التحليلية بتطوير الاستخدام المنهجي للإحداثيات وباستعمال الخطوط البيانية لإيضاح زيادة الدالة. وقد لعب بفكرة البعد الرابع ولكنه نبذها. وهو مثل الكثيرين من معاصريه أشار إلى قانون جاليليو الذي يقول إن سرعة الجسم الساقط تتزايد بانتظام طوال الفترة التي يستغرقها في سقوطه، وفي تعليق على كتاب أرسطو، كتب يقول: إننا لا نستطيع أن نثبت بأي تجربة أن السماء تتعرض لحركة يومية وأن الأرض لا تتعرض لها فثمة أسباب وجيهة تدل على أن الأرض وليست السماء تتعرض لحركة يومية. وقد لجأ أورزم إلى النظام البطليموسي وإن كان قد أعان على الإعداد لنظرية كوبرنيكوس.
وعندما نذكر أنه في ذلك الوقت لم يكن يوجد منظار مقرب ولا آلة تصوير ليرصد المرء بهما السماء أو يسجل ما يحدث فيها فإنه من الأمور المشجعة أن نسجل مقدرة وذكاء الفلكيين من المسلمين واليهود والمسيحيين في العصور الوسطى. وقد وصف جان دي لينيه، بعد سنوات من مشاهداته الشخصية، أوضاع ثمان وأربعين نجماً بدقة لا يضارعه فيها سوى المسلمين وحسب ميل دائرة البروج في حدود سبع ثوان عن أحدث تقدير. وعرض جان دي مير وفيرين دي بوفال (1344) إصلاح التقويم اليولياني الذي كان يسبق الشمس- بحذف اليوم التاسع والعشرين من فبراير كل أربعة أعوام خلال الأربعين سنة التالية (التي كان يمكن أن تخطئ بالزيادة). وقدر لهذا الإصلاح أن ينتظر حتى عام 1582 ولا يزال في انتظار تفاهم دولي وإخلاص متبادل.




صفحة رقم : 8040




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


ولقد خلص ويليام ميرل علم الرصيد الجوي من علم الفلك بتسجيل الطقس خلال 2556 يوماً. واكتشف راصدون وملاحون مجهولون خلال القرن الخامس عشر انحراف الإبرة المغناطيسية: فهي لا تشير إلى الشمال تماماً بل تميل نحو الزوال الفلكي بزاوية صغيرة وإن كانت مهمة وهي كما لاحظ كولمبس تختلف من مكان إلى مكان. وأعظم شخصية بين علماء الرياضيات والفلك في هذا العهد جوهان مولر المعروف في لتاريخ باسم زجيو مونتاس منذ مولده عام 1439 قرب كنيجربرج في فرانكونيا السفلى. وقد التحق في الرابعة عشر بجامعة فيينا حيث كان جورج فون بورباخ يقدم الإنسانيات وآخر ما وصل إليه الإيطاليون في الرياضة والفلك وكلا الرجلين بلغ سن النضوج مبكراً ومات في سن غضة: فقد مات بورباخ في الثامنة والثلاثين ومولر في الأربعين. وصمم مولر على أن يتعلم اليونانية لكي يقرأ كتاب:"المجسطي" في الفلك لبطليموس بلغته الأصلية فذهب إلى إيطاليا ودرس اليونانية على يد جوارينو دي فيرونا والتهم كل النصوص التي وقعت في يده سواء كانت باليونانية أو باللاتينية عن الفلك والرياضيات ثم عاد إلى فيينا وهناك قام بتدريس هذه العلوم بنجاح حتى لقد استدعاه ماتياس كورفينوس إلى بودا ثم انطلق إلى نورمبرج حيث بنى له أحد أغنياء الطبقة المتوسطة أول مرصد أوربي وجهزه مولر بآلات أقامها أو حسنها بنفسه. وإنا لنحس بنسيم العلم النقي في خطاب كتبه إلى زميل له من علماء الرياضة عام 1464:"لست أدري متى يتوقف قلمي. إنه سوف يستهلك كل أوراقي إذا لم أتوقف عن الكتابة. إن المسائل تخطر لي واحدة إثر الأخرى وكثير منها جميل بحيث أتردد أيها أضع بين يديك". وفي سنة 1475 استدعاه سكستوس الرابع إلى روما لإصلاح التقويم وهناك مات رجيو مونتانوس بعد عام.
وقد حدت حياته القصيرة من منجزاته. ووضع تخطيطا لمؤلفات في الرياضيات والطبيعة والتنجيم والفلك، وكان يأمل أن يشرف على نشر القديم




صفحة رقم : 8041




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


من تلك العلوم. ولم تجد طرقها للوجود والبقاء إلا شذرات من هذه الأعمال وقد أكمل خلاصة"المجسطية" لبورباخ وألف مقالاً بعنوان "في المثلثات" De triangulis، وهو أول كتاب خصص لحساب المثلثات وحده. ويبدو أنه كان أول من رأى استخدام المماسات في الحسابات الفلكية وسهلت جداوله عن جيوب الزوايا وظلالها الحسابات الفلكية لكوبر نيكوس. ووضع جداول فلكية تمتاز بدقة لا نظير لها في الجداول التي وضعت من قبل. وأثبتت طريقته في حساب درجات الطول والعرض أنها نعمة وبركة للملاحين.
وأصدر عام 1474 تقويماً بعنوان:"اليوميات" Ephemerides أوضح فيه الوضع اليومي للكواكب السيارة خلال الأعوام الاثنتين والثلاثين القادمة ومن هذا الكتاب تنبأ كولمبس بخسوف القمر الذي سيملأ بطون رجاله الجياع في اليوم التاسع والعشرين من شهر فبراير عام 1504.
وقد وضعت الملاحظات التي أبداها رجيومونتانوس، عن مذنب هالي أسس علم الفلك الحديث الخاص بالمذنبات. ولكن تأثيره الشخصي في حياته كان أعظم من تأثير كتبه فقد ساعت محاضراته المشهورة على إحداث إشراقة ذهنية في نورمبرج في شباب دورر وإليه يرجع الفضل في شهرة المدينة بآلاتها وخرائطها الملاحية. ولقد رسم أحد تلاميذه، مارتن بهايم بالألوان على الرق أقدم كرة أرضية معروفة عام 1492 وهي لا تزال محفوظة في المتحف الألماني لنورمبرج.
ولا تدين الجغرافي الحديثة بوجودها للمتخصصين في هذا العلم بقدر ما تدين للبحارة والتجار والمبشرين والمبعوثين والجنود والحجاج. وقد استخدم ربابنة السفن الأسبان من قطالونيا خرائط ممتازة وكان دليل الربان لمواني البحر الأبيض المتوسط الذي كانوا يستخدمونه في القرن الرابع عشر لا يقل دقة عن خرائط الملاحة في عصرنا. ولما كانت الطرق التجارية للشرق قد




صفحة رقم : 8042




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


سقطت في أيدي الترك فقد طور المستوردون الأوربيون طرقاً برية جديدة تخترق أراضي المغول وبعد أن قضى أوديريك أف بوردنون الراهب الفرنشيسكاني ثلاث سنوات في بكين (1323-1326م) كتب تقريراً إيضاحياً عن رحلته إلى الصين عبر الهند وسومطره وعن رحلة عودته عبر التبت وإيران. وروى كلافيجو-كما سنرى-قصة خلابة عن بعثته إلى تيمور. وأما جوهان شنيتبرجر البافاري الذي أسره الأتراك في نيكوبوليس عام 1396 فقد قام بجولة استغرقت ثلاثين عاماً في تركيا وأرمينيا وجورجيا وروسيا وسيبيريا وكتب في مؤلفه"كتاب النهضة" Reisebuch أول وصف لسيبيريا لكاتب من غرب أوربا. وفي سنة 1500 نشر جوان دي لاكوزا أحد ربابنة سفن كولمبس خريطة متسعة للعالم توضع لأول مرة بالرسوم الجغرافية استكشافات سيده وفاسكودي جاما وآخرين. كانت الجغرافية دراما متحركة في القرن الخامس عشر ومن أعظم الرسائل أثراً في الجغرافية بصفة خاصة "صورة العالم" che Imago mundi (1410) للكارينال بييردايلي وهي التي شجعت كولمبس على القيام برحلته بوصفها المحيط الأطلسي بأنه يمكن عبوره في بضعة أيام إذا كانت الريح مواتية. وكان هذا الكتاب واحداً من ست مؤلفات كتبها هذا القسيس المجتهد في الفلك والجغرافية والأرصاد الجوية والرياضيات والمنطق وما وراء الطبيعة وعلم النفس وإصلاح التقويم والكنيسة، وعند ما وجه إليه اللوم لتخصيصه وقتاً طويلاً كهذا للدراسات الدنيوية أجاب بأن على رجل الدين أن يطلع دائماً على العلم بل إنه كان يرى أن في التنجيم شيئاً من العلم وعلى أسس من التنجيم تنبأ بأن المسيحية سوف تتعرض لتغيير كبير في خلال مائة عام كما تنبأ بأحداث تهز العالم في عام 1789.
وخير فكرة في القرن الرابع عشر كانت في علم الطبيعة ويرجع الفضل إلى دبتريش أوف فرايبورج في أنه قدم لنا بالذات تفسيرنا الحديث




صفحة رقم : 8043




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


لقوس قزح وأنه يتكون نتيجة انكسارين وانعكاس واحد لأشعة الشمس من قطرات الماء.. ولجان بوريدان مؤلف رائع في الطبيعة النظرية ومما يؤسف له أنه اشتهر بفضل حماره فحسب ولعله لم يكن صاحبه . وقد ولد بورديان قرب آراس قبل عام 1300 وتلقى علومه ثم درس في جامعة باريس. وهو لم يعلل دوران الأرض اليومي حول الشمس فحسب بل إنه أسقط من علم الفلك المعارف الملائكية التي نسب إليها أرسطو وأوكونياس مسار الأجرام السماوية وحركاتها وقال بورديان :"لا حاجة بنا بعد اليوم إلى تفسير حركاتها أكثر من أنها بدأت تتحرك أصلاً بإذن الله وبقانون قوة الدفع- أن أي جسم يتحرك يستمر في الحركة ما لم تمنعه قوة موجودة". وهنا كان لبورديان فضل السبق على جاليلو وديكارت ونيوتن. واستطرد قائلاً إن حركة النجوم تحكمها نفس القوانين الآلية التي تتحكم في الأرض. وهذه الآراء التي تعد الآن رثة بالية كان لها أثر عظيم في هدم آراء الناس في العصور الوسطى. وهي تكاد تؤرخ لبداية الطبيعة الفلكية.
ونقل تلاميذ بوريدان آراءه إلى ألمانيا وإيطاليا وتأثر بها ليوراند وكوبرنيكوس وبرنو وجاليلو ثم حملها ألبرت أمير ساكسونيا إلى الجامعة التي أنشأها في فيينا عام 1364 ونقلها مارسيليوس فون انجهن إلى الجامعة التي أسسها في هيدلبرج عام 1386 وكان ألبرت أول من نبذ رأي أرسطو القائل أن الفراغ مستحيل، وطور فكرة وجود مركز الجاذبية في




صفحة رقم : 8044




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


كل جسم وسبق مبادئ جاليلو عن التوازن في حالة السكون والعجلة المنتظمة للأجسام الساقطة وتمسك بأن تعرية الجبال بسبب الماء وارتفاع الأرض التدريجي أو بعوامل بركانية تعد قوى معوضة في الجيولوجيا_ وهي فكرة خلبت لب ليوراندو.
وأحرز علم الميكانيكا العملية بعض التقدم المتواضع واستخدمت الطواحين الهوائية المعقدة لضخ الماء وصرفه من الأرض وطحن الغلال وللقيام بأعمال يومية أخرى. واستخدمت القوة المائية في الصهر والنشر وفي تشغيل منفاخ الفرن والمطرقة الميكانيكية وآلات غزل الحرير وكان المدفع يسبك ويثقب وكان الصلب يصنع بكميات كبيرة الحجم وأقيمت أفران الصهر العالية في أوربا الشمالية إبان القرن الرابع عشر ونذكر الثاقب الجيد في سنة 1373 وكان سحب الأسلاك يمارس في نورمبرج في القرن الخامس عشر ووردت صورة مضخة تتكون من دلاء مركبة على سلسلة لانهاية لها في مخطوط عام 1438. وفي رسم للمهندس كونرادكيزر وهو من أتباع هس(1405) توجد أقدم صورة معروفة للحركة المترددة التي تتحول إلى حركة دوارة :ذراعان يتحركان على التعاقب ويديران في دقة اسطوانة بينما تدير المكابس عمود المحور لسيارة.
وكانت الحاجة ماسة إلى ميكانيكية أفضل لقياس الوقت لنمو حجم التجارة والصناعة. وقسم الرهبان والفلاحون النهار إلى عدد بعينه من الفترات في كل الفصول وجعلوا الفترات في فصل الصيف أطول منها في فصل الشتاء. وتطلبت الحياة في المدينة تقسيمات للوقت أكثر تجانساً فصنعت إبان القرنين الثالث عشر والرابع عشر ساعات الحائط وساعات معصم يقسم فيها اليوم إلى أجزاء متساوية طوال العام. وفي بعض الأماكن كانت الساعات ترقم من واحد إلى أربع وعشرين كما يجري عليه العمل لضبط الوقت عند العسكريين في عصرنا. وفي أواخر عام 1370 كانت




صفحة رقم : 8045




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


بعض الساعات الكبيرة مثل التي صنعت في سان جوتارد وفي ميلان تدق الرقم بأكمله. وقد ثبت أن هذا إسراف في الضجيج. وما أن حل عام 1375 حتى كان اليوم مقسماً بانتظام إلى نصفين كل منهما به اثنتا عشرة ساعة.
وكانت القاعدة الأساسية في الساعة الآلية ثقلا يدير عجلة ببطيء ويتحكم في دورانها ترس بمقدار سن واحدة في فترة معينة من الزمن. ولقد وضعت هذه الساعة التي تقيس الوقت حوالي عام 1271. ولأقيمت أول ساعات آلية كبيرة في برج للكنائس أو قباب يمكن رؤيتها من مساحات بعيدة في أي مدينة. ومن أوائل هذه الساعات ما ركب في دير سانت ألبانز على يد ريتشارد والنجفورد وكانت لا تبين الساعات والدقائق في اليوم فحسب بل كانت تبين أيضا الجزر والمد وحركات الشمس والقمر، وأما الساعات التي صنعت فيما بعد فقد أضيف إليها مزيج من الأجهزة المبتكرة في الساعة الكبيرة في كتدرائية ستراسبورج (1352) وكان يظهر فيها ديك يصيح ثلاثة من أعضاء الجسم، وكانت ساعة الكاتدرائية في ولز تستخدم صورة متحركة للشمس إلى الساعة ونجما صغيرا على دائرة داخلية لتبين الدقيقة ودائرة لتبين أي يوم في الشهر وعلى منصة فوق المزواة أربعة من الفرسان يبرزون ويهاجمون كلما دقت الساعة وفي إحدى الساعات التي صنعت في القرن الخامس عشر في فيينا كانت هناك رأس مهرج يفتح فمه الهائل ليلتهم تفاحة من أحد الحجاج ولكنه لا يكاد يطبق عليها فمه حتى تختطف منه هذه الملهاة تمثل كل ساعة من ساعات اليوم خلال مئات الأعوام ولا تزال هذه الساعة موجودة. وقد أقيمت عام 1506




صفحة رقم : 8046




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


ساعة مماثلة في نورمبرج وأوقفتها الحرب العالمية الثانية بجفاء عن العمل ثم استأنفت عروضها المسرحية في سنة 1953.
ولصنع الساعات الصغيرة استبدل بالثقل المعلق زنبرك حلزوني عام 1450 شريط من الصلب الرقيق على شكل حلقة صغيرة أو طاردة وتحدث بفكها تدريجيا الأثر الذي يحدثه الثقل على العجلة البطيئة. وما أن أشرف القرن الخامس عشر على نهايته حتى أصبحت الساعات الصغيرة متوفرة بعضها كبير في الحجم في حجم الكف والبعض الآخر صغير في حجم اللوزة وكثير منها بيضي الشكل مثل "بيض نورمبرج" التي صنعها بيتر هيل (1510) وطبقت قاعدة الثقل والترس والعجلة لأغراض أخرى بحيث أصبحت الساعة الآلية سببا في صنع عشرات الآلاف من الآلات المتعددة.
وبينما كان علم الطبيعة بشيراً بالثورة الصناعة كانت الكيمياء القديمة تنمو ببطيء في علم الكيمياء وفي نهاية هذا العصر كان الكيميائيون قد اكتشفوا ووصفوا الزنك والبزموث والكبريت الحي وحجر الأثمد (الأنتيمون) والفورين القلوي الطيار ومواد أخرى كثيرة وقطروا الكحول وبخروا الزئبق وصنعوا حامض الكبريتيك بتسخين الكبريت وأعدوا الأثير والماء الملكي وصبغة قرمزية تفوق الصبغات التي تستعمل الآن وأورثوا علم الكيمياء الطريقة التجريبية التي أثبتت أنها أعظم ما وهبه علم العصور الوسطى للعقل الحديث.
وكان علم النبات لا يزال في الأغلب مقصورا على كتيبات في الفلاحة أولا يعدو كتاباً يصف أعشاباً ونباتات طيبة. وكان من رأى هنري أوف هيس (1325-1397) أن أنواعاً جديدة، بخاصة بين النباتات، يمكن أن تتطور طبيعياً عن أنواع قديمة وكان هذا رأيه قبل داروين بخمسمائة عام. وليس من شك في أن إقامة معارض ملكية أو بابوية للوحوش




صفحة رقم : 8047




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> العلماء


وتربية الحيوانات والطب البيطري وعجالات في القنص أو صيد السمك أو تربية النحل أو دود القز وحكايات خرافية أبطالها من الحيوانات تروي قصصا منها ما له مغزى أخلاقي وكتبا في فن رياضة الصقور مثل كتاب رآه فيبوس(1387) من تأليف جاستون الثالث كونت أوف فو، قد جمعت بلا قصد مادة لعلم الحيوان.
وكان لا بد للتشريح والفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) من الاعتماد على تشريح الحشرات وعلى إصابات الجنود والحالات العرضية التي يحتم فيها القانون تشريح لمعرفة سبب الوفاة. وكان المسيحيون المؤمنون يحسون بأنهم على حق في الاعتراض على تشريح جثث الآدميين فالمفروض أنهم على الرغم من وفاتهم سيبعثون من القبور وأبدانهم سليمة يوم الحساب، وكان من الصعب الحصول على جثث لدراسة التشريح خلال القرن الرابع عشر وأتيح لعدد قليل جداً من الأطباء شمال الألب قبل عام 1450 رؤية جثة بشرية بعد تشريحها ومع ذلك فإن جي دي شولياك أقنع السلطات في أفنيون عام 1360 بأن تحول لمدارس الطب جثث المجرمين الذين ينفذ فيهم حكم الإعدام لإجراء تشريع لها. وكانت عمليات التشريح تتم أمام طلبة في البندقية عام 1368 وفي مونبلييه عام 1377 وفي فلورنسا عام 1388 ولاردة عام 1391 وفي فيينا عام 1404. وشيدت جامعة بادوا عام 1445 أول مشرحة معروفة وكانت النتائج لا نهاية لها عالم الطب.




صفحة رقم : 8048




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون



4- المعالجون


كانت أوربا الشمالية متخلفة بنصف قرن أو أكثر عن إيطاليا في علم لطب وممارسته شأنها في ذلك الأدب والفن بل إن إيطاليا لما تصل ثانية عام 1300 إلى ما وصل إليه جالينوس وسورانوس في الطب قبل ذلك بألف




صفحة رقم : 8049




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون


عام، ولكن مدارس الطب في مونبلييه وباريس وأكسفورد أحرزت تقدماً لا بأس به، وكان أعظم الجراحين في هذا العصر من الفرنسيين. وكانت المهنة وقتئذ منظمة تماماً وتدافع بشدة عن امتيازاتها ولكن لما كان الطلب على العلاج يزيد كثيراً عن عدد الأطباء فإن تجار الأعشاب الطبية بائعي لعقاقير والقابلات والأطباء المتجولين والحلاقين والجراحين- ولا ضرورة لذكر أدعياء الطب- نافسوا في كل مكان الأطباء المتمرسين. وأما الجمهور الذي كان يصاب بالمرض بسبب المعيشة الخاطئة ثم يبحث عن تشخيص لا يخطئ وعلاج رخيص يتم به الشفاء في ليلة واحدة فقد كان يجأر بالشكاوي المعتادة من الأطباء المرتزقة والسفاحين ورأى فرواسار أن "هدف كل الرجال الطب أن يحصلوا على مرتبات كبيرة" وكأن هذا لم يكن مرضاً متوطناً بالنسبة لكل الحضارات.
وكان أهم رجال الطب إبان هذا العصر الجراحين ولم يكونوا قد أقنعوا بعد الأطباء بالاعتراف بهم على قدم المساواة، والحق أن جامعة باريس كانت لا تقبل طالبا في مدرسة الطب في القرن الرابع عشر إلا بعد أن يقسم أنه لن يجري أية عملية جراحية. بل إن الحجامة التي أصبحت علاجا لكل الأمراض حرمت على الأطباء وكانت تترك لتابعيهم. ولجأ الناس إلى الحلاقين لإجراء عمليات كثيرة إلا أن الحلاقين الجراحين كانوا إبان ذلك الوقت يهجرون ممارسة الحلاقة ويتخصصون في الجراحة، وكان هناك أربعون من هؤلاء الحلاقين في باريس عام 1365، وفي إنجلترا استمروا يزاولون المهنة عام 1540. وصدر عام 1372 قانون قصر عملهم في فرنسا على علاج "الجروح التي ليس من شأنها تسبب الوفاة" ولذلك فإن العمليات الكبيرة لا يمكن أن يجريها إلا "أساتذة الجراحة" الأخصائيون، وصدر عام 1505 مرسوم بإنشاء كلية ملكية للجراحين في أدنبرة.




صفحة رقم : 8050




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون


واعظم المتخصصين في الجراحة في النصف الأول من القرن الرابع عشرهم هنري دي موند فيل وجي دي شولياك ولعل فرواسار سجل أن موندفيل ظل فقيراً حتى آخر يوم في حياته على الرغم من أعماله كانت دائماً في رواج وأنه قام بعمله على الرغم من إصابته بالربو والسل. وقد استوعب كتابه "الجراحين"Chirurgia (1306- 20) وهو أول مؤلف في الجراحة الفرنسي، الميدان كله بإتقان وجدارة تبوأ بهما- الجراحون مكانا مرموقاً وكان أعظم ما أسهم به تطبيق وتطوير طريقة تعلمها من تيودوريك بورجونيوني في بولونيا لعلاج الجروح بالتطهير الكامل ومنع التقيح وتسرب الهواء وعمل الضمادات بالنبيذ، وقد دافع عن الطريقة التي ابتدعها بأن من قبول رأى جالينوس أو غيره من الثقات القدامى بلا مناقشة، وكتب يقول مستخدما صفة محببة في العصور الوسطى: "إن المؤلفين المعاصرين بالنسبة للقدامى منهم يشبهون قزما يركب فوق كتف عملاق فهو يرى كل ما يراه العملاق بل ويرى أبعد منه".
وقد أنجب الجيل الذي جاء بعده أشهر الجراحين في العصور وهو جي دي شولياك وهو من أصل ريفي في قرية ريفية أخذ منها اسمه، وقد أثر في سادة القصر فجعلهم يتكفلون بنفقات تعليمه في تولوز ومونبلييه وبولونيا وباريس، وفي عام 1342 أصبح طبيبا خاصا للبابا في أفينون. واحتفظ بهذا المنصب الصعب ثمانية وعشرين عاماً وعندما اجتاح وباء الطاعون أفنيون لم يغادر موقعه ومد يد العون للضحايا وأصيب بالوباء ولم ينج من لموت إلا بمعجزة، وقد ارتكب أخطاء جسيمة مثل أي إنسان إذ كان تارة يعزو انتشار الوباء إلى اقتران بين الكواكب في ساعة نحس وتارة يتهم اليهود بأنهم يهدفون إلى تسميم أبناء العالم المسيحي وأخر التئام الجروح بنبذه طريقة موندفيل في اللصقات والمراهم ولكنه عاش معظم حياته وفيا لأرفع تقاليد مهنته العظيمة. ويعد مؤلفه Chirurgia magna، (1363)




صفحة رقم : 8051




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون


الجامع في فن الجراحة" أكمل بحث في الجراحة وأكثر تنسيقا وأغزر مادة من الرسائل التي ألفت قبل القرن السادس عشر.
وواكبت الصحة الجماعية والفردية بصعوبة تقدم الطب فلم تكن النظافة الشخصية شيئاً مقدساً بل إن ملك إنجلترا كان لا يستحم إلا مرة واحدة كل أسبوع وكان يغفل الاستحمام أحيانا... وكان الألمان يستخدمون حمامات عامة- أحواضاً واسعة يقف فيها المستحمون أو يجلسون عراة الأجسام وأحيانا فيها الجنسان معا. وكان في أولم وحدها 168 حماماً عام 1489 وفي كل أنحاء أوربا- دون استثناء للطبقة الأرستقراطية دائماً- كانت نفس القطعة من الملابس ترتدى شهورا أو سنوات أو أجيالاً.
وكان في كثير من مدن ما يكفيها من الماء ولكنه كان لا يصل إلا إلى بضع منازل وكان معظم الأسر أن يجلبوا الماء من أقرب نافورة أو بئر أو ينبوع. وظل هواء لندن ملوثا برائحة الماشية المذبوحة إلى أن حرمت المذبحة عام 1371 وكانت المراحيض تنغص حياة الناس السهلة في الريف. ولم يكن في منازل لندن إلا مرحاض واحد لكل السكان وخلا كثير من أي مرحاض وكانت ما فيها من براز في الأفنية أو الطرقات. وكانت آلاف الفضلات تلقى في نهر التيمز صدر عام 1357 قانون يحرم ذلك وإن استمر الحال على ما هو عليه وفي سنة 1388 أقر البرلمان أول قانون للصحة العامة يسري في جميع أنحاء إنجلترا وقد دفعه إلى هذا انتشار الوباء أكثر من مرة "نظراً لأن كثيراً من الغائط والنفايات القذرة والأمعاء والذبائح والمواد الأخرى تلقى وتوضع في الحفر والأنهار والمياه الأخرى... ونظراً لأن الهواء يتلوث ويفسد إلى حد كبير فتنتشر كل يوم أمراض كثيرة وأسقام أخرى لا تطاق بين السكان وبين الآخرين ممن يترددون أو يسافرون إلى هناك فقد تم الإنفاق والرضى على نشر




صفحة رقم : 8052




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون


هذا الإعلان- في أنحاء إنجلترا... إ جميع من يلقون ويضعون مثل هذه الأشياء المقلقة للراحة سيجبرون على إزالتها تماماً... وإلا تعرضوا لعقوبة الغرامة من مولانا الملك".
وقد صدرت قوانين مماثلة في فرنسا في مثل هذا الوقت وفي سنة 1383 أمرت السلطات في مارسيليا، مقتفية أثر سلطات راجوزا (1377) بعزل الأشخاص المصابين بالوباء لمدة أربعين يوماً- بالحجر الصحي. واستمرت الأوبئة في انتشار- الحمى الدخنية في إنجلترا (1486- 1508) ومرض الخناق والجدري في ألمانيا (1492)- إلا أن العدوى بها قد تضاءلت وقلت الوفيات. وعلى الرغم من التهاون في الرعاية الصحية فإن المستشفيات كانت كثيرة نسبيا فقد كان في إنجلترا 460 مستشفى عام 1500 وكان في يورك وحدها ستة عشر مستشفى.
وتجاوز علاج المجانين شيئاً فشيئاً مرحلة احترام الخرافات والأوهام والقسوة الهمجية إلى مرحلة العلاج العلمي، فقد حدث عام 1300 أن نشبت جثة فتاة ادعت أنها الشبح المقدس وأحرقت بأمر من رجال الدين، ولقيت فتاتان عبرتا عن إيمانهما بما ادعته، مصرعهما بالجلوس على الخوازيق وفي سنة 1359 فوض كبير أساقفة طليطلة السلطات المدنية في إحراق إسباني حياً وكان قد ادعى أنه أخ ميكائيل كبير الملائكة وأنه يتردد على السماء والجحيم كل يوم.
وتحسنت الأمور في القرن الخامس عشر إذ أن راهباً يدعى جان جوفر، امتلأ قلبه عطفاً على المجانين الذين كانت الغوغاء تتابعهم في الشوارع بصفير الاستهزاء أنشأ مستشفى للمجانين (1409) وحذت السلطات حذوه في مدن أخرى وتحولت مستشفى سانت ماري أوف بيت لحم التي أسست في لندن عام 1247، إلى مستشفى للمجانين عام 1492 وأصبحت




صفحة رقم : 8053




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المعالجون


كلمة "بيت لحم" التي حرقت إلى كلمة"بدلام"- مرادفة لمستشفى المجانين.
وكان الذين يثبت إصابتهم بالجذام منبوذين من المجتمع وإن كان الجذام قد اختفى أو كاد من أوربا الغربية في القرن الخامس عشر وحل محله مرض الزهري، ولعله مرحلة متطورة لمرض الزهري المعروف من قبل في فرنسا وربما كان مرضا وافدا من أمريكا وظهر أخيرا في إسبانيا عام 1493 وفي إيطاليا عام 1495 ثم انتشر انتشارا واسعاً في فرنسا حتى أطلق عليه اسم الوباء الغالي .
وقد اجتاح بعض المدن في ألمانيا فالتمست إعفاءها من الضرائب- وما أن أشرف القرن الخامس عشر على نهايته حتى سمعنا عن استخدام الزئبق في علاجه. وأخذ تقدم الطب في ذلك الوقت كما هو الآن يسابق بشجاعة كل مستحدث في المرض.




صفحة رقم : 8054




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة



5- الفلاسفة


على الرغم من أن عصر واضعي النسق قد انقضى كانت لا تزال في أوج قوتها والحق زعزعت أركان العقيدة المسيحية في القرن الرابع عشر. وانتهى تذبذب علماء اللاهوت في الفلسفة بفضل تحول في الرأي: فقد اهتم قادة الفكر مثل بوريدات بالعلم اهتماما كبيرا وبالاقتصاديات مثل أريزم وبالنظافة الكنسي مثل نيكولاس الكوزي وبالسياسة مثل بيير ديبوا ومارسيليوس البادوي. وكان هؤلاء الرجال أن أندادا في الفكر لالبرتوس ماجينوس وتوما الأكويني وسيجيردي باربان ودونس سكوتوس وظلت فلسفة الكلام-كمنهج للجدل والعرض وكمحاولة لإظهار ارتباط العقل بالإيمان-تسود الجامعات في الشمال واعتبر الأكويني قديسا عام 1323 وبعد ذلك أحس أتباعه من الدومينيكان وبخاصة في لوفين وكولونيا أن من دواعي الشرف أن يتمسكوا بعقيدة في مواجهة كل التحديات.




صفحة رقم : 8055




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


أما معارضوه من الفرنشسكان الثابتين على العهد فقد آثروا أن يتبعوا أوجستين ودونس سكوتوس. وصدم ويليام ديراند من سان بورسان، وهو أحد الرهبان الدومينكان المتحررين، طائفته عندما انخرط بين أتباع سكوتوس وعندما بلغ الثامنة والثلاثين (عام 1308) بدأ في كتابة حاشية مفصلة وفرغ منها في سن متقدمة. ولقد نبذ أثناء تقدمه آراء أرسطو والأكويني ورأى أن يغلب العقل على حجة كل عالم مهما كان حظه من الشهرة أو الخطر "وهنا كان فيلسوفاً له نصيب من حاسة الفكاهة". وبينما ظل صراحة وفياً لآراء علماء اللاهوت فإنه مهد السبيل لأسمية أوكهام المتشددة وذلك باستعادة المذهب التصويري لأبيلار: الأشياء الفردية فقط التي تبقى وكل الأفكار المجردة أو العامة ليست إلا أقرب التصورات للعقل. وأطلق أصدقاء وليام عليه اسم دكتور ريزولوتيسيموس أما خصومه فأطلقوا عليه اسم دوروس دوراندوس -ديران الصلب- وكانوا يعللون أنفسهم بأن نيران جهنم سوف تلين قناته في النهاية.
وكان ويليام الاوكهامي أشد صلابة ولكنه لم ينتظر حتى يلقى حتفه حرقاً، وقضى حياته بأسرها في جدل حاد ولم تخف حدته إلا بالسجن من آن لآخر وتحت ضغط الأيام ليعبر عن حرارته في صيغة الفلسفة الكلامية ولم يسلم في الفلسفة إلا بسلطان التجربة والعقل. وكان يتحمس لنظرياته ويمسك بخناق نصف أوربا دفاعا عن آرائه. وهو بحياته ومغامراته وأهدافه يسبق إلى تمثيل فولتير ومغامراته وأهدافه. ولعله كان أعظم منه أثراً.
ولا نستطيع أن نقول أين أو متى ولد على وجه التحديد، ولعله ولد في أوكهام بمقاطعة سورى حوالي نهاية القرن الثالث عشر. واندرج في سلك طائفة الفرنشسكان وهو بعد صبي صغير وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره أرسل إلى جامعة أكسفورد باعتباره صبيا ذكيا سيكون ولا ريب ضوء




صفحة رقم : 8056




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


مشرقا في الكنيسة. وفي أكسفورد وربما في باريس، أحس بتأثير راهب فرنشسكاني آخر داهية هو دونس سكوتوس لأنه على الرغم من أنه عارض"زاقعية" سكوتوس فإنه دفع بنقد سلفه التعقلي للفلسفة واللاهوت بضع خطوات نحو مذهب الشك الذي يذيب الفوارق بين العقائد الدينية والقوانين العلمية. وقام بالتدريس ست سنوات في أكسفورد وربما يكون قد درس في باريس. ويبدو أنه كتب تعليقات على فلسفة أرسطو وبيتر لومبارد قبل عام 1324-وهو لا يزال حدثا في العشرين وأعظم أثر هو كتاب"الجامع لكل علم المنطقSumma totius logicae " وهو موجز لكل قواعد المنطق.
ويبدو الأمر لأول وهلة صورة من صحراء جرداء في تقطيع أوصال المنطق والمصطلحات اللغوية التكنولوجية، موكب لا حياة فيه من التعريفات والتقسيمات والتفريعات والصفات المميزة والتصنيفات والمهارات. وعرف أوكهام كل شيء عن "علم المعاني" وأسف لعد دقة الاصطلاحات المستعملة في الفلسفة وقضى نصف الوقت في محاولة توخي الدقة فيها أكثر من قبل. واستاء من الصرح القوطي للتجريدات يركب أحدهما الآخر كالعقود في الطبقات الموضوعة إحداها فوق الأخرى، والتي أثارها الفكر في القرون الوسطى. ولا نستطيع أن نجد في أعماله الباقية بالدقة الصيغة المشهورة التي سميت في التراث بإسم "مبضع أوكهام" الذاتيات لا تتضاعف بحيث تتجاوز الحاجة. ولكنه عبر عن المبدأ بمصطلحات أخرى مراراً وتكراراً -التعددية (في الذاتيات أو العلل أو العوامل) لا تثبت (أو تفترض) إلا لضرورة، و"من العبث أن نبحث عن إنجاز أو شرح بافتراض أو علل يمكن تفسيرها بأقل منها"، ولم يكن المبدأ جديداً فقد قبله الأكويني واستخدمه سكوتوس ولكنه بين يدي أوكهام أصبح سلاحاً قاتلاً يقطع به مئات الأوهام الغامضة والتجريدات العظيمة.




صفحة رقم : 8057




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


وبتطبيق المبدأ على نظرية المعرفة رأى أوكهام أنه لا داعي لأن يفترض كمصدر ومادة للمعرفة، أي شيء أكثر من الاحساسات ومن هذه تنشأ الذاكرة (إحساس ينعش) والإدراك (إحساس يفسر من خلال الذاكرة) والخيال (ذاكرات متحدة) والتوقع (ذاكرة تنعكس) والفكرة (ذاكرة تقارن) والتجربة (ذاكرة تفسر من خلال الفكرة). "لاشيء يمكن أن يكون موضوعاً للحس الداخلي (الفكرة) إلا إذا كان موضوعاً للحس الخارجي (الشعور)". وها هو المذهب التجريبي للوك قبل ظهوره بثلاثمائة عام.
وكل ما ندركه خارج نفوسنا هو ذاتيات فردية-أشخاص معينين وأشياء وأفعال وأشكال وألوان وأذواق وروائح وضغوط ودرجات حرارة وأصوات، والكلمات التي تعبر بها عن هذا هي "كلمات أول قصد" أو المراد الأولى وتشير مباشرة إلى ما ننشرها على أنها حقائق خارجية، وبتدوين وتجريد الملامح العامة للذاتيات المماثلة التي أدركت على هذا النحو يمكنا أن نصل إلى أفكار عامة أو مجردة-رجل، فضيلة، ارتفاع، حلاوة، حرارة، فصاحة. والكلمات التي تعبر بها عن هذه التجريدات هي كلمات "القصد الثاني" وتشير إلى المفاهيم المستخلصة من المدركات. وهذه "العموميات" لا تختبر في الإحساس فهي تعبيرات ودلالات وأسماء لتعليمات نافعة للغاية(وخطرة) في الفكر أو العقل وفي العلم والفلسفة واللاهوت، وهي ليست أشياء توجد خارج العقل. وأن كل شئ خارج العقل مفرد ويساوي عددياً واحداً.
والعقل شئ رائع ولكن استنتاجاته لا تكون لها معنى إلا إذا كانت تشير إلى التجربة-أي إلى إدراك الذاتيات الفردية، أو إلى أداء الأفعال الفردية وإلا فإن استنتاجاته تكون من قبيل العبث وقد تكون تجريدات خادعة وما أكثر اللغو قولا وكتابة بإساءة فهم الأفكار على أنها أشياء




صفحة رقم : 8058




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


والتجريدات على أنها حقائق. إن الفكرة المجردة لا تقوم بوظيفتها إلا عندما تؤدي إلى بيانات معينة عن أشياء معينة.
ومن هذا المذهب الاسمي طرق أوكهام في تهور لا يبقى ولا يذر كل ميدان في الفلسفة واللاهوت. وأعلن أن كلا من الميتافيزيقيا والعلم تعميمات مقلقة لأن تجربتنا ليست إلا عن ذاتيات معينة في مساحة وزمن محصورين في نطاق ضيق ولذلك فإنه من الغرور أن نفترض على وجه الشمول والدوام صحة القضايا والقوانين الطبيعية التي نستمدها من هذا القطاع الصغير من الحقيقة فتصاغ معرفتنا وتحدد بوسائلنا وطرقنا في إدراك الأمور (وهذا هو رأي كانت قبل ظهور كانت) وهي تبقي حبيسة في سجن عقولنا ويجب ألا يدعي أنها الحقيقة الموضوعية أو النهائية عن أي شئ.
أما بالنسبة للروح فإنها تجريد أيضاً وهي لا تظهر أبداً في احساساتنا أو مدركاتنا سواء أكانت خارجية أم داخلية وكل ما ندركه هو الإرادة والذات (الأنا) التي تؤكد نفسها في كل فعل وكل فكرة. والعقل نفسه وكل مجد ينسب للذهن آلات للإرادة، والذهن ليس الإرادة التفكير تبحث عن غاياتها بالفكر"وهذا هو رأى شوبنهاور".
ويبدو أن الله نفسه لا يصمد أمام هذه الفلسفة الحادة. ولم يجد أوكهام (مثل كانت)أية قوة باقية في أي من المناظرات التي دارت لإثبات وجود الله. ورفض الأخذ برأي أرسطو القائل أن سلسلة الحركات أو العلل تجبرنا على أن نفترض الحركة الأولى أو العلة الأولى. ولم يَعِدْ غير مدرك ردة لا نهائية للحركات والأسباب أكثر من المحرك الثابت أو العلة التي لا سبب لها في لاهوت أرسطو، ونظراً لأنه لا يمكن أن يعرف شئ إلا بطريق الإدراك المباشر فإنه لن يتيسر لنا الحصول على معرفة واضحة بأن الله موجود.




صفحة رقم : 8059




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:43 مساء   رقم المشاركة : [266]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


Arrow

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


ولا يمكن للعقل أن يرى أن الله قادر على كل شئ أو لا حد لقدرته، وعالم بكل شئ أو لطيف أو واحد، كما أن العقل لا يستطيع أن يثبت أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله إنساناً ليكفر عن خطيئة آدم وحواء بعصيانهما أو أن ابن الله في القربان المقدس، ثم إن التوحيد ليس مطابقاً للعقل أكثر من الشرك، وربما يكون هناك أكثر من عالم يحكمها أكثر من إله.
إذن ماذا يبقى من البناء للعقيدة المسيحية؟ أساطيرها الجميلة وأناشيدها وفنها وفي ما نصت عليه من أخلاق من وحي الله أم أملها الحصين؟ وقد تراجع أوكهام أمام هدم العقل للاهوت وفي محاولة يائسة لإنقاذ نظام اجتماعي قائم على شريعة أخلاقية تقوم على عقيدة دفينة رأى التضحية بالعقل على مذبح الإيمان، وربما يكون الله موجوداً على الرغم من أنه لا يمكن إثبات هذا وأنه وهب كلا منا روحا خالدة. ويجب أن نميز، كما أشار ابن رشد ودنس سكوتوس، بين الحقيقة اللاهوتية وبين الحقيقة الفلسفية، وأن نقبل متواضعين في مجال الإيمان ما يرتاب فيه العقل الفخور بنفسه.
وكان من قبيل المبالغة أن تقبل الكنيسة هذه الحاشية الذنبية التي تكرم العقل العملي كفارة لذنب أوكهام لقيامه بنقد العقل المحض. فأمر البابا جون الثاني والعشرين بتكوين مجلس تحقيق من رجال الدين للنظر في "الهرطقات البغيضة" التي اقترفها الراهب الشاب واستدعاه ليمثل أمام المحكمة البابوية في أفينون، وجاء أوكهام، لأننا مجده عام 1328 في سجن بابوي هناك، مع راهبين من الفرنشسكان وفر الثلاثة وهربوا إلى إيجسمورتس واستقلوا قارباً صغيراً والتقطتها سفينة أخذتهم إلى لويس ملك بافاربا في بيزا. وحرمهم البابا من غفران الكنيسة بينما أسبغ عليهم الإمبراطور حمايته. واصطحب ويليام لويس إلى ميونخ وانضم هناك إلى مارسيليوس من بادوا وعاش في دير فرنشسكاني مناهض للبابا وأصدر منه سيلا من الكتب والنشرات ضد سلطان وهرطقة البابوات بعامة وجون الثاني والعشرين بخاصة.




صفحة رقم : 8060




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


وكما فاق أوكهام في ميتافيزيقياته الشكية عند سكوتس فإنه في نظريته العملية دفع مهاجمة مارسيليوس البادوي للأكليروس نتائج جريئة. وأعمل مبضعه في العقائد والشعائر التي أضافتها الكنيسة إلى المسيحية الأولى وطلب العودة إلى عقيدة أبسط وعبادة "العهد الجديد".
وفي لجاجة عنيدة نشر كتابه "مائة لسان"Centiloqium theologicum في علم اللاهوت واحتكم إلى مائة عقيدة للكنيسة ورأى أن كثيراً منها يؤدى منطقياً إلى نتائج سخيفة لا تحتمل؛ فمثلا إذا كانت مريم أم الله وكان الله والدنا جميعاً فإن مريم تكون أما لوالدها. وناقش أوكهام الخلافة الرسولية للبابوات وعصمتهم من الخطأ، وعلى النقيض من ذلك أكد أن كثيرا منهم كانوا هراطقة وأن بعضهم كانوا مجرمين وطالب بمعاملة رقيقة للهرطقة ورأى أن التعبير عن الرأي يجب أن يترك حرا إلا بالنسبة لنشر الزيف المتعمد. ورأى أن المسيحية في حاجة إلى العودة من الكنيسة إلى المسيح ومن الثروة والسلطان إلى البساطة في الحياة والخضوع لحكم الشريعة ويجب ألا تكون الكنيسة مقصورة على رجال الدين وحدهم بل يجب أن تضم المجتمع المسيحي بأسره. وهذه الزمالة الكاملة بما فيها النساء يجب أن تختار ممثلين لها يكون من بينهم نساء وتدعوهم إلى عقد مجلس عام وهذا المجلس يجب أن يختار البابا ويرأسه ويجب أن يكون على رأس الكنيسة والدولة شخص واحد.
ويجب أن تكون الحكومة نفسها خاضعة لإرادة الشعب لأنه يملك كل السلطة النهائية على وجه الأرض. وهو يفوض حقه في التشريع والإدارة إلى ملك أو إمبراطور على أساس أنه سوف يصدر القوانين لصالح الجميع. وإذا كان الصالح العام يقتضي هذا فإن الملكية الخاصة يمكن أن تلغى. وإذا ارتكب الحاكم خطأ جسيما فإن حقيقة العقيدة الدينية تقضي عليه




صفحة رقم : 8061




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


بالصيام. وقد مات متأثراً بالطاعون عام 1349 أو عام 1350 وهو لا يزال في زهرة العمر.
ونحن لا نعرف إلا القليل عن مصير أوكهام فهو لم يجد في جعة ميونخ عزاء له عن نبيذ باريس الذي افتقده، وقد قارن نفسه بجون الإنجيلي في باتموس وغن كانت لم تواته الجرأة على التخلي عن حماية الإمبراطور. وطبقاً لرواية أحد الفرنشسكان المعاصرين وقع الراهب المتمرد في آخر سني عمره إقرارا ينكر فيه هرطقاته، ولعل تصالح لويس مع الكنيسة جعلت هذا أمراً يمليه العقل والرشد، وربما وليام قد أحس بأن التساؤل عن حقيقة عقيدة دينية أمر سخيف. ومات متأثراً بالطاعون عام 1349 أو عام 1350 وهو لا يزال في مقتبل العمر.
وقبل وفاته بزمن طويل اعترف به كأقوى مفكر في عصره وارتجت الجامعات بالجدل حول فلسفته. وقبل كثير من علماء اللاهوت وجهة نظره في أن العقائد الأساسية للدين المسيحي لا يمكن إثباتها بالعقل وأن التمييز بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية كان واسع الانتشار في القرن الرابع عشر كما تنتشر اليوم المهادنة المفهومة ضمنا بين التحقيق العلمي والخدمة الكهنوتية الدينية. وفي أكسفورد تكونت مدرسة من أتباع أوكهام أطلقت على نفسها اسم "الحياة العصرية" (كما سمي أبيلارد مذهبه التصوري قبل ذلك بثلاثمائة عام) وسخرت من الواقعية الميتافيزيقية لسكوتوس أكويتاس. وكان انتصار العصريين بخاصة ساحقة في جامعات أوربا الوسطى فإن هس في راغ ولوثر في أرفورت كانا يتلقيان المذهب الاسمي وربما يعزى تمردهما إليه. وفي باريس منعت سلطات الجامعة (1139-40) تدريس آراء أوكهام ولكن كثيراً من تلاميذه وبعض الأساتذة هللوا له باعتباره حاملا للواء الفكر الحر وحدث أكثر من مرة أن تقاتلت الأحزاب




صفحة رقم : 8062




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> الفلاسفة


المعارضة كما يحدث الآن، بالكلمات واللطمات في المقاهي أو في الشوارع. ولعل توماس أكمبس Thomas a Kemps أدان الفلسفة في كتاب "محاكاة المسيح" كرد فعل ضد آراء أوكهام وقد لعب أوكهام دوراً، وإن اقتصر على صوت، في تأليب الحكومة الوطنية ضد الكنيسة العالمية وقد أثرت دعوته إلى أن يكون رجال الدين فقراء في ويكليف كما أن هجماته على البابوية واستنصاره الدائم للإنجيل والمسيحية الأولى بدلا من الكنيسة مهدت لظهور لوثر الذي عده أوكهام من أعظم أساتذة فلسفة الكلام وأكثرهم عبقرية إذ عبر سلفا في مذهبه في الاختيار ومذهبه في الفردية عن الروح القوية لعصر النهضة ثم إن مذهبه في الشك انتقل إلى راموس ومونتيني وربما إلى أرازموس، ومذهبه وتحديده الذاتي للمعرفة بالأفكار رمز إلى بركلي كما أنه سبق "كانت" بمحاولته إنقاذ الإيمان عن طريق"العقل العملي" وعلى الرغم من أنه مثالي من الناحية الفلسفية فإن تأكيده أن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة جعله يتبوأ مكاناً مرموقا في موكب الفلسفة الإنجليزية التجريبية من روجر وفرانسيس بيكون من خلال هوبز ولوك وهيوم وميل ومن سبنسر إلى برتراند راسل. واقتحامه الطارئ لميدان العلم الطبيعي-وإدراكه لقانون القصور الذاتي ورأيه في العمل على بعد-حث المفكرين من جان بوريدان إلى إسحق نيوتن والنتيجة العامة شأنه في هذا شأن دونس سكوتوس، هو تقويض الغرض السياسي لفلسفة الكلام- وأن العقيدة المسيحية في القرون الوسطى يمكن إثباتها بالعقل وقد حافظت فلسفة الكلام حتى القرن السابع عشر، على وجود باهت بعد الموت ولكنها لم تسترد قوتها بعد هذه الصفعات.




صفحة رقم : 8063




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون



6- المصلحون


بينما كان ابن خلدون يضع قواعد علم الاجتماع في العالم الإسلامي كان




صفحة رقم : 8064




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


بيير ديبوا ونيكول أرزم ومارسيليوس البادوي ونيكولاس الكوزاوي يطورون في العالم المسيحي الدراسات التي تبحث العلاقة بين الأقارب وأن كانت أقل تنسيقا. وقد خدم ديبوا ملك فرنسا فيليب الرابع كما خدم أوكهام ومارسيليوس الملك لويس البافاري بتوجيه حملات فكرية ضد البابوية. وفي ابتهال لشعب فرنسا للملك ضد البابا يونيفاس (1308) وفي رسالة عن استرداد الأرض المقدسة أوصى المدره الغيور على هذا المبدأ بأن تجرد البابوية من كل أملاكها الدنيوية وسلطانها الزمني، وأن يرفض حكام أوربا الخضوع لسلطات البابا في محاكمهم وأن تنفصل الكنيسة الفرنسية عن روما وتخضع للسلطة الزمنية والقانون. وفضلا عن هذا فإن ديبوا مضى قدماً إن كل أوربا يجب تتحد تحت لواء ملك فرنسا باعتباره إمبراطورا يتخذ عاصمته في القسطنطينية وأن تكون هذه قلعة تناهض الإسلام وأنه يجب إنشاء محكمة دولية تفصل في المنازعات بين الأمم وأن تعلن مقاطعة اقتصادية لكل أمة مسيحية تبدأ الحرب ضد أمة مسيحية أخرى وأن تتاح للنساء الفرص التعليمية نفسها وأن تكون لهن نفس الحقوق السياسية كالرجال.
ويبدو أن أحدا لم يعر هذه الآراء التفاتا ولكنها اقتحمت التيارات الفكرية التي قوضت صرح البابوية. وبعد مرور قرنين على وفاة ديبوا اتبع هنري الثامن، الذي لم يسمع عنه ولا ريب، برنامجه هو وويكليف في الدين وفي مطلع القرن التاسع عشر أقام نابليون إلى حين أوربا المتحدة تحت الزعامة الفرنسية وجعل من البابا أسيرا للدولة. وليس من شك في أن ديبرا من زمرة المشتغلين بالشريعة الناهضين الذين كانوا يطمحون إلى ألا يقوم رجال الدين بتوجيه سياسة الحكومة. وقد فاز في معركته ونحن نجني اليوم ثمار انتصاره.
وقد كتب أورزم الذي أثار كثيرا من المناقشات الحامية حوالي سنة




صفحة رقم : 8065




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


1355 مقالات صريحة واضحة في الأدب الاقتصادي، عن الأصل والطبيعة والشرعة وتغيير العملة وقال إن عملة البلد ملك للجماعة لا للملك فهي منفعة اجتماعية وليست عائدا ملكياً وللحاكم أو الحكومة تنظم إصدارها ولكن يجب أن يحافظ على قيمتها المعدنية ولا يخفضها رأى ملك يخفض قيمة العملة لص. وفضلا عن هذا فإن العملة الرديئة (وفقا لقانون جريشام) تطرد العملة الجيدة من التداول والناس يخفون أو يصدرون العملة الجيدة والحكومة غير الأمينة لن تتلقى في دخولها سوى العملة البخسة. ولم تكن الآراء التي رددها أورزم مثلاً عليا فحسب بل إنه درسها بصفته مربياً، لابن جون الثاني. وعندما أصبح هذا الطالب شارل الخامس استفاد الملك الشاب، بعد تدهور للعملة، من تعليمات أستاذه واستعاد شتات أموال فرنسا بعد أن تخلصت من الحرب على أساس سليم شريف.
كان مرسيليوس البادوي ذا مزاج أكثر تقلبا من أورزم: كان فيلسوفاً لا يلين بالفردية فخورا بفكره وشجاعته وكان يجعل فلسفته السياسية جزءا لا ينفصل من حياته القلقة. وكان ابنا لوثق عقود في بادوا ودرس الطب في الجامعة ولعله يدين ببعض تطرفه المناهض للأكليروسية إلى جو من مذهب الشك الذي يرجع إلى ابن رشد الذي وجده بترارك وفضحه في الجيل نفسه. وعندما انتقل إلى باريس أصبح مديرا للجامعة وشغل هذا المنصب عاما. ثم ألف عام 1324 بشيء من التعاون مع جون الجندواني أعظم رسالة أثرت على السياسة بالعصور الوسطى وهي "المدافع عن السلام".
ولما كان المؤلفات أن الكنيسة سوف تستنكر كتابهما فقد فرا إلى نورمبرج ووضعا نفسيهما تحت جناح الإمبراطور لويس البافاري ثم حاربا البابا. ولم يتوقعا من محارب شديد المراس مثل جون الثاني والعشرين أن يقابل بالهدوء دفاعهما الشديد عن السلام. وقد برهن هذا الكتاب على أن




صفحة رقم : 8066




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


السلام في أوربا يقوضه النزاع بين الدولة وبين الكنيسة وأنه يمكن استعادة السلام والحفاظ عليه بوضع الكنيسة بكل ممتلكاتها والعاملين بها تحت نفس السلطة الإمبراطورية أو الملكية مثل باقي الجماعات والأموال، ومن الخطأ(كما جاء في البحث) أن تقتني الكنيسة ممتلكات، فليس في الكتاب المقدس ما يبرر هذا الاقتناء.
وعرف المؤلفات الكنيسة كما فعل أوكهام بأنها طائفة المسيحيين بأكملها. وكما كان الشعب الروماني، صاحب السيادة الحقيقي في القانون الروماني، وكان هذا الشعب هو الذي يفوض في سلطته القناصل أو الشيوخ أو الأباطرة فإن على الجماعة المسيحية أن تفوض في سلطاتها، ممثليها من رجال الأكليروس وان كان لا يجب أن تسلم لهم قيادها، ويجب أن يكون هؤلاء مسؤولين أمام الشعب الذي يمثلونه وادعاء البابا أنه يستمد سلطته من بطرس الرسول خطأ تاريخي في نظر مارسيليوس إذ لم يكن بطرس أقوى سلطة من باقي الرسل ولم يكن لأساقفة روما في أوائل عهدهم في القرون الثلاثة الأولى سلطة تزيد عن سلطة الأساقفة في كثير من العواصم القديمة الأخرى وكان يرأس المجالس العامة الأولى الإمبراطور أو نوابه وليس البابا، وأي مجلس عام ينتخبه شعب العالم المسيحي يجب أن يفسر الكتب المقدسة ويعرف العقيدة الكاثوليكية ويختار الكرادلة وهؤلاء يجب عليهم أن يختاروا البابا. ويجب على رجال الأكليروس بما فيهم البابا أن يخضعوا للقضاء المدني والقانون في جميع الأمور الدنيوية، ويجب أن تعين الدولة رجال القسس كلما رأت أنهم غير جديرين بمناصبهم وتراقب الهبات الكنسية والمدارس التابعة للكنيسة ودخلها وترفه عن الفقراء من فائض دخول الكنيسة.
ها هو صوت الدولة الوطنية الطاغية يرتفع مرة أخرى. وما إن أخضع الملوك البارونات والكومونات بفضل مؤازرة الطبقات الوسطى الناهضة




صفحة رقم : 8067




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


حتى أحسوا بأنهم بلغوا من القوة حدا جعلهم يرفضون ادعاء الكنيسة بأن لها السيادة على السلطة المدنية. وانتهز الحكام الزمنيون الفرصة التي أتاحت لهم انحطاط السلطة الدولية والأدبية للكنيسة وأخذوا يحملون بالسيطرة على كل وجوه الحياة في ممالكهم بما فيها الدين والكنيسة وكانت هذه النتيجة تستحق الكفاح في الإصلاح الديني. وبعد انتصار الدولة على الكنيسة مرحلة نهائية في العصور الوسطى.
(في سنة 1535 أمر هنري الثامن، وهو في أوج تمرده على الكنيسة، بترجمة كتاب المدافع عن السلام ونشره على نفقة الحكومة) وبعد أن اقترح مارسيليوس، مثل أوكهام ولوثر، أن يستبدل بسلطة الكنيسة سلطة الشعب، اضطر، بسبب النظام الاجتماعي ومن أجل سلامته الشخصية أن يستبدل بها سلطة الحكومة. ولكنه لم يرفع من شأن الملوك حتى يصبحوا غيلانا قادرين على كل شئ فق كان يتطلع من وراء انتصار الدولة إلى اليوم الذي يمارس فيه الشعب فعلا سيادته التي طالما ود فقهاء القانون أن يقلدوها له. ودافع عن الديمقراطية في مجال الإصلاح بين رجال الكنيسة، فعلى كل طائفة مسيحية أن تختار ممثلا لها في مجالس الكنيسة وعلى كل أبرشية أن تختار قساوستها وتراقبهم وتطردهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويجب ألا يحرم عضو في الأبرشية دون موافقتها، وطبق مارسيليوس مبادئ مماثلة على الحكومة المدنية وإن كان قد أدخل عليها بعض التعديل على استحياء:
طبقاً لحقيقة ورأى أرسطو، نعلن أن المشرع- الدافع الأول والصحيح لسن القانون- يجب أن يكون هو الشعب- طائفة المواطنين بأكملها أو قسمها الأثقل وزناً، تأمر وتقرر بمحض اختيارها أو إرادتها، وتعبر عن رأيها شفوياً في جمعية عمومية للمواطنين... وأقول قسمها الأثقل وزنا، آخذا في الاعتبار عدد الأشخاص وصفاتهم معاً في الجماعة التي يسن من أجلها القانون. وطائفة المواطنين بأسرها أو قسمها الأثقل وزناً إما أن تسن




صفحة رقم : 8068




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


القانون مباشرة أو تعهد بهذه المهمة إلى بعض أو إلى فئة قليلة، ولكن هذه الأخيرة لا تكون، أو لا تستطيع أن تكون، المشرع بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، فهي تعمل فقط في مجال هذه الأمور- ولهذه الفترات التي تخول لها من المشرع الأول... وفي رأيي أن المواطن هو كل من يشارك في الجماعة المدنية بسلطة متداولة أو سلطة قضائية على حسب رتبته، وعلى أساس هذه التعريفات يفرق القصر والعبيد والأجانب والنساء عن المواطنين... وخير قانون يصدر هو الذي يكون نتيجة مداولة وثمرة إرادة الجماعة بأسرها ... ويمكن لأغلبية منها، بسرعة أكثر من سرعة أية أقسام منها، إصدار أي قانون يقترح سنه لأن أي طائفة بأكملها أعظم سلطانا وثروة من أية أقسام منفصلة.
وهذا بيان عظيم بالنسبة لعصره (1324) ولا شك أن ظروف العصر تبرر ما صاحبه من تردد. بل إن مارسيليوس لم يكن بوسعه أن يدافع عن المساواة في التصويت بين جميع البالغين في أوربا حيث كان من العسير أن تجد واحداً يستطيع القراءة بين كل عشرة وحيث كانت الموصلات صعبة والانقسامات الطبيعية راسخة لا تتزعزع بمرور الزمن. والحق أنه رفض الديمقراطية الكاملة التي تتحدد فيها السياسة والتشريع بعدد الألوف (مجموعة من الناس المعوزين) ولتصحيح هذا الفساد في جمهورية كان يريد من الأفراد أن تكون لهم سلطة سياسية مناسبة لمكانتهم في المجتمع، وإن لم يقل كيف ومن يحكم على هذا. وأفسح مكانا للملكية ولكنه أضاف أن "الحاكم الذي ينتخب أفضل بكثير من الحكام الذين يتبوأون مناصبهم بالوراثة" فالملك يجب أن يكون نائباً وخادماً للجمهور وإذا أساء السلوك فإن من حق الجمهور أن يخلعه.
ولهذه الآراء أصل يرجع للقرون الوسطى بل إن لها أصلا قديماً، فقد منح المحامون الرومان والفلاسفة الكلاميون بانتظام الشعب سيادة نظرية




صفحة رقم : 8069




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


وكانت البابوية نفسها ملكية انتخابية إذ كان البابا يطلق على نفسه اسم "خادم أجراء الله" وقد وافق توما الأكويني على رأي جون أف سالسبوري القائل بحق الشعب في خلع أي ملك يخالف القانون. ولكن قلما بلغت هذه الآراء في العالم المسيحي درجة تصل إلى صيغة واضحة لحكومة برلمانية، وها هو رجل في القرن الرابع عشر جمع بين أراء أنصار الإصلاح الديني من البروتستانت والمؤيدين للثورة الفرنسية.
وكان مارسيليوس سابقاً جداً لعصره فلن يهدأ لحظة واحدة إذ ارتفع شأنه بسرعة بإرتفاع شأن لويس البافاري وسقط كذلك بسقوطه. عندما عادى لويس الباباوات طلب منه أن يطرد مارسيليوس باعتباره هرطيقاً ولا ندري شيئاً عن النتيجة، ويبدو أن مارسيليوس مات عام 1343 وهو منبوذ من الكنيسة التي حاربها ومن الدولة التي عمل على رفع شأنها.
ولعل نجاحه المؤقت ما كان ليتحقق لو لم تخول مهنة القانون الناهضة للدولة سلطة تنافس سلطة الكنيسة. فقد رفع المحامون" القانون الوضعي" للدولة إلى جانب، وغالباً ضد، القانون الكنسي، وعلى أطلال القانون الإقطاعي والشيوعي، وانتشر هذا القانون الملكي أو الدنيوي على الأيام وتغلغل في أمور الناس. وأخرجت مدارس القانون في مونبليه وأورليانز وباريس قانونيين يتصفون بالجرأة والدهاء، وقد استخدموا القانون الروماني لتكوين نظرية الحق الإلهي والسلطة المطلقة لسادتهم من الملوك وذلك مقابل الادعاءات البابوية. وكانت هذه الآراء أقوى منها في أي مكان آخر إذ انتشرت هناك في صورة شعارات مثل "أنا الدولة" و"الملك الشمس" كما سادت في إسبانيا مهدت بذلك إلى الحكم المطلق لفرديناند وشارل الخامس وفيليب الثاني بل إن ويكليف في إنجلترا قال بسلطة غير محدودة للملك المقدس. وعارض النظرية أعضاء مجلس اللوردات والعموم وأصر سيرجون




صفحة رقم : 8070




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


فورتيسكو على أن الملك الإنجليزي لا يستطيع أن يصدر قوانين دون موافقة البرلمان وأن القضاة الإنجليز ملزمون بمقتضى قسمهم أن يحكموا وفقاً لقانون البلاد مهما كانت رغبة الملك ولكن إنجلترا ركعت بدورها أمام حكام مستبدين في عهد هنري السابع وهنري الثامن وإليزابث. وبين استبدادي البابوات وأندادهم من الملوك اعتصمت بعض النفوس المثالية بفكرة "الفانون الطبيعي" وهو يقوم على عدالة إلهية متغلغلة في الضمير الإنساني ومنصوص عليها في الأناجيل وهو قانون أعلى من أي قانون من صنع الإنسان. ولم تعبأ الدولة أو الكنيسة بهذا المفهوم وظل في المهاد معترفاً به ومتجاهلا في الوقت نفسه وإن ظل هذا المفهوم حياً واهياً. وقد تبنى في القرن الثامن عشر إعلان الاستقلال الأمريكي والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان ولعب دوراً صغيراً في ثورة قوضت لبعض الوقت عروش الحكام المستبدين الذين حكموا العالم وحارب نيكولاس الكوزاوي استبداد البابوية ثم استسلم لها.
وفي خلال حياته المتقلبة أظهر أفضل وجه للمسيحية المنظمة بالنسبة لألمانيا التي لم تكن تطمئن إلى الكنيسة. وقد جمع في إهاب شخصيته القوية خير عناصر العصور الوسطى التي تلائم حياته وذلك باعتباره فيلسوفاً وإدارياً وعالماً باللاهوت وقانونياً. وقد ولد في كولس قرب تريير (1401) وجمع بين التضلع في القانون والتخصص في الدين في مدرسة "إخوان الحياة المشتركة في ديفنتر" وفي عام قضاه بهيدلبرج تأثر بمذهب أوكهام الاسمي وفي بادوا تأثر بمذهب الشك عن ابن رشد بعض الوقت وفي كولونيا تشرب التراث الأورثوذكسي لألبرتوس ماجنوس وتوما الأكويني. لقد كانت فيه كل العناصر التي تجعل منه أكمل مسيحي في عصره.
ولم يتخل قط عن نزعته الصوفية التي انتقلت إليه من مايستر أكهارت




صفحة رقم : 8071




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


فكتب مؤلفاً كلاسياً في التصوف عنوانه: "رؤية الله" وفي دفاع فلسفي عن مثل هذه الرؤى"دفاع عن الجهل العليم" Apologia doctae ignoranitae صاغ عبارة مشهورة هي "الجهل العليم" ورفض المذهب العقلي الكلامي الذي يبحث في إثبات علم اللاهوت بالعقل وذهب إلى أن كل المعارف الإنسانية نسبية وغير ثابتة فالحقيقة خفية في الله. وأعرض بوجه عام عن التنجيم وإن كان قد أنهك في بعض الحسابات الفلكية مستسلماً في ذلك للأوهام الشائعة في عهده وظن أن نهاية العالم ستكون عام 1734. وفي وسط حياة تزخر بالنشاط الكنسي حافظ أولا وقبل كل شئ على الفكرة العلمية وحث على القيام بمزيد من التجربة ومزيد من المقاييس وأشار إلى زمن سقوط الأجسام من شتى الارتفاعات ودرس أن الأرض "لا يمكن أن تكون ثابتة ولكنها تتحرك مثل غيرها من النجوم فكل نجم يتحرك مهما بدا لنا ثابتاً، وكل مدار فلكي دائري والأرض ليست مركز العالم إلا كما تعد أي نقطة مركزا لعالمك لانهائي. وكانت هذه الآراء استعارات حكيمة حينا ولمحات ذكية حيناً آخر.
وذهب نيكولاس عام 1433 إلى بازيل ليقدم للمجلس الكنسي هناك مطالب صديق إلى كبير أساقفة كولونيا. وسقطت حجته ولكنه انتهز الفرصة ليقدم للمجلس على خلاف من البابا - عملا هو ثمرة لخطة مشهورة في تاريخ الفلسفة. وأطلق عليه اسم: De concordontia Catholica "الائتلاف الكاثوليكي" وكان الهدف العام الذي يرمي إليه هو أن يتوصل إلى اتفاق بين المجالس وبين البابوات وقد صور الكنيسة وحدة عضوية لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها بنجاح إلا من خلال التعاون الوثيق بين أجزائها وذلك في قياس محكم وتركيب متقن. وبدلا من أن يستنتج نيكولاس، كما فعل البابوات، أن الأجراء يجب أن تسترشد بالرأي فإنه رأى أن مجلساً عاماً هو الذي يمكن أن يمثل ويعبر عن ويوحد عناصر الكنيسة التي يعتمد بعضها على البعض




صفحة رقم : 8072




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


الآخر. وردد آراء الأكويني ومارسيليوس بل وسبق آراء روسو وجيفرسون في فقرة مثالية: "كل قانون يعتمد على قانون طبيعي وإذا تناقض معه فإنه لا يمكن أن يكون قانوناً صحيحاً"... وبما أن الناس قد خلقوا أحراراً فإن أية حكومة توجد فقط بموافقة رعاياها ورضاهم فحسب... والقوة الملزمة لأي قانون يتضمنها هذا الاتفاق وهذا الرضا صراحة أو ضمنا فالشعب صاحب السيادة يفوض في سلطانه بعض الجماعات الصغيرة المزودة بالتعليم أو الخبرة لسن القوانين أو تطبيقها غي أن هذه الجماعات تستمد سلطاتها العادلة من رضا المحكومين وعندما تفوض الجماعة المسيحية في سلطاتها مجلساً عاماً للكنيسة فإن المجلس وليس البابا هو الذي يمثل السلطة العليا في الدين. وفضلا عن هذا فإن البابا لا يستطيع أن يستند فيما يدعيه من حق شرعي مطلق، إلى هبة قسطنطين المفترضة لأن الهبة اختلاف وأسطورة. إن للبابا الحق في عقد مجلس عام ولكن مثل هذا المجلس يمكنه أن يخلعه إذا رآه غير لائق بمنصبه. ونفس المبادئ يمكن أن تطبق على الأمراء الزمنيين. وربما تكون الملكية الانتخابية خير حكومة تتاح للناس في حالتها الفاسدة الحالية ولكن يجب على الحاكم الدنيوي، كما يجب على البابا، أن يعقد بانتظام مجلساً نيابياً ويجب أن يخضع للقوانين التي يصدرها هذا المجلس.
وكان مثالاً يحتذى للبطاركة في أخريات أيامه فعندما رسم كاردينالاً عام 1448 أصبح شخصية كاثوليكية مصلحة. وقام بجولة مجهدة في هولندا وألمانيا وعقد خلالها مجمعات مقدسة إقليمية وأحيا النظام الكنسي وأصلح أديرة الرهبان والراهبات وهاجم تسرى القسس وارتقى بتعليم رجال الأكليروس ورفع على الأقل لفترة ما المستوى الخلقي لرجال الدين والشعب. وقد كتب العلامة أبوت تريتيميوس: "ظهر نيكولاس الكوزاوي في ألمانيا كملاك ينشر النور والسلام وسط الظلام والشك وقد أعاد وحدة الكنيسة ودعم سلطة رأسها الأعلى وزرع بذرة ثمينة في حياة جديدة.




صفحة رقم : 8073




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> نمو المعرفة -> المصلحون


ويمكن لنيكولاس أن يضيف إلى ألقابه الأخرى لقب عالم بالإنسانيات فقد أغرم بالكلاسيات القديمة وشجع على دراستها وفكر في طبع المخطوطات اليونانية التي أحضرها بنفسه من القسطنطينية لتوزيعها على نطاق واسع وكان يتسم بتسامح العلامة الحقيقي فقد طالب بتفاهم متبادل بين الأديان كالأشعة المختلفة المنبعثة من حقيقة أزلية واحدة وذلك في كتاب "حوار حول السلام" الذي ألفه في نفس العام الذي سقطت فيه القسطنطينية في أيدي الأتراك. وفي فجر الفكر الحديث عندما كانت حرية الرأي سما نافعا كتب هذه الكلمات السليمة النبيلة:
"إنها لمتعة أن تعرف وأن تفكر وأن ترى الحقيقة بعين العقل. وكلما تقدم المرء في السن وجد في هذا متعة أكبر ولما كان الحب هو حياة القلب فإن حياة العقل في السعي وراء المعرفة وحقيقة الحياة. ووسط حركات الزمن والعمل اليومي وتناقضات الحياة وارتباطاتها فإننا يجب أن نرفع أبصارنا بلا خوف صوب قبة السماء الصاخبة ونحاول الحصول على إدراك أشد رسوخا لأصل كل خير وجمال ومدى قدرة قلوبنا وعقولنا وثمار العقول البشرية كلها خلال القرون وظواهر الطبيعة الرائعة حولنا على أن نذكر دائماً أن العظمة الحقة إنما تكمن في التواضع وحده ولا يمكن الإفادة من المعرفة والحكمة إذا كانتا تسيطران على حياتنا.
ولو قد ظهر كثيرون من أمثال نيكولاس لما قدر لمثل لوثر أن يوجد.




صفحة رقم : 8074




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس



الفصل الرابع عشر




غزو البحر




1492 - 1517




1- كولمبس


لقد كان "قدراً ظاهراً" أن يجرؤ امرؤ في هذا العصر على اقتحام مخاطر الأطلنطي ليكتشف الهند أو "كاثي" إذ تحدثنا الأسطورة عن وجود "أطلانتس" عبر البحر بل إن الأساطير المتأخرة ذهبت إلى وجود نبع وراء الأطلنطي تنمح مياهه الشباب الدائم. وأدى فشل الحملات الصليبية إلى ضرورة كشف أمريكا وكانت لسيطرة الأتراك على شرقي البحر الأبيض المتوسط وما اقترفه العثمانيون في القسطنطينية والأسر الملكية المناهضة للمسيحية في فارس وتركستان من إغلاق الطرق البرية ومنع المرور فيها سببا في جعل الطرق القديمة للتجارة بين الشرق والغرب باهظة التكاليف ومحفوظة بالمخاطر. وتشبثت إيطاليا وفرنسا ببقايا تلك التجارة على الرغم من كل عوامل التثبيط من ضرائب الطرق والحرب ولكن البرتغال وإسبانيا كانتا بعيدتين جدا في الغرب وكان من الصعب عليهما الاستفادة من مثل الاتفاقات وكانت مشكلتهما لا تحل إلا بالعثور على طريق آخر وقد وجدت البرتغال طريقا حول أفريقيا ولم يعد أمام إسبانيا إلا أن تجرب حظها في المرور غرباً.
وقد أدى تقدم المعرفة إلى إثبات كروية الأرض منذ عهد بعيد وشجعت أخطاء العلم ذاتها على الأقدام وذلك بإساءة تقدير عرض المحيط الأطلنطي وبتصوير آسيا على أنها أرض سهلة للغزو والاستثمار في الطرف الأقصى.




صفحة رقم : 8075




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس


ولقد وصل البحارة الاسكنديناويون عامي 986 و 1000 إلى لبرادور وعادوا يحملون نبأ العثور على قارة جديدة فسيحة، وزار كرستوفر كولمبس أيسلندا عام 1477، إذا صدقنا القصة التي رواها بلسانه، ومن المسلم به أنه سمع الروايات المأثورة التي تردد في فخر رحلة لايف اريكسونى إلى فنلنده Vindland.
كان المال هو كل ما تحتاجه المغامرة الكبرى وقتذاك أما الشجاعة فكانت متوفرة. وقد سجل كولمبس نفسه في المايورازو mayorazzo أو الوصية التي حررها قبل أن يقوم برحلته الثالثة عبر الأطلنطي أنه من مواليد جنوا. حقا أنه كان في محرراته الموجودة لدينا يتسمى بالاسم الأسباني كريستوبال كولون ولم يستخدم قط اسمه الإيطالي كريستوفورو كولومبو ولكن المعتقد أن هذا كان بسبب كتابته بالأسبانية لأنه عاش في إسبانيا أو لأنه كان يقوم برحلاته البحرية لحساب ملك إسبانيا لا لأنه ولد في إسبانيا. ومن المحتمل أن يكون أجداده أسبانيين من اليهود الذين اعتنقوا المسيحية وهاجروا إلى إيطاليا، والدليل قوي على أن الدم العبري يسري في عروق كولمبس وعلى ميله لليهود. وكان والده نساجا ويبدو أن كريستوفورو امتهن هذه المهنة بعض الوقت في جنوا وسافونا، وقد ورد في الترجمة الذاتية التي كتبها ابنه فرديناند أنه درس التنجيم والهندسة وعلم الكون (الكوزموجرافيا) في جامعة بافيا وإن لم يدرج اسمه في سجلات الجامعة، وها هو يقول لنا بنفسه إنه أصبح بحارا في الرابعة عشرة من عمره لأن كل طريق في جنوا يؤدي إلى البحر.
وهاجم القراصنة عام 1476 سفينة كان كولمبس بها نحو لشبونة وأغرقت هذه السفينة. ويروى أنه سبح ستة أميال حتى وصل إلى الشاطئ مستعيناً ببعض الحطام ولكن يبدو أن أمير البحر العظيم أطلق




صفحة رقم : 8076




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس


لخياله العنان إذ يقول إنه سافر بعد بضعة شهور إلى إنجلترا بحارا أو قبطانا ثم سافر إلى آيسلنده فلشبونة وهناك تزوج واستقر واشتغل برسم الخرائط الجغرافية، وكان حموه بحارا خدم الأمير هنري الملاح، وليس من شك أن كولومبوس سمع بعض الحكايات الممتعة عن شاطئ غينيا، ولعله انضم عام 1482 كضابط إلى الأسطول البرتغالي الذي أبحر حذاء هذا الشاطئ إلى مينا، وقرأ باهتمام كتاب البابا بيوس الثاني Historia rerum gestarum "تاريخ الأجناس" وكثيراً من التعليقات مما أوحى إليه بفكرة الطواف بحرا حول إفريقيا.
ولكن دراساته مالت به شيئاً فشيئاً نحو الغرب وعرف أن سترابون روى في القرن الأول من عصرنا محاولة للطواف حول الكرة الأرضية وكان يعلم ما كتبه سينيكا: "بعد سنوات سيأتي عصر يطلق فيه المحيط قيود الأشياء وتظهر أرض فسيحة ويكشف فيه النبي تيفيس عوالم جديدة ولن تكون ثولي (أيسلندة؟) أقصى طرف للأرض"، وقد قرأ "كتاب سير ماركوبولو الذي امتدح ثروات الصين وحدد وضع اليابان على بعد 1500 ميل شرق قارة آسيا. وكتب أكثر من ألف ملاحظة في نسخته من كتاب بيير دالي (صورة العالم) Imago mundi وقبل التقدير الراجح لمحيط الأرض بأنه يبلغ من 18,000 إلى 10,000 ميل ويربط هذا بتحديد بولولمكان اليابان حسب أن أقرب الجزر الأسيوية على بعد 5,000 ميل غرب لشبونة وقد سمع عام 1474 عن خطاب كتبه الطبيب الفلورنسي باولو توسكانيلي لملك البرتغال ألفونسو الخامس عليه بأنه اكتشاف طريق أقصر للهند من الطريق حول أفريقيا وذلك بالسفر بحرا لمسافة 5000 ميل غربا. وكتب كولومبوس إلى توسكانيلي وتلقى منه ردا مشجعا ونضجت الفكرة في ذهنه.




صفحة رقم : 8077




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس


وحوالي عام 1484 عرض على جون الثاني ملك البرتغال أن يجهز ثلاث سفن للقيام بحركة استكشافية لمدة عام عبر الأطلنطي والعودة منها على أن يعين كولومبس أمير بحر أعظم للمحيط وحاكما دائما لكل الراضي التي يكتشفها، وأن يحصل على عشر كل الإيراد والمعدن الثمين الذي تحصل عليه البرتغال من تلك الأراضي (ومن الواضح أن فكرة نشر المسيحية كانت ثانوية بالنسبة للاعتبارات المادية). وقدم الملك العرض إلى لجنة من العلماء فرفضوه على أساس أن تقدير كولومبوس للمسافة عبر الأطلنطي بأنها لا تعدو 2400 ميل أقل بكثير من الحقيقة (كان هذا التقدير صحيحاً تقريباً للمسافة من جزر كاناري إلى جزر الهند الغربية) وعرض ملاحان برتغاليان عام 1485 مشروعاً مماثلاً على الملك جون ولكنهما وافقا على تمويله بنفسيهما فمنحهما جون بركته وهذا أضعف الإيمان، وانطلقا عام 1487 متخذين طريقاً أقرب للشمال تحف به الرياح الغربية الشديدة ثم عادا بخفي حنين. وجدد كولومبوس طلبه عام 1488 فدعاه الملك لمقابلته وأقبل كولومبوس في الوقت المناسب ليشهد العودة الظافرة لبارثولوميودياس من رحلة ناجحة طاف فيها حول أفريقيا. ولما كانت الحكومة البرتغالية تطمع في اكتشاف طريق إلى الهند يمر بأفريقيا فإنها تخلت عن فكرة البحث عن طريق عبر الأطلنطي فتحول إلى جنوا والبندقية ولكنهما بدورهما لم يقدما له أي تشجيع لأن اهتمامهما كان موجهاً لاكتشاف طريق للشرق بالإتجاه شرقاً. وفوض كولمبس أخاه في جس نبض هنري السابع ملك إنجلترا فدعاه إلى مقابلته ولكن عندما وصلت الدعوة إلى كولومبس كان قد وضع نفسه في خدمة أسبانيا. وكان عندئذ (1488) في حوالي الثانية والأربعين من عمره. طويلاً نحيلاً له وجه مستطيل وبشرة حمراء قانية وأنف معقوف وعينان زرقاوان بوجه نمش وشعره أحمر فاتح بدأت تتخلله الشعرات البيضاء ويوشك أن يشتعل شيباً، وقد وصفه ابنه وأصدقاؤه




صفحة رقم : 8078




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس


بأنه رجل متواضع، رزين، وديع، فطن، معتدل في طعامه وشرابه، تقي للغاية. وزعم آخرون أنه كان معجباً بنفسه، يعرض الألقاب التي منحت له ويبالغ فيها وأنه رفع أجداده إلى طبقة النبلاء في خياله وكتاباته وأنه ساوم بشدة للحصول على نصيب من ذهب العالم الجديد. ومهما يمن الأمر فإنه كان يستحق أكثر مما طلب. وكان بين الفينة والفينة ينحرف عن العمل بالوصايا العشر فقد حدث في قرطبة أن أنجبت منه بياتريس انكريكيز ولداً غير شرعي عام 1488 وذلك بعد وفاة زوجته. ولم يتزوج منها كولومبس وإن كان قد وفر لها كل شيء في حياته ولم ينسها في وصيته ولما كان معظم علية القوم في تلك الأيام النشيطة قد أنجبوا أبناء من علاقات عارضة فإنه يبدو أن أحداً لم يعر هذا الحادث اهتماماً.
وفي غضون ذلك كان قد قدم التماسه إلى إيزابيلا صاحبة قشتالة (أول مايو سنة 1486) فأحالتها إلى جماعة من المستشارين يرأسهم صاحب القداسة رئيس أساقفة طلبيرة. وبعد أن تشاوروا طويلاً قدموا تقريراً ذكروا فيه أن الخطة غير عملية واحتجوا بأن آسيا تقع على مسافة أبعد من ناحية الغرب مما ظن كولومبس ومع ذلك فإن فرديناند وإيزابيلا منحاه راتباً سنوياً قدره 000و12 مارافيدس (840 دولاراً؟) وزوداه عام 1489 بخطاب يأمران فيه كل البلديات الأسبانية بأن توفر له الطعام والمأوى ولعلهما كانا يريدان أن يحتفظا بحق الاختيار بالنسبة لمشروعه لئلا يمنح قارة لملك منافس بطريق المصادفة ولما رفضت لجنة طلبيرة المشروع مرة أخرى بعد أن تداولت بشأن الخطة قرر كولومبس أن يقدم المشروع إلى شارل الثامن ملك فرنسا غير أن فراي جوان بيريز رئيس رهبان دير لارابيدا أثناه عن عزمه ورتب له مقابلة مع إيزابيلا فأرسلت إليه 000و20 مارافيدس لمواجهة نفقات رحلته إلى مقر قيادتها في مدينة سانتافي المحاصرة




صفحة رقم : 8079




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> كولمبس


وذهب هناك واستمعت في رقة إلى حجته ولكن مستشاريها عارضوا الفكرة مرة أخرى فاستأنف استعداداته للذهاب إلى فرنسا (يناير سنة 1492).
وعند هذه المرحلة الحرجة حرك يهودي متنصر سير التاريخ فقد لام لويس دي سانتاندر، وزير مالية فرديناند، إيزابيلا لافتقارها إلى الخيال والعزيمة، وأغراها بأن لها لوح بالأمل في أن تحول آسيا إلى المسيحية وأقترح أن يمول الحملة بنفسه بمعاونة أصدقائه وأيده في فكرته يهود آخرون -دون إيزاك أبرابانل Abrabanel وخوان كابريرو وأبراهام سنيور، وتأثرت إيزابيلا بالفكرة وعرضت أن ترهن جواهرها لرفع قيمة المبلغ المطلوب ولكن سانتاندر رأى أن هذا الإجراء غير ضروري وأقترض مبلغ 000و400و1 مارافيدس من جماعة الرهبان التي كان أميناً لصندوقها وأضاف إليه مبلغ 000و350 من جيبه الخاص كما حصل كولومبس بطريقه ما على مبلغ 000و250 علاوة على ما سبق.
وفي السابع من أبريل عام 1492 وقع الملك الأوراق الضرورية ثم أعطى عندئذ أو بعد ذلك لكولومبس خطاباً إلى خان كاثاي، وكان هذا في الصين وليس في الهند التي كان يأمل كولومبس أن يصل إليها والتي ظن حتى لآخر لحظة في حياته أنه قد اكتشفها.
وفي الثالث من أغسطس أبحرت سانتاماريا (سفينة أمير البحر) وبنتا ونينيا Nina من بالوس وعلى ظهرها ثمانية وثمانون رجلاً ومؤن تكفيهم لمدة عام.




صفحة رقم : 8080




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> أمريكا



2- أمريكا


واتجهوا جنوباً نحو جزر كاناري ينشدون الرياح من الشرق قبل أن يواجهوا الغرب. وبعد إقامة طويلة في الجزر أقدموا على السير في خط مواز لخط عرض ثمان وعشرين (6 سبتمبر) في مكان لا يبعد جنوباً بدرجة تكفي لينعموا بالرياح التجارية ونحن نعلم أنهم لو اتجهوا جنوباً أكثر من ذلك لقصروا المسافة إلى أمريكا وجنبوا أنفسهم ما لاقوه من عناء في طريقهم إليها وكان الطقس لطيفاً وكتب كولومبس في سجل سير السفينة "مثل جو أبريل في الأندلس والشيء الوحيد الذي ينقصنا هو سماع صوت البلابل". واعتراهم القلق ثلاثة وثلاثين يوماً وكان كولومبس يقلل من المخصصات الغذائية التي تصرف لرجاله بنسبة الأميال التي يقطعونها كل يوم ولكن نظراً لأنه بالغ في تقدير سرعته فإن بياناته كانت صحيحة برغم أنفه.
وعندما استمر سكون الرياح غير طريقه وإذ ذاك شعر البحارة، أكثر من أي وقت مضى -بالضياع في خضم البحر وهم يسيرون فيه على غير هدى. وفي التاسع من أكتوبر صعد ربانا السفينتين بنتا ونينيا على ظهر السفينة وطالبا بإلحاح بالعودة فوراً إلى إسبانيا فوعدهما كولمبوس بأنه سيحقق رغبتهما إذا لم يروا الأرض خلال ثلاثة أيام وفي العاشر من أكتوبر تمرد بحارة سفينته ولكنه هدأ من ثورتهم بأن تعهد لهم بنفس الشيء. وفي الحادي عشر من أكتوبر التقطوا من المحيط غصناً أخضر يحمل أزهاراً فعاودتهم الثقة في قائدهم. وفي الساعة الثانية من صباح اليوم التالي والقمر بدر تقريباً صاح روديجودي تريانا القائم بالحراسة (الأرض! الأرض!) أخيراً هاهي الأرض..




صفحة رقم : 8081




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> أمريكا


وعندما أقبل الفجر رأوا جماعة من الوطنيين العراة على الشاطئ وكلهم معتدلو القامة. واستقل القباطنة الثلاثة قاربا بصحبة رجال مسلحين جدفوا بهم نحو الشاطئ وركبوا وقبلوا الأرض وحمدوا الله وأطلق كولمبس على الجزيرة اسم سان سلفادور المخلص المقدس- واستولى عليها باسم فرديناند وإيزابلا والمسيح. واستقبل المتوحشون مستعبديهم في المستقبل بدماثة المتحضرين. وكتب أمير البحر: "ما دمت قد عرفت انهم قوم يمكن تحريرهم وهدايتهم إلى أبينا المقدس عن طريق الحب لا القهر فلكي نكسب صداقتهم أعطيت لبعضهم قلانس حمراء وللبعض الآخر خرزاً وأشياء أخرى كثيرة تافهة القيمة سرتهم كثيراً. ولقد ظلوا أصدقاء أوفياء لنا وهذه أعجوبة. واقبلوا فيما بعد سابحين إلى قوارب السفينة واحضروا معهم ببغاوات وخيوطاً من القطن... وأشياء أخرى كثيرة فأعطيناهم في مقابلها خرزات صغيرة... وأخيراً تبادلوا معنا كل ما يملكون وهم راضون كل الرضى".
ولعل خبر "المتوحش المسالم السلس" الذي فتن روسو وشاتوبريان وهويتمان قد بدأ عندئذ وفي ذلك المكان ولكن كان من بين الأمور التي عرفها كولمبس عن الجزيرة أن هؤلاء الوطنيين كانوا عرضة لغارات تقوم بها جماعات أخرى من الوطنيين لاسترقاقهم وأنهم أنفسهم أو أسلافهم تغلبوا على أهالي البلد الأصليين. وبعد رسوهم بيومين كتب في يومياته ملاحظة مشئومة: "إن هؤلاء الناس غير حاذقين في استخدام الأسلحة ويمكن إخضاعهم بخمسين رجلا وحملهم على القيام بكل ما يريده المرء". ولكن لم يكن في سان سلفادور للأسف أي ذهب. وفي الرابع من أكتوبر أقلع الأسطول الصغير بحثاً عن سيبانجو-اليابان- والذهب. وفي الثامن والعشرين من أكتوبر رسوا على كوبا وهناك أحسن الأهالي بدورهم التصرف وحاولوا أن ينضموا لضيوفهم في إنشاد (ايف ماريا) وبذلوا جهدهم في رسم علامة




صفحة رقم : 8082




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> أمريكا


الصليب. وعندما عرض عليهم كولمبس الذهب ابدوا له ما يدل على انه سيجد بعضه في نقطة بالداخل أطلقوا عليها اسم كوبانا كان-أي وسط كوبا- واعتقد أنهم يقصدون بهذا الخان العظيم أو خان الصين العظيم فأرسل أسبانيين معهما أوراق اعتماد دبلوماسية ليجدا هذا الحاكم المراوغ وعادا دون أن يلتقيا بالخان وإن كانا قد جاءا بقصة ممتعة عن الحفاوة التي استقبلا بها في كل مكان كما أنهما قدما أول تقرير للأوربيين عن التبغ الأمريكي فقد شاهدوا رجلا وامرأة من الأهالي يدخنان أعشاب التبغ وهي ملفوفة في سيجار أدخلاه في الأنف وغادر كولمبس كوبا وهو يشعر بخيبة الأمل (4 ديسمبر) وأخذ معه عنوة خمسة من الشباب الوطنيين ليقوما بمهمة الترجمة وسبع نساء للترفيه عنهم وقد مات الجميع وهم الطريق إلى أسبانيا.
وفي غضون ذلك كان مارتين الونزوبينزون الربان الأول في أسطول كولمبس قد هجره وانطلق بسفينته لينقب عن الذهب لحسابه الخاص. وفي الخامس من ديسمبر وصل كولمبس إلى هايتي وهناك ظل أربعة أسابيع وهو يلاقي من الأهالي كل الترحيب وحفاوة. وعثر على بعض الذهب وشعر أنه غدا قاب قوسين أو أدنى من الخان ولكن سفينته المعقود لها لواء القيادة اصطدمت بسلسلة من الصخور وحطمتها الأمواج والصخور عشية يوم عيد الميلاد الذي كان قد فكر بالاحتفال به كأسعد يوم في حياته. ومن حسن الحظ أن السفينة نينيا كانت على مقربة منه فأنقذت البحار واقتحم الأهالي الطيبون أمواج البحر في قواربهم للمعاونة في إنقاذ معظم الشحنة قبل أن تغرق السفينة وواسى زعيمهم كولمبس فعرض عليه ضيافته وقدم له الذهب وأكد له أن هناك كمية وفيرة من هذا المعدن القاتل في هايتي. فحمد أمير البحر الله على الذهب وسامحه على تحطيمه لسفينته وكتب في يومياته أنه فرديناند وإيزابلا سيكون عندهما الآن من الأموال ما يكفي لغزو الأرض المقدسة. وتأثر بسلوك الأهالي الحسن فترك قسما من بحارته يتوطنون لارتياد الجزيرة




صفحة رقم : 8083




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> أمريكا


بينما عاد إلى أسبانيا ليقدم تقريراً عن اكتشافاته. وفي السادس من يناير سنة 1493 عاد بنزون وانضم إليه بسفينته بنتا وقبل كولمبس اعتذاره فقد كان يمقت العودة وليس معه إلا سفينة واحدة. وفي السادس عشر من يناير بدأ رحلة العودة للوطن.
كانت رحلة طويلة تعسة فطوال شهر يناير كانت الرياح معاكسة وفي الثاني والعشرين من فبراير هبت ريح عاصفة صفعت السفينتين الصغيرتين ولم يكن طول كل منهما يتجاوز سبعين قدماً وبينما كان كولمبس ورفيقه يقتربان من شاطئ الأزور تخلى عنه بنزون مرة أخرى مؤملاً أن يكون أول من يصل إلى أسبانيا بالأنباء العظيمة عن اكتشاف آسيا وألقت السفينة مراسيها بعيداً عن سانتا ماريا في شاطئ الأزور (17 فبراير) وانطلق نصف البحارة إلى الشاطئ للقيام بالحج إلى مزار للعذراء فاعتقلتهم السلطات البرتغالية وألقت بهم في السجن لمدة أربعة أيام بينما كان كولمبس يتميز غيظا على الشاطئ ثم أطلق سراحهم وأقلعت السفينة نينيا مرة أخرى ولكن عاصفة أخرى دفعتها بعيداً عن طريقها المرسوم ومزقت قلوعها فاغتم البحارة ونذروا أن يقضوا أول يوم يطئون فيه الأرض صائمين على الخبز والماء وأن يعملوا بالوصايا العشر. وفي الثالث من مارس رأوا شاطئ البرتغال وعلى الرغم من أن كولمبس علم أنه كان يخاطر بالوقوع في ورطة دبلوماسية فإنه قرر أن يرسو في لشبونه وفضل هذا على محاولة قطع الأميال المائتين وخمسة وعشرين الباقية للوصول إلى باولوس مستعينا بقلع واحد. واستقبله جون الثاني بحفاوة ورممت السفينة نينيا وفي الخامس عشر من مارس وصلت إلى باولوس بعد "عناء وهول لا حد لهما" (كما قال كولمبس) بعد مرور 193 يوما من مغادرة ذلك الميناء. وكان مارتن بنزون قد رسا شمالي أسبانيا قبل ذلك ببضعة أيام وبعث برسالة إلى فرديناند وإيزابيلا ولكنهما




صفحة رقم : 8084




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 06-03-11, 06:44 مساء   رقم المشاركة : [267]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> أمريكا


رفضا أن يقابلاه هو أو رسوله ودخلت السفينة بنتا باولوس بعد يوم من وصول السفينة نينيا وفر بنزون يغمره الفزع ويجلله العار الذي جلبه على وطنه ولازم فراشه حتى مات.




صفحة رقم : 8085




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة



3- مياه المرارة


ورحب الملك والملكة بكولومبس في برشلونة وعاش في البلاط ستة شهور وانعم عليه بلقب "أمير البحر الأوقيانوس ويقصد به الأطلنطي غرب شواطئ الأزور". ونصب حاكما على العالم الجديد أو كما وصف نفسه "نائب الملك وحاكم عام الجزر وأراضي آسيا والهند". وعندما شاع أن جون الثاني يجهز أسطولا لعبور الأطلنطي استغاث فرديناند بالبابا ألكسندر السادس. وطلب منه أن يحدد حقوق أسبانيا في "البحر الأوقيانوس"فعين البابا الأسباني، في سلسلة من المنشورات (1493) لأسبانيا ملكية كل الأراضي التي لا تدين بالمسيحية في الغرب، وللبرتغال كل الأراضي في الشرق ويفصل بينهما خط وهمي مرسوم بحيث يمر من الشمال إلى الجنوب على بعد 270 ميلا غرب الأزور وجز الرأس الخضراء ولكن البرتغاليين رفضوا قبول هذا الخط الفاصل وأوشكت الحرب أن تنشب بين الحكومتين المتنافستين لولا أنهما وافقتا في معاهدة تورديسيلاس (7 يونية سنة 1494) على أن يمر ذلك الخط موازيا لخط الزوال الطولي على بعد 250 فرسخا غرب جزر الرأس الخضراء بالنسبة للاكتشافات التي تمت قبل ذلك التاريخ، ولكن على بعد 370 فرسخا غربا بالنسبة للاكتشافات التي تتم بعد ذلك.(يقع الطرف الشرقي للبرازيل شرق هذا الخط الثاني) وقد أطلقت منشورات بييترو مارتيري وانجييرا رأى كولمبس بأنه قد وصل إلى آسيا واستمر هذا الوهم حتى طاف ماجلان حول الكرة الأرضية.




صفحة رقم : 8086




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


وقام فرديناند وإيزابيلا يحدوهما الأمل في الحصول على الذهب بتزويد كولومبس بأسطول جديد يتكون من سبع عشرة سفينة مجهزة بألف ومائتي بحار وحيوانات للشروع في تربية قطعان من الماشية والأغنام في جزر الهند وخمس من رجال الدين لتلقي اعترافات الإسبانيين ولهداية "الهنود". وقد بدأت الرحلة الثانية من إشبيلية يوم 25 سبتمبر سنة 1493 وبعد تسعة وثلاثين يوما (مقابل سبعين يوماً في الرحلة الأولى) شاهد الحارس جزيرة أطلق عليها كولمبس اسم "دومينيكا" لأنهم كانوا في يوم الأحد. ولم ينزلوا إلى الأرض هناك لأن أمير البحر اشتم رائحة فريسة أكبر. ومر خلال مجموعة جزر الأنتيل الصغرى في أقصى الغرب وتأثر كثيراً بعدها فأطلق عليها "إحدى عشر ألفاً من العذارى". وهي لا تزال جزراً عذراء وتابع رحلته واكتشف بويرتوريكو، وتمهل هناك قليلا ثم أسرع ليرى ما حدث للمستوطنين الأسبان الذين تركهم في هايتي منذ عشرة شهور فلم يجد منهم رجلا على قيد الحياة، إذ أن الأوربيين طافوا بالجزيرة وسطوا على الذهب الأهالي وسبوا نساءهم وأقاموا فردوسا استوائيا عاش فيه كل رجل مع خمس نساء وتنازعوا فيما بينهم وقتل بعضهم بعضا أما الباقون فقد قضى عليهم الهنود الذين انتهكت حرماتهم.
وسارت سفن الأسطول شرقاً بحذاء شاطئ هايتي، وفي الثاني من يناير عام 1494 أنزل أمير البحر رجالا وشحنة لتأسيس مستعمرة جديدة أطلق عليها اسم "إيزابيلا". وبعد أن أشرف على بناء مدينة وبعد ترميم سفنه سافر ليرتاد كوبا. وعندما عجز عن الطواف حولها استنتج أنها قارة آسيا ولعلها شبه جزيرة الملايو. وفكر في الالتفاف حولها والدوران بالكرة الأرضية ولكن سفنه لم تكن مجهزة لهذه الرحلة. فعاد إلى هايتي (29 أكتوبر سنة 1494) وهو يتساءل ماذا حدث لمستعمرته الجديدة. وصدم عندما وجد أنها تصرفت كالمستعمرة السابقة وأن الإسبانيين اغتصبوا




صفحة رقم : 8087




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


النساء الوطنيات ونهبوا مخازن طعام الأهالي وخطفوا أولاد الوطنيين ليخدموهم كالعبيد وأن الوطنيين قتلوا كثيراً من الأسبان على سبيل الانتقام. وقامت البعثات التبشيرية بمحاولة صغيرة لتنصر الهنود وانضم راهب إلى جماعة الساخطين الذين عادوا إلى إسبانيا ليقدموا للملك والملكة تقريرا لا يشجع عن موارد هايتي الذائعة الصيت. وقد أصبح كولومبس نفسه الآن تاجرا للعبيد إذ أرسل حملات لأسر 1,500 وطني وأعطى للمستوطنين أربعمائة من هؤلاء وبعث إلى أسبانيا بخمسمائة مات منهم مائتان أثناء الرحلة وبيع الباقون في إشبيلية ولكنهم ماتوا بعد بضع سنوات بعد أن عجزوا عن تكييف أنفسهم مع المناخ البارد، ولعلهم لم يحتملوا همجية المدينة وترك كولومبس لأخيه تعليمات بنقل المستعمرة من إيزابلا إلى موقع أحسن في سانتو دومينجو (ثيودادتريخليو الآن) وسافر إلى إسبانيا (10 مارس سنة 1496) ووصل إلى قادس بعد رحلة تعسة استمرت ثلاثة وتسعين يوماً. وأهدى للملك والملكة الهنود وسبائك الذهب ولم تكن بالكثير، إلا أنها خففت من الشكوك التي ثارت لدى البلاط حول الحكمة من صب مزيد من الأموال في الأطلنطي ولم يشعر أمير البحر بالارتياح وهو فوق الأرض، فقد كان ملح البحر يجري في عروقه فالتمس تزويده بثماني سفن على الأقل للقيام بمحاولة أخرى بحثا عن الثروة، ووافق الملك والملكة وفي مايو عام 1498 سافر كولمبس مرة أخرى.
وقد اتجهت الرحلة الثالث نحو الجنوب الغربي إلى خط عرض عشرة ثم سارت غربا في هذا الخط المستقيم. وفي الحادي والثلاثين من يوليو شاهد البحارة جزيرة كبيرة أطلق عليها القائد التقي اسم "ترينيداد". وفي الحادي والثلاثين من أغسطس رأى قارة أمريكا الجنوبية وربما كان ذلك قبل أو بعد فسبوتشي. وبعد استكشاف خليج باريا أبحر-نحو الشمال الغربي ووصل إلى سانتو دو مينجو يوم 31 أغسطس فوجد أن المستعمرة الثالثة قد بقيت ولكن كان ربع الخمسمائة من الأسبان الذين تركهم عام 1496




صفحة رقم : 8088




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


يشكون من مرض الزهري، وانقسم المستوطنون إلى فريقين متعاديين وكانا عندئذ على حافة الحرب. ولتهدئة التذمر أقطع كولمبس كل رجل مساحة كبيرة من الأرض وسمح له باسترقاق الوطنيين والإقامة فيها، وأصبحت هذه قاعدة تتبع في المستعمرات الأسبانية، وأنهكت الصعاب وخيبات الأمل وداء النقرس ومرض في العينين قوى كولومبس في ذلك الوقت فانهار تحت وطأة هذه المشكلات وكان ذهنه يتكدر بين الفينة والفينة واصبح يستثار بسهولة؛ متذمراً مستبداً، شحيحاً، جائراً في عقابه أو عقابه أو هذا على الأقل ما زعمه كثير من الأسبان فقد تميزوا من الغيظ تحت حكم رجل إيطالي. وأدرك أن مشكلات إدارة المستعمرة كانت دخيلة عليه بالنسبة لتدريبه ومزاحه. وأرسل في أكتوبر عام 1499 بعثتين إلى أسبانيا مع التماس لفرديناند وإيزابيلا لتعيين نائب للملك يساعده في حكم الجزيرة.
واخذ الملكان بكلمته وعينا فرانشسكو دي بوباديلا ولكنهما ذهبا إلى أبعد مما طلب أمير البحر فخولا نائبهما سلطة كاملة بل سلطة تفوق سلطة كولمبس. ووصل بوباديلا إلى سانتو دومينجو بينما كان كولمبس غائبا وسمع كثيرا من الشكايات من الأسلوب الذي كان يحكم به كريستوفورو وأخواه بارتولومي ودييجو ما تسمى الآن باسم هسبانيولا وعندما عاد كولمبس ألقى به بوباديلا في غياهب السجن والأغلال في ذراعيه والسلاسل في قدميه وبعد إجراء تحقيق أرسل النائب الأخوة الثلاثة إلى أسبانيا(أول أكتوبر عام 1500) وعندما وصل كولمبس إلى قادس كتب خطاباً مؤثراً إلى أصدقائه في البلاط "لقد انقضت سبعة عشر عاما منذ حضرت لأخدم هذين الأميرين بمشروع جزر الهند، ولقد أضاعا من عمري ثمانية أعوام في النقاش وفي النهاية رفضاه كأن الأمر دعابة. ومع ذلك لم أيأس... وها أنذا قد وضعت هناك تحت إمرتهم أرضاً تزيد عما




صفحة رقم : 8089




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


لديهم في أفريقيا وأوربا وأكثر من 10.700 جزيرة ... وفي سبع سنوات قمت أنا بمشيئة الله، بهذا الغزو، وفي الوقت الذي كنت أنتظر فيه المكافأة وأتطلع إلى التقاعد قبض على بلا جريرة وأرسلت للوطن مصفدا بالأغلال... ووجهت إلى تهمة الحقد على أساس الاتهامات التي وجهها إلى مدنيون ثاروا وأرادوا الاستيلاء على الأرض... إني أرجو من مراحمكم أن تقرأوا جميع أوراقي بحماسة المسيحيين المخلصين الذين وضع فيهم سموهما ثقتهما وأن تفكروا مليا كيف ألوث شرقي وخلقي في أواخر أيامي دون سبب، أنا الذي جاء من أقصى البلاد لخدمة هذين الأميرين دون أن ألقي منهما عدالة ولا رحمة".
وكان فرديناند مشغولا بتقسيم مملكة نابلي مع لويس الثاني عشر، ومرت ستة أسابيع قبل أن يأمر بإطلاق سراح كولمبس وأخويه ودعوتهم إلى البلاط واستقبلهم الملك والملكة في قصر الحمراء وواسياهم وأعادا لهم الاعتبار وإن كانوا لم يصلوا إلى سلطاتهم في العالم الجديد. وكان الملكان ملزمين بشروط التسليم أو الاتفاقية التي وقعاها عام 1492 بتخويل كولمبس سلطاناً كاملاً على الأراضي التي اكتشفها، ولكنهما شعرا بأنه لم يعد جديراً بممارسة هذه السلطة فعينا دون نيكولاس دي أوفاندو حاكماً جديداً على جزر الهند. ومهما يكن من أمر فإنهما سمحا لأمير البحر أن يحصل على كل حقوقه من أملاكه في سانتو دومينجو وكل ما يستحق له حتى ذلك الوقت من التنقيب عن الذهب ومن التجارة. وعاش كومبس ما بقي من عمره في رغد من العيش. ولكنه لم يكن راضياً. وألح على الملك والملكة أن يمداه بأسطول آخر ومع أنهما لم يتبينا بعد ما إذا كان "مشروع جزر الهند" سيعود عليهما بربح صاف فإنهما شعرا بأنهما يدينان له بمحاولة أخرى. وبدأ كولمبس رحلته الرابعة من قادس بأربع سفن على ظهرها مائة وأربعون رجلاً منهم



صفحة رقم : 8090




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة

أخوه
بارتولومي وابنه فرناندو، وذلك في اليوم التاسع عام 1502. وفي التاسع والعشرين من يونيه أحس بزوبعة في الجو وفي مفاصله، فرسا في بقعة آمنة من شاطئ هاييتي قرب سانتو دوينجو، وكان في الميناء الرئيسي ثلاثون سفينة على وشك الإبحار إلى إسبانيا. وبعث كولمبس برسالة إلى الحاكم يبلغه فيها بأن إعصاراً سوف يهب وأشار عليه بأن يؤخر سفر السفن قليلاً، ولكن أوفاندو أعرض عن هذا التحذير وأرسل الأسطول وهبت الزوبعة الهوجاء ونجت منها سفن أمير البحر ولم يصبها إلا أقل الضرر، أما سفن أسطول الحاكم فقد تحطمت جميعاً إلا واحدة وغرق خمسمائة رجل ومنهم بوباديلا وغاصت في أعماق البحر شحنة من الذهب.
وليس من شك في أن كولمبس بدأ عندئذ أصعب الشهور الحافلة بالأسى في حياته المضطربة -فقد استأنف سيره غرباً ووصل إلى هندوراس وارتاد شاطئ نيكاراجوا وكوستريكا مؤملاً أن يجد مضيقاً يتيح له أن يطوف بالأرض. وفي الخامس من ديسمبر عام 1502 هبت ريح عاصفة مصحوبة بالمطر وصف كولمبس في يومياته قوتها العاتية :"ظللت تائهاً لمدة تسعة أيام وضاعت كل بارقة أمل في الحياة. لم تر عيناي قط بحراً كهذا هائجاً عالي الأمواج، يغطيه الزبد. إن الرياح لم تمنع تقدمنا فحسب بل إنها لم تتح لنا أية فرصة للسير وراء لسان من الأرض يعتصم به من العاصفة ومن ثم اضطررنا إلى مواصلة السير في هذا المحيط الملعون ونحن نتقلب فيه كالقدر حين يغلي على النار، ولم تبد السماء قط مخوفة كما بدت في هذا اليوم فقد ظلت يوماً وليلة ترسل شواظا من نار يلسعنا كالسنة اللهب. وتفجر البرق بشدة حتى أنني كنت في كل مرة أتساءل عما إذا كانت الرياح قد حطمت صواري وانتزعت قلوعي. وكانت ومضات البرق تتوالى بعنف وبصورة مروعة حتى اعتقدنا جميعاً أن السفن توشك أن تنفجر.




صفحة رقم : 8091




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


ولم تتوقف الأمطار عن الهطول طوال ذلك الوقت. وأنا لا أقول أنها كانت تمطر فقد كانت المياه تتدفق حتى خيل إلى أنه طوفان آخر. وكان الرجال منكوهي القوى وتمنوا الموت ليضع حداً لآلامهم المروعة".
وإلى جانب ما كانت تحدثه الريح والمطر والبرق وسلسلة الصخور القريبة من فزع هب إعصار عاقص ينشر الرذاذ البحر وكان قريبا جداً إلى درجة الخطورة من السفن وبدأ الماء إلى أعلى بحيث يطاول السحب فتناول كولمبس كتابه وقرأ فيه كيف هدأ المسيح العاصفة في كابيرناوم ثم تعوذ من الإعصار ورسم في السماء بسيفه وإذ ذاك يقال لنا إن قمة الماء انهارت وانتهى هياج البحر بعد مرور أثنى عشر يوماً مروعة، ورسا الأسطول في ميناء قرب الطرف الشرقي الحالي لقناة بنما، وهناك احتفل كولمبس ورجاله بعيد الميلاد عام 1502 وبرأس السنة الجديدة عام 1503 وقلوبهم مثقلة بالحزن دون أن يدور بخلدهم أن المحيط الهادي لا يبعد عنهم إلا أربعين ميلاً.
وتوالت المصائب. فبينما كان ثلاثة عشر بحاراً يجدفون في قارب من قوارب سفينة القيادة نحو النهر للحصول على ماء عذب هاجمهم الهنود ولقي جميع الأسبان مصرعهم ما عدا رجل واحد وضاع القارب. واضطروا إلى التخلي عن سفينتين أتى السوس عليهما ولم تعودا صالحتين للملاحة أما السفينتان الباقيتان فقد كان بهما كثير من الخروق وكان لا بد من تشغيل المضخات ليل نهار وأخيراً أثبت السوس أنه أقوى من الرجال ولم يكن هناك بد من إرساء السفينتين الباقيتين على شاطئ جامايكا (25 يونيه سنة 1503). وهناك أقام البحارة البائسون سنة وخمسة وكانون يعتمدون في طعامهم على صداقة الأهالي المتقلبة والذين لم يكن لديهم أنفسهم ما يستغنون عنه إلا النذر القليل. وتطوع ديجو منديز، الذي كان لرباطة جأشه في مواجهة كل هذا الضيق في عدم تردي كولمبس في هوة اليأس، أن يرأس




صفحة رقم : 8092




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


جماعة من ستة من المسيحيين وعشرة من الهنود ويستقلوا قارباً منحوتاً من جذع شجرة لقطع 455 ميلا- منها ثمانون ميلا لا ترى بالبصر من فوق الأرض- إلى سانتو دومينجو لطلب النجدة. ونفد زادهم من الماء في تلك المغامرة ومات بضعة هنود. ووصل منديز إلى هدفه ولكن أوفاندو لم يقدم أو يستغني عن سفينته حتى مايو عام 1404 لنجدة أمير البحر. وما أن حل شهر فبراير حتى خفض هنود جامايكا هداياهم من الطعام للملاحين الذين جنحت سفنهم إلى الحد الذي بدأ فيه الأسبان يتضور ون جوعاً، وكان مع كولمبس تقويم رجيومونتانوس الفلكي الذي جاء بحساباته خسوف للقمر يوم 29 فبراير، فاستدعى زعماء الوطنين وأنذرهم بأن الله غاضب بسبب سماحهم بتجويع رجاله وأنه يحجب عنهم ضوء القمر فسخروا منه ولكن عندما بدأ الخسوف سارعوا بإحضار الطعام إلى السفن. وعندئذ طمأنهم كولمبس وقال إنه دعا الله أن يعيد للقمر ضياءه وأنه وعده سبحانه وتعالى أن الهنود سيطعمون المسيحيين جيداً بعد هذا. وعاد القمر للظهور.
ومرت أربعة شهور أخرى قبل أن يصلهم العون وحتى ذلك الوقت كانت السفينة التي أرسلها أوفاندو قد اتسعت خروقها فلم يكن أمامها إلا أن تعود إلى سانتو دومينجو وسافر كولمبس مع أخيه وابنه في سفينة أشد متانة إلى إسبانيا فوصلوا في اليوم السابع من نوفمبر بعد رحلة طويلة واجهوا فيها العواصف، واغتم الملك لأنه لم يعثر على مزيد من الذهب ولم يكتشف مضيقا يوصل إلى المحيط الهندي، ولم يجد فرديناند وإيزابلا التي كانت تحتضر، وقتاً لمقابلة البحار الذي اشتعل رأسه شيباً بعد عودته أخيراً من البحر. وكانت عشوره "من هايتي لا تزال تدفع له... وكان يشكو من داء النقرس لا من الفاقة. وعندما وافق فرديناند أخيراً على مقابلة كولمبس لم يستطيع أمير البحر وقد بدا أكبر عمراً من سنواته الثمانية والخمسين. أن يتحمل مشاق الرحلة إلى بلاط الملك في سيجوفيا إلا بصعوبة بالغة وطالب بالألقاب والحقوق




صفحة رقم : 8093




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> مياه المرارة


والدخول التي وعد بها عام 1492، فاعترض الملك وعرض عليه ضيعة كبيرة في قشتالة فرفض كولمبس. ولاحق البلاط إلى سلمنقة وبلد الوليد، وهناك مات يوم 20 مايو سنة 1506 محطم الجسد كسير الفؤاد ولم يتيسر قط لأحد أن يعيد رسم خريطة الأرض على نحو هذا النحو.




صفحة رقم : 8094




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> المنظور الجديد



4- المنظور الجديد


والآن بعد أن أضاء كولمبس الطريق اندفع مائة ملاح آخر إلى العالم الجديد، ويبدو أن هذا الاسم قد استخدمه لأول مرة تاجر فلورنسي يطلق اسمه الآن على الأمريكتين فقد أرسل آل مديتشي إلى أسبانيا أمير يجو فسبوتشي ليقوم على شئون مصرف فلورنسي وفاز عام 1495 بعقد ينص على إعداد اثنتي عشرة سفينة لفرديناند وأصيب بحمى الكشف وزعم في خطابات أرسلها فيما بعد(1503-1504) لأصدقاء في فلورنسا أنه قام بأربع رحلات إلى ما أسماه بالعالم الجديد وأنه في إحدى هذه الرحلات في اليوم السادس عشر من يونيه عام 1497، وصل إلى قارة أمريكا الجنوبية. ولما كان جون كابوت قد وصل إلى جزيرة كيب بريتون في خليج سانت لورانس في اليوم الرابع والعشرين من يونيه عام 1497 وشاهد كولمبس فنزويلا عام 1498 فإن قصة فسبوتشي تنسب له أنه أول أوربي وصل إلى قارة في نصف الكرة الغربي منذ عهد لايف أريكسون (سنة 1000) ولكن ما اتسمت به روايات فسبوتشي من عدم الدقة وما خالطها من اضطراب ألقى ظلالا من الشك على مزاعمه ومما يجدر ذكره أن كولمبس، والذي كان في وسعه عندئذ أن يحكم على مدى وثوق أخبار فسبوتشي عهد إليه عام 1505 بخطاب لتسليمه إلى دييجو ابن أمير البحر. وفي سنة 1508 نصب فسبوتشي كبيراً لجميع الربانية في أسبانيا واحتفظ بهذا المنصب حتى وفاته.
وقد نشرت نسخة لاتينية من إحدى رسائله في سان دييه (اللورين)




صفحة رقم : 8095




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> المنظور الجديد


في أبريل عام 1507. واستشهد مارتن فالدسيمولر، أستاذ (الكوزموجرافيا) علم الكون بجامعة سان دييه، بهذا الخطاب في "مقدمة لعلم الكون" الذي نشره هناك في تلك السنة وقبل رواية فسبوتشي واعتبرها جديرة بالثقة واقترح أن يطلق اسم أمريجي على ما نسميها الآن أمريكا الجنوبية.
وفي سنة 1538 استخدم جير هاردوس ميركانور اسم "أمريكا" في إحدى خرائطه الشهيرة وأطلقه على كل نصف الكرة الغربي. ومن المتفق عليه أن فسبوتشي قام عام 1499 إن لم يكن عام 1497، مع ألونزو دي أوخيد بارتياد شاطئ فنزيلا وفي سنة 1500 عقب اكتشاف كابرال مصادفة للبرازيل ارتاد فيسنت Vicente بنزون، وكان رباناً للسفينة نينيا في رحلة كولمبس الأولى، الشاطئ البرازيلي واكتشف الأمازون. وفي سنة 1513 شاهد فاسكونونييزدي بالبوا المحيط الهادي واكتشف بونس دي ليون، فولريدا، وهو يحلم بالعثور على ينبوع الشباب. وكان للاكتشافات التي بدأها هنري الملاح وتبعه فيها فاسكودا جاما وبلغت أوجها في عهد كولمبس وانتهت بماجلان، أثر في قيام أعظم ثورة تجارية في التاريخ قبل اختراع الطائرة. فتحت البحار الغربية والجنوبية للملاحة والتجارة وأنهت عهد البحر الأبيض المتوسط في الحضارة وبدأت عهد الأطلنطي. وكلما ازداد تدفق الذهب من أمريكا إلى أسبانيا ازداد التدهور الاقتصادي في ولايات البحر الأبيض المتوسط بل وفي تلك المدن الواقعة في جنوب ألمانيا مثل أوجسبرج ولومبرج، التي كانت ترتبط تجارياً بإيطاليا. ووجدت دول الأطلنطي في العالم الجديد مخرجاً لفائضها من السكان ولطاقاتها الاحتياطية ولمجرميها هناك أسواقاً رائجة لبضائعها الأوربية. وازدهرت الصناعة في أوربا الغربية وطالبت بالاختراعات الآلية وبأشكال أحسن من الطاقة مما أدى إلى الثورة الصناعية. واستوردت نباتات جديدة من أمريكا لإثراء الزراعة الأوربية-البطاطس والطماطم والخرشوف والقرع العسلي




صفحة رقم : 8096




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> غزو البحر -> المنظور الجديد


والذرة. وأدى تدفق الذهب والفضة إلى رفع الأسعار وتشجيع أصحاب المصانع وإنهاك قوى العمال وزيادة الدائنين والإقطاعيين وأثارت في أسبانيا حلم السيطرة على العالم وقضت عليه.
ولم تكن الآثار الأدبية والذهنية لهذه الاكتشافات بأقل من النتائج الاقتصادية والسياسية فقد انتشرت المسيحية فوق رقعة واسعة من نصف الكرة الأرضية وكسبت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية من الأنصار في العالم الجديد أكثر مما سلبهم منها الإصلاح الديني في العالم القديم. وتلقفت أمريكا اللاتينية اللغتين الإسبانية والبرتغالية اللتين أثمرتا أدبا قويا مستقلا. ولم تتمسك أخلاق الأوروبيين بهذه الاكتشافات إذ تدفقت وحشية الأوربيين، التي لا تخضع لقانون، إلى أوربا مع البحارة والمستوطنين العائدين وجاءت بالإفراط في العنف والشذوذ الجنسي. وتأثر الفكر الأوروبي كثيراً بالكشف عن هذه الشعوب والعادات والمعتقدات الدينية الكثيرة وعانت المذاهب الدينية من الاحتكاك المتبادل بل إنه في الوقت الذي كان البروتستانت والكاثوليك يشتبكون في حروب مدمرة من أجل مذاهبهم المتخاصمة فإن هذه المذاهب كانت تذوب في الشكوك التي يثيرها التثقيف وما يستتبع ذلك من تسامح.
يضاف إلى كل هذا أن الاعتزاز بالعمل الفذ ألهم العقل البشري في اللحظة التي كان فيها كوبرنيكوس على وشك أن يقلل من الأهمية الكونية للأرض وسكانها إذ شعر الناس أن شجاعة العقل البشري قد تغلبت على دنيا المادة. وأنكر الاختصار والشعار السائد في القرون الوسطى لجبل طارق- لا شيء خلفه - وأصبح هذا الشعار الآن - خلفه الكثير - وزالت كل الحدود وأصبح العالم مفتوحا وبدا كل شئ ممكنا. والآن بدأ التاريخ الحديث بموجة طاغية تتسم بالإقدام والتفاؤل.




صفحة رقم : 8097




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> تربية عالم بالإنسانيات



الفصل الخامس عشر




أرازموس الرائد




1469 - 1517




1- تربية عالم بالإنسانيات


ولد أعظم عالم بالإنسانيات عام 1466 أو عام 1469 في روتردام أو بالقرب منها وهو الابن الثاني غير الشرعي لجيرارد وهو كاتب في أدنى الدرجات. وأمه مرجريت ابنة طبيبة وأرملة. ويبدو أن الأب رسم قسيساً عقب هذه الكارثة ولا ندري كيف سمي الصبي بالاسم السخيف ديزيدريوس أرازموس ومعناه الحبيب المرغوب فيه. ولقد علمه مدرسوه الأوائل القراءة والكتابة باللغة الهولندية ولكنه عندما ذهب ليدرس مع أخوة الحياة المشتركة في ديفنتر غرم لأنه كان يتحدث بلغته الوطنية فقد كانت اللغة اللاتينية هناك "الزاد الرئيسي للتعليم" وكانت التقوى تراعى بحزم كوسيلة من وسائل التربية والتهذيب- ومع ذلك فإن الأخوة كانوا يشجعون على دراسة كلاسيكيات وثنية مختارة وبدأ أرازموس في ديفنتر يمسك بزمام اللغة اللاتينية والأدب بصورة مذهلة.
ومات والده حوالي عام 1484 وخلف الوالد ضيعة متواضعة لولديه ولكن الأوصياء عليهما بددوا معظمها ووجهوا الشابين اليافعين للانخراط في سلك الرهبنة لأنها لا تحتاج إلى امتلاك شئ على الإطلاق فاحتجا إذ كانا يرغبان في الالتحاق بالجامعة، وأخيراً أمكن إغراؤهما- بوعد أرازموس بالحصول على كثير من الكتب كما قيل لنا. أما الابن الأكبر فقد رضى بمصيره وارتفع شأنه فأصبح "سكيراً مدمنا وأن لم يكن فاجراً سافلا". وأخذ ديزيدريوس على نفسه العهود كأي راهب أوغسطيني في ديراماوس في




صفحة رقم : 8098




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> تربية عالم بالإنسانيات


ستين. وحاول أن يحب حياة الدير جهد استطاعته بل إنه كتب مقالا بعنوان: De contemptu mundi "تأملات في الوجود"، ليقنع نفسه بأن الدير هو المكان المناسب لصبي له روح متعطشة ومعدة منهوكة ولكن معدته أرهقها الصيام وأصابها الغثيان حينما كانت تُشَم رائحة السمك. ومع ذلك فإن العهد الذي قطعه على نفسه بالخضوع أثبت أنه أشد قساوة من نذره العفة، ومن يدري؟ لعل مكتبة الدير كانت تعوزها الكلاسيات. وأشفق عليه رئيس الدير وأعاره ليعمل كاتب سر لهنري البرجيني أسقف كمبراي. وقبل أرازموس عندئذ (1492) أن يرسم قساً ولكنه أينما اتجه نازعته نفسه إلى أن يضع قدمه على مكان آخر. كان يحسد الذين التحقوا بالجامعة بعد إنهاء تعليمهم المحلي. وكانت باريس تفوح بشذا العلم والهوى الذي قد يسمم الحواس المرهفة عبر مسافات بعيدة. وأغرى ديزيديريوس الأسقف على إرساله إلى جامعة باريس بعد أن خدمه بكفاءة بضع سنوات وانطلق وليس معه إلا ما يقوم بأوده. وكان ينصت في صبر نافذ إلى المحاضرات ولكنه كان يلتهم الكتب. وكان يشهد المسرحيات والحفلات وينقب بين الفينة والفينة عن المفاتن الأنثوية، ويقول في إحدى محاوراته أن ألطف طريقة لتعلم الفرنسية هي أن تتلقاها عن بنات الليل ومع ذلك فقد أغرم بالأدب.. أغرم بتلك الكلمات الموسيقية السحرية التي تفتح بابا يلج منه المرء إلى عالم الخيال والبهجة. وعلم نفسه اليونانية وأصبحت أثينا أفلاطون ويوروبيدس وزينون وأبيقوروس مألوفة لدية مثل روما سيشرون وهوراس وسينيكا فكلا المدينتين كانتا حقيقتين بالنسبة له مثلهما في ذلك مثل شاطئ السين الأيسر. وكان سينيكا في نظره مسيحياً صالحاً مثل سانت بول ونمطياً أحسن منه (وهي وجهة نظر لعله لم يكن فيها سليم الذوق تماما) ورحل باختياره في غمرات الماضي واكتشف لورنزو فالا، فولتير نابولي واستطاب طعم اللاتينية الأنيقة والجرأة المتهوسة اللتين تسم تكفله بهما بكشف زيف قصة "هبة قسطنطين" وقد لاحظ




صفحة رقم : 8099




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> تربية عالم بالإنسانيات


أخطاء جد خطيرة في النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس وتساءل أليست الأبيقورية أحكم وسيلة للعيش. وقد أفزع أرازموس علماء اللاهوت فيما بعد وخفف عن بعض الكرادلة بسعيه في التوفيق بين أبيقور والمسيح. وكانت أصداء أصوات دونس سكوتس وأوكهام لا تزال تتردد في باريس والمذهب الأسمي يعلو نجمه ويهدد العقائد الأساسية مثل التجسيد والثالوث. وقوضت هذه السقطات الفكرية أرثوذكسية القس الشاب ولم يترك له إلا الإعجاب العميق بأخلاقيات المسيح.
وأكب على قراءة الكتب وغالي في ذلك إلى درجة غير محمودة. وقام بإعطاء دروس خصوصية لبعض الفتيان من الطلبة لزيادة موارده وذهب ليعيش مع أحدهم ومع ذلك لم يكن لديه ما يوفر له حياة هانئة. وألح على أسقف كامبراي قائلا: "إن كلا من جلدي وكيسي في حاجة إلى أن يملأ: الأول باللحم والثاني بالعملات. اعمل وفق ما يمليه عليك كرمك". واستجاب له الأسقف بلطفه المعهود ودعاه طالب يدعى لوردأف فيرVere إلى قصره في تورنيهيم في الفلاندرز وسر أرازموس عندما وجد في ليدي آن أف فير نصيره للعبقرية وتعرفت فيه على هذه المزية وعانته بمنحة سرعان ما استنفدها. وأخذه طالب غنى آخر هو ماونتجوي إلى إنجلترا (1499) وهناك في البيوت الأرستقراطية الواسعة في الريف وجد العالم المكدود دنيا رحبة تحفل باللذة الرفيعة وانقلب ماضيه في الدير إلى ذكرى يقشعر لها بدنه. وأبلغ صديقاً له في باريس عن تقدمه في خطاب من خطاباته التي لا تحصى ولا تقلد وهي الأثر الباقي له الآن: "إننا نتقدم. ولو كنت عاقلاً لسارعت بالمجيء إلى هنا... آه لو عرفت ما ننعم به في بريطانيا... ولأذكر لك إحدى المباهج الكثيرة: هنا حوريات لهن تقاطيع ملائكية في غاية الرقة والرأفة... وعلاوة على ذلك فثمة أسلوب للحياة لا يمكن الثناء عليه تماماً فحيثما تذهب يستقبلونك بالقبلات على يديك وعندما ترحل




صفحة رقم : 8100




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> تربية عالم بالإنسانيات


يشبعونك بالقبلات وإذا عدت فإن تحياتك ترد إليك... وأينما يتم اجتماع فهناك تحيات وافرة وحيثما تلتفت تجدها تلاحقك. أواه يا فاوستوس! لو ذقت مرة عذوبة هذه الشفاه وشذاها لتمنيت أن تكون سائحاً لا لمدة عشر سنوات مثل سولون بل طوال حياتك في إنجلترا".
والتقى أرازموس في بيت ماونتجوى في جرينوتش بتوماس مور، وكان حينئذاك لا تتجاوز سنة الثانية بعد العشرين ولكنه مع ذلك كان له من المكانة ما استطاع به أن يقدم العالم إلى قدر له بعد ذلك أن يكون هنري الثامن. وسره في أكسفورد على الأغلب عدم الكلفة في صحبة الطلبة وفي الكلية كما سرته أحضان ربات البيوت الريفية. وهناك تعلم كيف يحب جون كوليت الذي أذهل عصره باعتناقه المسيحية على الرغم من أنه كان محققا وعلامة في علم الأديان القديمة وتأثر أرازموس بتقدم علم الإنسانيات في إنجلترا: "عندما أسمع عزيزي كوليت يخيل إلي أني أستمع لأفلاطون نفسه. من لا يعجب في جروسين يرى عالما كاملا للمعرفة مثل هذا؟ ماذا يمكن أن يكون أذكى وأعمق من حكم ليناكر؟ وماذا أبدعت الطبيعة أكثر رقة وحلاوة وسعادة من عبقرية توماس مور؟".
لقد اثر هؤلاء الرجال تأثيراً عميقاً في إصلاح حال أرازموس فتحول من شاب مغرور طائش، أسكرته خمر الكلاسيات وفتنة النساء، إلى عالم جاد مدقق تواق لا إلى المال والشهرة فحسب ولكن إلى تحقيق عمل مفيد دائم. وعندما غادر إنجلترا (يناير عام 1500) كان قد استقر عومه على أن يدرس وينشر النص اليوناني للعهد الجديد لأن الجوهر الخالص لتلك المسيحية الحقة في نظر المصلحين وعلماء الإنسانيات على السواء، قد أخفته وموهت عليه العقائد وتكاثرها على مر القرون.
وأظلمت ذكرياته الجميلة عن هذه الزيارة الأولى لإنجلترا بما حدث في الساعة الأخيرة. فبينما كان يجتاز الجمارك في دوفر صادرت السلطات




صفحة رقم : 8101




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> تربية عالم بالإنسانيات


المبلغ الذي منحه له أصدقاؤه وكان يقدر بنحو عشرين جنيهاً (2000 دولار) لأن القانون الإنجليزي يحرم تصدير الذهب أو الفضة. وزاد الطين بلة أن أحدهم، وإن لم يكن محاميا كبيراً، أشار عليه خطأ بأن التحريم لا يسري إلا بالنسبة للعملة الإنجليزية، فغيرها أرازموس ولم تجد إنجليزيته المتعثرة ولا لاتينيته المختلة في الانحراف بصرامة القانون التي لا ترحم واستقل أرازموس سفينة إلى فرنسا وهو خالي الوفاض بالفعل. قال: "لقد عانيت من الغرق قبل أن أذهب إلى البحر".




صفحة رقم : 8102




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> المشائي



2- المشائي


وبعد إقامة بضع شهور في باريس نشر أول عمل هام له وهو مجموعة أقوال مأثورة وتضم 818 مثلا أو شاهداً، معظمها لمؤلفين من القدامى. وكان إحياء المعرفة. أي الأدب القديم- قد وضع تقليداً دارجاً بأن يزين المرء آراءه باقتباس من مؤلف يوناني أو لاتيني، ونرى هذا التقليد بصورة متطرفة في مقالات مونتيني وفي كتاب "تشريح السوداء" لبرتون. وتريث هذا التقليد في القرن الثامن عشر في عهد الخطابة الجدلية بإنجلترا. وأرفق أرازموس كل قول مأثور بتعليق، يشير عادة إلى الاهتمام السائد ويمليه ذكاء يمتزج بالسخرية والهجاء. وقد علق قائلا: "ورد في الكتاب المقدس أن القسس يلتهمون خطايا الناس فيجدون أن الخطايا عسيرة الهضم ولا بد من أن يرتشفوا أحسن الأنبذة للخلاص منها". وكان الكتاب نعمة للكتاب والمتحدثين وبيع منه الكثير لمدة عام استطاع فيه أرازموس أن يعول نفسه دون الاعتماد على أحد. وعلاوة على هذا فإن كبير الأساقفة وارهام استحسن الكتاب على الرغم من لذعاته وأرسل للمؤلف مبلغاً من المال على سبيل المنحة وعرض عليه الإقامة في إنجلترا. ومهما يكن من أمر فإن أرازموس لم يكن على استعداد لترك القارة والإقامة في جزيرة وفي الأعوام الثمانية التالية




صفحة رقم : 8103




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> المشائي


نشر بضع نسخ منقحة من الأقوال المأثورة وزاده إلى 3260 نصاً مدوناً وظهرت له في حياته ستون طبعة وصدرت له ترجمات عن اللاتينية الأصلية إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والهولندية وكلها من أكثر الكتب رواجا في عصرنا.
وعلى الرغم من هذا كله كانت الظروف غير مواتية والطعام لا يكتفي واشتد بأرازموس الضيق فكتب (12 ديسمبر عام 1500) إلى صديقه جيمس بات وكان مريبا لابن ليدي آن أف فير يسأله: "أرجو أن تشير لها إلى ما سوف أحققه لها بتعليمي من جاه يزيد عما يحققه لها القسس الآخرون الذين تحتفظ بهم. إنهم يتلون عظات عادية أما أنا فأكتب ما يعيش إلى الأبد. وهم بلغوهم السخيف لا يسمعون إلا في كنيسة أو اثنين أما أعمالي فسوف يقرؤها كل من يعرف اللاتينية واليونانية في كل بلد من بلاد العالم. وما أكثر رجال الدين غير المتعلمين في كل مكان أما أمثالي فقلما يجود بهم الزمان. أرجو أن تكرر كل هذا لها ما لم تكن كثير الوساوس فلا تستطيع أن تقول بعض الكذبات من أجل صديق".
وعندما فشلت هذه المفاوضة كتب مرة أخرى يقترح أن يقول بات للسيدة أن أرازموس يوشك أن يكف بصره ثم أردف قائلا: "أرسل لي أربع قطع ذهبية أو خمسا من مالك الخاص على أن تستردها من مال الليدي". ولما لم يقع بات في هذا الشرك كتب أرازموس مباشرة إلى السيدة وشبهها بأنبل البطلات في التاريخ وأجمل محظيات سليمان وتنبأ لها بشهرة خالدة. واستسلمت لهذا الزهو الأخير وتلقى أرازموس هدية مادية واستعاد بصره. وكان يغتفر للكاتب طبقاً لتقاليد هذا العهد أن يطلب معونة من يرعونه لأن الناشرين لم يكونوا على استعداد وقتذاك لمؤازرة المؤلفين ولو كان لهم قراء عديدون. وكان في استطاعة أرازموس أن يحصل على مرتبات وأسقفيات بل ومنصب كاردينال ولكنه رفض هذه العروض المرة




صفحة رقم : 8104




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> المشائي


تلو المرة لكي يظل "رمحاً طليقاً" متحرر الفكر وفضل أن يستجدي ويكون حراً ولا يفسد وهو يرسف في الأغلال، وانتقل إلى لوفان عام 1502 فراراً من الطاعون فعرض عليه أوربان الاوترختي مدير الجامعة منصب أستاذ ورفض أرازموس وعندما عاد إلى باريس استقر فيها ليكسب عيشه بقلمه- وهي واحدة من أحدث المحاولات الأولى في هذا المشروع المتهوس. وترجم خطب سيشرون وهيكوبا ليوروبيدس ومحاورات لوشيان، وليس من شك في أن الفيلسوف الشاك الظريف أسهم في تشكيل عقلية أرازموس وأسلوبه. وقد كتب أرازموس عام 1504 إلى صديق له: "عجبا! بأي ظرف وبأي سرعة يعالج لوشيان ضرباته فيحول كل شئ إلى سخرية ولا يترك شيئاً يمر دون أن يسخر منه. وأقسى ضرباته موجهة إلى الفلاسفة... نظر إلى دعاواهم غير الطبيعية وإلى الرواقيين بسبب عجرفتهم التي لا تحتمل... وهو لا يجد حرجا في السخرية من الآلهة ومن هنا خلع عليه لقب ملحد - وهو شرف رفيع أضفاه عليه الزنادقة أصحاب الوساوس".
وفي زيارة ثانية لإنجلترا (1505 -1506) انضم إلى كوليت وقاما بالحج إلى ضريح سانت توماس في بيكيت بكانتربري وسجل وصفا لهذه الرحلة بأسماء مستعارة وذلك في إحدى محاوراته. ولقد روى لنا كيف أساء جراتيان (كوليت) إلى دليلهم الراهب عندما أبدى رأيه وقال: "إن قدراً ضئيلا من الثروة التي تستخدم في تزيين الكاتدرائية يمكن توجهها لتخفف وطأة الفقر في كانتربري"، وروي أيضاً كيف عرض عليهم الراهب لبناً قال إنه من ثدي العذراء و"قدرا مذهلا من العظام" لا بد من تقبيله باحترام وكيف عصى جراتيان فرفض أن يقبل حذاء قيل إن بيكيت لبسه وكيف عرض الدليل على جراتيان قطعة قماش يزعمون أن القديس استعملها في تجفيف




صفحة رقم : 8105




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> المشائي


جبينه وفي أنفه كما لو كانت منة عظمى وتذكارا مقدساً، وظل يسوق الحجج والبراهين على هذا فقطب جراتيان جبينه وتمرد. وعاد العالمان بالإنسانيات إلى لندن وهما يأسفان على الإنسانية.
وهناك أسعد الحظ أرازموس إذ كان طبيب هنري السابع يعتزم إرسال ولدين له إلى إيطاليا فعهد إلى أرازموس بمرافقتهما "كدليل عام ومشرف" وأقام مع الولدين عاما في بولونيا وأخذ يلتهم المكتبات ويضيف كل يوم جديدا إلى اشتهاره بحبه للعلم والمعرفة واللسان اللاتيني. وكان إلى ذلك الوقت: يرتدي مسوح أوغسطيني-وهو عبارة عن ثوب أسود ومعطف وقلنسوة وقبعة بيضاء يحملها عادة على ذراعيه ولكنه في عام (1506) نبذ هذا الزي واستبدل ثوب كاهن علماني أقل وضوحا وادعى أنه حصل على إذن بهذا الاستبدال من البابا يوليوس ثم أقام في بولونيا كأنه فاتح عسكري غير أنه عاد إلى إنجلترا عام 1506 لأسباب لا نعرفها وألقى محاضرات في اليونانية بجامعة كمبردج بيد أننا نجده يعود إلى إيطاليا عام 1508 وبعد طبعة موسعة لمجموعته في الأمثال السائرة لمطبعة الدوس مانوتيوس في البندقية. وعندما مر بروما(1509) فتنته عيشة الكرادلة الرغدة وأخلاقهم السامية وثقافتهم الرفيعة وسر من - كما أن لوثر كان قد فجعته بروما في السنة الماضية - الغزوات التي قامت بها الموضوعات والوسائل الوثنية في عاصمة العالم المسيحي. ومما استاء له أرازموس كثيرا سياسة يوليوس الثاني العسكرية وحدته ومطارداته وهو يتفق في هذا مع لوثر ولكنه يتفق أيضاً مع الكرادلة الذين كانوا يرحبون بحرارة بكثرة تغيب البابا العنيد ورحبوا بحضور أرازموس لاجتماعاتهم وعرضوا عليه منصباً دينياً إذا أقام في روما.
وما كادت تطيب له الإقامة من المدينة الخالدة حتى أرسل له ماونتجوي




صفحة رقم : 8106




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> المشائي


رسالة يبلغه فيها أن هنري السابع مات وأن صديق علماء الإنسانيات أصبح هنري الثامن وأن الأبواب والمناصب الرفيعة جميعا ترحب الآن بأرازموس إذا ما عاد إلى إنجلترا. ووصلت مع خطاب ماونتجوي رسالة من هنري الثامن نفسه: "بدأ تعارفنا عندما كنت صبيا. وقد ازداد الاحترام الذي تعلمت أن أكنه لك بفضل تنويهك المشرف بي في كتاباتك وبالطريقة التي استخدمت بها مواهبك في إبراز الحقيقة المسيحية وبما أنك قد حملت هذا العبء وحدك فأسعدني بمعاونتك وحمايتك إلى أقصى حد يمتد له سلطاني... إن سلامتك ثمينة بالنسبة لنا جميعاً... ومن ثم فإني أرى أن تتخلى عن كل فكرة بالإقامة في مكان آخر وتعال إلى إنجلترا وثق أنك ستلقي ترحيباً حاراً. وعليك أن تذكر شروطك وثق أنها ستكون سخية ومشرفة كما تشاء. واذكر انك قلت يوماً أنك ستتخذ من هذا البلد موطناً لك في شيخوختك بعد أن تكون قد تعبت من التجوال. وإني لأتوسل إليك بكل ما هو مقدس وصالح أن تفي بوعدك هذا ولسنا الآن في مركز يتيح لنا أ~ن نعرف قيمة علمك أو نصيحتك وسوف نعتبر وجودك بيننا أثمن ما نمتلك... وإذا كنت في حاجة إلى الاستمتاع بوقت فراغك فلن نسألك شيئاً سوى أن تجعل من مملكتنا موطناً لك... تعال إلى إذن يا عزيزي أرازموس وليكن حضورك بمثابة إجابة لدعوتي" فكيف يمكن أن ترفض دعوة رقيقة كريمة كهذه؟ أن لسان أرازموس ينعقد حتى لو نصبته روما كردينالاً، ففي إنجلترا حيث يحيط به أصدقاء من ذوي النفوذ ويحميه ملك قوي يستطيع أن يكتب بحرية ويعيش بحرية في أمان وودع علماء الإنسانيات في روما في شئ من التبرم، إلى القصور الرحبة والمكتبات... إلى الكرادلة الذين ناصروه... واتخذ طريقه مرة أخرى فوق جبال الألب إلى باريس فانجلترا.




صفحة رقم : 8107




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء



3- الهجاء


ومكث هناك خمس سنوات ولم يتلق طوال هذا الوقت من الملك سوى التحية بين الفينة والفينة. ترى هل كان هنري مشغولا جداً بالعلاقات الخارجية أم بالأهل والأقارب؟ وظل أرازموس ينتظر وهو يتميز غيظاً. وخف مونتجوي لنجدته بمنحة. ونفحه وارهام بدخل أبرشية في كنت، وعينه جون فيشر أسقف روشستر ومدير جامعة كامبردج أستاذاً لليونانية بمرتب سنوي قدره 13 جنيها (1.300 دولار) ولرفع هذا الدخل بالقدر الذي يسمح بالاحتفاظ بخادم وجواد أهدى أرازموس مطبوعاته إلى أصدقائه الذين استجابوا له في تردد.
وفي السنة الأولى من هذه في إنجلترا كتب أرازموس في بيت توماس مور وفي خلال سبعة أيام أشهر كتاب له "الثناء على الطيش" وكان عنوانه اليوناني Encomium moriae تورية لاسم مور وإن كانت كلمة Moras باليونانية تعني طائش وكلمة Moria تعني الطيش واحتفظ أرازموس بعمله مخطوطا لمدة عامين ثم انطلق بعدها بفترة وجيزة إلى باريس لنشره (1511) وطبعت منه في حياته أربعون طبعة وترجم إلى أثنتي عشرة لغة والتهمه رابيليه وفي عهد متأخر عام 1632 وجده ملتون في يد "كل إنسان" في كامبردج.
ولم يستخدم أرازموس كلمة Moria بمعنى طيش وسخف وجهل وغباء فحسب بل بمعنى سورة فكرية وغريزة وعاطفة وبساطة أمية مقابل حكمة وعقل وحساب وفكر. ويقول لنا إن الجنس البشري بأسره يدين بوجوده للطيش إذ أي شئ أسخف من مطاردة الذكر المتعددة الأشكال للأنثى وإكباره المحرم للحمها وعاطفته المشبوبة للتسافد؟ وأي إنسان يدفع مقابل هذا التناقض




صفحة رقم : 8108




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


في الانتفاخ ارتباطا مدى الحياة بالزواج من واحدة؟ وأي امرأة في كامل قواها العقلية تدفع في مقابل هذا آلام الأمومة وشدائدها؟ أليس من السخرية أن تكون الإنسانية ثمرة عارضة لهذا الندم المتبادل؟ لو أن الرجال والنساء توقفوا وتأملوا ملياً لضاع كل شئ.
وهذا يوضح ضرورة الطيش وحماقة الحكمة إذ هل يمكن أن توجد الشجاعة إذا حكم العقل؟ وهل يمكن أن تتحقق السعادة؟ إن سفر الجامعة كان على حق في الاعتقاد بأن "من زادت معرفته زادت أحزانه وفي الحكمة الكثيرة أسى كثير؟" من يكون سعيداً إذا تكشفت له حجب المستقبل؟ إنه لمن حسن الحظ أن العلم والفلسفة عاجزان وأن الناس يجهلونهما وأنهما لا يحدثان ضرراً عظيما لجهل الجنس الذي لا غنى عنه. وإن الفلكيين "يقدمون لك بأبعاد إبريق أو جرة ولكن الطبيعة تهزأ بظنونهم الواهية. والفلاسفة يزيدون المرتبك ارتباكاً والمظلم ظلاماً وهم يبددون الوقت والعقل على أمور تافهة منطقية أو ميتافيزيقية تذهب أدراج الرياح، وخير لنا أن نرسلهم بدلا من جنودنا لمحاربة الأتراك الذين سوف يتراجعون في ذعر أمام هذا اللغو المربك! والأطباء ليسوا أفضل مهم فكل فنهم كما يمارس الآن هو فن مركب يمزج الخداع بالتضليل". أما علماء اللاهوت فإنهم: "يقولون لك إلى الهنة عن كل الإجراءات المتوالية للقدرة على كل شئ في خلق العالم ويفسرون لك الطريقة الدقيقة للخطيئة الأولى مستمدة من أول آبائنا ويرضونك ويقولون لك كيف أن.. المسيح حملت به العذراء ويوضحون لك في الرقاقة المقدسة كيف يمكن أن توجد الحوادث دون محمول عليه... وكيف يمكن أن يوجد جسم واحد في أماكن متعددة في وقت واحد وكيف أن جسد المسيح في السماء يختلف عن جسده فوق الصليب أو في القربان المقدس.




صفحة رقم : 8109




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


وفكر أيضاً في اللغو الذي يتمثل في معجزات وأعاجيب- رؤى ومزارات شافية واستدعاء للشيطان و "أمثال الشبح المخيف الوهمي".
إن هذه السخافات... تجارة رابحة وتأتي بدخل يضمن عيشاً رغداً لهؤلاء القسس والرهبان كما أنهم يكسبون من وراء هذا الخداع... ماذا عساي أن أقول عن هذا سوى أن أهلل لخداع الغفران والسماحة وأن أحافظ عليهما؟ وأني بهذه أحسب الزمن الذي تقتضيه كل روح في المطهر، وأخصص لها بقاء أطول أو أقصر حسبما يشترون عدداً أكبر أو أقل من صكوك الغفران التافهة والإعفاءات المعروضة للبيع؟ أو ماذا يقال من سوء عن آخرين يزعمون أنهم سيحصلون على الثراء والمناصب الرفيعة واللذة والحياة العريضة ويبلغون أرذل العمر بل وينالون بعد وفاتهم مقعداً على يمين المسيح وذلك بقوة هذه التعاويذ السحرية أو بالعبث بحبات سبحاتهم وهم يتمتمون ببعض الدعوات والابتهالات (التي اخترعها بعض مدعي الدين إما للهو أو للاستفادة منها على الأرجح)؟.
ويستمر الهجو على حساب النساك والرهبان وأعضاء محكمة التفتيش والكرادلة والبابوات. فالنساك يضجرون الناس بالسؤال ويعتقدون أنه يمكن الاستيلاء على السماء بالمثابرة على ترتيل المزامير المنومة ورجال الأكليروس العلماء يتحرقون شوقاً إلى المال. "إنهم ماهرون في فن الاقتناء... ضريبة العشور والقرابين وأجور العائد... الخ". وكل رجال الأكليروس على اختلاف طوائفهم ورتبهم يتفقون في الرأي على إعدام الساحرات أما البابوات فليس بينهم وبين الرسل أي تشابه في "ثرواتهم ومناصبهم وسلطاتهم القضائية ووظائفهم وإعفاءاتهم وتراخيصهم وامتيازاتهم... والحفلات وضرائب العشور وصكوك الحرمان من الكنيسة وأوامر التحريم" ورغبتهم العارمة في المواريث ودبلوماسيتهم العالمية وحروبهم الدموية فكيف يمكن أن يكتب البقاء لكنيسة إذا خلت من الطيش وبساطة الإنسانية الساذجة؟




صفحة رقم : 8110




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


وقد أثار كتاب "الثناء على الطيش" غضب علماء اللاهوت وكتب مارتن دريسيوس إلى أرازموس " لا بد أن تعرف أن كتابك" "طيش Maria" قد أثار إزعاجاً كبيراً حتى بين من كانوا قبلاً من أشد المحبين بك المخلصين لك. ولكن الهجو في هذا الدمار المرح كان خفيفاً إذا قيس بما اتسمت به سورته التالية. وكان ثالث وآخر عام قضاه في التدريس بجامعة كامبدرج (1513) هو العام الذي توفى فيه البابا يوليوس الثاني وظهر في باريس عام 1514 تعريض ساخر أو حوار يسمى Julius exclusus وقد بذل أرازموس جهداً صادقاً، لا يصل إلى حد الإنكار الصريح، ليخفي أنه المؤلف له، ولكن المخطوط تداولته أيدي أصدقائه وأدرجه موردون تحفظ بين أعمال أرازموس. ولعله يمثل لنا نموذجاً متطرفاً لأرازموس الهجاء، أن البابا المحارب بعد وفاته يجد أبواب السماء مغلقة في وجهه ويمنعه من دخولها القديس بطرس العنيد:
يوليوس: كفى. أنا يوليوس الليجوري.و.أ
بطرس: و.أ ماذا تعني؟ وباء أعظم؟
يوليوس: بل ولي أعظم أيها الخبيث.
بطرس: حتى لو كنت أعظم من ذلك من ثلاثة أضعاف... فلن تدخل هنا إلا إذا كنت أيضاً أفضل من ذلك أضعافاً مضاعفة.
يوليوس: ياللوقاحة! إنك لم تزد عن قديس طوال هذه العصور أما أنا فقديس وسيد قداسة، بل إني القداسة ذاتها، وعي مستندات تثبت هذا.
بطرس: أليس هناك فرق بين أن تكون مقدساً وبين أن تدعي مقدساً؟ دعني أنظر إليك عن قرب. آه! أرى سمات زندقة شدشدة... مسوح قسيس ولكن تحتها سلاح يقطر دماً




صفحة رقم : 8111




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


وعينان وحشيتان وفم متعجرف وجبين وقح وجسد وصمته كله بالآثام. وأنفاس تفوح منها رائحة الخمر وبدن أسقمه التبذل والفسوق. نعم. هدد كما تشاء... سأقول لك من أنت... أنت يوليوس الإمبراطور الذي عاد من الجحيم...
يوليوس: اسكت وإلا أصدرت قراراً بحرمانك....
بطرس: تحرمني أنا؟ بأي حق؟ أود أن أعرف.
يوليوس: خير الحقوق فأنت لست إلا قساً ولعلك لست كذلك.. فأنت لا تستطيع أن ترسم كاهنا. افتح. آمرك أن تفتح.
بطرس: يجب أن تثبت أولا جدارتك...
يوليوس: ماذا تعني بالجدارة؟.
بطرس: هل علمت العقيدة الحقة؟
يوليوس: لا لم أعلمها أنا. فقد كنت مشغولاً بالقتال. وثمة رهبان يعنون بالعقيدة إذا كان لهذا الأمر أية أهمية.
بطرس: هل كسبت أرواحاً للمسيح بالقدوة الحسنة؟
يوليوس: لقد أرسلت كثيراً منها إلى الجحيم.
بطرس: هل قمت بأي معجزات؟
يوليوس: أف إن المعجزات أكل عليها الدهر وشرب.
بطرس: هل كنت مواضباً على صلواتك؟
يوليوس: إن يوليوس الذي لا يقهر ليس ملزماً بالإجابة على صياد مسكين. ومهما يكن من أمر فإنك ستعرف من أنا وماذا أعمل. أنا ليجوري أولاً ولست يهودياً مثلك، وكانت أمي شقيقة بابا العظيم سيكوستوس الرابع وقد جعل مني البابا رجلاً ثرياً بفضل ممتلكات الكنيسة- وأصبحت كاردينالاً. وقد




صفحة رقم : 8112




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


ألمت بي بعض المحن إذ أصبت بالجدري الفرنسي وأقصيت عن بلدي وطردت منها ومع ذلك كنت أرف طوال ذلك الوقت أني سأكون البابا يوما... وتحقق هذا بمساعدة الفرنسيين من ناحية، والأموال التي اقترضتها بفائدة من ناحية أخرى، وبالوعود التي بذلتها من ناحية ثالثة. وما كان في استطاعة كرويزوس أن يسك كل النقود التي احتاج إليها هذا الأمر. وسوف يقول لك عن هذا المصرفيون. ولكني نجحت وفعلت من أجل الكنيسة والمسيح أكثر مما فعل أي بابا قبلي.
بطرس: ماذا فعلت؟
يوليوس: رفعت الدخل.. ابتدعت وظائف جديدة وبعتها... وقمت بإعادة سك النقود وربحت مبلغاً كبيراً من هذا الطريق.لاشيء يمكن أن يتم بغير المال. ثم ألحقت بولونيا بالسلطة البابوية... وشددت آذان كل أمراء أوربا. وخرقت المعاهدات واحتفظت بجيوش عظيمة في الميدان. وغمرت روما بالقصور وتركت خمسة ملايين في الخزانة بعد وفاتي...
بطرس: ولماذا أخذت بولونيا؟
يوليوس: لأستولي على دخلها...
بطرس: وماذا جرى لفرارا؟
يوليوس: كان الدوق تعساً منكراً للجميل، فقد اتهمني بالتجار بالمقدسات والرتب والوظائف الديني ووصفني بأني أتجر بالرتب الكهنوتية... لقد أردت دوقية فراراً لأحد أبنائي الذين تستطيع الكنيسة أن تعتمد على إخلاصهم وكان قد طعن بالخنجر كاردينال بافيا.




صفحة رقم : 8113




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


بطرس: ماذا؟ بابوات لهم زوجات وأولاد؟
يوليوس: زوجات؟ لا ليس من الزوجات، ولكن لماذا لا يكون لهم أولاد؟
بطرس: وهل كانوا على حق فيما نسبوه إليك من جرائم؟
يوليوس: هذا أمر لا علاقة له بالدعوى...
بطرس: أليست ثمة وسيلة لإزاحة بابا شرير؟
يوليوس: سخف! من يستطيع أن يزيح أعلى سلطة بين الناس؟ إن البابا يمكن تقويمه بمجلس عام ولكن أي مجلس عام لا يمكن أن ينعقد إلا بموافقة البابا ومن ثم فإنه لا يمكن عزله مهما كانت الجريمة التي يرتكبها.
بطرس: حتى لو ارتكب جريمة قتل؟
يوليوس: نعم... بل حتى لو قتل أحد والديه.
بطرس: ألا يعزل لو زنى؟
يوليوس: نعم حتى لو زنى بالمحارم.
بطرس: ألا يعزل لو مارس الاتجار بالرتب الكهنوتية؟
يوليوس: نعم ولو اقترف ستمائة حادثة من حوادث الاتجار بالرتب الكهنوتية.
بطرس: ألا يعزل لو قتل أحدا بالسم؟
يوليوس: نعم حتى لو انتهك المقدسات.
بطرس: ألا يعزل لو ارتكب كل هذه الجرائم مجتمعة؟
يوليوس: حتى لو زدت عليها 600 جريمة، فليست ثمة قوة تستطيع أن تعزل البابا.




صفحة رقم : 8114




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


بطرس: يا له من امتياز عجيب يتمتع به خلفائي - أن يكونوا من أخبث الناس ومع ذلك ينجون من العقاب. ويا لها من كنيسة تعسة تلك التي لا تستطيع زحزحة مثل الوحش عن كاهلها.. إن على الناس أن يثوروا ويرجموا بحجارة الرصف رأس مثل هذا الشقي... لو أن الشيطان فكر في أن يصطفي قساً لما وجد خيراً منك. أي دليل قدمته على أنك رسول؟
يوليوس: أليست زيادة موارد كنيسة المسيح عملا من أعمال الرسل؟
بطرس: ولكن كيف زدت موارد الكنيسة؟
يوليوس: ملأت روما بالقصور... وبفرق من الخدم والجنود وآلاف الوظائف...
بطرس: إن الكنيسة لم تعرف شيئاً من هذا عندما أنشأها المسيح...
يوليوس: إنك تفكر في القصة القديمة عندما أشرفت على الموت جوعاً وأنت بابا وحولك حفنة من الأساقفة الفقراء المطاردين. لقد عفَّا الزمن على كل هذا... أنظر الآن إلى كنائسنا الفخمة... أساقفة مثل الملوك... وكرادلة تحيط بهم مظاهر العظمة.. خيول وبغال أعنتها من الذهب والجواهر وحدواتها من الذهب والفضة. أنا الحبر الأعظم فوق الجميع يحملني الجنود على كرسي ذهبي فوق أعناقهم وألوح بيدي في جلال للجماهير التي تعبدني، وأنصت إلى دوي المدافع وأنغام البوق ودقات الطبول وأرقب العربات الحربية والجماهير الصاخبة والمشاعل التي تضئ الطريق والميدان وأشهد ملوك الأرض وهم يحاولون تقبيل قدمي قداستي... أنظر إلى كل هذا وقل لي أليس




صفحة رقم : 8115




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


هذا رائعا؟ لعلك تدرك أي أسقف تعس فقير كنت بالقياس إلي...
بطرس: يا لك من شقي وقح! لقد توسلت بالغش والربا والمكر للوصول إلى منصب البابوية... لقد حملت روما الكافرة على أن تؤمن بالمسيح أما أنت فقد عدت بها إلى الكفر. إن بولص لم يتحدث عن المدن التي اجتاحها ولا الفرق التي قتلها... بل تحدث عن حطام السفن والقيود والإهانات والسياط... كانت هذه انتصاراته الرسولية وهذه كانت أمجاد قائد مسيحي. وعندما كان يفخر بعمل فإنما يفخر بالأرواح التي استنقذها من براثن الشيطان وليس بما اكتنز من أكوام الدوكات...
يوليوس: هذه كلها أخبار أسمعها لأول مرة.
بطرس: ربما فقد كنت مشغولا بمعاهداتك وبروتوكولاتك، وجيوشك وانتصاراتك، فلم يتسع لك الوقت لقراءة الأناجيل... أنت تدعي أنك مسيحي مع أنك لست أفضل من أي تركي فأنت تفكر كالتركي ولا تقل عنه فجورا . وإذا كان ثمة فرق بينكما فهو أنك أسوأ.
يوليوس: إذن فلن تفتح الأبواب؟
بطرس: سأفتحها لأي شخص آخر سواك أما أنت فلا...
يوليوس: إذا لم تخضع فسوف أستولي عنوة على مكانك... إنهم يقومون الآن بتدمير شامل تحتنا وقريبا سيكون لدي 60.000 شبح يقفون ورائي.




صفحة رقم : 8116




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


بطرس: أيها الرجل الشقي! أيتها الكنيسة التعسة... لا عجب أن يقل عدد المتقدمين للدخول هنا ما دامت الكنيسة يحكمها أمثالك. ومع ذلك فلا بد أن في العالم خيراً أيضاً ما دام هذا الحضيض من الظلم يمكن أن يقبل من رجل لا لشيء إلا لأنه يحمل اسم البابا.
وهذا بالطبع رأي خاطئ من جانب واحد فما كان في وسع محتال داعر مثل هذا أن يحرر إيطاليا من غزاتها وأن يستبدل بالقديس بطرس، مايكل أنجيلو ورافائيل الجديدين، المكتشفين، الموجهين والمطورين، وأن يوجد الحضارتين المسيحية والكلاسيكية في مكان الفاتيكان وأن يقدم لمهارة رافائيل ذلك المظهر للفكر العميق والعناية الفائقة اللتين صورا في صورة يوليوس الشخصية التي لا مثيل لها والموجودة في قاعة أوفيزي. وفي الوقت الذي يدعو فيه أرازموس المسكين كل القسس إلى تقشف الرسل نراه هو نفسه يلح في طلب المال من أصدقائه، ويكشف عن طبع العهد الثائر، أن قسيسا يجد لزاما عليه أن يكتب اتهاما قاسيا لبابا. وفي سنة 1518- السنة الثانية من عهد لوثر-كتب بيتر جليس إلى أرازموس من أنتورب: "أن كتاب Julius exclusus" "يوليوس المنفي" يباع هنا في كل مكان. وكل إنسان يشتريه وكل واحد يتحدث عنه، فلا عجب إذا ما لام المصلحون فيما بعد أرازموس لأنه قرع جرس الإنذار للتمرد ثم هرب بنفسه.
وفي سنة 1514 ظهر مؤلف آخر بقلم أرازموس أزعج العالم المستنير في أوربا الغربية وكان قد ألف ابتداء من عام 1497 محاورات شكلية احترافا لتعليم الأسلوب اللاتيني والحديث، وإن قد ناقش عرضاً ضروباً شتى من الموضوعات الشائقة الكفيلة بإيقاظ الطلبة من نعاسهم




صفحة رقم : 8117




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


اليومي. ونشر صديقه بياتوس رينانوس، بإذن منه، سلسلة من هذه المحاورات باسم "العبارات الخاصة بالحديث العادي"Familiarium colloquiorim formulae وهي أشكال من الأحاديث المألوفة بقلم أرازموس الروتردامي، لا تفيد في صقل كلام صبي فحسب، بل تكون أيضاً شخصيته. وأضيفت إلى الطبعات التالية محاورات أخرى فأصبحت أغنى مؤلف لأرازموس من حيث المادة "هي مزيج غريب-مناقشات حادة حول الزواج والأخلاق وحض على التقوى وعرض للأمور المنافية العقل والمساوئ في سلوك ومعتقدة وتتخللها فكاهات لاذعة أو خطرة وكلها بلغة لاتينية اصطلاحية شائقة ولا بد أنها أصعب في الكتاب من لغة الحديث الرسمية بين المتعلمين". وكتب مترجم إنجليزي عام 1724 يقول: "ليس ثمة أصلح للقراءة من كتاب "يكاد يهدم تماماً كل الآراء والأوهام البابوية بأسلوب شائق تعليمي"، وفي هذا مبالغة ولكن ليس من شك في أن أرازموس استخدم بطريقته المرحة"كتابه في الأسلوب اللاتيني" في مهاجمة نقائض رجال الأكليروس. وأدان الاتجار بمخلفات القديسين، وإساءة استخدام أوامر الحرمان من الكنيسة، واقتناء البطاركة والقسس للأموال، والمعجزات الزائفة التي يخدع بها البسطاء، وعبادة القديسين لأغراض دنيوية، والمبالغة في الصيام والتناقضات المروعة بين مسيحية الكنيسة ومسيحية المسيح وحمل بَغِياَّ على أن تثنى على الرهبان باعتبارهم من عملائها المخلصين. وحذر سيدة شابة تريد الاحتفاظ ببكارتها فطلب منها أن تتحاشى "هؤلاء الرهبان المفتولي العضلات ذوي الكروش البارزة... فالعفة عرضة للخطر في الدير أكثر من تعرضها له خارجه" ورثي لتعظيم شأن البكارة وهلل للنكاح باعتباره أسمى من العزوبة، وأسف لأن الناس تحرص على معاشرة الجياد الصافنات للأفراس الأصيلة بينما يزفون في الزيجات القائمة على المصلحة المالية عذارى سليمات إلى رجال هدهم المرض، واقترح منع الزواج من المرضى بالزهري أو من




صفحة رقم : 8118




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 07-03-11, 08:27 صباحاً   رقم المشاركة : [268]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الهجاء


الأشخاص المصابين بعجز شديد أو مرض خطير... وتمتزج بهذه التأملات الرصينة فقرات من الفهاة الفظة. وكان الأولاد يطالبون بتشميت الناس عندما يعطسون ولا يطالبون بهذا عندما يضطرون. وكانت أية امرأة حامل يدعو لها الناس بدعاء وحيد: "ألا فلتهب السماء هذا الحمل الذي في بطنك... سهولة الخروج كما وهبته سهولة الدخول". وكان الختان أمرا ممتدحا "لأنه يخفف من حكة الجماع". وثار حوار طويل بين "الشاب والبغي" انتهى بالتأكيد بإصلاح السيدة.
وشكا النقاد من أن هذه المحاورات كانت طريقة تنطوي على التهور لتعليم الأسلوب اللاتيني، وزعم أحدهم أن كل الشباب في فرايبورج أفسدتهم هذه المحاورات واعتبر شارل الخامس استخدامه في المدرسة جريمة يعاقب عليها بالإعدام. واتفق هنا لوثر في الرأي مع الإمبراطور: "سوف أحرف على أولادي قراءة محاورات أرازموس حتى لو كنت على فراش الموت". وأكد نجاح الكتاب ما أثاره من حنق وبيع منه 24,000 نسخة بعد نشره وحتى عام 1550 لم يفقه في التوزيع إلا الكتاب المقدس. وفي الوقت نفسه كاد أرازموس أن يجعل الكتاب المقدس ملكا خاصا له.




صفحة رقم : 8119




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة



4- العلامة


وغادر إنجلترا في يوليو سنة 1514 وشق طريقه خلال الضباب والعادات إلى كاليه وهناك تلقى من رئيس ديره الذي نسبه في ستين، خطابا يشير فيه إلى أجازته انتهت منذ مدة طويلة وأنه يحسن به أن يعود ليقضي ما بقي من عمره تائباً مستغفراً فانزعج لأن رئيس الدير يستطيع، طبقاً للقانون الكنسي، أن يدعو السلطة الزمنية إلى الزج به مرة أخرى في السجن. والتمس أرازموس لنفسه عذراً ولم يتعجل رئيس الدير الأمر ولكن، لكي




صفحة رقم : 8120




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


يتحاشى العلامة تكرار الحيرة، وطلب من أصدقائه الإنجليز ذوي النفوذ أن يكفلوا له من ليو العاشر إعفاءه من التزاماته كراهب.
وبينما كانت تجرى هذه المفاوضات اتخذ أرازموس طريقه أعلا الراين إلى بازيل وعرض على الناشر فروين مخطوط أهم مؤلف له، وهو مراجعة نقدية للنص اليوناني للعهد الجديد مرفقا بترجمة لاتينية وتفسير.
كان عملا أملاه الحب والاعتزاز بالنفس يتعرض مؤلفه وناشره للخطر على السواء: فقد استغرق الإعداد سنوات وسوف يكون الطبع والنشر من الأعمال الشاقة الكثيرة النفقات. والزعم بتفوق الترجمة، على نسخة جيروم اللاتينية، التي ظلت مقدسة مدة طويلة باعتبارها نسخة لاتينية للكتاب المقدس، قد تدينه الكنيسة، ومن المحتمل ألا تغطى المبيعات النفقات. وخفف أرازموس المخاطرة بإهداء العمل إلى ليو العاشر. وأخيراً نشر فروين في فبراير سنة 1516 "الأداة الجديدة الكاملة التي حققها ونقحها بمنتهى الدقة أرازموس الروتردامي Instrumentum omme, diligenenter ab Erasmo Rat, recognitum et emendatum. وصدرت بعدها طبعة تغيرت فيها كلمة الأداة بالوصيةInstrumentum to Testamentum وقدم أرازموس في أعمدة متقابلة النص اليوناني كما راجعه بنفسه مع ترجمته اللاتينية ويبدو أن معرفته باللغة اليونانية كانت غير كاملة ومن ثم فهو يشترك مع جماعي الحروف في المسئولية عن أخطاء كثيرة. ومن وجهة النظر العلمية كانت الطبعة الأولى من العهد الجديد باليونانية المعدة للنشر بعد الطبع أقل من مثيلها التي أتمها وطبعها جماعة من العلماء لحساب الكاردينال أكسيمينيس عام 1514 وإن كانت لم تقدم للجمهور إلا عام 1522. وقد دل هذان العملان على تطبيق التعليم الإنساني لأدب- المسيحية الأولى وعلى بداية هذا النقد الإنجيلي الذي استعاد الكتاب المقدس في القرن التاسع عشر إلى مجال التأليف الإنساني وما يتعرض له من زلل.




صفحة رقم : 8121




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


ونشرت مذكرات أرازموس في مجلد منفصل وقد كتبت بلغة لاتينية اصطلاحية واضحة مفهومة لكل خريجي الكليات في هذا العهد وكانت لها قاعدة عريضة من القراء وعلى الرغم من أنها كانت متفقة مع الإجماع فإنها سبقت كثيرا من التفسيرات التي ابتدعت في البحث التالي. وقد حذف في طبعته الأولى Comma Johanneum "الوصل اليوحني" (إصحاح يوحنا 7:5) الذي أكد الثالوث ولكن الذي تلفظه اليوم النسخة المنقحة الصحيحة باعتباره مما دس في القرن الرابع.
ونشرت قصة المرأة التي اتهمت بالزنى وإن كان قد أشار إلى أن من المحتمل أن تكون كاذبة (إصحاح يوحنا 53:7 و 11:8) كما نشر الأثنتي عشرة آية الأخيرة من إنجيل مرقس وأشار في أكثر من موضع إلى الفرق بين المسيحية الأولى والحالية. وعلق على إصحاح متى 227:23: "ترى ماذا يقول جيروم لو رأى لبن العذراء يعرض للبيع بالمال، ويضفي عليه من التكريم ما يضفي على حسد المسيح المقدس، والزيوت الإعجازية وأجزاء الصليب الحقيقي التي تكفي إذا جمعت لشحن سفينة كبيرة؟ هنا قلنسوة سانت فرانسيس وهناك تنورة العذراء أو مشط سانت آن... لا تقدم كأشياء بريئة معاونة للدين ولكن كجوهر للدين نفسه وكلها تعبث ببساطة الناس من خلال شح القسس وهرطقة الرهبان"
ولوحظ أن إصحاح متى 12:19 ينص على "لقد خصى بعضهم نفسه من أجل مملكة السماء" وقيل هذا للنصح بالعزوبة في الدير وكتب أرازموس "أننا ندرج بين هذه الطائفة هؤلاء الذين دفعوا إلى حياة العزوبة بالغش أو بالإرهاب حيث يسمح لهم بالزنى ويحظر عليهم الزواج وهكذا يعدون قسسا مسيحيين إذا احتفظوا علنا بخليلة ويحرقون إذا اتخذوا زوجة. وفي رأيي أن الآباء الذين يعتزمون نذر أولادهم للكهنوت الذي يقتضي العزوبة




صفحة رقم : 8122




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


يكونون أرق قلباً لو خصوهم في طفولتهم بدلا من تعرضهم كلية لهذا الإغراء والخضوع للشهوة".
وفي رسالة تيموثاوس 2:3: هناك الآن أعداد ضخمة وحشود هائلة من القسس علمانيين ونظاميين. ومن الشائع أن قلة منهم تتمسك بالعفة وأن الجانب الأكبر منهم يسقطون في حمأة الشهوة والزنى بالمحارم والفجور. وليس من شك في أنه من الأفضل أن يسمح لهؤلاء الذين لا يستطيعون التمسك بالعفة بزوجات شرعيات وبهذا ينجون من هذا الدنس البذئ التعس.
وأخيراً عزف أرازموس اللحن الأساسي للمصلحين في تعليق عام على إصحاح متى 30:11-ألا وهو العودة من الكنيسة إلى المسيح: "حقا إن قيد المسيح يكون لطيفاً وحمله خفيفاً إذا لم تضف الشرائع الإنسانية التافهة شيئاً لما عرضه هو نفسه. إنه لم يأمرنا إلا بأن يحب بعضنا بعضا وليس ثمة ما يصعب على المودة أن تلطف من حدته وتخفف من مرارته. فكل شئ من السهل تحمله طبقا للطبيعة، ولا شئ يتفق مع طبيعة الإنسان أحسن من فلسفة المسيح التي لا هدف لها إلا إعادة البراءة والتكامل للطبيعة الهاوية... وقد أضافت الكنيسة لها أشياء كثيرة يمكن الاستغناء عن بعضها دون الإضرار بالإيمان... مثل كل تلك العقائد الفلسفية عن طبيعة الإنسان وتمييز الأشخاص. وما أكثر القواعد والأوهام التي تعرفها عن الثياب... وما أكثر أيام الصيام التي استنت... وماذا نقول عن العهود.. وعن سلطة البابا وإساءة استخدام صُكوك الغفران والتحلل؟.. هل يرضى الناس أن يدعوا المسيح يحكم بمقتضى شرائع الإنجيل وألا يبحثوا بعد ذلك عن دعم طغيانهم الجامح بقوانين من صنع البشر؟".
ولعل التفسيرات هي التي أتاحت للكتاب نجاحاً لا بد أنه أذهل المؤلف والناشر على السواء. وقد وزعت الطبعة الأولى في ثلاث سنوات ثم صدرت




صفحة رقم : 8123




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


للكتاب طبعات جديدة ومنقحة بلغت تسعة وستين قبل وفاة أرازموس. ووجه للعمل نقد عنيف وأشير إلى ما تضمنه من أخطاء كثيرة. ولقد دمغ الدكتور جوهان أيك، الأستاذ بجامعة انجولشتادت وأول خصيم للوثر، بالعار بيان أرازموس المتضمن أن اللغة اليونانية التي كتب بها العهد الجديد أقل شأنا من اللغة اليونانية التي كان يتكلم بها ديموستين. ومهما يكن من أمر فإن ليو العاشر وافق على العمل. وطلب البابا أدريان السادس من أرازموس أن يعمل للعهد القديم ما قام به نحو العهد الجديد ولكن مجلس ترنت أدان ترجمة أرازموس وأعلن أن النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس لجيروم هي النسخة اللاتينية الأصلية من الكتاب المقدس. وسرعان ما عد العهد الجديد لأرازموس عملاً متخلفاً من الناحية الدراسية العلمية وإن كان أثره عظيما باعتباره حدثا في تاريخ الفكر، فقد يسر ورحب بالترجمات الوطنية التي ظهرت في أعقابه. ونقول فقرة متحمسة في المقدمة: "بودي لو قرأت أضعف امرأة الأناجيل ورسائل القديس بولص. بودي لو ترجمت هذه الكلمات إلى جميع اللغات لا ليقرأها الاسكتلنديون والايرلنديون فحسب بل ليقرأها أيضاً الأتراك والمشارقة.
وإني لأود أن ينشد الحارث لنفسه وهو يسير وراء المحراث ويترنم بها النساج على أنغام الماكوك يهون بها المسافر من مشقة رحلته... قد نأسف على دراسات أخرى أخذناها على عاتقنا ولكن ما أسعد المرء الذي يفاجئه الموت وهو مشغول بها.
إن هذه الكلمات المقدسة تعطيك نفس صورة المسيح وهو يتكلم ويبرئ المرضى، وهو يموت ثم يرفع مرة أخرى، وتجعله حاضراً بحيث لو مثل أمام عينيك لما رأيته حقا أوضح من هذا".
واغتبط أرازموس لكفاية مطبعة فروبن والعاملين بها فأصدر (في نوفمبر سنة 1516) طبعة نقد فيها ترجمة جيروم وأعقبها بنصوص مماثلة




صفحة رقم : 8124




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


منقحة وكلاسية لآباء الكنيسة وصحح 4.000 خطأ في النص الذي تلقاه من سينيكا وكانت خدمات هذه خدمات جوهرية للدارسين.
وروى ثانية قصة العهد الجديد بتفسيرات (1517) تطلبت هذه المهام الإقامة من مرة في بازيل وان حدد ارتباط جديد إقامته قرب البلاط الملكي في بروكسل. وكان شارل آنذاك ملكا على قشتالة وحاكماً للأراضي المنخفضة ولم يكن عندئذ قد أصبح الإمبراطور شارل الخامس، وكان لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ومع ذلك فإن عقله المرهف كان يهيم حول اهتمامات مختلفة، واقتنع فعلا بأن بلاطه يمكن أن يزداد تألقاً إذا كان بين مستشاريه العالمين ببواطن الأمور الكاتب البارز في عصره. وأصدر أمراً بهذا وقبل أرازموس - لدى عودته من بازبل (1516)- المنصب الفخري بمرتب متواضع. وعرض عليه منصب ديني كورتراي مع وعد بأسقفية فرفضه وكتب لأحد أصدقائه يقول: "هاك حلم يسليك". وتلقى وأعرض عن دعوات بالتدريس في جامعات ليبزج وأنجولشتادت.
وحاول فرانسس الأول أن يفرق بينه وبين شارل بطلب ينطوي على التملق وهو أن ينظم إلى بلاط فرنسا فرفض أرازموس العرض بلطف ورقة.
وفي الوقت نفسه كان ليو العاشر قد أرسل إلى لندن التحليلات المطلوبة، وفي مارس من عام 1517 سافر أرازموس إلى لندن وتسلم رسائل البابا التي تحله من التزاماته نحو الدير ومن وصمة اللقاطة. وأضاف ليو إلى الوثائق الرسمية مذكرة شخصية: "ابني الحبيب: تمنياتنا لك بالصحة مع بركاتنا الرسولية. إن ما من الله به عليك من حياة طيبة وخلق قويم، ولوذعيتك النادرة وأفضالك الرفيعة لا تشهد عليها آثار دراساتك التي اشتهرت في كل مكان فحسب بل يشهد عليها أيضا إجماع آراء معظم المتعلمين. وقد أننت عليك رسائل أميرين ذائعي الصيت هما ملك إنجلترا، وملك فرنسا الكاثوليكي وهذه هيأت لنا سبباً لكي نخصك بمنة فريدة وفضل خاص.




صفحة رقم : 8125




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> العلامة


ومن ثم أجبنا التماسك ونحن راضون ومستعدون لكي نعلن محبتنا الشديدة لك عندما تهيئ الفرصة إما بنفسك أو عندما تسنح بطريق الصدفة. ونظن بحق أن جهدك المقدس الذي يبذل باستمرار للصالح العام سوف يلقى تشجيعاً وقدراً عظيماً من الاهتمام بمكافآت مناسبة".
ولعلها كانت رشوة حكيمة لسلوك حسن، ولعلها كانت لفتة صادقة من بلاط متسامح إنساني، وفي أية حالة فإن أرازموس لم ينس قط هذه المجاملة البابوية وسوف يجد دائماً من الصعب أن يتحلل من كنيسة تحملت في صبر لذع نقده.




صفحة رقم : 8126




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الفيلسوف



5- الفيلسوف


وعند عودته إلى بروكسل وجد نفسه فريسة الإغراء بالتمسك بالحرص نظراً لما استقبل به من ترحاب ودي في البلاط الملكي. وأخذ منصبه كمستشار خاص بجد، ونسي أن المؤلفين اللامعين قلما تتوفر فيهم صفة الحنكة السياسية. وألف في عجلة عام 1516 الحافل بالأعمال كتابه:"تربية أمير مسيحي" الذي يفيض بالتفاهات التي كانت سائدة قبل ظهور كتاب ميكافيلي عن السلوك الذي يجب أن يتبعه ملك. وكتب في إهدائه لشارل بصراحة تتسم بالجرأة :"إنك تدين للعناية الإلهية في الفوز بمملكتك دون الإضرار بأحد ولسوف تظهر حكمتك على الوجه الأكمل إذا استطعت أن تحافظ فيها على السلام والهدوء". وكان ارازموس، مثل معظم الفلاسفة، يعد الملكية أهون الأشكال الحكومية شراً، وكان يخشى الشعب ويعده "وحشاً متقلباً متعدد الرؤوس". وكان يستنكر مناقشة الشعب للقوانين والسياسة ويرى أن فوضى الثورة أسوأ من أي استبداد للملوك، بيد أنه أشار على أميره المسيحي أن يتقي شر تركيز الثروة، فالضرائب لا تفرض إلا على الكماليات، ويجب تقليل الأديرة وزيادة المدارس، وعلاوة على كل هذا يجب ألا ينشب قتال




صفحة رقم : 8127




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الفيلسوف


بين الحكومات المسيحية- ولا حتى ضد الأتراك. "خير لنا أن نتغلب على الأتراك بالتقوى في حياتنا لا بالأسلحة. وهكذا يتم الدفاع عن الإمبراطورية المسيحية بنفس الوسائل التي أسست بها أصلا". "ماذا تولد الحرب ألا الحرب؟- ولكن الدماثة تدعو إلى الدماثة والعدالة تدعو إلى العدالة".
ولما كان شارل وفرانسس قد ثارت بينهما العداوة فإن أرازموس وجه الدعوة تلو الدعوة للسلام وامتدح الملك الفرنسي في حالة عابرة من المصالحة وتساءل كيف يمكن أن يفكر أحد في شهر الحرب على فرنسا "أطهر جزء في العالم المسيحي وأعظمه ازدهاراً". ووصل إلى ذروة الفصاحة المتحمسة في كتابه (الشكوى من السلام 1517).
"أمر في صمت على مآسي الحروب القديمة ولن أركز الحديث إلا على الحروب التي نشبت في خلال هذه السنوات الأخيرة. أين الأرض أو البحر الذي لم يحارب فيه الناس بطريقة من أقسى ما يمكن؟ وأين النهر الذي لم تصطبغ مياهه بدم الإنسان... بالدم المسيحي؟ يا للعار العظيم! إنهم يتصرفون بقسوة في المعركة تزيد على قسوة غير المسيحيين، وبوحشية تفوق وحشية حيوانات الغاب.. وكل (هذه الحروب) نشبت بسبب نزوات الأمراء على حساب الإضرار بالناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المعارك... وليس بين الأساقفة والكرادلة والبابوات، وهم كهنة المسيح، من يخجل من بدء الحرب التي لعنها المسيح. ما هو الشيء المشترك بين الخوذة وتاج الأسقف؟ ويا أيها الأساقفة، يا من يحملون لواء الرسل، كيف تجرءون على أن تعلموا الناس أموراً كثيرة عن لحرب في نفس الوقت الذي تعلمونهم فيه تعاليم الرسل؟ إن السلام ولو كان جائراً أفضل من الحروب ولو كانت تمليها العدالة".
قد يفد الأمراء والقواد من الحرب ولكن الجماهير تتحمل المآسي والنفقات. وقد يكون من الضروري أحياناً شن حرب دفاعاً عن النفس




صفحة رقم : 8128




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الفيلسوف


ولكن حتى في الحالات قد تكون رشوة العدو أشد حكمة من شرور الحرب. فليرفع الملوك منازعاتهم إلى البابا. وقد يكون هذا إجراء غير علمي في عهد يوليوس الثاني إذ كان هو نفسه رجلا محارباً، أما ليو العاشر وهو "حبر متعلم تقي أمين" فإنه سيحكم بالعدل ويرأس فعلا محكمة دولية. ووصم أرازموس القومية بأنها لعنة للبشرية وتحدي الساسة أن يبتدعوا حكومة عالمية. وقال: "إني أتمنى أن أكون مواطناً عالمياً" واغتفر لبودي حله لفرنسا ولكنه قال : "في رأيي أنه أقرب للحكمة أن تكون علاقاتنا مع الأشياء والناس أساساً مثل اعتبار العالم البلد المشترك بالنسبة لنا جميعاً".
كان أرازموس أضعف الناس حماساً للقومية في عهد الإصلاح الذي رفع من شأن القومية. وكتب يقول: "إن أسمى شئ هو أن يستحق المرء أن ينسب إلى الجنس البشري".
ويجب ألا نتوقع من أرازموس أن يقدم لنا أي مفهوم واقعي للطبيعة البشرية أو عن أسباب الحروب أو عن سلوك الحكومات فهو لم يواجه قط المشكلة التي كان يعالجها في مكيافيلي في تلك السنوات نفسها. وهل كان في وسع حكومة أن تبقى إذا مارست الأخلاق التي تحث المواطنين على اتباعها. كانت وظيفة أرازموس أن يبتر الأغصان من شجرة الحياة لا أن يبني فلسفة إيجابية متينة. بل إنه لم يكن واثقاً من أنه مسيحي، فكثيراً كتب: "إن الذين ينكرون وجود الله ليسوا ملحدين كهؤلاء الذين يصورونه تعالى متزمتاً". وكان لا يكاد يؤمن بأن العهد القديم من كلام الله لأنه أقر برغبته في "أن يرى العهد القديم كله يبطل" إذا كان يهدئ من الحنق على رويخلين. وسخر من الروايات المأثورة عن مينوس ونوما بأنهما كانا يغريان شعبيهما بالخضوع لتشريع غير لطيف بنسبته إلى الآلهة. ولعله راوده الشك في أن موسى كان يتبع نفس السياسة. وعبر عن دهشته لأن




صفحة رقم : 8129




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الفيلسوف


"مور" رضى بالحجج التي تساق لإثبات خلود النفس ورأى أن العشاء رمز وليس معجزة، ومن الواضح أنه راوده الشك في الثالوث وفي تجسد الإقنوم الثاني وفي ولادة العذراء، وكان على مور أن يحميه من مراسل أعلن أن أرازموس قد اعترف في خلوة بعدم إيمانه. وطرح للنقاش واحداً بعد الآخر العادات التي درج عليها المسيحيون في عهده-صكوك الغفران والصيام والحج والاعتراف السري والرهبانية والعزوبة الأكليريكية وعبادة مخلفات القديسين والصلوات للقديسين وحرق الهراطقة. وقدم تفسيرات مجازية أو منطقية لكثير من فقرات الكتاب، المقدس، وقارن قصة آدم وحواء بقصة بروميثيوس، وأشار بتفسير الكتب المقدسة تفسيراً يلتزم أقل ما يمكن المعنى الحرفي، وحول عذاب الجحيم إلى الألم الدائم للعقل الذي يصحب الإثم المعتاد. ولم يذع شكوكه بين الناس لأنه لم يكن لديه أساطير مواسية أو رادعة يقدمها بدلا من الأساطير القديمة. وكتب يقول: "إن التقوى تستلزم منا أن نخفي الحقيقة أحيانا وأن نحرص على ألا نظهرها دائماً كما لو كان لا يهم متى وأين أو لمن نظهرها، ولعلنا نجد لزاماً علينا أن نتفق مع أفلاطون في أن الأكاذيب مفيدة للناس".
وعلى الرغم من هذا الميل الشديد للمذهب العقلي فقد ظل أرازموس ظاهريا متفقاً مع المحافظين ولم يعدم قط محبته للمسيح وللأناجيل وللطقوس الدينية الرمزية التي رفعت بها الكنيسة من شأن التقوى. وابتدع شخصية في محاورته تقول "إذا كان ثمة شئ شائع الاستعمال عند المسيحيين لا يتنافر مع الكتب المقدسة فإني أراعيه لهذا السبب بحيث لا أسئ إلى الناس الآخرين".
وكان يحلم بأن يستبدل باللاهوت: فلسفة المسيح، وسعى إلى التنسيق بين هذه الفكرة وبين رأى كبار الوثنيين. ووصف أفلاطون وشيشرون وسينكا بعبارة "ملهم من الله" ولم يقبل أن يحرم هؤلاء الرجال من الخلاص




صفحة رقم : 8130




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الفيلسوف


وكان لا يكاد يستطيع أن يمتنع عن الصلاة على الروح القديس سقراط. وطلب من الكنيسة أن تختصر المذاهب الجوهرية للمسيحية "إلى أقل عدد ممكن وأن تترك للباقي حرية الرأي". ولم يدافع عن التسامح الكامل مع كل الآراء (ومن يفعل؟) ولكنه اتخذ موقفاً رفيقاً منحازاً نحو الهرطقة الدينية. وكان مثله الأعلى في الدين هو محاكاة المسيح ومهما يكن من أمر فإننا يجب أن نسلم بأن ممارسته للشعائر كانت أقل من أن توصف بأنها مطابقة لتعاليم الكنيسة الإنجيلية.




صفحة رقم : 8131




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان



6- الإنسان


كيف عاش فعلا؟ لقد أقام إبان هذا العهد (1517) معظم وقته في الفلاندرز في بروكسل وأنتوب ولوفان-وسكن في خلوة أعزب مع خادم وإن كان كثيراً ما قبل ضيافة ذوي الثراء الذين كانوا يتسابقون على صحبته باعتبارها امتيازا اجتماعيا واحتفالا فكريا.
وكان أنيقاً قفي أذواقه وكانت أعصابه ومشاعره رقيقة إلى الحد الذي كان كثيراً ما يتألم فيه خشونات الحياة الشديدة. وكان يشرب النبيذ بكثرة ويتفاخر بقدرته على حمل الكأس بثبات، ولعل هذا كان بسبب داء النقرس والحصوات التي كانت تضايقه، ولكنه كان يعتقد أن النبيذ يخفف من ألمه بتوسيع شرايينه.
وفي عام 1514 وهو في الخامسة والأربعين أو الثامنة والأربعين من عمره وصف نفسه قائلا إنه: "عليل أشيب الرأس... يجب ألا يشرب سوى النبيذ" ويجب أن "يكون متأنقا في طعامه". وكان الصيام لا يناسبه، وكان يتميز غيظا من السمك؛ ولعل الصفراء عنده لونت لاهوته. وكان قليل النوم مثل معظم الناس الذين لا تعرف عقولهم المشغولة متى يأوون إلى الفراش، وكان يواسي نفسه بأصدقائه وكتبه "يخيل إلى إني أنتزع من نفسي




صفحة رقم : 8132




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان


عندما أحجز عن عاداتي في الدراسة. إن بيتي هو المكان الذي توجد فيه مكتبتي".
وكان يلح في طلب النقود بكل ما عرف من مثابرة عن قسيس أبرشية، وذلك لشراء الكتب إلى حد ما. وكان يتلقى معاشات منتظمة من مونتجوى ووارهام وهدايا عينية مثل مبلغ الثلاثمائة فلورين (7500 دولار؟) من جان ليه سوفاج رئيس بورجنديا، وحقوق تأليف تزيد عن تلك التي كسبها أي مؤلف آخر في عصره.
وكان يتنصل من أي حب للمال ويقول إنه يبحث عنه لأنه، كأي رجل بلا موارد، يخشى ألا يجد ما يؤمنه في وحدته عندما يبلغ أرذل العمر. وفي الوقت نفسه استمر يرفض الوظائف المربحة التي كان يمكن أن توسع دخله على حساب حريته.
كان مظهره أولا لا يؤثر في الناس، فقد كان قصير القامة نحيل البدن أصفر الوجه ضعيف البنية، خافت الصوت، وكان يؤثر في الناس بيديه الحساستين وأنفه الأقنى وعينيه الزرقاوين الرماديتين تلمعان ببريق الذكاء، وكلامه حديث يدل على عقلية خصبة لماحة من أحسن العقليات في هذا العصر اللامع، وكان أعظم الفنانين من معاصريه أبناء الشمال يتوقون إلى رسم صورة له، فوافق على أن يجلس أمامهم لأن هذه الصور كانت تلقى ترحيبا من أصدقائه باعتبارها هدايا، وصوره كينتان ماسيس عام 1517 وهو مستغرق في الكتابة وملتف بمعطف ثقيل يقيه برد الحجرات في تلك القرون وأهديت هذه الصورة إلى مور. ورسم ديرر صورة بالفحم لأرازموس عام 1520، ونقش له حفرا ملفتا للنظر عام 1526، وهنا أضيفت لمسة الريشة الألمانية تماما على "الأوربي الطيب" سحنة هولندية. وقال الجالس "إذا كنت أبدو كهذه الصورة فأنا محتال كبير". وتفوق هولبين على




صفحة رقم : 8133




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان


كل هذه الجهود في صور كثيرة رسمها لأرازموس إحداها في تورين وثانية في إنجلترا وثالثة في بازيل وأحسنها في اللوفر- وكلها روائع رسمها أعظم مصور للوجوه في الشمال، وهنا كان العلامة قد أصبح فيلسوفاً هادئاً متأملاً وإن كان سوداوياً إلى حد ما، وسلم في نفور لحياد الطبيعة المتواكل وفناء العبقرية. وكتب عام 1517 يقول: "يجب أن نتحمل ما يأتي به حظنا وقد هيأت عقلي لتقبل كل حدث". وهي فلسفة رواقية لم يحققها قط... وقال عن شاب طموح: "إنه يحب المجد ولكنه لا يعرف ما يكفله المجد من عناء". ومع ذلك فإن أرازموس مثل كثير من ذوي النفوس النبيلة، كان يواصل العمل ليلاً ونهاراً ليتغلب على هذا العبء.
وبدت أخطاءه واضحة للعيان، أما فضائله فكان لا يعملها إلا المخلصين من أصدقائه، وكان في وسعه أن يتسول بلا خجل، ولكن كان في وسعه أيضا أن يعطي، وكثيراً ما كانت تشيع في حرارة مدحه روح متمردة. وعندما وجه بفيفركورون Piefferkorn هجومه إلى رويخلين كتب أرازموس إلى أصدقائه من الكرادلة في روما، وساعد على الحصول على الحماية للعالم بآداب اللغة العبرية المتعب، وكان يفتقر إلى التواضع والاعتراف بالجميل، فقد كان هذا من الصعب على رجل يخطب وده البابوات والملوك.
وكان يضيق ذرعا بالنقد ويستاء منه. وكان أحيانا عليه بطريقة تعسفية في هذا العصر الشهير بالجدل، وشاطر في مناهضة السامية حتى مع علماء عصر النهضة، وكانت اهتماماته في أضيق الحدود كما كانت قوية، فقد أولع بالأدب عندما كان يلبس ثوب الفلسفة، وبالفلسفة عندما كانت تترك المنطق للحياة؛ ولكنه تجاهل تقريبا العلم والمسرح والموسيقى والفن. وسخر من معظم نظم الفلك التي كانت تختال على المسرح وسخرت معه النجوم. وليس في كل مراسلاته العديدة تقرير للألب أو لعمارة أكسفورد




صفحة رقم : 8134




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان


وكامبردج أو لتصوير رافائيل أو لنحت مايكل أنجيلو الذين كانوا يعملون ليوليوس الثاني عندما كان أرازموس بروما (1509)، ثم إن الترتيل القوي في الأبرشيات المقومة آذى فيما بعد أسماعه المهذبة. وكانت حاسة الفهاكة عنده عادة تتسم بالدقة والرقة، وكانت رابيلية ولكنها في الغالب ساخرة، وانقلبت مرة إلى سخرية لا تتسم بالإنسانية كما حدث عندما كتب إلى صديق عندما سمع بأجرام بعض الهراطقة: "سأرثي لهم أقل إذا رفعوا ثمن الوقود ولا سيما أن الشتاء على الأبواب".
ولم تكن من صفاته الأثرة الطبيعية أو الأنانية التي يتسم بها كل الرجال، بل كان يتصف بذلك الغرور الخفي المحبب أو الإعجاب بالذات الذي لولا لأنسحق الكاتب أو الفنان في ألأندفاع القاسي للعالم يتسم بعدم الاكتراث.
وكان يحب الإطراء ويوافق عليه على الرغم ممن كانوا ينكرون عليه ذلك من آن لأخر. وكان لأحد أصدقائه: "أن خير النقاد يقولون أني أكتب أحسن من أي إنسان على ظهر الأرض". وكان هذا حقاً وأن كان باللاتينية فحسب، فقد كان يكتب بفرنسية رديئة ويحدث قليلا بالهولندية والإنجليزية، وكان "يتذوق العبرية بطرف اللسان فقط" وكان يعرف اليونانية معرفة ناقصة ولكنه كان يجيد تماماً اللغة اللاتينية، وكان يستخدمها باعتبارها لغة حية يمكن تطبيقها على معظم التفاهات والأشياء الحقيرة غير اللاتينية في عهده. وقد اغتفرت أجيال قرن مشغوفة بالكلاسيات معظم أخطاءه نظراً لما يمتاز به أسلوبه من إشراقة زاهية. وما تتسم به تقديراته للأشياء، بأقل من قيمتها، من سحر عجيب، وما تتصف به سخريته من تهكم لاذع. وتضارع رسائله خطابات سيشرون في البلاغة والدماثة وتفوقها حيوية وفطنة. وفضلا عن هذا فقد تفرد بلغة لاتينية خاصة به، ولم تكن تقليداً للغة سيشرون بل كانت كلاماً حياً قويا طيعا،




صفحة رقم : 8135




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان


ولم تكن صدى لألفاظ مضى عليها 1500 عام. وكانت رسائله مثل رسائل بترارك مطمع أنظار الأدباء والأمراء بعد حديثه المثير وهو يقول لنا، ولعل هذا بشيء من الرخصة الأدبية، أنه كان يتسلم كل يوم عشرين رسالة ويكتب أربعين خطابا. ونشرت منها بضع مجلدات في حياته بعد أن فتحها مؤلفها بعناية حتى يقرأها من يتم بعده. وكان بين من يراسلونه ليو العاشر وأدريان السادس والملكة مارجريت ملكة نافار والملك سيجموند الأول ملك بولندا وهنري الثامن وموروكوليه وبيركايمار. وكتب مور المتواضع: "لا أستطيع أن أتخلص من شعور نزوى بالغرور.. عندما يخطر ببالي أني سأكون موضع ثناء من خلف بعيد لصداقتي لأرازموس".
ولم يضارعه في شهرته كاتب آخر من معاصريه، اللهم إلا إذا اعتقدنا أن لوثر كاتب. وأبلغ بائع كتب في أكسفورد عام 1520 أن ثلث مبيعاته كانت من أعمال أرازموس. وكان له أعداء كثيرون وبخاصة بين علماء اللاهوت في لوفان، غير أنه كان له مريدون في اثنتي عشرة جامعة، وكان هناك علماء للإنسانيات في أوربا ينادون به قدوة وزعيما. وفي ميدان الأدب كان يمثل عصر النهضة ومذهب الإيمان بالإنسان مجتمعين- عبادتهما للكلاسيات ولأسلوب لاتيني مصقول واتفاق الجنتلمان (السادة المهذبين) على ألا يختلفا مع الكنيسة وألا يزعجا أساطير الجماهير التي لا غنى عنها، على شريطة أن للكنيسة أن تغض النظر عن الحرية الفكرية لطوائف المتعلمين وتسمح بتقويم مفاسد وسخافات رجال الدين تقويما داخليا قانونيا. وقد هلل أرازموس مثل كل علماء الإنسانيات لتبوء ليو العاشر منصب البابوية، فقد تحقق حلمهم - وها هو عالم بالإنسانيات وعلامة وسيد مهذب، يمثل اتحاد النهضة والمسيحية معا، قد ارتقى أعظم العروش. وليس من شك في أنه سوف يتم تطهير سلمي للكنيسة، وينتشر التعليم، وسيحافظ الناس




صفحة رقم : 8136




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> أرازموس الرائد -> الإنسان


على شعيرتهم المحببة وإيمانهم الذي يجدون فيه العزاء وإن كان العقل البشري سوف يكون حراً.
وظل هذا الأمل يراود أرازموس حتى بداية عهد لوثر تقريباً، ولكنه في اليوم التاسع من سبتمبر عام 1517 كتب من أنتورب إلى توماس، كرينال يورك، عبارة تنذر بالويل: "في هذا الجزء من العالم أخشى أن هناك ثورة عظيمة توشك على الوقوع". وفي أقل من شهرين وقعت الثورة.




صفحة رقم : 8137




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر



الفصل السادس عشر




ألمانيا قبيل عهد لوثر




1453 - 1517




1- عصر آل فوجر


كان التوفيق حلفا لكل الطوائف في ألمانيا ما عدا الفرسان في السنوات الخمسين الأخيرة قبل عهد الإصلاح الديني، ولعل ارتفاع منزلة الفلاحين هي التي زادت من استيائهم على ما بقى من إحساسهم بالعجز. إذ كانت قلة منهم لا تزال من طائفة عبيد الأرض منهم ملاكا، وكانت غالبيتهم مزارعين مستأجرين يدفعون الإيجار إلى السادة الإقطاعيين إنتاجا عينيا أو يقدمون لهم خدمات أو نقوداً. وكان المستأجرين يشكون من ظلم السادة، من أيام العمل الإثني عشر والتي تصل إلى ستين يوما في بعض الأحوال والتي حتمت التقاليد أن يبذلوها لهم في كل عام، ومن استرداد الأرض من عامة الناس، تلك الأرض التي جرى العرف على الأضرار التي لحقت بالمحاصيل من صيادي السيد وكلابهم ومن سياسة القضاء المتحيزة في المحاكم المحلية، وكان الملاك يسيطرون عليها، ومن الضريبة على الموتى التي كانت تفرض على أسرة المستأجر عندما يخل موت عميدها بالعناية بالأرض. وثار الملاك الفلاحون غضبا بسبب الضرائب المضاعفة التي كان لزاما عليهم أن يدفعوها على القروض المطلوبة لنقل محصولاتهم وعلى حبس الرهن السريع للمزارع بوساطة المرابين، وكانوا يقدمون القروض للملاك الذين يتضح لهم عجزهم عن السداد. ولقد




صفحة رقم : 8138




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


أضمرت كل عواطف الفلاحين العداء لضريبة العشور السنوية التي تفرضها الكنيسة على محاصيلهم وماشيتهم.
وأضرم هذا التذمر نيران ثورات الفلاحين فانتشرت خلال القرن الخامس عشر، وقام الفلاحون حول ورمز بثورة لا طائل تحتها عام 1432، واختاروا حذاء أحد الفلاحين علماً لهم، وكان حذاءً طويلا يكسو الساق من الرسغ إلى الركبة، وعلقوه على الشواخص، كما رسموا صورته على الأعلام. وأصبح رباط الحذاء العنوان المحبب لعصابات المتمردين من الفلاحين في عهد لوثر.
ولقد أعلن عام 1476 راعي أبقار يدعى هانز بوخم أن أم الإله قد كشفت له أن مملكة السماء على الأرض غدت قريبة دانية ولن يكون هناك أباطرة ولا بابوات ولا أمراء أو سادة إقطاعيون، وأن جميع الرجال سيكونون أخوة وجميع النساء أخوات، الكل يشاطر على قدم المساواة ثمار الأرض، وأن الأراضي والغابات والمراعي ستكون مشاعا وملكا للجميع. وأقبل آلاف الفلاحين ليستمعوا إلى هانز وانضم له أحد القسس وابتسم أسقف فيرتسبورج في تسامح ولكن عندما طلب هانز من أتباعه أن يحضروا معهم في الاجتماع القادم كل الأسلحة التي يستطيعون جمعها أمر الأسقف بالقبض عليه وأطلق جنوده النار على الجمهور الذي حاول إنقاذه وفشلت الحركة.
وفي عام 1491 هاجم الفلاحون في ضيعة رئيس دير لرهبان في كيمبتين في الألزاس ديره، وزعموا أنهم أكرهوا على أن يكونوا رقيقاً للأرض بوثائق مزيفة. وعقد الإمبراطور فرديدريك الثالث معهم مصالحة. وبعد مرور سنتين أعلن أتباع أسقف ستراسبورج ثورة رباط الحذاء، وطالبوا بإنهاء الضرائب الإقطاعية وضرائب العشور الكنسية وإلغاء كل الديون وقتل كل اليهود. وفكروا في الاستيلاء على مدينة شلتستادت، فقد كانوا يأملون أن




صفحة رقم : 8139




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


يمدوا سلطانهم على الألزاس. وعلمت السلطات بالمؤامرة وقبضت على الزعماء وعذبتهم ثم شنقتهم وأفزعت الباقين فأعلنوا الخضوع إلى حين. وفي عام 1502 كون فلاحو أسقف سبيير عصابة "رباطة الحذاء" من 7000 رجل وتعاهدوا على إنهاء الإقطاع ومطاردة كل القسس والرهبان وقتلهم. واسترداد ما كانوا يعتقدون أنه كان مشاعا لأجدادهم. وأفشى أحد الفلاحين سر الخطة على كرسي الاعتراف فاتحد رجال الدين والنبلاء على إحباطها وعذب زعماء المتآمرين وشنقوا.
وفي عام 1512 نظم جوس فريتز حركة مماثلة قرب فرايبورج - ام- برايزجاو، وكان من شأنها أن تبقى على الله والبابا والإمبراطور وأن تقضي على كل ملكية إقطاعية وضرائب يفرضها الإقطاعيون. غير أن واحداً من الفلاحين أكره على الانضمام لهذه الرابطة وأفشى سرها للقس الذي اعترف أمامه فاعتقلت السلطات الزعماء وعذبتهم وفشلت الثورة، إلا أن جوس فرتز عاش إلى أن انضم إلى ثورة الفلاحين عام 1525، وفي عام 1517 تكونت جماعة من 90.000 فلاح في ستيريا وكارنثيا وتعاهدوا على القضاء على الإقطاع هناك وظلت عصاباتهم لمدة ثلاثة شهور تهاجم القلاع وتقتل بالسادة، وأخيراً أرسل الإمبراطور ماكسمليان، وكان يعطف على قضيتهم وإن لم يرض عن توسلهم بالعنف، قوة صغيرة من الجنود وأرغمتهم على السلم على مضض. ولكن المسرح كان معداً لحرب الفلاحين وللشيوعية اللامعمدانية في الإصلاح الديني بألمانيا.
وفي غضون ذلك كانت تقوم في عالمي الصناعة والتجارة بألمانيا ثورة أملاها الأمر الواقع. كانت معظم الصناعات لا تزال يدوية وإن تزايدت عليها سيطرة رجال الأعمال الذين يقدمون المواد الخام ويملونها ويشترون الإنتاج النهائي ويبيعونه، وكانت صناعة التعدين تتقدم بسرعة وجنيت أرباح عظيمة من استخراج الفضة والنحاس والذهب، وأصبحت سبيكة الذهب




صفحة رقم : 8140




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


أو الفضة عندئذ وسيلة لاختزان الثروة، ومكنت حقوق التعدين لأمراء الأقاليم- وبخاصة أمير ساكسونيا وكان يحمي لوثر- مكنت بعضهم من مقاومة البابا والإمبراطور معاً. وسكت نقود فضية يعتمد عليها وتضاعف عدد النقد وتم أو كاد التوصل إلى اقتصاد يرتكز على النقد، وأصبحت حيازة سبيكة فضية أمراً شائعا في الطبقتين الوسطى والعليا، وعرضت بعض الأسر مناضد أو مقاعد من الفضة وتراكمت في الكنائس الألمانية، أوعية وكئوس قداس وجفان بل وتماثيل من الفضة أو الذهب، وجعلت الأمراء يميلون إلى إصلاح ديني يسمح لهم بتصفية الثروة الكنسية. وقد تعجب أنياس سيلفيوس عام 1458 عندما رأى أصحاب حانات في ألمانيا يقدمون بانتظام الشراب في كئوس فضية وتساءل: "أية امرأة، لا بين طبقة النبلاء فحسب بل بين طبقات الدهماء، لا تتألق بالتحلي بالذهب؟- وهل أذكر شكائم الخيول المزينة بنقوش بارزة من خالص الذهب و... أسلحة وخوذات تلمع بالذهب؟" وأصبح الممولون الآن قوة سياسية عظيمة، واستبدل بمقرضي النقود من اليهود مؤسسات تديرها عائلات مسيحية من الولزين والهوخستيتر والفوجر، وكلهم من أرجسبورج وكانت عاصمة المال في العالم المسيحي في نهاية القرن الخامس عشر. ولقد أصبح جوهان فوجر، وهو ابن نساج، تاجراً للمنسوجات وترك عند وفاته (عام 1409) ثروة صغيرة من 3.000 فلورين (75.000 دولار؟) وتوسع ابنه جاكوب في العمل وعندما مات (1469 ترك ثروة تعد السابعة بين الثروات في أوجسبورج، واستطاع أولريخ وجاكوب الثاني أبناء جاكوب أن يرقوا بالمؤسسة إلى مكان الصدارة بتقديم المال إلى الأمراء في ألمانيا والنمسا وهنغاريا، وذلك في مقبل الحصول على دخول المناجم أو الأراضي أو المدن. ومن هذه الاستثمارات التي تعتمد على المضاربة جمع آل فوجر أرباحاً فاحشة وما أن عام 1500 حتى كانوا أغنى أسرة في أوروبا.




صفحة رقم : 8141




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


وكان جاكوب الثاني عبقري الأسرة لا يبارى، فقد كان مقداماً قاسياً مجداً. ودرب نفسه، على طريقة الرواقيين، بدراسة كل مرحلة من مراحل العمل وكل تقدم في مسك الدفاتر والصناعة والمتاجرة والتمويل. وطالب فرد من آل فوجر في سبيل مصلحة الأسرة وأسس المبدأ القائل بألا سلطة لأحد في المؤسسة سوى فرد من آل فوجر ولم يسمح لعلاقاته السياسية بالتأثير في قروضه. وكون اتحادات مع المؤسسات الأخرى للتحكم في سعر المنتجات المختلفة ومبيعاتها، ولذلك عقد عام 1498 هو وأخوته اتفاقاً مع تجار أوجسبورج يقضي "بتضييق الخناق" على سوق البندقية في النحاس ورفع السعر. وفي عام 1488 أقرضت الأسرة 15.000 فلورين للأرشيدوق سجيسموند النمساوي وتسلمت ضمانا للقرض كامل إنتاج مناجم الفضة في شفارتر إلى أن يتم سداد القرض. وفي عام 1492 اتفق آل فوجر مع آل تورزوس من كراكا وعلى قيام اتحاد (كارتل) لاستغلال مناجم الفضة والنحاس في هنغاريا وللحفاظ على "أعلى سعر ممكن" للمنتجات، وما أن حل عام 1501 حتى كان آل فوجر يقومون بمشروعات واسعة للتعدين في ألمانيا والنمسا وهنغاريا وبوهيميا وإسبانيا. وعلاوة على هذا فإنهم استوردوا المنسوجات وصنعوها وتاجروا في الأقمشة الحريرية والقطيفة والفراء والتوابل وثمار الليمون والذخائر والمجوهرات ونظموا نقلا سريعا وخدمة بريدية خاصة، وما أن حل عام 1511 وأصبح جاكوب الثاني المدير الوحيد للمؤسسة حتى كانت أصولها قد وصلت إلى 196,791 جيلدر، وفي عام 1527 (بعد عامين من وفاه) قدر رأسمالها بمبلغ 2.021.202 جيلدر (50.000.000 دولار)- بواقع ربح سنوي قدره خمسون في المائة خلال ستة عشر عاماً.
ولقد حصل جانب من هذا الربح من علاقات آل فوجر بالأباطرة




صفحة رقم : 8142




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


والبابوات إذ قدم أولريخ فوجر قروضا لفردريك الثالث وأصبح جاكوب الثاني آل هابسبورج في القرن السادس عشر بفضل قروض آل فوجر وعلى الرغم من أن جاكوب لم يعبأ بتحديد الكنيسة للفوائد ومحاولات رجال الكنيسة أن يحددوا "ثمنا عادلا" لسلع المستهلكين فإنه ظل كاثوليكياً، وقدم القروض لرجال الدين للوفاء بنفقات ترقيتهم، وحصل مع أولريخ (عام 1494) على حق إدارة أموال البابا في ألمانيا واسكنديناوة وبوهيميا وهنغاريا، وكان جاكوب فوجر في السنوات الأخيرة من عمره مواطناً مبجلاً ومكروهاً في ألمانيا، وهاجمه بعض الكاثوليكيين باعتباره مرابياً كما هاجمه بعض النبلاء بسبب رشوته لهم للظفر بمنصب أو نفوذ، وبعض التجار لاحتكاراته التي أثارت حسدهم، وسخط عليه كثير من العمال لإلغائه لوائح التجارة والمال في العصور الوسطى، ومعظم البروتستانت لتصديره الأموال الألمانية إلى البابوات. ولكن الأباطرة والملوك والأمراء والبطاركة بعثوا له بالرسل وخاطبوه كأنه أحد الحكام ورسم ديرر وبورجكمير وهولبين الكبير صورة شخصية له بدا فيها رجلا واقعيا بسيطا صارما. وأنعم عليه ماكسمليان بلقب كونت الإمبراطورية، وحاول جاكوب أن يكفر عما ارتكبه من خطايا لجمع ثروته ببناء 106 منزلا للفقراء من الكاثوليك بأوجسبرج ، وأنشأ معبداً صغيرا في الكنيسة سانت آنا لتدفن فيه رفاته ومات بوسط جو مضمخ بالقداسة وخلف ملايين الجيلدرات، ولم يعقب ذرية فقد حرمته الحياة أعظم عطاياها.
ويمكننا أن نقول إنه هو الوحيد الذي افتتح عصر الرأسمالية ونمو الاحتكارات الخاصة وسيطرة رجال الأعمال بأموالهم على السادة الإقطاعيين




صفحة رقم : 8143




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


الذين يملكون الأرض، وكان التعدين وصناعة المنسوجات يرتكزان على أنظمة رأسمالية أي يشرف عليهما من يقدمون رأس المال- في نهاية القرن الخامس عشر، على نسق زعامة الفلاندرز وإيطاليا في صناعة المنسوجات قبل ذلك بمائة عام.
وكان الرأي السائد في العصور الوسطى هو أن الملكية الفردية وديعة عامة إلى حد ما: فحقوق المالك تحددها احتياجات الجماعة التي أتاح نظامها له الفرص والتسهيلات والحماية. وربما في ظل القانون الروماني- وكان قد حجب وقتذاك الفقه الألماني- بدأ المالك يرى أن ملكيته مطلقة وشعر بأن له الحق في أن يفعل بملكه ما يشاء. ولذلك لم يبد من الخطأ لآل فوجر وآل هوخستيتر وغيرهم من "أمراء التجار" أن (يضيقوا الخناق) على إنتاج ثم يرفعوا سعره أو يكونوا اتحادات (كارتلات) لتحديد الناتج والتحكم في التجارة أو أن يمارسوا الاستثمارات بحيث يغشون صغار حاملي الأسهم. وفي عديد من الأمثلة نجد تاجرا يضع وكلاءه على أبواب المدينة ومعهم أوامر بأن يشتروا كل البضائع الواردة من صنف معين حتى يبيعها بالسعر الذي يفرضه في المدينة. وقد اشترى أمبروز هوخستيتر كل ما أمكن الحصول عليه من الزئبق ثم رفع سعر بيع التجزئة بمقدار 75 في المائة. واشترت شركة ألمانية فلفلا من ملك البرتغال بمبلغ 600.000 جيلدر بسعر يزيد على السعر العادي على شريطة أن يتقاضى الملك سعراً أعلى من كل مستوردي الفلفل من البرتغال إلى ألمانيا. وعن طريق هذه الاتفاقات والاحتكارات من ناحية، وعن طريق تزايد الثروة وزيادة الطلب على البضائع من ناحية من أوروبا الوسطى وأمريكا ارتفعت الأسعار بين عامي 1480 و 1520 بسرعة لا نظير لها إلا في قرننا هذا. وقال لوثر شاكياً: "في خلال زمن قصير وبسبب الربا والشح أصبح من كان في وسعه سابقا




صفحة رقم : 8144




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


أن يعيش بمبلغ مائة جيلدر لا يستطيع الآن أن يعيش بمبلغ مائتين". وهي حكاية رويت أكثر من مرتين.
وقد شهدت العصور الوسطى تفاوتا شاسعاً في السلطة السياسية، وأضاف عصر آل فوجر الجديد تباينا اقتصاديا لم تعرفه أوروبا منذ عهد أصحاب الملايين والعبيد في إمبراطورية روما، فبعض التجار الرأسماليين في أوجسبرج أو نورمبرج كان عند كل منهم ثروة تعادل 5.000.000 فرنك (25.000.000 دولار؟) واشترى الكثيرون مكانة بين الأرستقراطيين صاحبة الأرض وارتدوا دروعا عليها شعارهم وعوضوا احتقار الأشراف "بإسراف مبالغ فيه"، فقد كان جواكيم هوخستيتر وفرانزباو مجارتنر ينفقان 5.000 فلورين (125.000 دولار؟) على مأدبة واحدة أو يقامران في لعبة واحدة بمبلغ 10.000 فلورين، وقد أثارت بيوت رجال الأعمال الأغنياء الفاخرة الأثاث والزخارف الفنية استياء طبقة النبلاء ورجال الدين والدهماء على سواء، وانضم الوعاظ والكتاب والثوريون في ثورة عارمة ضد المحتكرين، وطالب جايلر فون كايزرسبرج بأن "يطاردوا كالذئاب ما داموا لا يخشون الله ولا الناس وينشرون المجاعة والعطش والفقر". وميز أولريخ فون هوتن أربعة طوائف من اللصوص: لتجار وفقهاء القانون والقسس والفرسان، ورأى أن التجار إنما أخطر هؤلاء اللصوص جميعا. "وطالب مجلس الريخستاج في كولون كل السلطات المدنية بأن تتخذ الإجراءات" بحزم وشدة (ضد كل الشركات الرأسمالية التي تتوسل بالاحتكار والربا). وتكرر صدور مثل هذه القوانين من مجالس نيابية أخرى ولكن بلا جدوى؛ فقد كان بعض المشرعين أنفسهم يستثمرون أموالهم في المحلات التجارية الكبرى، وهدأت سورة غضب حماة القانون بمنحهم أسمها، كما أن كثيراً من المدن ازدهرت بنمو التجارة الحرة.
كانت ستراسبورج وكولمار وميتز وأوجسبورج ونورمبرج وأولم وفيينا




صفحة رقم : 8145




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


وراتيسبون (رجنزبورج) وماينز وسبييار وفورمز وكولون وترير وبريمين ودورتموند وهامبورج وماجديبرج ولوبيك وبرسلاو مراكز نشاط اقتصادي مزدهرة بالصناعة والتجارة والآداب والفنون. وكانت هي وسبعة وسبعون مدينة أخرى "مدناً حرة" أي مدناً تسن قوانينها الخاصة وترسل ممثلين لها للمجالس النيابية الإقليمية والإمبراطورية ولا تخضع سياسياً إلا للإمبراطور، وكان بدوره مديناً لها بالعون المالي أو العسكري إلى حد لا يستطيع معه أن يقيد حرياتها. وعلى الرغم من أن هذه المدن كانت تحكمها طوائف حرفية يسيطر عليها رجال الأعمال فإن كل واحدة منها تقريبا كانت حكومة تستهدف الصالح العام. وطبقا للطريقة التي تراعي مصلحة الجماعة وذلك إلى الحد الذي كانت فيه تنظم الإنتاج والتوزيع والأجور والأسعار وصفة السلعة بقصد حماية الضعيف من القوي وتوفير احتياجات المعيشة للجميع. ونحن نطلق عليها الآن بلاداً لا مدناً طالما أن عدد السكان لم يتجاوز في أي منها 52.000 نسمة ومع ذلك فقد كانت آهلة بالسكان كما كان الحال عليه قبل منتصف القرن التاسع عشر وأكثر ازدهاراً من أي عهد قبل جوته، وإينياس سيلفيوس وهو إيطالي مزهو بنفسه كتب عنها عام 1458 يقول:
لم تكن ألمانيا أغنى ولا أشد تألقا منها قبل اليوم... ويمكن أن يقال دون مبالغة أنه ليس في أوروبا بلد تبزها أو تفوقها في جمال مدنها فهي تبدو طلية جديدة كأنها شيدت بالأمس ولن تجد حرية زائدة مثل هذه في أية مدن أخرى..
ولا يمكن أن نجد مدينة في أوربا أكثر فخامة من كولون بكنائسها العجيبة ومبنى البلدية فيها وأبراجها وقصورها ومواطنها المبجلين من أوساط




صفحة رقم : 8146




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


الناس وجداولها العظيمة... كما أنه ليس ثمة مدينة في العالم تبز أوجسبورج في الثروة. وفي فينا قصور وكنائس تحسدها حتى إيطاليا".
ولم تكن أوجسبورج مركزا للمال في ألمانيا فحسب بل كانت أيضاً الحلقة التجارية الرئيسية التي تربط بنيها وبين إيطاليا المزدهرة آنذاك. وتجار أوجسبورج هم الذين كان لهم الفضل في بناء وإدارة الفوندا كوتيديسكو في البندقية التي زين جدرانها جيورجيوني وتيتيان بصورهما الجصية، وكانت أوجسبورج وثيقة الاتصال بإيطاليا حتى أنها رددت صدى النهضة الإيطالية، وآزر تجارها الأدباء والفنانين وأصبح بعض الرأسماليين بها مثالاً يحتذى في السلوك والثقافة إن لم يكن في الأخلاق. ومن ثم نجد أن كونراد بوليتنجر، وهو مأمور أو عمدة في سنة 1493، كان دبلوماسياً وتاجرا وأدبياً وفقيهاً وعالماً باللغتين اللاتينية واليونانية وأثرياً ورجل أعمال.
وكانت نورمبرج مركزا للفنون والحرف اليدوية أكثر منها للصناعة أو المال على نطاق واسع، وكانت طرقاتها لا تزال ملتوية حسب ما كان متبعا في القرون الوسطى تظللها طبقات بارزة أو شرفات، وأسقفها المغطاة بالقرميد الأحمر وجملوناتها العالية القمة ومشربياتها تكون صورة غير متناسقة في مهادها الريفي وجدول بجنيتز الضخم. ولم يكن الناس بها في بحبوحة من العيش كما هم في أوجسبورج ولكنهم مبتهجون دمثو الخلق ويحبون اللهو والتبذل في مهرجانات مثل الكرنفال الذي يشتركون فيه كل عام ويرتدون فيه الأقنعة وأزياء التنكر ويرقصون. وهناك أخذ هانز ساكس وكبار المغنيين ينشدون ألحانهم المرحة، وارتقى البرخت ديرر بالتصوير والحفر الألمانيين إلى ذروتهما، وهناك قام صاغة الذهب والفضة شمال الألب بصنع زهريات غالية الثمن وأوعية للكنيسة وتماثيل صغيرة، وهناك قام العاملون بالأشغال المدنية بتشكيل ألف تكوين للنبات والحيوان




صفحة رقم : 8147




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر


والإنسان من البرنز أو شكلوا الحديد في سياجات أو ستائر جميلة، وهناك كان قاطعو الخشب من الكثرة إلى حد يجعلنا نعجب كيف تيسرت لهم سبل العيش. وأصبحت كنائس المدن مخازن ومتاحف للفن لأن كل طائفة حرفية أو نقابة أو أسرة ثرية كانت ترسل عملا فنياً جميلاً إلى مزار قديس يحمي الزمار. واختار رجيومونتانوس مدينة نورمبرج موطناً له وقال :"لأني أجد هناك دون صعوبة كل الأدوات الخاصة بعلم الفلك وإنه لأيسر لي هناك أن أظل على صلة بالمتعلمين في كل البلاد لأن نورمبرج، بفضل رحلات تجارها المستمرة يمكن أن تعد مركزاً لأوربا. ومن مميزات نورمبرج أن أشهر تجارها فيليبالد بيركهايمر كان أيضاً عالماً بالإنسانيات متحمساً وراعياً للفنون وصديقاً حميماً لديرر، وقد أطلق أرازموس على بيركهايمر :"فخر ألمانيا العظيم".
وعكرت صفو التجارة بين ألمانيا وإيطاليا رحلات داجاما وكولمبس وسيطرة الترك على بحر إيجة وحروب ماكسمليان مع البندقية، فانتقلت الصادرات والواردات الألمانية شيئاً فشيئاً على طول الأنهار الكبيرة إلى بحر الشمال وبحر البلطيق والمحيط الأطلسي وانتقلت الثروة والسلطان من أوجسبورج ونورمبرج إلى كولون وهامبورج وبريمن وإلى أنتورب بصفة خاصة. وشجع آل فوجر وآل ويلز هذا الاتجاه بأن جعلوا من أنتورب مركزاً رئيسياً لعملياتهم. وأدت حركة المال والتجارة الألمانيين نحو الشمال إلى فصل شمال ألمانيا عن الاقتصاد الإيطالي ودعمت مركزها بحيث استطاعت حماية لوثر من الإمبراطور والبابا. ولعل جنوب ألمانيا ظل مخلصاً للكاثوليكية لأسباب مغايرة.




صفحة رقم : 8148




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة



2- الدولة


كيف كانت ألمانيا تحكم في هذا العصر التشكيلي الحرج؟
لقد كان الفرسان، أو أبناء الطبقة النبيلة الدنيا، الذين حكموا الريف بصفتهم أتباعاً للسادة الإقطاعيين، يفقدون مركزهم العسكري والاقتصادي والسياسي. وكانت فرق الجنود المرتزقة الذين يستأجرهم الأمراء أو المدن، والمجهزين بالأسلحة النارية والمدافع، تبيد فرق الفرسان الذين كانوا يلوحون بالسيوف في عجز وقصور، وكانت الثروة التجارية ترفع الأسعار والنفقات وتتفوق على ملكية الأرض باعتبارها مصدراً للسلطان، وكانت المدن توطد استقلالها والأمراء يركزون في أيديهم السلطة والقانون. وثأر الفرسان قليلاً بالترصد للتجارة التي كانت تمر في طريقهم، وعندما احتج التجار والبلديات أكد الفرسان حقهم في شن حروب خاصة. وقد وصف كومين، ألمانيا في هذا العهد بأنها تزخر بالقلاع التي يمكن في أي وقت أن يتدفق منها "لصوص من البارونات" وأتباعهم المسلحون، ويسلبون التاجر المسافر والفلاح على السواء. وجرت عادة بعض الفرسان أن يقطعوا الأيدي اليمنى لمن يسلبون من التجار. وعلى الرغم من أن جيتز فون برليخينجن فقد هو نفسه يده في خدمة أميره، فقد ايتبدل بها يداً حديدية، وتزعم عصابات من الفرسان، لا لمهاجمة التجار فحسب، بل لمهاجمة المدن أيضاً،"نومبرج-دار مستادت وميتز وماينز (1512). ووجه صديقه فرانزفون سيكنجن تهماً ضد مدينة ورمس ونهب ضواحيها وقبض على أعضاء مجلس الشورى فيها وعذب عمدتها وقاوم كل المحاولات التي قامت بها الفرق الإمبراطورية للقبض عليه ولم يكن من المستطاع إخضاعه إلى حين إلا عندما تلقى منحة سنوية ليخدم الإمبراطور. وانضمت اثنتان وعشرون مدينة في سوابيا- وبصفة خاصة أوجسبرج وأولم وفرايبورج وكونستانس إلى




صفحة رقم : 8149




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة


الطبقة الرفيعة من النبلاء لإعادة تكوين عصبة سوابيا (1488) وهذه المدن وغيرها من الاتحادات كبحت جماح الفرسان اللصوص ونجحت في أن تعلن عدم شرعية الحرب الأهلية، ومع ذلك فإن ألمانيا كانت قبيل عهد لوثر مسرحاً للفوضى الاجتماعية والسياسية، فقد كان يسودها حكم شامل للقوة".
وأسهم الأمراء الزمنيون ورجال الدين الذين تصدروا القلاقل فيها بجشعهم وعملاتهم ورسوم جماركهم المختلفة وتنافسهم المضطرب على الثروة والنصب وتشويههم للقانون الروماني، وذلك لكي يمنحوا أنفسهم سلطة مطلقة أو تكاد تكون على حساب الشعب والفرسان والإمبراطور. وتصرفت بعض الأسر تصرف الملوك الغير المسئولين من أمثال بيوت هوهنز ولرن في براندنبرج وفيتين في ساكسونيا وفيتلسباخر في البلاتينات ودوقات فيرتتيمبرج، فما بالك بآل هابسبرج في النمسا. ولو كان سلطان الإمبراطور الكاثوليكي على الأمراء الألمان أعظم من هذا لفشلت حركة الإصلاح الديني أو تأجلت. ثم إن إعراض كثير من الأمراء عن روما كان اتجاها آخر نحو الاستقلال المالي والسياسي.
وأكدت شخصية الأباطرة في هذا العهد ضعف الحكومة المركزية. وكان فردريك الثالث(حكم من 1440 إلى 1493) فلكيا وكيميائيا يغرم بهدوء حدائقه في جراتر الذي يتطلع إليه البحاثة لدرجة أنه سمح لشلسوج هولشتين وبوهيميا والنمسا وهنغاريا بأن تنفصل عن الإمبراطورية، ولكنه قام في حوالي نهاية العام الثالث والخمسين من حكمه بخطوة لإنقاذها وذلك بخطبة ماري، وريثة شارل الجسور دوق بورغنديا، لابنه ماكسمليان. وعندما حفر شارل لنفسه قبراً ثلجياً عام 1477 ورث آل هابسبورج الأراضي الواطئة.
وبدأ ماكسمليان الأول (حكم من 1493 إلى 1519) الإمبراطور المنتخب




صفحة رقم : 8150




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة


والذي لم يتوج قط، حكمه بكل ما يبشر بالنجاح. وابتهجت الإمبراطورية كلها لملامحه الجميلة وأخلاقه الطيبة ورقة مشاعره الوديعة وبشاشته الجياشة وكرمه وشهامته وشجاعته ومهارته في المبارزة والصيد، وكأنه إيطالي من عصر النهضة ارتقى عرشاً ألمانيا. بل أن مكيافيلي تأثر به ووصفه بأنه "أمير عاقل زكي يخشى الله، وحاكم عادل، وقائد عظيم، يقتحم الأخطار ويتحمل المشقة كأصلب الجنود عوداً... نموذج يحتذى لكثير من الفضائل الخلقية بأمير".. ولكن "ماكس" لم يكن قائدا عظيما، وكان يفتقر إلى الذكاء الخبيث المطلوب من أمير في نظر مكيافيلي كان يحلم باستعادة عظمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة باسترداد ممتلكاتها. السابقة ونفوذها في إيطاليا فغزا شبه الجزيرة مرارا وتكرارا في حروب لا طائل تحتها، رفض مجلس الدايت، وكان في هذا عمليا، أن يمولها. وسمح لنفسه بالتفكير في خلع يوليوس الثاني القوي وتنصيب نفسه بابا وإمبراطورا في الوقت نفسه. وقد برر(مثل زميله المعاصر شارل الثامن ملك فرنسا) مطامعه الإقليمية بأنها تمهيد ضروري لهجوم ساحق على الأتراك، ولكنه عجز عن وضع خطة مدعمة من الناحيتين الدستورية والمالية. وكان لا يستطيع أن يحقق بالوسائل كما يتمنى الغايات. وكان في بعض الأوقات فقيرا إلى الحد الذي كان يعوزه المال لسداد ثمن عشائه. وسعى لإصلاح الإدارة في الإمبراطورية ولكنه انتهك إصلاحاته ذاتها فماتت معه. وكان يفكر كثيرا في مدى سلطة آل هابسبورج وبعد أن لاقى أكثر من فشل في الحرب عاد إلى سياسة والده القائمة على الزيجات الدبلوماسية. وعلى هذا فإنه قبل عرض فرديناند بخطبة جوانا إلى ابنه فيليب وكانت ضعيفة العقل إلى حد ما ولكنها قدمت إسبانيا دولة صداقا لها. وفي عام 1515 خطب لحفيدته ماري وحفيده فرديناند، للويس وأن ابن وابنة لاديسلاس ملك بوهيميا وهنغاريا، وقتل لويس في موهاكس (1526) وأصبح فرديناند ملكا على بوهيميا وهنغاريا (بقدر ما سمح الأتراك) وبلغ سلطان آل هابسبرج أوسع مداه.




صفحة رقم : 8151




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة


وكانت أحب سمات ماكسمليان عشقه وتشجيعه للموسيقى والتعليم والأدب والفن. وأكب في حماس على دراسة التاريخ والرياضيات واللغات. ولقد ثبت لنا أنه كان في وسعه أن يتحدث بالألمانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والوالونية والفلندية والإنجليزية، ويقال إنه تحدث في حملة حربية واحدة مع سبع قواد أجانب بلغاتهم السبعة المختلفة. ومزج لهجات جنوب وشمال ألمانيا في لغة ألمانية يفهمها الجميع وهي التي أصبحت لغة الحكومة الألمانية وكتاب لوثر المقدس والأدب الألماني، وذلك بفضل جهوده والاقتداء به إلى حد ما. وحاول، وهو بمنجاة من الحروب، أن يكون مؤلفاً، وترك مصنفات عن فن الدروع والمدفعية والعمارة والصيد وسيرته الخاصة، وفكر في اقتناء مجموعة تستوعب مخلفات ونقوشاً من ماضي ألمانيا ولكن أعوزته الأموال من جديد. واقترح على البابوات إصلاح التقويم، وقد حققوا فكرته بعد ثمانين عاماً. وأعاد تنظيم جامعة فينا وأسس كراسي أستاذية جديدة للقانون والرياضيات والشعر والبلاغة، وجعل من فينا أزهر مركز للتعليم في أوروبا لفترة ما. ودعا علماء الإنسانيات الإيطاليين إلى فينا، وعهد إلى كونرادوس سلتس أن يفتح هناك أكاديمية للشعر والرياضيات. وناصر علماء للإنسانيات مثل بويتنجر وبيركهايمر وجعل من روتخلين Reuchlin المضطهد مونت بالاتاين الإمبراطوري. ومنح مكافآت لبيتر فيشر وفايت ستوس وبورجكمير وديرر والفنانين الآخرين الذين تألقوا في عهده. وأمر بإقامة قبر مزخرف في انزبروك ليضم رفاته، وقد ترك دون أن يتم بناؤه عند وفاته ولكنه أتاح فرصة لتماثيل بيترفيشر الجميلة لتيودوريك وأرثر. ولو كان ماكسمليان عظيما بقدر عظمة أفكاره لكان نداً للإسكندر وشارلمان.
وفي آخر سنة من حكم الإمبراطور رسم ديرر صورة أمينة له - تمثله منهوك القوي وقد انزاحت عنه الأوهام، وكسر شوكته بؤس الزمن المثير للجنون. وقال هذا الرجل الذي كان يوماً روحاً مرحة "ليس في الأرض




صفحة رقم : 8152




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة


مسرة لي. وا أسفاه على أرض ألمانيا السكينة" ولكنه بالغ في الحديث عن فشله، فقد ترك ألمانيا والإمبراطورية (ولو لم يكن هذا عن طريق التنمية الإقتصادية) أقوى مما وجدهما عليه إذ ارتفع عدد السكان وانتشر التعليم وبدأت فيينا تصبح فلورنسا أخرى. وسرعان ما صار حفيده، الذي ورث نصف أوروبا الغربية، أقوى حاكم في العالم المسيحي.




صفحة رقم : 8153




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان



3- الألمان




(1300 - 1517)


ربما كانوا إبان ذلك العهد أصح الشعوب أبداناً وأقواهم جسداً وأشدهم حيوية في أوروبا، فإنهم، كما نراهم في لوحات فولجيموت وديرر وفي صور كراناخ وهولبين، أناس أقوياء البنية غلاظ الأعناق كبيرو الرؤوس، لهم قلوب سوداء، على تمام الأهبة لالتهام العالم، واستساغته بشراب الجعة. كانوا أجلافا ولكنهم ظراف تخفف من ورعهم نزواتهم الشهوانية. وكان في وسعهم أن يكونوا غلاظ الأكباد كما تدل على ذلك أدوات التعذيب المروعة التي اعتادوا استخدامها مع المجرمين؛ ولكنهم مع ذلك كانوا رحماء كرماء قلما عرضوا تزمتهم الديني بوسائل بدنية، إذ لقيت محاكم التفتيش في ألمانيا مقاومة باسلة وكان نصيبها القمع عادة. لقد جبل الألمان بنفوسهم القوية على المرح الذي يتسم بإدمان الشراب أكثر مما يتسم بالفطنة الجافية، ولقد أدى هذا كله إلى تبلد حسهم بالمنطق والجمال وحرمهم من ظرف العقلية الفرنسية أو الإيطالية ودهائها وتعثرت نهضتهم الهزيلة في غمرة حماستهم الزائدة لتفسير الكتاب المقدس ومع ذلك فقد كان عندهم إصرار ثابت وصناعة منظمة وشجاعة فائقة في الفكر الألماني مكنتهم من كسر شوكة سلطان روما وأتاحت لهم فرصة أن يصبحوا أعظم علماء في التاريخ. وهم شعب نظيف بالقياس إلى غيرهم من الأمم فالاستحمام عادة وطنية. وكل بيت حسن التنسيق فيه حمام حتى في المناطق الريفية. والحمامات العامة العديدة توفر أكثر من حمام




صفحة رقم : 8154




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


إذ يستطيع الرجال هناك أن يحلقوا ذقونهم وتستطيع النساء أن يصففن شعورهن كما كانت توفر فيها ضروب مختلفة من التدليك وكان يسمح فيها بالشرب والمقامرة ويمكن أن يجد فيها كل من يضيق ذرعاً بالزوجة الواحدة خلاصاً. وكان الناس من الجنسين يستحمون عادة معاً وهم يرتدون ملابس محتشمة وإن لم تكن هناك قوانين تحرم المغازلة، ولقد قال أحد الدارسين الإيطاليين بعد أن زار بادن - بادن عام 1417: "ليست هناك في العالم حمامات أكثر ملاءمة من هذه لإنجاب النساء".
ولا يمكن أن يتهم الألمان إبان ذلك العهد بأنهم من أنصار مذهب التطهير إذ كان حديثهم ورسائلهم وأدبهم ومرحهم تتسم أحيانا بالجفاء إذا قيست بمعايير عصرنا، ولكن هذا يتفق مع قوة أبدانهم وأرواحهم، فهم من جميع الأعمار يشربون ويفرطون في ممارسة الجنس إبان شبابهم. وكانت مدينة ارفورت عام 1501 في نظر لوثر الورع لا تفضل ماخوراً أو مشرباً للجعة. ولقد وافق الحكام الألمان - من رجال الدين ومن العلمانيين على السواء على رأى سانت أوجستين والقديس توما الأكويني بأنه يجب أن يسمح بالبغاء إذا كانت النساء بمنأى عن الإغراء أو الاغتصاب. وكانت بيوت البغاء تحصل على ترخيص وتفرض عليها ضريبة. وإنا لنقرأ عن أساقفة ستراسبورج وماينز الذين كانوا يحصلون على دخول من المواخير بل إن أسقف فيرتسبورج أعطى ماخوراً تابعاً للبلدية إلى جراف فون هيننبرج باعتباره إقطاعية تدر دخلا. وكانت الضيافة لكبار الزوار تشمل وضع بيوت للسيدات تحت تصرفهم، وقد كرم الملك سيجموند بهذا الامتياز في برن (1414) وفي أولم (1434) بإخلاص أرضاه كل الرضا حتى أنه شكر مضيفه علنا من أجله، والنسوة غير المرخصات كنّ ينشئن أحياناً بيوتاً غير قانونية، وفي عام 1492 شكت البغايا المرخصات للعمدة من هذه المنافسة غير العادلة فحصلن عام 1508 على إذن بمهاجمة البيوت غير القانونية وقمن




صفحة رقم : 8155




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


بذلك فعلا، وكان التردد على بغي يقابل بالصفح باعتباره خطيئة مغتفرة، وإن كانت طبيعية، وذلك في نظر القانون الأخلاقي الساري في أوروبا في أواخر العصور الوسطى، ولعل انتشار الزهري بعد عام 1492 جعل منه وباء فتاكاً.
وكان الزواج إتحاداً بين الملكيات كما هو الشأن في كل مكان آخر والحب يعد نتيجة طبيعية للزواج لاسبباً معقولا له. وكانت الخطبة ملزمة كالزواج والزفاف يتم في حفلات مترفة بين جميع الطبقات. وربما استمرت الاحتفالات أسبوعاً أو اثنين وكان شراء الزوج يكلف غاليا كالاحتفاظ بالزوجة. وكان للذكر نظرياً سلطة مطلقة ولكنها كانت أكثر واقعية في الأفعال منها في الكلام. ونلاحظ أن السيدة ديرر كان لديها كلام كثير تقوله لزوجها. وقد كانت نساء نورمبرج من الجرأة بحيث اجتذبن الإمبراطور ماكسمليان وهو نصف عار من الفراش وألقين غطاء حول جسمه ثم إستقنه في رقصة ليلية مرحة إلى الشارع.
وتذهب أسطورة قديمة إلى أن بعض الرجال من الطبقات العليا في القرن الرابع بألمانيا كانوا يضعون حزاماً للعفة "من الحديد حول وسط زوجاتهم وأفخاذهن ويغلقونه بقفل ويأخذون معهم المفتاح وذلك عندما يسافرون في رحلات يغيبون فيها طويلاً عن الوطن. وثمة آثار لهذه العادة في البندقية بالعصور الوسطى في فرنسا وفي القرن السادس عشر وإن كانت الزوجة أو العشيقة تلبس الحزام طواعية وتعطي المفتاح للزوج أو العشيق ضماناً لإخلاصها للزوج أو العشيق.
وازدهرت حياة الأسرة. ويحصى سجل تاريخي بارفوت ثمانية أو عشرة أولاد لكل زوجين في المعدل ولم تكن الأسرة التي تضم خمسة عشر ولداً بالنادرة، وهذه الأعداد تشمل أبناء السفاح لأن الأطفال غير الشرعيين، اللذين كثروا كانوا يؤخذون عادة إلى بيت الوالد بعد زواجه. وشاع استخدام الألقاب في القرن الخامس عشر وكثيراً ما أشارت




صفحة رقم : 8156




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


إلى مهنة السلف أو إلى موطنه الأصلي وإن كانت بين آن وآخر تجمد دعابة لحظة في صراحة الزمن. وكان يراعي الضبط والحزم في البيت وفي المدرسة، بل إن ماكس الذي صار إمبراطورا فيما بعد كثيراً ما تلقى الصفعات، ويبدو أن هذا لم يسبب ضررا إلا للأب أو المدرس. وكانت البيوت الألمانية وقتذاك (1500م) أكثر البيوت راحة في أوروبا إذ كانت درجاتها متسعة ولها درابزين متين وفيها أثاث ضخم ومقاعد وثيرة وخزائن منحوتة ونوافذها من الزجاج الملون وأسرة لها كلة وجدرانها مطنفسة وأرضيتها مكسوة بالسجاد وفيها مواقد منبعجة ورفوف تزخر بكتب أو أزهار أو آلات موسيقية أو عليها طبق فضي ومطابخ تتألق بكل الأوعية الصالحة لإقامة مأدبة ألمانية.
وشيدت البيوت من الخارج في عظمها من الخشب، وكثيراً ما شبت فيها الحرائق، وكانت الطنف المتدلية والشرفات تظلل الطرقات، ولم يكن في المدن الكبيرة إلا قليل من الطرقات المرصوفة، ولم تعرف إنارة الشوارع إلا في ليالي الأعياد وكانت الحياة خارج البيوت غير مأمونة بالليل. وكان صغار المجرمين ينافسون في الكثرة الخنازير والبقر التي كانت تهيم في الطريق على غير هدى. ولم تكن هناك شرطة نظاميون، وكانت توقع عقوبات صارمة لردع الجريمة فقد كانت عقوبة السرقة الموت أو قطع الأذنين في حالة السرقة الخفيفة. وكانت تقطع ألسنة الكفار والمجدفين أما المنفيون الذين يعودون إلى نومبرج دون مبرر شرعي فكانت تسمل عيونهم. وكانت النساء اللاتي يقتلن أزواجهن يدفن أحياء أو يعذبن بملاقط تسخن إلى درجة الاحمرار ثم يشنقن. ومن بين آلات التعذيب التي عرضت فيما مضى في شلوس أو قلعة نورمبرج صناديق ممتلئة بأحجار مدببة يسحق بها جسد الضحية وتروس تمد بها أطرافها ومواقد لحرق كعوب أقدامها وإطارات مدببة من الحديد لثنيها من الجلوس أو الاستلقاء أو النوم ثم العذراء




صفحة رقم : 8157




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


الحديدية الملعونة التي كانت تستقبل المحكوم عليه بذراعين من الصلب وتحيطه بهما في حضن شائك ثم ترخي ذراعيها وتدعه يسقط دامي الجسد من أثر اختراق المسامير محطم العظام ليموت موتاً بطيئاً في جب تدار فيه مدى وقضبان مدببة.
وساوت الأخلاق السياسية الأخلاق العامة في انحلالها فتفشت الرشوة وبلغت أقصاها في قمة الكيان الاجتماعي، وشاع الغش في السلع وذلك على الرغم من دفن رجلين وهما على قيد الحياة في نورمبرج لغشهما النبيذ (1456)، وكانت التجارة - التضحية بالأخلاق في سبيل المال - قوية في جميع الأعمار، فالمال لا الإنسان هو مقياس كل شئ، ومع ذلك فإن هؤلاء الأوساط المتزاحمين المتدافعين من المواطنين تبرعوا بمبالغ كبيرة على سبيل الإحسان. وكتب لوثر: "في العهود البابوية كان الناس يتبرعون بكلتا اليدين في جذل وبولاء عظيم. كانت السماء تمطر صدقات وإنشاءات وهبات. كان أجدادنا من السادة والملوك ومن الأمراء وغيرهم من الشعب، يتبرعون بسخاء، أجل، إلى درجة تغمر كل شئ، للكنائس والأبرشيات والمنح الدراسية والمستشفيات، ومن دلالات هذا العهد الدنيوي أن كثيراً من تركات المحسنين أو قفت" لا على الهيئات الدينية فحسب" ولكن على مجالس المدن لتوزيعها على الفقراء.
وأصبحت الأخلاق أشد جفاء في فرنسا وإنجلترا وفي ألمانيا أيضا عندما خلفت حكومة السراة بالمال حكومة الأرستقراطية بالميلاد في السيطرة على الاقتصاد. وكان السكر رذيلة وطنية وقد ندد به كل من لوثر وهوتن على الرغم من أن هوتن فضله على "مخاتلة الإيطاليين وسرقة الأسبان وزهو الفرنسيين" ولعل بعض الانغماس في الشراب يرجع إلى التوابل الحريفة التي استخدمت في إعداد وجبات الطعام. ولقد أعوز




صفحة رقم : 8158




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


التهذيب آداب المائدة ووصلت "الشُّوَك" إلى ألمانيا في القرن الرابع عشر ومع ذلك فقد آثر الرجال والنساء أن يستخدموا أصابعهم في تناول الطعام. بل ان واعظا في القرن السادس عشر أدان "الشوَك" باعتبارها مخالفة لإرادة الله " الذي لو كان يريد منا أن نستخدم الشوك لما منحنا أصابع".
وكان اللباس فخماً، أما العمال فكانوا يكتفون بارتداء قلنسوة أو قبعة من اللباد وقمصان قصيرة وسراويل متداخلة - أو تحشر في أحذية طويلة الرقبة، وكانت الطبقات الوسطى تضيف إلى هذه الملابس صدرية وسترة مفتوحة مبطنة أو تزين حوافها بالفراء. وكان ذوو الأنساب يدخلون في منافسة محمومة مع جامعي الجلدرات في روعة ثيابهم. وكانت قبعات الرجال عند هاتين الطبقتين عبارة عن لفائف معقدة متسعة من القماش الثمين تزين حافاتها أحيانا بالريش أو الشرائط أو اللآلئ أو الذهب، أما القمصان فكانت من الحرير غالبا، كما كانت الأثواب الخارجية الزاهية تبطن بالفراء وربما تخللها خيوط من الفضة. وكانت الثريات من النساء يضعن على رؤوسهن تيجانا من الذهب أو قلانس مطرزة بالذهب ويضفرن شعورهن بخيط ذهبي، وأما العذارى الخفيرات فكن يغطين رؤوسهن بمناديل من الموسلين يربطنها تحت الذقن.
وقد زعم جايلر فون كايزرسبرج أن النساء الأنيقات كن يمتلكن خزائن للملابس تقدر بنحو 4000 فلورين (10.000 دولار؟) وكان الرجال يحلقون ذقونهم ويعنون بشعر رؤوسهم ويعنون بتعهد ضفائرهم. لاحظ خصلات شعر ديرر التي كانت موضع اعتزازه وخصائل شعر ماكسمليان الجميلة. واتخذت الخواتم شعارا على الطبقة الاجتماعية أو للتخييل بالانتماء إليها كما هو الحال الآن، وقد قال كونرادوس سيلتس إن الأزياء تغيرت في ألمانيا بسرعة أكبر منها في أي مكان آخر، وحدث هذا كثيراً




صفحة رقم : 8159




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


في أزياء الرجال وفي أزياء النساء. وربما فاق الرجال النساء في فخامة الزي في مناسبات الأعياد.
وكانت المهرجانات متعددة وهي استمرار لروح القرون الوسطى المولعة بالتظاهر وعرض المرح مع تأجيل العمل والتحلل من الوصايا العشر. وكان عيد الميلاد لا يزال يتسم بالمسيحية على الرغم مما صاحبه من الآثار الوثنية. وأما شجرة عيد الميلاد فإنها ابتدعت في القرن السابع عشر.
وكانت كل مدينة تحتفل بمهرجان أو عيد لقديسها الحامي لها وكان الرجال والنساء يرقصون معا في الشوارع ويسود المرح الجميع وكأنه أمر محتوم، ولا يمكن لأي قديس أو واعظ أن يقلل من بهجة العربدة العنيفة. وكان الرقص يتحول أحيانا إلى جنون وبائي كما حدث في متيز وكولونيا واكس عام 1374 أو في ستراسبورج عام 1412. كان بعض من يعانون من رقصة سانت فيتوس في بعض هذه الحالات يلتمسون الشفاء من كانوا يعتقدون أنه مس شيطاني وذلك بالرقص حتى يسقطوا من الإعياء كما يفعل بعض الشبان المتهوسين اليوم. ووجد الرجال متنفسا لغرائزهم في الصيد والقنص أو في ممارسة رياضة المبارزة القاتلة. وكان آلاف الرجال والنساء يسافرون متذرعين غالبا بحجة التردد على مزار وينتقلون في ابتهاج أليم على صهوة الجياد أو على ظهور البغال أو في عربات أو على مقاعد تحمل على الأكتاف ويتحملون مشاق الطرق غير الممهدة والخانات القذرة. وكان بعض الأشخاص المرهفي الحس يسافرون كلما أمكنهم ذلك، بالقارب على صفحة نهر الراين ونهر الدانوب أو على غيرهما من مجاري الماء في وسط أوروبا. وما إن حل عام 1500 حتى كانت هناك خدمة بريدية متاحة للجميع تربط المدن الكبرى.
والكل معا في الصورة رجل واحد من شعب قوي ناشط سعيد




صفحة رقم : 8160




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان


لا يرضى بعد أن يرسف في أغلال الإقطاع أو ظلم روما. وقد غلب بالاعتزاز بالقومية الألمانية كل انقسام سياسي، وكبح جماح الأباطرة الذين رأوا أنفسهم فوق الوطن، والبابوات الذين اعتقدوا أنهم فوق الطبيعة، وهكذا قدر للإصلاح الديني أن ينتصر على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وعلى البابوية أيضا. وفي عام 1500 نشبت الحرب بين التيوتون والرومان وكان النصر مرة أخرى حليف ألمانيا كما حدث في القرن الخامس من قبل.




صفحة رقم : 8161




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني



4- نضج الفن الألماني


وقدوم هذا العهد الجديد إنما يتجلى مظاهره في الفن. وربما كان من العسير علينا أن نصدق هذه الحقيقة. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الطلب كان يتزايد على الفنانين الألمان في أوربا بسبب تفوقهم في كل فن حرفي، في أشغال الخشب والحديد والنحاس والبرونز والفضة والذهب والحفر والتصوير والنحت والعمارة، وذلك في أوج عصر النهضة الإيطالية من مولد ليوناردو (1452)إلى وفاة رافاييل (1520). ولعل فيليج فابري الأولمي قد كتب عام 1484 بدافع الوطنية أكثر منه بدافع عدم التحيز وها هو يقول: "عندما يريد أي امرئ أن يحصل على قطعة مصنعة من الدرجة الأولى من البرونز أو الحجر أو الخشب فإنه إنما يستخدم حرفياً ألمانيا. لقد رأيت صانعي مجوهرات وصاغة وقاطعي أحجار وصانعي عربات من الألمان وهم ينتخبون آثارا رائعة بين الغزاة المسلمين بل إنهم فاقوا اليونان وبزوا الإيطاليين في الفن. وبعد نحو خمسين عاما اكتشف إيطالي آخر أن هذا لا يزال صحيحاً فقد كتب باولو جيوفو: "إن الألمان يكتسحون أمامهم كل شئ في الفن ولا يسعنا نحن الإيطاليين الخاملين إلا أن نبعث لألمانيا في طلب عمال مهرة". واشتغل المهندسون المعماريون الألمان لحساب




صفحة رقم : 8162




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


فلورنسا وأسيسي وأرفييقو وسيينا وبرشلونة وبورجوس واستدعاهم ذوو الشأن لإتمام "القبة" في كاتدرائية ميلان. وقد خلب فايت ستوس ألباب الأهلين في مدينة كراكاو، وحظى ديرر بتكريم البندقية، واكتسح هوالبين الصغير إنجلترا.
وبلغت العمارة الكنسية أوجها في القرنين الثالث عشر والخامس عشر. ومع ذلك فإن أبناء جيل واحد من المواطنين في ميونخ شيدوا على الطراز القوطي الأخير، كنيسة سيدتنا وقاعة المدينة القديمة "أولدتان". وفي العقدين الأولين من القرن السادس عشر أتمت فرايبورج في ساكسونيا (منصة جوقة الترتيل) وشيدت أوجسبرج بيعة آل فوجر، وانتهت كاتدرائية ستراسبورج من بناء بيعة لورانس، وأضيفت مشربية جميلة إلى مقر كان الأبرشية في كنيسة سيبالدوسكيرس في نورمبرج. وفي مجال عمارة البيوت في هذا العهد شيدت أكواخ جذابة بأسقفها من القرميد الأحمر، وطبقاتها العليا مصنوعة من الخشب، وشرفاتها تجملها الأزهار وطنف رحبة تحمي النوافذ من الشمس أو الجليد. وهكذا واجه الألمان، بما عرف عنهم من إقدام، ارتفاع جبال الألب البافارية في مناخ ميتنفالد الصعب بجمال بيوتهم البسيط الحبيب.
وكان النحت من أمجاد هذا العصر. فازداد عدد صغار النحاتين، وكان من الممكن أن يلمعوا ويصبحوا نجوماً كبيرة لو قدر لهم أن يكونوا في مجرة أقل إشراقاً: نيكولاس جيرهارت وسمون لاينبرجر وتيلمان ريمنشنيدر وهانزباكوفن، وها هي نورمبرج وحدها تنجب في جيل واحد ثالوثاً من الأساتذة لا يكاد يبزهم أحد في عهد مماثل بأية مدينة في إيطاليا. ولا شك أن حياة فايت ستوس تصلح أن تكون قصة مدينتين؛ فقد تربى في نورمبرج، وحاز قصب الشهرة مهندس وبان للجسور ومعماري وحفار ونحات ومصور، وعندما بلغ الثلاثين من عمره ذهب إلى كراكاو وقام هناك بأحسن أعمال على الطراز القوطي الأخير المشع الذي عبر به عن ورع البولنديين وقابليتهم




صفحة رقم : 8163




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


للإثارة في الوقت نفسه. وعاد إلى نورمبرج (1496) ومعه ما يكفي من الأموال لشراء بيت جديد ولعقد قرانه على زوجة ثانية، وقد أنجبت منه خمسة أطفال أضافتهم إلى أولاده الثمانية من زوجته السابقة... واعتقل فيت وهو في أوج مجده لأنه شارك، وربما كان هذا عن غير قصد، في عملية تزييف، ودمغ بإحراق خديه معاً وحرم عليه أن يغادر نورمبرج مرة أخرى، غير أن الإمبراطور ماكسمليان عفا عنه وأعاد له حقوقه المدنية (1506) ومع ذلك فإن ستوس ظل منبوذاً من المجتمع إلى أن انتهت حياته الطويلة المؤلمة. وفي عام 1517 حفر مجموعة كبيرة من الأعمال تمثل بشارة التحية الملائكية، وأحاط تمثالين - يعدان من أعظم أعمال النحت الخشبي وأقربها إلى الكمال - بإكليل من الورد وأحاط هذا بسبحة ألحق بها سبع رصيعات كبيرة تصور أفراح العذراء وتوج الجميع، وهي كلها من خشب شجر الزيزفون من مخلفات الأيام السعيدة في المدينة الكبيرة. وحفر ستوس لكنيسة سيبالدسكريش صليباً من الخشب لا يضارعه أبداً صليب آخر من نوعه (1520). وفي هذا العام حصل له ابنه أندرياس، بصفته رئيس دير رهبان الكارميليت بنورمبرج، على أتعاب مقابل تصميم مذبح لكنيسة في بامبرج. وبينما كان الفنان منهمكاً في هذا العمل استولى أنصار الإصلاح الديني على نورمبرج واستبدل بأندرياس راهب آخر لأنه ظل كاثوليكيا. وتشبث فيت نفسه بالعقيدة النيرة التي استلمها في فنه. وتوقف دفع أتعابه عن عملية المذبح وظل العمل ناقصاً. وأمضى ستوس السنوات العشرة الأخيرة من حياته كفيفاً يعتزل الناس وهو كظيم. فقد ماتت قبله زوجتاه وهجره أولاده، ونبذه الناس في عصر استغرقتهم فيه دراسة اللاهوت، ولم يدركوا أنهم إنما كانوا يفقدون عام 1533 أعظم حفار على الخشب في التاريخ وهو في الثالثة والتسعين.




صفحة رقم : 8164




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 07-03-11, 08:28 صباحاً   رقم المشاركة : [269]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


وعاش في نفس المدينة وفي هذا العهد فنان في أشغال البرونز مبرز أيضاً في أسلوبه وإن كان قد عاش حياة هادئة هانئة. وقد صور بيتر فيشر الأكبر نفسه في كوة بجدار، وتعد هذه الصورة من أشهر إنتاجه، ونراه بها عاملاً بسيطاً جاداً قصير القامة مكتنز الجسم، ذا لحية كاملة يرتدي مئزراً جلدياً حول وسطه ويمسك بيديه مطرقة وأزميلا. وقد كرس هو وخمسة من أبنائه عشر عاماً(1508 - 1519) لإتمام رائعتهم مقبرة زيبالد، القديس الحامي لنورمبرج. وتكلف المشروع كثيراً ونفذت الأموال المخصصة له، ومع ذلك لم يتم إنجاز العمل، وعندئذ حث أنتون توخر المواطنين على الاكتتاب في مبلغ 800 جيلدر (20.000 دولار؟) كان يحتاجه المشروع. وهذه الرائعة لا تثير الإعجاب لأول نظرة، ويبدو أنها لا تضارع هيكل أوركانيا في فلورنسا (1348)، ثم إن الحلزونات والدلفينات، التي يرتكز على ظهورها البناء، ليست على الأرجح حاملات لمثل هذا الثقل الهائل، إلا أن فحصها عن قرب يكشف عن كمال مذهل في أجزاء البناء. والتابوت الرئيسي المصنوع من الفضة مزين بأربع رسوم بارزة تمثل معجزات القديس.. وترتفع حوله الأعمدة البرونزية لظلة من الطراز القوطي، عليها نقش دقيق من زخارف عصر النهضة، وتتصل من أعلى بعقد معدني جميل على الأعمدة، حول القاعدة، وفي الطنف، وفي كوات الظلات العليا صور الفنانون سكانا حقيقيين من الوثنيين، وتماثيل لعبريين أو مسيحيين - تريتونات (آلهة البحر) وقنطروسات ونيريدات (حوريات البحر)، وسيرانات وموزيات والفاونات وهرقل وتيزيوس وشمشون والأنبياء وعيسى والرسل وملائكة يعزفون ألحاناً أو يلهون مع أسود أو كلاب، وبعض هذه التماثيل لا يزال في صورة بدائية، وكثير منها تم نحته بدقة دنانيلو أو غييرتي، وهي كلها تسهم بوضوح في إدراك متنوع للحياة. وتضارع




صفحة رقم : 8165




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


تماثيل بطرس وبولس ومتى ويوحنا لوحة(الرسل الأربعة) التي صورها ديرر بعد سبع سنوات في نورمبرج نفسها.
ويقال إنه لم يأتي إلى نورمبرج في هذه العقود الأولى من القرن السادس عشر أمير أو حاكم إلا وزار مسبك بيترفيشر. وقد ألح الكثيرون في طلب أعماله الفنية. وعرض عدد كبير من الكنائس أعماله من الشمعدان النحاسي الكبير في كنيسة لونز وقبر ماكسمليان الأول في أنزبروك. وحذا أولاده الخمسة حذوه في النحت وإن كان اثنان منهم قد وافتهما المنية قبله. ومعروف أن هرمان فيشر الأصغر الذي مات في الحادية والثلاثين من عمره (1517) قد سبك زخرفاً بارزاً جميلا من البرونز لمقبرة الكردينال كازيمير في كاتدرائية كراكاو.
وكما تفوق آل فيشر في أشغال البرونز وفيت ستوس في أعمال الخشب فإن آدم كرافت بز كل معاصريه في النحت على الحجر. وقد صوره المؤرخون الألمان هو وبيتر فيشر الأكبر وسباستيان لينديناست (الذي صمم تماثيل الأمراء المتملقين على ساعة كنيسة العذراء) في صورة فنانين وأصدقاء أوفياء، "كانوا مثل الأخوة. كانوا يلتقون كل يوم جمعة، حتى عندما بلغوا من الكبر عتياً، ويدرسون معاً كأنهم صبية يتمرنون حسبما تدل عليه التصميمات التي نفذوها في اجتماعاتهم. ثم كانوا يفترقون وقد ألهاهم العمل عن تناول الطعام أو الشراب". ولعل آدم ولد في نفس العام الذي ولد فيه بيتر (1460؟) وكان مثله في البساطة والأمانة والورع والشغف برسم صورته الشخصية. ونحت عام 1492 لكنيسة زيبالدوس مقبرة لزيبالدوس شرييار عليها نقوش بارزة تمثل آلام المسيح عند الصلب والبعث وأعجب هانز رامهوف، وهو تاجر ثري بهذه البراعة فعهد إلى كرافت أن يصمم كأساً يحمل خبز ونبيذ القربان المقدس في كنيسة لورنتس




صفحة رقم : 8166




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


قام آدم بصنع بيت القربان المقدس على هيئة هيكل رشيق عال من الطراز القوطي الأخير ويعد معجزة في الصياغة الدقيقة للحجر يرتفع طبقة بعد طبقة حتى يبلغ ارتفاعه أربعة وستين قدماً، ويستدق ليصبح قوساً يشبه رأس صولجان الأسقف، وتنبض الأعمدة بالحياة إذ تزخر برسوم القديسين، أما أبواب "البيت" فتحركها الملائكة، وأما الأوجه المربعة فقد نقش عليها رسوم بارزة تمثل مناظر من حياة المسيح، ويرتكز البناء الطلق الهواء كله بطريقة غريبة على ثلاثة تماثيل جاثية - آدم كرافت واثنان من مساعديه. وليس في الصورة الشخصية أي أثر للتملق، فالملابس بالية ومهلهلة من أثر الكد والنصب، والأيدي خشنة واللحية كثة والوجه العريض المرفوع إلى أعلا منكب على تصور العمل وتنفيذه. وعندما انتهت هذه الرائعة التي تأخذ بالألباب عاد كرافت إلى موضوعه الأثير فنحت سبع أعمدة من الحجر الرملي عليها مناظر تمثل آلام المسيح عند الصلب منها ستة موجودة الآن بالمتحف الألماني وأحدها واسمها "الدفن" تمثل الفن التيوتوني الأنموذجي وتمتاز بواقعية جريئة لا تحتاج إلى استكمال وتنطوي على الورع والإيمان.
واستمرت الفنون الصغرى في انتهاج نفس الصنع وطرق نفس الموضوعات وكان رسامو المنمنمات لا يزالون تنهال عليهم الطلبات للحفاظ على الطوائف الحرفية الناجحة. ورسم كبار الفنانين أمثال ديرر وهولبين تصميمات للزجاج الملون وليس من شك في أن هذا الفن الذي تدهور في فرنسا وإنجلترا وصل آنذاك إلى ذروة الإتقان في ألمانيا. وفي هذه الفترة حصلت كنيسة لونز وكاتدرائية أولم وكولونيا على نوافذ لها شهرة عالمية، ولم تكن هذه النوافذ مقصورة على الكنائس، فقد كان في دور النقابات الحرفية والقلاع بل وفي البيوت الخاصة بعض نوافذ من الزجاج الملون. وكانت المدن من أمثال نورمبرج وأوجسبورج ويجينزبورج وكلونيا وماينز تفخر بصناعها المهرة الفنانين: وهم صانعو الأدوات المعدنية الذين




صفحة رقم : 8167




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


رفعوا من شأن المشاعل والثريات والصحاف والجرار والأقفال والصواني والصاغة الذين لقيت منتجاتهم، من الملاعق إلى الهياكل، تقديراً عظيماً في أرجاء أوربا، وعمال النسيج الذين نسجوا الطنافس والسجاجيد والثياب الكهنوتية والرداء المنمق لطبقة الأشراف، والنساء المتعبدات، وكن يبلين أناملهن ويرهقن عيونهن لكسوة الهياكل والقسس بالمطرزات والحرير. ولم يكن الحفارون قط في أي عهد مضى أحسن حالا منهم في هذا العهد، فإن ميكائيل فولجيموت قد حفر من الخشب أثنى عشر محراباً من أروع الأعمال، إلى جانب الرسم على الفنانين بديعتين لكنيسة لورنتس، ثم علم ديرر كيف يفوقه في هذا الفن.
وتطور فن الحفر بنقش رسم على لخشب أو النحاس في القرن الخامس عشر حتى أصبح فناً ناضجاً يجله الناس تماماً كالتصوير. وهذبه كبار المصورين ووصل به مارتن شونجاور إلى درجة الكمال. وبعض أعماله في الحفر-تعذيب المسيح وعمل الصليب والقديس جون في ياتموس وأغواء القديس أنتونى، تعد من أعظم الأعمال الفنية في كافة العهود.
وأصبح الفن الإيضاحي في الكتب بوساطة النقوش مناسبا وشائعة وسرعان ما حل محل الزخرف وتضاعف عدد أشهر اللوحات في هذا العهد بأعمال الحفر التي كانت تباع في أكشاك في المكتبات والأسواق والمهرجانات، وأظهر لوكاس فان ليدن نبوغاً مبكراً مذهلاً في هذا المجال. فقد حفر لوحته "محمد" وهو في الرابعة عشرة من عمره ولوحته "المسيح وعلى رأسه إكليل الشوك" وهو في السادسة عشرة من عمره (1510) وقارب الكمال في صورة ماكسمليان التي نقشها على النحاس واستخدم الحفر الإبري وذلك بآلة مدببة تقذف شظية أو حافة من المعدن المقتطع بطول خطوط الرسم، في صورة "سيد كتاب البيت" التي نقشها فنان مجهول حوالي عام




صفحة رقم : 8168




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


1480. أما الحفر بتغطية سطح معدني بالشمع ونقش رسم بالحفر الشمع وصب حامض لينخر في الخطوط البارزة فإنه تطور من النقش على السلاح إلى الحفر على ألواح معدنية يمكن أن تطبع بها النقوش، ويبدو أن دانييل هوبفر وهو صانع قام بصنع أول "كليشيه" سجله التاريخ عام 1504 ومارس بورجكماير وديرر الفن الجديد في غير إتقان . ولعل لوكاس فان ليدن قد تعلم هذا الفن من ديرر غير أنه سرعان ما فاقه وملك ناصيته.
وكان هذا العصر أعظم عصور ألمانيا في التصوير. وقد تأثر المصورون الألمان في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بالمدرستين الهولندية والإيطالية كما تأثروا بمصورهم مملنج المبعد عن وطنه فتدرجوا من صرامة الفن القوطي وفظاظته إلى خط يتسم بمزيد من الرشاقة، ورسم صور تتحرك في يسر في مناظر طبيعية تعكس الحياة المنزلية للبورجوازية الظافرة؛ وظلت الموضوعات الدينية هي الغالبة، وإن كانت الموضوعات الدنيوية قد أخذت تزحف قدما وأخلت النقوش الهيكلية الطريق للصور المرسومة على الخشب ولم يعد المحسنون الأثرياء يقنعون بالسير في ركاب جماعة دينية، فطلبوا أن ترسم لهم صور شخصية هم فيها كل شئ. وبرز المصورون أنفسهم من حالة إغفال الأسماء في العصور الوسطى إلى الفرديات المتميزة، وأخذوا يوقعون بإمضاءاتهم على أعمالهم تشبثا بالخلود.
ومع ذلك فإن صاحب لوحة "حياة العذراء" التي رسمت في كولونيا حوالي عام 1470 لا يزال مجهولا، وقد ترك هذا الفنان لوحة "العذراء والقديس برنار" ورسم فيها عذراء ألمانية حقيقية تعتصر من ثديها اللبن للطفل، أمام راهب ورع لا يكاد يومئ إلى كلب السماء الذي طارد أبيلارد.
ويعد ميكائيل باشير واحداً من أوائل الفنانين الذين نقلوا أسماءهم كما نقلوا أعمالهم. ولا تزال كنيسة سانت ولفجانج الأبرشية في سالتسكا مرجوت




صفحة رقم : 8169




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


تعرض النقش الهيكلي الضخم الذي يبلغ طوله ستة وثلاثين قدما والذي حفره وصوره لها في السنوات من 1479 إلى 1481 وقد أسهمت دراسة المنظور في هذا الصور المرسومة على الخشب وفي تعليم الفن الألماني.
وأظهر مارتن شونجاور في تصويره حذق حفار مثقف وحس روجير فان دير فيدن المرهف. وقد ولد شونجاور عام 1445 في أوجسبورج واستقر في كولمان وطور هناك مدرسة للحفر والتصوير لعبت دوراً عظيما في بلوغ الفنون إلى الأوج في عهد ديرر وهولبين.
وفي كل عام كانت المدن النامية في الجنوب تسلب زعامة الفن الألماني من كولونيا والشمال. وفي أوجسبورج، مركز التجارة مع إيطاليا، أدخل هانز بورجكماير في لوحاته لمسات زخرفية إيطالية ومزج هانز هولبين الأكبر الزخرف الإيطالي برصانة الطراز القوطي. وخلف هانز فنه لولديه أمبروز وهانز اللذين صورهما باعتزاز في لوحاته. ولم يلمع اسم أمبروز في التاريخ ولكن هانز الصغير أصبح أحد أمجاد ألمانيا وسويسرا وإنجلترا، وكان أعظم سلف لديرر هو ماتياس جوتهارت الذي أصبح معروفا للخلف باسم ماتياس جرونيفالد بسبب خطأ ارتكبه أحد الباحثين. وقد تعلم سحر المصور من شونجاور في كولمار وذلك في مجال الوراثة الاجتماعية القديمة جدا للفن. ثم أضاف إليها تعطشه للشهرة والوصول إلى الكمال وتدرب في أناة في غنت وشبييار وفرانكفورت واختار ستراسبورج موطنا له (1479). ولعله رسم هناك أول رائعة له وهي صورة شخصية ثنائية لفيليب الثاني صاحب هانو - ليختنبرج وزوجته. والحق أن ديرر نفسه لا يستطيع أن يبزها لما يتجلى في هذه اللوحة من إدراك عميق وجمال في التنفيذ. وعاد جرونيفالد للتجوال من جديد وعمل بعض الوقت مع ديرر في بازل حيث رسم "صورة رجل" المعروضة الآن في نيويورك ثم قام




صفحة رقم : 8170




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني


مرة أخرى بأعمال حفر في الخشب مع ديرر في نورمبرج. واستقر عام 1503 في زليجنشتادت وهناك طور في نهاية الأمر أسلوبه المتميز الناضج - رسم مناظر من الإنجيل بإحساس مرهف ومقدرة هائلة. وعينه كبير الأساقفة ألبرخت مصورا للبلاط في ماينز (1509) ولكنه عزل جرونيفالد عندما أصر على الثناء على لوثر (1526). وتزوج وصادفه سؤ الطالع ثم انسحب وعاش في عزلة تقبض الصدر لعلها ألقت بعض الظلال السوداء على التظليل في فنه.
ومن أروع أعماله - وربما كان أعظم أعمال التصوير الألماني - الهيكل المتعدد الثنيات الذي أعده لدير في آيزن عام 1513 ويعرض اللوح الأوسط العذراء وابنها بلون ذهبي يشع بالضياء على طريقة الفنان تورنر، على مهاد من البحار النائية، ولكن اللوح البارز الذي لا ينسى رسمت عليه صورة بشعة لصلب المسيح: تمثله وهو في النزع الأخير وقد غطت جسده الجروح والعرق الممتزج بالدم، وأطرافه تتلوى من الألم، ومريم مغشي عليها بين ذراعي القديس يوحنا، وماجدالين تتميز غضباً ويرتسم على أساريرها حزن مريب، ولا تزال هناك ألواح أخرى يمكن أن تكون في ذاتها لوحات عظيمة: جوقة من الملائكة بأسلوب قوطي في البناء المعماري تتداخل فيه الألوان الحمراء والبنية الزاهية، ولوحة مرعبة اسمها "إغواء القديس أنتوني" وصورة للقديس نفسه، وناسك في غابة تزخر بالأرواح الشريرة والأشجار التالفة، وكابوس بوشي يبدو أنه يرمز إلى أحلام أنتوني. وفي غلبة اللون والضوء والإحساس بالخط والشكل والتصور فإن هذه السورة المسرحية في المقدرة التصويرية هي ذروة التصوير الألماني القوطي قبيل انتصار الخط والمنطق في فن ديرر الذي مد يديه في اشتياق إلى إنسانية وفن عصر النهضة الإيطالي على الرغم من تشبثه بصوفية ألمانيا في العصور الوسطى.




صفحة رقم : 8171




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر



5- ألبرخت ديرر




(1471 - 1517)


لم يسبق لأمة أخرى غير ألمانيا أن اختارت بالإجماع أحد أبنائها ليكون ممثلا لها في الفن- فقد وقع اختيار البروتستانت والكاثوليك وأهل الشمال وأهل الجنوب على الفنان ديرر. وفي اليوم السادس من أبريل عام 1928، وبمناسبة الذكرى السنوية الأربعمائة لوفاته طرح الريخستاج في برلين ومجلس المدينة في نورمبرج الأمور السياسية والمذهبية جانباً، وذلك لتكريم فنان تحبه ألمانيا أكثر من أي فنان آخر. وفي غضون ذلك عرض خبراء الفنون دون طائل مبلغ 1.000.000 دولار لشراء لوحة - اسمها "عيد أكاليل الورد"، وهي لوحة تقاضى عنها ديرر مبلغ 110 جيلدر (2.750 دولار؟).
وكان والده الهنغاري صائغا استقر به المقام في نورمبرج. وكان ألبرخت الابن الثالث من ثمانية عشر ولدا مات معظمهم في سن الطفولة وتعلم الولد في مرسم أبيه كيف يرسم بالقلم الرصاص والفحم والريشة وكيف يحفر بالنقاش، ودرب نفسه على قوة الملاحظة وتمثيل الأشياء والموضوعات بتفصيل لا يعرف الكلل، حتى أن كل شعرة تقريباً في بعض لوحاته تبدو وكأنها تلقت ضربة خاصة بها وحدها من الفرشاة. وكان الوالد يأمل أن يخلفه ابنه في حرفته كصائغ إلا أدعن لرغبة الشاب في أن يتوسع في نطاق فنه. فأرسله إلى فولجيموت ليتمرن هناك (1486) وتدرج ألبرخت في عمله ببطئ ومكنت له عبقريته في الطموح والمثابرة والصبر. وقال: "لقد حباني الله بفضيلة الجد فحسن تعليمي ولكني اضطررت أن أتجاوز عن قدر كبير من الإزعاج الذي سببه لي أعوانه" ونظراً لأنه لم تسنح له فرصة كبيرة لدراسة الجسم العاري فإنه تردد على الحمامات العامة ورسم أجساماً في جمال أبولو وذلك بقدر ما سمحت له الظروف هناك. وكان هو نفسه يحاكي




صفحة رقم : 8172




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


أبولو بعض الشيء في تلك السنوات. وقد وصفه أحد أصدقائه في اعتزاز بقوله: له جسم رائع متين البناء معتدل القوام جدير بما يحمله من عقل نبيل... وجه ذكي الملامح وعينان تلمعان وجيد طويل وصدر عريض وخصر نحيل ومنكبان قويان وساقان ثابتتان، أما يداه ففي وسعك أن تقول إنك لم تر قط يدين تبزهما في الرشاقة. أما حديثه فعذب شائق حتى ليتمنى المرء ألا ينتهي أبداً.
واجتذبته أعمال الحفر التي قام بها شونجاور فاتخذ طريقه إلى كولمار (1492) وإذا به يجد الأستاذ قد مات فتعلم قدر المستطاع من إخوة شونجاور ثم رحل إلى بازل حيث تعلم من جرونيفالد أسرار الفن الديني الخالص وكان قد أصبح رساماً بارعاً. وتحمل طبعة من رسائل سان جيروم نشرت في بازل عام 1492 على صفحتها الأولى صورة شخصية للقديس رسمها ديرر، ونالت هذه الصورة استحسان النقاد حتى تنافس ناشرون عديدون للحصول على أعماله المستقبلية. ومهما يكن من أمر فإن أباه حثه على العودة للوطن ليتزوج من الفتاة التي اختارها له إبان غيابه. وعاد إلى نورمبرج واستقر هناك وعاش مع زوجته أجنس فراي (1494).
وقد رسم نفسه قبل ذلك في صورة شاب يرتدي زياً يكاد يكون زي امرأة ويصفف شعره مثلها تقريبا، معتزاً بنفسه وخجولاً في الوقت ذاته يرتاب في العالم ويتحداه، وفي عام 1498 وكان لا يزال معجباً بوسامته ولحيته أيضاً رسم لنفسه صورة شخصية في زي نبيل شاب يرتدي ملابس فاخرة وعلى رأسه قلنسوة لها شرابة تبرز منها خصل طويلة من الشعر البني، وتعد هذه اللوحة من أعظم الصور الشخصية التي رسمها فنان لنفسه في جميع العصور. ورسم نفسه مرة أخرى عام 1500 في ملابس أكثر بساطة والوجه مستطيل بين خصل غزيرة من الشعر تتهدل فوق الكتفين، وفي العينين النافذتين بريق غامض ويبدو أن ديرر رسم نفسه هنا في صورة خيالية تشبه صورة




صفحة رقم : 8173




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


المسيح لا عن زهو يتسم بالزندقة ولكن لأن له رأياً ردده كثيراً كأمر مسلم به وهو أن أي فنان عظيم هو الناطق بلسان الله وبوحي منه تعالى. وكان الغرور هو الدعامة التي يستند إليها في عمله، إذ أنه لم يضاعف من عدد صوره الشخصية فحسب، ولكنه أفسح لنفسه أيضاً مكاناً في كثير من لوحاته. وكان في بعض الأوقات يتمسك بأهداب التواضع ويدرك في أسى أن قدراته محدودة، وقال لبيركهايمر "عندما يثني علينا فإننا نشمخ بأنوفنا ونصدق كل ما قيل عنا ولكن من يدري؟ لعل أستاذا ساخرا يضحك علينا من وراء ظهورنا". أما بالنسبة لغير هذا فقد كان سليم الطوية ورعاً مخلصاً كريماً سعيداً بقدر ما تسمح الظروف.
ولم يستطيع أن يعيش مسلوب اللب مع زوجته؛ فقد انطلق إلى إيطاليا بعد زواجه بوقت قصير وخلفها وراءه. وكان قد سمع عما يطلق عليه "النمو الجديد" للفنون في إيطاليا بعد أن ظلت دفينة ألف عام. وعلى الرغم من أنه لم يسهم مطلقاً في هذا البعث للأدب الكلاسي والفلسفة والفن التي واكبت عصر النهضة فإنه كان تواقاً لأن يرى من المصدر الأصلي مباشرة ما الذي حبا الإيطاليين بهذا التفوق في الرسم والنحت والنثر والشعر. وأقام بصفة أساسية في البندقية ولم تكن النهضة قد بلغت فيها أوج الازدهار ولكنه عندما عاد إلى نورمبرج (1495) كان قد تلقى بوسيلة ما الحافز الذي أطلق شرارة طاقة الإنتاج السريعة في خلال السنوات العشر التالية. وفي عام 1507 ذهب إلى إيطاليا مرة أخرى بعد أن اقترض مبلغ مائة فلورين (2500 دولار؟) من بيركهايمر وأقام فيها هذه المرة عاماً ونصف عام .
ودرس أعمال ماتنيا وسكوارسيوني في بادو ونسخ في تواضع بعض الرسوم وسرعان ما اعترف به بليني وفنانون آخرون من البندقية رساما بارعا ونالت لوحة "عين أكاليل الورد"، التي رسمها لكنيسة ألمانية، الاستحسان حتى من الإيطاليين، وكانوا لا يزالون يعدون معظم الألمان




صفحة رقم : 8174




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


برابرة. وعرض عليه سيد البندقية منصبا دائماً إذا أقام هناك ولكن زوجته وأصدقاءه ألحوا عليه في العودة إلى نورمبرج. ولاحظ أن الفنانين في إيطاليا أحرزوا مكانة اجتماعية رفيعة مكانة تفوق مكانة زملائهم في ألمانيا وقرر أن يطالب بمنزلة اجتماعية مماثلة عند عودته وكتب يقول: "إني هنا سيد مهذب أما في الوطن فأنا طفيلي" أي غير منتج لسلع مادية. وأبهجه الاهتمام بالفن في إيطاليا وكثرة الفنانين وما يدور بينهم من صراع ومناقشات الذكية والحادة التي تدور حول نظريات الفن. وعندما شرح له جاكوبودي بارباري مبادئ بييرو ديلا فرانشسكا وغيره من الإيطاليين عن النسب الرياضية للجسد البشري الكامل قال ديرر إنه "يؤثر أن يشرح له هذا خير عنده من أن يتلقى مملكة جديدة". واعتاد في إيطاليا رسم "الجسم العاري" فنيا، وقد ثقف ذلك بدراسة التماثيل القديمة وفي الوقت الذي حافظ في أعماله على الطابع التيوتوني والمسيحي فإنه شغف بالفن الوثني الذي يعجب به الإيطاليون وسعى في سلسلة طويلة من المقالات أن يعلم مواطنيه من الفلاحين أسرار المنظور والنسب والتلوين. وانتهى الأسلوب القوطي في رسم الألماني بهاتين الرحلتين اللتين قام بهما ديرر إلى إيطاليا، وهكذا قبل الجيل الألماني، الذي رفض أن يتبع روما في الدين، أن يسير على نهج إيطاليا في الرسم.
وظل ديرر نفسه في حالة توتر خلاق، وإن اتسم بالتردد بين العصور الوسطى وعصر النهضة، وبين الاتجاه الصوفي الألماني والإقبال الإيطالي على الدنيا ولم تتغلب في روحه قط بهجة الحياة التي رآها في إيطاليا على التأمل في الموت. وإذا استثنينا صوره الشخصية فإن موضوعاته ظلت برمتها تقريبا دينية، وكان كثير منها صوفية. ومع ذلك كان الفن دينه الحقيقي. كان يعبد الخط الكامل ويؤثره بالعبادة على محاكاة المسيح. وقد أظهر حتى في أعماله الدينية اهتمام الفنان الشديد بكل الأشياء التي تعرض له حتى في




صفحة رقم : 8175




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


الحياة اليومية العادية ورسم مثل ليوناردو كل شئ تقريبا.. صخورا وجداول ماء وأشجارا وجيادا وكلابا وخنازير، وجوها قبيحة وأشكالا قميئة وكائنات خيالية لها شكل عجيب أو مروع. ورسم ساقه اليسرى كما ترى في أوضاع مختلفة وبعج وسادة لتتخذ سبع أشكال مختلفة لدراستها بريشته التي لا تعرف الكلل. وحشد في عمله معرضا حقيقيا للحيوان ورسم أحيانا مدينة كاملة لتكون مهادا لإحدى لوحاته. وصور حياة الناس وأعمالهم في الريف بنشوة وفكاهة. وكان يحب الألمان فرسم رؤوسهم الضخمة وسمات وجوههم التي تنزع إلى الحمرة دون احتجاج وعرضهم في البيئات غير المتوقعة حتى في روما أو فلسطين وهم يرتدون دائما ملابس فاخرة مثل أبناء الطبقة الوسطى من السراة ويتدثرون ويتلفعون وكأنهم يتقون برد ألمانيا، ورسمه وصف أثنوجرافي لأجيال نورمبرج، وكان أهم عملائه الأثرياء من التجار الذين خلد ذكرهم في لوحاته - ومع ذلك فقد تلقى مكافآت من الدوقات والأمراء المختارين في الإمبراطورية، وأخيرا من ماكسمليان نفسه، وكما كان تيسيان يحب أن يصور طبقة الأشراف والملوك، فإن ديرر كان يألف تصوير أبناء الطبقة الوسطى، ولقد جعلت هذه الصورة، التي حفرها على الخشب، الإمبراطور يبدو كما وصفه لويس الثاني عشر "عمدة أوجسبورج". ورسم ديرر مرة واحدة في حياته النبالة في صورة - وهي صورة خيالية لشارلمان.
وله ست وثلاثون صورة شخصية تعد من أحسن أعماله التي تقربها العين ويسر بها الفؤاد، لأنها بسيطة وحسية دنيوية زاخرة بما يميزها من شخصيات. انظر إلى صورة هيرونيموس هولتسشوهر عضو مجلس الشيوخ في نورمبرج، رأس ينم على القوة ووجه صارم الملامح وشعر ناحل على جبهة عريض ولحية مهذبة في تناسق تام وعينان حادتان كأنه يرقب بهما السياسيين، ومع ذلك فإن فيهما شروع في بريق. نحن أمام رجل طيب القلب




صفحة رقم : 8176




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


مرح حسن الشهية. أو تأمل صورة ويليبالد بيركهايمر، وهو أعز أصدقاء ديرر، رأس ثور يخفي عقل علامة ويشير إلى شهوات معدة جارجانتوا. ومن كان يتوقع أن وجه فردريك الحكيم الضخم، حكيم ساكسونيا، بتقاطيعه المتغضنة المهدلة، يخفي وراءه الأمير المنتخب الذي تحدى البابا ليحمي لوثر؟ إن كل صور الأشخاص تقريبا تخلب اللب. صورة أوزفولت كريل الذي يبدو تركيزه الحاد حتى في عروق يديه أو صورة برناردفون رستن بالصدار الأزرق الرقيق والقبعة العريضة الفخمة والعينين المتأملتين لفنان مستغرق أو صورة جاكوب موفيل عمدة نورمبرج، وهي استغراق في الفكر للتعبد الجاد، وهي تلقى بعض الضوء على عظمة المدينة وثرائها، أو صورتا والد ديرر وهو يبدو في إحداهما منهوك القوى من النصب عام 1490، وفي الثانية خائر القوى إلى أقصى حد عام 1497، أو صورة سيد مهذب في البرادو - رجواة مجسمة تدنسها القسوة والجشع، أو صورة اليزابث توخر وهي تحمل خاتم زواجها متطلعة إلى إتمام الزواج في خفر، أو صورة سيدة من البندقية التي اضطر ديرر من أجلها أن يسافر إلى إيطاليا ليجد الجمال والقوة. وقلما تجد في صور من رسمهم من الذكور رقة، وهي تخلو من الرشاقة، وإن بدت فيها دائماً قوة الشخصية. قال: "إن ما لا يفيد في الرجل ليس جميلا" ، وكان يهتم بالواقع وحكايته بأمانة أكثر من اهتمامه بجمال القسمات أو الشكل، وقد أشار إلى أن الفنان يستطيع أن يرسم بالرصاص أو يصور بالزيت صورة جميلة لشيء قبيح أو لموضوع كريه. كان تيوتونيا فطر على الجد وتقديس الواجب والإخلاص، وقد ترك الجمال والرشاقة للسيدات وركز على القوة في الرجال.
ولم يكن مبرزاً في التصوير، ولم يكن الرسم ينسجم مع ذوقه، ولكن زيارته لإيطاليا أثارت فيه الرغبة في أن ينشد اللون والخط معاً. وصور هيكلا متعدد التنيات عرف فيما بعد باسم مذبح درسدن، وذلك لفردريك صاحب ساكسونيا




صفحة رقم : 8177




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


والكنيسة الملحقة بقصره في فيتنبرج. وهنا نجد أن الأساليب الإيطالية في النسبة والمنظور قد شكلت إطار الأجسام بأسلوب ألماني بحت: سيدة ألمانية تمثل العذراء، وأستاذ يمثل القديس أنتوني، وشماس معمداني ألماني يمثل القديس سباستيان، والنتيجة صورة فذة. وأبدع منها الصور والنقوش الهيكلية لباومجارتنر في ميونخ: صورة رائعة للقديس يوسف والعذراء مريم فوق مهاد معماري من الأطلال الرومانية. ولكن صدر الصورة قد شوهته أقزام سخيفة، أما صورة عبادة المجوس في الأوفيزي فهي انتصار للون يتمثل في رداء العذراء الأزرق والثياب الفخمة التي يرتديها الملوك الشرقيون، ولوحة المسيح بين الأطباء تبين عيسى الوسيم، له خصلات شعر فتاة، ويحيط به ثقات نحارير من ذوي اللحى والوجوه المتغضنة - أحدهم يشبه صورة هزلية كله أنف وأسنان. وصورة عيد أكاليل الورد تضارع الصور الإيطالية في هذا العهد، بتكوينها البارع وجمال الأم والطفل معا وروعة اللون بصفة عامة، وتعد أعظم لوحة لديرر، ولكن على المرء أن يجازف بقطع كل الطرق إلى براغ ليشاهدها. وفي فينا وبرلين لوحات جذابة من عمل ديرر لمريم العذراء؛ وفي نيويورك لوحة للعذراء والطفل مع القديسة آن، وهي تقدم لنا فتاة ألمانية رقيقة، تمثل العذراء، وسيدة سامية سمراء تمثل أمها، وما أروع اللوحات في البرادو التي تصور آدم وحواء، فهنا نتوقف لحظة لنجد فناناً ألمانيا يظهر لنا جمال أنثى صحيحة البدن وهي عارية. ولقد ثبط من همة ديرر المكافأة القاصرة التي حصل عليها من التصوير، وربما أوهن من عزيمته اضطراره إلى تكرار الموضوعات الدينية القديمة، فتحول بصورة متزايدة إلى عمل يدر عليه ربحاً أكثر، ويتسم بمزيد من الأصالة، وهو نحت الخشب والحفر، لأن لوحا واحداً في هذه الحالة يكفي لصنع ألف نسخة يمكن نقلها بسهولة إلى كل سوق في أوروبا، ويمكن أن تزود ألف مجلد مطبوع بالرسم نفسه.




صفحة رقم : 8178




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


كانت براعة ديرر تتجلى في رسم الخط وكان الرسم مملكته التي لا يبزه فيها رجل من الأحياء وقتذاك، بل إنه في هذا المجال أذهل برقته المتناهية الإيطاليين المزهوين بأنفسهم. ولقد شبه أرازموس كرسام بأستاذ قديم بارع في الخط فقال: إن أبيلز كان يتعين باللون... أما ديرر فما الذي لا يستطيع أن يعبر عنه بلون واحد؟... والنسب والإيقاعات المنسجمة؟ كلا إنه يرسم ما لا يمكن تصويره - النار وأشعة الضوء والرعد.. والبرق.. وكل الأحاسيس والانفعالات في رقة، وعقل الإنسان بأسره وهو يعكس نفسه بسلوك الجسد، بل إنه يكاد يرسم الصوت نفسه، وهو يضع هذه الأشياء أمام الأعين بأصلح الخطوط خطوط، سوداء، ومع ذلك فإنك لو نشرت عليها ألواناً لأضررت بالعمل الفني. ثم أليس عجيباً أن يحقق فنه دون أن يتوسل باللون ما حققه أبيلز متوسلاً بها؟
ورد ديرر على هذا الإطراء بحفر صورة شخصية لارازموس (1526) ولم يجلس من أجلها أرازموس أمامه ولكنه رسمها عن صورة من عمل ماسيس، وهي إن كانت لا تضارع هذه الصورة الشخصية، ودون الصورة التي رسمها هولبين؛ فإنها من روائع الرسم مع هذا كله، وذلك للبراعة في تصوير ثنيات العباءة وظلالها وتجاعيد الوجه واليدين والأوراق المطوية للكتاب المفتوح.
وقد خلف لنا ديرر أكثر من ألف صورة معظمها يعد معجزات من التصميم الواقعي أو المعبر عن الورع أو الخيال الخارق، وبعضها صور هزلية صريحة، وإحداها تصور السن والحكمة في دقة متناهية، ومن آن لآخر يكون الموضوع من ذلك النوع الذي لا ينبض بالحياة، كما في لوحة الطاحونة، أو مجرد خضرة خالصة مثل لوحة "المرج"، أو حيواناً مثل صورة رأس فيل البحر. وتحتشد عادة النباتات والوحوش حول أشخاص أحياء، كما في اللوحة المركبة "السيدة العذراء مع حشد من الحيوانات"، أما الموضوعات الدينية فهي أقل أعماله نجاحاً، ومع ذلك فإننا يجب أن نستثني وتقدر اللوحة الرائعة المسماة




صفحة رقم : 8179




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


"يدا رسول يصلي". وأخيراً فثمة دراسات رائعة في الأساطير القديمة مثل لوحة أبولو وصورة أورفيوس.
وقد حول ديرر نحو 250 من رسوماته إلى أعمال من الخشب المحفور المنحوت ومائة إلى حفر، وهاتان المجموعتان تمثلان أروع جانب يستحق التقدير من تراثه. ولقد حفر بنفسه التصميمات حتى مدار القرن، ثم عهد فيما بعد بحفر الخشب إلى آخرين. وما كان، بغير هذا التعاون، ليستطيع أن يصور مثل هذا القطاع الواسع من الحياة. وقد بدأ بتصوير رسوم لكتب مثل الفارس "فون تورن"و"الطيش" لسباستيان برانت، ورسم بعد عشرين عاماً صوراً هامشية لكتاب الصلوات الخاص بماكسمليان. وجرب ريشته في رسم الجسم العاري، ونجح نجاحاً عظيماً في لوحة "حمام الرجال" ولم يبلغ الشأن نفسه في صورة "حمام النساء"، وقد أفاد في كليهما كدافع ثوري للفن الألماني الذي كان قد أعرض عن رسم الجسم العاري باعتباره عملاً فاضحاً أو تبديداً للأوهام. واشتهرت أعمال الحفر في الخشب، التي صورت حياة العذراء وآلام المسيح عند الصلب، فقد غدا في وسع النساء المتعبدات وقتذاك أن يتأملن، وهن يصطلين بجوار مدافئهن، صورة مطبوعة تبين خطبة يوسف ومريم، وكان الألمانيون العمليون يسرهم أن يجدوا في صورة إقامة العائلة المقدسة في مصر كل التفاصيل المريحة للألفة والجد اللذين عرف بهما الشعب التيوتوني-مريم تحيك الثياب، ويوسف يعمل وهو جالس على دكته، وأطفال عليهم مسحة ملائكية يحضرون الحطب دون أن يطلب أحد ذلك منهم. وثمة سبع وثلاثون صورة من أعمال حفر الخشب الصغير- "آلام المسيح الصغرى"- وإحدى عشرة صورة أكبر-"آلام المسيح الكبرى"- عرضت قصة تعذيب المسيح ووفاته في آلاف البيوت، ونبه شوق الرأي العام لترجمة لوثر للعهد الجديد. وثمة سلسلة أخرى من الصور زينت سفر الرؤيا وبعضها حفر على الخشب مثل "الفرسان الأربعة في سفر الرؤيا" والقديس مايكل يقاتل التنين وكانت من النضارة والوضوح




صفحة رقم : 8180




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


بحيث ظل لذهن الألماني قرونا طويلة يفكر في سفر الرؤيا كما عبر عنها ديرر برسومه.
وتجاوز مرحلة حفر الخشب إلى فن يحتاج إلى مزيد من الجهد هو فن النقش، وحاول بين الفينة والفينة النقش بالحفر الإبري، كما في الصورة المظللة "العائلة المقدسة" وكان عادة يعمل بإزميل. و"سقوط الإنسان" نقش على النحاس في أشكال تليق باليونان وفي نسبة وتناسق جديرين بالإيطاليين مع ما عهد في ديرر من إسراف في رسم الحيوان والنبات، حيث نجد إن لكل وحدة تقريباً دلالة رمزية بالنسبة له ولجيله. وبرزت إناث عاريات في روعة لم يسبق لها مثيل في الفن الأماني من المعدن، وذلك في صورة "وحش البحر" و"الصراع بين الفضيلة واللذة"، بخلفية من المناظر الخلوية رسمت ببراعة.
أما الستة عشرة صورة من الحفر والتي تكون "آلام المسيح منقوشة" فإنها أقل تأثيراً من صورة "تعذيب المسيح" المحفورة على الخشب، ولكن صورة القديس ايوستاس فهي مجموعة من الرسم الحية: خمس كلاب وجواد وغابة، وحشد من الطيور وسلسلة من القلاع فوق تل، وغزال يحمل صليباً بين قرنيه، ويتوسل إلى الصياد أن يعفيه من القتل ويغريه بأن يصبح قديساً.
وبلغ ديرر في عامي 1513 و1514 الذروة كرسام في ثلاث رائعات من الحفر، فالفارس والموت والشيطان نسخة قوية من موضوع كئيب من القرون الوسطى.. فارس صارم الملامح بالدروع والسلاح، يمتطي صهوة جواد فيروكشي، تكتنفه صورة قبيحة للموت والشيطان، ومع ذلك فإنه يتقدم إلى الأمام في إصرار منتصراً للفضيلة على كل شئ، ويبدو أن أحداً لا يصدق أنه يمكن نقش صورة في المعدن بمثل هذه المبالغة والدقة في التفاصيل. فصورة القديس جيروم في قاعة درسه، توضح مرحلة أهدأ من انتصار




صفحة رقم : 8181




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


المسيحي.. القديس العجوز الأصلع منحن فوق مخطوطته يكتب على ما يبدو في ضؤ هالته وعلى الأرض، ومعه في هدوء أسد وكلب، وعلى أسكفة النافذة تجثم جمجمة في سكون مبين، وما يبدو في نظر كل الناس قبعة زوجته معلقة على الحائط، وكل الحجرة مرسومة بمنظور روعيت فيه القواعد، ورسمت فيها كل الظلال وأشعة الشمس بدقة فائقة. وأخيراً فإن النقش، الذي أطلق عليه ديرر اسم "السوداء"، يكشف عن ملاك يجلس في وسط أنقاض مبنى لم يتم، وتحت قدميه خليط من الأدوات الميكانيكية والآلات العلمية، ويتدلى من منطقته كيس ومفاتيح رمزاً للثروة والسلطان، ويستند برأسه مفكراً على إحدى راحتيه، وعيناه تحملقان حولها ما في شئ من الدهشة وشئ من الفزع. أتراه يتساءل لأي غرض يبذل كل هذا الجهد، وما فائدة هذا البناء، والهدم والبناء، وهذا السعي الحثيث وراء الثروة والسلطان والجري وراء السراب الذي يسمى الحقيقة ومجد العلم هذا وبلبلة ذوي الفكر وهو يكافحون عبثا الموت المحتوم؟ وهل يمكن أن يكون ديرر في بداية العصر الحديث نفسه قد أدرك المشكلة التي واجهها العلم الظافر وهي مشكلة الوسائل التقدمية التي أساءت استخدامها الغايات التي لا تتغير؟
وهكذا دخل ديرر عصر لوثر بالرسم تلو الرسم والتصوير وراء التصوير، بدأب جهيد وصبر يختلفان عن تسويف ليوناردو وترف رافائيل، واشترى حوالي عام 1508 البيت الذي أضفى الشهرة على نورمبرج، وقد دمر منه. وكان الطابقان فيه من الحجر، أما الطابقان الثالث والرابع فمن الخشب المكسو بالملاط، وفوق طنف بارز يجثم طابقان آخران تحت السقف الهرمي. وهناك عاش ديرر تسعة عشر عاماً في بؤس غير مفرط مع زوجته العقيم. وكانت أجنس ربة بيت بسيطة وتعجب لماذا يمضى ألبرخت هذا الوقت الطويل في دراسات لا تسمن ولا تغنى من جوع، أو مع أصدقاء يدمنون




صفحة رقم : 8182




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


الشراب. كان يتحرك في دوائر لا تستطيع أن تدركها بعقلها القاصر وكان يهملها من الناحية الاجتماعية، وكثيراً ما كان يسافر دون أن يصحبها معه، ولكنه عندما اصطحبها معه إلى الأراضي الواطئة، كان يتناول غذاءه مع الشخصيات المشهورة أو مع أحد ضيوفه ويترك زوجته تتناول طعامها في (المطبخ الأعلى) مع خادمتهما. وفي عام 1504 انضمت إلى ديرر والدته الأرملة لتعيش معهما في البيت واستمرت معهما عشر سنوات. والصورة التي رسمها لها تثير عطفنا على الزوجة - ولم تكن جد فاتنة - ولقد رأى أصدقاؤه في أجنس امرأة سليطة اللسان، لا تستطيع أن تشارك ديرر حياته الفكرية المستغرقة.
وفي سنواته الأخيرة تمتع أستاذ نورمبرج بشهرة تعم قارة أوربا، باعتباره رائداً للفن الألماني ومفخرة له. وفي عام 1515 منحه الإمبراطور معاشاً متواضعاً قدره مائة فلورين في عام (2,500 دولار؟)، وكان يدفع له بصورة غير منتظمة، لأن دخل ماكسمليان كان لا يتفق أبداً مع خططه.
وعندما مات ماكسمليان توقف المعاش، فقرر ديرر أن يزور الأراضي الواطئة ويطلب تجديد معاشه من شارل الخامس. وأخذ معه مجموعة منوعة من الرسوم والصور الزيتية لبيعها أو يقايض عليها في هولندا أو في الفلاندرز. واستطاع بذلك أن يدفع كاف نفقات الرحلة تقريباً. وتكاد تبدو في اليوميات التي احتفظ بها عن جولته (يوليو 1520 - يوليو 1521) وإن لم تكن تماماً - شخصية مثل التي كتبها بوزويل بعد قرنين آخرين، فهي تسجل نفقاته ومبيعاته ومشترياته وحفلات تكرينه، وتكشف عن عناية ابن الطبقة الوسطى بالتفاصيل المالية، وابتهاجاً لفنان بالاعتراف بعبقريته، وهو أمر يغتفر له. ولقد حصل ديرر على الحق في تجديد معاشه بعد مطاردة شارل في اثنتي عشرة مدينة، وهكذا استطاع أن يخصص باقي رحلته لمشاهدة مناظر الأراضي الواطئة وأبطالها. وأذهلته ثروة غنت وبروكسل وبروجز وروعتها،




صفحة رقم : 8183




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


ومذبح آل فان أيك المتعدد الطيات في كنيسة سانت بافون. وكاتدرائية أنتوب "التي لم أر لها مثيلا في الأراضي الألمانية". والتقى بأرازموس ولوكاس فان ليدن وبرنايرت فان أورلي وآخرين من وجهاء الأراضي الواطئة، ورحبت به طوائف الفنانين في تلك المدن، وأصيب بالملاريا في مستنقعات تسيلاند المليئة بالبعوض فأتلفت صحته فيما بقي له من عمر.
ويقول في صفحة من يومياته: "لقد اشتريت كراسة لوثر الدينية بخمس بنسات فضية وأعطيت واحدة لإدانة هذا الرجل القوي". وفي أنتورب (مايو 1521) سمع شائعة تقول إن لوثر "قبض عليه غدراً" وهو يرحل عن مجلس نواب (دايت) ورمز، ولم يعرف ديرر أن هذا الإبعاد إنما قصد به حماية هذا المصلح العظيم وخشي أن يكون لوثر قد قتل فكتب في يومياته دفاعاً حاراً عن الثائر متوسلاً بأرازموس أن يخف لنجدة أنصاره: "إذن فقد اختفى هذا الرجل الذي أنار عقله الروح القدس ليتابع الحقة... وإذا كان قد تعذب فإن هذا في سبيل الحقيقة المسيحية ضد البابوية غير المسيحية التي تعمل ضد حرية المسيح وتستنزف دماءنا وعرقنا لتقتات به وتعيش في ترهل في الوقت الذي تحيا فيه الشعوب في مسغبة. رباه! إن الناس لم تسحق قط بمثل هذه القسوة تحت وطأة القوانين التي من صنع البشر، كما حدث لهم تحت كرسي الأسقفية الرومانية... إن كل إنسان يرى مدى الوضوح الذي أعلنت به العقيدة في كتب لوثر وكيف أنها تطابق ما ورد في الإنجيل المقدس. إننا يجب أن نصون هذه الكتب من أن تحرق بل دعونا نقذف في النار الكتب التي تعارضه... وأنتم أيها المسيحيون الأتقياء جميعاً ابكوا معي حزنا على فقد هذا الرجل، وصلوا للرب أن يرسل لنا هادياً آخر. وأنت ياأرازموس الروتردامي أين تقيم؟ ألا ترى الظلم والاستبداد الأعمى للسلطات الحاكمة الآن؟ استمع ألي يا فارس المسيح واركب بجانب سيدنا كما هو حالك... أنت أيضا تستطيع أن تفوز




صفحة رقم : 8184




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


بتاج الشهيد. اجعل صوتك مسموعاً يا أرازموس، فعسى الله الذي يحكم على أعمالك أن يظهر تمجيده فيك":
وعندما عاد ديرر إلى نورمبرج وقف حياته كلها تقريبا على الفن الذي يتسم بالطابع الديني، مع الاهتمام الفائق بالأناجيل من جديد. وأتم عام 1526 أعظم مجموعة من لوحاته - الرسل الأربعة - وهي تسمية غير صحيحة لأن مرقس المبشر الإنجيلي لم يكن واحدا من الحواريين الأثنى عشر، ولكن لعل هذا الخطأ يشير إلى البروتستانت في العودة من الكنيسة إلى الأناجيل. واللوحتان من بين الممتلكات التي يعتز بها "بيت الفن" والذي جمعت فيه ميونخ، التي أضرت بها الحرب، مجموعتها الفنية الشهيرة. وإحدى اللوحتين تصور يوحنا وبطرس، والأخرى تصور مرقس وبولس، والأربعة كلهم يرتدون ثياباً زاهية اللون، لا تكاد تتفق مع قديسين من عامة الصيادين، وفي هذه الملابس عكف ديرر على تصوير المثال الإيطالي بينما أكد تأثير بيئته الألمانية في الرؤس العريضة الضخمة. ولعل هذه الصور قصد بها أن تكون أجنحة لمذبح ثلاثي الطيات في كنيسة كاثوليكي. ولكن مجلس نورمبرج أعلن عام 1525 تأييده للإصلاح الديني. فتخلى ديرر عن فكرة عمل صورة مذبح، وقدم اللوحات إلى المدينة، وألحق بكل لوحة نقوشا تؤكد بإصرار أهمية الأناجيل؛ وعلى الرغم من وجود المفاتيح في يد بطرس - وهي تعد عادة أداة تمثل الكنيسة الرسمية المقدسة وسلطات الكنيسة - فإن من الممكن تفسير هذه اللوحات بأنها عهد ديرر البروتستانتي.
ولم يبق من عمره آنذاك إلا عامان وكان يعاني من نوبات متعاقبة من حمى الملاريا حطمت وروحه معا. ولقد رسم في عام 1522 آخر صورة له باسم رجل الأحزان، وتصوره عاريا أشعث الشعر شاحب الوجه، عليلا يقاسي من الألم، ويمسك في يديه سوط تعذيب المسيح، وظل مع ذلك




صفحة رقم : 8185




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر


يعمل إلى النهاية وعندما مات (6 أبريل سنة 1528) بالغاً من العمر سبعة وخمسين عاما ترك من الرسوم والصور المحفورة في الخشب والنقوش إلى جانب 6000 فلورين - ما يكفي لإعالة عائلته في يسر كئيب، وذلك فيما تبقى لها من العمر. وها هو بير كهايمر يقول في رثائه: "خير صديق لي في حياتي" وكتب نقشاً تذكارياً متواضعاً على القبر: "ما كان فانياً من ألبرخت ديرر يرقد تحت هذه الربوة".
ولقد افتقد ديرر الغاية السامية باعتباره فناناً، ذلك لنه ضحى بمهمة الفن العظمى في سبيل مهمة أقل وزنا.. كان يفتتن برؤية الأشكال العابرة للأشخاص والأماكن والأشياء، وهي تدب فيها الحياة تحت يديه إلى حد جعله يستغرق بصفة أساسية في تصوير الواقع - سواء أكان جميلاً أم قبيحاً، له معنى أو لا معنى له - ولم يكن يمزج إلا عرضاً العناصر المتناثرة للإدراك الحسي لتكتفل في خيال خلاق، ثم تعود مجسمة في خط أو لون وجمال مثالي، يكشف لنا عن أهداف يسعى إلى تحقيقها أو يكشف عن رؤى تيسر الفهم أو تحقق الهدؤ، ولكنه ارتفع إلى مستوى نداء عصره فحفر في الخشب أو نقش على النحاس سيرة ذاتية لجيله المترصد المنتج وأن ريشته أو قلمه الرصاص ومنقاشه أو فرشاته استدعت الأرواح الخفية للرجال المقتدرين الذين وطأوا بأقدامهم مسرح ذلك العصر.
ولقد جعل تلك الحقبة من الزمن تعيش لنا أربعة قرون بكل ما فيها من حماسة وولاء وخوف ووهم، واحتجاج وحلم وورع... كان ألمانيا.




صفحة رقم : 8186




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان



6- علماء الإنسانيات الألمان


كانت ألمانيا بلداً فتياً في الآداب مثلما كانت في الحياة والفن... وانتشر تعلم القراءة والكتابة، وصدرت الكتب متدفقة من ستة عشر ناشرا




صفحة رقم : 8187




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


في بازيل، وعشرين في أوجسبورج، وواحد وعشرين في كولونيا، وأربعة وعشرين في نورمبرج. ولقد كان هناك أنطون موبيرجر الذي استخدم وحده أربعا وعشرين مطبعة ومائة رجل، وكان الاتجار في الكتب يحتل جانبا كبيرا من التجارة الرائجة بالأسواق في فرانكفورت وسالزبورج ونوردلينجن وأولم، حتى قال أحد المعاصرين الألمان "إن كل إنسان اليوم يريد أن يقرأ ويكتب". وكتب آخر يقول: "لا نهاية للكتب الجديدة التي تؤلف". وتضاعف عدد المدارس في المدن، وكانت كل مدينة تقدم مكافآت أو منحا دراسية للطلبة الفقراء من الممتازين، وأنشئت تسع جامعات جديدة في هذه السنوات للتعليم الجديد. ونهضت أكاديميات أدبية في ستراسبورج وأوجسبورج وبازيل وفيينا ونورمبرج وماينز، وفتح أبناء الطبقة الوسطى الأغنياء أمثال بويتنجر وبيركهايمربل والإمبراطور ماكسمليان نفسه مكتباتهم وعرضوا مجموعاتهم الفنية للناس، وتبرعوا بأموالهم للدارسين المتلهفين للدرس، وكان كبار رجال الدين أمثال جوهان فون دالبرج أسقف ورمس وألبرخت البراندنبرجي، كبير أساقفة ماينز، أنصاراً مستنيرين للدراسة والشعر والفن، ورحبت الكنيسة في ألمانيا بعصر النهضة، وهي في هذا كانت تحذو حذو البابوات، ولكنها تشددت في الدراسات اللغوية لنصوص الكتاب المقدس وآباء الكنيسة. وطبعت النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس ستا وعشرين طبعة في ألمانيا بين عامي 1453 و 1500 ، وكانت هناك عشرون ترجمة للكتاب المقدس قبل ترجمة لوثر. وليس من شك في أن انتشار العهد الجديد بين الناس قد أعدهم لتقبل ما أعلنه لوثر متحديا لتناقض الأناجيل مع الكنيسة، وأن قراءة العهد القديم أسهمت في تهويد البروتستانت للمسيحية من جديد.
وكانت الحركة الإنسانية في ألمانيا بادئ الأمر-وبعد شغفها بلوثر- أكثر مطابقة للعقيدة كما علم اللاهوت منها في إيطاليا، ولم يكن لألمانيا ماض قديم مثل إيطاليا ولم يتح لها أن أفادت من غزو روما الإمبراطورية




صفحة رقم : 8188




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


لها وتعليمها، ولم يكن هناك رباط مباشر بينها وبين العهد القديم غير المسيحي وكانت ذاكرتها لا تكاد تتجاوز القرون التي دانت فيها المسيحية، وكان تضلعها في العلم لا يكاد يقتحم ما قبل عهد آبائها المسيحيين، وكانت نهضتها إحياء للمسيحية الأولى أكثر منها إحياء للآداب والفلسفة الكلاسية. وطوى الإصلاح الديني النهضة في ألمانيا.
ومع ذلك فإن مذهب الإيمان بالإنسان في ألمانيا اقتدى بزعامة إيطاليا، إذ أن بوجيو باتشيوليني وإنياس سيلفيوس وآخرين من علماء الإنسانيات جاءوا معهم بالبذرة عند زيارتهم لألمانيا، كما أن الألمان من الطلبة والحجاج ورجال الدين والتجارة والدبلوماسيين الذين زاروا إيطاليا عادوا وهم يحملون معهم - ولو عن غير قصد-لقاح عصر النهضة. ولقد تلقى رودولفوس اجريكولا، وهو ابن قسيس هولندي يرعى أبرشية، الكثير من التعليم في ارفورت وكولونيا ولوفان، ووقف سبع سنوات من عمره على التعليق في دراسات اللاتينية واليونانية في إيطاليا، ثم عاد ليدرس في جروتنجن وهيدلبرج وورمس. وتعجب أهل العصر من فضائله غير المألوفة من الجماهير. التواضع والبساطة والأمانة والورع والعفة. وكتب باللغة اللاتينية ما يكاد يكون جديراً يشيشرون، وتنبأ بأن ألمانيا سوف "تبدو يوما وهي لا تقل لاتينية عن اللاتيوم". والحق أن هولندة أجريكولا قد أنجبت في الجيل التالي أرازموس وهو عالم باللغة اللاتينية إلى حد يتيح له أن يحس بأنه في وطنه لو قدر له أن يعيش في روما تاسيتوس وكوينتيليان.
وأصيب أجريكولا في رحلة قام بها إلى روما بالحمى التي قضت عليه في هيدلبرج وهو في الثانية والأربعين من عمره (1485).
وكان يضارعه في النفوذ -لا في دماثة الطبع- جاكوب ويمفيلنج، وكان مزاجه حاداً بقدر ما كانت لاتينية رقيقة. وقرر ناظر المدرسة الألماني




صفحة رقم : 8189




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


هذا أن يرفع ألمانيا إلى مستوى إيطاليا في التعليم والآداب، فوضع خططا لإنشاء نظام المدارس العامة، وأسس جمعيات من المتعلمين، وأدرك مع ذلك مدى الخطورة إذا تحقق التقدم الفكري دون أن يصحبه تطور أخلاقي. وتساءل قائلا: "ما فائدة تعليمنا إذا كانت أخلاقنا غير شريفة بفعل التناظر أو صناعتنا كلها لا تقترن بالورع، أو معركتنا كلها لا تحث على حب جارنا، أو كانت كل حكمتنا تفتقر إلى التواضع؟.
ويعد جوهانس تريثميوس راهب سبونهايم آخر علماء الإنسانيات المحافظين وهو الذي كتب عام 1496: "لقد ولت إلى غير عودة أيام تشييد الأديرة، أما أيام هدمها فآتية لا ريب فيها". ووصف سلتس، وهو عالم إنسانيات أقل إخلاصاً زميله تريثميوس بأنه "زاهد في الشراب، يزدري لحم الحيوان ويعيش على الخضر والبيض واللبن، كما كان يفعل أسلافنا في الوقت الذي... لم يكن هناك أطباء يشرعون في تركيب أدوية لداء النقرس والحمى". وأصبح في خلال حياته القصيرة متفننا في علوم جمة، بارعا في اللغات اللاتينية واليونانية والعبرية وآدابها، وقد قام بمراسلة أرازموس وماكسمليان والأمراء الإمبراطوريين المختارين، وشخصيات مشهورة أخرى وفسر عامة الناس في هذا العهد معارفه المكتسبة على أساس نظرية تذهب إلى أنه كان يملك قوى خفية خارقة. ومهما يكن من أمر فإنه مات وهو في الرابعة والخمسين من عمره(1516).
وكان كونرادوس سيلتس أقوى علماء الإنسانيات الألمان غيرة وأعظمهم أثراً، ولقد كان من مدينة وكأنه أديب جوال عجول يدرس في إيطاليا وبولندة وهنغاريا، ويعلم في كولونيا وهيدلبرج وكراكاو وبراغ وماينز وفيينا وانجولستادت وبادوا ونورمبرج، وكشف عن مخطوطات ثمينة كانت مهملة مثل مسرحيات هورتسويذا، وخرائط قديمة مثل تلك الخريطة




صفحة رقم : 8190




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


التي أعطاها لبويتنجر وحملت اسمه. وكان يجمع حوله الدارسين أينما ذهب ويبث فيهم شغفه بالشعر والأدب الكلاسي والآثار الألمانية القديمة. وفي عام 1447 توَّجه الإمبراطور فردريك الثالث في نورمبرج أميراً للشعراء في ألمانيا. وأسس سيلتس في ماينز (1941) جمعية الراين الأدبية الواسعة النفوذ وكانت تضم علماء وفقهاء في الدين وفلاسفة وأطباء ومؤرخين وشعراء ومحامين، أمثال أولريخ تسازيوس الفقيه القانوني الضليع وعلماء أمثال بيركهايمر وتريثموس ورويخلين وويمفيلنج. وأنشأ في فيينا، بأموال زوده بها ماكسمليان، أكاديمية للشعر أصبحت فيما بعد قسماً محترماً من الجامعة يعيش فيه الأساتذة والطلبة معاً في البيت نفسه وينهضان بالعمل ذاته. ويبدو أن سيلتس خسر عقيدته الدينية في خلال دراساته، فقد أثار مثل هذه الأسئلة: "هل تحيا الروح بعد الموت؟" و"هل هناك إله حقاً؟" وفي أسفاره اصطحب نماذج كثيرة من الجنس اللطيف ولكنه لم يصحب واحدة منهن إلى المذبح، وانتهى أمره إلى أن يقول في غبطة: "ليس هناك تحت الشمس أحلى من عذراء جميلة بين ذراعي رجل تبدد همومه".
ولقد انتشر هذا الانحلال المريب وأصبح بدعة بين علماء الإنسانيات الألمان في العقود الأخيرة قبل لوثر. وكتب أيوبان هيسى Heroides Christiane "الاستشهاد المسيحي" (1514) بلغة لاتينية سليمة، وقلد فيه أوفيد في المجون أكثر مما قلده في الشكل، وتضمن خطابات حب من المجدلية إلى عيسى، ومن مريم العذراء إلى الأب المقدس، ولكي يقرن الفعل بالقول عاش في انحلال مثل تشليني وفاق في الشراب جميع من نافسوه ولم ير بأساً في أن يفرغ في بطنه دلوا من الجعة في جرعة واحدة.
ومهما يكن من أمر فإن كوثرادوس موتيانوس روفوس استطاع أن يوفق في رفق بين مذهب الشك والدين، ولقد اكتفى بعد أن فرغ من الدراسة في ديفنتر وارفورت وفي إيطاليا، بمنصب ديني متواضع في جوتا ووضع




صفحة رقم : 8191




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


على بابه هذا الشعار، "أيها السكون المقدس السعيد" Beata tranquilte، وجمع حوله الطلبة المعجبين وعلمهم "أن يقدروا أحكام الفلاسفة وأن يضعونها فوق أحكام القساوسة" ولكنه حذرهم حذرهم، بأنهم يجب أن يخفوا شكوكهم في العقيدة المسيحية عن الجمهور بالإقبال بأسلوب مهذب على إقامة الشعائر والمراسيم الدينية وقال: " إننا لا نقصد بالإيمان مطابقة ما نقول للواقع بل نعني رأياً بأن الأمور المقدسة تقوم على الفطرة والإقناع الذي ينشد المنفعة". واعترض على إقامة القداس للموتى باعتباره أمراً لا فائدة منه وعلى الصيام باعتباره شيئاً غير مرغوب فيه وعلى الاعتراف السري باعتباره عملاً يثير الارتباك. ورأى أن الكتاب المقدس يحتوي على حكايات خرافية كثيرة مثل حكاية يونان وأيوب، ومن يدري؟ لعل المسيح لم يمت حقاً على الصليب! فقد كان اليونان والرومان مسيحيين دون أن يحسوا ما داموا قد عاشوا في استقامة، وليس من شك في أنهم ذهبوا إلى الجنة. ويجب أن يكون الحكم على العقائد والشعائر مبنياً لا على أساس دعاواها الحرفية ولكن على أساس آثارها الأخلاقية. فإذا كانت ترقى بالنظام الاجتماعي والفضيلة عند الفرد فيجب أن يتقبلها الجمهور دون مناقشة، وطلب موتيانوس من مريديه أن يعيشوا حياة طاهرة، وأقسم في سنواته الأخيرة قائلا: لسوف أحول دراساتي إلى ورع ولن أتعلم من الشعراء أو الفلاسفة أو المؤرخين إلا ما يرقى بالحياة المسيحية. وبعد أن عاش بكل ما تقدمه الفلسفة من عزاء مات تحفه بركات الكنيسة (1526).
وليس من شك في أن استياء المحافظين من مذهب الشك الذي شاع بين علماء الإنسانيات المتأخرين قد بلغ عنفوانه عند أرق علماء هذا العصر وأرحبهم صدراً فقد لاحظ جوهانس رويخلين التقليد الذي درج عليه الناس في العصور الوسطى من جمع المعارف من أثني عشر مركزاً بفضل انتشار اللغة اللاتينية باعتبارها لغة التعليم في أوربا الغربية. وفي مدرسة النحو تمبلدته




صفحة رقم : 8192




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


فورتسهايم وفي جامعات فرايبورج وباريس وبازيل وأورليانز وبواتييه، وفي لينز وميلان وفلورنسا وروما تابع دراسة اللاتينية واليونانية والعبرية والقانون بحماسة تصل تقريباً إلى حد التعصب، ولقد غير اسمه على عادة علماء الإنسانيات الألمان- وهو مشتق من كلمة rauchen الألمانية بمعنى يدخن- إلى كابينو المأخوذة من كلمة kapnos اليونانية بمعنى التدخين. وألف وهو في العشين من عمره معجماً للغة اللاتينية طبع مرات. وفي روما أعطاه جوهانس أرجيروبولس قطعة صعبة من كتاب المؤرخ ثوسيديدس ليترجمها، فما كان من رويخلين إلا أن استجاب فوراً حتى صاح اليوناني العجوز: "الآن يفر اليونان وراء الألب". ولم يكن الطالب الشهم يترك حاخاما يمر دون أن يتعلم منه شيئاً من العبرية، ويزعم موتيانوس أنه سمع أن رويخلين أعطى دارساً يهودياً عشر قطع ذهبية ليشرح له عنى عبارة عبرية، وربما كان هذا حلم عالم بالإنسانيات.
وأقنع بيكو ديلا ميراندولا، رويخلين أن ينشد الحكمة في كابالا. وبمقارنة ترجمة جيروم للعهد القديم بالنص العبري الأصلي أشار "كابنيو" إلى كثير من الأخطاء فيما اعتاد علماء اللاهوت الاستشهاد به كنص لا يرقى الشك إليه. وعندما بلغ الثانية والثلاثي من عمره عين أستاذاً للعبرية في جامعة هيدلبرج. وليس من شك في أن معجم اللغة العبرية وكتاب قواعد هذه اللغة اللذين ألفهما قد أتاحا دراسة اللغة العبرية والعهد القديم على أساس علمي وأسهما في أن يكون للكتب المقدسة المدونة بالعبرية تأثير قوى على الفكر البروتستانتى.
وحجب إعجابه بالعبرية شيئاً فشيئاً شغفه بالكلاسيات، فقد كتب يقول "إن اللغة العبرية لم يمسها الزيف وهي جامعة تؤثر الإيجار إنها اللغة التي تحدث بها الله للإنسان وهي التي تحدث بها الإنسان للملائكة وجهاً لوجه"




صفحة رقم : 8193




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


واحتفظ بعقيدته السلفية أثناء دراساته جميعاً وإذا كان قد شابها قليل من التصوف فإنه قدم كل كتاباته وتعاليمه بإخلاص إلى سلطات الكنيسة.
وتحالفت طائفة من الظروف الغربية فجعلت منه بطلا لعصر النهضة الألمانية، إذ حدث في عام 1508 أن أصدر جوهانس بفيفر كورن، وهو حاخام تحول إلى قسيس، كتاب "مرآة اليهود" أدان فيه اضطهادهم وبرأهم من الجرائم الأسطورية التي شاع اتهامهم بها ولكنه حثهم في الوقت نفسه على أن يتخلوا عن إقراض النقود وعن التلمود وأن يدخلوا في المسيحية وقدم إلى الإمبراطور - وكان يؤازره في ذلك رهبان الدومينيكان في كولونيا - توصية بمصادرة جميع الكتب العبرية ما عدا العهد القديم، فأمر ماكسمليان بتسليم جميع كتب الأدب اليهودي، التي تنتقد المسيحية إلى بفيفر كورن لكي تفحصها جامعات كولونيا وارفورت وماينز وهيدلبرج وجاكوب فان هوجسترايتن رئيس محكمة التفتيش في كولونيا ورويخلين بفضل تضلعه في اللغة العبرية، وأشار الجميع ما عدا رويخلين بمصادرة الكتب وإحراقها، وهكذا أثبت رأى الإقليمية الذي يمثله رويخلين أنه معلم من معالم تاريخ التسامح الديني، فقد قسم الكتب اليهودية إلى سبع طوائف، إحداها يتكون من أعمال تسخر صراحة من المسيحية وهذه يجب أن تحرق أما الباقي وتشمل التلمود فيجب الحفاظ عليها حتى ولو كان هذا لمجرد أن لها قيمة كبيرة بالنسبة للمعرفة المسيحية، وقال بفيفر كورن إن لليهود حقا في أن تكون لهم الحرية في الرأي كمواطنين بالإمبراطورية ولأنهم لم يرتبطوا بأي التزام نحو المسيحية.
وتحدث رويخلين في رسائله الخاص عن بفيفر كورن فقال إنه "حمار" لم يتيسر له أن يحسن فهم الكتب التي اقترح إتلافها. وكان رد بفيفر كورن على هذه المجاملات أن أصدر كتاب "مرآة اليد". وقد هاجم فيه رويخلين




صفحة رقم : 8194




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


وعدة أداة رشاها اليهود. فرد عليه رويخلين طعنة بطعنة وأصدر كتاب "مرآة العين" الذي أثار عاصفة بين المحافظين. وشكت كلية اللاهوت في كولونيا إلى رويخلين أن كتابه قد أسعد اليهود كثيراً وطالبوه أن يسحبه من التداول. وحرم ماكسمليان بيعه فاستغاث رويخلين بالبابا ليو العاشر فأحال الأمر إلى مستشارين مختلفين فقرروا أن الكتاب لا ضرر منه، فما كان من ليو إلا أن يوقف الدعوى وأكد لعلماء الإنسانيات حوله أنه لن يلحق رويخلين أي أذى.
وفي غضون ذلك اتهم بفيفر كورن وأنصاره من رهبان الدومينيكان رويخلين أمام محكمة التفتيش في كولونيا بأنه كافر بالمسيحية وخائن لعهدها، فتدخل كبير الأساقفة وأمر بإحالة القضية إلى روما التي أحالتها بدورها إلى محكمة سبيير الأسقفية فبرأت رويخلين، ولجأ الدوينيكان بدورهم إلى روما وأمرت الكليات الجامعية في كولونيا وارفورت وماينز ولوفان وباريس بإحراق كتب رويخلين.
وأنه لأمر عجيب - ودليل مبين على الحيوية الثقافية في ألمانيا في هذا العصر أن يتصدى للدفاع عن رويخلين عدد كبير من المشهورين وقتذاك: أرازموس وبيركهاميمر وبويتنجر وأويكولا مبادوس البازيلي وفيشر أسقف روشستر وأولريخ فون هوتن وموتيانوس وايوبان هس ولوثر وميلانكستون، بل ودافع عنه بعض كبار رجال الدين من أنصار علماء الإنسانيات كما كان الحال في إيطاليا. وأعلن الأمراء الإمبراطوريون المختارون والأمراء وثلاثة وخمسون مدينة تأييدهم لرويخلين. وجمعت رسائل من المدافعين عنه ونشرت، وذلك مثل "رسائل من رجال مشهورين إلى يوحنا رويخلين" Clarorum viorum pistolae ad johanem Reuchlin. وفي عام 1515 أصدر علماء الإنسانيان كتابا أشد خطراً هو صفحة 324 (آخر الصفحة)




صفحة رقم : 8195




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان


أي رسائل من رجال مغمورين إلى الأستاذ المبجل أورتونيوس جراتيوس أستاذ الأدب في كولونيا. وتعد هذه الرسائل في تاريخ الأدب. وأحرزت نجاحا كبيراً إلى حد أن طبعة موسعة صدرت منها عام 1516 ثم نشر ملحق لها بعد عام. وادعى المؤلفون أنهم رهبان أتقياء معجبون بجراتيوس وأعداء لرويخلين، وأخفوا شخصياتهم تحت أسماء مستعارة عجيبة - نيكولاوس كابريمولجيوس (حالب لبن الماعز) ويوهانس بيليفكس (صانع الجلد) وسمون فورست (السجق) وكونرادوس أونكبيونك. واشتكى الكتاب من السخرية التي وجهها إليهم الشعراء (كما كان يطلق على علماء الإنسانيات الألمان) وذلك بلغة لاتينية أسيئت صياغتها عمداً، قلدوا فيها أسلوب رجال الأديرة، وطالبوا في إلحاح بمقاضاة رويخلين: وفي الوقت نفسه فضحوا جهلهم المطلق وفظاظة أخلاقهم وغلظة عقولهم، وناقشوا نسائل تدعو للسخرية في رصانة على نحو ما يفعل أنصار فلسفة الكلام واستشهدوا بآيات من الكتاب المقدس لتخفيف العبارات البذيئة - وسخروا بلا تيقظ من الاعتراف السمعي وبيع صكوك الغفران وتبجيل مخلفات القديسين ومن سلطة البابا، وهي الموضوعات نفسها التي تناولها الإصلاح الديني. وحارت كل الأوساط الأدبية في ألمانيا في التعرف على شخصيات مؤلفي هذه المجلدات: ولم يسلم الناس إلا فيما بعد بأن كروتوس روبيانوس الارفورتي وهو أحد مريدي موتيانوس، قد كتب معظم ما ورد بالطبعة الأولى وأن هوتن كتب معظم ما ورد بالملحق. وتميز ليو العاشر غضبا فحرم قراءة أو حيازة الكتاب وأدان رويخلين ولكنه أحل له نفقات محاكمة سبيير (1520)، وانسحب رويخلين وهو شيخ منهوك القوى في الخامسة والستين ليعيش في الغمرات ونسبه الناس بغير صخب في غمار تألق الإصلاح الديني.
واختفت حركة علماء الإنسانيات الألمانية بدورها في وهج هذه النار التي أضرمت كل شئ وتعرضت لحرب شعواء من معظم الجامعات من ناحية ومن رجال الإصلاح الديني الذين دخلوا معها في صراع من أجل الحياة من ناحية أخرى، فدعموا قضيتهم بعقيدة دينية ركزت على خلاص الروح في العالم الآخر. ولم تترك الناس إلا فسحة ضئيلة من الوقت يتدارسون فيها الحضارة الكلاسية أو يصلحون من أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، وحكم علماء الإنسانيات الألمان على أنفسهم بالهزيمة عندما فشلوا في الارتقاء بالأدب اليوناني إلى مستوى الفلسفة اليونانية.
وبالدخول في جدل عقيم أو الإغراق في صوفية أقل نضجا من صوفية اكهارت، لم يتركوا أعمالا عظيمة إذ أن كتب قواعد اللغة والمعاجم التي كان رويخلين يؤمل أن تكون "أثرا خالدا له يبقى أكثر من النحاس الأصفر" سرعان ما طويت في غياهب النسيان. ومع ذلك فمن يدري أن لوثر كان يجرؤ على أن يطلق قذائفه التي تشبه قذائف داود على تيتزل والبابوات إذا لم يكن عقل ألمانيا قد تحرر إلى حد ما من الرعب من أنصار الكنيسة الرومانية الكاثوليكية على يد علماء الإنسانيات. لقد كان أتباع رويخلين وموتيانوس أقلية قوية في أرفورت حيث درس لوثر لمدة أربع سنوات وأصبح شاعر ألماني في هذا العهد وتغذى بلبان علم الإنسانيات رسولاً متحمساً للإصلاح الديني.




صفحة رقم : 8196




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن



7- أولريخ فون هوتن


لم يكن هناك عمالقة في عالم الأدب الألماني في هذا العهد قبل لوثر، إذ لم يكن هناك سوى حيوية وخصب عجيبين. وكان الشعر يكتب ليقرأ جهرة. ومن ثم يلقى ترحيباً في الكوخ وفي القصر. واستمر تمثيل




صفحة رقم : 8197




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن


مسرحيات العشاء الرباني وآلام المسيح، التي يغشاها ورع شديد مموه باهتمام قوي بالفن الدرامي.
وما أن حل عام 1450 حتى قامت الدراما الشعبية الألمانية قد تحولت نحو التعليق بالدنيا إلى حد كبير. وتضمنت حتى في خلال التمثيليات الدينية، هزليات ساذجة، وأحياناً فاضحة، من "الفارس". وشاع المرح في الأدب وانتشرت نوادر تيل أولنشبيجل وهذره في ألمانيا وقتذاك، وهو المخادع الجوال، (ومعنى اسمه حرفيا مرآة البومة)، ولم ينج من حيله المرحة عامي أو قسيسي؛ ففي عام 1512 نشرت نوادره وأظهر العصر والأدب بل والفن، الرهبان والقسس وهم يسبحون إلى جهنم، وازدهر الهجاء في جميع الأشكال الأدبية.
وأشد هجاء في هذا العهد تضمنته مسرحية سفينة الحمقى بقلم سباستيان برانت، ولم يكن في وسع أحد أن يتوقع عملا يشيع فيه مثل هذا المرح من أستاذ في القانون والأدب الكلاسي في بازيل؛ فقد تخيل برانت أسطولا (نسبة في رحلة وأطلق عليه فيما بعد اسم سفينة) مزوداً برجال بلهاء، ويحاولون أن يشقوا عباب بحر الحياة، ويحاول أبله وراء الآخر أن يسير في اختيار على المسرح، وتتحمل طائفة تلو أخرى سوط لذعات كلمات المحامي الغاضبة - الفلاح والميكانيكي والشحاذ والمقامر والبخيل والمرابي والفلكي والمحامي ومدعي العلم والمحتال والفيلسوف والقسيس. ومثّلت المسرحية أيضاً زهو الرجال الجشعين وكسل الطلبة وخسة التجار وخيانة الأجراء- كل هؤلاء ينالون نصيبهم من الضربات، ويحتفظ برانت باحترامه للكاثوليكي الورع المستمسك بعقيدته والذي يرقب حياته على أساس الظفر بالجنة.
وقد طبع هذا الكتاب طبعة فاخرة، وزين بالصور التي توضع كل فقرة هجاء لاذعة في الحكاية، وحاز الكتاب قصب السبق في غرب أوربا، وترجم




صفحة رقم : 8198




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن


إلى اثنتي عشرة لغة، وكان أوسع الكتب انتشاراً في هذا العهد بعد الكتاب المقدس.
وإذا كان برانت قد مس بسوطه رجال الدين برفق فإن توماس مورنر، وهو راهب فرنشسكاني، هاجم الرهبان والقسس والأساقفة والراهبات بهجاء مقنع فاق ف حدته وغلظته وذكائه هجاء برانت. ولقد قال مورنر إن القس يعني بالمال أكثر مما يعنى بالدين، وهو يتملق رعايا أبرشيته من أجل الحصول على كل دانق، ثم يدفع مقداراً مما جمعه إلى الأسقف التابع له ليسمح له باتخاذ خليلة، أما الراهبات فإنهن يمارسن الحب خفية، والراهبة التي تنجب أكبر عدد من الأولاد تختار رئيسة للدير. ومهما يكن من أمر فإن مورنر اتفق في الرأي مع برانت على وجوب الإخلاص للكنيسة واتهم لوثر بأنه أشد بلاهة. ورثى لضعف الإيمان عند المسيحي والفوضى الضاربة أطنابها في العالم الديني، وذلك في قصيدة مؤثرة بعنوان "ضعف الإيمان عند المسيحيين".
وإذا كانت الشعبية الهائلة التي حظيت بها هذه القصائد الهجائية قد أماطت اللثام عن الاحتقار الذي يكنه حتى الكاثوليكيين المخلصين لرجال الدين، فإن أدب الهجاء العنيف الذي تميز به أولريخ فون هوتن قضى على كل أمل في أن تصلح الكنيسة من نفسها، ودعا إلى الثورة الصريحة. وقد ولد أولريخ من أسرة تنتمس إلى الفرسان في فرانكونيا، وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره أرسل إلى دير فولدا على أمل أن يصبح راهباً. وبعد وضعه بست سنوات تحت الاختبار هرب (1505) وعاش عيشة طالب متجول وأخذ يؤلف الشعر ويلقي القصائد يستجدي بها العيش، وكثيراً ما يقضى ليلة بلا مأوى، وإن كان لا يعدم الوسائل لمطارحة فتاة الغرام وهي فتاة تركت بصمتها في دمه. وأنهكت الحمى جسده أو كادت، وكثيراً ما كانت تشل ساقه اليسرى من أثر القروح والأورام، وكان حاد الطبع يستثار بسهولة، مثله في ذلك مثل كل عليل، ومع ذلك وجده أيوبان هسى محبوباً كما هو، واصطحبه أسقف




صفحة رقم : 8199




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن


كريم إلى فيينا حيث رحب به علماء الإنسانيات، ولكنه اختلف معهم وانتقل إلى إيطاليا. ودرس في بافيا وبولونيا، وصوب قذائف من القصائد الساخرة ضد البابا جوليوس الثاني، وانضم إلى جيش ألماني من الغزاة لكي يحصل على الطعام، ثم قفل أدراجه عائدا إلى ألمانيا وهو في أقصى حالات الإعياء.
وابتسم له الحظ إلى حين في ماينز: فقد كتب قصيدة مدح في كبير الأساقفة الشاب ألبرخت فتلقى منه 200 جيلدر (5.000 دولار؟) اعترافاً بالجميل. وكان بلاط ألبرخت وقتذاك يعج بعلماء الإنسانيات، وكان الكثيرون منهم من المفكرين الأحرار الذين لا يتمتعون بالاحترام. وبدأ هوتن هناك يكتب مقالته في كتاب "رسالة من رجال مغمورين"، والتقى هناك أيضاً بأرازموس، وخلب العالم الكبير لبه بسعة اطلاعه وذكائه وسحره. وبدأ مرة أخرى ينشد شمس إيطاليا مستعيناً بالمال الذي حصل عليه من ألبرخت والمعونة التي تلقاها من والده الذي رق لحاله، وكان في كل محطة يتوقف فيها ينسف طائفة علماء اللاهوت والرهبان المنافقين الفاسدين. "وأرسل من عاصمة البابوية إنذار إلى كروتوس روبيانوس هذا نصه: أرجو أن تتخلى يا صديقي عن رغبتك في مشاهدة روما، فإن ما تنشده هناك لم يعد موجودا... قد تعيش من السلب والنهب، وقد ترتكب جريمة قتل أو تنتهك حرمة المعابد... وقد تعربد وتستسلم للشهوات وتنكر وجود الله في السماء، ولكن إذا أتيت إلى روما محملا بالمال فثق بأنك ستلق من الناس أعظم احترام. إن الفضيلة وبركات السماء تباع هنا، بل إن في وسعك أن تشتري الحق في أن ترتكب ما شئت من الخطايا في المستقبل، وليس من شك في أنك تكون معتوهاً لو تمسكت بالأخلاق الطيبة؛ فالناس العقلاء سيكونون أشراراً".
وفي سخرية مرحة أهدى إلى ليو العاشر (1517) طبعة جديدة من رسالة فالا المدمرة عن "هبة قسطنطين" الخيالية، وأكد للبابا أن أغلب أسلافه من البابوات كانوا طغاة مستبدين ولصوصاً ومغتصبين، وأنهم حولوا




صفحة رقم : 8200




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن


الجزاء في العالم الآخر إلى دخل لأنفسهم، وقد وقع هذا العمل في يد لوثر فزاد من سخطه على البابوية.
وعلى الرغم مما تتسم به كثير من قصائد هوتن من عنف وقدح، فإنها حققت له شهرة موزعة على أنحاء ألمانيا. وعندما عاد إلى الوطن عام 1517 أضافه كونراد بويتنجر في نورمبرج وتوج ماكسمليان، بناء على اقتراح هذا العالم الثري، هوتن أميراً للشعراء. وألحقه ألبرخت وقتذاك بخدمته الدبلوماسية وأرسله في بعثات مهمة وصلت إلى باريس. وعندما عاد هوتن إلى ماينز (1518) وجد ألمانيا في ثورة بسبب مقالات لوثر عن صكوك الغفران، ولا بد أنه ابتسم عندما رأى صاحبه كبير الأساقفة المستهين بالأمور متورطاً في موقف لا يحسد عليه. وكان لوثر قد استدعى إلى أوجسبورج لمواجهة الكاردينال كاجيتان، وليدفع عن نفسه تهمة الهرطقة. وتردد هوتن، فقد كان مرتبطاً، عاطفياً ومالياً، بكبير الأساقفة، ولكنه أحس بنداء الحرب في دمه فامتطى جواده وسافر إلى أوجسبورج.




صفحة رقم : 8201




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية



8- الكنيسة الألمانية


ترى كيف كانت الكنيسة الألمانية في شباب لوثر؟ لقد ظهرت إشارة في استعداد كبار رجال الدين أن يتقبلوا النقد الموجه للكنيسة ونقادها. وكان هناك بعض الملحدين المشتتين ضاعت أسماءهم في غمرات الزمن، ويذكر أرازموس "هناك بيننا أناس يعتقدون مثل أبقراط أن الروح تموت مع الجسد"، ووجد بعض المتشككين بين علماء الإنسانيات، ومتصوفون أنكروا ضرورة الكنيسة أو القسس كوسطاء بين الله والإنسان، وأكدوا التجربة الدينية الباطنية كبديل للشعائر والقربان المقدس، وكانت هنا وهناك جيوب صغيرة من الولدانيين الذين أنكروا التفرقة بين القسس والعامة، وكان في شرق ألمانيا




صفحة رقم : 8202




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


بعض الهيسيين الذين وصفوا البابا بأنه خصيم للمسيحية، وفي أيجر دمغ أخوان هما جون وليفين بن أوجسبورج صكوك الغفران ووصفوها بأنها أمر يدعو إلى السخرية (1466).
وأعلن جوهان فون فييل، وهو أستاذ من أرفورت، في مواعظة أن الجبر والاختيار بفضل الله، ورفض الاعتراف بصكوك الغفران والقربان المقدس والصلوات للقديسين وأعلن :"إني لأحتقر البابا والكنيسة والمجالس ولا أعبد إلا المسيح". وأدانته محكمة التفتيش، فتراجع عما قال، ومات في السجن (1481)، وقد ناقش فيسيل جانسفورت، الذي اشتهر خطأ بإسم جوهان فيسيل، الاعتراف والحل، وصكوك الغفران والمطهر، واتخذ من الكتاب المقدس الحكم الوحيد على العقيدة وجعل الإيمان المصدر الوحيد للخلاص، وإذن فها نحن أولاء أمام لوثر في جملة. وفي عام 1522 قال لوثر :"لو كنت قرأت مؤلفات فيسيل من قبل لظن أعدائي أن لوثر قد اقتبس كل شيء منه،إذ أن آرائنا تتفق إلى حد كبير".
ومع ذلك فإن الدين في جملته كان يزدهر في ألمانيا، وكانت الغالبية العظمى من الناس محافظين، وكانوا أتقياء بين خطاياهم وكئوسهم، وكادت الأسرة الألمانية أن تصبح كنيسة في ذاتها، إذ كانت الأم تقوم بمهمة الواعظ والأب يقوم بدور القسيس، وكان أفرادها يكثرون من الصلاة، وكانت كتب الأسرة الخاصة بالتعبد لا يخلو منها بيت. أما الذين لا يستطيعون القراءة فكانت توفر لهم كتب مصورة Biblia Pauperum تصور قصص المسيح ومريم والقديسين، وكانت صورة العذراء عديدة كصور عيسى، والتسابيح تتلى في كثير من التكرار المشوب بالأمل. وأسس جاكوب شبرنجر عضو محكمة التفتيش جمعية من الرهبان لتكرار تلاوتها، وثمة صلاة ألمانية كانت تخاطب الثالوث الوحيد المشهور :"المجد للعذراء والأب والابن".




صفحة رقم : 8203




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


وكان بعض رجال الدين متدينين كالناس، ولابد أنه كان هناك بعض القسس المخلصين للعقيدة- ولو أن أسماءهم قلما كانت تسمع وسط ضجيج الشر- يمكن أن ينشروا مثل هذا الورع الذائع أو يدعموه بين الناس. وكان لقسيس الأبرشية، حظية أو زوجة يعترف بها القانون العام. ولكن يبدوا أن الألمان الذين لا يخشون الإقدام قد اغتفروا هذا الصنيع باعتباره سلوكاً أفضل من التخالط الجنسي، ثم ألم يتمرد الباباوات أنفسهم في هذا العهد الذي شاعت فيه الشهوات على العزوبة؟ أما بالنسبة لرجال الدين النظاميين، وهم هؤلاء الذين تعرضوا للخضوع لنظام صارم في الدير، فإن كثيراً من طوائفهم شغلوا أنفسهم وقتذاك بالإصلاح الذاتي الجاد. وقد استقر رهبان البندكتين في شيء من رغد العيش بالدير ونعموا بالترف الدنيوي، واستمر فرسان التيوتون في انحلالهم الأخلاقي وقساوتهم العسكرية وأطماعهم الإقليمية، ولكن رهبان الدمينيكان والفرنشسكان والرهبان الأوغسطينين عادوا إلى التزام قواعدهم وقاموا بأعمال كثيرة في مجال البر العملي، وكان الزهاد الأوغسطينيون أشد الرهبان حماسة لهذا الإصلاح الديني، وكانوا في الأصل نساكاً أو رهباناً زاهدين ولكنهم تجمعوا فيما بعد طوائف وحافظوا في إخلاص واضح على عهودهم الرهبانية من تقشف وعفة وخضوع، وتعلموا إلى درجة تكفي لشغل كثير من كراسي الأستاذية في الجامعات الألمانية. وكانت تلك هي الطائفة التي اختار لوثر أن ينتمي إليها عندما قرر أن يصبح راهباً.
وكانت الشكاوى ضد رجال الدين الألمان موجهة أساساً إلى البطاركة بسبب ثرائهم وانغماسهم في النعيم الدنيوي. فقد كان بعض الأساقفة والرهبان أن يهيمنوا على اقتصاد مساحات كبيرة وصلت إلى حوزة الكنيسة وإدارتها، وكانوا سادة إقطاعيين متوجين أو مكللين، غير أنهم لم يكونوا




صفحة رقم : 8204




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


دائماً متسامحين، وكان رجال الدين هؤلاء يتصرفون مثل أناس تعلقت قلوبهم بالدنيا لا كرجال نذروا أنفسهم لعبادة الله، ويزعم الرواة أن كثيراً منهم كانوا يذهبون في مركباتهم لصحبة حظاياهم إلى مجالس الدايت الإقليمية أو الاتحادية. وقد لخص جوهانس جانس، وهو بطريرك كاثوليكي متعلم ومؤرخ مساوئ الكنيسة الألمانية قبيل عهد الإصلاح الديني، ولعله كان قاسياً جداً في حكمه فقال:
"إن التناقض بين الهيام بالتقوى والجشع الدنيوي، بين الزهد الورع والتماس النفع الذي يتنافى بين طوائف المجتمع الأخرى. وفضلاً عن هذا فإن الوعظ ورعاية الأرواح كانا يلقيان إهمالاً تاماً من كثيرين من القسس ورجال الدين. واستشرى الشح والخطيئة الفادحة بين رجال الدين من جميع الرتب والطوائف في غمرة تلهفهم على زيادة الموارد الدينية والدخول والضرائب والأجور العائدة إلى حد، وكانت الكنيسة الألمانية أغنى الكنائس في العالم المسيحي، ويقدر البعض أن ما يقارب من ثلث الأراضي في البلاد كان بين أيدي الكنيسة، وأدى هذا إلى أمر يستحق اللوم بين السلطات الدينية، إذ أخذت تنشد دائماً ممتلكاتها وكانت مباني الكنيسة ومؤسساتها تستوعب أكبر جزء من الأرض في كثير من المدن.
وفي قلب الكهنوتية ذاتها كان هناك أيضاً تناقض ملحوظ في الدخل، فقد كانت الطوائف الدنيا من رجال الدين في الأبرشيات، الذين كانوا يستمدون رواتبهم الاسمية فقط من ضرائب العشور غير الثابتة، يضطرون في كثير من الأحايين -بدافع المسغبة، إن لم يكن بدافع إغراء الحرص- إلى الاشتغال بتجارة لا تتفق بتاتاً مع مناصبهم، وكانت تعرضهم إلى الاحتقار من رعايا أبرشياتهم، ومن جهة أخرى فإن الطوائف العليا من رجال الدين كانت




صفحة رقم : 8205




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
قديم 07-03-11, 08:30 صباحاً   رقم المشاركة : [270]
عصام زودي
مراقب عام المنتدى
 

الملف الشخصي





عصام زودي غير متواجد حالياً
 


افتراضي

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


تنعم بثراء فاحش لا حد له لا حد له، وكان كثير من رجالها لا يعانون شيئاً من وخز الضمير في التظاهر بطريقة ممقوتة تثير غضب الشعب وحسد الطبقات العليا وازدراء كل العقول الجادة.. وجأرت الأصوات بالشكوى في كل مكان من الارتزاق المهين بالمقدسات.. ومن المبالغ التي ترسل على دفعات، ومن الضرائب التي تدفع للبابا من الأرباح السنوية، ومن مال الرشوة.
وبدأ إحساس مرير بمقت الإيطاليين يتفشى شيئاً فشيئاً، حتى بين رجال من أمثال كبير الأساقفة برتولد فون هنيبرج، ممن كانوا أبناء مخلصين للكنيسة المقدسة. وكتب يقول في اليوم التاسع من سبتمبر عام 1496 :"يجب على الإيطاليين أن يكافئوا الألمان على خدماتهم وألا يستنزفوا دماء الهيئة الكهنوتية بسلب الذهب على دفعات".
وكان من الممكن الألماني أن تغتفر لأساقفتها تعلقهم بالدنيا، لو أنها أعفيت من ادعاءات الباباوات ومطالبهم، وقد استاءت روح القومية الناهضة من مزاعم البابوية أنها لا تعتبر أي إمبراطور حاكماً شرعياً إلا إذا أيده الباب، وأن من حقها خلع الأباطرة والملوك إذا أرادت. واستمر الصراع قائماً بين السلطتين الزمنية والدينية على التعيينات في المناصب وعلى تداخل الاختصاصات بين القضاء المدني والمحاكم الأسقفية، وعلى حصانة رجال الدين من تطبيق جميع التشريعات المدنية تقريباً. وتطلع الأشراف الألمان في غيظ وحسد لممتلكات الكنيسة الغنية، وأسف رجال الأعمال لأن الأديرة التي تطالب بالإعفاء من الضرائب تنافسهم في مجالس الصناعة والتجارة. وكان النزاع في هذه الرحلة قائماً على أمور مادية أكثر مما هو قائم على اختلافات دينية، وهاهو مؤرخ كاثوليكي آخر يقول:
"كان إجماع الرأي في ألمانيا أن المحكمة الرومانية ركزت الضغط في مسألة




صفحة رقم : 8206




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


الضريبة إلى درجة لا تحتمل... وارتفعت الشكوى مرة بعد أخرى من أن مستحقات المحكمة العليا والضرائب التي تدفع للبابا من أرباح العام... ونفقات الرسامة للكهان قد زيدت بلا مبرر أو توسع فيها بطريقة غير قانونية، وأن صكوك غفران جديدة كثيرة صدرت دون موافقة أساقفة البلد، وأن ضريبة عشور تلو أخرى قد فرضت من أجل حرب صليبية ثم حولت إلى غرض آخر. بل إن رجالاً كرسوا حياتهم للكنيسة والمحكمة البابوية... كثيراً ما أعلنوا أن شكاوى الألمان من روما كانت في معظمها قائمة على أساس سليم من وجهة النظر المالية".
وفي عام 1457 وجه مارتن ميير رئيس الوزراء خطاباً لخص فيه المتاعب التي تعاني منها ألمانيا من جانب المحكمة الرومانية قال فيها:
إن اختيار البطاركة كثيراً ما يؤجل دون داع ويحتفظ بالمراتب الرفيعة والمناصب للكرادلة وأمناء سر البابا، وهاهو الكاردينال بيكولوميني نفسه قد منح أرضاً براحاً في ثلاث مقاطعات ألمانية بصورة غير عادية لم يسمع بمثلها من قبل. كانت الوعود بالمناصب والإقطاعيات تبذل بلا حساب، وكانت الجزية والضريبة تجمع بالتعسف، ولا يمنح المدينون مهلة للسداد، ومن المعروف أن الضرائب التي تجبى كانت أكثر من المبالغ المستحقة، وكانت الأسقفيات تمنح لا لأكثر رجال الدين جدارة بل لصاحب أكبر عطاء. وكانت صكوك غفران جديدة تصدر يومياً، وضرائب عشور للحرب تقرض دون استشارة البطاركة الألمان لا لغرض إلا لجمع المال. وكانت القضايا التي ينبغي أن تعرض في الوطن تحول بسرعة إلى المحكمة الرسولية، وقد عومل الألمان كما كانوا برابرة أغبياء وأغنياء واستنزفت منهم الأموال بألف حيلة ماكرة....وقد ظلت ألمانيا سنوات طويلة تتمرغ في التراب تنتحب على فاقتها ومصيرها المحزن،أما الآن فإن أشرافها استيقظوا من النوم وقرروا أن يتخلصوا من نير العبودية وأن يستعيدوا حريتهم العريقة.




صفحة رقم : 8207




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


وعندما أصبح الكاردينال بيكولوميني عام 1458 البابا بيوس الثاني، واجه هذا التحدي، فطلب من ديترفون ايزنبورج مبلغ 20.500 جيلدر قبل أن يؤيد ترشيحه لمنصب كبير أساقفة ماينز (1459)، فما كان من ديتر إلا أن رفض دفع المبلغ بحجة أنه تجاوز كل ما كان يدفع من قبل، فأصدر البابا قراراً بحرمانه من غفران الكنيسة، ولكن ديتر تجاهل هذا الحرمان وأيده في هذا أمراء من الألمان، وعهد ديتر إلى محام من نورمبرج يدعى جريجور هايمبرج بإثارة الرأي العام لمنح المجالس الدينية سلطة أعلى من سلطة البابوات، فذهب هايمبرج إلى فرنسا لرفع دعوى جماعية ضد لبابوية، وخيل البعض فترة ما أن الأمم الشمالية سوف تتنصل من الولاء لروما، ولكن عملاء البابا انتزعوا من الحركة الواحد بعد الآخر من أنصار ديتر وعين مكانه أدولف الناساوى. واشتبك جيشا الأسقفين في حرب هزم فيها ديتر، ووجه إلى الزعماء الألمان تحذيراً بأنهم ما لم يقفوا معا فإنهم سيسامون الخسف والضيم واحداً بعد الآخر. وكان هذا الإعلان إحدى الوثائق الأولى التي طبعها جوتنبرج.
ولم يهدأ استياء الألمان بهذا النصر الذي أحرزه البابوات، وبعد أن تحول مبلغ كبير من المال من ألمانيا إلى روما في اليوبيل عام 1500 طالب مجلس الدايت في أوجسبورج بضرورة إعادة هذا القدر من المال إلى ألمانيا. وشكا الإمبراطور ماكسمليان من أن البابا سحب من ألمانيا دخلا يزيد مائة مرة عما يستطيع هو نفسه أن يجبيه منها. وفي عام 1510، وكان وقتذاك في حالة حرب مع البابا يوليوس الثاني، طلب من عالم الإنسانيات ويمفيلنج إعداد قائمة بشكاوي ألمانيا ضد البابوية، وفكر في فترة من الزمن أن يقترح فصل الكنيسة الألمانية عن روما، ولكن ويمفيلنج أثناه عن عزمه بحجة أنه لن يجد تأييداً دائما من الأمراء، ومع ذلك فإن كل التطورات الاقتصادية في هذا العهد مهدت لثورة لوثر. وليس من شك في أن اختلافا في المصالح




صفحة رقم : 8208




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


المادية مهد أيضاً للإصلاح الديني في ألمانيا، فطالب الأمان بوضع حد لتفق الأموال الألمانية إلى إيطاليا، أي إلى نهضة إيطاليا تمول الشعر والفن بالذهب الوارد من وراء جبال الألب.
وواكب حركة المعاداة لرجال الدين الورع بين الناس. وها هو راع أمين يكتب "إن روحاً ثائرة من الكراهية للكنيسة ورجال الدين قد تفشت بين الجماهير في مختلف أرجاء ألمانيا... إن صيحة الموت للقساوسة "التي طالما ترددت في السر همساً أصبحت الآن كلمة السر التي تردد كل يوم". كان هذا العداء المعروف حاداً إلى درجة أن محكمة التفتيش التي ارتفع شأنها وقتذاك في إسبانيا كانت لا تكاد تجرؤ على إدانة أي أحد في ألمانيا. وصدرت كتيبات عنيفة اللهجة حافلة بالهجوم على الكنيسة، وكان رفيقاً بالكنيسة الألمانية بقدر ما كان عنيفاً على الكرسي الأسقفي الروماني.
وانضم بعض الرهبان والقساوسة إلى حملة الهجوم، وأثاروا أبرشياتهم ضد الترف الذي يعيش فيه كبار رجال الدين. وجاء الحجاج العائدون من يوبيل عام 1500 إلى ألمانيا بقصص فظيعة - ومبالغ فيها كثير من الأحيان- عن البابوات المنحلين والسموم البابوية وصخب الكرادلة وعن وثنية وخسة عامة، وأقسم كثير من الألمان أنهم سيسحقون هذا الطغيان مرة أخرى، كما حطم أسلافهم سلطان روما عام 476. وتذكر آخرون ما لقيه الإمبراطور هنري الرابع على يد البابا جريجوري السابع من إذلال في كانوسا، واعتقدوا أن الوقت قد حان للانتقام، وفي عام 1521 قال الياندر، القاصد الرسولي للبابا، محذرا ليو العاشر من ثورة وشيكة ضد الكنيسة: "إنه منذ خمس سنوات سمع من كثير من الألمان أنهم لا ينتظرون إلا أحد الحمقى، ليفتح فمه ضد روما".




صفحة رقم : 8209




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية


وكانت آلاف العوامل والمؤثرات الكهنوتية والفكرية والعاطفية
والاقتصادية والسياسية والخلاقية، تتجمع بعد قرون من التعويق والاضطهاد في دوامة تقذف بأوربا في أعظم فورة شهدتها منذ غزو البرابرة لروما. ثم إن إضعاف البابوية بالنفي في أفنيون والانقسام في صفوف البابوية وانهيار النظام في الأديرة وترهب رجال الدين والترف الذي يرفل فيه البطاركة وفساد مجالس القضاء الرومانية ووجوه النشاط المتسم بالإقبال على الدنيا للبابوات وأخلاقيات الكسندر السادس وحروب يوليوس الثاني والمرح المستهتر الذي عرف به ليو العاشر والتجار في المخلفات المقدسة وبيع صكوك الغفران وانتصار الإسلام على العالم المسيحي في الحروب الصليبية إلى جانب التركية وازدياد الاتصال بالعقائد غير المسيحية وتدفق العلم العربي والفلسفة العربية وتدهور مكانة الفلسفة الكلامية في ظهور فلسفة سكوتس اللاعقلانية وشك أوكهام وفشل حركة التوفيق في الإصلاح والكشف عن الحضارة الوثنية القديمة واكتشاف أمريكا واختراع الطباعة وانتشار القراءة والكتابة والتعليم وترجمة الإنجيل وقراءته والإدراك الجديد للتناقض بين فقر الرسل وبساطتهم وبين ثراء الكنيسة الفاحش والثراء المتزايد لألمانيا وإنجلترا واستقلالهما الاقتصادي ونمو طبقة وسطى ترفض التسليم بقيود رجال الدين ومزاعمهم والاحتجاج على تدفق الأموال إلى روما وتحويل القانون والحكم إلى الأغراض الدنيوية وفتوة القومية وتقوية الملكيات والتأثير القومي للغات والآداب الشعبية وتفاعل الميراث الفكري الذي خلفه الوالدانيون وويكليف وهس والمطالبة الصوفية بالتخفف من الطقوسية في سبيل ديانة تلتحم بالشخصية والروحية وتتسم بالاتصال المباشر بالإنسان... إن هذه كلها كانت تتحد في سبيل عارم سوف يحطم عرف والروابط ويمزق أوربا إلى أمم ومذاهب، وسوف يكتسح أمامه أكثر فأكثر دعائم المعتقدات المأثورة وما تقدمه من عزاء، ولعلها تؤذن ببداية النهاية لسلطان المسيحية على الحياة العقلية للرجل الأوربي.




صفحة رقم : 8210




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل



الكتاب الثاني




الثورة الدينية




1517 - 1564




الفصل السادس عشر




لوثر: الإصلاح الديني في ألمانيا




1517 - 1524




1- تيتزل


أصدر البابا ليو العاشر في اليوم الخامس عشر من مارس عام 1517 أشهر صكوك الغفران. ومما يؤسف عليه - وإن كان له ما يسوغه - أن الإصلاح الديني فرض عليه أن يحارب في عهد سلطة بابوية جمعت في روما كثيراً من ثمار عصر النهضة وجانباً كبيراً من روحها؛ فلقد أصبح ليو، ابن لورنزو العظيم، وقتذاك عميداً لأسرة مديتشي، التي غذّت عصر النهضة في فلورنسا، وكان بحاثة وشاعراً وسيداً مهذباً رقيق القلب كريماً، يعشق الأدب الكلامي والفن الرقيق. وكان حسن الأخلاق في وسط منحل، ويميل بطبعه إلى المرح المشروع الذي يشيع البهجة في النفوس، وأضحى مثالاً للسعادة في مدينة كانت منذ قرن خراباً بلقعاً. وكانت كل أخطائه جميعاً سطحية، إذا استثنينا سطحيته هو نفسه، ولم يكن يفرق إلا قليلاً بين مصلحة أسرته ومصلحة الكنيسة، وبدد أموال البابوية على شعراء أصالتهم محل شك وعلى حروب هي موضع نظر، وكان متسامحاً في العادة يستطيب الهجاء الموجه ضد رجال الدين الوارد في كتاب "الثناء على الطيش" لأرازموس، وقد عمل إلا في فترات عارضة بالاتفاق غير المكتوب الذي منحت بموجبه الكنيسة في عصر النهضة حرية لا بأس بها للفلاسفة والشعراء والعلماء - الذين كانوا يوجهون أحاديثهم باللاتينية - إلى الأقلية المتعلمة وإن تركوا عقيدة - الجماهير الراسخة دون مساس.




صفحة رقم : 8211




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


وكان ليو ابن مصرفي اعتاد أن يبادر إلى إنفاق المال، وبخاصة على الآخرين. وورث خزائن بابوية مفعمة بالأموال من يوليوس الثاني وأفرغها قبل أن يموت. ولعله لم يبالِ كثيراً بالكنيسة الضخمة التي فكر يوليوس في إنشائها وشرع في ذلك إلا أن كنيسة القدّيس بطرس القديمة لم تكن صالحة للترميم، وكان لابد أن تتدفق مبالغ كبيرة لإنشاء الكنيسة الجديدة ووجدت سلطات الكنيسة من العار عليها أن تدع هذا المشروع العظيم يُقبر في مهده. ولعله عرض في شيء من التردد أن يمنح في عام 1517 صك غفران لكل مَن يسهم في نفقات تكملة هذا المعبد العظيم. واحتج الحكام في إنجلترا وألمانيا وفرنسا وأسبانيا لأن ثروات بلادهم كانت تستنزف، ولأن اقتصادياتها القومية تتعرض للضرر بالحملات المتكررة لتحويل المال إلى روما، وكان ليو أحرص ما يكون على إرضاء الملوك وهم أقوياء: فوافق على أن يحتفظ هنري الثمن بربع الأموال التي تجمع من إنجلترا وقدم قرضاً قدره 175000 دوكات إلى الملك شارل الأول (الإمبراطور شارل الخامس فيما بعد) في مقابل الأموال المنتظر جمعها من أسبانيا ووافق على أن يحتفظ فرانسيس الأول بجزء من المبلغ الذي يجمع في فرنسا، أما ألمانيا فقد قوبلت بمعاملة أقل كرماً، فلم تكن فيها ملكية قوية تستطيع أن تساوم البابا ومهما يكن من الأمر، فإن الإمبراطور ماكمليان نال مبلغاً متواضعاً قدره 3000 فلورين من الإيرادات، وفوض آل فوجر في أن يأخذوا من الأموال التي تجمع مبلغ 20000 فلورين كانوا قد أقرضوه لألبرخت البراندنبرجي لكي يدفعها للبابا لتثبيته في منصب كبير أساقفة ماينز. ولسوء الحظ كانت تلك المدينة قد فقدت ثلاثة من كبراء أساقفتها في عشر سنوات (1504-1514) ودفعت مرتين نفقات باهظة للحصول على تأييد البابا، ومن ثم اقترض البرخت ليعفيها من الدفع مرة ثالثة - ووافق ليو وقتذاك على أن يتولى رئيس الأساقفة الشاب توزيع صكوك الغفران في ماجدبرج وهالبرشتادت وفي ماينز أيضاً. وكان يصحب كل واحد من واعظي




صفحة رقم : 8212




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


ألبرخت وكيل لآل فوجر يراجع المصروفات والإيرادات وكان يحتفظ بأحد مفاتيح الخزانة التي تضم الأموال(1).
وكان جوهان تيتزل وكيل ألبرخت الأول، وهو راهب دومينيكاني اكتسب مهارة وشهرة في جمع المال. وكان عمله الرئيسي منذ عام 1500 توزيع صكوك الغفران، وكان يلقى عادة في هذه المهام عون رجال الدين المحليين وإذا دخل مدينة استقبله موكب من القساوسة والحكام والأتقياء من العامة وهم يحملون الأعلام والشموع ويرتلون الأناشيد ويرفعون نشرة صك الغفران عالية فوق وسادة من المخمل أو وسادة مذهبة في حين تقرع الكنيسة أجراسها وتعزف على آلات الأرغن فيها وهكذا استطاع تيتزل(2) بفضل هذه المساندة أن يقدم بصفة مؤثرة صك غفران كامل لهؤلاء الذين يعترفون بخطاياهم وهم نادمون ويسهمون في بناء كنيسة جديدة للقديس بطرس حسب ما تسمح به مواردهم:
ألا فليرحمك الرب يسوع المسيح ويغفر لك بفضل ما لقي من آلام مقدسة وأنا بتفويض منه ومن رسوليه المباركين بطرس وبولس، ومن البابا المقدس منح لي وعهد به الي في هذه الأجزاء إن احلك أولاً من كل لوم ديني مهما كانت الطريقة التي تعرضت لها، ثم من كل خطاياك ومن كل تجاوز للحدود وكل إفراط في الملذات مهما بلغت من الجسامة، بل حتى من أي إثم تحتفظ بتقريره وإدراكه السدة البابوية، وبقدر ما يمتد نطاق سلطان الكنيسة المقدسة أعفيك من كل عقاب تستحقه في المطهر بسبب هذه الآثام، وأعيدك إلى القربان المقدس للكنيسة وإلى البراءة والطهر اللذين حزتهما في العماد، ولهذا فإنك عندما تموت ستغلق أمامك أبواب العذاب وتفتح لك أبواب جنة النعيم، وإذا لم تمت الآن فإن هذا الفضل سوف يظل في أوج قوته عندما تصبح على وشك الموت باسم الأب والابن والروح القدس(3).
وكانت هذه الصفقة الرائعة بالنسبة إلى مؤمن تتفق مع المفهوم الرسمي




صفحة رقم : 8213




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


لصكوك الغفران بالنسبة للأحياء، وها هو اسم تيتزل يتردد مرة أخرى خلال الخطاب المتضمن لتعليمات أسقفه عما استغنى عن الاعتراف التمهيدي إذا لجأ المتبرع إلى تقديم صك الغفران لروح في المطهر. ويقول مؤرخ كاثوليكي: ليس من شك في أن تيتزل أعلن طبقاً لما كان يتصوره من العقيدة المسيحية وفق التعليمات المخولة له أنه لا داعي لشيء سوى تقديم المال للحصول على صك غفران للميت في غير ما حاجة إلى الندم أو الاعتراف. ومن تعاليمه أيضاً، طبقاً للرأي الذي كان يعتنقه، أن صك الغفران يمكن أن يُمنح لأي روح معينه ويكون له أثر لا يخيب. وبناء على هذا الغرض فإن مما لا شك فيه أن مذهبه كان متفقاً مع هذا المثل السائر: "ما أن ترن قطع النقود في الخزانة حتى تقفز الروح من نار المطهر". ولم تنص نشرة البابا الخاصة بصكوك الغفران على أي دليل لهذا الرأي. وكان رأياً غامضاً لأنصار فلسفة اللاهوت... ولم يكن يمثل عقيدة ما للكنيسة(4).
وسمع مايكونيوس، وهو راهب فرنسسكاني ربما كان معادياً للدومينيكان بصنيع تيتزل فكتب تقريراً عن هذا العام 1517، يقول: "إن ما قاله هذا الراهب الجاهل وبشر به أمر لا يصدق. لقد أعطى خطابات مختومة ضمنها أن الخطايا التي يعتزم المرء أن يرتكبها سوف تخفر له، وقال إن البابا يملك سلطاناً يفوق سلطان الرسل والملائكة والقديسين، بل يفوق سلطان العذراء مريم نفسها، لأن هؤلاء جميعاً كانوا أتباعاً للمسيح أما البابا فانه ند للمسيح". وقد يكون في هذا مبالغة، ولكن مثل هذا الوصف يمكن أن يقدمه أي شاهد عيان يشير إلى ما يثيره تيتزل من مقت. ومثل هذا العداء يبدو في الشائعة التي ذكرها لوثر(5) في ارتياب والتي استشهد بها تيتزل عندما قال في هال إنه إذا حدث المستحيل أغتصب الرجل أم الرب فإن صك الغفران كفيل بأن يمحو عنه هذا الإثم. وحصل تيتزل على شهادات من السلطان المدنية والكهنوتية في هال بأنهم لم يسمعوا القصة قط(6). كان بائعاً متحمساً ولكنه لم يكن يفتقر تماماً إلى الضمير.




صفحة رقم : 8214




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


وكان يمكن أن ينجو من حكم التاريخ لو لم يقترب كثيراً من أراضي فردريك الحكيم الأمير المختار لسكسونيا وكان فردريك حاكماً ورعاً حسن التدبير، ولم يكن لديه اعتراض من الناحية النظرية على صكوك الغفران وقد جمع 19000 من مخلفات القديسين في كنيسة قصره بفيتنبرج(7)، واتخذ التدابير اللازمة للحصول على صك غفران يرتبط بتوقيرها كما حصل على صك غفران آخر للمتبرعين بالأموال اللازمة لبناء قنطرة في تورجاو، وعهد إلى تيتزل بأن يعلن عن فوائد هذا الصك البابوي(8)، ومهما يكن من أمر فإنه أمسك من البابا الكسندر السادس (1501) المبلغ الذي جمع في إمارة سكسونيا بموجب صك غفران يمنح مقابل التبرعات اللازمة للحرب الصليبية ضد الأتراك، وقال إنه سوف يرفع يده عن المال عندما تتجسم الحرب الصليبية في صورة مادية، ولما لم يتحقق هذا قط احتفظ فردريك الحكيم بالأموال واستخدمها في بناء جامعة بفيتنبرج(9). وحرم في أرضه وقتذاك التبشير بصك غفران عام 1517 مدفوعاً بنفوره من السماح لعملة ساكسونيا بالهجرة، أو لعل هذا كان بدافع من التقارير عن مبالغات تيتزل؛ بيد أن تيتزل اقترب كثيراً من الحدود حتى أن أهالي فيتنبرج عبروا الحدود للحصول على صك الغفران، وجاء عدد من المشتركين لهذه "الرسائل البابوية" بها إلى مارتن لوثر أستاذ علم اللاهوت في الجامعة وطلبوا منه أن يشهد بفاعليتها فرفض، وترامى الرفض إلى مسامع تيتزل فتوعد لوثر وهكذا خلد اسمه في التاريخ.




صفحة رقم : 8215




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


كان قد أساء تقدير خصام الأستاذ إذ أن لوثر سرعان ما ألّف باللاتينية وخمسة وتسعين رسالة أطلق عليها اسم Disoutatio pro declaratione virtutis indulgentiarum "بحث في بيان قوة صكوك الغفران". ولم يعتبر آراءه من قبيل الهرطقة ولم تكن كذلك بكل تأكيد. وكان لا يزال كاثوليكياً متحمساً ليست لديه أدنى فكرة لقلب الكنيسة... كان غرضه أن يدحض الادعاءات المغالى فيها بشأن صكوك الغفران وأن يصحح المساوئ التي تنشأ عن توزيعها. وشعر بأن سهولة اصدار صكوك الغفران والاتجار فيها على نطاق واسع قد أضعف الاحساس بالندم الذي يجب أن يثيره ارتكاب الاثم، وجعل الخطيئة تبدو أمراً تافهاً يمكن تسويته ودياً بصفقة تُعقد مع بائع يتجر بالغفران، ومع ذلك فإنه لم ينكر "السلطة" البابوية في غفران الخطايا، وسلم بسلطة البابا في إحلال (إعفاء) النادم المعترف من العقوبات الدنيوية التي يفرضها عليه رجال الكنيسة ولكن من وجهة نظر لوثر هي أن سلطة البابا في تحرير الأرواح من المطهر أو في تقليل مدة عقابها، هناك تتوقف لا على السلطة التي تمثلها مفاتيح بطرس الرسول والتي لا تصل إلى أبعد من القبر - ولاكن تتوقف على تأثير الشفاعة لصلوات البابا، وهي قد تُسمع وقد لا تُسمع (الرسائل: 20-22) يضاف إلى هذا كله أن لوثر قال إن كل المسيحيين يشاركون آلياً في خزينة الفضائل التي كسبها المسيح والقديسون حتى وإن لم ينص خطاب بابوي بالغفران على منحهم مثل هذا النصيب. وأعفى البابوات من مسؤولية مبالغات الوعاظ، ولكنه أردف في خبث: "إن التبشير المطلق العنان بالغفران يجعل من الصعب حتى على الناس المتعلمين، أن ينقذوا الاحترام الواجب من التساؤلات الذكية اللماحة للعامة: لم لا يفرغ البابا مطهراً من أجل الحب المقدس والحاجة الملحة للأرواح الهائمة هناك إذا كان يفتدي... عدداً من الأرواح من أجل المال التعس الذي يبني به كنيسة؟ (رسائل من 81-82).




صفحة رقم : 8216




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تيتزل


وفي وقت الظهيرة في اليوم الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1517 ألصق هذه الرسائل على الباب الرئيسي لكنيسة القصر في فيتنبرج، وفي اليوم الأول من نوفمبر في يوم عيد جميع القديسين عرضت هناك المخلفات المقدسة التي جمعها الأمير المختار، وكان من المتوقع حضور جمع غفير. ولا شك أن عملية اعلان هذه الرسائل على الجمهور، والتي قام بها مقدمها لمواجهة كل المتحدين، كانت عادة قديمة في جامعات القرون الوسطى وأن الباب الذي استخدمه لوثر في لصق هذا الاعلان به، كان قد استخدم بانتظام لوحة النشرات الأكاديمية. وقدم لهذه الرسائل بدعوة ودية تقول:
بدافع من الحب للعقيدة والرغبة في تسليط الضوء عليها سوف تناقش الآراء التالية في فيتنبرج تحت رعاية الأب الموقر مارتن لوثر، أستاذ الآداب واللاهوت المقدس والمحاضر الثبت لنفس العلم في ذلك المكان. ولهذا يرجو من هؤلاء الذين لا يستطيعون الحضور والجدال شفوياً أن يفعلوا هذا بخطاب.
وقام لوثر بترجمة هذه الرسائل إلى الألمانية ووزعها على الناس لكي يتأكد من أنه سوف تفهم على أوسع نطاق. وارسل نسخة من هذه الرسائل إلى ألبرخت كبير أساقفة ماينز بجرأة لا نظير لها، وهكذا بدأ الاصلاح الديني في جو من الرقة والورع وعن غير قصد.




صفحة رقم : 8217




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر



2- تكوين لوثر


ترى ما هي ظروف الوراثة والبيئة التي صاغت من راهب مغمور، في مدينة لا يتعدى سكانها ثلاثة آلاف نسمة داود الثورة الدينية؟ كان أبوه هانز رجلاً صارماً فظاً يستثار بسهولة، ومناهضاً لرجال الدين، وكانت أمه امرأة خجولاً متواضعة تكرس كثيراً من أوقاتها للصلاة، وكان كلاهما مقتصداً. وعمل هانز فلاحاً في موهرا ثم اشتغل بالتعدين في مانسفيلد، إلا أن




صفحة رقم : 8218




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


مارتن ولد في أيسليبين في اليوم العاشر من نوفمبر عام 1483، وأعقب والده بعده ستة أطفال. وكان هانز وجريتا يؤمنان بالعصا كوسيلة سحرية لتقويم الأخلاق، ويقول مارتن إن أباه ثابر على ضربه يوماً حتى إنهما ظلا زمناً طويلاً يناصب كل منهما الآخر العداء، وفي مناسبة أخرى جلدته أمه حتى سال دمه لأنه سرق جوزة. وقال مارتن مفكراً فيما بعد: "إن الحياة الخشنة القاسية التي عشتها معهما هي التي دفعتني إلى أن ألجأ فيما بعد إلى الدير وأصبح راهباً"(10). وليس من شك في أن صورة الرب التي نقلها له والداه عكست مزاجهما الخاص. أب قاسٍ وقاضٍ صارم يطالب بفضيلة عبوس ويطلب استرضاءه دائماً ويلعن أخيراً الجانب الأكبر من البشر ويدعو عليهم بأن يخلدوا في النار. وكان والداه كلاهما يؤمنان بوجود سحرة وعفاريت وملائكة وشياطين من فصائل متعددة وتخصصات متنوعة، وحمل مارتن معه حتى النهاية معظم هذه الخرافات. وهكذا أسهم دين قام على الفزع في بيت يحتفل بالتأديب الصارم في تكوين شباب لوثر وعقيدته الدينية.
والتحق بمدرسة في مانسفيلد كان الطلبة يتلقون فيها مزيداً من العصي وكثيراً من الوعظ وجُلد فيها مارتن خمس عشرة مرة في يوم واحد لأنه أخطأ في اعراب اسم. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره نقل إلى مدرسة ثانوية تديرها جمعية دينية في ماجدنبرج، وفي سن الرابعة عشرة حول إلى مدرسة سانت جورج في أيزيناخ، وأمضى ثلاث سنوات سعيدة نسبياً اقام فيها بمنزل السيدة كوتا المريح. ولم ينسَ لوثر قد قولها إنه ليس على ظهر الأرض ما هو أثمن للرجل من حب إمرأة فاضلة. وكانت هذه نعمة لم يظفر بها إلا بعد اثنين وأربعين عاماً، وفي هذا الجو الصحي استكمل السحر الطبيعي للشباب، إذ كان سليماً معافى صريحاً ومنشرحاً من الناحية الاجتماعية. وكان يحسن الغناء والعزف على العود.
وأرسله والده الميسور الحال عام 1501 إلى الجامعة في أرفورت، وكان




صفحة رقم : 8219




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


برنامج الدرس يركز على اللاهوت والفلسفة، وكانت لا تزال كلامية ولكن المذهب الاسمي لأوكهام كان قد انتصر هناك، ولعا لوثر قد فطن إلى رأي أوكهام الذي يذهب إلى أن البابوات والمجالس الدينية يمكن أن تخطئ، وكان من رأيه أن فلسفة الكلام في أية صورة من صورها غير مستحبة حتى انه امتدح لصديق له "إلا يتعلم الروث الذي يقدم باعتباره فلسفة"(11).
وكان في أرفورت بعض علماء الانسانيات المعتدلين، وتأثر بهم قليلاً ولكنهم لم يهتموا به عندما وجدوه يحتفل بالعالم الآخر. وتعلم قليلاً من اليونانية والنزر اليسير من العبرية ولكنه قرأ أمهات الكتب الكلاسيكية باللاتينية، وحصل على 1505 على درجة الماجستير في الآداب، فأرسل له أبوه المزهو به نسخة غالية من مجموعة قوانين البلد هدية بمناسبة تخرجه. واغتبط عندما بدأ ابنه في دراسة القانون. وفجأة بعد شهرين من هذه الدراسة قرر الشاب أن يصبح راهباً، الأمر الذي أفزع والده.
وهذا القرار يعبر عن التناقض في خلقه، فقد كان قوياً يفيض بالحيوية إلى حد الانغماس في الشهوات، وكان من الواضح أنه خلق لحياة يرضي فيها الغرائز الطبيعية، ومع أنه لقن في البيت والمدرسة عن اقتناع أن الإنسان آثم بطبعه، وأن الاثم معصية لإله قادر على كل شيء شديد العقاب، فإنه لم يوفق قط، في الفكر أو في السلوك، بين غرائزه الطبيعية وبين معتقداته المكتسبة. ويبدو أنه عندما كان يمر بالتجارب الغرامية العادية ونزوات المراهقة لم يستطع أن ينظر إلى هذه التجارب على أنها مراحل من التطور، بل رأى أنها من أعمال شيطان نذر نفسه للإيقاع بالارواح في لعنة أبدية لا فكاك منها. وكان مفهومه الذي لقن له عن الله لا يكاد يشمل أي عنصر من الحنان، ولم يكن لصورة مريم المواسية موضع كبير في هذا اللاهوت القائم على الخوف، ولم يكن يسوع هذا هو الابن المحب الذي لا يستطيع أن يرفض طلباً لأمه، بل كان عيسى في يوم الدينونة الذي كثيراً ما صوّر في




صفحة رقم : 8220




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


الكنائس، المسيح الذي هدد الخاطئين بعذاب جهنم الأبدي. وليس من شك في أن الفكرة المتواترة عن الجحيم وضعت غشاوة على عقل كان شديد التمسك بتعاليم الدين بحيث نسيها وهو ينتهب لذة الحياة كل يوم. وبينما كان عائداً يوماً من بيت أبيه في أرفورت (يوليو سنة 1505) واجهته عاصفة رهيبة، ولمع البرق حوله، وأصابت الصاعقة شجرة قريبة منه؛ وخيل للوثر أن هذا انذار من الله وأنه ما لم يكرس أفكاره للخلاص فسوف يفاجئه الموت ويلقى حتفه دون أن يسمع اعترافه وتطارده اللعنة. ترى اين يستطيع أن يحيا حياة ينصرف فيها إلى التعبد؟ إن هذا لا يتيسر إلا حيث يقيم حاجزاً بينه وبين العالم والشهوة والشيطان، بين أربعة جدران، أو يقهر النفس بالانصراف إلى التقشف، ونذر عهداً للقديسة آن أنه لو نجا من هذه العاصفة فسوف يصبح راهباً.
وكان هناك عشرون ديراً في أرفورت فاختار واحداً عرف بالإخلاص في مراعاة قواعد الأديرة، وهو دير الرهبان الأوغسطينيين، ودعا أصدقاءه جميعاً وشرب وغنى معهم في حفل قال لهم إنه يقوم به لآخر مرة وفي اليوم التالي استقبل في خلوة بدير كمبتدئ في الرهبنة، وقام بأحقر الأعمال في تواضع لا يخلو من الاعتزاز بالنفس، وتلا الصلوات مراراً وتكراراً كمن نوّم نفسه تنويماً مغناطيسياً، وتجمد جسده في مضجع بارد وصام وعذب نفسه، أملاً في أن يطرد من جسده الشياطين وقال: "كنت راهباً ورعاً أراعي أحكام الطائفة التي أنتمي إليها بشدة إلى حد أنه... إذ قد قدر لراهب أن يدخل الجنة عن طريق الرهبنة فإني أدخلها لا محالة... ولو أن هذا الأمر طال أكثر من هذا لكنت عذبت نفسي حتى الموت بالسهر والصلاة والقراءة وغيرها من الأعمال"(12). وفي إحدى المناسبات عندما اختفى عن الاعين بضعة أيام اقتحم اصدقاؤه عليه خلوته فوجدوه يرقد على الأرض غائب الوعي، وكانوا قد أحضروا معهم عوداً وعزف عليه واحد منهم فاسترد قواه وشكرهم. وفي سبتمبر عام 1506 أقسم قسماً مغلظاً بأن يلتزم




صفحة رقم : 8221




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


الخصاصة والعفة والطاعة، وفي مايو عام 1507 رُسم قساً ومحضه زملاؤه الرهبان نصيحة ودية وأكد له أحدهم أن عذاب المسيح إنما هو تكفير عن طبيعة الإنسان الخاطئة وأنه فتح للتائب أبواب الجنة.
وما قرأه لوثر عن الصوفيين الألمان وبخاصة عن تاولر أعطاه أملاً في أن يجتاز الثغرة الرهيبة بين روح تنزع بطبيعتها إلى الخطيئة وبين إله مقسط قادر على كل شيء. ثم وقعت في يديه رسالة بقلم جون هس فساورته شكوك عقائدية زادت من اضطرابه الروحي. وتساءل قائلاً: "ترى لماذا أحرق رجل استطاع أن يكتب بمثل هذه الروح المسيحية وبهذه القوة؟ لقد أغلقت الكتاب وأشحت بوجهي وقلبي جريح"(13). وأولى جوهان فون شتاوبتز، وهو قسيس اقليمي من الرهبان الأوغسطينيين، الراهب القلق، اهتماماً أبوياً، وأمره أن يستبدل بالتقشف قراءة الكتاب المقدس وتعاليم القدّيس أوغسطين بكل عناية. وأعرب الرهبان عن جزعهم لم أصابه فأعطوه كتاباً مقدساً باللاتينية - وكان وقتذاك من المقتنيات النادرة - بالنسبة لأي فرد.
وفي أحد أيام عام 1508 أو عام 1509 استرعت انتباهه عبارة وردت في رسالة القدّيس بولس إلى الرومان (1 : 17) "إن الحق يحيا بالإيمان" وقادته هذه الكلمات في بطئ إلى العقيدة التي تذهب إلى أن الإنسان يمكن أن يزكى - أي يرجع إلى الصواب وينجو من النار - لا بالأعمال الطيبة التي لا يمكن أن تكفي أبداً للتكفير عن معصيته لإله لا حد لقدرته، بل بالإيمان المطلق بالمسيح وبتكفيره عن خطايا البشر. ووجد لوثر في تعاليم أوغسطين فكرة أخرى لعلها جددت من مخاوفه - تلك هي القدر - أن الله قدر حتى قبل الخليقة أن تحظى بعض الأرواح بالخلاص وأن يزج بالباقي في جهنم، وأن الاختيار تم بمشيئة الله أن يكون الخلاص بالتضحية بالمسيح. ومن هذا المجال الصريح فر مرة أخرى إلى أمله الأساسي في الخلاص عن طريق الأيمان.
وحول عام 1508 نقل إلى دير أوغسطين في فيتنبرج بناء على توصية من




صفحة رقم : 8222




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


شتاوبيتز، وعين في وظيفة معلم للمنطق والفيزياء، ثم عين أستاذاً للاهوت في الجامعة. وكانت فيتنبرج عاصمة الشمال - وقلما كانت محل إقامة - لفردريك الحكيم وقال أحد المعاصرين عنها: "مدينة فقيرة لا أهمية لها بيوتها خشبية صغيرة، قديمة قبيحة الشكل" ووصف لوثر السكان بقوله: "إنهم سكارى يفتقرون إلى التهذيب منغمسون في العربدة إلى حد يجاوز الاعتدال، وقد اشتهروا بأنهم أشد الناس إدماناً على الشراب في ساكسونيا التي كانت تعد أعظم مقاطعة في ألمانيا يغرم أهلها بالشراب". وقال لوثر إن الحضارة انتهت على بعد ميل من الشرق وبدأت الهمجية وظل هناك الجانب الأكبر من حياته إلى نهاية أيامه.
ولا بد أنه قد أصبح راهباً مثالياً وقتذاك لأنه أرسل في اكتوبر من عام 1510 مع زميل له من الرهبان، إلى روما في مهمة غامضة للرهبان الأوغسطينيين، وكان أول رد فعل عنده لدى مشاهدته المدينة رهبة مشوبة بالورع، فسجد ورفع يديه وهتف يقول: "سلاماً عليكِ يا روما المقدسة!" وقام بكل الشعائر شأنه شأن أي حاج، وانحنى في إجلال أمام مخلفات القديسين وصعد على السلم المقدس Scala Santa وهو يسير على ركبتيه، وزار عشرين كنيسة وظفر بكثير من صكوك الغفران، حتى انه تمنى أو كاد لو كان والداه ميتين حتى يستطيع أن ينقذهما من المطهر. وارتاد المنتدى الروماني ولكن كان من الواضح أنه لم يتأثر بفن عصر النهضة، وكان رافائيل ومايكل أنجيلو ومئات غيرهما قد بدءوا في تزيين العاصمة. وظل سنوات عديدة بعد القيام بهذه الرحلة دون أن يقوم بتعليق واضح جلي على تعلق رجال الدين الرومان بالدنيا، أو على الانحلال الخلقي الذي كان شائعاً وقتذاك في المدينة المقدسة. ومهما يكن من أمر فإنه بعد عشر سنوات رصف روما عام 1510 بأنها "تدعو للمقت" ولا يزال من هذا المزيد في ذكرياته التي تبتسم بالخيال المتوقد، والتي تخطر له أحياناً في أحاديثه حول مائدة الطعام في سن الشيخوخة،




صفحة رقم : 8223




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


وقال إن البابوات أسوأ من الأباطرة الوثنيين وإن اثنتي عشرة فتاة عارية كن يقمن بخدمة رجال البلاط البابوي وقت العشاء"(14). ومن المحتمل أنه لا يتيسر له الدخول في أوساط رجال الكهنوت الكبار ولم تكن له معرفة مباشرة بأخلاقهم المنحلة التي لا شك فيها.
وارتقى بسرعة في المناصب التعليمية بعد عودته إلى فيتنبرج "فبراير عام 1511" ونصب نائباً للأسقف في طائفته. وألقى محاضرات في الكتاب المقدس، وقام بالوعظ بانتظام في كنيسة الأبرشية ونهض بعبء العمل في وظيفته بجد وولاء، ويقول عالم كاثوليكي مشهور: "إن خطاباته الرسمية تنم على اهتمام شديد بالذين ساورتهم الشكوك وتفيض بعطف رقرق على الآثم وتفصح عن لمسات عميقة من الشعور الديني والرأي العملي النادر وإن كانت لم تخلُ من تشويه نصائح لها اتجاهات مخالفة للعقيدة، وعندما اجتاح الطاعون فيتنبرج عام 1516 لزم مكانه بشجاعة، ورفض أن يتخلى عنه على الرغم مما أبداه أصدقاؤه من قلق"(15). وخلال هذه السنوات (1512-1517) تحولت آراؤه الدينية ببطء عن المذاهب الرسمية للكنيسة، وبدأ يتحدث عن "لاهوتنا" مقابل ما كان يدرس في ارفورت. وفي عام 1515 عزا ما أصاب العالم من فساد إلى رجال الكهنوت الذين قالوا للناس كثيراً جداً من أمثال وحكايات خرافية من إبداع البشر وليست من الكتب المنزلة. واكتشف عام 1516 مخطوطة ألمانية مجهولة المؤلف أيد ما بها من التقوى الصوفية رأيه في اعتماد الروح الكلي في الخلاص على رحمة الله إلى حد أنه أعدها للنشر وطبعها باسم "لاهوت ألماني Theologia Germanica". ووجه اللوم إلى المبشرين بصكوك الغفران لاستغلالهم سذاجة الفقراء، وبدأ في مراسلاته الخاصة يبرهن على أن "ضد المسيح" الوارد في الرسالة الأولى ليوحنا شبيه بالبابا(16). ودعاه الدوق جورج صاحب ألبرتين سكسونيا عام




صفحة رقم : 8224




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> تكوين لوثر


1517 إلى الوعظ في برسدن، فأثبت بالدليل أن مجرد قبول فضائل المسيح يحقق الخلاص للمؤمن. وشكا الدوق من أن مثل هذا التشدد في الإيمان أكثر من الفضيلة "سوف يجعل الناس مغرورين ومتمردين فحسب"(17)، وبعد ثلاثة شهور تحدى الراهب المشهور العالم إلى مناظرته في الرسائل الخمس والتسعين التي علها في كنيسة فيتنبرج.




صفحة رقم : 8225




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً



3- الثورة تتخذ شكلاً


قد توحي الصورة التي حفرها كراناخ على الخشب عام 1520 أن لوثر في عام 1517 كان راهباً حليق الرأس متوسط القامة رشيق الجسم إلى حين، وله عينان واسعتان ينما على العزم الجاد، وأنف كبير وذقن يدل على قوة العزيمة ووجه يفصح في هدوء لا في لجاجة عن الشجاعة وقوة الشخصية، ومع ذلك فإنه كتب هذه الرسائل بدافع من الغضب المتسم بالاخلاص لا عن جرأة حمقاء ولم يرَ فيها الأسقف الحلي شيئاً من الهرطقة ولكنه نصح لوثر في لطف ألا يكتب شيئاً آخر في الموضوع لفترة ما. وقد هل المؤلف نفسه ما أثاره من غضب. وفي مايو عام 1518 أبلغ شتاوبتز أن أمله الحقيقي هو أن يقضي حياته في عزلة هادئة ولكنه كان يخدع نفسه فقد كان تلذ له المعركة.
وأصبحت الرسائل حديث الطبقة المتعلمة في ألمانيا. كان الآلاف ينتظرون احتجاجاً كهذا، وهللت الحركة المضادة لرجال الدين وانطلقت من عقالها إذ وجدت صوتاً يعبر عنها. وقل الإقبال على شراء صكوك الغفران. ولكن كثيراً من أنصاره تصدوا لمواجهة التحدي وأجاب تيتزل، بمعاونة بعض المحترفين، في "مائة وست رسالة مضادة" (ديسمبر عام 1517). ولم يسلم فيها باي شيء ولم يقدم أي اعتذار بل "إنه أصدر في بعض الأحيان




صفحة رقم : 8226




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


حكماً لا يقبل التفاهم مؤيداً لآراء لاهوتية بحتة لا تكاد تتفق مع أعظم الدراسات دقة"(18). وعندما وصل هذا المؤلف إلى فيتنبرج وعرضه بائع جوال للبيع تألبت عليه جمهرة من طلبة الجامعة، وأحرق المخزون لديه وقدره 800 نسخة في ساحة السوق - وهو إجراء استهجنه لوثر في جذل. ورد على تيتزل في "عظة حوول صكوك الغفران والرحمة"، وختمها بقوله في تحد لا نظير له: "إذا كنت هرطيقاً في نظر مَن تعاني أكياس نقودهم من الحقائق التي أذكرها فإني لا أبالي كثيراً بصياحهم لأنه لا يقول هذا إلا مَن رانت على عقولهم غشاوة فلم يعرفوا قط الإنجيل"(19).
وأمطر جاكوب فان هوجسترايتن الكولوني، لوثر ووابلاً من عبارات التنديد، واقترح أن يحرق على السارية، وأصدر جوهان إيك، نائب مدير جامعة أنجولشتادت كتيباً باسم Obeilsci (مارس عام 1518) اتهم فيه لوثر بنشر "السم البوهيمي" (هرطقات هس) وتقويض النظام الاكليروسي بأسره.
وفي روما نشر سيلفستر بريرياس، رقيب الأدب البابوي حواراً "يؤيد فيه سيادة البابا المطلقة بألفاظ لا تخلوا تماماً من المبالغة وبخاصة عندما يبسط نظريته إلى نقطة خاصة بالتجارة في صكوك الغفران ليس لها سند ولا عليها دليل"(20).
وردّ لوثر في كتيب اسمه Resolutiones قرارات (أبريل عام 1518) وأرسل نسخاً منه إلى أسقفه المحلي وإلى البابا - مع تأكيدات بالمحافظة والطاعة في كلتا الحالتين وتحدث النص في رفق عن ليو العاشر: "على الرغم من أن في عالم الكنيسة رجالاً يجمعون بين العلم والقداسة فإن من سوء طالع عصرنا مع ذلك أنهم لا يستطيعون أن يمدوا يد العون للكنيسة... وها نحن أولاء نجد حبراً أعظم لا يباري هوليو العاشر، يمتاز بكمال وعلم هما بهجة لكل آذان الناس الطيبين، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل وحده أرق الرجال




صفحة رقم : 8227




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


قلباً في مثل هذه البلبلة الكبيرة بين الامور مهما كان جديراً بأن يحكم في أوقات خير من هذه؟... إننا في هذا العصر لا نستحق إلا بابوات من أمثال يوليوس الثاني وألكسندر السادس... إن روما نفسها - نعم روما، أكثر من الكل، تسخر الآن من الناس الطيبين، ترى في أي جزء من العالم المسيحي غير روما، حصن بابيلون الحقيقي، يهزأ الناس بحرية من أحسن الأساقفة؟" وأكد لليو مباشرة خضوعاً غريباً بقوله: "أيها الاب المبارك أقدم تحت أعتاب قداستك تذللي وخضوعي بكل ما أكونه وما أملك. هيا وسارع، واقتل وادعِ واستدعِ واستحسن واستهجن إذا راق ذلك في نظرك. إني سأقر بأن صوتك هو صوت المسيح، إذ يقيم في جسدك ويتحدث. وإذا كنت أستحق الموت فلن ارفض أن أموت"(21).
ومهما يكن من أمر فإن كتابة قرارات Resolutiones كما لاحظ مستشارو ليو أكد أن المجلس المسكوني أعلى رتبة من البابا، وتحدث مستخفاً عن المخلفات المقدسة وعن الحجج وأنكر فضائل القديسين الزائدة ونبذ كل الإضافات التي قام بها البابوات في القرون الثلاثة الأخيرة على نظرية صكوك الغفران وممارستها، ولما كانت هذه مصدراً له أهميته للدخل البابوي ولما كان ليو في حيرة لا يدري كيف يمول مشروعاته الإنسانية ومنازله وحروبه وإدارة وتنفيذ برنامج بناء الكنيسة أيضاً فإن الحبر الأعظم الذي استبد به القلق، والذي لم يعبأ في مبدأ الأمر بالنزاع باعتباره ضجة عابرة بين الرهبان، تصدى للأمر وأخذه وقتذاك على عاتقه واستدعى لوثر إلى روما (7 يوليو سنة 1518).
وواجه لوثر قراراً حرجاً فحتى إذا عامله أرق البابوات برفق فإنه قد يجد نفسه ملزماً بإيثار الصمت في أدب واعتقال نفسه في دير روماني وسرعان ما ينساه هؤلاء الذين يهتفون له الآن. وكتب إلى جورج سبالاتان القسيس الخاص بالأمير المختار فردريك يقترح عليه أن يبادر الأمراء الألمان بحماية




صفحة رقم : 8228




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


مواطنيهم من التسليم الإجباري لإيطاليا فوافق الأمير إذ كان يجل لوثر الذ كان له الفل في نجاح جامعة فيتنبرج، وفضلاً عن هذا فإن الإمبراطور ماكس رأى أن لوثر ورقة رابحة يمكن أن يلعب بها في نزاعه الدبلوماسي مع روما فأشار على الأمير المختار أن "يهتم جداً بذلك الراهب"(22).
وفي هذا الوقت نفسه كان الإمبراطور قد دعا المجلس النيابي الإمبراطوري إلى الاجتماع في أوجسبورج للنظر في طلب البابا فرض ضريبة على ألمانيا للمعاونة في تمويل حملة صليبية جديدة ضد الأتراك فرجال الاكليروس (كما رأى ليو) يجب أن يدفعوا عشر دخلهم والعلمانيون جزءاً من أثني عشر جزءاً من دخلهم، وكل خمسين من أرباب البيوت يجب أن يجهزوا رجلاً ورفض المجلس النيابي بل أنه على النقيض سجل مرة أخرى... المظالم التي كانت تهيئ الدعامة التي قام عليها لوثر، وأوضح للقاصد الرسولي أن ألمانيا كثيراً ما فرضت على نفسها الضرائب للحملات الصليبية فوجدت أن الأموال تنفق في أغراض البابا الأخرى وأن الناس يعارضون بشدة أية تنازل آخر عن المال لإيطاليا وأن المبالغ السنوية التي تدفع للبابا عن ريع أول عام ورسوم التثبيت الديني ونفقات القضايا الكنسية المحالة إلى روما كانت عبئاً ثقيلاً لا يطاق، وأن التبرعات الألمانية كانت تعطى مثل ثمار البرقوق إلى القساوسة الإيطاليين. وقال أحد النواب إن مثل هذا الرفض الجريء للمطالب البابوية لم يعرف قط في تاريخ ألمانيا(23). وعندما لاحظ ماكسمليان روح الثورة بين الأمراء كتب إلى روما ينصح بالحرص في معاملة لوثر، ولكنه وعد بالتعاون في القضاء على الهرطقة.
وكان ليو ميالاً أو مضطراً إلى التسامح، والحق أن مؤرخاً بروتستانتياً عزا انتصار الاصلاح الديني إلى اعتدال البابا(24) واستبعد الأمر بمثول لوثر أمامه في روما، وبدلاً من ذلك أمره بأن يمثل أمام الكاردينال كاجيتان في أوجسبورج وأن يجيب على التهم الموجهة إليه بالخروج على النظام والهرطقة. وأصدر




صفحة رقم : 8229




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


تعليماته إلى قاصده الرسولي بأن يعرض على لوثر صفحاً كاملاً ومناصب في المستقبل إذا تراجع عن أقواله وأقر بذلك وإلا فإنه سوف يطلب من السلطات الزمنية أن ترسله إلى روما(25). وفي الوقت نفسه أعلم ليو عن نيته في تقديم تكريم لفردريك طالما تطلع إليه الأمير المختار الورع - ألا وهو "الوردة الذهبية" التي كان البابوات يمنحونها للحكام الزمنيين الذين يودون أن يخصّوهم بأرفع هباتهم، ولعل ليو عرض وقتذاك أن يؤيد فردريك كوارث للعرش الامبراطوري(26).
وقابل لوثر في أوجسبورج الكردينال كاجيتان وهو متسلح بجواز أمان من الإمبراطور (12-14 أكتوبر عام 1518)، وكان الكردينال رجلاً متضلعاً في اللاهوت ويعيش حياة مثالية، ولكنه أساء تفسير وظيفته على أنه قاضٍ وليس دبلوماسياً، ورأى أولاً وقبل كل شيء أن الأمر مسألة تتعلق بالنظام الكنسي وضبطه: هل يسمح لراهب أن ينتقد علناً رؤساءه - الذين أقسم أن يدين لهم بالطاعة وأن يدافع عن آراء أدانتها الكنيسة؟ ورفض أن يناقش صحة آراء لوثر أو خطأها وطالبه بأن يسحب أقواله وأن يتعهد بألا يعكر صفو الكنيسة. ولم يستطع أحدهما صبراً على الآخر، وعاد لوثر إلى فينبرج دون أن يتوب وطلب كاجيتان من فردريك أن يرسله إلى روما فأبى فردريك. وكتب لوثر بياناً شائقاً عن المقابلات نشر في أرجاء ألمانيا، وعندما قدمه إلى صديقه فينتسل لينك أضاف قائلاً: "أرسل لك عملي التافه لكي ترى ما إذا كنت مخطئاً في رأيي، طبقاً لتعاليم بولس، أن المناهض الحقيقي للمسيحية يسيطر على البلاد الروماني وأنا أعتقد أنه أسوأ من أي تركي"(27). وفي خطاب أكثر اعتدالاً بعث به إلى الدوق جورج طالب بقوله: "يجب القيام بإصلاح ديني عام للطبقات الروحية والزمنية"(28) والمعروف أن هذه هي المرة الولى التي استخدم فيها الكلمة التي أضفت على ثورته اسمها التاريخي.




صفحة رقم : 8230




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


واستمر ليو في محاولاته للتوفيق، فأصدر نشرة بابوية في التاسع من نوفمبر عام 1518 أنكر فيها كثيراً من المزاعم المتطرفة التي نسبت إلى صكوك الغفران، فهذه لا تمحو الآثام أو الذنوب ولكنها تعفي فحسب من العقوبات الدنيوية التي فرضتها الكنيسة - لا الحكام الزمنيون - أما بالنسبة لإطلاق سراح الأرواح من المطهر فإن سلطة البابا محدودة بصلواته التي يبتهل فيها إلى الله أن يمنح روح ميت البركة الزائدة للمسيح والقديسين. وفي الثامن والعشرين من نوفمبر قدم لوثر طلباً إلى مجلس عام يستأنف فيه حكم البابا. وفي ذلك الشهر نفسه عهد ليو إلى كارل فون ميلتيتز، وهو نبيل من الطبقات الصغرى في روما، بأن يأخذ "الوردة الذهبية" إلى فردريك وأن يقوم أيضاً بجهد سلمي للعودة بلوثر "إبن الشيطان" إلى حظيرة الطاعة(29).
وعندما وصل ميلتيتز إلى ألمانيا دهش عندما وجد أن نصف أهالي البلد يجاهرون بالعداء للسدة الرومانية وأن من بين كل خمسة من أصدقائه في أوجسبورج ونورمبورج ثلاثة يؤيدون لوثر. وفي ساكسوني كان الشعور المناهض للبابوية قوياً إلى حد أنه تنصل من كل الدلائل التي تشير إلى أنه مبعوث بابوي. وعندما التقى بلوثر في ألتن بورج (3 يناير سنة 1519) وجده صريحاً يؤثر أن يقرع الحجة بالحجة ولا يهاب أحداً. وربما كان لوثر في هذه المرحلة يتوق في اخلاصه إلى الحفاظ على وحدة العالم المسيحي الغربي. وقام بتنازلات كريمة: أن يلزم السكوت إذا التزم خصومه بذلك وأن يكتب رسالة يعلن فيها خضوعه للبابا وأن يقر علناً بصحة الصلوات للقديسين وبحقيقة المطهر وبفائدة صكوك الغفران في الإعفاء من العقوبات الكنسية وأن ينصح الناس بالولاء المسالم للكنيسة، وفي غضون ذلك يجب أن تعرض تفاصيل الخلاف على أسقف ألماني يقبله الطرفان(30) للفصل فيها. فسر ميلتيتز كثيراً وانطلق إلى ليبتسيج واستدعى تيتزل وعنّفه على تطاوله واتهمه بالكذب وخيانة الأمانة وعزله فانزوى تيتزل في ديره ومات بعدها بقليل (11 أغسطس سنة 1519) وتلقى، وهو على فراش الموت، خطاباً




صفحة رقم : 8231




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


رقيقاً من لوثر يؤكد له فيه أن بيع صك الغفران لم يكن غلا مناسبة وليس سبباً للفتنة و "أن المسألة لم تكن قد بدأت من أجل ذلك ولكن أن للموضوع الوليد أبا آخر"(31). وفي الثالث من مارس كتب لوثر رسالة إلى البابا يعلن فيها خضوعه التام فرد عليه ليو بروح وديّة (29 مارس) ودعاه للحضور إلى روما ليدلي باعترافه، وعرض عليه مالاً لتغطية نفقات رحلته(32). ومهما يكن من أمر فإن لوثر، في تناقض صريح كان قد كتب إلى سبالاتان في الثالث عشر من مارس: "إني في حيرة لا أدري هل البابا مناهض للمسيح أم أنه رسوله"(33). ورأى أن في هذه الظروف أن من الأسلم له أن يبقى في فيتنبرج.
وهناك كانت الكلية والطلبة والمواطنون يعطفون في الغالب على قضيته، ولقد أسعده بصفة خاصة أن يلقى التأييد من شاب ألمعي، عالم بالإنسانيات واللاهوت، كان قد عينه الأمير المختار عام 1518 وهو في الحادية والعشرين من عمره لتدريس اللغة اليونانية بالجامعة. وكان فيليب شفارتسرت (الأرض السوداء) قد صبغ اسمه بالهيلينية وغيرّه إلى ميلانكتون على يد عمه العظيم رويخلين، كان رجلاً صغير القامة ضعيف البنية، يعرج في مشيته، وله تقاطيع لطيفة، وحاجبان مرتفعان، وعينان تنمان عن الخجل، وقد أصبح مفكر الاصلاح الديني هذا محبوباً في فيتنبرج إلى حد أن خمسمائة أو ستمائة من الطلبة كانوا يتجمهرون في قاعة محاضرته، بل إن لوثر نفسه الذي وصفه بأنه "ستحلى بكل فضيلة معروفة للإنسان"(34) كان يجلس في تواضع بين تلاميذه. وقال أرازموس: "إن ميلانكتون رجل رقرق الحاشية فحتى أعداؤه يذكرونه بالخير(35).
وكان لوثر يلذ له الصراع بينما كان ميلانكتون يؤثر المسالمة والتراخي، وكان لوثر يؤنبه أحياناً على أنه حليم أكثر مما يجب، إلا أن أنبل جانب للوثر وأشده اعتدالاً قد اتضح في حبه الذي لم ينقطع لرجل يختلف عنه في المزاج والسياسة. "لقد خلقت للحرب والقتال مع الأحزاب والشياطين، ومن هنا فإن كتب عاصفة خليقة بمحارب. لابد أن أجتث جذور جذوع




صفحة رقم : 8232




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


الأشجار وبقاياها وأن أنتزع الأشواك وأقلم نباتات الأسوار وأن أردم الحفر، فأنا خبير بالإحراج وأستطيع أن أقتحم فيها طريقاً وأن أهيّئ الامور، أما الأستاذ فيليب فإنه يسير في رفق وهدوء ويفلح الأرض ويزرع ويبذر ويسقي وهو مسرور كما حباه الله في سخاء"(36).
وثمة أستاذ آخر في فيتنبرج لمع ببريق أشد من بريق ميلانكتون ذلك هو أندرياس بودينشتاين، المعروف من محل ميلاده باسم كارلشتادت، وقد انضم إلى هيئة التدريس بالجامعة وهو في الرابعة والعشرين من عمره (1504) وفي الثلاثين عين أستاذاً لكرسي الفلسفة التومية واللاهوت. وفي اليوم الثالث عشر من ابريل عام 1517 سبق احتجاج لوثر التاريخي بنشر 152 مقالاً ضد صكوك الغفران. وكان في مبدأ الأمر معارضاً للوثر ولكنه سرعان ما تحول إلى نصير غيور حتى لقد قال عنه الثائر العظيم "إنه أشد تحمساً مني للأمر"(37). وعندما تحدى إيك في كتابه Obelisci رسائل لوثر دافع عنها كارلشتادت في 406 قضية منطقية واحدى هذه القضايا المنطقية تحتوي على أول بيان محدد بالألمانية عن الاصلاح الديني الألماني وعن سلطة الإنجيل العليا على مراسيم الكنيسة وتقاليدها. فرد إيك وتحداه أن يدخل معه في مناظرة علنية، فوافق كارلشتادت في الحال وقام لوثر بعمل التدابير اللازمة، ثم نشر إيك بياناً أورد فيه قائمة بثلاثة عشر مقالاً عرض أن يقيم عليها الدليل في المناظرة. وجاء في إحداها "نحن ننكر أن الكنيسة الرومانية لم تكن أعلى من الكنائس الأخرى قبل عهد سيلفستر وقد اعترفنا لشاغل كرسي بطرس بأنه خليفة المسيح ونائبه". ولكن لوثر وليس كارلشتادت هو الذي أثار في كتابه "قرارات" Resolutiones مسألة أن السلطة الرومانية في القرون الأولى من المسيحية لم يكن لها من السلطان ما يزيد على سلطان عدة أساقفة آخرين من أساقفة الكنيسة، وشعر لوثر بأن هذا التحدي موجه له وزعم أن مقال إيك قد حرره من عهده الذي قطعه على نفسه بالتزام السكوت وقرر أن ينظم إلى كارلشتادت في المبارة اللاهوتية.
وفي يوليه عام 1519 انطلق المحاربان إلى ليبتسيج يصحبهما ميلانكتون




صفحة رقم : 8233




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


وستة اساتذة آخرون، ويرافقهما 200 طاب من فيتنبرج في عربات ريفية وهم مسلحون ومسربلون بالدروع وكأنهم مقبلون على معركة، والحق أنهم كانوا يدخلون أرضاً معادية للوثر. وفي القاعة الكبيرة المفروشة بالطنافس في قلعة بلايسينبورج ووسط جمهرة من المشاهدين المتلهفين وتحت رئاسة الدوق المحافظ جورج صاحب ألبرتين ساكسوني بدأ إيك وكارلشتادت المثاقفة بين القديم والجديد (27 يونيه). ولم يكد أحد في ليبتسبورج يعبأ بأن إمبراطوراً جديداً سوف يُنتخب غداً في فرانكفورد الواقعة في المين.
وبعد أن عانى كارلشتادت أياماً من براعة إيك العالية في المناظرة ناب لوثر عن فيتنبرج. وكان المعياً قوي الحجة في النقاش، ولكنه كان قليل المبالاة إلى درجة التهور، فأنكر بشدة رئاسة أسقف روما في أيام المسيحية الأولى وذكر أشد مستمعيه كراهة بأن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الواسعة الانتشار لا تزال ترفض سيادة روما. وعندما هاجم إيك رأي لوثر وقال إنه إنما يردد وجهة نظر هس التي أدانها مجلس كونستانس، رد لوثر بقوله إن المجالس المسكونية يمكن أن تخطئ وأن كثيراً من آراء هس كانت صحيحة وعندما انتهى هذا الجدل (8 يوليه) كان إيك قد وصل إلى غرضه الحقيقي - وهو أن يستدرج لوثر إلى أن يرتكب بنفسه جريمة هرطقة محددة، فقد تحول الاصلاح الديني من خلاف صغير حول صكوك الغفران إلى تحدٍ كبير للسلطات البابوية على العالم المسيحي.
وانطلق إيك إلى روما وقدم إلى السدة البابوية تقريراً عما دار من نقاش وأوصى بحرمان لوثر من غفران الكنيسة، ولكن ليو لم يكن متعجلاً إلى هذا الحد إذ كان لا يزال يراوده الأمل في حل سلمي ثم إنه كان بعيداً جداً عن ألمانيا فلم يدرك مدى ما بلغته الثورة، كما أن مواطنين بارزين مبجلين من أمثال جوهان هولتسشوهر ولازاروس شبينجلر وفيليبالد بيركهايمر، دافعوا عن لوثر ودعا ديرر له بالنجاح وكان علماء الانسانية يطلقون




صفحة رقم : 8234




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


وابلاً من الكتيبات تطعن في البابوي بكل ما استوعبه العصر من نقد جارح. وعندما وصل أولريخ فون هوتن إلى أوجسبورج عام 1518 تحول بقصائده ضد نداء ليو بجمع الأموال للحرب الصليبية وأعرب عن أمله في أن يذهب الجباة إلى الوطن بحقائب خاوية. وعندما بلغته أنباء المناظرة في ليبتسيج حيا لوثر كمحرر لألمانيا وشرع قلمه ابتداء من ذلك الوقت سيفاً مسلطاً للدفاع عن الاصلاح، وانخرط في سلك فرسان فرانتس فون سيكنجن - الذين كانوا يتلهفون على الثورة - وأغراه على أن يقدم إلى لوثر كل التأييد والحماية اللتين يمكن لعصبته المسلحة أن تزوده بهما، ورد لوثر معبراً عن تقديره الحار، ولكنه لم يكن على استعداد لاستخدام القوة دفاعاً عن شخصه.
وفي مارس عام 1520 نشر هوتن مخطوطة ألمانية قديمة كتبت في عيد الإمبراطور هني الرابع (حكم من 1056-1106)، وكانت تؤيد هنري في صراعه مع البابا جريجوري السابع، وأهدى الكتاب إلى الإمبراطور الشاب شارل الخامس إشارة إلى أن ألمانيا تتوقع منه أن ينتقم لإذلال هنري وهزيمته. وقال هوتن إن تحرير ألمانيا من روما أشد إلحاحاً من صد الأتراك. "في الوقت الذي رأى فيه أجدادنا أنه لا يخلق بهم أن يخضعوا للرومان عندما كان هؤلاء أعظم أمه حربية في العالم نجد أننا لا نخضع لهؤلاء العبيد المخنثين المنغمسين في حمأة الشهوة والترف فحسب بل إننا نعرض أنفسنا للاغتصاب ونهيّئ لهم إرضاء شهواتهم الحسية"(38). وفي أبريل عام 1520 أصدر هوتن أول سلسلتين من Gesprache وهو محاورات منظومة لعبت دوراً لا يفوقه إلا مؤلفات لوثر، وذلك في الإعراب عن الرغبة القومية في الاستقلال عن روما واستنهاضها ووصف روما بأنها: "دودة ضخمة تمتص الدماء". وصرّح بأن "البابا زعيم لص وأن عصابته تحمل اسم الكنيسة... وروما بحر من الدنس وحمأة من القذارة وبالوعة ليس لها قرار من الظلم.




صفحة رقم : 8235


قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


ألا يجدر بنا أن نتقاطر من كل حدب وصوب لنقوم بإزالة هذه اللعنة الشائعة التي حاقت بالبشرية؟"(39)، وأقام أرازموس الحجة مع هوتن ليلطف من أسلوبه وحذره ودياً بأنه في خطر وعرضة للقبض عليه. واختبأ هوتن نفسه في قلاع سيكينجن واحدة إثر أخرى ولكنه استمر في حملته. ونصح الأمير المختار فردريك باستيلاء السلطة الزمنية على كل ثروة الأديرة، وأوضح الوجوه السامية التي يمكن لألمانيا أن تنفق فيها الأموال التي ترسل سنوياً إلى روما(40).
ولكن مركز الحرب ظل في فيتنبرج الصغيرة. وفي ربيع عام 1520 نشر لوثر موجزاً به ملاحظات عنيفة استشهد بها أحدث المزاعم التي لا تلين والتي يرددها علماء اللاهوت المحافظون عن سيادة البابوات وسلطانهم. وقابل لوثر التطرف بالتطرف: إذا كانت روما تؤمن وتعلم بمعرفة البابوات والكرادلة (التي أرجو ألا تكون تلك هي الحالة) فإني أعلن بحرية في هذه الكتابات بأن المناهض للمسيحية الحقيقي يجلس في معبد الرب ويحكم في روما - بابل هذه المصبوغة بلون الارجوان - وأن مجلس تلك العشيرة الرومانية هو هيكل الشيطان... وإذا استمر هياج أنصار روما على هذا النحو فلن يكون أمامنا من علاج سوى أن يتولى الأباطرة والملوك والأمراء، تحيط بهم القوة والأسلحة، مهاجمة هذه الأوبئة في العالم وحسم الأمر بالسيف لا بالكلمات... وإذا كنا نقضي على اللصوص بالمشانق ونضرب أعناق الناهبين بالسيوف ونلقي بالهراطقة في النار فلماذا لا نهاجم أيضاً بالأسلحة أساتذة الدمار هؤلاء، أعني هؤلاء الكرادلة وهؤلاء البابوات وكل هذه البالوعة من سدوم الرومانية التي أفسدت كنيسة الرب بلا حدود، ونغسل أيدينا في دمائهم؟"(41).
وأصدر كارلشتادت فيما بعد في العام نفسه "كتيباً" De Canonicis Scripturis Libelus جعل فيه الكتاب المقدس يعلو على البابوات والمجالس




صفحة رقم : 8236




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> الثورة تتخذ شكلاً


الدينية والتقاليد والأناجيل أعلى من الرسالات الإنجيلية، ولو أن لوثر اتبع هذا الخط الأخير لكانت البروتستانتية قد أصبحت أقل بولسية وأوغسطينية وجبرية كان كتاب Libellus على رأس عصره في الشك في تأليفٍ مؤسٍ للاسفار الخمسة (التوراة) وصحة الأناجيل ولكنه كان ضعيفاً في حجته الرئيسية: فقد قرر صحة الكتب الإنجيلية استناداً إلى الروايات المأثورة عن القرون الأولى ثم رفض الرواية التي تؤيد الكتب الثابتة على هذا النحو.
وتشجع لوثر بتأييد ميلانكتون وكارلشتادت وهوتن وسيكنجن فكتب إلى سبالاتان (11 يوليه سنة 1520): "لقد ألقيت النرد. وأنا أحتقر الآن غضب الرومان بقدر ما أحتقر رضاهم. ولن أهادنهم إلى الأبد... فليدينوا ويحرقوا كل ما يمت لي بصلة، وأنا في مقابل هذا سوف أفعل لهم الكثير... إني لم أعد اليوم أخشى أحداً وسوف أنشر كتاباً باللغة الألمانية عن الاصلاح المسيحي وهو موجه ضد البابا بلهجة عنيفة كما لو كنت أوجهها إلى مناهض للمسيحية"(43).




صفحة رقم : 8237




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> نشرات بابوية ملتهبة



4- نشرات بابوية ملتهبة


أصدر ليو العاشر في اليوم الخامس عشر من شهر يونيه عام 1520 نشرة أدان فيها واحداً وأربعين بياناً للوثر، وأمر بأن تُحرق علناً مؤلفاته التي ظهرت فيها، وأنذر لوثر بأن يتراجع عن أخطائه وأن يعود إلى حظيرة الدين. وإذا رفض أن يأتي إلى روما في خلال ستين يوماً ويسحب أقواله علناً فإنه سوف يُبتر من عضوية العالم المسيحي بحرمانه من غفران الكنيسة، وسوف يعرض عنه كل المؤمنين باعتباره هرطيقاً، وسوف تتوقف العبادة في جميع الأماكن التي يقيم فيها، وعلى جميع السلطات الزمنية أن تطرده من أملاكها أو تسلمه إلى روما.
وأعلن لوثر نهاية عهد التسامح بنشر أول كتاب من الكتيبات الثلاثة




صفحة رقم : 8238




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> نشرات بابوية ملتهبة


التي كونت برنامج الثورة الدينية. وكان حتى هذا الوقت قد كتب باللغة اللاتينية مخاطباً الطبقات المستنيرة، أما الآن فإنه كتب باللغة الألمانية - كوطني ألماني - خطاباً مفتوحاً إلى أشراف الأمة الألمانية المسيحية بشأن إصلاح طبقة رجال الدين، وشمل نداءه "استغاثة بالنبيل الشاب" الذي كان قد اختير منذ عام امبراطوراً باشم شارل الخامس "وأنعم به الله علينا ليكون زعيماً لنا وبهذا ينعش في كثير من الأفئدة آمالاً كباراً في الخير"(43). وهاجم لوثر "الجدران الثلاثة" التي شيدتها البابوي حول نفسها وهي: التمييز بين رجال الأكليروس والعلمانيين وحق البابا في أن يفسر الكتاب المقدس على هواه، وحقه المطلق في دعوة مجلس عام للكنيسة، وقال لوثر إن كل هذه الدعاوى الدفاعية يجب أت تُهدم. فأولاً ليس هناك فرق حقيقي بين رجال الأكليروس والعلمانيين إذ أن كل مسيحي ينصب قساً بالتعميد ومن ثم فإن على الحكام الزمنيين أن يمارسوا سلطاتهم "دون عائق أو اعتراض بغض النظر عما إذا كانوا يسيئون إلى البابا أو الأسقف أو القس... وكل ما نص عليه القانون الكنسي مما يناقض ذلك من خالص بنات أفكار الوقاحة الرومانية"(44). وثانياً: أن كل مسيحي يُعد قساً فإن له الحق في أن يفسر الكتب المقدسة طبقاً لما يراه(45). وثالثاً: يجب أن يكون الكتاب المقدس مرجعنا الأخير للعقيدة أو أداء الشعائر فالكتاب المقدس لا يقدم أية بينة على حق البابا المطلق في دعوة مجلس. وإذا كان ينشد بالحرمان من غفران الكنيسة أو التحريم أن يمنع مجلساً، "فإننا يجب أن نستخف بسلوكه كأنه تصرف رجل مجنون ونقذفه بحرمانه معتمدين في ذلك على الله ونقمته بقدر الإمكان"(46) ويجب دعوة مجلس في أقرب وقت وعليه أن يفحص المفارقة الفظيعة في أن زعيم العالم المسيحي يعيش في ترف دنيوي يفوق ما يحلم به أي ملك ولابد أن يضع هذا حداً لاستيلاء رجال الدين الإيطاليين على التبرعات الألمانية وأن يقلل إلى واحد في المائة من "زمرة الهوام" الذين يشغلون في روما مناصب دينية تدر عليهم دخلاً دون أن يؤدوا عملاً ويعيشون بصفة أساسية على الأموال التي يسلبونها من ألمانيا.




صفحة رقم : 8239




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> نشرات بابوية ملتهبة


"لقد قرر البعض أن أكثر من 300000 جولدن تجد طريقها كل عام من ألمانيا إلى إيطاليا... وها نحن أولاء نصل إلى لب الموضوع... كيف يتأتى أن يكون لزاماً علينا نحن الألمان أن نتسامح في مثل هذه السرقة ومثل هذا السلب لأملاكنا على يدي البابا؟... وإذا كنا بحق نشنق اللصوص ونضرب أعناق السارقين بالإكراه فكيف نسمح للشره الروماني أن يفلت من العقاب؟ ذلك لأنه أكبر لص وسارق بالإكراه جاء أو يمكن أن يجيء إلى العالم بل وشرهم قاطبة بالاسم المقدس للمسيح والقديس بطرس ومَن في وسعه بعد هذا أن يتحمل أو يلزم السكوت؟"(47).
لماذا يتحتم على الكنيسة الألمانية أن تدفع هذه الجزية الدائمة إلى سلطة؟ فليتخلص رجال الدين الألمان من تبعتهم لروما ولينشئوا كنيسة قومية تحت زعامة كبير أساقفة ماينز. إن أوامر الاستجداء يجب أن تقل ويجب أن يُسمح للقساوسة بالزواج ويجب ألا تؤخذ عهود الرهبنة قبل سن الثلاثين، وأن تلغى التحاريم والحج وشعائر القداس على أرواح الموتى... والعطلات (ما عدا أيام الآحاد) وعلى الكنيسة الألمانية مصالحة الهسيين في بوهيميا، إن هس أحرق دون أن يشفع له حصوله على جواز الأمان من الإمبراطور، وفي أية حال فإننا "يجب أن نتغلب على الهراطقة بالكتب لا بالحرق"(48) "ويجب أن يُنبذ كل قانون كنسي وألا يكون هناك إلا قانون واحد يطبق على رجال الدين والعلمانيين على السواء" - "يجب علينا فوق كل شيء أن نطرد من الأراضي الألمانية مبعوثي البابا بكل ما لهم من قوى" - وهي التي يبيعونها لنا مقابل مبالغ كبيرة من المال - لإقرار الأرباح الجائرة، للتحلل من الأقسام والعهود والاتفاقيات بحجة أن البابا له سلطة القيام بهذا العمل - وإن كان هذا خداعاً لا مراء فيه... وإذا لم يكن هناك أضاليل خبيثة أخرى لإثبات أن البابا هو المناهض الحقيقي للمسيحية فإن هذا الشيء يكفي لإثبات هذا. أتسمع هذا أيها البابا، ولا أقول أقدس الرجال بل أكبرهم إثماً؟




صفحة رقم : 8240




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> نشرات بابوية ملتهبة


ثق بأن الله رب السموات سوف يقوض عرشك قريباً ويغرقه في هاوية الجحيم... يا سيدي المسيح أطل علينا من عليائك ودع يوم قصاصك يشرق ودمر عش الشيطان في روما!(49).
وأصبح هذا الهجوم العنيف الذي قام به رجل ضد سلطة تشمل كل أوربا الغربية، حديث ألمانيا، فالحذرون من الرجال عدّوه من قبيل الافراط والتهور وعدّه الكثيرون من بين أعظم الأفعال البطولية في تاريخ ألمانيا. وسرعان ما نفدت أول طبعة من كتاب "خطاب مفتوح" وشغلت مطابع في تمبرج بإخراج طبعات جديدة. وكانت ألمانيا مثل إنجلترا، مهيأة لتقبل الدعوة إلى القومية ولم يكن هناك إبان هذا العهد دولة اسمها ألمانيا على الخريطة ولكن كان هناك ألمان بدءوا يشعرون بأنفسهم كشعب. وبما أن هس قد أكد وطنيته البوهيمية، وبما أن هنري الثامن لم ينبذ العقيدة الكاثوليكية بل رفض أن يمتد سلطان البابا إلى إنجلترا، فإن لوثر وقتذاك زرع بذرة الثورة لا في صحارى اللاهوت بل في الأرض الخصبة لروح ألمانيا القومية وحيثما فازت البروتستانية حملت القومية العلم.
وفي سبتمبر عام 1520 أصدر إيك وجيروم ألياندر منشور الحرمان من غفران الكنيسة في ألمانيا فرد عليهم لوثر الطعنة باصدار بيان ثانٍ هو "الأسر البابلي للكنيسة" (6 أكتوبر) ولما كان موجهاً إلى علماء اللاهوت والدارسين فإنه عاد إلى الكتابة باللاتينية، ولكن سرعان ما ترجم البيان وكان له تأثير عظيم على العقيدة المسيحية قارب تأثير "خطاب مفتوح" على التاريخ الديني والسياسي. فكما قاسى اليهود طويلاً من الأسر في بابل فإن الكنيسة كما أنشأها المسيح، وكما نص عليه في العهد الجديد قد تعرضت للأسر ما يزيد على ألف عام تحت حكم البابوية في روما. وفي خلال تلك الفترة تعرض دين المسيح إلى الفساد في الإيمان والأخلاقيات والشعائر. وبما أن المسيح قد أعطى حوارييه نبيذاً وخبزاً في العشاء الأخير فإن الهسيين كانوا




صفحة رقم : 8241




قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> الثورة الدينية -> لوثر والإصلاح الديني في ألمانيا -> نشرات بابوية ملتهبة


على حق فيما ذهبوا إليه: إذ يجب أن يتناول القربان المقدس بكلا الشكلين كما يشاء الناس، والقس لا يغير الخبز والنبيذ إلى جسد ودم المسيح، فليس هناك قس يملك هذه القدرة الصوفية، ولكن المسيح سيجيء روحياً ومادياً لكل مَن يتناول القربان المقدس لا عن طريق أي تحول معجز على يد أحد القساوسة بل سيجيء بإرادته وقوته، فهو حاضر في القربان المقدس مع الخبز والنبيذ عن طريق التجاسد لا عن طريق التجسيم(50). ورفض في هلع الفكرة التي تذهب إلى أن القس يقدم المسيح إلى أبيه في القداس قرباناً للتكفير عن خطايا البشر ولو أنه لم يجد ما يفزعه في الفكرة التي تقول إن الرب قد سمح للبشر بأن يصلبوا الرب قرباناً للرب تكفيراً عن خطايا البشر.
وأضاف بعض المستحدثات الأخلاقية إلى هذه الأمور الدينية التي تدق على الفهم، فالزواج ليس قرباناً مقدساً لأن المسيح لم يقطع على نفسه عهداً بأن يبث فيه الرحمة الإلهية وقال "إن زيجات الأقدمين لم تكن تقل قداسة عن زيجاتنا كما أن زيجات الكفار ليست أقل صحة من زيجاتنا"(51). وعلى ذلك يجب ألا يحرم الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين "فكما آكل وأشرب وأنام وأمشي... وأتعامل مع وثني أو يهودي أو تركي أو هرطيقي فإن في وسعي أن أتزوج من أي واحدة من نسائهم، فلا تبالوا بالقانون الذي سنه الأحمق لتحريم هذا... إن الشخص الوثني سواء كان رجلاً أو امرأة خلقه الله كما خلق القدّيس بطرس والقديس بولس أو القديسة لوسي"(52). وأي امرأة تتزوج من رجل عنين يجب أن يسمح لها، إذا وافق زوجها، بأن تضاجع رجلاً آخر لكي تنجب منه طفلاً ويجب أن يسمح لها بأن تدعي أن الطفل هو ابن زوجها وإذا أبى الزوج فإنها تستطيع بحق أن تطلق منه. ومع ذلك فإن الطلاق مأساة لا نهاية لها، ولعل تعدد الزوجات خير منه(53). ثم أضاف لوثر التحدي إلى الهرطقة وانتهى إلى أن يقول "إني أسمع إشاعة إن نشرات بابوية جديدة ولعنات بابوية تُرسل ضدي تتضمن حثاً على سحب أقوالي(54)...




صفحة رقم : 8242




التوقيع :
إن كان من ذبح التاريخ من نسبي
على العصور فإني أرفض النسب
 
إنشاء موضوع جديد  موضوع مغلق  


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

اخر المشاركات و المواضيع
Get Fast Payday Loans UK Evermine [ 1 من 10 ]

[ الكاتب : hegiddemy ] [ آخر مشاركة : hegiddemy ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
الف مبروك لكل الناجحين في الثانوية العامة [ 2 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 82 ] [ عدد الردود : 0 ]
المرحوم الشاب منعم كاسر الياس [ 3 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 158 ] [ عدد الردود : 0 ]
fda breast implants 2011 [ 4 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamMi ] [ آخر مشاركة : WilliamMi ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
buy cialis online us pharmacy cs8b [ 5 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamMi ] [ آخر مشاركة : WilliamMi ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
jordans for sale_6_484 [ 6 من 10 ]

[ الكاتب : outletcheaps ] [ آخر مشاركة : outletcheaps ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
125 mcg levothyroxine [ 7 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamMi ] [ آخر مشاركة : WilliamMi ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
بكل محبة ... [ 8 من 10 ]

[ الكاتب : أنطون وسوف ] [ آخر مشاركة : أنطون وسوف ] [ عدد الزوار : 374 ] [ عدد الردود : 0 ]
valium addiction potential [ 9 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamMi ] [ آخر مشاركة : WilliamMi ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
bald treatment [ 10 من 10 ]

[ الكاتب : WilliamMi ] [ آخر مشاركة : WilliamMi ] [ عدد الزوار : 1 ] [ عدد الردود : 0 ]
أضغط على الصورة هنا للذهاب للصفحة الرئيسية للموقع :
جميع الأوقات بتوقيت برشين

عدد الزيارات :




النسخة الماسية الإصدار Powered by  vBulletin 3.6.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
منتديات برشين ملتقى شباب و صبايا برشين .... جميع المشاركات والمواضيع في منتديات برشين لا تعبر عن رأي الإداره بل تمثل وجهة نظر كاتبها